 قضايا

الفلسفة والايديولوجيا في مواجهة اللبرالية والنيولبرالية

محمد مسلم جمعةلاحظ الفلاسفة قديما، أن الاجتماع المتمدن هو الذي يربط الناس بروابط اجتماعية وفكرية ودينية معينة، والمهم بالنسبة لهم هو نوع هذه الروابط لا غير، من أجل ذلك اجتهد المشرعون في وضع قوانين لتنظيم الروابط وأبرزها العقد الاجتماعي الذي وضع حدا للسخرية التي كانت مفروضة من قبل الاقطاعين على عامة الناس، لتليها أيديولوجيات وعقائد كالماركسية وغير ذلك من اشتراكيات في مواجهة قوانين الرأسمال الحر والمعدل فيما بعد برأسمال موجه الى ما هنالك من فلسفات وأيديولوجيات، اشتراكية ولبرالية تتمظهر بالديمقراطية والحرية وحقوق الانسان، أخذت الدول التي خرجت من الحرب العالمية الثانية وها نحن نشهد النيولبرالية التي لم تعد تخدم شعارات اللبرالية الرأسمال المهسك بالتطورات الاقتصادية بفعل سيطرتها على التقنية واستثمار الذكاء الاصطناعي والرقمية، من أجل ذلك يسعى حيتان المال والشركات العملاقة الى قيام حكومة عالمية تعمل في خدمة الرأس المال ولا هدف لها سوى المزيد من الربح .

الرومانسية السياسية باتت طريقة للتحليل السياسي التجاري أيضاً، فموازين القوى ليست أزراراًلكن مقياس هذه الرومانسية يجد أن الصين سوف تتفوق وان الولايات المتحدة الأمريكية سوف تتراجع والاتحاد الاوروبي سوف يتفكك . وقد تتصاعد هذه الرومانسية للحديث عن امكانية تشكيل البشر لحكوماتهم العالمية، على الرغم من ان النظر في البعد الأخلاقي أصبح أضغان أحلام في النظام العالمي اليوم وفق تقليعاته النيولبرالية . لن تنظر لنا الشركات العملاقة بعين العطف وهي تخوض تجاربها المتنوعةعلى الشعوب في كل يوم ولن يحدث كتاب "آدم سمث "ما جاء في كتابه "ثروة الأمم"في تقريره عن أحد معالم التطور الاقتصادي هي المصلحة الفردية وهي غاية وطموح التبادلات الاقتصادية على حد تعبير "ماكس فيبر "من يقوم على ادارة المشروعات، يهدف الى الى المزيد من الربح . ويبقى الخاسر الأكبر هو الانسان . ان الهيمنة الثقافية وفق تجلياتها الاعلامية وهي العاملة في رعاية وخدمة اللبرالية باسم العولمة وكما علمتنا التجارب انها تقوم على تمجيد الآلة ..انها الوباء الكوني الزاحف لكي يجعل من الآلة إله . مهما قيل ومهما تعددت الآراء والتساؤلات بتنوعها وتباينها حول مفهوم العولمة التي أشار اليها ثلاثة مفكرين من الفلاسفة : هايدغر في مفهوم الجشطالت ليوثار في مفهوم ما بعد الحداثة هابرماس في مفهوم تقنية العلم أو تصنيع العلم . ان تمجيد الآلة هو تمجيد للسوق والكم والشيء .آخذ في توحشه في تدمير الارض وما عليها من بشر وصولا الى تدمير العلاقة القائمة ما بين الانسان والطبيعة وتأثير ذلك على الغذاء والكساء والمياه والهواء . وهانحن نشهد دمار الكوكب الأجمل وهي الارض . يجري كل ذلك في أجواء تمجيد الآلة والسوق والكم والرقمية والذكاء الصناعي . هكذا تزحف التقنية مدعومة بآلاتها ويتبعها معسكرات الغزو والنهب وحاويات النفايات من كل نوع: بدءاً بالنفايات الذرية وما ستؤول اليه من تدمير للانسان نفسه.

اما على صعيد المجتمعات العربية الإسلامية فانها تعيش أزمة الخلط ما بين المشروعية الدينية والمشروعية السياسية: تعاني المجتمعات العربية الإسلامية من خلط ما بين المشروعية الدينية وبين المشروعية السياسية، فالأولى لا تُمس وغير قابلة للنقاش، وحده النبي هو من ينظر في مثل هذه الأمور، أما السلطة السياسية ولو مُورست من قبل رجال الدين، فهؤلاء مهما بلغت رتبهم وأهميتهم ليسوا معصومين، إنما هم بشر وبعد النبي لم تتجسد هذه المشروعية العليا في أي شخص. لكن الجماهير الساحقة من المحازبين الدينيين في المجتمعات العربية، تفتقر إلى التمييز الهام، بين المشروعية العليا الإلهية والمتعذرة على البشر وبين المشروعية السياسية والأيديولوجية التي هي من اختصاص البشر، سواء أكانوا حكاما أو محكومين .هنا تكمن المشكلة الخطيرة، فالحركات السياسية التي تستخدم الدين كمجرد سلاح لبلوغ مآربها السلطوية والدنيوية . كيف يمكننا فهم هذه المشكلة والتي تحتاج إلى نحلل تاريخنا تحليلا عميقا ومستفيضا . على صعيد الموقف الإسلامي والأدبيات التي أنتجها، وهي غزيرة، من حيث الكم والمضمون والمنهج وسعة الأفق، يعيش المسلمون حالة سياسية وثقافية مأساوية، تقف دون طرح مشاكلهم على مستوى التحليل التاريخي والألسني والأنتروبولوجي والضروري جدا وفي هذا الوقت بالذات، حيث لاتزال المنهجيات التقليدية البالية تهيمن على الجامعات والأذهان والأوساط الثقافية، يضاف إلى هذا، الرقابة الذاتية التي يفرضها المثقفون، على أنفسهم، فتنقصهم الجرأة على طرح هذه الموضوعات الساخنة والملتهبة (موضوعات تخص السلطة ومشروعيتها) يمتنعون عن مقاربتها بشكل واضح وصريح .

 

محمد مسلم جمعة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5166 المصادف: 2020-10-27 04:01:42