صالح الفهدييُبادرُ البعضُ فوراً إلى الإِجابةِ عن السؤال: متى تنتهي الحياة؟ بأنَّها تنتهي بانقضاءِ الأجلِ المحتوم، لكنَّ الجوابَ الأعمق لهذا السؤال ليس كذلك!، فالحياةُ تتنهي فورَ أن يُقرِّر الإِنسانُ أنَّه لا جدوى منه، وأنَّه كالبرغي الذي لا مكانَ لهُ في حركةِ الدُّولاب..!

الحياةُ تنتهي حينَ يزعم المُتقاعد أنَّه "قدَّم ما عنده" فيكتبُ بذلك شهادة "عدم صلاحيةٍ"، وكأنَّما أفرغَ كلَّ ما في جعبته، ولم يعد يملكُ شيئاً ليقدِّمه، بينما هو في الحقيقة يملكُ ما هو أهم؛ إنَّه يملكُ الخبرات المتراكمة، والتجارب المثرية، والقدرات الثمينة.

الحياةُ لا تنتهي بالموت، وإن كان الموتُ يغيِّبُ الأجساد، ولكنَّهُ لا يغيِّبُ المآثر، يقولُ الشافعي:

قد عاش قومٌ وما ماتت مآثرهم ..

ومات قومٌ وهم في الناس أحياءُ

فها نحنُ لا نفتأُ نتحدَّث حتى اليوم عن أُناسٍ عاشوا منذُ آلاف السنين، وكأنَّهم أحياءَ بيننا؛ تقتبسُ عباراتهم، ونستشهد بقصصهم، ونردِّد أشعارهم، ونسردُ سيرهم، فلم تحجبهم عنَّا طول الآماد، ولم تطوِ الدهور أخبارهم لأنهم قدَّموا مآثر للناس، وأعمالاً عظيمة لا تُنسى، فهم أحياءٌ وإن رمَّت عظامهم، لأن الحياةَ الحقيقية هي ما المنجزاتُ المجيدة، لا الأعمار المديدة.

الحياةُ تنتهي حينَ يقرِّر الإِنسانُ أنَّه قد تعلَّمَ ما يكفيهِ وهو جاهل، فهذا يتراجعُ معرفياً، ويضمرُ فكرياً، ولا يعرفُ في حياتهِ معنى النموِّ، ولا أثرِ الفكر،  يقول ثورو "Thoreau" كيف لنا أن نتذكر جهلنا الذي يحتاج إليه نمونا إذا كنا نستخدم معرفتنا طوال الوقت؟

الحياةُ تنتهي حين لا يملكُ الإنسانُ هدفاً يسعى إليه، فالهدفُ هو الذي يحدِّدُ الغايةَ، ويحفِّزُ الهمَّةَ، ويصنعُ الطريق، أمَّا الحياةُ دون هدف فهي ضياعٌ تام، وشتاتٌ مستمر، وتخبُّطٌ دائم، وكلَّما صُنعت الأهدافُ الأساسية في عمرٍ مبكِّر كان نتاجها أفضل، وحصادها أجود.

ولقد شهدنا كيف أن البعضَ قد وضعَ أهدافاً للتقاعدِ في عُمُرٍ معيَّن، وعَمَلَ على تطوير قدراته، والتَّرقي في وظيفته، والاستثمار في أمواله حتى إذا وصل السن التي جعلها هدفاً لتقاعده كان قد ضمنَ تحقُّق الأهداف التي رسمها، فخرجَ من عمله بكلِّ رضاً وسعادةً ليفتحَ صفحةً من العمل الحرِّ الذي كان قد خطَّ طريقه، وترسَّم أهدافه وهو على رأسِ عمله.

وفي المقابل شهدنا على أُناسٍ أُحيلوا إلى التقاعدِ بعد ثلاثين عاماً وهم في غاية الصدمة لأنهم غرقوا في وظائفهم، ونسوا أمرَ التقاعد، ولم يستثمروا في شيءٍ يحقق لهم عائداً مالياً إضافياً، ولهذا كانت صدمتهم كبيرة، وشعورهم بالإِكتئابِ والإحباط مؤذي..!

الحياةُ تنتهي حين يقرِّر البعض أنهم سيكونون فارغين لا همَّ لهم إلاَّ متابعة التفاهين، الذين يشغلونهم بفضائحهم، وسلوكياتهم الشاذة، ومحتوياتهم الفارغة، وتعليقات الناس عليهم، وهكذا لا يكون للحياةِ من محتوى نافع، ولا من مضمونٍ هادف!

الحياةُ تنتهي حين يقرِّر البعض أنهم يقضون سحابةَ يومهم في فراغٍ تام، ويقضون ليلهم في سهرٍ بليد، لا أعمالَ يقضونها، ولا واجباتٍ يقومون بها، وإننا لنرى حياةَ الذي لا يعمل ولا يُجهدُ عقله ولا يشغل تفكيره أقصرُ من الذي يقومُ بعكسِ ذلك لا تهدأُ له وتيرة، ولا تفتر له همَّة، ولا يقعدهُ عزم، فالأمراضُ والوهنُ وضعف الذاكرةِ تغزو الأوَّل أكثرَ من الثاني.

الحياةُ تنتهي عندَ شبابٍ في ريعانٍ أعمارهم لأنهم سلكوا مسلكَ الراحةِ، والفراغ، فتوقفوا عن ما يطوِّر من عقلياتهم، ويحسِّنُ من تفكيرهم، ويجوِّدُ من مهاراتهم، ويشغلُ من أوقاتهم، فهم يمضونُ أوقاتهم في الألعاب الإلكترونية إلى درجةِ الإدمان، ويجلسون مع أصحابهم جلوساً لا حدَّ له، فتمضي حياتهم دون هدف، وتسيرُ خبطَ عشواء أينما تتجاذبهم ظروفهم أو ظروف الآخرين، إن قال لهم هذا: هيَّا، لم يسألوا أين، بل اتجهوا وكأنَّما هم قطيعٌ يساقُ إلى حيث لا يدري..! حياةٌ فارغةٌ من كلِّ شيء!.

الذين قرروا أن يكون الجلوس الطويل الفارغ مصيرهم هم الذين حكموا على حياتهم بالإنتهاء، لأن الخمود ضمورٌ للجسدِ، ومهلكةٌ للنفس، فالعملُ هو الذي يُذكي النفس بالثقة، ويزوِّدها بالإِعتداد، ويملؤها بحبِّ الحياةِ، أما العطالةِ والبطالة فإنها مجلبةٌ للإكتئاب والقلق والجهالة!

يتقدَّمُ عمرُ الإنسان لكن "الجسد هو الذي يشيخ بينما لا تشيخ الرُّوح" كما يقول الأديب الروسي أنطوان شيخوف، وعلى ذلك يقرر الإنسانُ إن كان يريدُ أن يشيخ أم يظلُّ شاباً، فقد سمعتُ شباباً قرَّروا أن يشيخوا، فيقولون: لقد شُخْنَا، فأقول لهم: هذا قراركم، فكم من كبيرَ سنٍّ هو شَابٌّ مقدام، وكم من صغيرَ سنٍّ هو شيخ خائر! والعلَّةُ ليست في الجسدِ، ولا العمر وإنَّما في الأفكار التي يغذِّيها الفردُ عقله.

إن الحياة لا تنتهي إن رُسمت الأهداف، وحُدِّدت الإِتجاهات، وشُغِلَ العقلُ بما ينفعه، ومُلِئت النفسُ بما يفيدها، وتحرَّك الجسدُ في ما يجلبُ له الصحَّة والنشاط والحيوية، وحققت التوازنات في الحياة، وارتبطَ الإنسان بالعلاقات الوطيدة النافعة بالآخرين، وظهرت الإنجازات، وحُصدت الإِستثمارات، وجُنيتَ البركات..

لن تنتهي الحياةُ حينها بانقضاء الأجل لأن ظلالها ممتدة، ومآثرها بارزة، ومنجزاتها خالدة، وسيرتها حيَّة، وهذه هي الحياة الحقيقة؛ فالحياةُ هي أثارٌ لا أعمار، وهي إنجازاتٌ لا سنوات.

 

د. صالح الفهدي

 

اسعد شريف الامارةقراءة مستقبلية "نفسية تحليلية" في سيكولوجية الشخصية

مقدمة: اعتاد الباحث في دراسة سيكولوجية الشخصية أن يكون هناك الجانب النظري الذي يغطي أوسع مساحة في الشخصية ومن ثم التأثيرات المحيطة بها، وبلغة المنهج العلمي المتغيرات المؤثرة في نموها وتنشئتها لا سيما نحن نتطرق إلى نمط محدد من الشخصية في إطار حضاري ومجتمعي، يمكننا القول إنها الشخصية اليمنية بالتحديد لا في ماضيها فحسب وإنما بحاضرها الحالي وإذا اسعفنا المنهج النفسي التحليلي استشراف المستقبل بما ستأول عليه هذه الشخصية، وهي مقاربات وتصورات تستند على فكر بحد ذاته.

الشخصية والصحة النفسية زمن الحرب:

في الأدبيات النفسية أن الشخصية في الاصطلاح "معطى" ثابت ومستقبل، والوجود الإجتماعي تعبير عن هذا المعطى وإنعكاس له، ويقول استاذنا الراحل الدكتور "فرج أحمد فرج" رحمه الله وهكذا يصبح التسليم بالأمر الواقع شيء لا مفر منه ويصبح غاية ما يمكن بلوغه هو تطويع الواقع بما يتناسب والخصائص الشخصية المحددة، فالشخصية القبلية العشائرية تفرض على أصحابها نمطًا من الحياة ولا قبل لهم باحتمال نمط مخالف له، فلذا تتشكل قيم الشخصية من قيم المجتمع الذي تعيشه وتنشأ فيه وتنمو حتى يكون النمط السائد هو الذي يسمي اصحاب هذا المجتمع، فالشخصية القبلية العشائرية تفرض حياة قبلية عشائرية ايضا، والشخصية القروية بما تتميز به من أفق محدود وجنوح إلى الفكر الغيبي تفرض على من يؤمن بها نمطًا من الحياة المعاشة، ونحن في هذه المقدمة نحاول أن نستعرض بعض الرؤى عن الشخصية ومحاولة ربطها بمتغيرات أخرى مؤثرة فيها في ظرف فرض أن يكون اللاعب الرئيس في هذه الشخصية هو الظرف السياسي والظرف الآخر المتأصل وهو العقيدة وتأثيراتها في تكوين الشخصية خلال مرحلة زمنية بعينها.

ان الشخصية التي نحن بصدد دراستها في مجتمع يمر بأزمة تعد من أشد الأزمات في حياة المجتمعات وهي الحرب وإنتشار الوباء العالمي وتفشي الفقر مع تفكك واضح في القيم السائدة، لذا لا نغالي إذا قلنا إنها محنة الوجود الإنساني في وطنه، والشعور بالإغتراب وهو على أرضه، وتؤكد لنا أدبيات علم النفس أن شخصية إنسان الوطن العربي هي شخصية إنسان تعترض طريق تطوره الحضاري قوى خارجية، وتنفذ هذه القوى إلى داخل بناء المجتمع العربي وتتسرب داخل كيانه ويستجيب لها بمختلف اشكال المقاومة والتمثل، والتقبل والرفض والدفاع والإنكار، وهذا ما ينطبق على ظاهرة الحرب في اليمن تحديدًا وهو مدخلنا إلى التعرف على ما تتركه من بصمات على شخصية الفرد اليمني " نساء، رجال، أطفال، كبار السن، البيئة الاجتماعية والقيم، اختفاء العادات والتقاليد، التغيير الإجتماعي السريع مثل صلة القرابة، العلاقة مع الجيران، الأمانة والإخلاص في العمل، الهوية والإنتماء للوطن وهناك العديد من المتغيرات الاخرى المؤثرة".

أما الصحة النفسية وهي المتغير المهم في هذا الموضوع فتعرف بانها خلو الشخصية من الانحرافات السلوكية ومن الاضطرابات النفسية الواضحة" كما ذكرها مصطفى كامل في موسوعة علم النفس والتحليل النفسي".

يرى علماء التحليل النفسي إن الإضطرابات التي تعقب الصدمة "أعني هنا" صدمة الحرب وانتهاءها هو وجود إستعداد قبلي فردي وجمعي لظهور أعراض عديدة تشمل المجتمع باسره، فقوام الصدمة لم يعد يتعلق فقط بالخسارة، بل أيضا بمفعول الحدث، والمفاجاة وبواقع عَصَفَ في الذات بدون وساطة محدثًا شرخًا، فجوة كما يقول البروفيسور "عدنان حب الله" فالفضاء الإجتماعي النفسي المعنوي المتجانس الذي كان يعيش فيه الفرد اليمني، أو الأسرة اليمنية أصبح مكسورًا مبتورًا، والزمن الذي كان يوصل بين الماضي والحاضر والمستقبل قد توقف وهو في الحقيقة شرخ في تاريخ الانا – الذات . لقد أنتهت حقبة وبدأت حقبة، في بعض الاحيان تظهر على المصدوم سلسلة من الاشارات والأعراض Symtoms تشهد بتوقف الزمن منذ بداية الحرب، فالبعض من الناس يردد لم يعد يعيش وطأة هذا الحدث الخطير، يردد البعض عن حياتهم إنها مقسومة إلى قسمين : فمنذ الحرب أصبح وقوع الفاجعة – وقوع الحرب هو المرجع التاريخي الذي يحل محل تاريخ بدء الحياة، فهناك ما قبل الحرب وما بعدها.

عندما يمرض المجتمع:

تنتج الحروب والأزمات الكبيرة والأوبئة وانتشار الجائحة أمراض إجتماعية نفسية يكون هدفي الفردي هو الإنسان بتفكيره وعقله وجسده، أما أمراض المجتمع فهي عديدة لا حصر لها وأولها تفتت القيم، والقيم كما هو معروف علميًا في علم النفس وعلم الإجتماع هي نتاج ثقافي – إجتماعي، ونتاج التنشئة والتفاعلات بين أفراد المجتمع وما يلقاه الأفراد من تنشئة أو تشجيع، أو احباط حيال قيم معينة كما أوردها" يوسف الحسن" في كتابه قلق القيم . أما على المستوى الفردي أو الجمعي فتنتشر الاضطرابات النفسية والعقلية بشكل ملفت بسبب قسوة المعارك والقلق الذي ينتاب كبار السن والأطفال والنساء ومن أشهر هذه الاضطرابات هي عصاب الحرب مثل " القلق المرضي، حالات الهستيريا، الوساوس بانواعها، الاكتئاب النفسي، الاضطرابات النفسجسمية، الوهن النفسي، المخاوف المرضية "الرهاب"، توهم المرض، رهاب الاحنجاز وغيرها، أما الاضطرابات الذهانية" الاضطرابات النفسية" منها الفصام بانواعه والاكتئاب العقلي وبرانويا العظمة والاضطهاد والهوس بانواعه واضطرابات اخرى. 

ان عصاب الحرب Neurosis بأشكاله والعصاب بشكل عام كما يذكره مؤسس التحليل النفسي "سيجموند فرويد" انها اضطرابات وظيفية غير مصحوبة باختلال جوهري في إدراك الفرد للواقع، ويميز التحليل النفسي بين نوعين من الأعصبة: الاعصبة الواقعية( Actual Neuroses ) مثل النيروستانيا وعصاب القلق، والاعصبة النفسية( Psycho neuroses  ) وأهمها الهستيريا والوساوس والاضطرابات النفسجسمية ويضيف أطباء النفس والتحليل النفسي أضطرابات اخرى يعاني منها من تعرض لمواقف صدمية مفجعه بسبب الحروب منها الوهن – الوهن العصبي- المخاوف المرضية "الفوبيا" التقلب الإنفعالي الدوري.

ومن الاعراض التي يعاني منها الفرد بعد إنتهاء العمليات العسكرية وتكاد تكون سلوك جمعي بين الناس "نساء ورجال، شباب ومراهقين وبالغين " عاشوا سنوات الحرب أو شاركوا بها، فتسود لديهم حالة في السلوك منها سيطرة قوى مجهولة خفية ليس لها أي رقابة عليها، وهذا يُرى في العقد والشعور الدائم بالدونية فضلا عن الوساوس، لقد ذكر "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي بهذا الصدد "أنه يشبه الفارس الذي يُقاد حيث يشاء حصانه أن يذهب وهو يعتقد انه يقود حصانه".

من الأعراض السلوكية التي تبرز على المستوى الفردي والجمعي هو أنواع مرتبطة بالعصاب " الاضطراب النفسي" منها عدم التوازن النفسي فيبدو على الإنسان أنه يعيش في صورة مصطنعه، تغمره الهموم وحالة الهياج بدون مبرر، والشعور بالانهاك وحشو جنوني للدماغ بصور مختلفة من الماضي القريب، فترة أو مرحلة الحرب لذا يلجأ إلى المهدئات وربما يشتري البعض الكحول، أو تصل الحالة إلى أن كمية القات لم تعد تكفي للتخزين لأنه الهموم أكبر من حجم المستخدم من القات فيبحث البعض وعلى حسب نمط شخصيته إلى المزيد من المهدئات،

أن أعراض ما بعد الحرب أصعب من اعراض الحرب وأثناءها، فبعد ما يقف أزيز المدافع واصوات الطائرات وشائعات الخوف والنقص الذي يهدد الجميع بالمجاعة ونقص الادوية يظهر سلوك غير مألوف على الأطفال ويقول "بيير داكو" تصبح وراثة الأطفال الجسمية والسيكولوجية مثقلة تدريجيًا تفاقم جنوح الاحداث بنسب مخيفة، فالغالبية العظمى من الأحداث الجانحين عصابيون، والارامل والايتام تتفشى بينهم الانحرافات والوساوس الجنسية بصورها المتعددة.

الأطفال وعصاب الحرب:

العصاب هو الاضطرابات النفسية.

ربما يغيب عن بال البعض أن الاطفال قد لا يتأثرون بالحرب لأنهم لا يشتركون بها ولكن إنعكاسات سلوك الكبار تبدو واضحة بين الأسرة، فشعور الخوف لدى الأم يدركه الطفل وحالة الذهول لدى الأب يعيشه الطفل وإن كان في عمر صغير إلا أنه يدرك هذا الخوف ويعيش حالة القلق على الأبوين وتؤكد الدراسات النفسية أن أول مظاهر السلوك غير السوي لدى الأطفال هو عدم التوازن حيث يظهر بصورة سريعه ويمكن تقسيم ذلك إلى قسمين:

1 - إضطرابات الطبع: ومن اعراض ذلك الصلابة في التعامل، فالطفل يبدو صلبًا مستقرًا إلى حد المغالاة يدلا من الحيوية في مثل سنه. تظهر عليه علامات التشدد والعناد يتحول إلى سلوك عدواني ويخالف البيئة الطبيعية ويرصد هذا السلوك على أنه سلوك شاذ مقارنة مع أقرانه في المجتمعات الأخرى. يبدو عليه أنه كتوم وعنيد ويميل إلى الكذب ويظهر عليه الكسل والخجل المفرط مع إنفعالية واضحة مقرونة بالتمرد ومحاولة للهرب المؤقت من المدرسة أو البيت والتشرد والسرقة.

2 - تظهر بعض الأعراض الجسدية في عصاب الطفولة مثل البوال الليلي واللجلجة والتكرار في الكلام فضلا عن مظاهر السلوك الهستيري، ومع ذلك يتجمل الطفل أمام الاخرين وربما يظهر بالمظهر الاكثر ملائمة ويسيطر أمام عائلته على اندفاعاته ولذا من الصعب اكتشاف علة عدم التوازن بسرعة، أو أعراض عصابية "نفسية" اخرى.

العصاب عند الراشدين "الرجال – النساء":

وهو الأكثر انتشارًا وظهورا لدى هذه الشريحة التي تعد المادة الخام للحرب ووقودها، هذه الشريحة التي كلفت بالدفاع عن الوطن، أو التي أوكلت لها مهمة السياسة في التطبيق الميداني وقول "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي ما يتبدى في سلوك الافراد زمن الحرب من وحشية لا نصدق أنها تصدر من أناس المفروض أنهم شركاء في صنع أسمى ما بلغته الحضارة الإنسانية من اشكال، وتؤكد لنا الادلة زمن الحرب إن الإنسان يتحول إلى ذئب بشري، وهو ما يسميه البعض بأظهار أعلى درجة من الشجاعة وربما يكرم صاحب هذا السلوك وتنتشر سمعته بين القبائل بانه أوقع أعلى الخسائر بين صفوف العدو، وتسائلنا من هو العدو؟ هو الآخر الذي تربطني معه صفة الإنسانية، وسمة التقارب في الخلق والتكوين والارتباط.

ان العصاب "الاضطرابات النفسية" هي حالات الاكتئاب النفسي، والهستيريا، والوساوس، والمخاوف المرضية - الفوبيا، والوهن النفسي، وتوهم المرض، ومن لا يصاب بهذه الإضطرابات فتظهر عليه حالة نفسية تصنف ضمن الدول التي تتعرض للكوراث والحروب والازمات العميقة وهي حالة فرط في الإنفعالية والاندفاعية.

أستنتج "سيجموند فرويد" من كارثة الحرب العالمية الأولى ملاحظة أولى ثقيلة ذات عواقب ذاتية بعيدة المدى: إذا كانت الحرب قد بلغت مثل هذه العتبة من الفظاعة والبشاعة والدمار وتسببت بموت عدة ملايين من الأشخاص، فذلك يعني أنها بالتأكيد من صنع الفكر البشري والإنسان الحديث ويتسائل هل من الممكن التصور أن الإنسان المتمدن، الحديث يبحث عن طريق قتل الآخر وتحطيم قيمه، إلى هلاك ذاته؟

الذهان والحرب:

 الذهان هي الاضطرابات العقلية.

الذهان اضطراب عقلي بليغ وشديد يتسم باختلال العمليات العقلية مثل اضطراب الفكر، واضطراب العواطف والإنفعالات وعدم إدراك الزمان والمكان والاشخاص مع وجود هلاوس وهذاءات وأوهام.

تظهر بعد انتهاء المعارك وانحسارها في الحرب أعراض مرضية عقلية وتسمى الذهانات أو الأذهنة فضلا عن حالات من التقلب الإنفعالي الدوري وكذلك انتشار حالات بين افراد المجتمع الواحد هذيان العظمة والاضطهاد.

ترى الدراسات النفسية الطبية أن حالات من الفصام "الشيزوفرينيا" تظهر بشكل واضح في المجتمع ما بعد الحرب، وهي تكون عادة في بداياته هياجات وثورات من الغضب الاندفاعي دون أي مبرر، وتدل بعض العلامات على بداية هذا الاضطراب كالاغتصاب والهرب المؤقت والفصم المفاجئ لعري الصداقات والخيالات الفكرية المفرطة حتى يبدو السلوك غير متماسك وغير مفهوم، فتنتشر مثل هذه الحالات بين افراد المجتمع، وبمرور الوقت يبدو ان من يصاب بهذا الاضطراب يبدأ باهمال نفسه وملابسه وشكله الرث، والنوم في الشارع ويعيش عالمه الخاص ويتحدث مع نفسه لانه كون عالم خاص به، يحاور نفسه بوجود اشخاص وهميين لا وجود لهم في الواقع. وتنتشر حالات من هذيان العظمة والاضطهاد وهو ما يسمى بهوس العظمة ويطلق عليه العامة "جنون العظمة" وتنتشر هذه الحالات بعد انتهاء المعارك وعودة الجنود إلى حياتهم الاجتماعية ومجتمعاتهم فتظهر هذه العلامات والاعراض ومنها أن المريض مقتنع بقوته الجسدية النادرة وقوته الخارقه، ويشعر انه ينحدر من أكثر القبائل والعائلات شهرة وقوة ويمت صلة بالصحابة وربما بالرسول الاعظم، أو السلالة الهاشمية أو العلوية، أما هذيان الاضطهاد فيقول علماء النفس شانه شأن هذيان العظمة يشعر الشخص المضطهد ويشكو من ان ثمة من ينال منه، وإن من يمارس تاثيرًا بالسحر على جسده وربما يسلط البعض أشعة أو تنويم مغناطيسي عليه، ويشكو المضطهد أيضا أن اشخاصا يضطهدونه عن بعد بوسائل خارقه تستطيع أن تؤثر على ذهنه وتمنعه من التصرف وربما يقتلوه.

التربية والتنشئة والحرب:

التربية هي نقل الموروث الإجتماعي من جيل إلى جيل والاحتفاظ بقيم المجتمع. وهي أيضا غرس عادات سلوكية بناءة لدى الجيل الجديد. والتربية هي أيضا نمو إنساني – إجتماعي.

أما التنشئة الإجتماعية Socialization  كما تعرفها موسوعة علم النفس والتحليل النفسي بأنها العملية التي تتم عن طريقها تربية وتدريب وإعداد الطفل خاصة والشخص عامة لكي يصبح كائنًا اجتماعيا وعضوا صالحا في المجتمع. فعندما نتحدث عن التربية والحرب يقودنا الحديث إلى افرازات هذه الحرب في اليمن تحديدًا تبعًا للايديولوجيات المتصارعة على هذه الأرض، هذه الايديولوجيات تتبع لمنظومات طبقية سياسية ودينية وفكرية، ومن الواضح ان هذه التربية والتنشئة زمن الحرب ستتأثر حتمًا بتلك الاتجاهات الممولة للحرب وهذه تقود إلى تضييق أفق العلم ومجال تنمية المعرفة لدى الاجيال الصغيرة التي تعيش ظروف الحرب ودوامته والآمه المستمرة ويقول " بيير داكو" هذه التربية تدفع الإنسان إلى العنف والحقد والاحتقار والتنافس الشرس بين أبناء الجيل الواحد، والدين الواحد، والمعتقد الواحد، والوطن الواحد. وحاولت الحرب في اليمن أيضا بكل أبعداها السياسية والايدولوجية والفكرية أن توقف النمو الإنساني رغم أن هذا النمو هو عملية تغير منظم عبر أساليب التربية والتنشئة الإجتماعية، رغم ان مجالات هذا النمو تتضمن المجال البيولوجي، والمعرفي، والإنفعالي، والإجتماعي واللغوي والاخلاقي، جعلت منها بنى لا قيم فيها، فقط تتبع لمن يدير الحرب ويخطط لها بشكل منظم، فثقافة الحرب هي تربية الحرب وهي تنشئة الحرب، وهي ثقافة الموت والتخريب، وهي سلوك الناس جميعًا في مجتمع الحرب.

الخاتمة:

لعل الباحث في علوم النفس والتربية والإجتماع والنفس الإنسانية تحت اي ظرف يحتاج إلى موضوعية حقة تفرض عليه بعض التحديدات العلمية، وأولى هذه التحديدات هي أن يعيش الصراع النفسي الإنساني من أجل الدقة العلمية في العرض والطرح، لأن ذلك يقوده إلى جدال داخلي لأنه يشخص بدقة متناهية وضع إنساني في أرض الواقع، وضع غير طبيعي، وضع الحرب لذلك بل لازما أن يؤكد لمن يتصدى في دراسة النفس أن يكون انتماءه لتخصصه أولا، وموضوع بحثه يكون على وفق المنهج العلمي الذي يستند إلى الجانب المعرفي الإنساني ثانيًا، لكي يوثق بدقة وحيادية ما يجري للنفس الإنسانية وللمجتمع بأسره، لأن آلام الحرب هي الثمن والعقاب الذي يدفعه الجميع لاختيارهم سبيل الحرب وهو ما يتمثل في ما طرحناه في الصفحات السابقة من هذا الموضوع، وفي النهاية مهما أعتذر رجالات الحرب والساسة والعقائد المتصارغة لن يخفف من حدة آلم الثمن المدفوع.

 

أ. د. اسعد شريف الامارة

استاذ علم النفس والصحة النفسية

...........................

المصادر:

- داكو، بيير ( 2007) الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث، ترجمة وجيه أسعد، الدار المتحدة، دمشق.

- حب الله، عدنان (2006) الصدمة النفسية، أشكالها العيادية وأبعادها الوجودية، ترجمة علي محمود مقلد، دار الفارابي، بيروت.

- طه، فرج عبد القادر وآخرون، مصطفى كامل، شاكر عطية، حسين عبد القادر، (1993) موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، دار سعاد الصباح، الكويت.

- فرج، أحمد فرج (2007) التحليل النفسي وقضايا العالم الثالث، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

فرج، أحمد فرج (1979) مدخل إلى دراسة الشخصية العربية، مجلة قضايا عربية، العدد الثاني، السنة السادسة، حزيران.

- فرويد، سيجموند (1977) الحرب والحضارة والحب والموت، ط2، ترجمة عبد المنعم الحفني، مكتبة مدبولي، القاهرة.

- فرويد، سيجموند (ب.ت) الموجز في التحليل النفسي، ترجمة سامي محمود علي وعبد السلام القفاش، دار المعارف بمصر.

- الحسن، يوسف (2014) قلق القيم، مجتمعات الخليج العربية انموذجا، التنوير للطباعة والنشر، بيروت.

 

 

محمود محمد عليتعاني الكثير من المجتمعات العربية من بعض الظواهر السلبية المختلفة، كالطلاق، والتفكك الأسري، والجريمة، والانحراف، والبطالة، والتسول، وكما هو معروف فإن الكثير من الظواهر تظل بسيطة . أما إذا انتشرت وتطورت تشكل خطورة على المجتمع وهددت أمنه واستقراره، فتصبح مشكلة يجب التصدي لها ومواجهتها؛ ومثال ذلك ظاهرة "التسول"، والتي انتشرت بشرعة مطردة عقب "ثورات الربيع العربي" أواخر 2010م، حيث أضحت تمثل ظاهرة اجتماعية وفلسفية معقدة، وذلك لتعدد المتسولين وطرق وأشكال أساليب "التسول" التي يتخذها المتسولين كوسائل احتيالية تمكنهم من تجميع أكبر قدر ممكن من الأموال والمصروفات اليومية، وبسبب تردي الأوضاع الأمنية، والاجتماعية، والاقتصادية في المجتمع، وفضلاً عن نزوح وتهجير المئات من الأسر العربية (والتي سقطت بلداهم في مستنقع "حروب الجيل الرابع"، وصارت بلدانهم فاشلة) بسبب الإرهاب والحروب الداخلية، كلها عوامل ساهمت في انتشار ظاهرة التسول لدي الفتيات المتسولات والفتيان المتسولين في الشوارع العامة، وبين السيارات المتوقفة عند إشارات المرور طارقات نوافذ زجاج السيارات دون يأس وملل في طلب المساعدة، هذه الظاهرة انعكست أثارها على وطننا العربي كله.

وظاهرة "التسول" من الظواهر الاجتماعية السلبية في كثير من المجتمعات، وهي تعد ظاهرة عالمية لا تخص بوطن معين، بل هي منتشرة في بلدان العالم الفقيرة والغنية؛ ويعرف "التسول" بأنه "طلب الإنسان المال من خلال المال من الأشخاص بالطرق العامة عبر استخدام عدة وسائل لانتشاره وشفقة الناس وعطفهم، ويعد أحد الأمراض الاجتماعية المنتشرة الذي لا يخلو منها مجتمع حول العالم" (1)، كما يعرف "التسول" بأنه "طلب الصدقة من الأفراد في الطريق علي المال بغير عمل يستحقه دون محاولة منه للخصول علي غذائه بنفسه، فهو قوة معطلة غير منتجة بل – قد يصل بعض الأحيان إلى تعطيل غيرة من الإنتاج" (2).

و"التسول" في نظر فلاسفة علم الاجتماع يعد من المفاهيم الحديثة، وعرف في معجم العلوم الاجتماعية بأنه :"طلب الصدقة من الأفراد في الطرق العامة، ويعد التسول جنحة في بعض البلدان يعاقب عليها إذا كان المتسول صحيح البدن، أو دخل في مسكن دون استئذان، أو يكون التسول محظورا؛ حيث توجد مؤسسات خيرية"، ويعرف أيضاً: "الوقوف في الطرق العامة وطلب المساعدة المادية من المارة، أو من المحال أو الأماكن العمومية، أو الدعاء، أو التظاهر بأداء الخدمة لغيره، أو عرض العاب بهلوانية، أو القيام بعمل من الأعمال التي تتخذ شعاراً لإخفاء التسول، أو المبيت في الطرقات، وكذلك استغلال الإصابات بالجروح والعاهات، أو استعمال أية وسيلة أخرى من وسائل الغش لاكتساب عطف الجمهور" (3).

علاوة علي أن "التسول" هو من العادات السيئة، ومن أهم الأمراض الاجتماعية التي سادت في بلداننا العربية؛ وخاصة في الآونة الأخيرة، وأصبح عملاً لقطاعات عريضة من أبناء المجتمع.. المتسولون نراهم في كل مكان.. في المساجد.. عند الإشارات.. أمام الأسواق والمحال التجارية، على الأرصفة.. ومن كثرتهم يخيل إليك أنك لو فتحت "صنبور" الماء لخرج "متسول".. ومع هذا تقول إدارة مكافحة "التسول" :"إنها تعمل وترصد وتقبض. بكل أمانة وبلا مبالغة لم أر في حياتي عملية قبض لمتسول واحد، أو عملية مطاردة لمتسولين.. نسمع بالقبض على المتسولين ولا نراه، ونجدهم يتزايدون مع كل خبر قبض نقرؤه في الصحف. لا نشكك في مصداقية بيانات إدارة مكافحة "التسول" حول أعداد المقبوض عليهم، ولكن الأعداد تتزايد والمتسولون يعملون بأريحية دون خوف أو وجل" (4).

وتأسيساً على ما سبق تعد ظاهرة "التسول" في مجتمعنا العربي من الظواهر الاجتماعية الجديرة بالدراسة العلمية والتعصب المنهجي، وذلك لأهميتها ولما لها من انعكاسات سلبية على تطور المجتمع وتقدمه، وعلى مسيرته التنموية، وهذا بالإضافة إلى الزيادة الملحوظة في إعداد المتسولين في المجتمع العربي؛ مما يستوجب الاهتمام بتلك الفئة وإخضاع تلك الظاهرة بالدراسة والبحث العلمي وكذا تحيد حجم الظاهرة ونشأتها وتطورها ونموها وإعداد المتسولين وخصائصهم وهم العوامل والأسباب التي أدت إلى بروز تلك الظاهرة وتقديم الحلول لمواجهتها.

والسؤال الآن : ماهي الأسباب الاجتماعية التي أدت إلى انتشار ظاهر "التسول"؟

في نظر كثير من علم الاجتماع أن "التسول" حرفة اتخذها كثير من الناس يتقنون فيها سواء كانوا محتاجين أو غير محتاجين لعطف الآخرين، واستدرار شعورهم النبيل، فهي ظاهرة قديمة جداً، حيث كانت تمارس من بعض الشرائح والفئات الاجتماعية المعدومة اقتصادياً، أو من بعض الفئات التي تعاني أمراض معينة مزمنة، أو من ذوي الحاجات الخاصة، وفي ظل الظروف والأزمات المتعددة والمتشابكة والمعقدة داخل المجتمع العربي؛ إذ أن الحروب والقتل والتهجير والظروف الأخرى التي سادت بعض بلداننا العربية بسبب حروب الجيل الرابع، أضافت إلي كاهل المجتمع العربي مشكلة تزايد أعداد الأيتام والأرامل اللاتي هن بحاجة إلى معيل في ظل تزايد أسعار السلع والخدمات التي قد يفتقر هؤلاء الأفراد إليها، وإلي توفير أبسط شروط الحياة من مأكل أو مأوى، وأن الشخص العاجز، أو عديم الحيلة الذي لا مأوى له يصل به التحلل الخلقي درجة تجعله يتجه نحو التسول، ومقارنة المتسول لمنظره بمظهر الآخرين يدفعه إلى التماس الشفقة والرحمة ويحاول استغلال مركزه الاقتصادي المنخفض، ومن الواضح أن التسول نشاط على درجة كبيرة من التنظيم يرتبط بتقبل عام من جانب الشخص المتسول بدلاً من الإقبال على العمل، ويلم المتسولون المحترفون بأكثر أنوع التسول إنتاجاً، مثل عرض تشوهاتهم، أو عجزهم، أو مطاردة الرجال أثناء مسيرتهم مع زوجاتهم، كما يعرفون الأماكن الصالحة للتسول، مثل تجمعات الأشخاص في طريقهم، إلى أماكن عملهم، أو أماكن الترفيه إضافة إلى دور العبادة، كما يوجهون اهتماماً خاصاً بمظهرهم فيرتدون الملابس البالية ويستخدمون ألفاظاً واشارات معينة وتنتقل، مثل هذه المعلومات من جيل إلى جيل في أسر المتسولين (5).

أما في عرف فلاسفة التاريخ فالتسول، يمثل أحد إفرازات الحضارة، وسبب بؤس الإنسان، وحرمانه من أبسط احتياجاته ودفعه لطلبها من الآخرين، بشكل قد يصل إلى حد الاستجداء، وتأثيره على بنية الأسرة وفشلها في توفير مستلزمات إشباع الحاجات الضرورية، وفي مقدمتها الأمن ومشاعر الانتماء، بسبب غياب أحد الأبوين؛ وخصوصاً "الأب" الذي يمثل حالة الضبط، وحتى في حالة تواجدهم واستخدامهم الأساليب القمعية والعنف تجاه أولادهم يسبب الهروب والتخلي عن أسرهم واللجوء للشوارع وممارسة "التسول" والانحراف (6).

ولهذا يري كثير من الفلاسفة بأن "التسول" لا كرامة له ولا دين له، بل أنه يتطور مثله مثل الفيروس القاتل، دائماً يبحث عن أي ثغرة ليفتك بضحاياه، ومهما كان الظرف مأساويًّا، تجده يظهر بابتكارات جديدة تتماشى مع هذا الظرف، لنجد أنفسنا في ظل الظروف التي يعاني منها العالم أجمع في زمن كورونا، والذى أصبح القلق والخوف من العدو التاجي أكبر من الخوف من الحروب وويلاتها، أمام دنساء من المتسولين مستغلين طيبة الشعوب العربية، في التقرب إلى الله في زمن المحن، يسعون للربح الحرام، فلم يمنعهم هذا الوباء اللعين من ممارسة أفعالهم الشنعاء.. وللحديث بقية...

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

......................

الهوامش

1- د. سلمان عبد المنعم، أصول علم الإجرام القانوني، مصدر سابق، ص89.

2- فاروق محمد العادلي، ظاهرة التسول، مركز البحوث الاجتماعية، 2006م، ب.ت.

3- لقاء عبد الهادي مسير وآخرون:  ظاهرة التسول وعلاقته بالانحراف الاجتماعي لدى الفتيات في المجتمع العراقي،  مجلة كلية التربية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانية، جامعة بابل، العدد 38، نيسان 2018، ص 1753.

4- سطام الثقيل : خطر التسول، مقال بجريدة الاقتصادية، الاربعاء 23 يوليو 2014.

5- لقاء عبد الهادي مسير وآخرون: المرجع نفسه،  ص 1755.

6- قاسم عبود الدباغ: التسول والانحراف عند الأطفال في العراق، وزارة التخطيط والتعاون الانتمائي، دائرة التنمية البشرية 2009 :15.

 

سامي عبد العال"أنت في الجنة،  أنت تعيش مع الأطفال في عالمهم"

"لا يحب اللهَ مَنْ لا يحب طفلاً"

"الحب مُطّهر قوي لمستنقع الطفولة"


 تنقل عبارة (النقش على الحجر) معاني الجُمود والقصد نحو (العنف المعرفي cognitive violence) تجاه كيان الأطفال. لأنَّ العبارة المتداولة تقول: " التعليم في الصغرِ مثل النقش على الحجر"، وبناء على ذلك فكّمْ بُنيت أساليب ومفاهيم كثيرة من جنسها حول التربية وطرائق التفكير إزاء الصغار. فالتعليم على ما تجري ممارساته بات – منذ أزمنة عربيةٍ بعيدةٍ – عملية من النقش التي تتمُ بأزميلٍ أو فأسٍ أو عصا لنحت (لحفر وترْك آثار وخدوش وبثور) في عقول هذه الكائنات الغضة. والمعنى الضمني من ثمَّ فحواه: أنَّ الطفل بمثابة (الحجر الأصم)  الذي يشكله الفاعلُ المعرفي والتربوي كيفما شَاءَ وفقاً لمحددات الثقافة. وأنَّه لا مهرب له من الخضوع التام لما سيُمليه المجتمعُ عليه ولما سيصطّنعه من قوالب جاهزةٍ له.

وليس بعيداً عن المشهد للدلالة على ذلك من رؤيتنا الواضحة لأطفال الدواعش وهم يتدربون ببراءة على أعمال العنف والقتل لخلق جيل من الإرهابيين الجدد وإلحاقهم بأرض الجهاد والحروب وإلباسهم الأفكار العنيفة المدمرة والمكفِرة للمجتمعات. ومن قبل رأينا مراراً أطفال الإخوان وهم يحملون أكفانّهم فوق أيديهم بترتيب من القيادات الإخوانية كدلالة على اعتناق فكرة التضحية والإستشهاد في سبيل المعتقدات والأفكار الجهادية. وفي هذا الإطار، لم تفلت أي جماعة دينية (بخلاف هؤلاء وأولئك) أطفالها دون تربية على غرار (النقش على الحجر).

ولذلك لا يأخذ أيُ معنى للعبارة الآنفة بالحسبان: أنَّ الطفل بالأساس هو (الكائن الإفتراضي) الآخر بالنسبة للكبار، وأنه دوماً إنسان آخر لم يأت زمانُه بعد، ولا يعدُّ حجراً صلداً ينتظر الرمي في مجاهل الحياة. وحتى ليس هو الكائن الذي نعتبره امتداداً موروثاً لنا، إذ لا توجد ضمانة فعلية لأنْ يخرج أطفالنا كما نخطط لهم وندفع بهم في إتجاه معين. لعلَّ الموضوع برمته يقعُ في منطقة التمنى والرجاء لا أكثر، فجميع ما يُحيط بالطفل من أفكار وأحلامٍ يقول إنه مجرد (كيان متخيل). ويستحيل الإمساك به وتجميده تحت الأصابع لنحت معالم حياته وتوجهاته وإبراز عواطفه مثلما نُريد.

ورغم أنَّ العبارة المذكورة قد تكون خاصة بنمط من التربية الموروثة، لكنها سرعان ما تركت معناها الخاص لدى مشاعيّة الثقافة التي ترسخت تاريخياً حتى غدت ممارسة واسعة الانتشار. وأنَّه من جانب قدرة هذه الثقافة على وضع إمكانية النحت (التعليم) في أيدي كلِّ من هب ودب، فهي تحمل خطورة الاستعمال المجاني لأي (عابر سلطةٍ)، مع العلم بأنَّ الثقافة المعاصرة (ثقافة التقنيات وعالم الافتراض) تعصف بهكذا مقولة تاركة الطفولة للتخييل لا للنحت والقولبة.

الكائن الإفتراضي

يدل مصطلح " الكائن الإفتراضي" على الإنسان الكامن في حقيقة الطفولة، لأنَّ كل طفلٍّ يندرج في محاولات تجريب المعارف وكيفية العيش وممارسة الحياة. أي أن الطفل في جوهره كائن إفتراضي موجود قيد الإنفتاح والتحقُق، لا من خلال المكان فحسب، بل عبر الزمان أيضاً من مرحلة إلى آخرى. إنه انفتاح لإمكانيات الطفل وماهيته بوصفه إنساناً مستقبلياً. وبذلك يصبح الكائن الافتراضي منطوياً على جُل القدرات والأزمنة والأمكنة والأوجه التي يجسدها مع الأيام. وربما لا يخلُّو الأمر من بعض فكرة أرسطو عن(الفعل والقوة) المعبرتين عن الزمن وتحولاته. فالطفل ككائن إنما هو موجود بالفعل مع امكانياته الإنسانية المتاحة، غير أنَّه سينطلق (دون تحديد مسبق) نحو كيانه بالقوة، مشتملاً عليه هذه المرة (بصيغة الجمع لا المُفرد الأرسطي)، ذلك لأنَّه كإنسان يُوضع  زمنياً في مفترق طُرق الحياة.

هذا التصور - من وجهة نظري - لا يعني أن الطفل مقيدٌ إلاَّ برحلته من الفعل إلى القُوة مرة أخرى. إنَّ وجود الكائن الإنساني بلغة سارتر يسبق ماهيته، ويظل قادراً على تجاوز ذاتِّه دون نهاية. سيعيش جميع السياقات التاريخية والثقافية من واقع حريته أو هكذا ينبغي أنْ يعيش. ولعلّ فكرة الكائن حين يُعتبر إفتراضياً تعني أنه يحدد مسار حياته كعمليات بديلة كالتي تجري ضمن الذكاء الإصطناعي والمعلوماتية والبيئات والعوالم الافتراضية. أي أنَّ وجوده يتماهى مع فنون وأشكال وأفكار وصور متخيلة يجريها على ذاته خلال التعلم والمعرفة. وفي الحقيقة، تتعامل (دينامية الثقافة) معه بالطريقة الإفتراضية نفسها، إذ تصُوغ نسق التصورات التي ترسم قدراته وقواه بواسطة أجهزتها الفكرية والقيمية وتحركها زمنياً على نحو متخيّل.

إنّه بحكم الخيال والمعاني البديلة، ستخضع مسيرة الطفل للتحقق القائم على الذات. وستظل ذاته في أطوار من التكون والتحول المتواصلين دون توقف. ولا سيما أنَّ الكائن المحتمل داخلنا يجمع بين أفكار التجريب والأداء والتبديل والمحو واللعب والنسيان كحال كائنات العالم الإفتراضي. والطفل يمارس حياته كما لو كان يمارس فنوناً وأدواراً إفتراضية. وتلك الممارسة المفترضة هي الشرط للتعرف على العالم من حوله، وشرط لأنْ يكون كائناً فاعلاً في المستقبل، وبالأسلوب ذاته هي شرط لأنْ يكتسب مهاراته وينسى خبراته وتجاربه الفائتة. ويظهر ذلك جليّاً في مضمار استعمال اللغة (النصوص، الكلام، الكتابة، الرسوم، الرموز، الأيقونات) وبخاصة أنَّها إزاء الطفولة تشكل صور العمليات المفترضة داخل حركة الثقافة. واللغة (على غرار عبارة: النقش على الحجر...) ستخبرنا: كيف تفكر الثقافة وكيف تصوغ أشكال التعبير عن عملياتها سلباً وإبجاباً؟!

الخطاب والخطيئة

دون أدنى مواربةٍ تشكل أفعالُ الثقافة (العادات والتقاليد والطقوس الاجتماعية ...) خطاباً عاماً بين ممارسيها، لكونِّها تعطي الأشياءَ دلالة ورمزاً وعُمقاً. إذ يلتقط الكلام المتداول شفراته الآتية عبر المواقف الإجتماعية. فالخطاب لا يُعلَّق عادة كزْرٍ في سترة بيضاءٍ، لكنه ممارسةٌ لثالوث (الدلالة والرمز والعمق) عبر تداول الأفكار ورؤى الحياة. وتلك الممارسةُ محيرٌة فعلاً باعتبارها لا تنتمي إلى عصرٍ بوقته ولا بمارميه (ولسنا على إدراك تام بحجم الإنتماء)، لكنها ممارسة تاريخية هي الإفراز الثقافي لعصور مختلفةٍ.

وفوق ذلك، تأخذُ كل ممارسة من الصيغ الخطابية (أثناء التواصل) وسيطاً لها. وبذلك تسير هذه الصيغُ الخطابية بأمل تغطية المعتقدات والحقائق والأسرار والأعمال والوقائع. أي تحاول تغطية أشكال الوعي العام، لتعود بصورها اللغوية دالةً وموشّحةً بالإقناعِ بين الناس. وطبعاً يستعملُّها فاعلو الثقافة معارضين أو مثبتين ضمنياً المعاني الناتجة عن ذلك (وما إلتقطته) بواسطة مقولات ونصوصٍ عامة.

في الخطاب المتداول نكشف أنفسنّا في"حالة تَلَّبُس" مع التاريخ وجهاً لوجه. يظهر ما أُسميه التداخل بين إجترار القديم والتطلع نحو الآفاق البعيدة، حيث تنبُت بقايا الجذور الثقافية التي ورثناها من الأسلاف آخذةً فاعليتها نمواً وامتداداً. إذ ذاك تبلور جوانب اللغةُ وقدراتها طاقةَ الزمن على الانفتاح نحو المستقبل، فلا مجالَ يتسرب عبره الزمنُ الآتي أكثر مما يتسرب داخل التعبيرات والألفاظ التي نتكلمها يومياً.

لعلَّ مواقع اللغة في حياتنا مع التراكم الثقافي أشبه بمشاهد لأشعة الشمس حين تخترق كثافة السحب كاشفةً الحركة والتكوين. إنَّ كلمات الزمن (اليوم، الغد، بعد غد..) خلال ثقافتنا العامة هي خميرةٌ نعجنُ بها الوعودَ، ونقرب الآمال لما هو آتٍ. إجمالاً هي نوع من ملامسةَ المجهول، افتراض كائن لم يكن موجوداً. فلا تخلو عبارات التمني والرغبة وأفعال الرجاء والمقاربة، من التعلُق بعالم مغاير. في إطارٍ كهذا، تعدُّ مخاطبةُ الطفلِ (ككائن إفتراضي) بعبارات باليةٍ ارتداداً عن المستقبل بصيغة الماضي التربوي، أي نخاطب مستقبلاً فينا لا نملكُه لكائن صغير هو نفسه تجاوزنا بحكم زمنه الخاص.

وإذا كان بعض الفلاسفة قد اعتبروا أنَّ أفكار الفلسفة تجدي كل الجدوى أحياناً في طمأنة وهدهدة الأطفال مثل جان فرانسو ليوتار وجاك دريدا وسلافوي جيجك، فهل الخطاب حول الطفولة ينبغي بناؤه ناهيك عن قراءته بصيغة فلسفية معينة؟ هل رمزية الطفولة داخل الخيال العربي- لو أُجيز المصطلح- هي رمزية التشوهات في خطاب الثقافة العربية تجاه كيانهم الافتراضي؟ تشوهات يُعاد إفرازها ضمن مفردات الواقع اللغوي والمعرفي والتربوي.

إنها مبدئياً رمزية مثل رمزية الخطيئة إزاء المرأة المدنسة التي قال عنها المسيح: من منكم بلا خطيئةٍ فليتقدم ليرجمها؟! عندئذ بُهتّ الحاضرون تماماً، لم يتقدم أحدٌ، فجاء الموقف اعترافاً ضمنياً بالخطيئة التي يتقاسمها الجميع. وكذلك لم ينطق أحدٌ من الحاضرين، لأنه إبتداءً لم يكن أحدٌ من البشر بلا خطيئةٍ. لقد أراد المسيحُ أن يوقظ الوعي بأساس الفعل قبل أن يزجر المُقْدِم عن إنزال العقاب بالمرأة. الدلالة أنَّ العقابَ عقابٌ سيطالُ المعاقِّبَ (الفاعلَ) والمعاقَّبَ (المفعول به). كأنَّ الإثنين(الفاعل والضحية)، أي الفردين شيء واحد. حقاً الاثنان هما شخص واحد بمنطق الخطيئة الدائري إنسانياً. المثال مهم (قرائياً) لطرح موضوعنا حول الطفولة، ومن ثمَّ سنرى حالاً معناه في إطار مفاهيم الكائن الإفتراضي.

فأنت إنسانياً سترجم أنت (نفسك) حين ترجم أخاك، وأنت ستعاقب أنت (نفسك) عندما تعاقب أخاك، وأنت ستقتل أنت (نفسك) حين تقتل أخاك. وهكذا لو أجازَ المسيحُ لأحدٍ برجم المرأةَ لضاع أصلُ المشكلةِ. الأصل أننا – كإنسان عامٍ- نتهرب من خطيئتنا بمقارعة الآخرين، ونُمعِن في إنزال العقاب بهم دون إدرّاكٍ لبُرهةٍ أننا في الموقف نفسه، بل نحتاجُ إلى التطهُر ذاته. الطريق هو الطريق الواحد كما أن الإنسان لهو الإنسان ذاته لا غير، كلُّ ما في الأمر أنَّ للطريقِ طرفين(الجريمة والعقاب)، قد يظنُ السائرُ خلالَّه بلا وعي كونه طريقين منفصلين، ولكن ليس ذلك صحيحاً على الإطلاق.

حينما قال المسيح: ليتقدم هذا الذي بلا خطيئة لم ينطق إنسانٌ، أي لم ينطق (الإنسان) بألف ولام التعريفِ: هكذا لم ينطق هذا" الإنسانُ " الموروث بخطاياه داخل جميع الحاضرين. إلتقى طرفا الطريق والمسيح ورعاياه لدي إدراك جوهر الفعل البشري الغارق في الخطيئة. وعليه لم يكن منطقياً أنْ يتولى فردٌ من البشر تطبيقَ عقابِ الرجم قياساً على ضرورة ما كان ينبغي لآخر من البشر أيضاً القيام بالجريمة. لذلك سيحتفظ الإلهُ لنفسه دون العباد في تاريخ جميع الأديان بالعقاب والثوابت.

أمَّا في المجتمع العربي، فخطايا طُفولتنا الموروثة نرجِم بها أطفالَّنا القادمين إلى الحياة، وكأننا نعاقبهم بما افتقدناه في ماضينا، بينما نحن في الحقيقة نعاقِّب أنفسنا، نقمع المستقبل وهو لاحقاً كفيل بإظهار الأثر العقابي على الحياة كلها. مازلنا نحمل أصول الثقافة العربية حين نستعملها عبر الخطاب التربوي، الأخلاقي القمعي، فتاريخ تلك الثقافة أولّى بالفهم والتحليل حتى يتغير في هذا الشأن الفعلَّ وردَّ الفعلِ، تماماً كما حاول المسيح أن يرمِّي إلى تغيير الإنسان كإنسان لتتغير الجريمة والعقاب. وعلى خلفية التحولات السياسية والاجتماعية، ومع إهدار مثل هذا الفهم للطفولة، الجميعُ سيحاكم الجميعَ، الصغار حيث يحملُون عالماً آخر ولا يجدونه، والكبار حيث يسلبون حياة أطفالهم في غياب إدراكهم للمستقبل. وإذ نتحدثُ إليهم وعنهم، فلا أمرَ أهم من الإلتفات إلى نتاج اللغة: تربيةً، تواصُلاً، معرفةً، فكراً، خطاباً.

السؤال الراهن، وأتصور أنه سيظل راهناً: ما معنى أن نحطم فهماً تقليدياً تجاه قضية الطفولة أو الكائن الافتراضي؟ كيف سنُحدِّث في أعماق الثقافة صاعقةً وجودية لنستفيق تاريخياً؟ هنا أُلفت الإنتباه إلى الأزمة التأسيسة في خطابات الثقافة العربية وأفعالها بصدد الطفولة، وأُشير إلى إمكانيات اللغة كوسيلةٍ لرسم عالم الطفل، العالم الإفتراضي، بإعتبار أنَّ اللغة بالنسبة إليه أولُّ الألعاب وأولُّ الحقائق. هي أولُّ الألعاب لأنَّها " الرحم الثقافي" الذي يحتضن الطفلَّ حيث سيدرك صورتَّه ويتلهى بها، فما إن يردّد كلمتي" بابا وماما" حتى تفتحان مجالاً لتكوين ذاته.

واللغة أولى الحقائق في الحياة، لكونها المرآة التي يرى الطفل فيها هويةَ محيطهِ الكبير. ليس هذا، فحسب بل ستبقى اللغة " تُبرمج " مخيلته ومشاعره ثقافياً بمعانٍ تطرحها للأشياء. آنئذ ليس أعظم ضرورة من ابتكار لغة جديدةٍ، بل إبداع لغةٍ تفجرُ طاقات المستقبل داخله لا قمعَ إرادته. وتقع قضيةُ الكائن الإفتراضي طي اللغةِ، لأنها تشكل وعيَ الطفل وتفاعلاتهِ، هي فنونه، ألعابه، مقرراته الدراسية، حياته، رموزه، ردود أفعال المجتمع، الصور، دلالة الأحداث. والطفل يعيش بكل تلك الأشياء عبر الكلمات والعبارات اليومية التي يتفاعل معها.

إذن اللغةُ مجال حيوي لإعادة تشكيل صورة الطفولة، وعليه أحاولُ بهذه الفكرة إيجاد طريقةٍ مختلفةٍ للنظر إلى تراثها، تراث التعامل الخطابي مع الطفولة إذ يلاحق الثقافةَ العربيةَ في أخص خصوصيات المستقبل، على الأقل نعيد بناء لغة التواصل مع المؤسسات التي تتبنى قضاياها، فذلك يمس فكرة الطاقة المنطوي عليها الكائن الافتراضي، وحدود قدراته المكتشفة في الحياة، وسيُلقي مجال كهذا الضوءَ على خلفية الموهبة لدى الطفل وأطرها، وعلى الإبداع وثقافته، وعلى الوعى والموقف من أوضاعه النقدية. إنها قضايا تتعرض لخطابات الثقافة في تاريخها وآفاقها البعيد. الأسئلةُ المعلقةُ: ماذا حدث لصورة الطُفولة؟ بأي معنى يمكن نعرِّي المحددات المتورطةِ في انتاج أزمتها؟ ما دلالة أن نصُوغ خطاباً مستقبلياً للتعامل معها بحيث يناسب مفاهيم الإفتراض؟

من ثمَّ يجب أنْ تكون دوماً هناك أهمية لصياغة المعارف والعلوم والأفكار التي تقدَّم للأطفال بما يتواءم مع تغير مفردات المعرفة والتكنولوجيا، التطورات الجارية في ضوء بحوث السيكولوجيا والإجتماع والمعلوماتية والبيولوجيا وعلوم اللغة والمناهج النقدية المعاصرة. وعليه هناك ثلاتة خطوط معقودة تواجه مثل هذا الرأي.

أولاً: التحديات الراهنة التي تواجه خطاب الطفولة، من جانب صياغته وطريقة أدائه وأساليب طرحه فضلاً عن المضامين الثقافية التي يحملها.

ثانياً: الأسس القائمةِ عليها صياغةُ الأفكار والمعارف المقدمة للأطفال.

ثالثاً: وجود مفاهيم وأفكار لخطاب افتراضي مختلف تجاه الطُفولة، حيث يجب أن تعتمد المفاهيم على رؤية مغايرةٍ لما هو سائد وتشتبك تساؤلياً مع المطروح منه.

 

د. سامي عبد العال

 

 

عدنان عويدسألني أحد الأصدقاء ما هو الفرق بين موقف الدين والفلسفة من حياة الإنسان ومصيره؟.

أقول" إن الدين يا صديقي موقف عقديّ، يحكم الإنسان وحياته بنص مقدس متعالٍ، لا يقبل الالغاء أو التعديل أو المراجعة. إضافة لذلك غالبا ما يترك هذا النص الإنسان ذاته في حيرة من أمره عند إنتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة، وما يترتب عليها من علاقات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة (روحيّة)، بسبب المحكم والمتشابه في هذا النص، وخاصة الإسلامي منه على اعتبار الوعي الذي يحرك معظم تفكير الناس وتصرفاتهم بعد أن استقل هذا الوعي عن مكونات إنتاجه التاريخيّة، هو الوعي الديني، وبالتالي هذا ما يترك الإنسان يعيش في حالة من الحيرة  في أمره انطلاقا من الموقف الجبري الوارد في هذا النص المقدس الذي يسلب الإنسان حريته وتفكيره المستقل، على اعتبار أن الإنسان ذاته مخلوق لله. والموقف القدري الذي يعطيه حريته في تقرير مصيره واستقلالية قراره وتفكيره وسلوكياته، انطلاقا من التأكيد على حرية إرادته الوارد في النص ذاته. والغالب حقيقة في هذين الموقفين، هو الموقف الجبري الذي يعتبر الإنسان وحياته كلها مخلوقةً لله، فالإنسان لا يملك من أمره شيئاً في تصرفه. وهذا الموقف ذاته الذي سلبه حريّة وإرادته، وأوقعه في الامتثال والاستسلام لقدره.

أما الفلسفة: فهي موقف عقلاني نقديّ، يجعل الإنسان في تفكيره وارتباطاته مع الطبيعة والمجتمع وكل نشاطه الحياتي حراً لا تتحكم فيه أيّة قوى من خارج تاريخه، أي لا تحكمه قوى من خارج واقعه المحيط به، بل هو محكوم بواقعه الذي يساهم في تكوينه أثناء إنتاجه لخيراته الماديّة والروحيّة، عبر مسيرة حياة التاريخيّة. فالواقع يؤثر في العقل، والعقل ذاته بعد تشكله ونضوجه يؤثر في الواقع من حيث إعادة إنتاجه، أو تطويره وتحديثه، أو حتى عرقلة سيرورته وصيرورته وفقاً لحاجات الإنسان الماديّة والمعنويّة.

الفلسفة هي الموقف القدريّ في الفهم المعتزليّ، أو الماديّ في الفهم الماديّ للتاريخ، الذي يمنح الإنسان حريته في اختيار حياته وصناعتها، وبالتالي التفكير بحرية في شؤنها ومصيرها...

إن الفلسفة موقف شموليّ من الحياة. ومواضيع نشاطها هي الطبيعة والكون وحياة الإنسان بكل أشكالها الماديّة والفكريّة معا، من حيث بنائها وتفسير ظواهرها وتجلياتها، ورسم الخطط لإعادة إنتاجها وتطويرها.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

 

 

عبد الجبار الرفاعيالكرامة هي القيمة المركزية في حياة الكائن البشري. الإنسانُ الأصيل يضحّي بحياته من أجل أن تُخلِّد ذاكرةُ الوجود كرامتَه. الكرامةُ مكونٌ لكينونة الإنسان الوجودية، عنوانُ تكريم خلق الإنسان هو كرامتُه لا شيء آخر سواها، لأن انتهاكَ الكرامة يفضي إلى انتهاك كلّ حريات الإنسان وحقوقه.

الكرامةُ والحريةُ من أوضح تجليات رحمة الله بالإنسان، الذي خلقه اللهُ "فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ"، التين، 4. وجعل التكريمَ بصمةً وجودية يختصّ بها الإنسانُ دون سواه في الأرض، وأوكل إليه مهمة استثنائية وهي خلافته في الأرض، واستأمنه على مخلوقاته المتنوعة، ووضعها تحت تصرفه، عندما سخّرها جميعها له.

اللهُ لم يكرِّم بني آدم إلا بوصفهم النوعي العام الذي يصدق على كلّ إنسان، لا يتخلف أو يختلف استحقاق الإنسان للكرامة مهما اختلفت طبقاتُ الناس في المجتمع وأجناسُهم وألوانُهم ومهنُهم وثقافاتهم وأديانهم، كلُّ إنسان مكرّم بغضّ النظر عن أيّة صفة أو إضافة أو هوية أو إثنية أو جنس أو أي عنوان آخر له يصطنعه المجتمع له أو تفرضه عليه ظروف حياته وأقداره الحتمية.

الإنسانُ يرفضُ بطبيعته الاستعباد، لأن جوهرَ إنساينة الإنسان كرامتُه، وجوهرُ الكرامة الحرية، وجوهرُ الحرية المسؤولية. الكرامةُ وعيُ الإنسان بالحرية، لا يرضى أيُّ إنسان عاقل سَوَّى غير مدجن التنازلَ عن حريته. الاستعبادُ يهدر الكرامةَ، ويستلب كلَّ أشكال الحرية، إهدارُ الكرامة والحرية نفيٌ لمسؤولية الإنسان حتى عن نفسه. ليس هناك إنسانٌ يقبل بسلب كرامته وحريته ومسؤوليته عن نفسه، إلا إن كان مدجنًا على الطاعة العمياء. الإنسان وفقًا لطبيعته البشرية تواقٌ للكرامة، تواقٌ للحرية، تواقٌ للمسؤولية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقار يثيرُ الفزعَ في كيان أيّ كائن بشري، مهما كان بَلِيدًا وأبْلَهًا في نظر البعض. هتكُ الكرامةِ والاحتقار ينتجُ عملياتِ الثأر العنيفة، وكلَّ الثورات، والأشكالَ المتنوعة للمقاومة، جميعُها ليست إلا مساعٍ لاستردادِ الكرامة، وإن أخطأت مراميها أحيانًا.

2616 الدين والكرامة الانسانية

ولو غضضنا النظرَ عن الموقف الأخلاقي والديني والقانوني من الانتحار، وحاولنا أن نفهمه من منظور مختلف، نرى ‏بعضَ من يُقدِم على الانتحار تبلغ لديه قيمة الكرامة حدًا لا ترقى إليه أيةُ قيمة، حتى قيمة الحياة يشعر أن كرامتَه أغلى منها، لذلك يُضحّي بحياته أن يحمي كرامتَه، ومن أجل تقدير ذاته، ومن أجل أن يعترفَ الناسُ به. لستُ هنا في مقام بيان الموقف من الانتحار، ولا بيان أسبابة المختلفة والمعقدة، وأعمقها اشتعال القلق الوجودي والاكتئاب إلى درجة تحترق فيها كينونةُ الإنسان ويتحول باطنُه إلى رماد، ويغرقه الشعور بعثية كل شيء في الحياة، ولا جدوى العيش فيها.

نصابُ الكرامة في القيم يتفوق على كلِّ ما سواه،كلُّ القيم تجد معناها في حمايتها للكرامة وصيانتها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما ترسّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعل الحياة تستحق أن يعيشها الإنسان، وهي شرط تذوق معناها. الكرامةُ هي القيمةُ المركزية العليا التي تستمدّ منها كلُّ قيمةٍ قيمتها، حمايةُ كرامة الإنسان شرطُ وجود كلِّ قيمة سامية، فلا حريةَ بلا كرامة، لا مساواةَ بلا كرامة، لا عدلَ بلا كرامة، لا إحسانَ بلا كرامة، لا احترامَ بلا كرامة، لا تواضعَ بلا كرامة، لا تهذيبَ بلا كرامة، لا محبّةَ بلا كرامة، وهكذا الحالُ في كلِّ القيم الأخلاقية السامية والحريات والحقوق فإنها تنفي مضمونها عندما تصادر كرامةَ الإنسان.

الإنسانُ بوصفه انسانًا لا غير، يستحق الكرامةَ والحريات والحقوق. الإنسانيةُ قيمةٌ كونية عابرة للأثنيات والثقافات والأديان، الكرامةُ هي الاطار الأخلاقي الذي تتوحّد فيه قيمة الإنسان ومكانته وتقديره لذاته وتقدير الغير له. الكرامةُ تضمن إنسانيته، وتحميها من كل تمييز وتعصب واحتقار ينشأ على أساس عرقي أو ثقافي أو جغرافي أو ديني أو غير ذلك.

الكرامةُ أفعالٌ لا أقوال، في بلادنا كثيرٌ من الكلام عن الكرامة إزاءَ قليلٍ من المواقف العملية. الزعماءُ الساسيون يتحدثون عن كرامة الأمة، قادةُ الأحزاب يتحدثون عن الكرامة الوطنية، شيوخُ القبائل يتحدثون عن كرامة العشيرة، الوعاظُ يتحدثون عن كرامة الدين والمتدين. الكلُّ يتحدث عن الكرامة، لكن قلما نرى من يتبنى الكرامة بوصفها قيمة كلية تتسع لاستيعاب الحريات الخاصة، وتحمي حقوق الإنسان الطبيعية والمدنية والسياسية. وقلما نرى مَنْ يكف عن الكلام وينتقل للفعل، فيطبق الكرامةَ كبرنامج للعمل والسلوك في المجتمع، ينشدُ توفيرَ فرصٍ للعيش الكريم، وضمانَ احتياجاتِ الإنسان الأساسية في التربية والتعليم والصحة، وتأمين الأمنَ والحماية القانونية، ويحرص على تكافؤ الفرص وتحقيق المساواة بين الكلّ.

لا كرامَة بلا مساواةٍ بين البشر، كلُّ تمييزٍ موروث يولد بولادة الإنسان، ويظل بصمة لتميز هذا الإنسان وشعوره بالتفوق على سواه من الناس، هو ضد المساواة، سواء أكان ذلك الشعور بالتفوق على أساس عرقي أو ثقافي أو جغرافي أو ديني أو طائفي أو غيره. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيق المساواةٍ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامة الإنسان. يقول جان جاك روسو: "القضاة الذين يعلنون بجسارة أن ابن العبد ولِد عبدًا، يقرِّرون بكلمات أخرى أن الإنسان لم يولد إنسانًا"1.

أتحدث عن التمييز ظلمًا، الذي يتأسس على ما يرثه الإنسان من انتماءات يمتلكها من العرق واللون والدين والمذهب والثقافة والطبقة والهوية والجغرافيا التي يولد فيها، فتشعره بالتفوق على غيره. أما ما يكتسبه الإنسان بجهوده من أخلاق وقيم فاضلة وأدب وسلوك مهذب ومواقف نبيلة وعطاء كريم، وعلوم ومعارف وثقافة وفنون ومهارات، فينبغي أن يكرّم كلُّ إنسان بمقدار استحقاقه وعطائه، ويوضع في الموضع الذي يستحقه منجزُه ومواقفُه وسلوكُه، ويكافأ بحجم ما يهبه للحياة، على ألا يُلحِق ذلك حيفًا بغيره.

ليس هناك جماعة بشرية تتفوق على غيرها، أو تمتلك الوصاية على سواها، أو هي اسثناء من البشر، تستحق أن تمنح التكريم والحرية والحقوق دون سواها. لا معنى لحرية أي إنسان من دون حرية الآخر. الحرية في التفكير والتعبير والحق في الاختلاف تتضمن بالضرورة حرية الآخر في التفكير والتعبير وحقه في الاختلاف. حقيقة الحرية واحدة، لا تتعدد ولا تتنوع بتعدد وتنوع الشعوب والمعتقدات. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانة بما ترسخه من قيمة للكرامة والحرية والحقوق والحق في الاختلاف، وبجهودها من أجل تحرير الإنسان من الاستعباد، وقدرتها على حمايته من الإذلال والاحتقار.

المساواة وكلّ حقوق الإنسان كونية، لا تختص بأثنية أو ديانة أو طائفة أو هوية. خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخر إنسانيته ناقصة، لا يتفوق إنسانٌ على غيره بدمه أو أي عنصر اضافي يختص به في خلقه ووجوده دون غيره من الناس. إن "كلَّ فرد يحملُ بداخله الإنسانية جمعاء، فالشروط الإنسانية فريدة ومتساوية لكلِّ الناس، على الرغم من الاختلافات الحتمية في الذكاء والموهبة واللون الطول... إلخ"2 .

احترامُ الكرامة الإنسانية مقصدُ مقاصدِ الدين وأسمى أهدافه، وذلك يفرض أن يُعاد تفسير كلّ نصّ ديني بما لا ينقض الكرامةَ أو ينتقص منها.كلُّ نصٍ يتعارض مع هذا المقصد الكلي، وينتهي إلى التمييز بين البشر، سواء كان آيةً أو رواية، مثل تشريع الرقّ وما يماثله يُطرح وينتهي العمل بأحكامه، لأنه ينتمي للتاريخ ويعكس ظروفَ عصر البعثة.                   تكريمُ الإنسان بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضّلًا من أيّ أحد. الكرامةُ قيمةٌ إنسانيةٌ عليا، هي جوهرُ إنسانية كلِّ دين، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم.

فضحُ السلوكِ المتوحش الذي يضطهدُ الإنسان يفرضه الضميرُ الأخلاقي الذي يدعو الكلّ لإشاعة وعيٍ مجتمعي ينشدُ حمايةَ كرامة الناس بغضّ النظرِ عن جنسهم ومعتقدهم ولونهم. حمايةُ كرامة الناس معناه حمايةُ كرامتنا من الانتهاك، لأن الكرامةَ واحدةٌ لا تتجزأ،كرامتُنا لا تتحقق من دون تكريم كلِّ إنسان. من لا يحترم كرامةَ الإنسان لا يحترمه اللهُ ولا يكرّمه، الكرامةُ أسمى قيمة وجودية وهبها الله لبني آدم، اللهُ يثأر من أولئك الذين يمارسون ضربًا من الاغتيال المعنوي للإنسان، عبر هدر ِكرامته وتجريدِه من إنسانيته واحتقاره واضطهاده.

إن اللهَ يتنازل عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو والرحمة مهما كانت، لأن رحمتَه "وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ"3 ، و"كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ"4 . غير أن عدالةَ الله تقتضي ألا يتنازل عن الاعتداء على حقوق خلقه، مالم يتنازلوا هم عنها. لا يمكن أن يتغاضى اللهُ عن حقوق خلقه أو يغفرها لمن ضيّعها أبدًا، الله يثأر ممن يحتقر الإنسان وينتهك كرامته، ويعاقب من ضيّع حقوقَ خلقه عقابًا أليمًا. يأتي عقابُ كلِّ من ارتكب انتهاكات لحقوق الخلق على شاكلة فعله القبيح.

تكريمُ الله يبدأ بتكريم الإنسان، احترامُ الله يبدأ باحترام الإنسان، الدفاعُ عن الله يبدأ بالدفاع عن كرامة الإنسان، حفظُ حقوق الله يبدأ بحفظ حقوق الإنسان، وصيانةِ حرياته. لا يمر الطريق إلى الله إلا عبر احترام الانسان ورعايته وتكريمه.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.................................

1- تشومسكي، نعوم، غريزة الحرية: مقالات في الفلسفة والفوضوية والطبيعة البشرية، ترجمة: عدي الزعبي، مؤيد النشار، ص 22، ط 2، 2018، دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع، دمشق.

2- فروم، إريك، حب الحياة: نصوص مختارة، تقديم: راينر فونك، ترجمة: حميد لشهب، ص 60.

3- الأعراف، 156.

4- الأنعام، 54.

 

 

محمد كريم الساعدييعد الإتصال الرّقمي اليوم من أهم الوسائل، التّي من الممكن أن يستعمَلها الأفراد من أجل التّواصل المعرفيْ بينهم فيْ شتى المجالات، الإجتماعية، وذلك من خلال التّعارف والتّقريب بين الشعوب، وخصوصاً للأشخاص الذّين يبحثون على الإندماج فيْ المجتمعات الأخرى، التّي يعتقد أنها قد تكون غير واضحةٍ السّلوكيات بالنسبة له، أو فيْ المجالات الاقتصادية، التّي أصبحت هي وسائل السوق الرائج، لترويج البضاعة، وللوصول إلى المستهلك، وايجاد طرق إلى إقناعه من أجل زيادة الربح، وكذلك فيْ المجال السياسي، من اجل الترويج لأفكارٍ يعتقدها البعض أنها ستغير التّصورات والرّؤى فيْ موضوعٍ ما، وغيرها من المجالات الأخرى، مثل الفنون والآداب، التّي تركّز على استعمال هذهِ الأساليب الاعلامية فيْ التّواصل مع الآخر.

لذلك فأن هذا التّواصل الرّقمي، قد يخلق فجوات معرفيْة بين الثّقافات، وخصوصاً إذا كانت عملية التّواصل سلبية، أي أن من يستعمَلها لا يكون على وفقِ ضوابط محددة، تجعل من المُستَخدِم قادراً على التّواصل بشكلٍ سليم مع من يريد التّواصل معه، أو قد يكون التّرويج غير سليم للبضاعة، أو للأفكار السياسية، وغيرها فيْ ظل الإختلاف المعرفيْ، وسوء التّواصل فيْ مجالٍ ما، مما يخلق إشكالية فيْ التّواصل الرّقمي بين طرفيْ الإتصال، وهذهِ الإشكاليةُ قائمة على أساس التّلقي الرّقمي، الذّي أصبح من جهةٍ هو سمة العصر التّي يجب أن يرتكز عليها الانسان فيْ التّواصل المعرفيْ من أجل ثقافة شاملة ، ومن جهة أخرى قد يسهم فيْ الغاءِ الهويات المحلية، التّي قد يرفض أصحابها التّخلي عنها لصالحِ الثّقافات الأخرى .

ومن هنا كيف يمكن أن يكون التّواصل فيْ هذهِ الوسائل التّي أصبحت ضرورة من ضرورات الثّقافة والمعرفة؟ وكيف يمكن أن يحافظ الفرد الذّي يستعمَلها على هويتهِ المحلية دون تذويبها فيْ الثّقافات الأخرى، التّي تكون ضاغطة على سلوكياتهِ وتعاملاتهِ الشخصية، وغيرها فيْ هذا المجال المعرفي؟

بين (الثّقافة المحلية / الهوية الحقيقة)، و(الثّقافة الرّقمية / الهوية الإفتراضية)، بين الممارساتِ الإجتماعية، والسّلوكيات فيْ تقنيات الإتصال الرّقمي، بين ذائقة المُستَخدِم الرّقمي، وبين المنتج المروّج فيْ عالم الإفتراض، بين الأفكار والإنغلاق المحلي على السّياسات الدّاخلية، والأفكار المنفتحة على مجالاتٍ سياسية أكثر إنفتاحاً وأبعد عن الواقع الدّاخلي، وما تخلقه من شكوك بجدوى ما يريد أن يصل اليه الفرد، من معرفةٍ سياسية فيْ مجالٍ معين عن آخر غيره، كل هذهِ البنيات وما توجده من فوارق معرفية، بين من يرسل وبين من يتلقى، تشتغل الإشكالية فيْ التّلقي الرّقمي، ما بين  الهوية المحلية والإندماج الثّقافي الرّقمي.

إنَّ إشكالية التّلقي الرّقمي فيْ ضوء الإندماج الثّقافي الإفتراضي، يعطينا فضاءً رقمياً تكون فيْه الإختلافات مؤثرة على طبيعة وشكل هذا التّلقي الرّقمي، كما يعطينا مجموعة من الإيّجابيات والسّلبيات، قد تجعل من هذا الفضاء فيْ جانب من جانبه مهماً ومؤثراً بشكل إيجابي، لكنه فيْ الوقت ذاته له آثار سّلبية تتعلق بالجوانب النّفسية والإجتماعية، والفيْزيقية للمستخدم فيْ هذا المجال. إن إشكالية التّلقي الرّقمي تكمن فيْ العالم الافتراضي، الذّي يوفر ثقافات مختلفة ومتباينة، من الممكن أن تسهم فيْ التّأثير على الهوية الحقيقية، وتجعلها ثانياً لصالح الهوية الافتراضية، فيْ أوقات الظّهور الافتراضي فيْ فضاء التّلقي الرّقمي، وهذا قد يتسبب بتراجع تطوير الهوية الحقيقية مقابل الهوية الافتراضية. إن إزدواجية الظّهور فيْ العالم الافتراضي، يوجد إشكالية فيْ التّلقي الرّقمي؛ وذلك بأن التّغذية الرّاجعة، التّي تصدر عن هذا التّلقي الرّقمي، ستكون غير محددة بالمرجعيات الثّقافية للهوية الحقيقية؛ بل قد تفترض أن العملية من الممكن أن تنتج ردود أفعال مزدوجة صادرة من إشكالية التّلقي الحاصل؛ بسبب المرجعيتين الثّقافيتين للهويتين الحقيقية والافتراضية. إن إشكالية التّلقي الرّقمي تجعل المُستَخدِم أمام عالم مليء بالمعلومات والثّقافات المختلفة، التّي ليس من السهل التّعامل معها، بسبب ثقافة المُستَخدِم المحدودة، مما يجعل الإنحياز إلى الثّقافة العالمية والكثيفة بالمعلومات أكثر من الثّقافة المحلية للمستخدم؛ وذلك مما يؤثر على الهوية الحقيقية سلباً قياساً بالهوية الافتراضية التّي يزداد سيطرتها ثقافياً على المُستَخدِم. إن الإشكالية التّلقي الرّقمي، تفرض على المُستَخدِم الوقوع بين عالمين، كل عالم له خصوصيتهِ وأشتغالاتهِ، مما يجعل هذا المُستَخدِم يكون بعيداً عن إيجاد صيغ ثابتة فيْ شخصيتهِ، وموحدة فيْ إظهار الذّات على أساس مرجعية ثّقافية واحدة. إن إشكالية التّلقي الرّقمي، قد تجعل من الإندماج الثّقافي الإفتراضي لدى المُستَخدِم، يواجه خطر الانجرار خلف الثّقافة الأوسع والأكثر انتشاراً فيْ العالم الإفتراضي، مما يجعل المُستَخدِم المحلي يتخلى عن أغلب ملامح (ثقافته المحلية / الهوية الحقيقية)، لصالح (الثّقافة الأخرى / الهوية الإفتراضية)، وهذا ما لا يحقق اندماجاً ثقافياً سليماً لصالح المُستَخدِم المحلي. إن إشكالية التّلقي الرّقمي، قد تسهم فيْ تشتيت الهوية الحقيقية وضياعها، ومن ثمَّ عدم الحفاظ عليها؛ لأن هذا الإندماج الثّقافي هو فيْ الأصل هدفه محو المرجعيات الثّقافية للمستخدم لصالحِ الثّقافة العالمية، مما يجعل إشكالية التّلقي الرّقمي إشكالية مستمرة، ولا يوجد لها حلول؛ بسببِ عدم تكافؤ الثّقافات.

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

 

 

حاتم حميد محسنيُعد افلاطون فنانا أدبيا عظيما. لكنه مع ذلك ترك ملاحظات سلبية عن قيمة الكتابة. كذلك،  رغم انه اعتقد ان أحد أهم أهداف الفلسفة هي تمكين المرء ليعيش حياة جيدة،  لكنه عبر تأليف الحوارات بدلاً من كتابة الرسائل يكون قد أغفل إطلاع  قرّائه مباشرة بأي حقائق مفيدة ليعيشوا بها. احدى الطرق لحل هذا التوتر هي التفكير في تصوّر افلاطون للفلسفة. أحد المظاهر الهامة لهذا التصور، الذي يشترك به العديد من الفلاسفة منذ ايام افلاطون،  هو ان الفلسفة لا تهدف كثيرا الى اكتشاف الحقائق او تأسيس دوغمائيات في تحقيق الحكمة او الفهم (مفردة فلسفة في اليونانية تعني حب الحكمة). هذه الحكمة او الفهم يصعب جدا حيازتها، لا مبالغة في القول انها نتيجة جهد يستمر طوال الحياة . انها حيازة يجب ان يربحها كل فرد لنفسه. الكتابة او محادثة الآخرين قد تساعد في تحقيق التقدم الفلسفي لكنها لا تستطيع ضمانه. الاتصال بشخص حي،  له أفضليات معينة بالمقارنة مع مواجهة قطعة من الكتابة. وكما أشار افلاطون "ان الكتابة مقيّده بثباتها،  انها لا تسمح بتطويع نفسها لكي تتلائم مع القارئ او تضيف أي شيء جديد للجواب على السؤال". لذا فان افلاطون كانت لديه توقعات محدودة حول ما يمكن ان تنجزه الكتابة. لكنه من جهة اخرى لم يؤمن صراحة بعدم وجود قيمة فلسفية للكتابة. الأعمال المكتوبة لاتزال تخدم الهدف كطريقة للتفاعل مع الناس في أوقات وأزمان وراء زمن ومكان المؤلف وهي كوسيط يمكن به استكشاف واختبار الأفكار.

كتب افلاطون حواراته،   فكانت شيئا مدهشا ليس فقط لأنها تختلف كثيرا عن الاسلوب الفلسفي المألوف اليوم،  والذي هو عادة جاف وتجريدي . كان افلاطون يعتقد ان الحوارات هي أفضل طريقة لعمل فلسفة مكتوبة،  الخبراء واثقون اننا لدينا كل أعماله "المنشورة"،  لذا لا وجود هناك لرسائل او اطروحات تنتظر منْ يكتشفها وهو ما يعني ان افلاطون اعتقد ان كلام النثر هو أفضل طريقة لعمل الفلسفة ايضا. في ضوء هذه الحقيقة، ماذا يمكن ان يُستفاد من الحوارات؟ باختصار هناك الكثير.

اليوم،  يحاول الخبراء ان يضعوا الحوارات في ترتيب زمني chronological order،  وبهذه الطريقة يفهمون شيئا ما في تطور افلاطون. غير ان،  العالم القديم لم يقم بمثل هذه المحاولة. بدلا من ذلك،  كان الناس يقرؤون طبقا لمحتوى الحوارات وموهبة القارئ. وهذا ربما أقرب لنية افلاطون.

من الواضح ان الحوارات تختلف كثيرا من حيث تعقيديتها وموضوعها. بعضها يبدو صُمم كثيرا لجذب الفيلسوف المبتدئ للموضوع. اخرى تبدو تستهدف كثيرا المشاهدين ممن لديهم معرفة سابقة بالمسائل ذات الشأن. اخرى تبدو ملخصات للجدالات التي حدثت في الأصل بين أعضاء الاكاديمية. بكلمة اخرى،  محاولة تعقّب افكار افلاطون المتغيرة ستكون عملاً خاطئا،  ذلك انه ربما  كتب حوارات مختلفة لأغراض مختلفة.

لماذا أراد افاطون ذلك؟ انظر في واحدة من أشهر الإستعارات،  وهي ان الفيلسوف كالقابلة. انها استعارة وُضعت في فم سقراط الذي كانت امه (فيناريت) حقا قابلة. في حوار (ثياتيتوس)،  يوضح سقراط انه يسعى لجلب ولادة للأفكار التي تأتي من أرحام ارواح اتباعه،  ومن ثم يحاول ان يفهم ايّ منها زائف وأيّ منها  حقيقي ونبيل. هو ذاته غير حامل بالأفكار،  مثلما ان القابلة ليست مثقلة بالطفل. بدلا من ذلك،  ما اراد تبيانه في عمله هو ان "اولئك الذين يتحدثون معه يربحون. بعضهم يبدو كسولا كثيرا اول وهلة،  ولكن لاحقا، عندما تنضج المعارف،  اذا كان الله كريما معهم،  هم دائما يحققون تقدما مدهشا". آخرون يستطلعون التقدم ايضا.

الحوارات تخدم هدفا وعظيا ايضا. من خلال التفاعلات بين الشخصيات والافكار،  انها تهدف لإثارة ابداعية مشابهة لدى القارئ . افلاطون بالتأكيد له افكاره الخاصة. غير انه،  ايضا يعترف بنواقصه،  التي يبيّنها بالكامل في الحوارات،  هو لا يسعى لفرضها على الآخرين. هو يفرح كثيرا في الحكم الجيد بدلا من البراهين.

هذه الاستراتيجية تتضح بطرق اخرى. فمثلا،  الحوارات عادة تبدأ بمجموعة محيرة من التعليقات التمهيدية،  تؤكد على ان ما ستتم مناقشته يأتي عن طريق شخص آخر. الهدف هو التأكيد للقارئ انه يجب ان لايثق بالكلمة،  وانما يجب ان يقرأ ويعود مجددا لحياته الخاصة اذا كانت هي الحياة الصحيحة التي يبحث عنها. وبدلا من ذلك،  الحوارات مليئة بقصص وأساطير الى جانب المنطق والحجج. هذا يبدو كأنه تكنيك لجذب الناس،  افلاطون يعلم ان قصة جيدة قد تحقق اثارة قوية.

نتذكر ان افلاطون كتب الحوارات متحديا الكثير مما يقوله الناس عندما يتحدثون عن افلاطون،  خاصة عندما هم يدّعون معرفة ما يفكر به افلاطون في هذه المسألة او تلك، مثلا،  البعض صرح انه لديه نزعة سلطوية كريهة،  الرجل الذي منع الشعراء من دخول مدينته المثالية كما جاء في "الجمهورية". ولكن لنفكّر مرة اخرى. الحوارات ذاتها هي بناءات أدبية،  كان افلاطون شاعرا جزئيا. هو ربما يستبعد نفسه اذا كان ذلك ما يعنيه. بدلا من ذلك،  ما يقاومه هو نوع معين من الدوغما الشعرية. هذه الدوغما خطيرة لأنها توقفك من التفكير لنفسك – اي،  تمنعك من عمل فلسفة لنفسك. كذلك،  هو عادة يحذّر القرّاء من السوفسطائيين،  كبار البلاغيين آنذاك . هو يحذرنا من خطر الانسياق مع الحشد،  في حركة ذهنية  ستفقد اوتوماتيكيا مسار الحقيقة.

لذا من الخطأ تماما النظر الى افلاطون كنوع من التوتاليتارية،  النعت الذي اصبح ثابتا في القرن العشرين عندما جعل كارل بوبر افلاطون العدو الرئيسي "للمجتمع المنفتح"،  على الأقل بسبب الفلسفة السياسية للجمهورية مع تحريمها الشعراء وما شابه. من الجدير ذكره انه فقط حديثا قام الخبراء بقراءة الجمهورية بمثل هذه الطريقة المبرمجة. قبل القرن التاسع عشر،  جرى التعامل معه كنوع من الفنتازيا السياسية،  كتجربة تشبه كثيرا يوتوبيا توماس مورس. انها لم تكن مجموعة من السياسات وانما اسطورة تسعى لإنارة مختلف خصائص ظروف الانسان. وبكلمة اخرى،  قراءة الجمهورية كما لو كانت بيان يشبه قراءة تيماوس  كخارطة طريق لمدينة اتلنتا الضائعة – الحوار الذي تظهر فيه المدينة الاسطورية.

 يجب ان نضيف بان هناك ايضا سؤال حول كيفية فهم القوانين في الحوار الذي هو سلطوي. انها قوانين على سبيل المثال،  تعاقب من يؤمن بآلهة غير حقيقية. من الممكن حقا ان لا تكون للقوانين علاقة بافلاطون . كذلك انها لم تُنشر في أيام حياته،  لذا حتى لو كانت جاءت بواسطته،  فهو يُحتمل ان لا يكون متأكدا من مزاياها. ان ما يتفق عليه كل الخبراء هو ان الحوار الوحيد الشاذ،  هو ذلك الذي يتعارض مع حالة سقراط،  والذي يؤيد في الحقيقة معاقبة سقراط الذي يؤمن فعلا بآلهة خاطئة، وهو الموقف المنحرف وغير المفهوم لإفلاطون.

كتابة الحوارات كانت تشكّل مخاطرة. كان افلاطون عرضة للقراءة السيئة عبر السماح للقرّاء للاجابة بحريّة،  بدلا من السعي لغلق كل الخيارات الاّ واحدا. ذلك حصل منذ الأيام الاولى،  لو صح ما نُقل عن أحد أقدم كتاب سيرته: "عبر تأليف الحوارات، هو حض جموع الناس على عمل الفلسفة،  لكن ايضا أعطى الفرصة للعديد منهم في عمل فلسفة بطريقة سطحية".

غير ان المزايا كانت تفوق الأخطار. الحوارات شجعت الناس على إختبار انفسهم. انها طريقة لعمل الفلسفة التي لا تسعى لفرض الحقيقة التي تأتي من الخارج،  وانما لجلبها من الداخل. انها كما اوضح ميشيل دي مونتاغن: " اذا كنتُ حقا أدرس أي شيء آخر،  فهو من اجل تطبيقه فورا على نفسي" . دليل النجاح والتذوق الفلسفي الرائع لا يوجد  في الكلمات المكتوبة على الورق وانما في طريقة الحياة التي تثيرها تلك الكلمات.

 

حاتم حميد محسن

 

العَقْدُ في اللغةِ نَقيضُ الحَلِّ، يقالُ: عَقَدَ الحبلَ اذا ربطَهُ، وحلَّ الرباطَ اذا فَكَّهُ. وعَرَّفَ فقهاءُ المسلمين العَقْدَ: بأَنَّهُ تلاقي ارادتينِ أَوأَكثَر على إِحداثِ إِلتِزامٍ مُحَدَّدٍ والوفاءِ بهِ، وعرَّفَهُ القانونيون بأَنَّهُ توافقُ إِرادَتَيْنِ أَو أَكثَر على إِحْداثِ أَثَرٍ قانُونِيٍّ أَونَقْلِهِ.

وقد أَكَّدَ القرآنُ الكَريمُ على أَهمية الوفاءِ بالعُقُودِ كما جاء في قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ). المائدة: الاية: (1). وقوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). البقرة: الاية:  (282).

فالعقود هي تنظيمات قانونية لحفظ حقوق الناس ؛ ولكن الله تعالى لم يُرِد للناس أَنْ يكونَ القانونُ السَّقفَ الأعلى في حياتها.هوَ هذه الاجراءاتُ القانونيَّةُ وحدَها. ففي عقد الزواج الذي هو عقدٌ قانونيٌّ لم يُرِدِ اللهُ لهذهِ العلاقةِ أَنْ تكونَ علاقةً قانونيَّةً فقط تربط الزوج وزوجَه بل ارادَ أَنْ يعيشَ الزوجانِ في علاقةٍ روحيَّةٍ سامِيَّةٍ تُؤَطِرُها المَوَدَةُ والرَّحْمَةُ، يقول الله تعالى:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). الروم: الاية: (21).

وحتى في آيَةِ الدَّيْنِ، الاية نَظَّمَتْ العلاقةَ القانونيَّةَ بينَ الدائنِ والمَدين، ولكنها في آيَةٍ أُخرى اشارت الى علاقة الرحمة بالمدينِ المُعْسِرِ  وامهاله، بل الايةُ شجعت على اعفاء المدين من الدَّينِ يقولُ الله تعالى:

(وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). البقرة: الاية: (280).

وفي سورة المطففين تحدثت الايةُ عن الذين يطففون في الوزن اذا كان الامر لصالح المشتري ويستوفون الحق كاملاً من المُشتري اذا كانت المسأَلَةُ لصالِحهم، وهذه هي: " ازدواجية المكاييل " وهذا مصطلح قرآنيٌّ ينبغي ان نستعملهُ بدلاً من ازدواجية المعايير. يقول الله تعالى:

(ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين). المطففين: الاية:1-3.

فالاية بينت الجانب الحقوقي في التعامل مع الناس ولكن ختمت الاية بالتذكير بأَنَّ الناسَ مبعوثونَ ليومٍ عظيم.

العلاقات الاجتماعية والانسانيّة ليست محكومةٌ  بالعقود، والاجراءات ِ القانونيَّةِ فقط. نعم: العقود مهمة في تنظيم العلاقات بين افراد المجتمع تنظيماً قانونيا حقوقياً من اجل تحقيق العدل، ولكن هناك كثير من العلاقات لاتحكمها نظرية العقد الاجتماعي التي تحدث عنها هوبز وجون لوك وجان جاك روسو.

فهناك أَفرادٌ لايشملهم العقد الاجتماعي أَو أَيَّ عَقْدٍ آخَر، كعلاقةِ الأُمِّ برضيعها، فالرَّضيعُ ليسَ مؤهَلاً لِئن يكونَ طَرَفاً في عَقْدٍ. وكبار السن والعجزة والمعوقين اذا طبقنا عليهم قواعد العقد الاجتماعي يجب ان لانقوم برعايتهم والاهتمامِ بهم فضلاً عن كونهم ليس لديهم اية أَهلِيّةٍ لابرام عقدٍ من العقود ؛ لانهم يشترطون في المتعاقدين ان يكونا متساويينِ ويشترطون-كذلك - الحرية في طرفي العقد.

فنحنُ نحتاج الى أَشياءَ أَكبر من العقود، نحتاجُ الى المودة والرحمة والانسانية والاخلاق وكل القِيَمِ الخَيِّرَةِ لكي ترقى مجتمعاتُنا.

 

زعيم الخيرالله

 

 

 

سامي عبد العالإحدى علامات (مرض الفكر) أنْ يتحسس الإنسانُ معتقداته خوفاً من الآخر, على غرار ما يتحسس (قفاه) حذراً من تلقي لطمةٍ مفاجئةٍ كاد يتوقعها من مجهولٍّ. وبخاصة إذا كان الآخرُ مختلفاً دينياً له معتقداته وطقوسه وحياته الخاصة. والتحسُس نوعٌ من "الحكْ المتواصل" في جلد المعتقدات (جلد القفا – الرأس) بحثاً عن ثباتها ومنعاً لاقتحامها ودرء الشبهات حولها.

وكأنَّ المختلف دينياً سيدفع "الحاكَّ" إلى اختبارات قاسيةٍ فيما يمتلك من إيمان. وباللهجة المصرية الدارجة يُقال: فلان "هارش" فلانا، أي أنَّه يعرف تفاصيل حياته ويُدرك جيداً ما ينتوي فعله ويفكر فيه، وماذا يضمر بالضبط. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قد يقتفي (هذا الفلانُ) أثرَّ (ذاك العلان) ترقباً لأفعاله ومتابعةً لحركاته وسكناته. ماذا أكل، ماذا شرب، كيف سارَ، كيف تحدث، ماذا كان يقصد؟!! ولذلك يُقال أيضاً: " اللي على راسه بطحة يحسس عليها "... في محاولةٍ لبث الرعب من الاتهام المسبق لكل من يقابلنا.

ومن عطايا اللغة العربية أنَّ معنى (الهَرْش) بين الناس هو الإفساد بينهم، فيما يوقع الضرر دافعاً إلى حالة من الصراع والتغالب. يقال: هَرَّشَ فلانٌ بين هؤلاء أو أؤلئك.. أي فتن بينهم بما يوجب إساءة الظن والعراك. والثقافة العربية تنقل المستوى المادي من المعنى الخاص (اهترشت الديكة واهترشت الكلاب: أي تقاتلت والتحمت ببعضها البعض) إلى مستوى رمزي هو إيقاع الفتن والتلاسن والشد والجذب واستعراض القوى ومغالبة المواقف. والتّهرُش نوع من الاحتكاك والتحرش الذي ينم عن إساءة التصرف وعدم ترك الآخرين وشأنهم.

هذا بالتحديد ما يجرى في مضمار " الكهنوت الديني الشعبي" داخل المجتمعات العربية. إنَّه أحد أشكال (التبجُح المراوغ) تحت رداء الفضائل والوصاية والتذكير بالاخلاقيات والحفاظ على دين المجتمع وتقاليدها. تجد أحدَّهم منهمكاً إلى درجة الاستغراق التام في ممارسة هذه المهمة بكل نشاطٍ ودأبٍ كما لو لم يمارسها من قبل. وباستمرار المبررات موجودة: نحن نعيش في بيئات إسلامية له قيمها وتراثها وحياتها الخاصة... فهل تريدون (أي يا هؤلاء) القضاء على هوية الأمة وحضارتها؟! أتدعون للفحش وشيوع الرذيلة بين المؤمنين والمؤمنات الغافلات؟ وما الذي يضركم أيها المعترضين، فلسنا نحن العرب المسلمون بدعاً في هذا الجانب، بل مجتمعات العالم كله تحرص أشد الحرص على قيمها وتاريخها؟!! وأن الغرب الملحد الكافر يريد تعرية حياتنا وعيشنا من رداء الفضائل الذي لا نمتلك غيره.

وعلي المنوال ذاته يتحسس كل فرد طوال تنقلاته ومواقفه جميع المقدسات وكأنها بالمقابل تدعوه للهرش في مواضعها الجسدية والمعنوية. ليتشكل كهنوت ديني جديد من (عيون الناس ونظراتهم وخطاباتهم اليومية) واقفاً على الحدود الوهمية بين الأفراد. حيث لا يسمحون لبعضهم البعض اشتراكاً حراً في الحياة العامة دون ملاحقة. وبالطبع لن يوجد الشخص العمومي الذي لا ينبغي التفتيش في أفكاره وملابسه وعقله ووجدانه. وأنه طالما ملتزم بالقيم والقوانين العمومية، فليس من أحد (كائنا من كان) التفتيش في شكله وضميره وما يحمل من أفكار. لأنَّ تلك المساحة المشتركة غدت نهباً للمتطفلين. وقريباً أو بعيداً، ستكتشف بنفسك أنَّ شعوباً بأكملها قد تحولت إلى " ظاهرة تطفل" لزج.

"التطفل اللزج" اقتحام لخصوصية الفرد بما لا يليق بكيانه المادي ولا المعنوي ولا بما يجب احترامه من آدميةٍ وحريةٍ ينبغي التمتع بهما دون تدخل. وإذا كان التطفل ممجوجاً، فما بالنا بكونه تحريضاً للتضيق على الاختلاف الفكري والديني. وما بالنا إذا كان مدعوماً من عادات وتقاليد وتفسيرات دينية داعية إلى الحذر من الآخرين!! بحيث قد يعيش الإنسان في بيته ويشعر أنَّ جميع الناس يتحرشون به ويطلعون على أدق أسراره.

والمعنى هنا هو أفظع إحساس قد يصل إلى الإنسان المختلف دينياً. لأنك تضعه تحت الاستفهام المباشر، أي تحت التساؤل عما يعتقد كما لو كنت تخاطبه تكراراً: لماذا أنت مختلف عما أؤمن به؟ وأنَّ اعتقادك يسبب لي حساسيةً من نوع مقصودٍ. وأن ما تقوم به من تصرفات يغاير ما نقوم به نحن المختلفون عنك من أعمال. وأنت تضعنا في عملية التفاتٍ متواصل إليك لكونك لا تنتمي إلينا؟ وهل وراءك شيء سري يمكن أنْ تخبأه ثم تفاجئنا به أم لا؟ وقبل جميع ذلك أنت لا مكان لك تلقائياً بيننا إلاَّ حين نسمح لك ولغيرك بذلك؟ ولن تجد ترحيباً دائماً كأنك شخص من عالم مغاير، فضلاً عن أنه إحساس يكرس التمايز الديني، ويفتح قوسين حول وضع الأقليات بلا طائل.

هكذا يبلغ المناخ الثقافي في الشرق العربي الإسلامي درجةً بعيدة من الهوس الديني الشعبوي. ليتمَّ التعامل بأدوات الدين الخاصة وصولاً إلى كونه مادة لصياغة الآراء والأفكار والعلاقات والأحاسيس والخواطر والأزياء أيضاً. وبخاصة أن المناخ السابق يمثل صراعاً ضروساً إزاء أصحاب الأديان الأخرى الذي اعتبره الإسلاميون المؤدلجون حياة أو موتاً. رغم أنَّهم كمتطرفين هم الذين اشاعوا هذا الهوس والتشدد في المواقف منه، وأتاحوا خطباً منبرية ومتلفزة ومقولات وكتيبات تدعو صراحة للتعامل (للهرش والتحرش) المتوجس مع المسيحيين واليهود والمرتدين والعلمانيين والكفار. ولم يكفوا عن عمليات الفرز الديني أثناء اللقاءات والأعمال العامة في المؤسسات والمدارس والشوارع والمتنزهات والحدائق الجماهيرية.

لا يفوتنا الخطب المنبرية الشفاهية التي نشرها فقهاء الظلام (وما أكثرهم) عبر الأحياء والقرى والعشوائيات والمدن الشعبية والضواحي اللصيقة بها. وأضحت الخطب علكاً يومياً يمضغه المارة والجالسون على المقاهي وأصحاب الحوانيت والبائعون. خطب تحث على تحسُس الإيمان كلما قابلنا مسيحياً. لا تقرؤه السلام ولا تلتفت إليه وإذا سمعت (عطساً) منه إياك أنْ تقول له يرحمكم الله بل قل هداكم الله. ولا تظهر له مودة ولا ليناً حتى لا تنال غضب السماء. ولئن مرَّ الموقف مع أصحاب الأديان بسلام، فلابد من (عملية مسح وجرد) لأفكارنا وقناعاتنا الدينية حتى ندرك ماذا نقص، وماذا سُرق، وماذا بقي، وأين الخطر، وهل تركت أثراً أم لا، وماذا عن المرة القادمة؟

وقد اعتبر بعضهم أنَّ مصافحة غير المسلم تنزع الطهارة وتلحق النجاسة وتستوجب الإستغفار. والمسألة بهذا الهرش تضرب بجذورها البعيدة في (الصورة الشعبوية) من التراث الإسلامي، حتى أنَّ بعض الفقهاء القدامى كانوا يسيرون في الطرقات العامة وهم مغلقي العينين. وعندما سئلوا عن ذلك قالوا: إنَّه عمل احترازي من صُلب الشريعة مخافة أنْ تقع أبصارُنا على ما يغضبُ الله!! وأنّ غضَّ النظر عن ذلك المشهد يحول دون الانزلاق نحو المهالك!!

وامتداد الفكرة ذاتها نجده في فوبيا التعامل الراهن مع الآخر في المجتمعات العربية الإسلامية. لقد قال الاخوان فترة حكمهم لمصر: إنَّهم لن يتوجهوا إلى الاقباط بالتهنئة ولا بالتعزية ولا بالمصافحة ولا بالسلام مهما يكن الثمن. وفي أول ظهوره على كرسي الرئاسة رفض الرئيس الإخواني آنذاك الذهاب آنذاك إلى الكاتدرائية القبطية لتهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد. وقد عبر أتباعه عن ذلك بكل غلظة أثناء الحوارات وبرامج التوك شو وفي كلماتهم الملقاة شمالاً ويميناً. وكان السلفيون ومازالوا يذهبون المذهب نفسه في اعتباره المسيحية مجرد كذب في كذب وتحريف وراء تحريف. وأنَّ المهادنة مع اتباعها مهادنة مرحلية برجماتية ليست إلاَّ. ولو دار الزمن دورته ثانية، فلن يكون مصير المسيحيين المصريين غير الطرد خارج البلاد.

إنَّ كل عملية فرز ديني تنتهي بوضع المسيحيين خارج الدولة والمجتمع المصري. على الرغم من كونهم أهل مصر السابقين على القادمين من العرب. وهم أسباب تنوع شعبها وثرائه كجزء لا يتجزأ من نسيجها الحي. والتنوع هنا ليس مجرد كم لا قيمة له، لكنه طاقات مهدرة تحت خطابات الإقصاء والقتل والتخويف. كما أن كل مراحل النهوض الوطني في مصر لم تستثن أحداً من عناصرها، لأنَّ ذلك يعني انقسام المجتمع على نفسه وهذا لم يحدث في أحلك الظروف.

عكس ذلك كان يصب في "الكهنوت الشعبي" كأخطر أنواع السلطات الدينية. وهو ينجرف بحكم التدين السطحي المرتبط بالمظاهر نحو العنف والتعاطف مع الجماعات والتنظيمات الإسلامية. بل لقد استغلت الأخيرة هذا الكهنوت في تدعيم وجودها ونشر أفكارها المتطرفة بين الناس العاديين. وعندما يدخل أحد الأفراد تنظيماً إرهابياً ما، فإنه بحكم التعبئة اللاشعورية لمثل تلك (الحساسية المفرطة) يصبح أكثر شراسة من رفقائه في الجماعة.

ذلك لأسباب كثيرة تخص هذا الكهنوت الشعبوي:

أولاً: لكون تصرفات هذا الكهنوت شديدةَ العمومية، وبالتأكيد لا يستثني أحداً من المساءلة والتفتيش والملاحقة. لأنَّه لصيق الصلة بنمط الحياة القائم على الحضور الشفاهي لأفراد المجتمع وعناصره. فلو لم يكن هناك شيء ليفعله الفرد، فلا يوجد أمامه غير متابعة ومراقبة الآخرين ومعتقداتهم. والعمومية قد تعني أنه مشاع بين الناس، يقوم به من يعن له ملاحقة الأفكار والآراء والشخصيات. وأكبر الأمثلة على ذلك، هو تحريض فقهاء السلفية تأليب الرأي العام على بعض الكتاب والمثقفين. وهم يستندون على الكهنوت الشعبي كرأس حربةٍ تجاه الفكر الحُر بالمقام الأول.

ثانياً: يوجد الكهنوت مادياً في أي مكان يخص المجتمع ويمارس سلطاته وقتما شاء. فليس بين الدين وبين غيره من مجالات أي فاصل. ولذلك سنجد خلطاً بين المعالجة الدينية لقضايا الاعتقاد وغيرها من قضايا العلم والإجتماع والإقتصاد والسياسة. وأحياناً لا تنحل المشكلات بهذه الطريقة دون خلط وتعطي فرصة لركوب (الكهنوت الشعبي). وبخاصة أن الكهنوت في مجال السياسة يتيح للمتملقين أنْ يستعملوا مفرداته وهيجانه الشعبي للإستيلاء على السلطة.

ثالثاً: إذا لم تكن أنت ممتثلاً للكهنوت الديني الشعبي، سيفترض أنك خارج عليه لمجرد إبداء إعتراض أو فعل غريب عن الشائع. والخروج عندئذ هو خروج عن الحياة ذاتها وقد يؤدي بك إلى التهلكة. كما حدث مع عمليات الإغتيال للأدباء والكتاب، وهي عمليات دالة على المساحة الأوسع من الكهنوت لا مجرد ترجمته إلى فعل.

رابعاً: يقتص منك مباشرة ويشكل غير مباشر معاً، لأنَّه يشعرك بالإزدراء والحصار اليوميين تبعاً للثقافة الجارية. فلو اعترضت ستكون أنت موضوعاً للتحرش والنبذ، وليس بعيداً أنْ تسمع خطاباً عاماً باطنه الرجم بالكلمات وظاهره الهدوء والحكمة. أما بشكل غير مباشر حين يتم تصنيفك بكونك غير مرغوب فيك وإن قلت عكس ذلك.

خامساً: يتزايد الكهنوت باستمرار من وقت لآخر، لأنَّه قرين العادة وحبيس التكرار والإلحاح ويترسخ بالتقليد. وهي أشياء تأتي خفية وقوية لحد إغراق الإنسان في المستنقع الطائفي والمتطرف والإرهابي تجاه الديانات الأخرى. ولذلك من السهولة شحن الرأي العام في المواقف التي تتوافق مع السلطة ومع النيل من الآخر المختلف دينياً أو سياسياً.

سادساً: كل دجما شعبوية أكثر عنفاً مما نتوقع، لأنها تضع على حياتك العامة "وصمة اجتماعية" كأنها ختم مقدس لإمكانية المرور أو التوقف أو حتى الترخص تجاه الأمور في المجال العام. ولذلك ليس يبرأ مما يوصم به من ألقاب وعبارات بسهولة. حتى قيل في الأمثال الدراجة (العار أطول من العمر)، والوصمة التي يصدرها الكهنوت الديني نوع من العار الذي يلحق بالأشخاص والأفكار والرموز على السواء.

سابعاً: إنَّ شرور أجواء التوجس والريبة والاتهام والحساسية الدينية تأتي قبل أية مواقف أو أفعال. فالمختلف سيجد نفسه متهماً دون ذنب، ويصبح مستباح العرض والشأن والخصوصية والكيان. ولذلك فإنَّ أصحاب الأديان الأخرى في بعض المجتمعات المسلمة يشعرون بهذا الأمر، سيجدون أنفسهم مدرجون على لائحة الإتهام بلا مقدمات لمجرد أنهم مختلفون وينتمون إلى تراث فكري وديني آخر.

ثامناً: أساس الكهنوت هو التحريض على سلوك الطريق نفسه لمن يؤمن به وينخرط فيه. فقد ينقلب حتى على اتباعه حين يتكاسلون عن ممارسة مهامهم الرقابية. والمعنى هنا أن الأقليات تحاول لأغراض التعايش أن تلتزم بثقافة الأغلبية تملقاً وتزلفاً حتى في التفاصيل الصغيرة، بينما في حياتها الخاصة تذهب نحو اتجاه مغاير تماماً. وهنا سيكون التعايش مشكلة مثارة باستمرار، وتكون أبسط القضايا قمينة بأثارة أعتى العواصف الطائفية والمذهبية.

تاسعاً: يتمايل الكهنوت الشعبي مع السوق السياسية الاجتماعية، ويتلون عارضاً ألاعيبه وحيله الخطيرة بالمجان. سلطة مجانية لمجرد أن يُظهر أحدهم تعجباً من حالة فلان أو من موقف علان. ولذلك فإنه من السهولة بمكان تملق الرأي العام في الأنظمة السياسية المستبدة، لأن الكهنوت الديني هو مفتاح السر في المسألة. فقد حفر الكهنوت الفضاء العام و أوجد ثغرات لا يمكن ردمها تماماً.

عاشراً: يتوسل بالأخلاقيات والقيم الجارية زاعماً حراسته لها. بينما هو ينتعل كل حياد وعدالة ومساواة لصالح الاقصاء والغلبة والمكيدة. لأن الكهنوت يحول الإنحيازات إلى جانب أخلاقي يلوح بالاتهام به من يشاء. وذلك من قبيل التهديد والوعيد، فإذا كان من غير الممكن اثناء أهل الأديان الأخرى عن مواقفهم، فليس أدنى من ملاحقتهم أخلاقياً. لأن الوصمة والمعايرة تأتي من هذا الباب الواسع.

حادي عشر: يقف ضد التسامح والحوار وقبول المختلفين، بل يمنع تلك الأجواء المفتوحة - إن وجدت- من تدعيم المجتمع المتعدد والمتنوع. هناك مثل شعبي معبر يقول(صباح الخير يا كنيسة.. اللي في القلب في القلب). وهو عبارة تؤكد أن الكهنوت صارم وحاد المواقف، ويبدو متساهلاً في الظاهر، لكنه يضمر عداء لمن لا يرضى عنه ويظل يناصبه العداء طوال الوقت.

ثاني عشر: يقوض سلطة الدولة وفضائها التداولي، لأنه غرائزي وشهواني ويميل إلى تشكيلها في صور إقصائية عنيفة. بدليل أن دول الربيع العربي تحولت إلى فوضى عارمة باسم الكهنوت الشعبي. وهو ذاته قد تحول إلى أداة نهب وسرقة للأموال والعقارات وممتلكات الغير. ولم يكن أحد ليتوقع هذه الفوضى العارمة في مجتمعات تدعى الطهرانية والإخلاقيات.

ثالث عشر: ينشر الجهل على نطاق واسع، فشيوخ الجماعات المتطرفة يحظون بمكانة وحظوة دون معايير حيادية. أي أنهم يقمون بكل مهام البطولة الشعبية المفقودة التي يجدونها في الدين، وهم المثال الخفي الذي ينتصر لما تفتقده بعض المجتمعات من عدالة ومساواة ورفعة.

رابع عشر: يغذي الكهنوت النعرات المذهبية ويقتل الإبداع ويربط الإرادة الفردية بغرائز الجموع وتكتلها نحو التخلف والجمود أحياناً. لأنه يضع المعايير لكل اعناصر المجتمع ويرفض فكرة الفوارق الفردية. هو يقبل الكتل، تحرك الجموع وتماهييها في كيان كلي غائم تحت خطوطه الصارمة.

محصلة ذلك كله تعكس هشاشة الوضع العام أمام التنوع الثقافي والديني في المجتمعات العربية الإسلامية. لأن سلطة الغوغاء هي التي تحدد مصير الأفراد والحريات والأوزان المعطاة للأديان والعلاقات مع أصحابها وترصد ممارساتهم. وبالتالي يصبح ركوب كتل الجماهير والحشود هو الوسيلة لبلوغ المآرب السياسية والتنكيل بالمخالفين. وعلى أثرها يغدو المجتمع دائرة كبيرة من "الغمز واللمز" حتى ظهرت أشاراتها أمام البصر.

وهو ما يجعل حياة الناس كابوساً يفتش في ضمائرهم وإيمانهم تحت سقف النفاق واخفاء ما يجب إظهاره. ولذلك مهما حاول العرب التخلص من جماعات وتنظيمات وتراث الارهاب، فالمناخ المغلق أمام الحريات الفردية وتباين المعتقدات واختلاف الرؤى وتمايز الفوارق الفردية سيولد أنماطاً غريبة من العنف الديني القائم على الكهنوت قبل أن يحل في تنظيم أو جماعة. ونحن نظل سنوات وسنوات: نتساءل ما السبب؟ وكيف نتجنب ذلك؟ بينما الأسباب والجذور كامنة عبر ثقافة الكهانة في ظل مجتمعات حاضنة للإقصاء بالتاريخ والمعتقدات.

وبالتالي ما لم يتم تنظيف وتطهير هذا " القاع المظلم " من ثقافة الكهنوت والهرش الديني وحساسيات الاعتقاد، لن يأتي الأمل في حياة مفتوحة للجميع، ولن يكون العمل العام إلاَّ تبديداً لجميع الجهود. فالاستثمار في بناء الإنسان الحر كتقنية لتأسيس المجتمعات المفتوحة لهو أقصر الطرق للاعتراف بالتنوع وممارسته دون حساسية. إنه الضمان المستقبلي لقبول الآخر وترسيخ التعايش والحوار على صعيد أبعد.

 

د. سامي عبد العال

 

عصمت نصارتجمع معظم الكتابات المعاصرة عن تاريخ الحضارة العربية على أن الطبقة الوسطى المصرية، قد نجحت في دفع الفكر العربي بعامة والفكر الإسلامي بخاصّة إلى ما نطلق عليه اليوم بطور الحداثة، وعلى الرغم من تباين وتنوِّع منابرها الثقافية واتجاهاتها السياسية واختلافاتها في آليات معالجة ما تواجهه من قضايا ومشكلات إلا أننا نجد اتفاقهم على أسس وثوابت لم يجنح عنها إلا القليلون لأغراض شتى يمكن التعبير عنها بالإجتراء والاغتراب. أمّا المحافظين والعلمانيين فقد نجحت مدرسة محمد عبده في استيعابهم، وذلك عن طريق التثاقف والتساجل والتناظر الذي لم ينقطع بعد باعتباره السبيل الأوحد للارتقاء بالعقول وتربيتها. على أن آراء الأغيار وأصوات المخالفين آليات صالحة للنقد وانتخاب الأصلح.

وقد وقفنا فيما سَبَق على بعض السِّمات المميزة لمشروع الاتجاه المحافظ المستنير، وها نحن نكمل ما بدأناه من البرنامج الذي أشارنا منه إلى أربع قواعد أولها: الانتصار للعقل.  وثانيها: نقض الغلو والتطرف والبدع والجمود المذهبي. وثالثها: العودة بالدين إلى سذاجته الأولى. ورابعها: إصلاح حال اللغة العربية.

وننتقل الأن إلى القاعدة التالية: (خامسها): الاحتكام إلى أساس مركزي ثابت يستطيع استيعاب سائر المتغيرات تبعاً للواقع المعيش ويتمثل ذلك الأساس في الفصل التام بين الثابت والمتحول على أن يكون ذلك الثابت مرناً على نحو لا يؤثر في قوة صلابته واستمراره، وذلك لأنه يحوي المشخصات الحاكمة للمجتمع والمقاصد العقدية والولاء والانتماء والعمل الجاد للحفاظ على تماسك البناء الاجتماعي. أمّا المتحول؛ فيتسم بالوعي والوجهة النقدية العملية دون أدنى محاولة منه للخروج عن نطاق الثابت الذي يحويه ويختص به لاستيعاب الوافد من المعارف ونقد المستحدث من النظريات والقوانين والنظم وانتخاب النافع من الوسائل والآليات التي توافق الواقع المعيش والحفاظ دوما على حرية البوح والخلاف. 

ويحتاج تطبيق المشروع الحضاري إلى قوة دافعه لتطبيقه، وتتمثل في الرأي العام الذي يجب العناية بتربيته وتأهيله وتجييشه لحمل راية الاستنارة والدفاع عن بنية المشروع. وينقسم الرأي العام إلى قسمين: أولهما: الرأي العام القائد الذي يتمثل في السلطة الحاكمة والقوة المهيمنة، ومن ثمَّ لا ينبغي الصدام معه في حالة رفضه أو عدم تحمسه للمشروع أو إيجاد الضوابط التي تقيد نفوذه. 

وثانيهما: الرأي العام التابع، ويتمثّل في الجمهور الذي يجب إقناعه بأهمية المشروع ونفعه، وذلك عن طريق الخطابات المختلفة في أساليبها، والمؤكدة على وحدة موضوعها.  ولمَّا كانت الأمة هي المحرك والدافع الذي لا غنى عنه، فينبغي على المجددين احترام إرادتها وتجنّب أدنى مسببات إثارتها أو استعدائها.

كما حرص الأستاذ الإمام وتلاميذه من بعده على فتح باب الحوار والتناظر والتثاقف بين أرباب المشروع ونقاده ومعارضيه شريطة أن يكون هذا التناظر بين الأنداد، وبعيداً كل البعد عن التطرف والتعصب والعنف والجحود. وقد ظل هذا المبدأ قويّاً وأصيلاً وفاعلاً في كتابات وأفعال معظم المنتمين للاتجاه المحافظ المستنير في الثقافة العربية الإسلامية، لكنه خبى عقب اضمحلال المدارس المنتجة للمجددّين، ويأس الشبيبة من متابعة السير، وانصراف العقل الجمعي عن المشروع برمته.

وسادسها: رفض السلطة الثيوقراطية وحكم الكهنة، ويرجع ذلك إلى وعي مدرسة العطار، ومن بعده محمد عبده وتلاميذه بمفهوم السياسة الشرعية الذي يختلف تماماً عن مصطلحات الحكم الإلهي والحكمة الشرعية والحاكمية الربانيّة وغير ذلك من المصطلحات التي زَجّ بها المتطرفون في ميدان السياسة وأمور الحكم والتأكيد على أن الأمة مصدر السلطات، وأن الإسلام لم يخصّ جماعة أو هيئة أو فئة للحد من حرية العباد.

أمّا الحدود الشرعية والأوامر والنواهي التي تنظم سلوك المسلمين، ما هي إلا معيار لصدق الإسلام والإيمان وهي تختلف بطبيعة الحال عن دستور الدولة، فمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الحدود الشرعية، يختلف عن الأحكام التي تحويها القوانين الوضعية، ويرجع ذلك إلى تعريفهم بمبدأ المواطنة الذي لا يشترط وحدة الدين. وبما أن القواعد المنظمة لاختيار الحاكم وعماله وطبيعة وظائفهم، لم يتعرض إليها الشرع، ولكن هناك مبادئ عامة تحكم المجتمعات الإسلامية، وتطبق في البلدان التي تحكمها الأغلبية المسلمة وتذكر في دساتيرها.

وقد اجتهد تلاميذ "محمد عبده" على أثر هذا المبدأ في توضيح العديد من المسائل المُلتبسة على الجمهور أنذاك، منها: أن السياسة في الإسلام سياسة مدنية تحتكم إلى ثوابت أخلاقية وضوابط اجتماعية شرعية ودون ذلك؛ فالمصلحة العامة وحكم الأمة ودرء المفاسد والمخاطر، والاحتكام للشورى في الرأي والمساواة بين المسلم والأغيار في حقوق المواطنة، هي الثوابت التي يجب الالتزام بها في ميدان السياسة الإسلامية، ذلك فضلاً عن تأكيدهم على حرية البوح والنقد والاعتراض على السلطة الحاكمة، أضف إلى ذلك كله تبرأة الإسلام من تهمة الاستبداد والتعصب الملّي، والاستيلاء على ثروات الأغيار، وانتهاك الأعراض، واحتلال البلدان باسم الغزو ونشر الدعوة، والاعتداء على حرية الاعتقاد، وتكفير غير المسلمين واضطهادهم. وتوضيح أن المعارك التي وقعت بين الفرق الإسلامية ما هي إلا وليدة الخلافات السياسية على الحكم والرغبة فيه (بما في ذلك حروب الرّدة) أو الاستقلال عن الحكومة القائمة، أو إستتباب الأمن، وإفشاء السلم بين القبائل المتحاربة، أو تهذيب الخارجين على طاعة تعاليم الدولة؛ أي أنها تختلف عن الحروب الدينية التي وقعت بين الفرق المسيحية عام 1648م بين الكاثوليك والبروتستانت، أو الحروب الصليبيّة التي شنها الغرب للاستيلاء على ثروات الشرق باسم الصليب.

كما بيّنوا أن الحياة الحزبية التي مارسها المصريين عام 1907م، لم تكن أحزاب دينية أو طائفية، وليس أدل على ذلك ممّا جاء في برنامج الحزب الوطني (الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني؛ لأنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وجميع النصارى واليهود، وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم لغتها منضم إليه، ولأنه لا ينظر لاختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان، وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية. وهذا مسلم به عند أخص مشايخ الأزهر الذين يعضدون هذا الحزب ويعتقدون أن الشريعة المحمديّة الحقة تنهى عن البغضاء، وتنزع إلى الكمال، وتعتبر الناس في المعاملة سواء).

قد ذهب إلى مثل ذلك حزب الأمة والإصلاح، ثم باقي الأحزاب في التجربة الحزبية الثانية.

أمّا فكرة الوحدة الإسلامية الشاملة (القائمة على التحزب الملّي)؛ فلا نكاد نجد لها أثراً في مشروع محمد عبده وتلاميذه، فقد رفضوا مبدأ الخلافة العثمانية والوحدة العربية الإسلامية التي كان ينادي بها الوهابيون، ولعلَّ أحمد لطفي السيد قد لخص رأي مدرسة محمد عبده في قوله بأن الوحدات السياسية تقوم على مبدأ المنافع والمصالح، وليس على العصبية ولا على الدين ولا على العواطف؛ فالتعاون بين الدول لن يستمر إذا كان مبنيُّاً على رأي الحكام أو رغبة الصفوة؛ بل سوف يتحقق بناءً على رغبة الشعوب.

وسابعها: نقد التعارض بين الدين والعلم والفلسفة والشرع؛ فقد ذهب الأستاذ الإمام وتلاميذه إلى أن الإسلام قد حرص على الإعلاء من شأن العلم وأهله، وبيّنوا ذلك في التفاسير المتواترة للقرآن، وأحاديث النبي صلوات الله وسلامه عليه،  وسيرة صحابته، وسلوك الخلفاء الذين حكموا ديار الإسلام، ويشهد بذلك تاريخ العلم في العصر الوسيط. وقد أهتم رواد مدرسة الإمام بعديد من الأمور ذات الصلة. أولها: التأكيد على أخلاقيات العلم وضوابط سلوك المشتغلين به، والحرص على انتقاء النافع والمفيد من المعارف بغض النظر عن جنسية أو دين أو توجّه منتجيها، وعدم الخلط بين الأحكام الظنيّة والرؤى الاستنباطية، والشائع من الأخبار والأمور المتعلقة بالدين في ميدان البحث العلمي. ومن ثمَّ لا يحق لغير المتخصصين في الأمور العلمية الإدلاء بالفتاوى المُحرضة أو الناهية أو المعطلة لمّا ثبت نفعه بالبرهان العلمي، أو وضع المصنفات التي تربط بين الآيات والأحاديث والنظريات العلمية التي لم يثبت بعدُ القطع بصحتها؛ بل على المفسرين والمألولين تفسيرُ مقاصد الآيات في ضوء الثقافة المطروحة على نحو لا يتعارض مع العقل من جهة، ولا يناقد التجربة والتطبيق من جهة ثانية، ولا ينكر الواقعات المسلم بحدوثها في القرآن وصحيح السنة مع عدم ارتياح العقل لها.

فقد أوّل محمد عبده (الطير الأبابيل) بالميكروبات، ولم يمانع من وجود البُراق الطائر في ظل وسائل النقل الحديث (الطيارات) وأفتى بعدم حرمانيّة البنوك وشركات التأمين، واعتمد تلاميذه من بعده على علم المقاصد في الكثير من الأمور التي حرّمها القدّماء. وتحفظ على القول بالإعجاز العلمي والرقمي لآيات القرآن بحجة أن الثابت لا يحتكم إلى المتغير، وقد توسّع رواد الاتجاه المحافظ المستنير في الإعلاء من شأن الأحاديث المطابقة للمقاصد الشرعية حتى إذا كان الحديث ضعيفاً، وعلى الجانب الآخر عطلوا العمل بالحديث المخالف لصريح المعقول ومقتضيات الواقع وما قطع به العلم حتى إذا كان ذلك الحديث متفق عليه. والانتصار لرأي العلم والنظم التربوية والنظريات البيئية والبرامج السلوكية في شتى ضروب الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتربوي والتعليم والصحة والآداب والفنون وغير ذلك من احتياجات الواقع، وذلك كله في ضوء الاحتكام لعلم المقاصد الشرعية؛  ذلك فضلاً عن تقويم العوائد الفاسدة في المجتمع الأسري بدايةً من حقوق المرأة والعلاقة بين الزوجين وأفراد الأسرة والتعصب القبلي والتمييز العنصري؛ فقد توسع أنصار هذا الاتجاه في مناقشة العديد من المسائل الاجتماعية مثل عفاف المرأة وحياؤها وأخلاقها، ومردود ذلك على المجتمع، وضرورة الحرص على حسن تربيتها وتعليمها، وحماية حقوقها والحفاظ على مشاعرها، وكذا كيان الأسرة والمساواة بين الجنسين والضوابط الزواج والطلاق والتعدّد، وشرحوا الفارق بين الحرية والمجون والسفور والتبرج والاختلاط  والفجور والكثير من المسائل التي نعاني منها الآن، وتهدد كيان الأسرة وتعود بالمرأة إلى مستنقع الرذائل.

وراحوا يكتبون في الصحف ويقيمون الندوات عن عظمة الإسلام ودعوته للحرية ومكافحته كل أشكال الاستبداد والعنف والطائفية والتحزب والجمود والرجعية، مؤكدين على أن الدين لم يكن قط حجر عثرة أمام تقدّم الإنسان أو قيد يحول بينه وبين الوصول إلى مراميه أو تعاليم جامدة وشرائع جائرة أو أوامر وحشية تسوق الإنسان إلى ما يكره، وترغمه على فعل ما لا يطيق. وبالجملة قد نجح كتُاب هذا الاتجاه في تبيان حقيقة الإسلام لعيون المتشككين في صلاحه، والجاهلين بمنافعه وقدرة دستوره على تحقيق السعادة للإنسان في الدارين الدنيا والآخرة.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

 

محمد الربيعي تمكنت الجامعة التكنولوجية من احراز المرتبة 801 متقدمة من المرتبة 1001 في عام 2021 على مستوى العالم، وحصلت على المركز الاول في العراق لتسجل أفضل نتيجة لها على الإطلاق في تصنيف التايمز للجامعات العالمية لعام 2022.

تمكنت الجامعة من التفوق على الجامعات العراقية الداخلة في التصنيف: بغداد والبصرة والمستنصرية، والتي جاءت متساوية في المرتبة 1201، والحصول على نتائج قوية بشكل خاص في معيار "التدريس" (21.5 نقطة)، وتساوت مع الجامعات العراقية الاخرى في "موارد الصناعة". لكنها خسرت امام جامعة بغداد في معيار "التوقعات الدولية" (26.3 امام 31.2 لجامعة بغداد). اما المفاجأة فكانت في حصولها على (53.1 نقطة) في معدل "استشهادات البحوث"، ولذلك تمكنت من صدارة الجامعات العراقية كنتيجة للاستشهادات العالية لبحوثها. فبالرغم من حصول جامعة بغداد على اعلى النقاط في عدد بحوثها (8.7 نقطة) فان نقاط الاستشهادات لبحوثها (14.5 نقطة) كانت مساوية للبصرة لكنها اقل من المستنصرية (18.7 نقطة)، وكما يبدو اقل بكثير من نقاط الجامعة التكنولوجية مما يدل على الاهمية الفائقة لنوعية وتأثير البحوث. ولربما يفيد ان يتم مقارنة عدد البحوث والاستشهادات مع افضل جامعة في العالم وهي جامعة اوكسفورد حيث نلاحظ ان هذه الجامعة حصلت على 99.6 نقطة في معيار البحوث و 98.0 نقطة في معيار الاستشهادات. وفي هذا السياق يجدر الاشارة الى ان الاوراق العلمية التي تنتجها الجامعات العراقية زادت بنسبة 2216 بالمائة بين عامي 2010 و 2020 وهذه تعتبر وبكل المقاييس العالمية زيادة كبيرة وسريعة لكن، مع الاسف، رافق هذه الزيادة الهائلة لعدد المقالات نقص كبير في معدل الاستشهادات لكل بحث من 11.20 الى 0.56.

كما تظهر النتائج ضعف الجامعات العراقية في معيار الطلبة الدوليين حيث لم تحرز الجامعات الاربعة اي نقاط في هذا المعيار، ويبدو انها لم تحرز اي نقاط في معيار التدريسيين الدوليين لكني غير متأكد من ذلك. بينما احرزت الجامعة التكنولوجية المرتبة الاولى بين الجامعات العراقية في معيار نسبة عدد الطلاب لكل تدريسي والذي بلغ 6.4 مقارنة ب 15.3 لجامعة البصرة. علما ان نسبة عدد الطلاب لكل تدريسي في جامعة اوكسفورد بلغت 10.7.

ولكي تحسن الجامعات العراقية مواقعها في التصنيف عليها ان تسعى الى تحسين نوعية بحوثها ونوعية المجلات التي تنشر فيها هذه البحوث. فيبدو لي ان فرق 400 درجة في التصنيف بين الجامعة التكنولوجية والجامعات العراقية الاخرى تعود  الى نسبة الاستشهادات العالية التي احرزتها بحوث التكنولوجيا، ونعتقد انه السبب في حصولها على معدل اجمالي يساوي (27.2-31.9) بينما حصلت الجامعات الاحرى على معدل اجمالي يساوي (10.6-22.3). وفي رأينا قد تعود مرتبة جامعة البصرة بدرجة كبيرة الى نقاط "التوقعات الدولية"، وتعود مرتبة جامعتي بغداد والبصرة لمستوى "التدريس" وكمية "البحث العلمي". ما عدا درجة "الاستشهادات" لا ارى اي فروق ظاهرية بين الجامعات الاربعة.

 

محمد الربيعي

 

محمد بنيعيش1) إن الخلل في الوعي السياسي بغياب التفكير أي عقلنة وخلقنة أو تخليق السياسة لا بد وأن ينعكس على الجانب القانوني والاقتصادي وما تنطوي تحته من قطاعات لا نستطيع حصرها في صفحات، لأنها تتطور بتغير المجتمع ونموه والضرورة المقتضية لتحديثه وتجديده.

إذ الجانب القانوني قد يبقى رهينا بالمشرعين والمقننين له، وهذا يرتكز بالأساس على التخصص العلمي والنبوغ السياسي في آن واحد، وبما أن كلا الجانبين قاصران وغير متخصصين، فإن القانون المنظم للوظائف الاجتماعية سيكون دائما شقصا، وسينزلق في متاهات الاعتبارات الذاتية والمصالح المشتركة بين فئات دون أخرى، فتكون سمته حينئذ هي التعديل تلو الآخر، ليس من باب مراعاة التطور والنوازل الاجتماعية والتقدم العمراني والصناعات وتنوع المهن والحرف، ولكن من جهة أن فئة ليس من صالحها أن يوظف القانون الماضي، فتستحدث الآخر في الحاضر، ثم تأتي الفئة الأخرى فتستحدث آخر جديدا وهكذا كإحدى أخطر سلبيات الأنظمة الديمقراطية كما يصطلح عليها، ومن هنا فلا تكاد تعثر على نظام قانوني قار له ثوابته مع فتح المجال لما يمكن أن يصلح للتعديل في حدود المشروع والمعقول، ولهذا كان التجرؤ سهلا على قانون الأحوال الشخصية في عدة دول عربية ودون الانتباه أو التركيز على خلل الإجراء القضائي بالدرجة الأولى، وذلك لأن فئة من النساء أو بعض الرجال في أحزاب أو منظمات معينة لم ترقها بعض الأحكام الواردة في القانون أو المدونات الخاصة بذلك، رغم أنها تستند إلى أصل شرعي غير قابل للتعديل أو الإقصاء، وإلى مبرر عقلي وواقعي يؤكد سلامة التطبيق، فكان السبب في هذه المواقف يرجع أساسا إلى اختلال القوانين الأخرى وعدم خضوعها في غالبيتها إلى منطق علمي وسياسي متخصص، فاختلت بذلك العدالة والإدارة والنظام الاجتماعي في شتى صوره ومجامعه، كما أصبح القضاء في وضعية مهلهلة يترامى المتقاضون في مجالسه بين الابتدائي والاستئناف والنقض والإبرام، أو ما يسمى بالمجلس الأعلى للقضاء، بحيث توجد تناقضات صارخة في الأحكام وتراجعات من الإيجاب نحو السلب وناذرا ما يكون العكس، فمرة يحكم لصالح شخص في الابتدائي ثم ضده في الاستئناف وأخيرا له في النقض والإبرام، كما قد يحكم ضده في الابتدائي ثم له في الاستئناف ثم ضده في الأخرى، وهكذا دون البحث في شأن القاضي ومتابعته قضائيا حينما يزل بحكمه رغم وجود البينة بين يديه صارخة وصريحة، لكن الشكلية الإدارية لا بد وأن يتسلى بتوظيفها حتى يسمى القضاء نزيها أو عادلا، بينما الأمر خلاف ذلك، إذ كثير من المظلومين ذهبوا ضحية هذه الدورية إضافة إلى غياب التحقيق عند القضاة وهو ما يقتضي معاينة القضية عن قرب ومتابعتها من ألفها إلى يائها، وإلا كان القضاء ارائكيا شأنه شأن العلماء الاسقاطيين الذين سبق الحديث عنهم، وهذه المعاينة لا تتم إلا عند الابتدائي بالدرجة الأولى، لكن المشكلة ليست في عدد الغرف وتنوع إجراءاتها ولكن في ساكن تلك الغرف وأحوالهم النفسية والأخلاقية وتكوينهم العلمي ونزعتهم الميدانية.

2) فمن أهم المبادئ لدى القضاة هي تحقيق المساواة بين المتخاصمين وعدم التأثر بالدوافع الشخصية نفسانية كانت أم مادية، كما يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"[1]

روى البيهقي وابن حزم أن أبي بن كعب ادعى على عمر دعوى في حائط فلم يعرفها عمر، فجعلا بينهما زيد بن ثابت، فأتياه في منزله، فلما دخلا عليه قال له عمر: جئناك لتقضي بيننا، وفي بيته يؤتى الحكم... قال: فتنحى له عن صدر فراشه.. وفي رواية: فأخرج له زيد وسادة فألقاها إليه، وقال: ها هنا يا أمير المؤمنين.. فقال عمر: جرت يا زيد في أول قضائك ولكن أجلسني مع خصمي... فجلسا بين يديه"[2]

كما ينقل أن عاقبة بن يزيد القاضي كان يلي القضاء ببغداد للمهدي فجاء في بعض الايام وقت الظهر للمهدي وهو خال، فاستأذن عليه، فلما دخل استأذنه فيمن يسلم إليه القمطر (ما تصان به الكتب) الذي فيه قضايا مجلس الحكم واستعفاه من القضاء وطلب منه أن يقيله من ولايته، فظن المهدي أن بعض الأولياء قد عارضه في حكمه فسأله فنفى ذلك فقال: ما سبب استعفائك من القضاء؟ قال: يا أمير المؤمنين تقدم لي خصمان منذ شهر في قضية مشكلة وكل يدعي بينة وشهودا ويدلي بحجج تحتاج إلى تأمل وتلبث، فرددت الخصوم رجاء أن يصطلحوا وأن يظهر الفصل بينهما، فسمع أحدهما أني أحب الرطب فعمد في وقتنا هذا وهو أول أوقات الرطب، فجمع رطبا لا يتهيأ الآن جمع مثله لأمير المؤمنين وما رأيت أحسن منه، ورشا بوابي بدراهم على أن يدخل الطبق علي، فلما أدخلت علي أنكرت ذلك وطردت بوابي وأمرت برد الطبق، فلما كان اليوم تقدم الخصمان إلي فما تساويا في عيني ولا في قلبي!!! فهذا يا أمير المؤمنين ولم أقبل فكيف يكون حالي لو قبلت ولا آمن أن تقع علي حيلة في ديني وقد فسد الناس، فأقلني يا أمير المؤمنين اقالك الله واعفني عفا الله عنك"[3].

فهذه نماذج حية من المدرسة المحمدية الذهبية الخالصة تبين لنا وجه القضاة الأحياء وصحوة الضمائر لديهم في الأمة الإسلامية كما أنها تبين لنا مدى حضور الفكر العلمي والموضوعي المتزن عند تولي المسؤولية، حتى لا يصبح المنصب عبارة عن عبثية اجتماعية، والمتقلد له عبارة عن لص قانوني يحتمي بالبنود والمساطر ويقايض بالمال المجازر والمناكر. ويساهم في المظالم دون معاذير أو محاذر!

ومما يزيد الطين بلة في المجال القضائي والإلزام القانوني هو وجود شبكة المحامين وكثرة المزاولين لهذه المهنة بحيث يكادون أن يصبحوا على عدد الخصوم في المجتمع،تماما كما هو تعدد الأحزاب في البلدان (شبه ديمقراطية)، إضافة إلى غياب الالتزام بالتخصص في تناول القضايا واختيار الموكلين. وهذا من جهة مؤشر على وجود كثرة المظالم ومن جهة أخرى دخول مهنة المحاماة في كثير من الأحيان إلى دائرة الزبونية، واقتناص الفرص للربح المادي والنفعية الشخصية، حتى إن الأتعاب قد تتفاوت ما بين محامي وآخر، وربما قد تصل في بعض القضايا إلى أثمنة خيالية يستفيد منها المحامي أكثر من موكله، فيصير المصطلح حينئذ من معنى الوكالة إلى المؤاكلة أي أن المحامي يدافع عن صاحبه بصيغة مؤكّلي عوض موكلي، ناهيك عما قد يدور من مساومات بين بعض القضاة وهم كثير وبين المحامين حول قضية ما. وبالتالي يتحول القضاء إلى عبارة عن سمسرة وتصفية حسابات أو إلى حرب، والحرب خدعة، قد تستباح فيها كل الوسائل الممكنة للإيقاع بالخصم سواء كان ظالما أو مظلوما!

ومن الملاحظ أن كثيرا من المحامين ،وبدون تعميم ، من خلال ما يشعرون به من قدرة على الكلام والمراوغة في الخصومات أمام المحاكم قد تميل بهم أنفسهم إلى مزاولة العمل السياسي، لتوظيف تلك القدرات في استمالة حكم الجماهير وامتطاء جواد المناصب ذات الخاصية في اتخاذ القرارات، حتى لقد نجد غالبية زعماء الأحزاب السياسية من ذوي مهنة المحاماة التي أصبحت سلاحا ذا حدين، وهي دفاع عن المظلوم ودفاع عن الظالم في آن واحد وبالتالي دفاع من أجل ترسيخ الظلم وتبريره، وهذه بطالة فكرية وخلل أخلاقي لا يحتاج إلى تعليق!.كما أن التعميم هنا غير وارد ولكن الظاهرة أكيدة ولا ينكرها إلا معاند.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 ........................

[1] سورة المائدة: آية 9.

[2] محمد عبد العزيز الهلاوي: فتاوى وأقضية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. مكتبة القرآن ص16.

[3] مجلة العالم عدد 205 يناير 1988- الصفحة الأخيرة.

 

 

محمد الربيعي ليس هناك شك في أن التعليم والتعلم والبحث العلمي في الجامعات العراقية في حالة سيئة، كما يتضح من التخبط في القرارات، وكثرة الفساد في البحث العلمي، وضعف الحماس والاندفاعية  للتدريس عند التدريسيين والدراسة عند الطلاب. ما هو مطلوب هو فهم الاسباب المتعددة التي أربكت نظام التعليم في البلاد، وحلها عاجلاً وليس آجلاً. لقد سلطت في العديد من مقالاتي السابقة بالفعل الضوء على الضرر الذي تسببه المناهج سيئة التصميم والتعلم المستند إلى الذاكرة (التلقين والحفظ واجترار المعلومات). ومع ذلك، يبدو أن الأسباب الأكثر جدية والمسؤولة عن الوضع الحالي تكمن أساسا في نهج المحاصصة سيئ الصيت. لذا سيبقى المطلب الأول والأهم هو التخلي عن نهج المحاصصة في تعيين القيادات الوزارية والجامعية، وبدله اعتماد مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب، وانتهاج اسلوب لجذب الاكاديميين المتحمسين والمؤهلين إلى مناصب ادارية عليا في الجامعات. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا المطلب يواجه عقبات كبيرة منها إن عملية تعيين القيادات في جميع الجامعات تسند على ترشيحات الاحزاب ودعمهم وغالبا ما تكون منحازة بسبب عامل أو آخر، بحيث يصبح تعيين شخص كفء حدثا ذا احتمالية منخفضة. على الجانب الآخر، يقف قانون التعليم العالي امام تعيين الشباب في مناصب عليا لتضمينه شروطا تتطلب الخبرة الادارية والدرجة العلمية. علما انه لم تعد الخبرة الادارية مهمة بسبب النظام الاداري المركزي الذي يجرد القيادات الجامعية من حق اتخاذ القرار الاداري والاكاديمي المهم، ولا حتى الدرجة العلمية والتي بدأت تمنح لمن ليس له خبرة حقيقية واعتماده على بحوث مستلة او مسروقة.  ونتيجة لذلك، يتم تحميل النظام الجامعي بشكل متزايد بتدريسيين غير مؤهلين تأهيلا كاملا للتدريس والبحث لانعدام مرحلة تدريب بحثية مهمة وهي ما تسمى "بعد الدكتوراه" مما يتعين على الأجيال التعيسة من الطلاب أن تعاني من نقص التدريسيين الملهمين، وبالتالي لا تتاح لهم الفرصة لايقاد الشرارة التي تحمل بداخلهم. من أجل التغيير، يجب على الحكومة تعديل إجراءات تعيين القيادات بشكل جذري وعلى اساس ما كتبته في مقالات ودعوات سابقة، وبحيث يمكن لاعضاء هيئات التدريس في الجامعات المعنية أن تتاح لها الفرصة للمناقشة شخصيا مع هؤلاء المرشحين الذين تبدو سيرتهم الذاتية مناسبة للوظائف القيادية في الجامعة.

 

أ.د. محمد الربيعي

غزلان هاشميإن الأكاديمية التي نتحجج بها، كثيرا ما تؤكد على أننا نمارس هراء تحت مسمى المعرفة، في الوقت الذي يثبت الواقع أن الكثير من تخميناتنا التي تؤثث الكتب لن تستطيع بأي حال من الأحوال أن تتأكد إلا بجزء ضئيل...، وهذا اللاتماثل هو الذي يخلق الفجوة التي تجعل الواحد منا منتفخا ومزهوا بحقيبته العقلية...وهو ذاته الذي يجعل أبسط إنسان يبدو أكثر معرفة ووثوقية بالواقع من خلال الانخراط فيه وفي تفاصيله اليومية، والانسجام مع متغيراته والتعامل معه بمرونة أكثر، لذلك علينا أن نعترف بأننا فاشلون في التخمين..، إذ نظل في دائرة الاحتمال نخوض المعارك وننتج كثيرا من اللغط المزين، وفي الأخير لن يتحقق إلا الجزء الضئيل من هذه التوقعات..، وسيظل الناس العاديون يغفرون لنا دائما هذا اللغط، ولن يتذكروا فشلنا في احتواء الواقع أو في وضع خطة للمستقبل أو حتى في فهم الكثير من الأحداث الماضية الملغزة..سيذكرون ذلك الجزء الضئيل الذي نجحنا فيه في الوقوف صدفة على تحليل أو تفسير مطابق لحادثة ما...ليغدقوا علينا المزيد من عبارات التبجيل والتقديس...

انظر لنفسك وأنت تقف أمام مكتبك في قاعة الدرس...، وعد بذاكرتك إلى كل ما قدمته وما تفكر كذلك أن تقدمه..، أنت في الحقيقة لا تقدم الواقع وإنما تمثلات وتخييلات وكلام مفخخ بالكثير من المفاهيم المنتفخة التي ستجعل طلبتك ينفضونها من أذهانهم بمجرد خروجهم وبمجرد الوصول إلى أول شارع خارج الجامعة..، وفي أحسن الأحوال سيتركونها كخميرة قابلة للإتلاف حتى ساعة الامتحان، ثم يبصقونها متأففين وغير آسفين..قد ينظر إليك على أنك استثناء..على أنك حالة فريدة..، لكن في الحقيقة الواقع يتآكل داخلك ويتلاشى حتى يصل إلى العدم، إنك حالة ضد الواقع فقط..، بل بضاعة مفاهيمية تباع على طاولة الاحتمال..يسمعك الإنسان العادي فيصفق لك، ثم سرعان ما يميل برأسه عنك ناحية واقعه، لينسى ما قلته بشأن تنظيراتك حوله، ليعيشه كما عقله هو..

حينما يحدث الاستثناء فقط هنا يظهر الخبراء، وتظهر معهم التفسيرات السمجة والساذجة في معظمها والتي بتأمل بسيط منك تعرف أنها لا تعبر عن الواقع..ويبدأ الاستعراض والاختيال..، لكن لا أحد منهم قبل حصوله ـ أي الاستثناء ـ أفلح في التنبؤ بهذا اللامتوقع، ولا أحد أفلحت أدواته الفكرية ومعارفه في تخمين حصوله واستشرافه، هذا الاستثناء امتحان لحصافتنا ولخيلائنا المعرفي ولطاوسيتنا وانتفاخنا..، لكن مع مرور الوقت سينسى ذلك، لأننا نظل متمتعين ـ بحكم الوظيفة المحترمة والشهرة والدرجة العلمية ـ بالنفوذ الكلامي..، ولربما لذلك فرق نسيم طالب في كتابه"البجعة السوداء:تداعيات الأحداث غير المتوقعة" بين حالتين هما ناتج تداعيات هذا النفوذ: "الحالة البسيطة:العجرفة المعرفية في ظل وجود بعض الكفاءة، والقضية الصعبة الغطرسة المعرفية التي تخالطها قلة الكفاءة(الجعبة الفارغة) ".

على الأكاديمي إذن أن يستثمر "ضد الواقع"، ليختبر معارفه أو بالأحرى يقينياته، ويعترف أن هناك إقبار واضح للمعرفة غير المدركة، تلك المعرفة التي يلفها الافتراض، والتي يحس العقل الأكاديمي إزاءها بالإرباك لأنها تذكره بعجزه وهرائه، وبأن مايملكه هو جزء ضئيل فقط من معارف كبيرة لم تكتشف بعد..

اللاأكاديمية استغراق في المغيب وتحرر من استبدادية الاستغلاق، لأنها نزوع نحو الشك في المكانة والمفاهيم والخطاب والأدلوجة الجامعية...، وهذا معناه أن نتحرر من الوهم المسمى بديمقراطية الوصول إلى المعرفة، والتي تؤكدها الطرق الملتوية التي تفرضها علينا الفضاءات العلمية الرسمية من خلال الانتقاء الإيديولوجي والاختيار المتحيز للبرامج التعليمية المعتمدة قد تصل إلى التعويل على المشتبه والسري وغير القانوني،

نلعب لعبة البوليس النقدي أو الشرطة الأكاديمية من أجل حفظ النظام المعرفي العام، لكننا نتجاهل في الحقيقة الكثير من العشوائيات أو هكذا نطلق عليها لنحرر ضمائرنا من الشعور بالذنب حيال تجاهلها والتي قد تشكل أرضية كبيرة للتعلم أو المعرفة الحقيقية بالواقع...

كتب الفيلسوف اليوناني سكستوس إمبيريكوس مجموعة من المؤلفات تحت مسمى "ضد المتخصصين" أو"ضد الأساتذة"، إذ يحاول ضرب اليقينية ووهم المعرفة أو ادعاء الخبرة في حقول معرفية معينة، وهي:البلاغة والقواعد النحوية والهندسة والرياضيات وعلم التنجيم والموسيقى، هذا وكتب مجموعة مكونة من خمسة كتب:كتابان ضد المنطقيين، كتابان ضد الفيزيائيين، كتاب ضد الأخلاقيين..وهي في الأساس كتب ضد الدوغمائية، وقد نقد العقل الفلسفي الأكاديمي أو الذي يسمي أصحابه بالعقائديين السلبيين، فالافتراض الانكفائي أو المغيب هو ماتحاول المؤسسة الأكاديمية أو الرجل الأكاديمي المدجج بالنموذجية أن يقوم بتلافيه، فليس من صالحه أن يعلن عن خيبته، لذلك يحاول دائما أن يلبس قبعة الأستاذية ليوهم الناس بفخامته وتأنقه المعرفي وبوصوله إلى ذروة اليقينية..، في الوقت الذي يختبره الاستشكال ويضعه على محك التجربة حينما تقاس مدى حجية أدواته المعرفية أمام حاصل التغيرات وفائض المعنى أو فائض الواقع..، إذ سيظهر التهافت بشكل كبير، وستتأكد الاحتمالية وسيتلاشى مفهوم الأكاديمي المتعالي المستأسد بأطروحاته الدنكيشوتية.

 

د.غزلان هاشمي ـ الجزائر

 

منى زيتونفي مقال سابق عن السرقة لدى الأطفال تحدثت عن مفاهيم الملكية الخاصة والملكية العامة والتشاركية لدى الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة، والتي قد يؤدي عدم تكونها بشكل صحيح لديه إلى سلوك يشبه ظاهريًا سلوك السرقة لدى البالغين؛ ذلك أن أفكارنا ومعتقداتنا هي المحرك الرئيسي لسلوكياتنا.

واليوم رأيت أن أتوسع في الحديث عن أثر عدم تكون المفاهيم المتعلقة بالملكية والحقوق بشكل سليم لدى الفرد؛ ذلك أن هذا الوضع يكون أبعد أثرًا مما يمكن أن يتصوره الآباء.

الترتيب الصحيح لتكوين مفاهيم الملكية

يولد الإنسان متمركزًا حول ذاته وحاجاته، ثم تحوله التربية إلى كائن اجتماعي، وتُكون المفاهيم التي تتجسد من خلالها علاقة هذا الفرد بأفراد مجتمعه.

والواجب أن يبدأ الوالدان والمعلمون بإكساب الطفل مفهوم الملكية الخاصة، ثم بعد أن يعي الطفل جيدًا مفهوم ما له ‏وما للغير يحدث التدرج إلى مفهوم المشاركة، فيفهم الطفل أنه يمكن أن يشارك الآخرين اللعب بألعابهم بإذنهم، ويمكنهم هم أيضًا أن يلعبوا بألعابه إن أذن لهم، كما يتم التوضيح له أن هناك أشياء تكون ملكًا للجميع كالبحر والنهر والشارع أو ‏ملكًا لمجموعة من البشر كالمنزل الذي تمتلكه العائلة، وتوجد به ثلاجة واحدة ولكنها للجميع، ومن حقهم جميعًا استخدامها دون استئذان الباقين.‏

ولكن للأسف يشيع في مجتمعاتنا العربية خطأ في ترتيب بناء هذه المفاهيم منذ الصغر؛ فيسعى الآباء إلى تكوين مفهوم الملكية العامة أولًا تحبيبًا للأطفال في التعاون والتشارك، أو يتسرعون في الانتقال إلى بناء مفهوم الملكية العامة قبل ترسخ مفهوم الملكية الخاصة لدى الطفل، وهو ما يترتب عليه إمكانية تعدي بعضهم على ملكيات غيرهم بوعي أو دون وعي، ويكون هذا في الصغر أو حتى إن بلغوا مبلغ الراشدين.

كما أن هناك إشكالية لدى كثيرين في اكتساب مفهوم تغير الملكية وتدوير الموارد، ومنشأه  ومبدأه يكون أيضًا منذ مرحلة الطفولة المبكرة.

ويتصل مفهوم الملكية بشكل مباشر بمفهوم الحق والواجب؛ فالحقوق والواجبات إن لم تترتب على مفهوم الملكية ماديًا ترتبت عليه معنويًا.

ويمكن استخدام الألعاب لتعليم الأطفال مفاهيم الملكية، كما أن لعبة الورق المعروفة في مصر بـ "الشايب" يمكن أن تسهم في تعليمهم مفهوم تغير الملكية، وأن ما هو ملكي الآن يمكن ألا يكون لي بعد لحظات، وهو ما يلزمني تقبله.

الآثار النفسية والاجتماعية السيئة لعدم تكون مفاهيم الملكية والحقوق بشكل صحيح

أزعم أن مسببًا رئيسيًا لأغلب المشاكل التي يعانيها البشر هو أن هناك فئة كبيرة منهم لم تتعلم كيف تضع حدودًا واضحة بينها وبين الآخرين، وأن تعي ما لها وما للآخرين؛ ومن ثم فإن سلوكياتهم تأتي معيبة تنتهك حقوق الآخرين، وهذا الانتهاك قد يقع بالقول أو الفعل أو حتى بالتمني.

وجميع أمراض القلوب من حسد وحقد وعين هي ثمار فاسدة لتكون مفاهيم الملكية بشكل غير سليم، فصاحبها لم يعتد منذ صغره على أن هذه لي وهذه لفلان وهذه لعلان، فيستشعر نعم الله عليه ولا يصوب سهام عينيه إلى ما لغيره. لم تتم تربيتهم على أن ما ليس لي من نعمة وقد أنعم الله بها على غيري يلزمني غض النظر عنها، وأن أفرح لصاحبها، لا أن أنظر له فيها متمنيًا أن تكون لي لا له.

وكثير من المشاكل الزوجية يكون سببها نقص وعي كلا الزوجين أو أحدهما بحقوقه وواجباته أو تطلع أحدهما –خاصة الزوجة- لما في يد غيرها من نساء وكثرة مطالبتها للزوج بما يفوق قدراته المادية.

كما أن الاتكالية والاعتمادية على الآخرين هما التطبيق السلوكي لمفهوم الحقوق والواجبات المشوه في أذهان الاعتماديين.

كذلك فإن بعض الجرائم كالاغتصاب والتحرش والسرقة هي نتاج مفاهيم الملكية والحقوق المشوهة، وحتى بعض الجرائم المستحدثة كالتجسس الالكتروني وسرقة حسابات الأفراد على المواقع الالكترونية هي ثمرة لعدم احترام الخصوصية والملكية.

حتى بلغنا مبلغًا أن نظام الدولة ذاته يتعدى على الملكيات الخاصة للمواطنين في شكل قوانين وإجراءات إدارية من نوعية إجبار المالك على استمرارية عقد الإيجار القديم وتوريثه، وتقسيم موظفي الشهر العقاري حصص وحدات البناء في الأرض للمشتريين بخلاف ما باع لهم المالك! والتأميم ومصادرة الدولة لأموال فئات من الشعب للاختلاف الفكري ودون جناية حقيقية، أو حتى لغيرها من الأسباب بغرض جمع المال منهم، وغيرها من القرارات الحكومية التي يكثر صدورها عن المسئولين في الأنظمة الظالمة عبر التاريخ، والتي كثرت في السنوات الأخيرة في مصر في عهد السيسي.

وجميع هذه القرارات النظامية التي تُنفذ فتتحول إلى سلوكيات تعبر –غالبًا- عن رغبة ذلك المسئول في الاستحواذ على أي شيء يرغبه وبأي وسيلة، توجد عادة لدى من لم يتكون لديه مفهوم الملكية بشكل صحيح منذ الطفولة المبكرة. وأنا هنا لا أعني السيسي شخصيًا بحديثي، فتحليلي لشخصيته أن دافعه لما يفعل من مصادرات وهدم وغيره هو سوء إدارة وعدم ترتيب الأولويات، فهو إنسان فاشل إداريًا كثير الاستخدام للتبرير كحيلة دفاعية.

والأهم -من وجهة نظري- أن أمثال هذه السلوكيات التي تقوم بها الدولة تعديًا على الملكيات الخاصة تجد تعاطفًا من فئة غير قليلة من الشعب –من غير المتضررين منها- ما يدل على أن هؤلاء لم تتكون لديهم مفاهيم الملكية في الصغر بشكل صحيح.

وبإمكاني أيضًا أن أزعم إنه حتى المشاكل بين الدول سببها الرئيسي هو انتهاك الخصوصية وعدم احترام ملكيات الآخرين وافتقاد الإدراك السليم للحقوق والواجبات، والتي تتجسد في سلوكيات طامعة فيما لدى الغير من أراضٍ أو أنهار أو حقول بترول أو غاز وغيرها من الموارد والثروات الطبيعية، أو تدخل في قرارات الدول الأخرى ومحاولة فرض نظم عميلة في تلك الدول.

إحراج صاحب الحق عن المطالبة بحقه

من أحقر أنواع البشر؛ الأغنياء الذين يماطلون غيرهم من الأغنياء في سداد حقوقهم، بدعوى إنهم ليسوا بحاجتها، وربما ودوا أن تعاملهم كغارمين!

وأغلب من ينتمون إلى هذه النوعية نراهم مانعين للزكاة؛ بما يعني أنهم يحرمون الفقراء من نصيبهم في مال الله الذي آتاهم، كما يريدون أن يأخذوا حصة من مال زكاة وصدقات غيرهم!

وعن نفسي أشجع أي شخص له مال يستحق الأداء عند هذه النوعية من البشر أن يطلبها ولا يستحي، لأنهم يستغلون حياء الأتقياء.

ومن أكثر ما يسوء وجود خطأ تفكير من نوعية جديدة مبتكرة بتدخل قليلي العقل في النقاش بعبارات يوجهونها إلى صاحب الحق من أمثال "وهل أنت بحاجته؟" أو "لو تريد أعطك من جيبي!" وكأن صاحب الحق يشحذ! وهل الحق يُطلب لأنك بحاجته أم لأنه حقك؟! وهذا الخلل المفاهيمي الواضح يسمح للمحتالين أن يزيدوا أعداد ضحاياهم. وقد انتشر هذا الوباء في السنوات الأخيرة في قُرى محافظة الشرقية من مصر، وقد سمعت به مرة في جلسة توزيع ميراث لبعض أنسابنا انفضت بلا توزيع، ومرة أخرى في حوار حول قضية مرفوعة أمام المحكمة لاسترداد بعض الحقوق.

وتتعدد الحيل التي يستخدمها العرب لعدم أداء الحقوق وتلك التي تُستخدم لإحراج أصحابها عن المطالبة بها. أحد أصدقاء الفيسبوك في بلد عربي روى لي عن ضمانه لأحد أقربائه في تسلف مال كثير، ولم يكن المضمون أهلًا للثقة، فلم يعد المال إلى صاحبه، ما جعل الصديق الضامن يؤدي عنه المال، ثم رأى الضامن المحتال يحمل سجادًا إلى المسجد في رمضان، وكأن صاحب الحق إن طلب حقه سيمنع المنحة عن المسجد!

وكم سمعنا عن صاحب عمل في دولة خليجية لا يعطي العامل عنده أجره رغم علمه بشدة احتياجه إليه هو وأهله في مصر، ونسمع فوق ذلك عمن يسانده ولا يجعله يرعوي.

الفضول القاتل!

وهنا أجدني راغبة في الحديث عن شأن شخصي يتعلق بمسألة الخصوصية؛ فبعض من لا يعرفني قد يظن من خلال الحالات التي أعرضها في مقالاتي الاجتماعية أنني شخصية فضولية ولا شك، وإلا من أين أعرف كل هذه الحالات! بينما الحقيقة عكس ذلك تمامًا فأنا لا أسأل حتى أقرب المقربين عن أي شيء خاص بهم، فإن أرادوا هم أن يحكوا لأخذ المشورة أو حتى بغرض الفضفضة فأنا موجودة. وأحمد الله على هذه النعمة لأن هناك صنفًا من البشر من ذوي الأنوف الطويلة، وسأسمح لنفسي أن أروي حكاية عن واحدة منهم.

في السنة النهائية من دراستي الجامعية كان هناك معيد حديث التخرج يحاول التقرب من إحدى صديقاتي، حتى أنه تعرف إلى والدها عمدًا؛ حيث كان والدها يحضر بسيارته إلى الجامعة عصر كل يوم مع موعد إغلاق مكتبة الكلية لاصطحابها إلى المنزل، فتعرف إليه ذات مرة ثم كان كثيرًا ما يأتي ليسلم عليه.

 وذات يوم وجدت صديقتي هذه عابسة ووجهها يوحي بأنها في أشد درجات الضيق، وفاجأتني بأن طالبة لا تكاد تعرفها في قسم آخر سألتها إن كان هذا المعيد –الذي أصبح زوجها فيما بعد- طلبها للزواج من والدها! وربما كنت أنا قد فوجئت أكثر من صديقتي بهذا السؤال الوقح، فقلت لها: من هذه لتسألك إن كنت أنا نفسي لم أسألك؟! هنا وجدت ردًا صادمًا من صديقتي عندما قالت لي: لا، أنتِ كان المفروض أن تسألي. فرددت عليها قائلة: لو كان لديكِ ما تريدين أن تقصيه لقلتيه من تلقاء نفسك دون تطفل مني.

هل الوقت متأخر للتصحيح في الكبر؟

في عصر لم يعد يعبأ فيه كثير من الناس بأن تكون لهم خصوصية، فنجد بعضهم يشتركون فيما يسمى برامج تليفزيون الحياة، وكثيرون يفتتحون قنوات على موقع اليوتيوب يسجلون فيها يومياتهم التي تدور في بيوتهم وبين أهليهم متيحين للغرباء أن يطلعوا عليها، أصبح حديث أمثالي عن الخصوصية والحدود اللائقة بين البشر حديثًا غريبًا لدى أمثال هؤلاء، لكن نحمد الله أن هذا ليس وصف الحال بالنسبة للأغلب الأعم من البشر.

وكما أخبرنا رسولنا عليه الصلاة والسلام أنه "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، فقد أبلغنا أن "الدين النصيحة"، ولكن الإشكالية هي التمييز بين النصيحة والحشرية.

وقد يكون السبب الرئيسي لنقص التمييز هذا أن هناك من ينحشر في شئون خاصة تتعلق بغيره ظانًا منه أنه يسدي نصيحة لأنه يظن رأيه حقيقة، ويريد حمل صاحبه عليه نصحًا له!

وإن كنا نقول إن التربية تبدأ من الصغر، وأن تكون مفاهيم الملكية والتمييز بين العام والخاص بشكل سليم لدى فرد يعني أنه تلقى تربية جيدة وأننا أمام إنسان صالح، فإنه من الضروري أيضًا أن نقرر أن الوقت ليس متأخرًا أبدًا لتصحيح المفاهيم لدى أي إنسان لم ينل حظه من تلك التربية الجيدة في الصغر، وكما قال نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام: "إنما العلم بالتعلم"، واكتساب المفاهيم علم، واكتساب السلوك عادة، والمجتهد من يستمر في تنمية ذاته طالما فيه قلب ينبض.

 

د. منى زيتون

الاثنين 6 سبتمبر 2021

 

 

بليغ حمدي اسماعيلإن الإنسان لم يواجه محنة في تاريخه أشد مما يواجهها اليوم، ولا يظن البعض أننا نرمي إلى خطر أسلحة الدمار الشامل وملحقاتها، ولكننا نقصد ما هو أفدح من أسلحة الدمار والفتك التي باتت تهدده ألا وهي محنة العقيدة، محنة الروح من خطر الفلسفات المادية التي أصبحت تسود وتزحف وتحتل كل يوم موقعاً جديداً . لقد تجاهلت الفلسفة المادية كل القوى المعنوية، والقيم الإنسانية، وحصرت المشكلة كلها في لقمة العيش أو الجنس، ونسيت أو تناست أن عمل المعدة وشهوة الجنس تتساوى فيه مع الحيوان تمام المساواة، وأنهما ليسا أشد عراقة من المشكلات الإنسانية العليا ونفاذا إلى الصميم.

ومما يضاعف خطرها أنها لا تقف وحدها في الميدان ولكن تساندها قوتان لا نقلل من أهميتهما هما: الإيمان المغرور بالعلم، والاستغلال بنوعيه؛ المادي والمعنوي، والخطة الحصرية لمواجهة هذا التيار الجمعي الجارف شئ واحد هو المسئولية الفردية، هذه هي بداية الطريق في معركتنا الإنسانية القادمة ، فليس الوعي الإنساني فرض كفاية، وإنما على كل فرد أن يحمل عبئه من الواجبات الإنسانية قدر جهده.

وما أحوجنا في ظل هذه الظروف المادية التي تكبل إنسانية الإنسان أن نقدم ملامح  منهج ذي أسس إسلامية راسخة لمجتمع أفضل وما أحوجنا هذه الأيام لمنهج كهذه في ظل ظروف سياسية محمومة يسعى البعض بيننا لتقويض الوطن ومحاربة مؤسساته ومعارضة الرئيس بغير حجة أو دليل تحت دعاوى الديموقراطية والتعددية السياسية في الوقت ذاته الذي نرى فيه بعض رجال الدين يهرعون باتجاه السياسة متغافلين جل شأوهم وشأنهم الجليل وهو تبصير المسلمين بمعالم دينهم وشريعتهم السمحة.

مِحْنَةُ العَقِيدَةِ:

ولعل أبرز مشكلات العصر الراهن مشكلة الجيل الحائر الذي فقد المثل الأعلى والهدف الصالح والغذاء الروحي والقدوة الحسنة والفكرة السليمة التي يمكن أن يجتمع عندها الشمل وتأتلف الكلمة وهو ما نفتقده بوضوح هذه الأيام بعدما تفرقت الكلمة بين تيارات إسلامية وجبهة إنقاذ وتيار شعبي وحركات ثورية تأتي من كل فج عميق وتهوي بنا إلى مستقر سحيق. و طالما يتعرض هذا الجيل إلى هزات عنيفة من اليأس والأمل والمفارقات الطريفة من الإقدام والتردد والصراع الأليم بين الواقع المر والحلم الذي نعيش فيه، ومن ثم فالواجب على رجال الدين أن يستنهضوا عزائم الشباب لتشخيص دائهم وتقديم العلاج الصحيح لهم، و ضياع الجيل الحالي مفاده أن المعنيين بعلاج الشباب روحياً يخطئون في تشخيص الداء ثم يضعون حلولاً غير عملية لمشكلات وهمية لم تقم على أسس من الدراسة الواعية والفحص الصادق العميق، وتكون النتيجة في تلك الحالة أن تذهب جهودهم سدى ويستسلمون لليأس بعد أن يبلوا البلاء الصادق في كدهم وجهدهم، وينفقون الأعوام الطوال في الجهاد والكفاح.

ولنا أن نؤكد على أن التاريخ مملوء بالمصلحين والضحايا منذ الأزل فما انتفى الشر ولا صلح الحال، ولكن جهود المصلحين لم تذهب عبثاً، وإنما أفاءت على الإنسان جسداً وفكراً وروحاً ما لا يحصى من الخيرات، وغاية الأمر من ذلك طموح أبداً لا يكاد يعتلي درجة من درجات الرقي حتى يتطلع إلى أخرى، وتتلخص سعادته ورقيه في هذا التطلع والعمل له، وما دام في الإنسان نفس يتردد فلن يهدأ له بال ولن يستقر على قرار ولن يكتفي بجهد السابقين فيما قدموه له، بل عليه أن يأخذ دوره مثلهم وأن يجعل حياته عامرة بالجهاد والنزوع. وهناك ضرورة أن يقوم كل جيل بدوره في تصحيح أخطاء مجتمعه، وفي السمو به مادة وروحاً إلى أعلى، و مفرق الطرق بين مصلح ومصلح لا في مقدار الجهد ولا الحماسة للفكرة، وإنما في تشخيص الداء، ووضع يده على المشكلات الحقيقية التي تعتاق طريق مجتمعه عن الرقي والنهوض.

وإذا كانت الخطوة الأولى وهي تشخيص الداء تبدو عسيرة، فإن الخطوة الثانية لإصلاح المجتمع هي أشد عسراً من الأولى، فقد يتفق أكثر من واحد على تشخيص الداء ويختلفون في تحديد العلاج . وهو ما نلاحظه اليوم مع تعدد المذاهب، والتي عادة ما ترجع إلى مذهبين جامعين المذهب الجماعي والمذهب الفردي ونحن نرى أن من بين أتباع المدرستين من وفق توفيقاً لا شك فيه في الكشف عن العلل الدفينة، ولكنا لم نر بعد من وفق مثل هذا التوفيق في العلاج الصحيح مع أن كليهما يشتعلان غيرة صادقة على خدمة الإنسان.

وبين هذين الاتجاهين المتقابلين يقف الإنسان حائراً متردد الرأي والخاطر ويتساءل مستمراً أين الاتجاه الصحيح؟ وهو ما يعبر عنه الطرح الاستفهامي التالي: هل هناك حياة أفضل؟ . وإذا لم تكن هناك حياة أفضل فهل حياتنا هذه جديرة بأن نحياها؟ . نعم لمن هذه الحياة إذا كان كلنا يشكو؟ هل يدعي أحد أنه يعيش في دنياه كما ينبغي، وأن يحقق الوسائل التي تكفل له ذلك؟ أم سيظل أبد الدهر عاجزاً عن تحقيق هذه الوسائل.. الحق أننا غفلنا عن السعادة التي نتعشقها كما تدور في خيالنا لأننا غفلنا عن الوسيلة الصحيحة، إن بيننا وبين السعادة الممكنة حاجزاً شفافاً نراها منه ولا نتناولها، فهل نستطيع أن نصل إلى المفتاح السحري لهذا الباب لنغترف من هذه الحياة المترعة بالهناء على قدر ما نطيق، فلم يمنحنا الله الحياة لنعطيها ظهرنا ونعيشها ونحن نتحسر في ضيق الحرمان، إن الله أوسع رحمة وأشمل عدلاً من أن تكون هذه الحياة مجرد معاناة وحرمان.

وقبل أن نضع خطة ونعبد بها الطريق الذي يجب أن نسلكه يحسن بنا أولاً أن نلقي نظرة فاحصة على المعوقات التي تقف في طريق نهضة الأمة فتجعلنا ننحرف عن الجادة وأبرزها التقليد والنزوع وراء المادية وغلبة الأنظمة الطاغية وشيوع الدعوات الانفرادية المفككة التي لا تجيد الربط بين القيم العليا وجمعها في خيط واحد لتنتظم حياتنا من جميع نواحيها.

كما أن معظم النهضات السابقة كانت رد فعل لمظالم واقعة وهذا طبيعي، ولكنها لم تكد تقوم وفي نيتها دفع الظلم وحده حتى تحل مكان القوة المنسحبة كقوة طاغية مستبدة، فتكون أشبه بعملية انتقام منها بثورة وإصلاح. أيضاً من المعوقات أن بعض دعاة الأفكار كانوا خياليين حالمين، ولكنهم لم يكونوا دارسين دراسة تامة واقع حياتهم المحيطة بهم وطريقة تناولهم لفكرتهم بالصورة التي يمكن أن تجد قبولاً لدى مستمعيها، وأن يتطوروا شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى النتيجة المرجوة.

وإذا فكرنا سوياً بمنطق المشاركة لا المغالبة في الرقي والنهوض بأمتنا الإسلامية فمن الأحرى علينا جميعاً أن نحدد الحلول المتينة لنهضة الأمة واستباق الرقي والتقدم منها وهذا لا يتحقق إلا عن طريق الجزاء الذاتي أي محاسبة المرء لنفسه قبل محاسبة الآخرين،والجزاء الذاتي هو أن تفعل ما تعتقد أنه الخير بدافع داخلي محض أشبه بالاستجابة الطبيعية التلقائية منه بالعمل المحدد المرسوم، أن تفعل الخير جهد ما تستطيع لأنه خير، لا لأنك تثاب عليه أو لأنك ستتلقى الشكر من أحد .

فلنتدبر جيداً ولنفتح عيوننا وبصائرنا لنعلم أن كل ما نعانيه من خلط واضطراب وتخبط في أمورنا وفي معاناتنا للحياة الكريهة التي نعيشها إنما هو لسبب واحد: هو أننا غفلنا في تاريخنا كله عن هذا القانون العظيم الذي يتلخص في كلمتين اثنتين: الجزاء الذاتي. إن خطيئتنا الكبرى على مدى التاريخ أننا ألقينا بالجزاء من الداخل إلى الخارج، فتعلق الإنسان به سواء أكان جزاء دنيوياً أم أخروياً، غافلين عن الجزاء الحقيقي الأسمى الذي ينبع من النفس ذاتها، والذي يعلو على كل جزاء، إننا في حاجة أن نوليه الجزء الأكبر من عنايتنا والنصيب الأوفر في ثقافتنا وتربيتنا حتى ينال منا ما هو جدير به من الاهتمام الكامل، والتقدير الصحيح وبعدها سوف نفخر أننا نعيش في مجتمع بشري متحضر لا كهذه الذرات المتناثرة التي تتخبط في عماء.

فهذا التخبط في كل شئ من شئوننا، وهذه الفوضى الضاربة أطنابها في كل ناحية، والانحلال الذريع في كل مكان، هذا كله لا علاج له إلا شئ واحد الإسراع في تطبيق هذا المبدأ الجليل، ولا يفهم من هذا أن هذا المبدأ غير معمول به حتى الآن، فما أعمال الأنبياء والمصلحين والمخلصين من أبناء البشر منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا إلا ترجمة دقيقة له، حتى إنه روي عن سيف الله المسلول خالد بن الوليد أنه قال: " لو لم أؤجر على ترك الكذب لتركته أنفة" .

وما أجمل الجزاء الذاتي وما أسماه وما أرقه خاصة حينما تسود بيننا قيمة عليا وحينما يحاول كل فرد أن يطبقها في حياته جهد ما يستطيع، إنه الأساس المتين لكل ما يبنى عليه من القيم العليا في مجتمعاتنا العربية الإسلامية بإذن الله.

ومن ركائز نهضة الأمة الإسلامية أيضاً إظهار الحق عن طريق الإقناع، ويعني أن المناخ الصالح للفكرة هو التسامح المطلق مع كل رأي آخر ودرسه بحرية مطلقة وإفساح الطريق لكل فكرة جديدة مهما تكن مناهضة لآرائنا وكل حجر على حرية الرأي لأي عذر وأي تبرير يجب أن نجعله دبر آذاننا وليكن الحكم الفيصل بين ما لكل فكرة وما عليا هو موقف الرأي العام منها بعد دراستها وتمحيصها وإعطائها فرصة الحياة والظهور.

فالنقاش الحر البناء هو الذي يكشف زيف الفكرة أو صدقها ويوضح صحيحها وباطلها، وقد تكون الفكرة ناقصة فيكملها غير صاحبها، وقد تتجلى لنا أثناء النقاش أفكار أخرى لا تخطر على بال صاحب الفكرة أو من يعارضه، ويكفي أن يشعر كل صاحب رأي أنه محل احترام مواطنيه وأهلاً لثقتهم ليضرم في قلبه نار الإخلاص والكدح في تقديم كل ما يمتع وما يفيد.

ومن أسباب النجاح للأمة الإسلامية توافر الثقة بيننا،  لا سيما وجود حالة من الثقة الغائبة بيننا هذه الأيام والقلق والتخوف والحذر الذي يولد الاضطراب ومن ثم الإضراب فتتعطل الحياة ويشيع العجز والركود وحقاً إن ما تعاني منه مصر الآن هو أزمة الثقة في كل شئ وفي كل إنسان ومع الجميع ؛ أزمة ثقة بين الوالد وولده، والزوج وزوجه، والمدرس وتلميذه، والمرء ومرؤوسيه، والجار وجاره، والبائع والمشتري، وقس على ذلك كل ما بين الناس من صلات ومعاملات وروابط في كل ناحية من نواحي الحياة . وكيف تسقط هذه القيمة العليا من سماء المجتمع وهي شمسه المضيئة، وكيف تعزل عن كيانه وهي روحه الحي، ثم يرجى لهذا المجتمع البقاء، فضلاً عن النهوض والتقدم والارتقاء.

شَبَكَاتُ التَّوَاصُلِ الاجْتِمَاعِي .. الرُّؤْيةُ والحِمَايَةُ:

ظل التربويون والمربون سنوات طويلة يبحثون عن إجابة شافية وكافية لسؤال مستدام وهو كيف نحمي شبابنا المسلم من التيارات والمستجدات المعاصرة التي لا تتفق وقيمنا الإسلامية ومعاييرنا الراسخة والمستمدة من مصدري الإسلام الرئيسين القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

وأخذ كل عالم يفتش في مصادره الثقافية عن وسائل مواجهة هذه المتغيرات التي قد تعصف بالبناء الفكري والقيمي والديني للنشئ المسلم، فتارة يؤكدون على أهمية دور المسجد كمؤسسة دينية أولى منوطة بإقامة الشعائر الدينية وتربية الطفل المسلم تربية سليمة في مناخ مؤهل لذلك .

بينما ذهب آخرون إلى بيان دور المؤسسة التعليمية في الحفاظ على الهوية الإسلامية من خلال مناهج تعليمية توضح حقيقة الإسلام وعباداته والقيم التي تنطوي تحته . وعاد البعض الآخر إلى النواة الأولى في إعداد الفرد ألا وهي الأسرة المتمثلة في الأبوين، واستنهاض الدور الغائب لهما في تربية وإعداد الفرد لمواجهة ما يطرأ على حياة المجتمع اليومية من مستجدات ومتغيرات ثقافية وأيديولوجية .

ولكن وسط هذا البحث المحمود من جانب التربويين والمربين لسؤالنا السابق، تفجؤنا متغيرات محمومة بالتسارع والاستباق، وهي ما تعرف بشبكات التواصل والتعارف الاجتماعي . وهي تلك الوصلات الإليكترونية التي تمتد عبر أنحاء العالم وتتيح للفرد فرصة مشاركة الآخرين خبراتهم وأطروحاتهم الفكرية والاجتماعية التي قد تتفق مع هويتنا الإسلامية والعربية بعض الأحايين، وتختلف وتتعارض مع الأيديولوجية الإسلامية أحياناً كثيرة .

ولا وبد وأن نقر حقيقة معاصرة، وهي أن العالم أصبح يعيش الآن ومنذ فترة ليست بالقصيرة ثورة مستدامة في الاتصال الاجتماعي والتواصل عبر مواقع خصصت لهذا الغرض ولا شك وأن بعضها قد يؤثر تأثيراً سلبياً على تنشئة الفرد المسلم لاسيما الشباب الذين هم عماد هذه الأمة الإسلامية وقوام نهضتها المستقبلية .

وفي محاولة لرصد ما يمليه الشباب ـ وهم الفئة الأكثر مشاركة في شبكات التواصل الاجتماعي ـ من مشاركات وإضافات يستطيع أي مستقرئ لتلك المشاركات  إدراك ظاهرة العزلة والانطواء وقصور المشاركة الفعلية في أنساق المجتمع  التي يعيشها هؤلاء، وأنهم يتأرجحون بين وسط اجتماعي افتراضي من نوع خاص يريدون إيجاده،  ليكونون فيه المحور والمرتكز، وبين إسقاطات لبعض المشكلات والأزمات الحياتية والاجتماعية التي يمرون بها وهم غير قادرين على اتخاذ أي قرار حاسم بشأنها .

وهؤلاء الشباب وهم يعيشون في عالم افتراضي يسبحون فيه عبر صداقات لا تحمل مفهوم الصداقة بقدر ما تحمل رغبة محمومة في تغيير الوجوه التي يألفونها، وتجديد الآراء التي يسمعونها كل حين . لذا من السهل على الراصد أن يدرك مدى تعدد مذاهب ومشارب مجموعة الأصدقاء التي يقيمها الفرد صاحب الصفحة الإليكترونية على هذه الشبكات التواصلية .

وكما تتعدد المذاهب والمشارب تتعدد صنوف المشاركات لهؤلاء الشباب؛ بحثاً عن مناخ مناسب وملائم لاحتياجاتهم العمرية ومظانهم النفسية والعقلية، وتعد شبكات الاتصال الاجتماعي تلك متنفساً خصباً لهم، لاسيما وأن طبيعة شبكات التواصل تفرض عليهم عدم البوح بشخصياتهم الحقيقية وهو ما يتوافق مع حاجاتهم ودوافعهم في تقمص أدوار وشخصيات يريدون تقليدها أو محاكاتها .

ولعل أبرز المشاركات التي يقوم بها هؤلاء الشباب تتركز في الجانب الديني، حيث إن الشاب في هذه المرحلة يسعى جاهداً بقصد أو بغير قصد إلى تكوين توجه ديني صريح، قد يتسم بالمغالاة أحياناً، وقد يتسم بالتوجه الظاهري، أم الاعتدال أحيانا أخرى .

ويمكن اعتبار طرح الأسئلة المتعلقة بالدين من أهم مظاهر اليقظة العقلية لهؤلاء الشباب الذين يفضون بأسرارهم وما تحمله نفوسهم من مظان وحقائق تسير في طريقها لليقين المعرفي ، ويأتي ذلك في أعقاب النضج العقلي، وتتفتح ملكة النقد، ويكون الشباب  أكثر قابلية لطرح تساؤلاته في الأمور الدينية، ولاسيما المتعلقة بالتوحيد، ووجود الله، والثواب والعقاب، و وهذا الطرح لدى المراهق أو الشاب يختلف باختلاف مزاجه  وذكائه ومعارفه وظروفه الخاصة، فيتراوح بين الاهتمام النقدي العابر، والارتياب في بعض العقائد المغايرة لعقيدته .

وفي ظل اجتياح ثورة الفيس البوك والتويتر والنت لوج وغيرها من شبكات التواصل الاجتماعي، يميل الشاب في هذه المرحلة في أن يستقل برأيه، فنتيجة لنضجه العقلي أو الجسمي يشعر المراهق بأنه وصل إلى مرحلة يستطيع أن يتخذ فيها قراراته بنفسه، ويصبح أقل اعتماداً على آراء الكبار من حوله، وبقدر نفوره ومحاولته التخلص من آراء الكبار من حوله بقدر ما يرغب في أن يكون عضواً في جماعة من عمره الزمني، وتختلف نظرته برأي الجماعة عن نظرته لآراء الكبار، حيث نراه يلتزم ويخضع لرأي الجماعة لأجل الحصول على قبول ورضى تلك الجماعة وبالتالي يكتسب سلوك الجماعة سواء في اللبس أو الحديث، أو الأفكار.

وتسهم الصداقة الافتراضية من خلال شبكات التواصل المختلفة  في نمو الإحساس بالهوية أو الكينونة، خاصة الصداقة ذات العلاقات غير المباشرة، أو ما يعرف بالأصدقاء المختبئين، وعندما يصل هذا الشاب إلى إحساسه بالهوية لمستوى معين من القوة والتماسك، فإنه يشعر بنوع من الدفء والألفة مع هؤلاء الأصدقاء، وتساعد هذه الألفة إلى تكوين هوية منفصلة عن الأسرة.

وتظهر الاتجاهات الدينية لدى الشاب بصورة واضحة في هذه المرحلة وتكون محوراً أساسياً في مساجلاته التواصلية مع الآخرين عبر شبكات التعارف والتواصل، لأن الاتجاهات ذات طابع اجتماعي، فهو يميل إلى مسايرة الجماعة التي ينتمي إليها ويفضل المناقشة معها في أمور تتصل بحياته وأفكاره وأحلامه، كما تتضح اتجاهاته إلى النقد والرغبة في الإصلاح، وميله إلى الزعامة.

وتتميز فترة المراهقة ـ التي ينتمي القسط الأكبر منها إلى ثورة شبكات الاتصال الاجتماعي  ـ  بأنها فترة يقظة دينية توضع فيها المعتقدات الدينية التي قد كونها المراهق في طفولته موضع الفحص والمناقشة، وتتعرض للتعديل حتى تتفق مع حاجاته الجديدة الأكثر نضجاً، ولذلك فإن مرحلة المراهقة يصبغها الاتجاه الديني والاهتمام الديني.

ويزيد من اهتمام الشاب بالمسائل الدينية أنه مطالب بممارسة العبادات بشكل أكثر جدية مما كان عليه الحال في الطفولة،بالإضافة إلى أن مناقشاته مع أصدقائه يغلب على موضوعاتها الأمور والمشكلات الدينية، وكما أن بعض الحوادث التي تقع له كموت صديق أو قريب، أو الصعوبات التي يواجهها تجعله يزداد تركيزاً على الدين وأموره. وتتميز هذه الفترة بظهور الاتجاهات المختلفة لدى المراهق، أبرزها الاتجاه الديني وهو يتكون عنده عن طريق المرور بخبرة معينة، ولا يتكون من موقف واحد بعينة، ولكنه ناتج عن مجموعة مواقف يتعرض لها المراهق، وتساعد هذه الاتجاهات الدينية في إشباع حاجاته ودوافعه، وتحقيق أهدافه التي رسمها لنفسه.

وإذا قمنا باستقراء اتجاهات الشباب الدينية من خلال رصد ما يقومون به من مشاركات من خلال شبكات الاتصال الاجتماعي  يمكن تصنيفها  في أربع فئات ؛ فئة تلتزم بقواعد الدين كما انتقل إليهم من البيئة التي نشأتهم دون ميل ظاهر إلى مناقشتها أو معارضتها أو حتى أخذها مأخذها تظهر فيه شخصيتهم، وفئة تأخذ الدين مأخذ الدين مأخذاً أكثر جدية، تتبدى فيها محاولة المراهق محاولة شخصية دعم الدين وتبريره وتسويده على اتجاه مضاد. وفئة ثالثة  لا تقف مع الدين موقف الاستسلام السلبي، وتتفق مع الثانية في إبراز شخصيتها إزاء الدين ولكن في اتجاه نقدي، وهذه الفئة تنتمي إلى المتشككين.

أما الفئة الرابعة والأخيرة: فهي فئة المنكرين لله إنكاراً واضحاً، وموقف هؤلاء يختلف عن موقف الفئة الأولى في تحررهم من الاستسلام والسلبية، وتتفق مع الثانية في الحسم، ولكنه حسم مضاد. والتوجه الديني عند المراهق يأخذ إحدى صورتين؛ الأولى هي توجه ديني ظاهري، وصاحبه غير ناضج انفعالياً، وغير متزن انفعالياً، حيث إن دوافعه الأولية  تتحكم في سلوكه، كما أنه غير ملتزم بتعاليم دينيه ومعتقداته.

وفي هذا يعتبر عدم صدق النية، وعدم إخلاص الفرد في عمله وقوله لله عز وجل، تديناً ظاهرياً، ومثل ذلك الشخص الذي ينفق ماله في وجوه الخير ويتصدق بها على الفقراء دون أن يقصد به وجه الله وبداخله حب الثناء والتقدير من الآخرين. والصورة الثانية، هي التوجه الديني الجوهري، وصاحبه هو الذي يعيش دينه ويعده الغاية،ويعمل طبقاً لتعاليم دينه ويطبق ما أمر الله به، والإيمان بالعقيدة هو الدافع للحياة،أما الحاجات الأخرى فهي ذات أهمية ثانوية، ويمكن تكييف هذه الحاجات وتطويرها لكي تخدم الدين وتعاليمه.

والكثير من الشباب يرى في شبكات التواصل الاجتماعي مخرجاً لهم يبوحون من خلاله بانتماءاتهم الدينية التي ربما تحمل بعض مشاعر الاحتقان والتهميش للآخر، وربما يجدون فيه بوابة سحرية للتعبير بل والجهر بآرائهم التي ربما لا تحمل قدراً كبيراً من الصواب والاتزان الديني، ناهيك عن كم وكيف الفتاوى التي يصدرونها دون وعي أو روية أو دراية، والأدهش أنهم يحملون على عاتقهم مسئولية حوار الأديان.

ولكن الأجمل لو أننا استثمرنا هذه الطاقة الإليكترونية في إدارة المعرفة المفيدة والنافعة ومن ثم تروجيها والنفع بها، وتعد إدارة المعرفة من أبرز ملامح القرن الحادي والعشرين، وتكاد تشكل مركزاً محورياً في أجندات الدول المتقدمة وهي تسعى لبناء نهضتها، حيث إن الاستثمار البشري والتنمية القائمة على المعرفة حلت محل الاستثمار المادي والتنمية القائمة على الاقتصاد . هذا المعنى نفسه ما أشار إليه فرانشيسكو خافيير كاريللو في كتابه " مدن المعرفة "  Knowledge Cities، من جهة أن العالم المتقدم الآن يتسارع بصورة محمودة في استثمار الطاقات المعرفية للمواطن .

وأن فكرة حث المواطن على الابتكار والاكتشاف لم تعد من أفكار الترف والرفاهية، بل هي ضرورة حتمية لمواجهة تحديات وتطورات هذا العصر . وأنه ثمة مصطلحات أصبحت أساسية في قاموس تقدم الأمم وتميزها الحضاري مثل مرافئ المعرفة، والطبقة المبدعة، وشركات المعرفة، ومحركات الابتكار، ومواطن المعرفة، واكتساب المهارة .

وفكرة التنمية القائمة على المعرفة تخطت الحيز التصميمي والتنظيمي والتخطيطي لتكون واقعاً مرئياً ملموساً، بدليل تشييد مدن تم إنشاؤها لتضم المئات من الخبراء والمتخصصين في العلوم التكنولوجية هدفها جعل الإنسان هو رأس المال المستقبلي، وتصب مجمل اهتمامها في جعل القرن الحادي والعشرين هو قرن المعرفة، في الوقت الذي تبذل فيه دول أخرى لاسيما في أفريقيا جهوداً مضنية للحد من تفشي ظاهرة أمية القراءة والكتابة، بالإضافة إلى محاربة مظاهر التلوث البيئي والانتشار المحموم للأوبئة والأمراض.

نِهَايَةُ التَّرْبِيَةِ:

من أجل تطوير التربية العربية الراهنة، فنحن بحاجة ماسة إلى تجديد الخطاب التربوي نفسه، وإيجاد إطار مرجعي يحكم الظاهرة التربوية التي تمارس في مؤسساتنا التعليمية الضاربة بالوطن العربي شرقا وغربا، وإذا كانت الحياة اليوم تتسارع بصورة رهيبة، فبات أولى الاكتراث بضرورة تنويع خطابنا التربوي العام مستهدفين خلق جيل جديد من الطلاب يستطيعون مواجهة تحديات المستقبل . وإذا كانت التربية الفوقية التي تصدر عن صانعي القرار التعليمي لا تعكس واقعنا المدرسي الحقيقي فغن هذا يزيد من تفاقم أزمة التربية التي تشارف نهاياتها إذا لم ندرك المفارقة القيمية بين قرار تربوي يصدر، ومشهد تعليمي مغاير .

فحتى الذين لا يدركون كنه التربية، يفطنون حد اليقين أننا على مشارف نهايتها التي تبدو منطقية بعض الشئ، وهذا الوعي الذي امتثل ليقين الفعل جاء من سؤال مفاده هل تمتلك المؤسسة التعليمية العربية مقومات التربية؟ . والسؤال بهل يقتضي دوما إجابة بالإيجاب أم بالنفي، وفي المشهد التعليمي الراهن وفي ظل أزمات التربية المتلاحقة تغدو الإجابة الحتمية بالنفي غالبا .

ومشارف النهاية تجئ على عجل كوننا على كفاءة ومهارة في توصيف واقعنا التربوي، وتوافر إمكاناتنا الهائلة في رصد الخلل ومواضعه، والتردي ودوافعه، وهذه سنتنا التي لا تنقضي أننا نجيد توصيف العَرَض وسرده، ثم ندخل في حالات من الجدل الواسع في علاج المرض، الأمر الذي يؤدي بنا دائما إلى تبني سياسات تربوية لا تتوافق مع واقعنا الراهن ومستقبلنا الذي يبدو غامضا معرفيا وتعليميا . وهذا الجدل يعكس قصورا شديدا في العلاج.

ونقطة الصفر الغالبة على سياساتنا التربوية تجعلنا نؤكد على ملمح رئيس للتربية العربية التي تشارف على النهاية ؛ أحادية الرؤية التربوية، فمشكلة التخطيط لا تزال تقف عند عائق الأحادية وجنوحها بغير اكتراث أو اقتناع للأخذ بفكرة المشروع الجماعي للتخطيط، حتى ورش العمل والندوات الجمعية التي تعقد ليل نهار بمؤسساتنا التربوية العربية نجدها تدور حول فكرة محددة سابقا وهو أمر محمود، لكن غير المحمود أن هناك ثمة محاور ثابتة لا يمكن الخروج عنها رغم كوننا نردد صباح مساء بضرورة إمطار الأدمغة وتكريس ثقافة العصف الذهني للرؤى والطروحات النقدية البناءة .

وإذا كنا نتحدث عن نهاية وشيكة للتربية فإن هذا يدفعنا إلى تحديد أبرز عوامل النهاية، وهو التغيرات التربوية المفاجئة والمتسارعة، فإذا كنا نعتقد بأننا على اتصال مستدام بالفكر التربوي الغربي فإن هذا الاتصال حقيقي فعلا لكنه بات اتصالا متأخرا زمنيا، فالترجمة التربوية عادة تقتصر على أطروحات أكاديمية مقرها ومقامها الرسائل العلمية التي لا توظف في ميدانها الحقيقي، وحركة الترجمة تتجه غالبا في هذه الأحايين إلى مجالات الطب والهندسة والفيزياء وكثيرا ما يكون الاتجاه صوب ترجمة إنسانيات النظريات النقدية أو تحليل النفس الإنسانية إلى مكوناتها التي لو فكر المترجمون قليلا لوجدوا علاج النفس وأصول تفسيره في القرآن الكريم .

فالترجمة بالفعل قائمة لكنها باهتة وتتناول ما أنتجه العقل الغربي منذ سنوات بعيدة، رغم علم القائمين على القرار التربوي بأن التربية اليوم متسارعة وتصعب متابعة كل جديد بها .

ووجود حركة بطيئة للترجمة، مع تزامن عقدة التخطيط الصفري التي أشرنا إليها منذ قليل، يجلعنا نقف أمام ظاهرة تربوية عربية وهي تقليدية الإدارة، فإذا كان القرار التربوي الفوقي في بعض الأنظمة التعليمية العربية لا يهتم بفكرة التخطيط للمستقبل أو جماعية اتخاذ القرار، فإن الإدارة التنفيذية التي تدير المشهد التعليمي على مستوى المدرسة تتسم بالتقليدية وغياب الحضور عن الاستخدام الإلكتروني، والاستخدام الإلكتروني لا يعني أن المدرسة بها معمل يشتمل على كثير من أجهزة الحاسوب المتطورة فالأمر لا يتعد حد الاستخدام والاستهلاك لا الإنتاج أو تطوير التقنية ذاتها . لكن الإدارات التربوية المعاصرة تطبق اليوم فكر الإدارة إليكترونيا وتسعى لربط المؤسسة التعليمية بالطلاب والمجتمع والمؤسسات ذات العلاقة بالتربوية عن طريق شبكة معلوماتية متخصصة تسهم في رفع الوعي المعلوماتي والمهاري لدى العاملين بالمدرسة وبالتلاميذ وتجعل شركاء المجتمع على علاقة وطيدة بإحدى المؤسسات الوطنية ألا وهي المدرسة .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م )

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

صالح الفهديكنتُ في زيارةٍ لمعرضٍ فنِّي، حين سألني شابٌّ يعملُ في مقهى: بماذا يمكنُ أن تنصحني؟ فأجبته: سأنصحكُ بنصيحةٍ سمعتها صباح اليوم قبل أن آتي هُنا من الملياردير وارن بافيت، وأتفقُ معها وهي: استثمر في نفسك، فأنتَ إن استثمرتَ في نفسك استطعتَ أن تحوِّلَ هذه الوظيفة التي قد تنظرُ إليها أنتَ والكثيرون على أنها وظيفةٌ صغيرة، وضعيفة الدَّخل إلى وظيفةٍ كبيرةٍ، ذات دخلٍ عالٍ، لأنك حينها ستفكر على نحوٍ أوسع، وستمتلكُ رؤيةً ذات أهدافٍ، وتتسلَّحُ بالقدرات لتحقيقها.

من يستثمرُ في نفسه، يرفع قيمتها، ويُعلي قَدْرها، ويجعلَ لها شأناً ومكانة؛ ذلك لأنه ينقُلها من حالةٍ تفتقدُ فيها لعوامل التطوير إلى حالة تمتلكُ فيها المهارات اللازمة لإنتاجِ المعرفة، وابتداع الطرق الكفيلة للتطور، والتقدُّم، شأنهُ في ذلك شأن الدُّول التي تستثمر في أبنائها فتتحوَّل من دولةٍ خاملةٍ لا تعي الكيفية التي تتقدَّمُ فيها إلى دولةٍ نشطةٍ يقودها أبناءها إلى الريادةِ بفضل الإبتكار والاختراع.

تابعتُ لقاءً مع رجلٍ سعودي استثمر في نفسه لاكتساب مهارات، وتحسين مهاراته، بمبلغٍ مليونٍ ومائتي ألف ريالٍ سعودي، فأصبحت قيمة ساعة الإستشارة عنده بإثني عشر ألف ريالٍ سعودي، ناهيكم عن القيمة العالية للدورات التدريبية التي يقدِّمها..! يذكرني هذا الرجل بخبير الإدارة ستيفن كوفي الذي كان يتقاضى مبلغ ثلاثة دولارات للكلمة التي يكتبها، ومبالغ ضخمة للإستشارات التي يقدِّمها لكبريات الشركات العالمية. لقد أوصلهُ استثماره في نفسه أن يقول:"أنا لستُ نتاجَ ظروفي، أنا نتاجُ قراراتي" لأنَّ الإستثمار في الذات ينتشلُ الإِنسان من إلقاء اللوم على الظروف، ويجعله حرَّاً في تفكيره، مستقلاً في قراراته.

يقول أحد الذين استثمروا في أنفسهم:"قد تفقدُ وظيفتك التي تعملُ بها، وقد تفقدُ أصولك المالية، وقد تفقدُ استثماراتك العقارية، ولكنك لن تفقد استثمارك في نفسك" ذلك لأن الإستثمار في الذات هو الشخصية التي يصيرُ عليها الإنسان، والتي تجعله قادراً على ترسِّم الطرق الكفيلة بصنع الإنجاز مهما كانت الظروف، وهُنا يتمايزُ الذين استثمروا في أنفسهم والذين أوقفوا أنفسهم عندَ حاجزٍ معيَّن ظنَّاً منهم أنَّهم قد استكفوا بما عندهم، وفي هذا يقول الأديب الإنجليزي جورج برنادشو:"الكثيرون يلومون الظروف، أنا لا أؤمن بالظروف، الناجحون في هذه الحياة يبحثون عن الظروف المواتية، فإن لم يجدوها صنعوها"، ولا يبحثُ عن الظروف، ولا يصنعها إلا الذين استثمروا في أنفسهم، فامتلكوا القدرة على التفكير المتميِّز، والإِبداع الخلَّاق، والتصرُّف الحسن.

أمَّا في مجتمعاتنا فقد سادت ثقافةٌ سلبيَّةٌ أنتجت كُثرةً تحسبُ أنها قد استثمرت في نفسها، بينما هي تكذبُ على نفسها، وتضلِّلُ ذاتها..! تسمعُ الغالبية يقولون:"لقد انتهينا من التعليم"؟! وهذه عبارةٌ أشبهُ بالحاجزِ الذي يُسقطهُ الإِنسان أمامه حتى لا يتقدِّم، يريدُ بها إقناعَ ذاتهِ بأنَّه قد (استحوذَ) على ما في التعليم من مضمونٍ وكأنَّما التعليم كأسَ لبنٍ يشربهُ، أو كأنَّما هو الوريقة التي نالها فأوهمتهُ أنَّه قد (أنهى التعليم)، وكأنَّما حفلة (التخريجِ) قد غرستَ في عقلهِ أنَّه قد (خرجَ) من صرح التعليم..! ولعلَّهُ من النافعِ هُنا أن أُنوِّهَ بأنَّ كلمة (Graduation) بالإنجليزية تعني (التَّدرج)، بينما تُترجم إلى اللغةِ العربية (التخرُّج) وتطلقُ على حفلات التخرُّج، ومنها تنبثقُ مزاعم الأغلبية بكلمة (تخرَّجت)، ويمكننا ببساطةٍ أن نميِّز الفرقَ بين كلمتي (التدرُّج)، و(التخرُّج)، فالأُولى تعني أن سُلِّمَ التعليم مستمر، وأن المتعلِّم (يتدرَّجُ) فيه، أما الثانية فتعني أن سلَّم التعليم قد انتهى، وأن المتعلِّم قد (خرَجَ) منه..!

المستثمرون في ذواتهم، والعاملون على تطويرها لا يعترفون بعمرٍ، ولا بظروف، وإنَّما يعترفون فقط برغبتهم في أن يصبحوا أفضل، وأميَزَ، فيصنعون واقعهم بتغيير حالاتهم التي تتغير بالإستثمار في الذات.

يحكي ألفين توفلر قصة في كتابه "صدمة المستقبل"عن عاملٍ بسيط، فيقول: يقول ذات ليلة من ليالي الشتاء شهدت، وقد كنت أقدم برنامجًا عن علم الاجتماع في المستقبل، والحضور مجموعة تضم خبراء في التخطيط بعيد المدى، ومسؤولين في مؤسسات كبرى ودور للنشر ومراكز بحوث.. وكان كل شخص يشرح سبب التحاق بالبرنامج حتى جاء الدور أخيراً على ذلك الرجل دقيق الجسم، فوقف ليتكلم في إنجليزية رائعة -رغم نطقه المتكسر- فقال: اسمي شارلس ستين، اشتغلت طوال حياتي عامل إبرة.. سني الآن سبعة وسبعون عاما، وأريد أن أحصل على ما لم أحصل عليه في شبابي.. إنني أريد أن أعلم عن المستقبل، إنني أريد أن أموت رجلاً متعلماً"، وانتهى كلامه، لكنه بَقِي يرنُّ في آذان الحضور، لأنهم مصدومون.. ماذا يفعلُ عامل إبرة بين كبار المخطِّطين الإستراتيجيين، والمسؤولين في مؤسسات كبرى.. يقول ألفين توفلر:"سقطت كل دروع الدرجات العلمية وألقاب الإدارة والمراكز العليا"!

لن تنفع أصحابِ الشهادات العليا شهاداتهم، ولا أصحاب الألقابِ تبجُّحهم بألقابهم، وإنما ينفعهم الإستمرار في الإستثمار في أنفسهم، ذلك هو طريق التجدُّد، و(من لا يتجدَّد يتبدَّد)، وكما يفُرضُ على  الطبيبِ والمهندسِ والطيَّار وكل صاحبِ مهنةٍ أن يتعلِّم حديث اختراعاتها، وجديدَ علومها، فإنَّ على كل إنسان أن يستثمر في ذاته لكي لا يقع في مصيدة التبدُّد، وفخ الخديعةِ بأنَّه نالَ ما يكتفي به من علم ومعرفة وخبرة..!

الإستثمار في النفس هو النمو الحقيقي للإنسان، فلا يتعلَّل دونَ ذلك إلاَّ عاجز، ولا يتعذَّرُ إلا خامل، أمَّا المستثمرون في أنفسهم فهو الرابحون الحقيقيون في هذه الحياة.

 

د. صالح الفهدي

 

عَرَّفَ المَناطِقَةُ قديماً الانسانَ بأَنَّهُ "حَيَوانٌ ناطِق"، وهذا التَّعْريفُ بالجنسِ والفَصلِ -حسبَ تعريفاتِ المناطقة- يُؤَكِدُ على أَنَّ في الانسانِ جانِبَيْنِ هما : الحيوانية وهي الجنس، هي مابهِ الاشتراك اي: مانشتركُ بِهِ معَ الكائناتِ الحَيَّةِ الأُخرى . والحَيَوانِيّةُ هي مصدرٌ صِناعِيٌّ من الحَيَوان الذي  يعني الكائنَ الحَي، والحَيَوان ليس مجرد الحي، بل هذهِ اللفظةُ تحتوي على معنىً زائدٍ على الحياة؛ لانها تعني الحياة الدائمة المستمرة التي لاانقطاع لها.

 والنظرياتُ التي قَدَّمَها العِلْمُ اختزلَتْ الانسانَ في حيوانيته، ولم تلاحظْ البعدَ الاخر في الانسانِ الذي أدركه المناطِقَةُ . فالانسانُ في نظريةِ دارون هو حَيَوانٌ في أُصولِهِ وجذورهِ، وهو حَيَوانٌ في صراعِهِ من اجل البقاء، والحياةُ هي ساحَةٌ مفتوحَةٌ لهذا الصراع لايبقى فيها الاّ الاقوياء، وهذا هو منطق الغابةِ الحَيَواني؛ فليس الانسان في هذه النظرية كائنٌ مُتَمَيِّزٌ وهو مستخلفٌ في هذهِ الارض . وهكذا هي نظرية فرويد التي اختزلتْ كلَّ سلوكِ الانسان بالدافع الجنسي الغريزي الحيواني . وهكذا كل النظريات العلميَّة اختزلت الانسان ببعده الحيواني الغرائزي؛ لانَّ العلمَ ماديٌّ في منطلقاتهِ وغاياتِهِ، وادواته في الكشف عن الحقائق هي الحِسُّ والتجرِبَةُ وهي غيرُ قادرَةٍ على كشف الابعاد الاخرى في الانسان، هي غير قادرة على النفاذ الى اعماق الانسان ومعرفة ابعاده الخفيَّةِ . فالانسان لديها كائن ماديٌّ غرائزي؛ والعقل الانسانيُّ عندهم هو عقلٌ أَداتِيٌّ قائمٌ على حساباتٍ ومعادلاتٍ واختزل هذا العقل بالدماغ ولم يفهموا ان العقل الانسانيَّ ليس اداةً فحسب وانما هو جوهرٌ روحانيٌّ مجرد عن المادةِ يتعلقُ بالبدنِ تعلقَ تدبيرٍ وتصرف، كما جاء في تعريفات الجُرجاني، اي: انهم اختزلوا العقل الانسانيَّ الى مجرد حاسب آليٍّ يعتمد على البيانات المعطاة اليه، ويعتمد على المُدْخَلاتِ والمُخْرَجاتِ .

 الانسانُ أَكبَرُ من أنْ يَكونَ حَيَواناً تحكمُهُ الغرائز، وليس مجرد مادة جامدة تحكمها قوانين المادة بل هو يحمل ومضة من نور الله تعالى؛ لذلك كانَ مُؤَهَلاً من دون الكائنات الاخرى؛ ليكونَ خليفةَ اللهِ في أرضِهِ .

 

زعيم الخيرالله

 

 

احمد عزت سليمتتصاعد مزاعم الصهيونية العنصرية الإجرامية للكيان الإجرامى الصهيونى  لتتأسس الحادثة والسلوك والحالة الفردية والجمعية إلى ماهية قبلية، من قبل الوعى الإنسانى بكونها صادرة عن الإله لتبرر ما بعد الأمر القطعى / الأمر الإلهى والخلق الإلهى الذى يبدأ بهذه الحادثة اليهودية أو تلك الحالة أو ذلك السلوك اليهودى فلا ينتهى ذلك ولا تنتهى تلك ويصير كل منهما بخصوصيته المتفردة - المزعومة - كائنة مهما كانت طبيعتها ومسارها خلال التاريخ وصولاً إلى نهاية العالم والتاريخ، وجلوسها وحدها على عرش العالم تحكمه وتحكم التاريخ ـ كما تتصور ـ فقد وعدهم الإله بملك عالمى، فكل يهودى أيا كانت الطائفة التى ينتمى إليها ينتظر قيام مملكة إسرائيل الكبرى كتوطئة حتى يأتى موعد امتلاك " أقاصى الأرض"  كوعد للإله لكهنته والذين "سيأكلون ثروة الأمم" حيث سيعود المسيح اليهودى المخلص ويحكم العالم ويسود الرخاء، الذى يحققه المسيح اليهودى، فيعود الميثاق الأبدى ويعلو العالم ويعود الهيكل ويقوم ملكوت الرب على الأرض، فى شكل ارتدادى - عبثى - بإعادة طقوس التاريخ المقدسة وشعائره ويملأ الأرض شعب الرب المطيع والمطبق للأحكام الإلهية، المطبق للقانون الإلهى على الأرض، وتكون التوراة خاتمة التاريخ والمسيح اليهودى المخلص قائدها وتندرج مملكة الأنبياء – تحقيقاً لهذا الميثاق وهذا الوعد بأن النبوة خاصة بهم- تحت إمرة المسيح اليهودى المخلص، وتندرج الأمم الباقية الثانوية تحت إمرة هؤلاء الأنبياء المقدسون، هكذا تتحقق سلطة الإله / النص / الميثاق / الوعد / القانون / الحاخام / فيسود الشعب وكما قال مارتن بوبر: ـــ " أن هناك تطابقا كاملا بين الوحى والعقيدة والتاريخ، فكل بنى إسرائيل أنبياء، والتاريخ يصير وحياً والوحى يصير تاريخاً، والتاريخ يتدخل فيه الرب بشكل مباشر " .

على هذا النحو تصير الحادثة اليهودية كأنها الماهية وكأنها الجوهر وكأنها المادة الأساسية التى تتوالد و تتوالى منها الأحداث على كثرتها وفرديتها لتصبح بذلك الصورة الأولى للإنسان الكامل الذى تمنى موسى أن يصير أفراده كلهم أنبياء، فأصبحوا حملة رغبة الإله وأوامره وصار سلوك هؤلاء الأنبياء مصدرا للسلوك كما أن الإله صار مصدرا للسلوك هو الآخر وقد حل فيهم، ولذا فأقوال علماء التلمود أفضل مما جاء فى شريعة موسى، بل أن الإله يستشير الحاخامات على الأرض عندما توجد مسألة معضلة لا يمكن حلها فى السماء، بل أن الحاخامات المتوفين مكلفون بتعليم المؤمنين فى السماء، ولا يمكن تغيير كلام الحاخامات ولو بأمر الإله وقال الرابى مناحم : ـــ " أيها اليهود إنكم من بنى البشر لأن أرواحكم مصدرها روح الإله وأما باقى الأمم فليست كذلك لأن أرواحها مصدرها الروح النجسة " .

هكذا تصدر الحادثة عن روح الرب ويتأسس العقد الإرادى حول وحدة واحدة هى رابطة لاهوتية تجمع الإله والنص والميثاق والشعب فى قانون ونظام لاهوتى واحد، متساوية فى ترتيباتها ومكانتها وتوزعاتها وتأثيراتها على الأرض زماناً وتاريخاً فاليهودى اليمنى فى العصور البعيدة هو نفسه اليهودى الفلاشا الإثيوبى فى القرن الحادى والعشرين هو ذاته اليهودى الصينى فى القرن الثالث عشر وهم جميعا ذاتهم اليهودى الأمريكى المنحدر من أصل روسى أو بولندى أو ألمانى وكل هؤلاء هم بذاتهم وذواتهم هم اليهودى داخل الكيان العنصرى الصهيونى الإسرائيلى فى فلسطين المغتصبة، وذلك لأن أرواحهم مصدرها روح الإله التى لا تتغير ولا تتبدل، والإله الذى توحد فيهم، فتوحد اليهودى الماقبلى فى اليهودى المابعدى، وتوحدت المثالية فى الوجود، والميتافيزيقا فى الأفراد والجماعات، ليصير اليهودى إلهاً متعالياً فوق سائر المخلوقات التى خلقت جميعاً من أجل خدمته،  فهو سابق عليها، له جوهره الأبدى الذى لا يتغير ولا يتبدل، له صورته التى أعطاها له الإله وميزه بها عن سائر الأغيار بالعقل اليهودى الذى هو عقل البشرية لا أولئك الحيوانات القذرة.

هكذا أصبح الوجود أفقياً بالنسبة للاهوت حيث يتموضع الإله والشعب والميثاق والنص فى وضع أفقى وقد توحدوا معاً فيه، والوجود بالنسبة للعالم هرمى يحتل قمته الإله / النص / الميثاق / الشعب وفى الأسفل عالم الأغيار، ويصير هذا التموضع اللاهوتى معبراً عن العظمة التى تجلى فيها البشر / الشعب اليهودى وهو قابع مع الإله فى قمة الهرم وقد أصبح ذاكرة البشر الغائرة والكائن الكلى الواجب الوجود من أجل الوجود ذاته الذى خلقه الإله له، ومن ثم يتخطى حدود التطورات البشرية التى شهدتها الإنسانية وقوانينها التطورية، إن لم تكن كينونته هى التى تجرى بها هذه التطورات وتدفعها إلى التطور، ومهما أفقدت تلك التطورات الميتافيزيقا الكثير من عناصرها وعزلتها بقوة العلم والتقدم التكنولوجى، لكنه مع اليهودى يبقى لا معنى للوجود إلا به، وتصير عناصره منهجا فى معرفة ورؤية الآخر وتفسير تصرفاته وتطوراته فى مقابل الثبات العنصرى اليهودى الذى يفسر هو الآخر التصرفات المقدسة الخاصة بما يسمى  الشعب  اليهودى، المزعوم .

وهى بذلك تنفى القوانين العامة التى تحكم البشرية جمعاء وما توصلت إليه البشرية من منهجية علمية أسس عناصرها جهود البشر أجمعين طوال تاريخهم الفكرى والبحثى الطويل، ورغم ما توصلت إليه البشرية كافة من حتمية ترابط الظواهر الشامل فى كافة مستوياتها البنيوية بدءا من الجسيمات الأولية وانتهاء بالمجرات الكونية، وما لكل ذلك من باطن وظاهر، مع التطور التاريخى من زمن إلى زمن تاريخى ناتج بالضرورة عن الظروف الموضوعية للحظة التاريخية السابقة عليه، وهكذا العالم الموضوعى الذى يقوم على أن كافة أشياء العالم الموضوعى وظواهره مترابطة ومتغيرة أبداً فى ضوء هذا الواقع الموضوعى، لكن اللحظة اليهودية حولت العالم الموضوعى إلى عالم لاهوتى تملأه الأيدلوجيا العنصرية وقد وحدت فيه بين المتناقضات الداخلية، فاللحظة اليهودية كما تصورها المزاعم والأوهام والخرافات مستقلة بذاتها، انخلقت بمفردها، دامت وصارت بذاتها ولذاتها وأضحى لها قانونها المميز المتحد بإرادة الرب الذى حل فيها هو أيضاً وتوحد معها، نافية بذلك ما فى العالم الموضوعى من تمايز وتصادم وتناحر وأن الأشياء كلها  تتغير وتتطور باستمرار فيظهر فيها الجديد الذى بدوره يقدم عناصر داخلية وخارجية تحوى معالم التناقض والتى بدورها تتطور نحو جديد قادم كامن، فيه أيضاً مصادر تناقضات جديدة، لكن اللحظة اليهودية وهى فى نفيها للعالم الموضوعى مدعية انغلاقها بمفردها المرسوم بالأمر الإلهى تضع اليهودى على رأس هذا الأمر الإلهى، فيصبح بناء على ذلك فوق البشر بتفرده وعنصريته وكأنه قد انعزل فى جيتو لاهوتى عن الوجود فى ثبات أزلى ومستقراً على ذاتيته العنصرية،  بل هو فى عزلته هذه يحرك ويسيطر على ذلك الوجود المنعزل عنه كما يشاء هؤلاء البشر الآلهة بلحظتهم اليهودية المزعومة .

 

أحمد عزت سليم