احمد عزت سليميعرف العالم الإجتماعى دافيد روتكوبف الثقافة بأنها " نموذج كلي لسلوك الإنسان ونتاجاته المتجسدة في الكلمات والأفعال وما تصنعه يداه، وتعتمد على قدرة الإنسان على التعليم ونقل المعرفة للأجيال التالية " ويرى العلامة الراحل الدكتور حامد ربيع أن الثقافة هى عنصر من عناصر الإدراك بل هى الإطار الفكرى لعملية الإدراك الجماعى، وهى بهذا المعنى مصدر مباشر لتحديد خصائص لا فقط التعامل بين المواطن والسلطة ولا فقط أسلوب الالتحام بين المجتمع القومى والمجتمعات الخارجية بل كذلك الرؤية الذاتية للحضارة القومية بما يعنيه ذلك من تماسك تاريخى وثقة فى التراث والانتماء. الثقافة هى المادة التى منها وبها يتكون الولاء، والقضية الأكثر التصاقا بالخاص الحميم للأفراد التى تدفعهم للصراع من أجل الاحتفاظ بها، والثقافة هى قيم وهى تقاليد وهى ممارسات ثم هى نظام متكامل لا يقبل التحلل ولا يعرف إلا التماسك التصاعدى. الثقافة بهذا المعنى هى أولا إيمان وثانيا امتياز وثالثا تضحية وكفاح .. إيمان لأن المتغير الحقيقى الذى يفرض ذلك التفاعل المستمر بين المواطن وقيمه الثقافية إن هو إلا شعور داخلى يفرض عليه أن يرى فى تلك القيم محور حياته ووجوده، وهى ثانيا امتياز لأنها ملك الطبقة المختارة التى تمثل الاستمرارية الحقيقية، وهى ثالثا تضحية لأن محورها الخضوع لعادات وتقاليد واحترام تلك العادات والتقاليد حتى لو على حساب ـ أيضا ـ المصلحة الفردية، والثقافة حصيلة لقاء ديناميكى بين دلالة الخبرة الماضية وعملية المواجهة اليومية لمشاكل الوجود الإنسانى. وبهذا المعنى ـ كما يرى العلامة الرائد الدكتور حامد ربيع ـ هى جامدة ومتجددة فى آن واحد، الخبرة تصير علامة المعرفة، والتعامل المستمر يقود إلى مرونة إزاء الواقع المتجدد لا ثقافة دون تاريخ، ولا ثقافة دون حركة مستمرة وانبعاث دائم نحو التغيير والتجديد .

هناك العديد من والتحديات الراهنة التي تواجهها سلطة ديناميات الثقافة المصرية، وأهمها أن العديد من النخب التى لم تخرج من الهوية الصلبة للمجتمع ولم تعرف حقيقة الانتماء ولم ترتبط بالعمق التاريخى المكون للأمة والكامن فى ذاتها وافتقدت الضمير والروح الطليعية للإرادة القومية كروح مقاومة للظلم والاستبداد وكمقدمة للتقدم والتغير، نخب اعتلت القيادة التى خلقتها الأوضاع الراهنة وتميزت بالجهالة وعدم القدرة على التعمق فى تحليل وفهم الواقع، واستغلت قدراتها فى دعم أغنياء البترول واغنياء السلطة على حساب شعوبها، نخب دفعت بها ومولها هؤلاء الأغنياء والقوى الأجنبية فإذا بها تقود بلدانها وهى متبنية سلوكيات ونماذج أجنبية لتسييدها فى مجتمعاتها وبالتالى تتسيد شعوبها مستهدفة تخريب وتفتيت المقومات الثقافية الأصيلة لشعوبها وقطع تواصلها واستمراريتها ودفعها للتخلف وللعزلة والانفصال والتشويه وإفقادها كرامة الإنسان لصالح هؤلاء الأغنياء وإغلاق جميع ابواب المجتمع فى وجه الحرية والعلم والتطور بل وصار الوطن على نحو ما يقول المناضل الراحل عبد الله النديم : ـــ " كانت البلاد على سعة أطرافها كليمان أعد للمذنبين ... " وضاع الوطن وكما يقول الشيخ الإمام محمد عبده والذى كفرته الجماعات الإرهابية : ـــ " لا وطن إلا مع الحرية " بل أصبحت تأخذ شكلا جديدا للاستشراق الذى يمكن تسميته بـ " الاستشراق المحلى " كأداة محلية للغزو الفكرى والثقافى لإعادة تشكيل الوطن بأفراده ومؤسساته نحو ربطه بالنموذج الغربى وتحطيم كل ارتباط واستمرارية بمكنونات القيم العربية النضالية وقطع الصلة معها وإخضاعها للإرادة الأجنبية بل وفى أغلب الأحوال يتمركز ويتمحور الوعى الثقافى لهذه النخب حول الحاكم / الخليفة / الملهم فيكثر التضليل والتهليل والطبل والتزمير وشراء الضمير وبيعه فى مختلف المحافل على حساب الوطن والتاريخ والولاء لهما وتصير الثقافة تعبيرا عن ماهية التراكم الذى يشهده الواقع الثقافى المنهك والذى تحول فيه الوطن إلى مجرد رهان متنازع عليه بين الحضور والغياب والتعمية وردود الأفعال ليصيرالواقع الثقافى تعبيرا مأساويا عن التفتت والتشرذم والانكفاء والانفصام والانفصال والتعدد والنفى والكراهية والمصادرة والحجب والرقابة أمام تحولات وتغيرات الواقع الاجتماعى والواقع العالمى أو التمترس حول سلطة الحكم وإغراءتها المادية وسلطة الغرب بكونه فكرا واستعمارا، وأصبحت الحركة الثقافية ودينامياتها تعيش رهنات الماضى وتعجزعن تكوين روح نقدية حقيقية فى مواجهة الفناء والرجعية والتكرارية الماضوية والتطرف الدينى والتشدد الإرهابى وتبنى النماذج الغربية والخضوع لها، كما تعجز عن مواكبة التطور والتغلب على الواقع وخلق واقع جديد ينهض بالأمة ويخرجها من أزماتها وينقذها من الصراع الثقافى التدميرى كما يعيشه الكثير اعتمادا على الفكر القبائلى (وظهر ذلك جليا فى التصادمات القبائلية والعشائرية والقرائبية فى الكثير من الدول العربية وفى مصر كنتاج لفشل هذه النخب ــ رغم ادعاءات بعضها بالتقدمية والوحدوية ــ فى صهر الروح القبائلية داخل الوطن الواحد)، واعتمادا على الفكر التكفيرى وكما يرى أحدهم : ـــ " علينا ردع العلمانيين كما رددنا المغول والصليبيين، وأوضح أن أهل الباطل يتحالفون على نصر باطلهم، ولن يهدأ لهم بال حتى يطفئوا نور الله، فكونوا حصن الشريعة " (المرشح الشيخ هشام النجار على قائمة حزب النور بأبو كبير بالشرقية ـ مصر ـ الأهرام 10 ديسمبر 2011 العدد رقم 45659 السنة 137)، وأخر يصف جامعة القاهرة بأنها قامت من أجل هدم الشريعة الإسلامية،ورغم وجود كلية دارالعلوم بها والتى قدمت للمجتمع العربى والإسلامى والعالمى الآلاف من معلمى اللغة العربية الذين حافظوا على لغة القرآن الكريم فى العالم، وأخرون قبلهم فى التسعينات من القرن الماضى حاولوا قتل المبدع نجيب محفوظ وتكفيره لرواية إبداعية هى أولاد حارتنا، وكما شارك كثير من الجناه البلطجية حرق المجمع العلمى بالقاهرة تحت مرأى ومسمع من ذوى السلطان والقوة الذين يمتلكون ويسيطرون ويتحكمون فى وسائل الإطفاء السريعة والفاعلة والقادرة بقوة على إطفائه فى دقائق معدودات ودون تدخل لإنقاذ التراث الثقافى الإنسانى بداخله، رغم أنهم ذهبوا للعدو الصهيونى بطائراتهم المتخصصة لإطفاء حرائق الغابات هناك ... !!

من هذا المنطلق تلعب الثقافة بتاريخها وفاعلياتها دورا مؤثرا فى ديناميات التفاعل الاجتماعى ومن خلال اكتساب الفرد لها من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية والعملية التعليمية (وبالإضافة إلى السلطات السابقة) وبما يشكل الإطار الدلالى المرجعى له والذى يحكم منظوماته الإدراكية والوجدانية والتفضيلية والتى تؤثر على عمليات التلقى والاستجابة والمفاضلة والاختيار وردود الفعل والتوجيه والضبط الاجتماعى سواء كان سلبيا وانحرافيا وضعيفا أوإيجابيا والانتماء والاختيار الأيديولوجى وتشكل ضميره الفردى وبالتالى الضمير الجمعى ومن ثم الضمير الوطنى.

 

بقلم :ــ أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

محمد عمارة تقي الدينهل البشر مسكونون بهاجس المؤامرة؟ وهل هذا هو قدرهم الذي لا يملكون منه فكاكاً؟ حقيقة أن نظرية المؤامرة Conspiracy Theory قديمة قِدم التاريخ ذاته، وهي تقوم على فكرة مركزية مفادها أن هناك مجموعة خفية وسرية من البشر تتحكم بالعالم في الخفاء وسوف تقوم بتدميره إن تُركت وشأنها، وفي أوروبا في عصورها المظلمة، وبحسب البعض، وُجِدت البيئة المثالية التي يتكاثر فيها فطر التآمر، حيث الفساد السياسي والصراعات الدينة والظلام العلمي والمعرفي، وأنه بمجرد أن انقشع الظلام وأشرق عصر التنوير والحريات الدينية والسياسية انهزم هذا الفكر التآمري.

غير أن فطر التآمر لا يزال متفشياً في كثير من المجتمعات التي لم تنتقل بعد لطور التحضر، فمجتمع التآمر يبرر إخفاقاته عبر التضخيم والتهويل من فكر المؤامرة ومن ثم أضحت لدى كثير من المجتمعات ذريعة أو عائق مركزي في الحول بين ما يطمحون إليه من تحضر وانعتاق من ارتهانات واقعهم، فيهرعون لاتهام الآخر بالتآمر عليهم لإفشال مشروعاتهم الحضارية والنهضوية.

فهي إذن تعني وضع اللوم على الأطراف الخارجية أو قوى الاستعمار في إنتاج هذا الواقع المتردي، صحيح إن هذا الواقع السلبي هو نتيجة لبعض الممارسات الشنيعة للاستعمار، إلا أن هذا لا يعني التنصُّل من المسئولية، كما لا يعني أيضاً الاستسلام لهذا الواقع والكف عن تطوير الذات  للبحث عن سبل النهوض مرة أخرى.

وعليه يرى البعض أن المبالغة الكبيرة في تضخيم نظرية المؤامرة هو في حقيقة الأمر تبسيط مُخِل للأمور، وهو مخالف للتفكير الموضوعي والعلمي، لكنه لاينفي حقيقة وجود المؤامرات، ومع ذلك لا يجب التهويل من تلك المؤامرات ولا حتى التهوين منها فهي موجودة وستظل موجودة، إلا أنها، وفي التحليل الأخير، لا تحكم حركة التاريخ .

ونحن نعتقد أن اصطلاح (مؤامرة نظرية المؤامرة) هو الأكثر تفسيراً لما يقوم به الإعلام المؤدلج من توظيف لهذه النظرية، فهي في حقيقة الأمر مؤامرة على الجماهير تقوم الأنظمة السلطوية بحبكها عبر وسائل إعلامها (كما كان يفعل النظام النازي) ومن ثم الترويج لها بشكل واسع عبر تلك الوسائل الإعلامية من أجل إخضاع تلك الجماهير وضمان اصطفافها خلف المجموعة الحاكمة مهما بلغت بشاعة ممارساتها السياسية.

إذ عبر تلك النظرية يتم الإيحاء للمتلقي أن هناك مؤامرة كبرى ضده، وهى أكبر من أن يتصدى لها، فهي تفوق قدراته، وبالتالي يستسلم لها متبنياً الموقف السلبي من الأحداث.

واحدة من الملاحظات المركزية التي علينا أن نُنصت لها جيداً هي أن نظرية المؤامرة  ليست نظرية بأية حال فهي لاترقى لذلك ولا تمتلك القواعد المنطقية للبرهنة على ما تطرحه من فرضيات، ومن ثم فالتوصيف الصحيح لها أنها  ظاهرة التفكير التآمري، غير أنها راجت في عالمنا بهذا الإسم (نظرية المؤامرة).

تقول أستاذ علم النفس الاجتماعي كارين دوجلاس في معرض تفسيرها للطمأنينة المؤقتة والزائفة التي تصاحب الإيمان بنظرية المؤامرة :" قد يتوق الذين ينجذبون نحو نظريات المؤامرة، إلى الشعور بالأمن، لكنهم يحصلون في واقع الأمر على العكس تماماً، إذ تزيد نظريات المؤامرة من الشعور بالعجز والإحباط لديهم ، بدلاً من أن تُشعر المؤمنين بها بتحسن أوضاعهم".

ويرتبط رواج نظرية المؤامرة من عدمه بالمستوى الحضاري للشعوب، فنجدها تزدهر داخل المجتمعات المتخلفة في حين تكاد تتلاشى وتخفت داخل المجتمعات المتقدمة، أي أنه كلما ازدادت بنية التخلف في بلد كلما زاد بالمقابل لجوء أفراده لتبني الأطروحات التآمرية.

والإشكالية هنا أن انتشار فكر المؤامرة داخل تلك المجتمعات، وكما يذهب مجدي خليل، من شأنه أن يُظهر دُعاتها على أنهم وطنيون، في حين من يخطط لمجتمعه بأسلوب علمي واقعي يجري اتهامه بالعمالة والتواطؤ، وفي النهاية وفي ظل هذا المناخ ينتصر الفكر التآمري وتضرب الفوضى جنبات المجتمع.

والجدير بالذكر أن الحركة الصهيونية هي من أكثر الأيديولوجيات التي وظفت نظرية المؤامرة لخدمة مشروعها الاستيطاني ذو النزعة التوسعية المدبجة بالعنف، فهي تتغذّى على نظرية المؤامرة على مستويين:

 

المستوى الأول: إذ تروج لوجود مؤامرة كبرى ضدها، ومن ثم حقها في الدفاع عن نفسها ضد هذه المؤامرة، فيبدو عدوانها على الآخرين وكأنه ضربات استباقية لإحباط عدوان مستقبلي مُحتمل عليها.

المستوى الثاني: ويتمحور حول خلق قناعة دولية بوجود مؤامرة صهيونية عالمية والترويج لأكذوبة أن الصهاينة مسيطرون على العالم، وبالتالي لا أحد يستطيع التصدي لهم، فيصيب الجميع اليأس والإحباط، ويضربه العجز أمام المؤامرات الصهيونية المزعومة والتي جرى تضخيمها في الوعي العالمي بشكل بشع، وهي إستراتيجية نفسية من شأنها جعل الجميع يشعر بالانهزام والانكسار أمامها فيستسلم لواقعه البائس.

هي إذن تتآمر وتتهم الجميع بأنه يتآمر ضدها، إذ تتبع الحركة الصهيونية استراتيجية تضخم نظرية المؤامرة في الوعي الجمعي العالمي لتخويف الآخر منها من ناحية، ولابتزاز العالم عبر تقمُّص دور الضحية، ضحية هذه المؤامرات، من ناحية أخرى.

وتفترض مقولات المؤامرة دائماً، وكما يذهب محمد شومان، أن الصراع ونفي الآخر هما جوهر العلاقة بين الأفراد والشعوب، فهناك ثنائية تعيد إنتاج نفسها بشكل دائم وهي (متآمِر، ومتآمَر عليه) فهي علاقة صراعية، ومن ناحية أخرى فإن التسليم بأنك ضعيف ومفعول بك دائماً هما من أقوى أسلحة مقولات المؤامرة، كما أنها تقدم تفسيراً خرافياً ومبسطاً للأحداث والتطورات المعقدة التي تجري في العالم من شأنها خلق حالة من الارتياح النفسي الكاذب لدى المُتلقي بأنه أضحى يفهم كل شيء   .

 

ويرى كثيرون أنه توجد علاقة وثيقة بين نظرية المؤامرة والاستبداد السياسي، إذ يلجأ إليها الحاكم المستبد أو السلطوي لحماية نظامه (كما في النظام الهتلري النازي الذي ادعى أن أصوات المعارضة ما هي إلا طابور خامس ممول من الخارج في إطار مؤامرة كبرى لتدمير ألمانيا) فخطورة هذا الفكر أنه يؤدي إلى الاستسلام والقبول بما هو قائم على اعتبار أن البديل سيكون أفظع وأخطر وهنا تكمن خطورته في تقويض قوة الدفع والتغيير الكامنة داخل البشر، ومن ثم تجري محاولة تحنيط الزمن عند لحظة تاريخية محددة فتسقط الأمم من التاريخ.

ومن أهم مظاهر التوظيف السياسي لنظرية المؤامرة التغاضي عن الأخطاء التي تقوم بها نُظُم الحكم السلطوي بذريعة أن المصلحة العامة تقتضي السكوت عن تلك الأخطاء في ذلك الوقت والتركيز على التصدي للمتآمرين، بل وتصوير كل من يعارض هذا النظام بأنه من قوى الشر أو أنه مُمولاً من العصبة المتآمرة، فإبادة هتلر لملايين من البشر هو أمر مبرر تماماً ويجب السكوت عنه طالما أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، بحسب ما كان يروج له إعلام النازي.

كما أن تيارات العنف الديني والإرهاب تلجأ للفكر التآمري لتبرير عنفها ضد المجتمع بدعوى أن هناك مؤامرة كبرى على الدين، وأن العنف هو الطريقة الوحيد للتصدي لتلك المؤامرة.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تفاقماً وانتشاراً غير مسبوق للتفسير التآمري للأحداث، فنحن إزاء موجة كبيرة من التفسير التآمري تجتاح الواقع، لعل أبرز سماتها بحسب البعض: أولاً:" أن موجة التفكير التآمري الحالية تتسم بطابع اكتساحي، إذ طالت كل القضايا، ثانياً: إن تلك الموجة تتسم بطابع وبائي، فهي تنتشر علي جميع المستويات من البشر، ثالثاً: إن تلك الموجة تتسم بالطابع المزمن، فلم تعد مجرد موجة مؤقتة ترتبط بالحروب أو الاضطرابات فقط".

كذلك فمن العوامل التي تساعد على انتشار فكر المؤامرة هو أن الفرد الذي هو ضحية لنظرية المؤامرة نفسها قد يصبح بمرور الوقت واحداً من المروجين لها ونشرِها بين الجموع، ومن ثم تلتهم تلك الهواجس التآمرية المجتمع داخلها.

يقول مايكل باركون: " تنطلق نظرية المؤامرة من فكرة مركزية مفادها أن الكون محكوم بثلاثة مبادئ رئيسية: لا شيء يحدث بالصدفة، ولا شيء يكون كما يبدو عليه، وكل شيء مرتبط ببعضه، ومن ثم تتألف نظرية المؤامرة من مجموعة من القناعات المغلقة غير  القابلة للدحض، هنا تصبح نظرية المؤامرة مسألة إيمان غيبي لا يتطلب دليل عقلي، وفي تلك الحالة يغيب العقل تماماً".

وفي ظل وسائل الاتصال الحديثة وما حدث من تقدم هائل في مجال الإعلام كان يُعتقد أنه سيجري القضاء على الفكر التآمري، غير أن ما حدث هو أن زادت الموضوعات غموضاً نتيجة سيل الأخبار المتناقضة واالتحليلات المتضاربة والأكاذيب التي تتواتر كل لحظة علينا عبر وسائل الاتصال، ومن ثم لم يعد أحد يعرف ماذا حدث بالضبط، وكيف حدث، ومن هو وراء الحدث وما هي الأهداف المرجوة من وراء ذلك؟  فهناك حالة من التشوش الهائل وقد ضربت الوعي الجمعي كإعصار مدمر، وهو ما أوجد بيئة خصبة لانتشار هذا الفكر التآمري.

لقد حاول المفكر العربي مالك بن نبي أن يجتث هذه النظرية من العقل العربي فصاغ مصطلح " القابلية للاستعمار" كبديل لمصطلح " الاستعمار"، أي أن مشكلة تخلُّفنا تكمن فينا نحن وليس في الآخر مؤكداً على حقيقة مفادها أن مناعة المجتمعات وقدرتها علي تجاوز التخلف من داخلها هما خط الدفاع الأول أمام الاختراق الخارجي.

والجدير بالذكر أنه عندما ظهرت جماعات داعش كان التفسير الأسهل للخطاب التآمري أنها نتاج مؤامرة صهيونية عالمية لتشويه الإسلام وتفكيك المنطقة، وهو تفسير، وكما يذهب خالد حنفي، قد تجاهل طبيعة العوامل البنيوية التي تحفز علي نشأة جماعات العنف في المنطقة مثل الصراع السياسي، والصراعات المذهبية، والفقر والتهميش وغياب العدالة الاجتماعية، وانعدام الأفق السياسي لدى الشباب نتيجة إغلاق المجال العام.

وهي أوضاع من شأنها أن تتفاقم في ظل قابلية العقل العربي لفكر المؤامرة، ورفضه الاعتراف بإخفاقات الذات ودور الصراعات الداخلية في تخلف الأمم ، وهو ما يؤكد عليه العلامة ابن خلدون بأن الغزو الخارجي لا يمكن له أن يتم إلا في حالة تفكك الجبهة الداخلية، وكما يقول المؤرخ الكبير أرنولد توينبي: " الأمم لا تموت قتلاً وإنما تموت انتحاراً "، فأسباب الانهيار داخلية أكثر منها مؤامرات خارجية، فقبل الانهيار هناك دائما القابلية للانهيار.

وفي التحليل الأخير يمكن القول أن العالم العربي لايزال أمامه الكثير من الجهد للخلاص من ذلك التفكير التآمري الذي يُحكم قبضته على عقله الجمعي مانعاً إياه من الانخراط في بناء ملامح مشروعه الحضاري، يقول أحد الباحثين الغربيين في عرضه لكتاب " اليد الخفية"  للمؤلف الأمريكي دانيال بايبس واصفاً هذه الحالة في عبارة شديدة الدلالة: " في عالم اليوم فإن العرب والإيرانيين أكثر شعوب العالم إيمانا بنظريات التآمر وأشدهم حماساً في نشرها، وإلى حد ما، يرجع هذا إلى ثقافة هذه الشعوب، كما أن كلا الشعبين نظرياتهم التآمرية مليئة بالخيال، كما أن الخوف والجهل نتيجة غياب الشفافية وضيق الأفق السياسي يجعل الجماهير تعيش تحت رحمة الشائعات ذات النزعة التآمرية"،  ومن ثم الخضوع التام لنظرية المؤامرة.

ومن دون شك فإنه في ظل هذا المناخ الذي سِمته الأساسية إقالة العقل وإحالته للتقاعد المبكر والقطيعة الكاملة مع المعرفة العلمية الحقة ستكتسب نظرية المؤامرة طابعاً اكتساحياً وبائياً فتنتشر انتشار النار في الهشيم لتلتهم أية نظرية عقلانية أو موضوعية تحاول التصدي لها.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

اكرم عثمانفي الحياة توجهات وقناعات لا ينفك المرء عنها ما حيي، فهي مهمة له وتعتبر المولد الذي يتخذه منهجاً ودليلاً يرشده إلى حيث يريد، وكل حسب إدراكه ومعرفته وفهمه و طاقاته التي حبانا الله بها فيسير بهدى نفسه ورؤيته وببصيرته ولا أحد يخطأ نفسه أو يجد الملامة فيها مهما علا شأنه أو أنخفض فدروس الحياة شاخصة ولا يدركها إلا العقلاء والنبلاء والحكماء دروس مجانية تعطى لنا وتكون ماثلة أمامنا ننهل من معينها إذا أمعنا النظر فيها وتأملنا حقيقة وجودنا ودورنا والمحطات التي ننطلق منها أو نبتغي الوصول إليها.

منا من ينتظر قادم من بعيد لكي يدخل الفرح والسعادة إلى قلبه ويريح باله من هموم الدنيا وشظف العيش ومكابدته لسنوات مضت ربما بدت مرة وقاسية، تركت معها أعباء ثقيلة رسمت ملامحها في عيوننا وقسمات وجوهنا عبر أزمات وصعوبات كابدها المرء، فهؤلاء واهمون يغيب عن بالهم أن للحياة سنن ونواميس لا يستقيم حالها إلا بفعل وسبب حتى نحصل على نتيجة ما نكد ونشقى لكي نصل إلى ما نصبو إليه بعد توفيق الله ومنه وفضله.

وصدق شوقي عندما قال: 

وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي                           وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابا

وَما اِستَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ                        إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُم رِكابا 

وآخرون يشمرون عن سواعدهم فهم أهلاً للفعل والتجربة والكد والضنك يحسبون أن الحياة تحتاج إلى هم وغاية عظيمة لكي يريح الشخص نفسه ويدخل البهجة إليها وإلى من يعول أو يعيش في كنفه وبدائرته فهؤلاء يتخذون من الأسباب سلماً للصعود والنجاح والتغيير المبني على العمل والجد فلا يكن واهماً ومضللاً عن سنن الكون ومجريات حركته ودورانه يبذلون كل نفيس وغالي للزراعة وبذر بذورها ورعاية محصولها ومتابعه نموه ويدعمون نبته وصعوده للحياة وقطف ثماره وجني محصوله.

نعم! نحن نحتاج إلى فكر وجهد مضن حتى نرتقي ونصعد أدراج و أدراج وربما يشقى المرء ولا يصل إلى مبتغاة أو مراده ، فلعل الطريق وسبل السير فيه كان يتخلله أخطاء وعدم تقدير الوسائل الموصله إليه، فالبحث عن سبل أخرى قد يكون ملاذاً صائباً في البحث ومرونة المواقف ومجريات قنواتها.

وإن لم يحالف الشخص توفيقاً وسدداً فأعلم أن الطلب بشري قاصر عن معرفة الغيب وكنهه وعواقبه فتم تأخيره لغاية يعلمها الله سبحانه لدفع مضرة أو غبن كان حتماً سيصيبه ويعرضه للأذى ، فالخير كل الخير فيما أختاره الله سبحانه وتعالى و التسليم غاية الإيمان والثقة والتمكين المبني على بصيرة وحقيقة نجهلها وتغيب عنا لقصر معرفتنا وضلال إدراكنا لعلم الله عز وجل.

والله ولي التوفيق

 

د. اكرم عثمان

مستشار ومدرب دولي في التنمية البشرية

18-11-2021

 

 

عبد الجبار العبيديالتاريخ والدين والهوية كلها غائبة وممنوعة ومحرمة في حوارات الوهم عند المسلمين.. التاريخ هو الصيرورة الزمنية المتحركة والمتغيرة وهم يجهلون.. ارادوا له الثبات دون تغييربغية بقاء النص المقدس دون تأويل ليبقى لهم تفسيره دون الأخرين.. يتصرفون به كيفما يريدون وبأي زمان ومكان يحلون..ليبقى محتجزاً في أروقة لا نوافذ لها وهنا كانت محنتهم عبر السنين ولا زالت.. وكان اخراج الخلافة من الفروع الى الاصول فخاً ناجحاً جمد النظرية السياسية الاسلامية حتى اصبحت الخلافة دينا لا رئاسة للمسلمين لتحقيق الامن والعدل بينهم.. وألغاء الشورى وتحويل النص الى حديث مخترع فتحول الحكم الى حكم فردي شكل بؤرة الازمة السياسية عندهم.. فتأصل المرض في حكم الحاكمين..

ونجح الفقهاء في تحويل الدين الى مذاهب.. حتى أصبحت المذاهب عندهم آديان.. والهوية تدمير.. والتاريخ وًهًم.. فسادت نظرية ان العالم كله وطناً لهم بثرواته الأرضية والسماوية السائبة دون الاخرين، وهكذا أستغلَ وطن العراقيين اليوم.. فتجمدت نظرية النص المقدس على نمط معين بمسار طويل.. فحلت الفردية في كل هذا الزمن الطويل.. فهل تستطيع النظرية الوهمية البقاء متحدية نظرية التاريخ في التغيير..؟ مستحيل..

لقد زالت الفرديات والدكتاتوريات في العالم الا عند المسلمين فما هو السبب؟ لأن الحكم الفردي الذي ورثناه منذ وفاة الرسول (ص) أصبح ديناً يُمارس، وطقوساً تؤدى حتى اصبح التمسك به ضربا من الدين، والمغالاة فيه نوعاً من التقوى؟.. أنظر زيد الوزير.النظرية الفردية..

والحقيقة ان كل معتقداتهم الدينية التي طرحوها للعامة هي فرية منهم في هذا الزمن الطويل.. لانهم لا يؤمنون بتاريخ، ولا هوية، ولاوطن، ولادين.. فالمؤمن بالمبادئ لا يخون ولا يسرق ولا يقتل، ولايزور.. جرائم كلها أرتكبوها دون وازع من ضمير أنهم واهمون ان أعتقدوا أنهم سينتصرون.. فما لم يبتعدوا عن الخطأ المقصود ويعترفوا به لن يصلوا الى عدل السماء الأزلي وان سخروا لباطلهم كل أدوات القتل والتدمير..المغول مثالاً.. ولن تستقر فكرة التقدم في الأذهان عندهم ولن يتخلص الشعب من آفات الزمن.. ولن يصلوا الى حقيقة الفلسفة المعرفية التي تقودهم الى عالم الحقيقة وهم المتحكمون، لأنهم ضد عدل السماء الأزلي والزمن الطويل، وبدونهما سيبقون بعيدين عن حياة العلم.. والمبادىء.. والأنسان.. والقيم.. وهذا ما لا يعتقدون.. لأنهم أغبياء خاسرون..  أنظروا اليهم أصبحوا اليوم أذلة معزولين..

من هنا كان التراجع الحضاري كضاهرة حضارية عند المسلمين حتى ازيحت الأمة من ميدان الصراع السياسي والحضاري فغُلبت على امرها ولم تعد لها مكانة التاريخ.. وكأنها عادت لجزيرتها وتقوقعت مرة اخرى هناك.. وبقي الدين اسم بلا مسمى تتناهبه المذاهب البديلة التي مزقت امة الدين وحولتها الى فرق وجماعات..فلم يبقَ لهم دين معين ثابت الاركان والمعتقد حتى في المراسيم.. أنظر الى آذان الصلاة كيف أختلف والصلاة كيف تفرقت بفعل مذاهب التخريف، والأوقاف كيف تمزقت، المساواة بين الرجل والمرأة الى أين وصلت.. فأصبحوا لا يعرفون الدين وأهدافه ولا سياسته ولا معانيه.. لابل حتى نسوا ان كان لهم ملك أودين في القديم.

وهذا الرأي بحاجة الى مناقشة معمقة.. بعد ان اصبحنا نشكك بمن ارتد الى الوراء ان كانوا هم الذين قادوا الحضارة أم جماعات منهم طارئة لم تساهم في البناء الجديد. وهذا ما حصل بعد الهزائم التاريخية والتقوقع والعادات والتقاليد حتى حولوا الامة الى تقليد، وكأننا اصبحنا نعيش في امة لا تعرف الا ما يقوله مرجع الدين الصامت عن الرأي الصحيح صمت القبور.. وكأنه هو الدين.. هنا كانت النكبة والمحنة معاً.. لان الدين لايصنع دولة لكن قوانينه يجب ان تصنع العدل للمواطنين.. لا بل مهمتهم وضع القوانين.. قوانين أخلاق المجتمع والتعامل مع الأخرين كنظراء في الخلق وأخوة في الدين..ألم يقلها الامام علي(ع) أمير المؤمنين.. فأين هم منها من يدعون به اليوم..؟

أما المعرفة فهي الادراك الجمعي عند الشعوب منذ القدم.. فأين هم منها ايضاً..؟ وحدثتنا عن التطبيق وكيف نسيناهُ.. حين عدتها مؤسسة الدين من انتاج عالم الغيب والشهادة - نظرية وهمية عندهم – وما دروا ان المعرفة أزلية تلك التي حولها فقهاء التفسير مثل" الوصايا العشر "الأنعام 151-153" لكل الديانات الى آيات حدية دون تثبيت في قوانين قابلة للتطبيق لترضى السلطة عليهم ولاغير حتى تحولت قوانين الدين الى سرد من احداث التاريخ، وكأنها جاءت كقصص القرآن الكريم.. وحتى القصص ارادها القرآن ان تكون من احداث العِبرفي التاريخ"نحن نقص عليك نبأهم بالحق، الكهف 13".لكنهم حولوها الى وَهَم.. في الأعتقاد والتفسيرولم نفهم منها عضة الزمن في التطبيق..

وظلت نظرية الشك المنهجي بعيدة عنا لم نعرفها الافي نظرية الاعتزال "العدل الآلهي" وفي حرية الأرادة ضد فرق المرجئة والجبرية والوهابية والفقهية الولائية التي قادها الماوردي، والغزالي، وابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، والمرجع الديني الأزدي في النجف، والخميني ومن جاء من بعده في ايران.. وهكذا بنيت الدولة على سياسة فرض الامر الواقع دون تغيير. تلبية لرأي ولي الأمر في الاستحواذ على الحكم والموارد التي عدوها ملكا لهم دون الناس الأخرين.. ألم نحتاج اليوم لندق ناقوس الخطر على أمة في طريقها الى الزوال.. ؟

كان ولا زال من واجب المؤرخين ان ينبهوا الناس على حقائق الأمور في معوقات نظريات الفِرق الجامدة والبعيدة عن اهداف القيم الأنسانية والدين لكنهم فشلوا تحت سياط سلطة الدين:.. اذن كيف الحل.. للخروج من مأزق التاريخ ؟

- أكتشاف محتوى القرآن الحقيقي التأويلي بدلاً من التفسيرالفقهي الناقص بموجب الآية 7 من سورة آل عمران.. ان كانوا يؤمنون.. بالقرآن والدين.. لنخرج من أزمة الفكر السياسي الذي فرضته علينا مؤسسة الدين.

- يجب ربط التوجهات القرآنية بالمنطلقات التطبيقية لتحديد مسار الدولة في الحقوق والواجبات بين السلطة والمواطن بنص دستوري موافق عليه غير قابل للرفض عند التطبيق.. وهذا لم يتحقق في عالم الاسلام والدين.

- قبول النظرية العقلية التي طالبت بها الوصايا العشرفي التطبيق وخاصة في العدالة المطلقة بين المواطنين، "أعدلوا ولو كان ذا قربى" ورفض النظريات الفقهية الدينية التي وضعتها مؤسسة الدين المبنية على التفسير العاطفي والترادفي للنص الديني لنكون مشروعا جديا على مستوى الرؤية التاريخية الحالية والمستقبلية.. وهي بحاجة اليوم الى دراسة وتنظيم .

- الأعلان الرسمي عن أنتهاء نظام النبوة والرسالة للأيذان بأن الأنسانية قد بلغت سن الرشد، وعليها اليوم تحمل الأعباء لتقليص مهمة رجال الدين والقرآن لايعترف برجال الدين، ولا يخولهم حق الفتوى نيابة عن الناس، ولايميزهم بلباس معين كما فعل كتاب العهد القديم ليحررالناس منهم، ومن نظرياتهم الوهمية المبتكرة.. كما في الجهاد الكفائي الذي دمر الوطن العراقي ونقله الى سلطة لا تعترف بالقانون.

- الخلاص من الفكر الديني المتزمت والغاء ان الرئاسة في الدولة تعامل كعقيدة املا في الأتجاه نحو العقيدة التحررية ومنهج دراسي جديد للخلاص من الخضوع للطبيعة والقداسة الوهمية والتحرير من سيطرة الطبقات التي أدعت لنفسها احتكار المعرفة دون تثبيت.

- وضع القانون الذي يؤكد ان دعوة التوحيد الديني يستهدف المساواة الحقيقية بين الناس -الرجال والنساء- واماتة الفوارق بينهما استنادا الى آية الوصية رقم 180 في سورة البقرة ليعلوا الحق على النقص في التطبيق.

- انهاء نظرية الاحزاب الاسلامية اسما لا عقيدة لتحويل مكتسبات الشعب الى قانون يضمن حقوق الجميع، وأعتبار الأنسان هو محور الزمن في التطبيق.. كما عند الأمم الأخرى.. لنتخلص من زعامات الأحزاب الأسلامية التي مثلت دكتاتورية الخيانة والتزوير.

- الأيمان بجدلية الأنسان والبناء الحضاري لأيجاد ولادة حضارية جديدة.. فحكم الأمة يجب ان يخضع لمحور الزمن الذي يلعب دورا في التغيير، وليس لفرضيات مؤسسة الدين.. كنظرية أستقامة وحقوق..

- الشهادة الاسلامية في الصلاة يجب ان تحصر في"لا آله الا الله محمد رسول الله ولا غير"وبقانون للخلاص من الفُرقة المتبعة من فقهاء الدين.. وتوحيد الاوقاف بوزارة واحدة لكل الديانات دون تفريق.. لكي نتخلص من فتاوى مؤسسة الدين التي نهبت اموال المواطنين.. كما حصل في العراق بعد التغيير.

- التخلص من نظرية الجرح والتعديل - فالجرح يراد به بيان العيوب.. والتعديل يراد به المديح ومن هنا دخل التفريق.. والناسخ والمنسوخ – الآيات الوهمية وحشرها في التفسير الفقهي كما في تفسيرسورة النجم- - وقضية ابن السوداء عبدالله بن سبأ اليمني الذي لم يكن ولا كان قط.. وأمور اخرى لايسع المقال لذكرها.. لتوحيد العقيدة عند المسلمين.

الاعلان رسمياً عن خطأ الفتوحات الاسلامية التي كان الغرض منها الاستحواذ على البلدان ولم يكن للدين فيها من نصيب.. فالدين لا يجيز الاعتداء على الاخرين بل المساواة في الحقوق وأحترتم الانسان والأوطان.. لا أحتلالها وتدميرها " لكم دينكم ولي دين ".. لذا يجب الأعتذار الرسمي لمن فتحت بلدانهم عنوة واخذت اموالهم وسبيت عوائلهم دون ذنب جنوه في العالمين.. من هنا نقول :

ان مشكلة العقيدة الدينية في العالم العربي والاسلامي اليوم مشكلة معقدة تقف حائلا دون التقدم الحضاري للأمة وحقوق الأنسان بعد ان اصبح السيف هو الحل.. والسلطة اصبحت مُلك عضوض.. وانهاء فكرة الفقه السياسي القائم على الأراء الفردية المبتكرة منهم دون نص مكين.. تمهيدا لأحلال فكرة الأعتدالية في القانون.

نحن ملكنا سبل التغيير.. عند العلماء والمفكرين كما في المعتزلة وابن رشد ورشيد رضا وجمال الدين الأفغاني وأخيرا جاءت ثورة شباب تشرين الذين قتلهم حقد السلطة الدفين.. لكنها لن تستطيع بل بقيت السلطة تمثل عار الزمن الطويل.. نعم ثوار تشرين التي زرعت فينا فهم الدين والانسانية والعدل والقانون ولا زالت السلطة تتخوف حتى من اسمها الزاكي الرحيم .

نعم ان كبائر الامور تبدأ بصغائرها فلتكن ثورة احرار تشرين هي البداية.. الخلاص من التبعية الخارجية الحاقدة علينا وعلى الدين وبشائرها اصبحت ظاهرة للعيان في دولة المظاليم.. بأعتماد نظرية الأعتدال في حكم المواطنين.. والانتهاء من نظرية الخوارج والحاكمية الدينية وتحرير المرأة من حقد السنين وادخالها مجتمع الحياة بكل الحقوق.. كما يقول القرآن الكريم :"انا خلقناكم من نفس واحدة النساء 1"فاين الخلاف والأختلاف يا ناكري قوانين الانسانية والدين .

أما من حق المؤرخين اليوم ان ينبهوا الناس الى حقائق الامور لنقف على نظرية معوقات المعرفة والتقدم عند العرب والمسلمين.. وليعرف القارىء كيف يجب ان يفكرفي كل ما يجري امام عينيه.. فالمفاتيح ليس هو الماضي.. بل هو الزمان كله..

حتى نعرف لماذا تقدم العالم ونحن توقفنا في مكاننا دون تقدم.؟ فأذا كان الدين هو الحائل بيننا وبين الحقوق وصرارهم على ما يعتقدون.. فنحن لسنا بحاجة لدينٍ من هذا القبيل.. واذا كان الدين هوالعدل والقانون وهو الأكيد.. فنحن أول المتدينين.. فهل لمسنا عدلاً دينيا عبر السنين.. انظر كيف يفرقون اليوم في الحقوق بين المواطنين ؟ .

ايها العراقيون.. رتبوا بيتكم العراقي بالوحدة الوطنية بعيدا عن الطائفية والمذهبية المخترعة التي انتهى عهدها ولا تسمحوا للغاصب الطامع في وطنكم ان يمزق شملكم.. أستقيموا على الطريقة ليسقيكم الله ماءً غدقاً..

لا يوجد مستحيل لمن يحاول.. أطلب ايها المواطن المظلوم هذا الحق وان قل.. فنحن نحترم شجاعة من يقول الحقيقة او بعضها.. فهي أساس حياة المستحيل.. ؟.. لان صوتاً شجاعاً واحداً أكثرية..

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

 

محمد كريم الساعديتدخل الهوية بصورة عامة في الدراسات الثقافية بوصفها من تحدد طبيعة النظرة الى الأطر الاشتغالية في مجالات الآداب والفنون والثقافة ومدياتها الجمالية على وفق تمظهرها المعرفي، إذ تعد الهوية من الركائز الرئيسة لدراسةِ الفنان وتفاعله مع محيطه من أفراد وجماعات متشاركة معه في مجموعة من الاشتراطات الخاصة بالرؤية الجمالية على مستوى النتاجات الفنية، والهوية على المستويات الجمالي هي من تعطي مديات التقارب، أو التباعد لهذا الشخص مع محيطه ووجوده وتفاعلاته وإمتداداته، ومن هنا لابدّ أولاً أن نحدد مفهوم الهوية في ضوءِ الرؤية الفكرية والثقافية، ونحددها بعد ذلك على وفق الرؤية الجمالية، وأن نقف على مصطلحين مهمين: الأول متوافر في الادبيات والمصادر، لأنه مصطلح راكز في هذهِ المصادر وهو (الهوية)، والثّاني الذّي نحاول أن نؤسس له من خلال المصطلح الأول، وهو (الهوية الجمالية) التّي أصبحت ملازمة اليوم للعديد من الاشتغالات الثقافية للأفراد والجماعات، كون أن الهوية الجمالية قد أصبح لها تأثيراً مباشراً على سلوكياتنا وعلاقاتنا مع الآخر .

إنَّ الخوض بمصطلح الهوية يجعلنا أمام الكثير من التّعريفات، التّي خاضت فيها واعطتها محدداتها - التي قد تتفق أو تختلف مع ما نريد أن تصل اليه في هذا الكتاب - والمجالات التي من الممكن أن تعمل فيها هذهِ المحددات. وسنركز على عدد محدد من التعريفات التي تخص هذا الكتاب وليس جميعها؛ بسبب أن عدد ممن خاضوا في مجال تعريف الهوية هم كثر ولا يسع هذا الكتاب كل من عرف الهوية.

عرف (الفارابي) الهوية بأنها : " الشّيء وعينيته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له كل واحد، وقولنا: إنه هو إشارة إلى هويته، وخصوصيته ووجوده المنفرد له، الذي لا يقع فيه اشراك " (1)، وهنا الفارابي يجعل من الهوية، هي من تدل على الشيء ذاته، فالشيء يحتوي على:

* ووجوده.

* خصوصيته .

*  وتشخصه.

*  ظهوره العياني.

*  صورته الذهنية أو ماهية في داخل وعي النّاضر إليه.

إنَّ مفهوم الهوية عند (الفارابي)، تدل على الشّيء ذاته، دون إضافات أو حذف، أو إنتقاص من ذلك الشّيء، استناداً للهوية التّي تحدده وتشخصه وتظهره وتفرده إمام أعين الّناظرين.

والهوية هي "وحدة الشّخص (أو الجماعة)، وما يجعله هو نفسه، أو هو هو؛ أي ما يجعله مطابقاً لذاته، وما يمنحه إستمرارية في الزّمن، فهي ما يخص الشخص، أو الجماعة، وما يميزها أيضاً (...) يميز وليام جيمس (1842 – 1910 م)، بين ثلاثة مقومات للهوية البعد الفيْزيقي (الجسد)، البعد الفكري (الكوجيطو)، والبعد الإجتماعي (الوضع) " (2)، إن هذهِ الأبعاد الثّلاثة، هي من تعطي الهوية محدداتها؛ كونها متطابقة مع ذات الشّيء، وأن التّغييرات التّي تحدث في هذهِ المقومات الثلاثة، ناتجة عن تغيرات في ذات الشيء، في واحدةٍ من هذه الأبعاد الثلاثة، أو في جميعها، في كل متكامل يعطي للشيء صورته المتطابقة، مع ذاته سواء أكان هذا التّغيير يحدث في الهويةِ لشخصٍ واحد، أم لجماعةٍ، مما ينتج فهماً متطابقاً بين الشّيء والهوية، إذ " يقوم الفهم عموماً على إرجاع (مطابقة)، معرفة جديدة إلى ما نعرفه من قبل، ومن هنا تُعدّ الهوية شْكلَ كلِ فِهمْ "(3)، وإنها على وفق هذهِ الأبعاد الثّلاثة، تستقبل الإضافات التي ينتجها الفرد، أو الجماعة لتضاف إلى صورة الهوية متمظهر دائماً على وفق التّغيرات، التّي تحدث أو ما يلاقيها من ظروف جديدة، تدخل بها الهوية حيزاً معرفياً آخر يضاف إلى صورتها، التّي ظهرت بها قبل أن تحصل هذهِ التّغيرات . والهوية هي المستقبل الأوضح لهذهِ التغيرات، المتمظهرة على الفرد أو الجماعة، فالهوية هي قاعدة البيانات للشّيء في ضوءِ المضاف إليها من معلومات جديدة، وهي " الشّفرة التي يمكن للفرد عن طريقها أن يعرف نفسه وعلاقته بالجماعة الإجتماعية، التي ينتمي إليها، وعن طريقها يدلل على انتمائه لتلك الجماعة "(4). وهي " شفرة تجمع عناصرها العرقية على مدار تاريخ الجماعة (التاريخ)، من خلال تراثها الإبداعي (الثّقافة)، وطابع حياتها (الواقع الإجتماعي) "(5)، وهذهِ الدّلالات الثلاثة التي تتجمع في الهوية، تعطي صورتها ومدى تفاعلاتها ووجودها في إطارها الجمعي.

فالهوية على وفق هذه الرؤية هي :

* تاريخ.

*  ثقافة.

*  واقع إجتماعي.

إنَّ الجسد ينتج تاريخاً سواء على مستوى الفرد، أو الجماعة، والفكر ينتج ثقافةً تكّون دلالة لهذا الفكر وتجدده وتنوعه، وهي وضع ينتج واقعاً إجتماعياً، له معطياته في السّلوكيات، والظهورات الإجتماعية في البيئة الحاضنة للهوية، والسّلوكيات التّي تميزها. وهي مجموعة المكونات تعبر عنها في حالة الأشتغال الإجتماعي، والثّقافي والفكري؛ إذ لا بد أن تتميز أي هوية (فردية / جماعية) عن الأخرى بمكوناتٍ معينة، من الممكن أن تبين انها متغايرة مع الهويات الأخرى؛ وهذهِ المكونات هي عامة؛ ولكن التمييز يكون في الملامح، التّي تبين نوعية هذهِ الهوية عن الهويات الأخرى المتداخلة، والمتفاعلة معها وليست الذّائبة فيها، ومن أبرز هذهِ المكونات هي: (6)

1- العناصر المادية، والفيزيائية: تشمل كل الأمور المادية والاقتصادية والعقلية، التّي تنعكس بوساطة الأجسام في إبراز أهم الملامح، والمكونات المادية في الهوية.

2- العناصر التّاريخية، أو الأصول التّاريخية، تشير مثلاً: إلى الأصول التاريخية، التّي تنعكس في الشكل والأشتغال في مجالات معينة، تدل على المرجعيات التاريخية، مثل الإسلاف والولادة والقرابة والطّقوس والممارسات، وترجع بأصولها إلى مدد تاريخية معينة، وما زالت مستمرة عند الفرد، وتظهر هويته وهوية الجماعة، التي ينتمي إليها.

3- العناصر الثّقافية والنّفسية، وفي مجالات العناصر الثّقافية والنّفسية، وما لها من دورٍ في تشكيل صورة الهوية، ومن هذهِ العناصر والرموز والأيديولوجيات، ونظام القيم الثقافية، وأشكال التعبير الفني وغيرها، وتندمج في أغلب الأحيان في سلوكيات، تدل على النظام الثقافي للفرد والجماعة.

4- وأخيراً العناصر الإجتماعية، ودورها في إظهار الهوية بشكلها المتميز عن الآخرين، وما يرتبط بها من عناصر اجتماعية، مثل الأسم والجنس والمهنة والسّلطة، والدّور الإجتماعي والأنشطة والانتماءات وغيرها.

 

أ.د محمد كريم الساعدي

......................

الهوامش

1- محمد عابد الجابري: الموسوعة الفلسفيْة العربية م1 (الفارابي – التعليقات)، بيروت: مركز الانماء العربي، 1986، ص 21.

2- محمد سبلا – نوح الهرمزي: موسوعة المفاهيم الاساسية فيْ العلوم الانسانية والفلسفيْة، الرباط: المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الانسانية، 2017، ص 538.

3- ديديه جوليا: معجم الفلاسفة والمصطلحات الفلسفيْة، بيروت: دار المؤلف للنشر والطباعة والتوزيع، 2016، ص 274.

4- ميمونة مناصرة: هوية المجتمع المحلي فيْ مواجهة العولمة، الجزائر: أطروحة دكتوراه مقدمة إلى جامعة محمد خيفر، 2012، ص96

5- نفسه، ص 96.

6- ينظر، نفسه، ص 106.

 

 

اسعد شريف الامارةالتربية مفهوم شامل يضم سنوات الطفولة الاولى بين حضن الوالدين وفي الأسرة الصغيرة وهو كمفهوم في علم النفس ومدارس التربية يعني كل محاولة للاصلاح والترقي بالفرد الإنساني وتنمية ملكاته وقدراته، وصقل مهاراته وتحسين اتجاهاته كما أوردته موسوعة علم النفس والتحليل النفسي.

أما التنشئة الإجتماعية فتعرف على أنها نتاج العمليات التي يتحول بها الفرد من مجرد كائن عضوي إلى شخص إجتماعي، وتعرف أيضا بأنها العملية التي يكتسب الفرد من خلالها أنماط محددة من الخبرات والسلوك الإجتماعي أثناء تفاعله مع الآخرين، وكذلك لها تعريف آخر

هي عملية تربوية إجتماعية تم من خلالها وضع الفرد في قالب ثقافي معين، ليكتسب الخصائص الأساسية لمجتمعه، مثل اللغة، والقيم، والإتجاهات، والمعايير والعادات، والتقاليد والمهارات الإجتماعية. 

السؤال من هم ضحايا الحروب؟ يكون الجواب البديهي هم الاطفال من الذكور والاناث أولا.. والنساء ثانيًا فضلا عن البيئة الإجتماعية والقيم السائدة في المجتمع والتقاليد المتعارف عليها منذ عقود بل ربما منذ قرون، ونعني هنا المجتمعات المستقرة لسنين طويلة وحافظت على قيمها وتقاليدها ورسخت ذلك من خلال عمليات التنشئة الإجتماعية، فالحرب تستهدف كل ذلك الإنسان والبيئة الإجتماعية والبيئة الطبيعية.  

أبناء الضحايا هم الأيتام بطبيعة الحال، وهؤلاء الايتام من فقد والده أو والدته فأصبح بلا اسرة متكاملة تضم الوالدين.. ووجود الوالدين هما اساس بناء الاسرة ، سنحاول التعرض لموضوعين رئيسن هما:

الأسرة والمجتمع..

والأسرة والطفل ..

الاسرة والمجتمع.. اذا كانت الاسرة هي البنيان الأساس للمجتمع ، بل هي مجتمع مصغر في حد ذاته، مستقل وفعال ومؤثر على المجتمع بقدر ما يتأثر به،  وبين أن يكون مجرد إفراز لهذا المجتمع ، أو مجرد ظاهرة سلبية تعكس ما يدور بالمجتمع الأكبر فإن نتاج ذلك يكون واضحًا على الطفل بشكل عام بمراحل النمو وهي كما صنفها علماء النفس والتربية والدراسات المتخصصة في ذلك بان المراحل هي :

- مرحلة النمو الجسمي

- مرحلة النمو العقلي

- مرحلة النمو الإنفعالي

- مرحلة النمو النفسي

هذه المراحل التي حددها علماء النفس وعلماء التربية وممن درس علم نفس النمو لابد أن تمر الطفولة بهذه المراحل ولن يستطيع الطفل أن يكون سويًا بغير هذه المراحل، وربما يتسائل البعض ليس من الضروري أن يمر الطفل بكل هذه المرحل ربما يكتفي ببعضها ، يكون الجواب من المختصين في علم نفس النمو أن هذا الطفل سيتعرض مستقبلا للكثير من الأزمات المختلفة في المراحل اللاحقة من حياته وسمى علماء النفس المختصين ذلك بعدم وجود إشباع نفسي للمرحلة التي عاشها ومر بدون أن يدركها بكامل قدرته ولذا يقول استاذ الطب النفسي " الدكتور محمد شعلان" في كتابه الاضطرابات النفسية في الأطفال ج1 فالطفل الذي ينحرف أو يمرض عقليًا ينجح بطريقته الخاصة في الانتقام من سيطرة أسرته بل بهذه الطريقة قد يفرض على أسرته نوعا من السيطرة . والمعروف لدى المشتغلين في علم النفس والصحة النفسية  أن وراء أي طفل مريض نفسيًا أسرة مريضة .. فتشوا عن مرضه ستجدون اسرة مريضة.

ونحن بصدد الحديث عن التربية وربطها بمتغير الحرب نجد أن طفل الحرب بالتأكيد لا يمر بمراحل النمو الطبيعية التي ذكرناها اعلاه  وهي النمو الجسمي والنمو العقلي والنمو الإنفعالي والنمو النفسي بسبب تلك الظروف وما يعانيه الاب أو الام أو الأسرة باكملها من حالات خوف وفزع ورعب، لا يمكننا أن نغفل مرحلة على مرحلة أخرى أو لا تعطيها الأسرة أهمية على مرحلة أخرى، ومن المعروف أن الطفل البشري يختلف عن الكائنات الحية الآخرى من حيث الرعاية الفائقة منذ الولادة وفي الشهور الأولى بالتحديد وفي السنة الأولى حيث تؤكد الدراسات النفسية المعمقة بأن أحد اسباب ظهور علامات الشخصية الذهانية يكون عادة في السنة الأولى بعد الميلاد ونقصد هنا بالذهان هو الاضطرابات العقلية ومنها الفصام "الشيزوفرينيا" والأكتئاب العقلي الميلانخولي، والهوس بانواعه والبرانويا بشقيها العظمة والاضطهاد ، ويؤكد لنا فيلسوف التحليل النفسي الفرنسي "جاك لاكان" قوله فكل ماهو سيكولوجي في السلوك الإنساني يخضع لإضطرابات جدً عميقه، ويتضمن مفارقات جدً واضحة إلى حد تستحيل فيه معرفة ما يمكن فعله بشأنه كي يتسنى التفريق في مجاله بين الخيط الأبيض والخيط الأسود.

أما الكائن الحي الوليد حديثا "الطفل"  يولد ويمارس حياته مباشرة مثل الوقوف والمشي والاكل. ولو قارنا بين طفل الإنسان وطفل الكائنات الحية الأخرى نجد ما يلي:

- الطفل البشري .. يحتاج إلى الرضاعة من أمه أو بديلها وبمساعدتها له

- الطفل البشري يحتاج إلى الحنان

- الطفل البشري يحتاج إلى من يعتني به ويحميه

- الطفل البشري .. يشعر بمن حوله فهو .. يدرك ويفكر ويتألم ويبكي

- الطفل البشري .. حينما يجوع .. يبكي

- الطفل البشري .. حينما يتألم .. يبكي

يحتاج الطفل إلى السنوات الأولى من عمره إلى والدية لرعايته والعناية به

الطفل البشري .. يشعر بوجود الأم بقربه .. ويبكي عندما تختفي عنه

الطفل البشري يحتاج الأب ويجده سندًا له ومتواجد في البيت مع الام.

اثبتت الدراسات أن الاطفال الذين عاشوا في الملاجئ بسبب الحروب وفقدان الابوين أو أحد الأبوين إلى  ظهور أعراض مرضية مثل :

- الذهول

- التشتت

- التوهان

- عدم التركيز

- الميل للعدوانية واستخدام الايدي في رد الفعل

 ماذا يحتاج الطفل من الوالدين في مرحلة النمو العقلي:

وهي المرحلة التي يتعلم فيها الطفل النطق والكلمات البسيطة .. وهي مرحلة تشغيل الدماغ واستخدام الكلمات واعادة ترديدها .. وهناك العديد من العادات اليومية التي يتعلمها الطفل من خلال مشاهدة الابوين وتقليدهما ..

أما مرحلة الانفعالات ..

فهي المرحلة التي يتعلم فيها الطفل

- كيف يضبط سلوكه وإنفعالاته

- كيف يضبط التبول والبراز، وهي بداية لتكوين وضبط القيم الإجتماعية الصحيحة، وكيف يمتثل الطفل عند البلوغ لقيم المجتمع وأوامر الوالدين والقانون والمجتمع.. لذا ما نشاهده اليوم من سلوك خارج على القانون من قبل شبان منفلتين لم يتجاوزوا من العمر العشرين سنة هو نتيجة عدم تطبيعهم في اسرهم للتربية وللقيم الإجتماعية السائدة بسبب إنشغال الأب أما بالواجبات العسكرية وعدم اهتمامه بتربية أسرته فضلا عن عدم قدرة الأم على متابعة الابناء في فترة النشأة والاختلاط في المدرسة ومع أفراد المجتمع. 

- كيف يتعلم من الوالدين أن هؤلاء الناس من البيت وأولئك هم الاقرباء والجيران

- كيف يشذب سلوكه الهمجي الغريزي الحيواني.. بعملية التطبيع الاجتماعي التربوي من خلال:

- الاحترام

- التقدير

- تعلم القيم والتقاليد

- التعرف على النواهي والممنوعات من خلال زرع القيم الدينية وقيم المجتمع التي تعارف عليها الاهل والأقرباء والجيران وأبناء المجتمع الذي يعيش فيه.

أما المرحلة المهمة وهي متطلبات المرحلة النفسية ومنها التي تشمل:

- تكوين الثقة بالنفس

- رعاية الموهبة  والقدرات

- الشعور بالانتماء لأسرة تحترمه ولها دليل ورابط أسري متزن.

- أكتساب قيم المودة والعاطفة 

- أكتساب الضمير من الابوين والدين المعتدل أو في بعض الأسر الدين المتطرف.

- فرز ما هو ممنوع ومحرم ، ومقبول وصحيح وحلال

- من هي الاخت والاخ وما هي طبيعة العلاقة بهما

- ما هو المحرم شرعًا

- ما هو الحلال شرعًا

كل ما تقدم خلال هذه المراحل يحتاج جهد كبير وقدرة عالية على زراعته لدى الطفل من الذكر والانثى ..

ونعيد التساؤل مرة أخرى ..

ماذا يحدث لو ضاعت الحدود بين المراحل وتداخلت وهي بطبيعة الحال مراحل عمرية تمتد من الولادة حتى سن البلوغ ثم  الرشد بسبب سيادة طبول الحرب وتشتت الأب وشعور الأم بالخذلان والوهن والضعف والأرتباك في زحمة الخوف من المجهول وماذا سيحدث كما هو الحال في عراق الحروب من العام 1980 حتى احتلال العراق في العام  2003 وما تلاه من فوضى في الأمن وفي كل معالم الحياة والمجتمع، وما يحدث الآن في سوريا واليمن وليبيا في العلن وأمام أنظار الأعلام وبادارة السياسة، أما ما يجري في الخفاء فكان أعظم في بعض الدول بسبب التجويع والانهيار الاقتصادي وضياع الحقوق في المواطنة ومصادرة الرأي في معظم الدول التي ليس فيها عمليات عسكرية ومعارك ولكن فيها إنهيار في القيم ومنها:

- انتشار زنا المحارم

- ضعف القدرة على ضبط النفس

- اللجوء للسلوك العدواني

- ضعف الضمير.. واختلال الواعز الديني

- تداخل المحرمات مع الحلال بدون ضوابط وقيم

- انتشار وكثرة صور الاحتيال والنصب على الآخرين تحت مسميات دينية أو عشائرية أو تحت أية مسميات اخرى.

- ازدياد الانحرافات الجنسية عند الاناث بسبب الكبت وقمع الرأي 

- ظهور جيل جديد اختلطت لديه الهوية الجنسية .. المثلية عند الذكور

والسحاق عند الاناث بالممارسات واستبدال الشريك بمن مثله..

بمعنى

الغاء الغيرية .. واستبدالها بالمثلية ..

رجل مع رجل .. أنثى مع أنثى ..

بينما في الوضع السوي .. الزواج يتم بين رجل وامرأة لغرض حفظ الجنس البشري من الزوال ..

لذلك قال سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي  ..

كل ما ينحى عن التناسل .. الإنسال فهو إنحراف

وكذلك من نتائج الحروب على الاطفال ..

- انتهاك براءة الاطفال بتشغيلهم في الدعارة وممارسات  لا أخلاقية منتشرة في كل زقاق وشارع رئيس أو قرب حانات شرب الخمور أو محلات بيع الخمور، أو المراقص والحانات الليلية التي يرتادها تجار الحروب وسماسرة الساسة من المتدينين والعلمانيين فالكل سواء. 

- ممارسة الشذوذ بعد أن تم الاشباع الجنسي من المقابل بأثمان زهيدة أو عالية، يلجأ البعض من قادة السياسة أو التدين الزائف إلى شراء أعراض الأسر التي ضربها الفقر ونخرها لحد الكفر بالوطنية والمواطنة والدين والقيم والخروج من الأديان علنًا.

- الاستجداء في الشوارع

- استغلال الايتام بممارسة  الممنوعات وتوزيع المخدرات وغيرها

وهناك الكثير من الظواهر التي شاعت وانتشرت بسبب عدم وجود مؤسسات تهتم بمتابعة الايتام وتربيتهم وتنشأتهم تنشئة صحيحة. لذا فإن التقليد والمحاكاة والتوحد مع الانماط الأخلاقية عند الطفل والمراهق وحتى الراشد تتم خلال عملية تهدف إلى إدماج عناصر الثقافة في نسق الشخصية خلال مرحلة الحرب فينشأ جيل وربما أجيال نشأة بها العنف والقسوة وعدم معرفة الرحمة واكتسابها، بل نشأـت لدى معظم جيل الحروب والفقر والحصار نزعات وإتجاهات التعصب فلذا ظهرت الشخصيات التسلطية واضحة في المجتمعات التي مرت بهذه التجارب وخبرات الحروب.

 

الدكتور أسعد شريف الامارة

 

 

منى زيتونتحدثنا في مقال "تعاطف المصريين.. خطأ في البوصلة" عن خطأ شائع من أخطاء التفكير؛ وهو التفكير العاطفي، والذي يؤدي بمن يستخدمونه إلى الإفراط في إظهار التعاطف تجاه البعض، رغم أنه بنصب ميزان العدل أمام أعيننا يكون واضحًا أن الحق عليهم لا لهم.

واليوم نستكمل الحديث عن أشهر المغالطات التي تُستحضر دائمًا لتبرير التفكير العاطفي، وهي "الرحمة فوق العدل".

ما هي الرحمة وما هو العدل؟

الرحمة لغةً هي: الرقة والتَعَطُّف. وفي "المعجم الوجيز" رَحِم فلانًا رقَّ له وعطف عليه، وغفر له.

أما العَدْل فهو القصد في الأمور، وهو ضد الجَوْر. وفي "المعجم الوجيز" في أمره عَدْلًا وعَدَالة: استقام. وفي حُكْمِه: حَكَم بالعَدْل. والشيء عَدْلًا: أقامه وسوّاه. وفي "المصباح المنير" التعادل: التساوي.

العدل أولًا

طالما تم تصوير العدالة على صورة امرأة معصوبة العينين، وهي إشارة إلى عدم تمييزها بين الطرفين المتحاكمين، كي تستمع فقط إلى صوت الحق.

ومن الأحاديث الشريفة في فضائل الإمام علي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أقضاكم عليّ"؛ أي أنه عليه السلام أفضل من كان يقضي بين الصحابة، ويأتينا تفسير ذلك في حديث آخر يقول فيه الرسول: "عليّ مع الحق والحق مع عليّ، يدور الحق حيثما دار عليّ". فالعدالة تقتضي أن تُنحي العواطف، وتجعل عينك على الحق لا على سواه.

ويمكن القول إن المفرطين في التعاطف المائلين نحو الطرف غير المحق، لديهم إشكالية حول تحديد أولوية وأسبقية الرحمة أو العدل، وعدم فهم للهدف الأسمى الذي خُلِق لأجله الخلق؛ فالعدل هو القيمة الأسمى في هذه الحياة، والتي لا تُقام إلا بها.

يخبرنا ربنا جل وعلا أن الغاية من الحياة الدنيا، والتي لأجلها أرسل الرسل وآتاهم الكتاب وألهمهم العمل بالميزان، هي إقامة القسط. يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. والقسط هو العدل في جميع الأمور، فهو لفظ جامع، دال على عدل أعم وأشمل من العدل بين متحاكمين.

ويقول تعالى مخاطبًا رسوله الذي آتاه الملك؛ داود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:26]. وفي الآية أمر بالحكم بالعدل والبعد عن الأهواء والعواطف، ثم تذكير بيوم الحساب.

فلأن البشر لا يمتثلون لأمر الله بتحقيق العدالة بينهم، فعندما تضيع العدالة الإنسانية تتدخل العدالة الإلهية، وهذا هو الغرض من الحساب الأخروي. قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

لكن كيف يكون العدل أولًا، وتكون الرحمة فوقه؟

لعل في آيتيّ القصاص بيان شافٍ لأولوية تحقيق العدالة، ثم الرحمة إن أمكن ورضي صاحب الحق.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ [البقرة: 178-179].

يخبرنا الله تعالى في الآيتين الكريمتين أن القصاص مكتوب علينا أي مفروض. ونجده سبحانه وتعالى يقرر الحق في القصاص أولًا، ثم لا ينسى الترغيب في العفو، ليعود في الآية الثانية يذكرنا أن في الاقتصاص من الجاني حياة للبشر، لن تستقيم حياتهم ما لم يقر المجتمع كله بأحقية صاحب الحق فيه.

فالإشارة الواضحة في الآيتين، والتي لا تخفى على عاقل، أن الله سبحانه وتعالى يقرر حق صاحب الحق أولًا، ولا يجعل لأحد سبيل إلى تجاوزه مهما كان. كما أنه تعالى يقرر أن ذلك العفو إن تمّ منه رحمة وليس عدلًا ﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.

ولعل بعض المتعاطفين يتذرعون بآيتيّ الحرابة لتقرير أن التوبة تسقط العقاب الدُنيوي. يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ ۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (34)﴾ [المائدة: 33-34].

وتفسير الآية الثانية فيه أقوال كثيرة، أولها أن الاستثناء في ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ إنما قُصد به المشركون، والمقصود تابوا من شركهم وأسلموا فسقطت عنهم عقوبة الحرابة لأن الإسلام يفتح صفحة جديدة في حياة المسلم ولا يؤاخذه بما سلف. نقل الإمام الطبري في تفسيره عن أصحاب هذا الرأي: "أما المسلم إذا حارب المسلمين أو المعاهدين، وأتى بعض ما يجب عليه العقوبة، فلن تضع توبته عنه عقوبة ذنبه، بل توبته فيما بينه وبين الله، وعلى الإمام إقامةُ الحدّ الذي أوجبه الله عليه، وأخذُه بحقوق الناس"أهـ. وحتى من أورد أقوالًا أخرى في تفسير الآية، ورأوها نزلت في المحاربين من أهل الإسلام، لم ير أغلبهم إسقاط حقوق العباد عنه بتوبته. يقول الإمام الشافعي: "تضع توبته عنه حدَّ الله الذي وجب عليه بمحاربته، ولا يسقط عنه حقوق بني آدم".

إذًا، فنحن مأمورون بإقامة العدل فيما بيننا لتستقيم الحياة، دون تمييز لغني عن فقير تقربًا إليه أو لفقير عن غني رحمةً به. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135]. ولكنه وجوب يجوز لصاحب الحق وحده تركه، والرحمة مع المخطئ والعفو عنه فضل لمن أراد التفضل، ولكنه ليس واجبًا، فما قرر تعالى وجوبه هو القصاص وليس العفو، وأخذ حقوق العباد وليس تركها لمن نهبها؛ لذا كان من دعاء الصالحين "اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان".

اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل، وبالإحسان لا بالميزان

فلسفة الاعتذار

ودائمًا ما يردد حزب التعاطف "إن الله يغفر، فلِم لا تغفرون لمن يخطئ في حقكم؟!"

وأقول: هذا تلبيس واضح؛ فالله تعالى يقرن بين مغفرته وبين استغفار المسيء وطلبه التوبة، فمغفرة الله لا تصيب المُصرِّين على الذنوب. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135]،

إن حزب التعاطف يتناسون أنه سبحانه يغفر لمن يتوب، وكذلك البشر يسامحون من يعتذر، فالعفو لا يكون إلا بعد اعتذار. وهذا هو الكتالوج الذي خُلقت نفوسنا مجبولة عليه.

جاء في تفسير الطبري عن ابن عباس في تفسير ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ وهي الدية؛ أن يُحسن الطالب الطلب، وأن يُحسن المطلوب الأداء. فإذا أُخذت الدية في القتل فذلك عفو بعد اعتذار.

إن إحقاق الحق وإقامة ميزان العدالة على الظالم هو اعتذار لصاحب الحق عما تم اقترافه في حقه، وتطييب لقلبه وخاطره؛ فهذه هي فلسفة الاعتذار، وأي محاولة لتجاهل أهمية الاعتذار يبقى النفوس محتقنة، على عكس ما يتصور عصافير التسامح.

لا تعارض بين رحمة الله وعدالته

يقولون: الله هو الرحمن الرحيم قبل أن يكون الحكم العدل والحق المبين، والرحمن الرحيم هما ألصق صفاته بذاته سبحانه. وهذه محاولة أخرى لخلق إشكالية الأولية والأهمية بين الرحمة والعدل، ولا وجود لتلك الإشكالية من الأساس؛ فالعدالة الإلهية ناجزة والرحمة متوفرة.

روى الإمام الحاكم في المستدرك (8718) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسٌ إِذْ رَأَيْتُهُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "رَجُلانِ مِنْ أُمَّتِي جَثَيَا بَيْنَ يَدَيَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَبِّ خُذْ لِي مَظْلَمَتِي مِنْ أَخِي، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْطِ أَخَاكَ مَظْلَمَتَهُ، فَقَالَ: يَا رَبِّ مَا بَقِيَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْءٌ، فَقَالَ: يَا رَبِّ فَلْيَحْمِلْ مِنْ أَوْزَارِي"، وَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "وَإِنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ يَوْمٌ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى أَنْ تُحْمَلَ عَنْهُمْ أَوْزَارُهُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ بِحَقِّهِ: ارْفَعْ رَأْسَكَ فَانْظُرْ إِلَى الْجِنَانِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَى مَا أَعْجَبَهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالنِّعْمَةِ، فَقَال: لِمَنْ هَذَا يَا رَبِّ؟ قَالَ: لِمَنْ أَعْطَانِي ثَمَنَهُ، قَالَ: وَمَنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ يَا رَبِّ؟ قَالَ: أَنْتَ، قَالَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ، قَالَ: يَا رَبِّ فَإِنِّي قَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، قَالَ: خُذْ بِيَدِ أَخِيكَ فَادْخُلا الْجَنَّةَ"، ثُمَّ قَالَ: وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾".

وهذا الحديث عندما يسمعه أصحاب مغالطة "الرحمة فوق العدل" ينظرون إليه بنظرة سطحية؛ فيقولون: قصر لمن يعفو عن أخيه، يالقدر العفو، ولكنني أقول لهم: إن الحديث دال أنه حتى في الآخرة، لا بد أن يقام ميزان العدل أولًا، ثم لا بد أن يعفُ صاحب الحق عن المخطئ، وأن الله تعالى –وهو الملك لا إله إلا هو- لا يأخذ قرار مسامحة عبد قبل أن يعفُ صاحب الحق عنه، فما لا يفهمه هؤلاء أن الرحمة فضل بعد إقامة العدل، لا أنها تتدخل لتنسف العدل وتطيح بحق صاحب الحق.

المجالس العرفية بين الرحمة والعدل

في بلادنا العربية لا زال للمجالس العرفية دورها، ولا زال للكبراء كلمتهم في حل النزاعات، لكن يُلاحظ أن منها ما ينتج عنها صلحًا بين العائلات؛ إذ يتم إبرام اتفاقات تستمر، ومنها ما لا تكاد تنعقد حتى تُفسخ، ويعود الصراع كما كان وربما أشد.

ويتساءل كثيرون، لماذا تنجح بعض المجالس العرفية في الصلح وتفشل أخرى مهما أُخِذت العهود والمواثيق؟

والإجابة عندي أن المجالس التي تُقام لإسقاط الحق والحديث فقط عن العفو؛ فيطالب المشايخ صاحب الحق وعائلته ومن شايعه بالتنازل، دون أن يُطلب فيها من المخطئ أن يُقر بخطئه أولًا، تلك المجالس لا بد وأن تفشل اتفاقاتها لأن الجرح يرم على فساد، وأما تلك التي تؤكد على إحقاق من عليه الحق، وإقراره بخطئه واعتذاره عنه، ثم يأتي دور التراحم وطلب العفو، تنجح لأنها لا تتجاهل متطلبات النفس البشرية. وهذا هو المعني بأن الرحمة فوق العدل؛ إذ لا بد من إقامة العدل أولًا.

 

د. منى زيتون

 

 

حسين علاوييعتقد الكثير من فلاسفة علم الأديان أن المقدس رفع عنه الحجب، وعن كل ما هو عقلاني بعد عصر الأنوار.. بعد أن كانت النظرة إلى المقدس محكومة بنزعتين: الأولى نزعة استهجان باعتبار أن المقدس يرتبط بوعي بدائي سابق للمرحلة الوضعية.. وقد اعتبر كانْت أنَّ الإنسان في نشأته كان يدور في دائرة مغلقة.. تنتابه الرهبة والخوف في علاقته بالمقدس، وإنَ تجلياته لم تكتف بما ظهر في الأديان القديمة والعقائد الطوطمية، وإنما ما بطن منه في الكثير من الميادين الفكرية والممارسات البشرية.

وقد استطاع دوركهايم إنزال المقدس من عرشه المتعالي وتحويله إلى ما دون علم الاجتماع قابل للدرس.. بعد أن ارتبط مفهوم المقدس بالمحرم، وصار يعبر عن قوة الجماعة.. أو عن السلطة المتعالية التي تمارسها الجماعة على الأفراد.. والإله ليس في النهاية سوى صورة المجتمع الآمر الناهي.. (أنظر: الموروث الديني، قراءة سوسيولوجية  تاريخية، عبد اللطيف الهرماسي، 40).

ويَعتبر ميرسيا الياد أنّ فهم المقدس لا يتحقق إلّا بالإقامة فيه، وإن الكون بالنسبة إلى الإنسان المتدين يحيا وينطق.. وحياة الكون نفسها دليل القداسة لأنها خلقت من قبل الآلهة، وإنَّ الآلهة تظهر نفسها للبشر عبر الحياة الكونية.. وإن حياة الإنسان القديم أو الديني قد مكنته من قوة خارقة استطاع توظيفها في حياته من أجل تحقيق رغباته وبلوغ مقاصده.. والدين هو إدارة المقدس، والإنسان هو من يديره وفق قوانين يعتقد في كونها أنها من عالم السماء.. (أنظر: مرسيا الباد، المقدس والمدنس، 122-123)

والمقدس من أكثر المصطلحات التباساً في مستوى الدلالة وفي مستوى الاستعمال.. ولعل المفارقة تكمن في أنَّ كل محاولة لتعريف المقدس وتحديده تتطلب التعامل معه باعتباره موضوعاً بلا قداسة، أي تعليق قداسته.. يُعرف روجيه كابوا المقدس بقوله: المقدس في صورته الأولية البسيطة يشكل طاقة خطرة، عصية على الفهم، عصية على الترويض، شديدة الفعالية.. والمقدس لا يدل على شيء محدد في ذاته، بل إنه يشكل خاصية ثابتة أو عابرة لبعض الأشياء (أدوات العبادة)، أو الكائنات (الملك أو الكاهن)، أو الأمكنة (المعبد والكنيسة والمزار)، أو الأزمنة (يوم الأحد والسبت والجمعة وعيد الفصح وعيد الميلاد).. ليس هناك ما لا يصلح لأن يكون مقراً للمقدس الذي يخلع عليه سحراً لا يُضاهى في نظر الفرد والجماعة، وليس هناك ما يتحذر منه.. وغالباً ما يكون المقدس مصدراً لتصوّريْن مختلفين: الرجاء: ومنه يرجو المؤمن الخير والصلاح.. والخشية: إذ يرى فيه مصدراً للعقاب الشديد.. (أنظر: روجيه كابوا، الإنسان المقدس، ترجمة: سميرة ريشا، 37-40)

أمّا المقدس في اللغة فيعني الطُهر، والأرض المقدسة: أي المطهرة.. والتقديس هو التنزيه والتطهير، وبذلك يكون النص المقدس هو النص الخالي من كل مدنس، بل مطلق في كمال محتواه.. إلّا أنَّ البعض من المفكرين اعتبر العقل الذي ركز عليه فلاسفة علم الأديان والتأويل في فهم النص، هو عقل محدود كونه في عالم الإمكان، وفي الحقل اللاهوتي لا يمكن تفسير محتوى النصوص ذات القدسية المطلقة وإخراجها عن المسار الذي أسّسه الله تعالى لها، فلا يجب إخضاع النص للذات، وإنما يجب على الذات أن تكون خاضعة لسلطة النص.. (الهرمونطيقيا والنص المقدس، أكرم جلال، بحث منشور على شبكة الإنترنت)

إلّا أن هناك من يغاير هذا الرأي.. بعد أن أضحى كل مقدس يحتكر الحقيقة، ويعمل على نشرها والدفاع عنها، وخاصة في سياق الموضوع الديني.. ويعمل في المقابل على نفي القداسة عن غير أشيائه، وتسفيه حقائق الآخَر، ومن ثم ينشأ الكره، وتنتشر البغضاء.. وما يشهده العالم اليوم من تفشي الإرهاب ما هو إلّا علامة على ضياع الحس النقدي والتساؤل الفلسفي، وغياب المبادئ الإنسانية السامية، بدءاً بأخلاق الرحمة، ووصولاً إلى قيم التسامح..

فالدفاع عن العقيدة بشكل أعمى لا يدل على الجهل بتاريخية الحقيقة فحسب، إنه إلى ذلك استنبات للحقد المتبادل، وتمزيق لعُرى المجتمعات التي تقضي عهوداً طويلة في حياكة نسيجها الثقافي ونموذجها المجتمعي.. يقول جوسدورف: يجب أن نتخلى عن الفكرة الخاطئة والمبسطة المبنية على معنى أن الدين يخلو تماماً من الحقيقة، ويجب أن نتخلى كذلك عن الفكرة الخاطئة الأخرى التي ترى أن الدين يملك الحقيقة المطلقة.. فليس ثمة دين يغير حقيقياً تماماً، وليس ثمة دين يغير خاطئاً تماماً كذلك.. إن الموقف الديني وظيفة كونية من وظائف الوعي الإنساني.. (أمارتيا صن، الهوية والعنف، ترجمة: سحر توفيق، 9)

وتعريف المقدس فيه الكثير من الغموض.. فهو مقولة متصلة بالتأويل والتقييم ميدانها المقدس حسب.. وهذه المقولة معقدة وترتكز على مفهوم شديد الخصوصية يتجاوز ما هو عقلاني، ويستعصي على الحصر المفهومي.. والمقدس تسكنه قدرة مجهولة، وتنتابهُ مشاعر فريدة.. إنَّ هذا الغموض الرحب الذي يكتنف المقدس في الدين يجعل الإحساس به خارجاً عن المألوف وعصياً على الإدراك، ولكنه في الحين ذاته قريب منا، يملأ وجداننا بمعاني التعالي والأخلاق والخلود.. (المقدس ورهانات الغلبة، محمد الخراط، 34)

والمقدس ليس مجاله الدين فحسب، فهو قد يكون في العقائد الوطنية والأيديولوجية القومية واليسارية والسياسية أو غيرها من الأنساق.. وإن المقدس الذي يتخذ شكل الموضوع الديني أو السياسي أو غيره من المجالات، يتلبس على قدر من الخطر عظيم، هو معنى الدفاع عن الحقيقة والتعصب لها، ومن ثم ينحدر إلى العنف.. ذلك أنّ المقدس كلما اقترن بمشروع يتجاوز صاحبه الفرد أو جماعته المغلقة، ونزَغَ نحو فرض صيغته الفريدة اصطدم بضرورة استعمال القوة، بصورة يصبح فيها كل شيء فكري أو ثقافي يروم الانتشار مقترناً بداهةً بشكل سياسي وعسكري يفرض النموذج.. (المصدر نفسه، 35)

والمقدس مفهوم يستعصي على الضبط العقلي، فهو مفهوم زئبقي مراوغ يوهمنا بإمساك زمامه، ولكنه سرعان ما ينفلت وتضيع علاماته التي نهتدي بها إلى الوجود؛ ذلك أنّ الوعي القديم بالمقدس لم يكن قادراً على الانعتاق من أثر سحره والفتنة بقدراته الخارقة، ولذلك فقد كان التورط فيه عائقاً يحول دون البحث فيه.. وأما المقاربات الحديثة فكانت  محكومة بمركزيتها العلمية ويقينها الوضعي بأنها تجاوزت حقب الطفولة البشرية ولعاً بالسماء وافتتاناً بالإله لنبلغ وعياً محوره العقل، ومادته العلم، ومركزه الإنسان.. ورغم ما سعت إليه بعض الدراسات من إظهار الوجه اللاعقلاني للمقدس، إلّا أنها ظلت دوماً على يقين من وجود سر خفي يؤكد حقيقة أنه مفهوم عصي على العقل.. (أوتو، فكرة المقدس، 191)

إلّا أنّ هناك من اعتبر الركود الفكري الذي شهده العقل الإنساني عامة، والإسلامي خاصة، بداية القرن التاسع عشر، دافعاً قوياً لطرح أسئلة ترتبط بفهم النص المقدس، بعد أن عجزت المناهج التفسيرية القديمة والحديثة عن إنتاج إجابات منطقية عن القلق المتجدد الذي يعيشه المؤمن مع قصة المقدس لإشباع تطلعاته المعرفية والدينية الدؤوبة، ولئن كان المتأمل أو الناظر في تاريخ الفكر البشري يثبت أن ولادة النصوص الدينية قد رافقها على امتداد قرون عديدة من الزمن، احتكار تفسيرها من قبل تيارات وفرق أيديولوجية كانت تؤمن بأنَّ هذه النصوص إنما هي وسيلة من وسائل الهيمنة على الأفراد والشعوب، وهو ما جعل هذه التفاسير موجهة لخدمة مصالح سلطة سياسية تسعى إلى فرض سلطانها على الكل الاجتماعي المطالَب بالرضوخ، لا إلى سلطة النص، وإنما إلى سلطة تفسير النص.. ونتيجة الفهم الذي انبنى على تفسير مخصوص للكتاب المقدس والقرآن، ظهرت الحاجة الملحة إلى التصدي لهذه التفسيرات الدينية.. وبرزت العلوم الإنسانية كنسق فكري يقدر على خلق قراءات بديلة للنص المقدس، تتواشج مع خصوصية الواقع، وتتماهى مع أسئلة العصر، فكان التأويل ركناً من أركان تحديث الفهم الجديد لهذه النصوص وتجديد الخطاب الديني بأسئلة الحداثة.. بعد أن أتفقت الكثير من مشاغل التفكير الفلسفي على الاعتقاد بأن النص المقدس (التوراة والإنجيل والقرآن) هو نص تاريخي تنكشف فيه شواهد تاريخية عديدة تدل على أنه كلام نطق به أنبياء تكلموا بالنيابة عن الله.. أو هُمْ المتكلمون مع الله.. وإنَّ كل كتاب سماوي مقدس لا يعبر عن حقيقة العالم، ولا يخبر عن تاريخ الكون وأحداثه وإنما هو يتحدث عن رؤية كل نبي صاحب كتاب سماوي للعالم ويبين قراءته للأحداث وللتاريخ..

وبالتالي فإنَّ التأمل الفلسفي التأويلي للأديان، يدعونا إلى إعادة النظر جذرياً في مفاهيم دينية مثل الوحي والإلهام والنبوة.. وذات الله وصفاته.. وعاقبة الإنسان ومصيره.. فلا بد من إعادة النصوص المقدسة بأدوات تفكير جديدة ترصد التجربة الدينية، وتقوّم نتائجها، وهو ما سمح لنظريات التأويل أن تتأسس على ثنائية الشك والإيمان في تعاملها مع النص الديني.

 

حسين علاوي

 

 

صلاح حزامالترجمة العربية للمصطلحات والتي يتم اعتمادها في القواميس، تتحول الى سلطة قاهرة لايمكن الوقوف في وجهها. واحياناً تأخذ شيئاً من القدسية خاصة عندما يربط المترجم بين اللغة العربية والقرآن ويسحب بعض قدسية القرآن ويمنحها للغة العربية باعتبارها لغة أهل الجنة، الخ..

مع ان اللغة ليست مقدسة بل هي وسيلة تخاطب، واستخدمها الله والرسل للتواصل مع المجتمعات لانها هي اللغة السائدة والمفهومة لهم.

ومع اننا لانعرف من قام بالترجمة الاولى وماهي خلفيته وامكانياته، الا اننا مطالبين بالانصياع لما قاله ذلك المترجم المجهول..

الكل يعرف ان الترجمة تنطوي على خيانة حتمية وأنها فعل خياني لأنها لايمكن ان تنقل المعنى الذي اراده الكاتب الاصلي عندما كتب النص بلغته الأم.

لكنها مع ذلك لابد منها لغرض التواصل الانساني والثقافي بين المجتمعات.

وامتداداً للمنشور السابق حول الدين والضمير وما أثاره من مناقشات حول مفاهيم الضمير والاخلاق، سوف اتناول مفهوم الأخلاق وكيف تمت ترجمته لدينا وكيف كان الدافع لنشوءه لدى العالم الغربي.

الفيلسوف جون ستيوارت مل، الذي اصبح من اوائل مفكري علم الاقتصاد، كان عالم أخلاق اساساً، ولكن ما الذي جاء به الى ميدان الاقتصاد؟

علم الاخلاق الذي كان يكتب فيه ويدرّس، كان يتناول قضية اكبر من مجرد دراسة سلوك الفرد الحميد مع جاره وزميله الخ...

كان يتناول صياغة قواعد السلوك العام الذي يجب ان يسود في المجتمع من اجل بناء دولة صالحة قادرة على التقدم.

كان يدرس كيفية تحديد الخطأ والصواب ومن يحدد ذلك؟ 

هؤلاء المفكرين الكبار كانوا مشغولين بمصلحة الأمة وكيفية بناء دولة حديثة.

لم يكن كافياً بالنسبة لهم تبني العلمانية وإبعاد رجال الكنيسة عن الحكم، ولم يكن كافياً تحجيم سلطة الملوك وتبني النظام الديمقراطي لغرض التداول السلمي للسلطة، كانوا يبحثون في افضل قواعد بناء مقاييس ومعايير للسلوك العام السليم الذي ينسجم مع النظام السياسي الجديد.

كانوا يبحثون في موضوع المسؤوليات الفردية والجماعية تجاه المجتمع والنظام.

النظام الجديد هو النظام الرأسمالي البرجوازي الفردي الديمقراطي الذي سوف يلعب فيه الفرد الدور المحوري.

 سيكون ناخباً ومرشحاً ومنتجاً ومستهلكاً وناشطاً مدنياً.

عليه ان يؤدي تلك الأدوار حسب القواعد المعتمدة .

ولكن ماهي تلك القواعد ؟ وكيف توضع؟ ومن يضعها؟

دخول جون ستيوارت ميل، لميدان الاقتصاد كان بسبب الدور المركزي في الحياة الذي يلعبه النشاط الاقتصادي والعلاقات الاقتصادية والنشاط الاقتصادي الفردي، لذلك اراد دراسة الموضوع والبحث في قواعد السلوك السليم فيه.

ومثله فعَلَ مؤسس علم الاقتصاد، آدم سمث الذي كان عالماً في الاخلاق ويدرّس مادة علم الاخلاق في الجامعة ولديه كتب هامة في ميدان الأخلاق.

ثم وضع اول كتاب منهجي في علم الاقتصاد الذي هو ثروة الأمم .

لدينا، الاخلاق هي الصفات الفردية الحسنة والتي تم ربطها بالدين لكي تساعد الانسان على دخول الجنة.

لديهم، الأخلاق تساعد في بناء دولة حديثة وقوية وناجحة ومجتمع صحي  ولاتهدف لدخول الجنة بالضرورة.

هنالك نقاط مشتركة بين الفهم السائد لدينا وذلك السائد في الدول المتقدمة،ولكنهما لايتطابقان.

لدينا توجد ازدواجية في النظرة الاخلاقية في التعامل مع القضايا العامة والقضايا الخاصة.

لديهم سرقة المال العام أخطر من سرقة المال الخاص، لأنها تلحق الضرر بكل المجتمع. 

لدينا سرقة المال الخاص عيب يجب تجنبه، وسرقة المال العام ممكنة وهي،شكل من اشكال الشطارة.

بل ان هنالك آراء فقهية بجواز الاستيلاء على المال العام لانه مجهول المالك !!

والتهرب الضريبي الذي هو سرقة من حقوق المجتمع، ايضاً لايعتبر جريمة تمنع الانسان من دخول الجنة لانه لم يسرق من أحد معين اذا كان البعض لدينا يصر على ترجمة المفردات الانجليزية مثل morals و ethics باعتبارها تعني الاخلاق بمعناها السائد لدينا، فهذا يعني ان هناك خطأ من نوع ما ويجب ان نبحث عن مفردات عربية ملائمة لترجمة هاتين المفردتين.

وهذه من مهام المجمع العلمي الذي يعتني بشؤون اللغة العربية ويفتش عن مفردات خافية او يركّب مفردات جديدة.

البعض يرفض حتى مجرد الاشارة الى تطوير اللغة العربية وتحديثها  لجعلها اكثر ملائمة لروح العصر.

ينسون انها لغة وليست أله وليست مقدسة.

نحن لا ننتج العلوم الحديثة ونعتمد على ترجمة مايصلنا من الآخرين ويفترض ان تكون لغتنا قادرة على ذلك.

لا اقصد القول ان اللغة العربية عاجزة، بل ربما فيها ماهو كامن من الامكانيات التي تحتاج الى جهود علماء اللغة لاستخراجها وتوظيفها.

 

د. صلاح حزام

 

 

نبيل عودةأهمية الفلسفة

اهتممت بشرح وتبسيط هذه التعريفات، من رؤيتي انها ضرورية خاصة لأبناء جيل المستقبل. هذه نصوص استغرقني العمل على صياغتها وقتا كبيرا. هدفي منها ان افتح اطلالة هامة على المضامين الفلسفية، لعل ذلك يدفع البعض للاهتمام الجاد بالفلسفة، ولعل العالم العربي يقر هذا الموضوع ضمن برامجه التعليمية، والأهم بتحرير الفلسفة من أي مركب اسطوري او خرافي او ايماني مغلق. وما أعرفه ان تونس فقط، ومنذ عهد الحبيب بورقيبة، جعلت موضوع الفلسفة ضمن برامج التعليم، بينما دولا اخرى لا تعطي للموضوع نفس القيمة التي سادت التعليم التونسي.

شهد عالم الفلسفة تفسيرات كثيرة منها ما قاله ابيقراط (المشهور بأنه أعظم الأطباء وصاحب القسم الطبي) قال ان الفلسفة فارغة من المضمون إذا لم تساعد على شفاء ما يعانيه الانسان من ضيق، ولا قيمة للفلسفة إذا لم تبعد عن الانسان الأمراض النفسية.

اما ارسطو فيقول إذا انت قلت انه توجد ضرورة للفلسفة فعليك ان تتفلسف، وإذا قلت انه لا ضرورة للفلسفة اذن عليك ان تتفلسف لتفسر رأيك، بأي شكل كان انت يجب ان تتفلسف.

الفيلسوف وليم ديلتي (1833 -1911) قال ان القيمة الحقيقية لكل فلسفة جادة ومضمونها هو التربية حول المعنى الأوسع للغاية لنظرية تكون الانسان.

يقول كارل ياسبرس (فيلسوف وعالم نفس 1883 -1969) ان كل تاريخ الفلسفة الممتد منذ 2500 سنة هو لمحة بصر فقط لوعي الانسان لذاته”

موضوع الفلسفة هو أكثر المواضيع التي يقف امامها الجيل الناشئ، واكثرية الأجيال بما فيهم الكثير من المثقفين، موقفا سلبيا بظن انه موضوع بلا مضمون وبلا ارتباط بواقع الحياة. وان الفلسفة أقرب للثرثرة التي لا تغني ولا تسمن، ربما مجرد ابحاث لا تزود الانسان بأي جديد، أو بأي أثر ايجابي على تفكيره وتطوير قدراته الذهنية.

المؤسف ان الكثيرين من اصحاب المقدرة العقلية لا يألون جهدا في فهم المضامين الفلسفية وأثرها على التفكير وتطور كل مجالات الحياة في المجتمع الانساني. هل هي التربية الخاطئة، هل هو اسلوب التعليم الذي يفتقد للكثير من المركبات الضرورية لخلق انسان المستقبل؟

مختلف دول العالم المتنور اقرت الفلسفة ضمن برامجها التعليمية. نحن في الشرق نصر ان الدين هو المركب الفكري الضروري للتعليم. لا بأس من فهم مضمون الدين، لكن المضمون الأخلاقي والانساني وليس المضامين التي ترى بكل مختلف دينا وطائفة وفكرا عدوا يجب القضاء عليه.

تاريخ الدين في القرنين الأخيرين، العشرين والحادي والعشرين، هو تاريخ مليء بالدماء والآلام لبني البشر. بحساب بسيط، شكل الدين بالأسلوب الذي ساد كارثة للشعوب العربية والشرقية وطال العديد من الدول الأجنبية. لا أحد ينكر ان الغرب الاستعماري ترك بلادنا قفرا من التطور. عمق التطرف القومي والديني. ترك لنا دولا هي مهازل، وانظمة حكم تعمق أزمة الشعوب العربية، تنهب ثرواتها، وهذا سينعكس بطريقة لا يمكن توقع مدى مأساويتها الكارثية على مستقبل المجتمعات العربية.

الماركسية

عانت الماركسية من عدم وضوح وقصور فكري لقادة “المجتمع الجديد” (الاتحاد السوفييتي) ينبع أساسا من عدم تطوير الماركسية لمفهوم الدولة الاشتراكية، الدولة التي ستبني المجتمع الجديد. وظلت الدولة الرأسمالية (العتيقة) هي الجهاز الذي كلف ببناء النظام الاشتراكي الجديد. كل ما جرى ان السيد تغير ولم يتغير نهج الدولة او النظام.

تقوم نظرية الثورة الماركسية على مبدأ يقول ” على الثورة ان تستمر حتى القضاء على الطبقات المالكة بشكل عام”، فيما بعد طور ماركس نظريته بقوله إن “الكلام لا يدور حول تغيير الملكية الخاصة او القضاء على قسم من قوانين البرجوازية، بل إنشاء “المجتمع الجديد”. طبعا هذا التعريف عقلاني ومتزن، لكن للآسف جرى تجاهله والالتصاق بمقولة القضاء على مجمل القوانين والملكيات التي تسود المجتمع الرأسمالي.

ماركس طرح في فلسفته رؤية هامة بقوله “لقد اكتفى الفلاسفة بفهم وتفسير العالم، أما الهدف فهو تغييره”. هل كان يريد تغييره بالعنف بأساليب التنظيمات المتطرفة حسب النهج الذي اعتمده ستالين أيضا بعد القضاء على الأعداء البيض في الداخل؟ او ربما يصح القول ان فلسفة ماركس كانت تبريرية لفرض نظام ديكتاتوري بالغ القسوة والعنف والتدمير بدون حدود؟!

لا يمكن انكار ان الماركسية كانت من أكثر الفلسفات تأثيرا على المجتمعات البشرية. والبعض يسميها فلسفة القرنين التاسع عشر والعشرين. كان حلم ماركس انسانيا، وطرح رؤية لبناء نظام انساني عادل. رؤيته الانسانية كانت تتناقض تناقضا جوهريا مع الحكم الاستبدادي، القمعي والدموي لنظام ستالين.

فلسفة العلوم

أصل كلمة العلم هو من اليونانية “لوجوس” (Logos) والتي فسرت تفسيرات مختلفة منها “السبب”، “الفكر”، “الافتراض” والبعض فسرها ب “علم المنطق”. القفزة الكبرى في فلسفة العلوم كانت في القرنين التاسع عشر والعشرين. طبعا قرننا الحادي والعشرين أحدث قفزة هائلة في فلسفة العلوم. مطلقا العقل البشري والوعي الإنساني إلى عوالم لا حدود لها. من المذهل ان نقارن بين مجتمعات تعيش على هامش الحضارة العلمية والعالمية، ومجتمعات جعلت من العلوم رافعة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي، لأن العلوم في جوهر أي حضارة ولا تقدم حضاري بدونها.

تبني فلسفة العلوم الكثير من دراساتها على ما يعرف ب “علاقات الاستدلال” بين الفرضيات أو النظريات المختلفة. نجد هنا ان “الأبستمولوجيا” التي هي فرع من فروع فلسفة العلوم وتعني “دراسة العلم” اثارت اهتمام العديد من العلماء العرب والمسلمين بنظريات المعرفة ومن أشهرهم المعتزلة والأشعرية وابن سينا وابن رشد والغزالي.

قيمة النظريات العلمية، أو ما يعرف بفلسفة العلوم يمكن تلخيصه بان الوعي الإنساني يفقد فائدته بدون ان تؤكده النظريات العلمية. نحن لا نتحدث عن ميراث فكري ينقل بالوراثة ويجعل الأكثرية المطلقة من البشر منغلقون فكريا ووعيا عن فهم أي معيار خارج موروثاتهم، حتى الأرض رفض بعض “علمائهم” كرويتها واعتبروا المسألة فكر استعماري. ويرون بكل محاولة لنقض ما نقل إليهم بالرضاعة، أو بالتلقين الذي يشل التفكير ويقمع العقل، خروجا عن الصحيح وضلال ما بعده ضلال.

مجال القوانين العلمية هو دراسة بيولوجيا الحياة كشكل خاص لحركة المادة، كما يتناول قوانين تطور الطبيعة الحية، وكذلك الأشكال المتشعبة للكائنات الحية: بناؤها ووظيفتها وارتقاؤها وتطورها الجزئي وعلاقتها المتبادلة بالبيئة.

بروليتاريا

انتشر تعبير البروليتاريا لوصف الطبقة التي لا تملك أي وسائل إنتاج وتعيش من بيع مجهودها العضلي أو الفكري، تاريخيا ظهر هذا الاصطلاح بالامبراطورية الرومانية القديمة لوصف الفئات السكانية الأشد فقرا والتي ليس بقدرتها دفع الضرائب. لكن الأمر الأساسي ان هذه الظاهرة انتشرت في اوروبا مع بداية صعود وتطور النظام الرأسمالي. واستعملت كوصف للفئات الأشد فقرا من النخب العمالية، ومن المعروف ان الطبقة العمالية آنذاك لم تكن متطورة مهنيا وتكنولوجيا كما هي اليوم، وجذور هذه الطبقة تعود الى فئات من المزارعين والرعاة الذين دمرت الرأسمالية مراعيهم وحقولهم وسيطرت عليها لبناء الصناعة الرأسمالية وحولتهم الى عمال غير مهنيين في صناعتها، لكن هذه الظاهرة لم تنشأ خارج اوروبا، وتلاشت مع التطور والتحولات الاقتصادية العميقة في المجتمع الرأسمالي. لدرجة انه يمكن الملاحظة ان مفهوم البروليتاريا أصبح غير ذا شأن مع التحولات الاقتصادية العميقة التي انعكست على الواقع الاقتصادي للعمال وعلى واقعهم الاجتماعي أيضا.

استعمال هذا الاصطلاح اليوم لوصف الفئات الاجتماعية المختلفة من موظفين ومهندسين واطباء ومدراء شركات وعمال مهنيين خبراء بالتكنولوجيا المتطورة، وعمال مهنيين مشغلين لأدوات عمل تحتاح الى خبرات علمية ومهنية، أصبح مضحكا وبعيدا عن المنطق. وكل مفهوم الصراع الطبقي التناحري (حسب نظرية المادية التاريخية لماركس) تلاشى من عالمنا، طبعا هناك نضالات عمالية مختلفة، لكنها ليست صراعا تناحريا لقضاء طبقة على طبقة.

مثلا قادة الطبقة العاملة اليوم أصبحوا من النخب السياسية الذين لم ينجزوا غير ارباحهم المادية. مثلا في إسرائيل حيث أعيش وانشط، كوادر العاملين الحزبيين تحسب ضمن ال 1.8 مليون فقير في اسرائيل، أما الزعماء السياسيين، مهما تميزوا بالغباء والتصرفات الهوجاء، فهم ضمن اغنياء اسرائيل، بتجاهل كامل لواقع الفقر والإملاق الذي تعاني منه “البروليتاريا” الحزبية (رفاقه بالنضال). نجد مثلا ان الزعيم (عضو كنيست او رئيس سلطة محلية) يعتاش من دخل بقدر بعشرات الاف الشواكل شهريا عدا الخدمات الهامة والكثيرة التي يحصل عليها بحكم منصبه. أما الموظف الحزبي الذي يقوم بالعمل الأسود، يحصل بصعوبة على معاش الحد الأدنى او أكثر قليلا. طبعا انا كنت في هذا الفلم لعدة سنوات ولي تجربة مؤلمة تأثيرها السلبي قائم في نفسي حتى اليوم. للأسف لم يتغير الوضع بل يزداد سوء. ما أعرفه تمام المعرفة انه يوجد تقص بكوادر الموظفين الحزبيين، الوضع الاقتصادي هو السبب؟ حجة مضحكة!! يمكن توظيف كوادر اخرى للعمل إذا تنازل “الزعماء” عن حصة من دخلهم بصفتهم ممثلين لتنظيم سياسي، انتدبهم وزعمهم.

مثلا ممثلي الحزب الشيوعي الفرنسي في البرلمان الفرنسي يدفعون 50% من معاشهم ومن تعويضات عملهم البرلماني للحزب، الحزب كلفهم بدور سياسي ولم ينصبهم وجهاء ومخاتير ليغتنوا على حساب الحزب. لكننا لسنا فرنسيين. السؤال: متى تنتفض “البروليتاريا” الحزبية في بلادنا أيضا تنفيذا لتعاليم ماركس نفسه عن الصراع الطبقي بين “البروليتاريا” – فقراء الحزب والبرجوازية اغنياء الحزب، ربما تكون انتفاضتهم تمرينا للثورة الاجتماعية التي تنبأ بها ماركس في ماديته التاريخية. هل تصرفات من يدعون انهم على نهجه هي سبب فشل نظريته عن الصراع الطبقي؟

قصة فلسفية من الفلسفة الاغريقية

ديميتري: توجد الكثير من الفلسفات المنافسة، كيف اعرف أي فلسفة هي الصحيحة من بينها؟

طاسو: من قال انه توجد فلسفة صحيحة؟

ديمتري: لماذا تجيبني دائما بسؤال؟

طاسو: هل لديك مشكلة بذلك؟

ديميتري: صدقني لا اعرف حتى لماذا سألتك أصلا. توجد أشياء ببساطة صحيحة، مثلا: 2+2=4

طاسو: كيف تستطيع ان تكون متأكدا من ذلك؟

ديميتري: لأني أثيني ذكي جدا.

طاسو: كونك أثيني هذا موضوع آخر. لكن السبب الذي يجعلك متأكدا من 2+2=4 ان الجواب يعتمد على قوانين العلوم التي لا يمكن الشك بها.

 

نبيــل عــودة

 

 

محمد محفوظتعيش المنطقة العربية والإسلامية توترات طائفية ومذهبية، لم تشهدها المنطقة من قبل. ويبدو أن الصمت إزاء هذه التوترات ومتوالياتها المختلفة، سيفضي إلى المزيد من المآزق الداخلية التي تعانيها هذه المنطقة وبالذات في هذه اللحظة التاريخية الحساسة والحاسمة في آن .وكما هو معلوم أن قمة مكة المكرمة التي دعا إلى عقدها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بين دول العالم الإسلامي تحت يافطة التضامن الإسلامي، كانت رسالتها الأساسية هي رفض الفتن الطائفية في العالم الإسلامي، وضرورة العمل على معالجة الملفات الهامة على هذا الصعيد .وكلنا أمل أن تنجز توصيات هذه القمة الإسلامية وبالذات على صعيد تطوير العلاقة بين المسلمين جميعا.

وانطلاقا من ضرورة البحث عن حلول ومعالجات حقيقية لهذه المعضلة، من الضروري كخطوة أولى الاعتراف بهذه المعضلة ومخاطرها الكارثية على الجميع .

وإن المطلوب من الجميع ليس الانسياق وراء هذه التوترات، وإنما العمل على إدارتها بشكل صحيح كمقدمة ضرورية من أجل معالجة جذورها وأسبابها المباشرة وغير المباشرة. ولو قرر كل واحد منا، أن لا يكون طرفا في هذه المشكلة، ولا يغذيها بقول أو ممارسة، فإننا سنحصل على بيئة اجتماعية قادرة على خلق تأثير ايجابي ونوعي تجاه هذه المعضلة .وعلى كل حال فإن هذه التوترات تتطلب معالجة عاجلة وحكيمة، حتى لاتتحول إلى أزمات اجتماعية وسياسية تهدد أمن المنطقة، وتدخلها في نفق المناطق التي تعيش أزمات مستعصية ومزمنة في آن . ومن الطبيعي القول أنه لا يخلو أي مجتمع من المجتمعات من وجود مشاكل وأزمات، ولكن المجتمعات تختلف عن بعضها في طريقة التعامل مع المشاكل والأزمات ..

فالمجتمعات المتقدمة تتعامل مع مشكلاتها وأزماتها بعقلية علمية – موضوعية، بحيث تعمل على تحديد الأسباب الجوهرية للمشكلة، وسبل معالجتها .. وعلى ضوء هذا الفهم والتحديد، تبدأ مشوار معالجة هذه الأزمة أو المشكلة..

فهي لا تنكر المشاكل، وإنما تعترف بها .. ولا تكتفي بالاعتراف بوجود مشكلة، وإنما تبحث عن عواملها وأسبابها الحقيقية، والسبل والآليات القادرة على معالجة هذه المشاكل والأزمات ..

أما المجتمعات المتخلفة، فهي تخضع لمشاكلها، وتنكرها في العلن، أو لا تعترف بها بصراحة وشفافية، ولا تبحث عن حلول علمية لأزماتها .. فلذلك هي تستفحل وتتفاقم دون وجود إرادة صادقة للحل والمعالجة ..

فالمجتمعات الإنسانية قاطبة، تصاب بالمشاكل والأزمات، ولكن طريقة التعامل مع هذه المشاكل والأزمات، هو الذي يحدد نوعية المجتمع .. فإذا كان معترفا بها وساعيا لدراسة ومعرفة أسبابها وعواملها المباشرة وغير المباشرة، وعاقد العزم على معالجة الأمر، فهو من المجتمعات المتقدمة، لأنه لا يهرب من مشاكله، ولا يخاف من مواجهة عثرات الطريق والمسيرة ..

أما إذا كان المجتمع يهرب من أزماته، ويتحايل على مشكلاته، ولا يمتلك الإرادة الصادقة والصلبة لمعالجتها، فهو من المجتمعات المتخلفة، حتى لو امتلك سلع الحضارة الحديثة، وإمكانات مالية واقتصادية طائلة ..

ولعل مما يؤخذ على مجتمعاتنا، أنها لا تعترف لأسباب سيكولوجية وثقافية واجتماعية بمشكلاتها، ولا تعقد العزم الحقيقي لمعالجتها .. لهذا فإن المشاكل مهما كانت طبيعتها تستفحل في محيطنا الاجتماعي وتستوطن، دون تحريك ساكن، أو القيام بخطوات ملموسة وجادة للحل والمعالجة ..

فإذا أصيب المجتمع لأي سبب من الأسباب بمشكلة مالية، فهو لا يبحث في أسبابها الجوهرية، وإنما الاكتفاء بالتأفف، وكأن التأفف هو علاج لهذه المشكلة المالية .. وإذا كانت العلاقات البينية بين مكونات وأطياف المجتمع الواحد باردة أو جامدة، أو يشوبها سوء الظن والفهم، فالمجتمع عبر قواه المختلفة، بدل أن يبادر لإنهاء هذه المشكلة بالوسائل المتاحة أمامه، فإنه يبدأ بتناقل الأخبار والمعلومات حول هذه المسألة، دون أن يبادر أحد بعلاج هذه المشكلة أو محاولة العلاج ..

وكأن المهمة الأساسية الملقاة على عاتق أبناء المجتمع، هو الانشغال بالقيل والقال .. لهذا فإن المشاكل التي تبرز في مجتمعنا سواء لأسباب موضوعية أو ذاتية، لا تتوفر الإرادة الصلبة لمعالجتها .. ومع الزمن تتعقد هذه المشاكل، وتأخذ أبعادا نفسية وشخصية ومجتمعية، وتصبح بعد فترة، وكأنها من لوازم مجتمعنا ..

من هنا فإننا نقول: إن التكتم على المشاكل لا ينفع ولا يفيد، وإغفال الأزمات مهما كان حجمها يكلفنا الكثير ..

وإن الخيار الحقيقي الذي يجب أن نلتزم به، في كل مؤسساتنا وأعمالنا، هو الاعتراف بالمشاكل، وعدم إغفالها أو نكرانها أو التكتم عليها، والعمل على دراستها بدقة وموضوعية ومن ثم عقد العزم على تفكيك المشكلة ومعالجتها ..

وأود في هذا السياق، أن أتحدث عن العلاقات الإسلامية ( السنية – الشيعية ) في العالم الإسلامي .. حيث لا زال التغافل عن هذه المشكلة أو التكتم عليها هو السائد .. بينما المصلحة تقتضي المكاشفة والمصارحة، لمعرفة الأمور على حقيقتها كمقدمة ضرورية للمعالجة أو التعامل بحكمة مع آثارها ومتوالياتها ..

وإننا نعتقد أن هذه المشكلة من أعقد المشاكل التي تواجه العالم الإسلامي اليوم وأصعبها وأخطرها على الراهن والمستقبل .. وإن المصلحة العامة تقتضي مقاربة هذه المسألة بجدية علمية وموضوعية، بعيدا عن السجالات المذهبية والمماحكات الأيدلوجية، للوصول إلى حلول ومعالجات عملية، تخرج العالم الإسلامي برمته من أتون أزمة مركبة وخطيرة وذات مفاعيل متداخلة .. وإن استمرار حالة التلاوم بين الأطراف الإسلامية، لا ينهي حالة الاحتقان التي بدأت تأخذ أشكالا وصورا عديدة، كما أن تحميل أحد الأطراف مسؤولية ما يجري لا يوصلنا إلى معالجة حقيقية للأمر .. وكل طرف بدوره يبرأ نفسه من مسؤولية وصول الأمور إلى هذه الحالة التي يشهدها العالم الإسلامي اليوم .. ولكن وعلى المستوى الفعلي، تتحول مادة التلاوم، إلى مادة إضافية تعزز الجفاء والاحتقان المتبادلين ..

فالعلاقات الإسلامية – الإسلامية، تمر بأسوء مراحلها، وغياب المبادرات الجادة لإصلاح هذه العلاقة، ينذر بانحدار جديد على مستوى هذه العلاقة وعلى مستوى جسور الثقة بين الأطياف المذهبية في الأمة ..

من هنا فإننا ندعو حكماء الأمة وعلماءها وفعالياتها الدينية والثقافية والسياسية، إلى الالتفات إلى هذه المسألة، والبحث عن حلول ناجعة، توقف عملية الانحدار وتفكك عناصر الاحتقان والتوتر، وتدفع باتجاه بناء العلاقة على قاعدة الاحترام المتبادل ومقتضيات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان ..

وفي هذا الإطار ندعو إلى الأفكار التالية :

1- العلاقة جد عميقة بين التعصب الديني والمذهبي والعنف السياسي والاجتماعي .. لهذا فإن تفكيك عناصر التعصب المذهبي، يساهم في بناء علاقات إسلامية – إسلامية معتدلة ومستقرة وإيجابية .. ونحن هنا لا نتهم طرف دون آخر، لأننا نعتقد أن حالة التعصب المذهبي تسربت إلى كل الأطراف والشرائح .. وإن المهمة الملقاة على عاتق العلماء والدعاة ومؤسسات البحث ومعاهد التفكير والمؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية، هو نقد ظاهرة التعصب الديني والمذهبي، ورفع الغطاء الديني والاجتماعي عن كل الممارسات التعصبية، وذلك لتهيئة المناخ النفسي والاجتماعي والثقافي لنسج علاقات إيجابية بين مختلف أطراف وأطياف الأمة ..

2- تتعدد صور وموضوعات التوتر بين الأطياف المذهبية بين موضوعات ذات طابع تاريخي، وبين موضوعات راهنة متعلقة بهواجس العلاقة وعناصر القوة الذاتية والمفترضة لدى كل طرف .. وأعتقد من الصعوبة بمكان إنهاء حالة التنافس الراهن، ولكن ما ندعو إليه هو ممارسة هذا التنافس بوسائل سلمية – حضارية، وبعيدا عن نزعات العنف والفصل والاستئصال ..

أما بالنسبة إلى الموضوعات ذات الطابع التاريخي، فإننا جميعا لن نتمكن من إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، كما أنه من الصعوبة أن تتطابق وجهات نظر الجميع حول أحداث التاريخ ورجاله .. لهذا فإن المطلوب على هذا الصعيد من جميع الأطراف هو الاحترام المتبادل ورفض وتجريم الإساءة لأي طرف من الأطراف .. فمقتضى الشراكة الإسلامية هو أن نحترم قناعات بعضنا البعض، ورفض أي شكل من أشكال الإساءة لأي طرف أو شخصية تاريخية أو معاصرة ..

وبهذه الآليات تتمكن المجتمعات الإسلامية المعاصرة، من تنفيس الاحتقانات، وضبط نزعات التطرف والتعصب، وبناء علاقات إيجابية بين جميع الأطراف على قاعدة احترام التعدد والتنوع دون التضحية بمقتضيات ومتطلبات الوحدة ..

وجماع القول : إن إطلاق العنان للعداء أو العداوات المذهبية في المنطقة العربية، ينذر بكوارث ومخاطر حقيقية على كل الصعد والمستويات ..

وإن المطلوب من جميع الجهات العمل على وأد الفتن الطائفية، وتجسير العلاقة بين أطياف الأمة على أسس الحوار والتسامح والعدالة وصيانة حقوق الإنسان ..

 

محمد محفوظ

 

عبد الجبار الرفاعي

في رده على المودودي يميّز وحيدُ الدين خان (1925 – 2021) بين الحيثيته الأساسية والحيثيته الإضافية للدين، ويرى أن المودودي أهمل الحيثيته الأساسية وهي الأصل في الدين، واختزل الدين في الحيثيته الإضافية، قبل ذلك كان وحيدُ الدين خان أحد أتباع المودودي.

درسَ وحيدُ الدين خان في جامعة الإصلاح العربية الإسلامية بالهند، وعملَ لعدة سنوات في لجنة التأليف التابعة للجماعة الإسلامية، ثم المجمع الإسلامي العلمي التابع لندوة العلماء بلكهنؤ. ونشرَ كتاباته في عدة صحف ومجلات، وأصدرَ مجلةَ "الرسالة" الشهرية، وهي مطبوعةٌ مستقلةٌ تلقاها القراءُ باهتمام، وتواصل صدورُها سنوات عديدة.

أمضى وحيدُ الدين خان خمسة عشر سنة من حياته عضوًا في الجماعة الإسلامية، غير أنه انفصل عنها بعد ذلك، وقدّمَ نقدًا جريئًا لفهم المودودي للدين، بعنوان: "خطأ في التفسير"، هذا الكتاب نقد ذكي لفكر المودودي، كتبه خبيرٌ بفهم المودودي للدين ومنهجه في التفسير، " خان، وحيد الدين، خطأ في التفسير، صدرت طبعتُه الأولى بالأردية 1963، وبالعربية 1992". يقول وحيدُ الدين خان في مقدمة كتابه هذا: "نظرًا للعلاقة التي كانت تربطني بالجماعة، والتي استمرت خمسة عشر سنة، فقد رأيت أن للجماعة علي حق النصح لها، ولا يمكن القيام بهذا العمل وأنا في وسط الجماعة، مما اضطرني للانفصال عنها لأداء هذه الفريضة... بقيت في الجماعة الإسلامية مرتبطًا بها طيلة خمسة عشر سنة، ثم قدمت استقالتي في 15 أكتوبر 1962 لكنها لم تقبل إلا في 25 أبريل 1963"، "خان، وحيد الدين، خطأ في التفسير، ص 12، 17".

2999 وحيد الدين خان

تنبّه وحيد الدين خان للتمييز بين الدين بوصفه نظامًا دستوريًا قانونيًا وسياسيًا، والذي هو مظهرٌ للدين وحيثيةٌ إضافية، وبين الدين بوصفه علاقة بين الله والإنسان، وهي الحيثيتهُ الأساسيةُ التي أهملها المودودي، يقول وحيد الدين في بيان ذلك: "الأصل في الدين هو كونه عنوان العلاقة بين الرب وعبده. إن الدين ليس محض نظام دستوري قانوني وسياسي، على غرار سائر الأنظمة الدنيوية، بل هو مظهر العلاقة النفسية للعبد مع الله. إن الدين عند تنفيذه يشمل عناصر كثيرة، يمكن أن يطلق على مجموعتها بأنها (نظام الحياة)، ولكن هذا مظهر من مظاهر الدين، وحقيقة من حقائقه. إنها حيثية إضافية من حيثيات الدين، وليست هي الحيثية الأساسية... إن جميع هذه الأخطاء قد وقع فيها التفسير الآنف الذكر للإسلام. لقد جعل هذا التفسير النظام محور التصور الديني وحكمته الجامعة، ولذلك أصبح (النظام) الحيثية الأولى للإسلام في هذا التفسير، فلم يعد بالإمكان فهم الإسلام إلا في ضوء النظام"، "خان، وحيد الدين، خطأ في التفسير، ص 127 – 128".

وضع فهمُ الدين الذي نضجَ لدى وحيد الدين خان تفكيرَه في طريق مستقل مغاير لتفكير المودودي وجماعته. بعد أن طلّق وحيد الدين الفكر السياسي للمودودي، رحلَ إلى فضاء أرحب في فهمه للدين وحدود رسالته، وتفسيره للقرآن والسُّنة، كما انعكس ذلك بوضوح على نوع كتاباته في السنوات اللاحقة من حياته الطويلة التي امتدت إلى العام الماضي.

اكتشف وحيد الدين طريقًا أدرك فيه الحاجة الماسة إلى إعادة بناء التفكير الكلامي، ففي عام 1964 أوضح في مقدمة كتابه: "الإسلام يتحدّى" المسوغات التي دعته لتأليف كتابه هذا، فشدّد على ضرورة التحرّر من منهج علم الكلام القديم، لأن "طريقة الكلام وأسلوبه قد تغيرا بتغير الزمن، ولذلك علينا أن نأتي بعلم كلام جديد لمواجهة تحدّي العصر الحديث"، "خان، وحيد الدين، الإسلام يتحدّى: مدخل علمي للإيمان، تعريب: ظفر الإسلام خان، مراجعة، وتحقيق، عبدالصبور شاهين، الكويت، دار البحوث العلمية، ط 6، 1981، ص 24". لكن كتابه هذا لم يكن سوى محاولة للتوفيق بين الدين والعلم، والتمسك بشيء من مكاسب العلوم الطبيعية في الاستدلال على وجود الله. ولم يفلح في استبصار أُفق بديل للتفكير خارجَ الكلام القديم، ولم نرَ فيه ضوءًا يدلّنا على قول جديد في الوحي، أو ما يكشف عن محاولة شجاعة لبناء أسس كلام جديد.

وبعد ذلك بسبعة أعوام أصدر وحيد الدين خان كتابه الكلامي الثاني "الدين في مواجهة العلم"، "نقل هذا الكتاب إلى العربية نجل المؤلف ظفر الإسلام خان، ونشرته دار الاعتصام بالقاهرة سنة 1972". وأردفه بعد مدة بمقالة أعدّها بعنوان: "نحو علم كلام جديد"، ألقاها في ندوة "تجديد الفكر الإسلامي" التي عقدتها الجامعة الملّية الإسلامية بدلهي في 27 ديسمبر 1976، "نقل هذه الدراسة إلى العربية: ظفر الإسلام خان، ونشرتها دار النفائس في بيروت، في كتاب يضمّ مجموعات دراسات أخرى للمؤلف بعنوان "الإسلام والعصر الحديث" سنة 1983م".

حاول وحيد الدين خان محاكاة ما بدأه محمد إقبال شكليًا في "تجديد التفكير الديني في الإسلام"، لكن كتاب "الإسلام يتحدّى" وكتابات وحيد الدين الأخرى أخفقت في تمثل رؤى إقبال الفلسفية الحرّة في بناء علم الكلام الجديد. لبث وحيد الدين خان يفكر في إطار علم الكلام التقليدي، لذلك لا نقرأ في كتابه "الإسلام يتحدّى" أو غيره من كتاباته رؤية اجتهادية تتخطى آفاق تفكير الكلام القديم، وترتقي به للتفكير في الأُفق الرحب للكلام الجديد. على الرغم من أن كتاب "الإسلام يتحدّى" تُرجم إلى العربية ونشر قبل أكثر من أربعين عامًا، إلّا أنه لم يجد صدىً له في الدراسات الدينية حتى اليوم بالعربية.

لا ينطبق على أعمال وحيد الدين خان المعيارُ الذي وضعناه لتحديد الأساس الذي يبتني عليه علم الكلام الجديد، وكيفية التعرّف على المتكلّم الجديد، والذي يتمثّل في كون المتكلم الجديد يجتهد في إعادة بناء فهمٍ للوحي، بالشكل الذي لا يكرّر فهم مؤسّسي الفرق، وفهم المتكلّمين التقليدي.

كما لا يصحّ توصيف وحيد الدين خان بالمتكلّم الجديد، أو إدراج أعماله في علم الكلام الجديد، كذلك لا يصحّ إدراج أعمال أكثر المفكرين الذين يصنّفون خطأ لدى بعض الباحثين على علم الكلام الجديد، لأنها تكرّر الفهم التقليدي للوحي، ولا تقول شيئًا مختلفًا يخرج على تكرار اجتهادات مؤسّسي الفرق ومجتهديها.

على الرغم من الطريق المستقل في التفكير الديني الذي سعى أن يختطه وحيد الدين خان إلا أنه وقعَ تحتَ تأثير تيار أهل الحديث الذي تفشّى في الإسلام الهندي في القرن الأخير، وأحدث انسدادا في التفكير الديني. حاول وحيد الدين خان في دعوته الإصلاحية اعتماد المناهج والأدوات والمقولات التراثية ذاتها، فلبثَ كمعظم المصلحين الذين يبدؤون بدعاوى وشعارات لافتة، لكن تفكيرهم فيها سرعان ما يقع أسيرًا لمنطق التراث وأدواته ورؤيته للعالَم، فيظلون يدورون في حلقة تبدأ من التراث وتنتهي بالتراث.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

 

هاني جرجيس عيادأجمع خبراء قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات على أن التحول الرقمي هو الأساس الذي تعتمد عليه الدولة في تطبيق فكر "الجمهورية الجديدة"، وهو ما تم رصده من خلال توجهات الحكومة خلال السنوات الأخيرة في تطبيق الحلول التكنولوجية في كافة قطاعات ومشروعات الدولة.

وأكد الخبراء، أن تطبيق هذا الفكر يرجع في المقام الأول إلى وعي القيادة السياسية، وقدرة الحكومة على تطبيق التحول الذكي في الخدمات الحكومية والتعاملات الخاصة بالمواطنين، فضلا عن وجود شركات مصرية واعدة قادرة على توفير أفضل الحلول والمنتجات التكنولوجية التي تخدم توجه الدولة في تطبيق مفهوم "الجمهورية الجديدة".

إن هذا الفكر يرتكز على نمط جديد تعتمد عليه الجهات الحكومية فيما يتم تقديمه من خدمات للمواطنين، على أن تكون أدوات ونظم تكنولوجيا المعلومات ووسائل الاتصالات هي العامل المشترك في كل ما يتم إتاحته من خدمات حكومية سواء في خدمات النقل أو الطرق أو الإسكان أو الصناعة أو الزراعة وغيرها من قطاعات الدولة المختلفة، الأمر الذي يتطلب بنية تحتية قوية تتحمل أعباء هذا التغير نحو نهضة وتنمية المجتمع المصري.

تماشيا مع رؤية مصر 2030 واستراتيجية مصر لتحقيق التحول الرقمي، شرعت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في بناء مصر الرقمية. وتمثل مصر الرقمية رؤية وخطة شاملة وتعد بمثابة حجر الأساس لتحويل مصر إلى مجتمع رقمي. وللبدء في هذا التحول إلى مجتمع رقمي وبناء اقتصاد رقمي قوي، يرتكز بناء مصر الرقمية على ثلاثة محاور أساسية، وهي التحول الرقمي، والمهارات والوظائف الرقمية، والإبداع الرقمي وتعتمد هذه المحاور على أسس هامة، وهي تطوير البنية التحتية الرقمية وتوفير الإطار التشريعي التنظيمي.

إن الدعم المباشر الموجه من الرئيس عبدالفتاح السيسي، والخطة التي تقوم عليها الحكومة المصرية، يمثلان حافزا كبيرا لمزيد من التطور التكنولوجي وخدمات الاتصالات مع بداية الجمهورية الجديدة، كما تساعد تلك الجهود في تعزيز مكانة مصر على خريطة صناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، وتمكين قطاعات الدولة من تحقيق التحول الرقمي، والمساهمة في تحقيق النمو الاقتصادي، بالإضافة إلى بناء قاعدة عريضة من الكوادر التقنية القادرة على تنفيذ المشروعات القومية الكبرى.

وكانت أزمة كورونا أكبر دليل على مدى التطور الذي شهدته خدمات الاتصالات في السنوات الأخيرة، حسب تصريح رئيس القطاع المؤسسي بشركة اتصالات مصر، حيث استطاعت شركات الاتصالات استيعاب حجم النمو الكبير في الاستهلاك والضغط على الشبكات خلال الجائحة والحجر المنزلي الذي تطلب وجود اتصالات وإنترنت بكفاءة عالية لإتمام الأعمال من المنزل، وكذلك الدراسة، بالإضافة للترفيه، ويرجع ذلك بسبب حجم الاستثمارات الكبيرة التي ضختها الشركات على مدار الفترة الماضية، وتحديدا شركة اتصالات مصر، والتي تضخ سنويا بين 4.5 مليار جنيه وحتى 5.5 مليار جنيه تم تخصيصها لعام 2021 لمزيد من التوسع في تطوير الشبكات بما يتناسب مع التوجه الجديد للدولة.

سيكون مدى ذكاء وتعاظم الدول في بناء وإدارة وتشغيل الحكومات والبنى التحتية والأعمال مبني على التحول الرقمي والذي يعتبر أحد أهم العوامل التي تحدد مستقبل شعوبها. فالقادة يتطلعون إلى تحسين الكفاءات وتقليل الإنفاق وتطبيق الخدمات الجديدة بسرعة ومرونة. هناك إمكانات ضخمة في الشرق الأوسط لبناء مجتمعات فعالة وتنافسية ومستدامة عبر التحول الرقمي، والذي سيعمل أيضا على تحقيق تغيير جذري في خدمات المواطنين وفي مجالات متعددة مثل الصحة والتعليم والسلامة والأمن والتي ستحقق بإذن الله رضا المواطنين وراحتهم.  كما يساهم التحول الرقمي في تحول أساليب العمل في العديد من القطاعات، كالنفط والغاز والخدمات المصرفية وتجارة التجزئة والسياحة والصناعات التحويلية إلى أساليب حديثة يمكن أن تخلق فرص عمل جديدة ومبتكرة لتكون مساهمة في النمو الاقتصادي الكبير.

 

أ. د. هاني جرجس عياد

عميد كلية العلوم السياسية جامعة سليمان الدولية

 

 

محمود محمد علييقال في الأمثال الأسد يمرض ولا يلقى حتفه، ويرجع أشد من الماضي، وكلمة الريمونتادا La Remontada كلمة إسبانية وتعني «العودة» أو «الرُّجُوع»، وهو يعني كذلك على الارجح المصطلح الذي كان متعارف عليه بوصف الانتعاش والرجوع في أعقاب الهزيمة هو المصطلح الإنجليزي "الكام باك" أو "come back" وهو نفس معنى الريمونتادا.

وقد كانت تلك الكلمة "ريمونتادا" تُستخدم في الحروب والمعارك، وقد تم استخدامها في الفترة بين القرن 16 والقرن 19، وذلك لوصف المعارك الاهلية وثورات الاستقلال التي قام بها كل من اقليم الباسك والكاتالونيا نتيجة لـ محاولتهم بصورة متواصلة الاستقلال عن حكم الملك الإسباني وتكوين حكمهم الذاتي، وهذا نتيجة لـ استنفاذ الملك لخيرات وموارد الإقليمين.

لقد كانت كلمة "ريمونتادا" مشهورة بقوة في هذا الوقت نتيجة لـ كثرة المعارك بين ثوار إسبانيا ومجموعات جنود الملك، وبعد أنّ استقرت الحروب الأهلية الإسبانية قل استعمال الكلمة لمدة من الزمان.

وبعد مرحلة عظيمة من توقف الحروب الأهلية في إسبانيا أعاد الأدباء كلمة "ريمونتادا" للحياة مرة ثانية، حيث استخدمها الأدباء في وصفهم للمعارك الملحمية والتي تمَكّن طرف الانتصار على الآخر وهزمه هزيمة ساحقة، ولم يكن متوقع ذلك الانتصار.

بعد انقضاء تلك الفترة  صارت كلمة ” ريمونتادا ” كلمة أدبية، حيث صارت مستخدمة في الادب اللاتيني وظهرت في كتابات ” بابلو نيرودا ”، ” بيدرو الكورون ”، ” غابريال ميرو ” عند قيامهم بوصف المعارك الدامية التي حقق فيها أحد الأطراف انتصاراً لم يكن متوقعاً .

ثم سرعان ما انتقل المصطلح من ميدان الحروب إلى ساحة كرة القدم فأضحي يُستخدمُ على نطاقٍ واسعٍ في إسبانيا مُنذ خمسينيات القرن العشرين، في كرة القدم، وهو يُشير إلى فوز غير متوقع أو نتيجة غير متوقعة بشكلٍ خاصٍّ أو قلب نتيجة المباراة في وقت قياسي، في حال كان الفريق متأخرا في النتيجة، لكنه يرجع أو يتعافى فيقلب الطاولة والأمور على خصمه ليحقق نتيجة الفوز.

وقد أفادت تقارير إعلامية فرنسية، بأن كلمة "ريمونتادا"، ستدخل معجم "لاروس" الفرنسي الشهير بحلول العام 2021.

وقد أصبح هذا المُصطلح مَشهُورًا دوليًا منذ 2017، بعدما قلب برشلونة الطاولة على باريس سان جيرمان في مسابقة دوري أبطال أوروبا لموسم 2016/2017.

كما انتشر مصطلح "ريمونتادا" بشكل واسع لاحقا، بعد خروج برشلونة من مسابقة دوري أبطال أوروبا في موسم 2017/2018 و2018/2019.

ومن أشهر مباريات الريمونتادا في تاريخ دوري أبطال اوروبا:

1 – مباراة برشلونة أمام باريس سان جرمان:

أحدى أشهر مباريات الريمونتادا التي حدثت خلال هذا العام، وعلى الرغم من خروج برشلونة بعدها من الدوري على يد يوفينتوس، إلا أن ذلك لم يمحي أثر هذه المباراة العظيمة التي قلبت الموازين .

حقق فريق باريس في مباراة الذهاب فوزاً عظيماً، فقد أحرز أربعة أهداف جعلته متيقناً من فوزه في المباراة، ولكن لسوء حظه استطاع فريق برشلونه خلال مباراة العودة من إحراز هدف مبكر تبعه بهدفين آخرين خلال الشوط الأول، ثم قام فريق باريس خلال الشوط الثاني بإحراز هدف مما جعل الامر صعباً على برشلونة، فقد كان عليهم تسجيل ثلاثة أهداف للصعود للدوري .

بالفعل تمكن فريق البارسا من تحقيق ثلاثة أهداف، فأصبحت النتيجة ستة أهداف مقابل هدف، والتي أهلتهم للصعود، مما جعل الأمر أشبه بالمعجزة التي مكنتهم من تحقيق الفوز خلال اللحظات الأخيرة .

2 – مباراة موناكو أمام ريال مدريد:

كان فريق موناكو خلال دوري أبطال أوروبا لعام 2004 يتمتع بأزهى مراحله، حيث استطاع الوصول إلى الدور ربع النهائي ليواجه واحد من أقوى فرق العالم وهو نادي ريال مدريد، الذي حصل على البطولة تسع مرات من قبل، وكان الجميع يتوقع فوزه باللقب هذه المرة أيضاً .

قام ريال مدريد خلال المباراة الأولى بتسجيل أربعة أهداف مقابل هدفين فقط لموناكو، واستمر في تسجيل المزيد من الأهداف خلال المباراة الثانية لتصبح النتيجة 5 – 2، ولكن خلال الدقائق الأخيرة تمكن فريق موناكو من إحراز ثلاثة أهداف ليحقق التعادل مع الريال، ويتأهل للصعود لتكون بذلك مفاجأة مذهلة للجميع .

3 – مباراة مانشستر يونايتد ضد اليوفي:

مر فريق مانشستر يونايتد بفترة صعبة تمكن بعدها من العودة بقوة ليتزعم فرق أوروبا، حيث حاز خلال موسم 1999 بكأس الإتحاد الإنجليزي، و الدوري الإنجليزي، و دوري أبطال أوروبا، وتُعتبر مباراته أمام فريق اليوفي أحدى المباريات القوية التي قلب فيها الموازين لصالحه .

قامت المواجهة الأولى في انجلترا والتي انتهت بالتعادل بهدف مقابل هدف، مما جعل المهمة سهلة بالنسبة لفريق اليوفي خلال المباراة الثانية والتي قامت على أرضهم، فقد كان يكفيهم تحقيق التعادل فقط للصعود، وبالفعل حققوا هدفين مقابل لا شئ من المانشستر.

بعد عدة دقائق استطاع فريق المانشستر تحقيق المعجزه، فقد قام بتسجيل ثلاثة أهداف متتابعة قلبت الطاولة لصالحه و جعلته يصعد للنهائي، ثم تمكن من الفوز باللقب ضد بايرن ميونخ على ملعب كامب نو .

4 – مباراة ديبورتيفو أمام ميلان:

تمكن فريق ديبورتيفو خلال موسم 2003 – 2004 لدوري أبطال أوروبا من الوصول إلى نصف النهائي وذلك بعد إطاحته لفريق يوفينتوس في دور الستة عشر، وكذلك فريق اسي ميلان الذي كان يُعتبر من أفضل فرق أوروبا في ذلك الوقت .

كان من المتوقع أن الفوز سيكون من نصيب ميلان خاصةً بعد تمكُّنه من إحراز أربعة أهداف خلال المباراة الأولى مقابل هدف واحد فقط من فريق ديبورتيفو، مما جعل فكرة فوز ديبورتيفو شبه مستحيلة ولكن حدثت الصدمة خلال مباراة العودة حيث تمكن فريق ديبورتيفو من إحراز أربعة أهداف ضد ميلان جعلته يفوز ويتأهل لنصف النهائي.

5 – مباراة تشيلسي أمام نابولي:

مر فريق تشيلسي خلال عام 2012 بفترة سيئة خاصةً بعد اقالة مدربه نتيجة سوء النتائج، حيث أجتاز الدوري في المركز السادس بصعوبة، ولكن حدثت بعض التغييرات عقب تغيير المدرب وتمكن تشيلسي خلال هذا الموسم من تحقيق نجاح غير مسبوق للنادي .

لعب تشيلسي خلال دور الستة عشر من دوري أبطال اوروبا أمام فريق نابولي الإيطالي، وانتهت مباراة الذهاب بينهما بفوز فريق نابولي بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد لتشيلسي، ولكن مع بداية مباراة العودة أحرز فريق تشيلسي هدفين خلال الدقائق الأولى ليحقق التعادل، ثم قام نابولي بتسجيل هدف مما جعل أمر فوز تشيلسي صعباً للغاية .

لم يمر الكثير من الوقت حتى استطاع تشيلسي إحراز الهدف الثالث من خلال ركلة جزاء، وتبعه الهدف الرابع الذي حسم المباراة لصالح تشيلسي، ليتمكن بعد ذلك من التأهل لنهائي دور أبطال أوروبا التي فاز فيها باللقب ليحقق أحد أهم انجازاته في التاريخ .

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط

 

الطيب النقركان العصر العباسي عصراً عضّ على قارحة من الكمال في العلوم والأدب، فلقد تهيأت له من الأسباب والوسائل ما لم تتوفر لعصر قبله، لأجل ذلك لم يبرأ من ترهات الأراجيف، عصر أوغل فلاسفته ومفكريه في دراسة شتي العلوم قديمها وحديثها كل الإيغال حتى تعمقوا في أغوار الفكر والشعور، وبقى صدى صوتهم الدافئ يرن في أعطاف الأزمان، عصر ازدهرت فيه الحياة العقلية و”تلاقت في حواضره الإسلامية شتى الثقافات التي تمثل حضارات الأمم العريقة في العلم والثقافة؛ وأخذ خلفائه الذين خضعت لهم الرقاب، يشجعون الحركة العلمية في شتى جوانبها، ويضفون عليها ظلال رعايتهم وتشجيعهم، كما كانوا يبالغون في إكرام الأدباء والعلماء ويجالسونهم ويقربونهم إليهم، وصار العلم والأدب وسيلة إلي المناصب العالية، والنفوذ والجاه؛ وكان كل من نبغ في العلم، أو شهر بالأدب ترفع منزلته، ويتنافس العظماء في تكريمه، كما يتنافسون في إنشاء دور العلم، وترجمة الكتب إلي العربية من مختلف اللغات”، نعم لقد كان حقاً عصراً صقله العلم، وشمله التمدن، ولم يترك بيتا نادراً، ولا نسيباً سائراً، ولا شعراً فاخراً، إلا حواه ودونه، عصر حفل بالأذهان الخصبة، والقرائح الموهوبة التي أيقظت رواقد العبقرية، وفجرت ينبوع الإبداع، الذي ما زال يلهمنا ويسقينا، عصر أيقن فيه أرباب البصائر”أن الدنيا لا تأتي من غير طريق الكفاية، وأن كل عزّ لم يؤكد بعلم فإلي ذل يؤول، فاكّبوا على التأدب، وحرص أرباب اليسار على تثقيف أبنائهم، وكان إذا تفرس رب البيت في ولده ذكاء جاءه بالمؤدبين يلقنونه ما تشتهي نفسه من الآداب، ولذا أصبح التعليم صناعة، وحسن عيش المؤدبين؛ وغدا التأديب –كما أسلفت من قبل-طريقاً إلي المجد والسؤدد”.

في ذلك العصر الذي اشتدت فيه قبضة العرب على مقاليد الحضارة وسلكوا فيه سلوك الأمم المتمدنة في التدوين”حين انبثوا بفضل الإسلام في الممالك التي فتحوها واكتسبوا بالمعاشرة والمصاهرة روحاً جديدا،ً ظهر أثره في الخطب والرسائل والمحاورات، حتى يمكننا من غير مغالاة أن ندعي أن”: الفتح والملك أعطاهم من قوة الملاحظة ودقة التفكير ما لم يعطهم القرآن وحده لو ظلوا محصورين في أرجاء الجزيرة العربية”. ولعلي لا أجنح بعيدا عن شط الحقيقة، إذا زعمت أن العصر العباسي برمته كان عصر ترجمة وثقافة وذلك لانصهار كل تلك الحضارات والثقافات المتعددة في بوتقة واحدة، تواكب الرقي وتساير التطور، بوتقة امتزجت فيها خلاصة الحضارات العريقة، ولعل من مزايا هذا الاحتكاك والتمازج بين العرب وغيرهم من الشعوب المسلمة والثقافات الأجنبية الوافدة، أنه أثرى الأدب والعقل في”عصر الجاحظ بما تُرجِمَ من فلسفة اليونان ومنطقهم، فقد صبغا عقلية الأدباء والشعراء بآثارهما العميقة في التفكير والمعاني، وطرافة التقسيم والخيال، كما أثرى كذلك بالمترجم إلي العربية من قصص الهند وأدب الفرس″. والحقيقة التي يجب عليّ بسطها في هذا المقام أن العرب لم يكونوا متلقيين فقط لهذا الكم الهائل من العلوم دون أن يضفوا عليه شيئاً من سمتهم الرزين ويضيفوا عليه قبساً من قريحتهم الجياشة، و”إنما كانوا إيجابيين في تعاملهم معها، ومن ثم صبغُوها بالصبغة الإسلامية، وأخضعوها لأيديولوجية الإسلام، حتى صارت هذه العلوم في نهاية المطاف علوماً إسلامية”.

 

الطيب النقر

 

محمد كريم ابراهيمليس هناك شيء افضل من اخذ إجازة من العمل، والاسترخاء في احد شواطئ جزيرة باهاماس، وعدم فعل أي شيء. مع وجود كميات وفيرة من الشراب والمكسرات والسندويشات بمتناول اليد، وفي اليسار امرأة احلامك التي تناديها زوجتك، هذه هي فعلًا قمة المتعة في الحياة والانغماس في الملذات. فهناك شيء ما يجعل الكسل جذابًا جدًا للجميع (حتى بالنسبة للحيوانات)، لعله ميكانيكية وراثية للحد من اهدار الطاقة لأفعال غير ضرورية (عدا النمو والتكاثر)، أو لعله خيارٌ شخصي لعدم التفاعل مع الأمور التافهة. مهما كانت غرابة الأسباب للكسل، فإن فلسفته أغرب من ذلك بكثير.

الكسل هو عدم القيام بفعل أشياء تتطلب جهدًا وتصدر عنها مشاعر سيئة بدائيًا، أفعال مثل تمارين الرياضة التي تُفرض على المتمرن صرف طاقة والشعور بالألم في العضلات في البداية. وهم يختلفون عن المرضى النفسيين (مثل المكتئبين) بنشاطهم في الاكل وممارسة "عمليات التكاثر" ولعب العاب الفيديو التي غالبًا يمتنع المكتئب عن فعلها. يرفض العديد منا مبدأ صرف الطاقة لحفظ طاقةٍ اكبر، أي التعب قليلًا للاستراحة طويلاً، أينما وجد هذا المبدأ سواء في المدرسة أو في العمل، ليس لأننا جهلة لا نعرف مصلحتنا المستقبلية، بل لأنه يبدو طبيعيًا للغاية التكاسل عن فعل مثل هكذا أفعال، حتى إن القيام به يجعلنا نشعر بغرابة عن ذاتنا.

هذا ما كان يفكر فيه الفيلسوف الاغريقي دايوجينيز وما يدعو إليه مذهب الكلبية – الذي أُنشئ على غرار فلسفته – إن الطبيعة هي افضل مكان يمكن ان يتواجد فيه الانسان، وعلى الانسان أن يتجرد من جميع قيم المجتمعية الزائفة سواء معنوية مثل اخلاقيات والشرف والفخر أو المادية كالمال والبيت والملبس، ويرجع الى ما كان عليه الانسان البدائي الذي عاش بتناغم مع بيئته، نام حيث ما شاء، اصطاد عندما جاع، وارتحل حينما ضاق عليه المكان. أما غالبية الأوقات فيقضيه في كسل تام مرتاحًا تحت ظل شجرة منتظرًا وجبته القادمة، لا عمل، لا تفكير، لا أحد.

كان الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (1844–1900) مطلعًا جدًا على الفلسفة الاغريقية (في الواقع، كان يُدرسه في جامعة باسيل بعمر 24 سنة)، وكان معجبًا بدايوجينيز الى درجة انه وضعه كأحد الشخصيات البطولية في كتابه العلم المرح، وقد حاول نيتشه العيش ضمن مذهب الكلبية حيث ترك وظيفته كمدرس جامعي وعاش وحيدًا مرتحلًا بين هنا وهناك. إلا إنه كره شيئًا واحدًا عن الكلبية وهو الكسل، ولفهم السبب علينا أن ندرس تطور الرجل عند نيتشه. حيث ينقسم الرجل الى قسمين:

1- الرجل الخارق (سوبرمان): إنه رجل الذي عنده العديد من الأهداف والطموحات في هذه الحياة، إنه رجل الأفعال يحقق الكثير لنفسه، إنه رجل يحتكم الى عواطفه أولًا (داينوسي) والى غريزته بدلاً من التفكير والاحتكام الى العقل أولًا (ابولي)، إنه رجل لا يقلق بالمستقبل البعيد ولا الماضي الذي مضى لأنه يعيش اللحظات فقط، إنه رجل محارب لا يتنازل عن حقوقه ببساطة، إنه رجل شرس لا يهمه معايير المجتمع واخلاقيات الانسان ومبادئ الحضارة ان اصبحت عائقًا في طريق احلامه، إنه رجل نشط لا يرضيه القليل ولا يقتنع بالحاضر. هذه الاحلام والاهداف التي يملكها هي دنيوية وبسيطة مثل اشهى الأطعمة وافضل النساء والسعي وراء الثروات المادية والشهرة والرتب الاجتماعية.

2- الرجل الأخير: هذا النوع من الرجال هو نسخة معاكسة للرجل الخارق، فهو رجل عدمي لا يملك قيم ومعاني للحياة، وهو رجل كسول بمعنى الكلمة وخامل الى درجة، كل همه هو النمو والتكاثر (الاكل والجنس) والنوم والراحة، لا يستطيع ان يتطور إلى شيء عظيم ولا يمكنه الاستكشاف والمغامرة من اجل شعور جديد، لا يخاطر للمزيد وراضي بالقليل، بالكاد يتحرك من مكانه الى مكان اخر، لا الموت يخوفهُ ولا الحياة يثيره.

اعتقدَ نيتشه إن المجتمعات الغربية متوجهة نحو مساعي الرجل الأخير تاركاً الرجل الخارق في الماضي بعد بلوغ تلك الأهداف، أي بعد أن يبلغ الانسان مراده يبدأ بالخمول والعزوف عن الحياة، وهو ما تذهب اليه الحضارات بالفعل حيث إننا مع كل اكتشاف علمي جديد واختراعات آلية جديدة نكسب لأنفسنا المزيد من الوقت للراحة والاسترخاء بدلا من العمل، وستستمر هذه تطورات التقنية حتى نصل الى مرحلة عدم القيام بأي عمل واشباع حاجاتنا ورغباتنا بضغطة زر واحدة دون القيام من الفراش، نتحول حينها من الرجل الخارق الى الرجل الأخير، فنتكاسل عن الحياة ومعانيها وقيمها. إذًا، ما تحتاجه هذه المجتمعات الآن التي هي في طريقها نحو الرجل الأخير هو رسول ينذرهم عن منتهى غايتهم ثم يبشرهم بحياة أفضل حينما يتبعون مبادئ الرجل الخارق، هذا هو جوهر كتاب نيتشه (هكذا تكلم زاردشت) الذي جعل فيه زاردشت ذلك الرسول.

 

بالإضافة الى ذلك، واحدة من أسباب التي جعلت نيتشه يكره الكسل هو ارتباطه بالعبيد، أخلاق العبيد تحديدًا. القناعة والرضى بسوء الحال والفقر المادي لم يكن مفضلاً عند نيتشه، هؤلاء الذين قنطوا من الحياة وسافرت ارواحهم الى العالم الاخر ولا يطمحون فيها الا البقاء على قيد الحياة لإعادة نفس الروتين في الغد: الاكل، العمل، الجنس، والنوم. النشاط والمغامرات والسعي وراء الاحلام والاهداف وعمل شيء مفيد هو من صفات الأغنياء أو الأسياد كما سماهم نيتشه، وبما إن الفقراء لا يستطيعون فعل ذلك وأخذ معنى من الحياة وقيم مفيدة منها فهم يلجئون الى التقليل من شأن تلك الأهداف والاحلام والاعمال، فكل ما يقدرهُ الغني ويراه قيمًا يسقطهُ الفقير والعبيد، مثل قيمة المال الذي يراه الغني مهمًا بينما ينظر اليه الفقير كأساس الشر ليقنع نفسه بالقليل منه، ويستمر هكذا إلى أن يفقد الفقير (العبيد) كل قيم الحياة الحقيقية (ما عدا الأساسيات مثل الاكل والجنس) ويصبح كسولًا وخمولًا لان لا شيء يحفزه للقيام من سريره بعد ذلك.

نلاحظ إن الرجل الخارق يمثل مرحلة العمل والطموح والكون في خضم تحقيق الاحلام، وإن الرجل الأخير يمثل مرحلة ما بعد إنجاز العمل وتحقيق الاحلام. هذا يعني إن الإنسان يكون رجلًا خارقًا بالنسبة لنيتشه عندما يكون مشغولًا في تحقيق أحلامه وفورما  يتحقق ذلك الحلم او الهدف يتحول حينه الى الرجل الأخير. وطالما هو مشغول في حلم ما مضحيًا راحته ودافعًا ثمن ذلك الحلم بالمشاعر البدائية السيئة كالألم فهو بخير. وحالما ينفذ أحلامه وينتهي أهدافه ويتلاشى معاني الحياة الحقيقية يصبح مباشرةً خاملًا وبعدها يبدأ بالبحث عن معاني وهمية للحياة مثل الدين في نظر نيتشه. يجب إذًا أن يشغل الانسان نفسه بأهداف أخرى جديدة حينما يحقق تلك الأهداف، شرط أن تكون هذه الاحلام والاهداف مرتبطة بالواقع ومفيدة للفرد.

لم يكن الفرد فقط الذي يقلق نيتشه من الانهيار والوقوع في فخ الكسل والخمول، بل الحضارات بأكملها، خصوصًا حضارات الغربية الأوروبية التي كانت في القرن الذي عاش فيه نيتشه في قمة الثورة الصناعية وتطورات التقنية مما جعل الانسان المعاصر اكثر راحةً من سابقه. رؤيا نيتشه لهذه الحضارات أمست مهولة بعد إن فهم قيمهم الشهوانية قصيرة المدى، الشيء الذي كانوا يمجدوه هو المزيد من الوقت لهم من اجل الكسل والراحة:

" أعطينا هذا الرجل الأخير يا زاردشت " يقول أهالي قرية التي كان يحذرهم الرسول زاردشت من سوء مصيرهم إذا استمروا على نفس المبادئ، " حولنا إلى هذا الرجل الأخير، وبعدها نقدم لك الرجل الخارق كهدية ". – من كتاب هكذا تكلم زاردشت

نحن نعيش في عصرٍ يعدُ مقدمةً لكابوس نيتشه، السيارات وطعام توصيلة والواقع افتراضي جميعها قادتنا نحو الركود والخمول، ومع التقدم العلمي باتت كل القيم والمبادئ ومعاني الحياة في خطر شديد، والعدمية تجول في كل مكان. هل سوف نستوعب أخيرًا ماذا يحدث ونغير من مسارنا نحو القيم العليا؟ أم سوف نبقى على طبيعتنا حتى نشبع رغباتنا ثم نقعد متربعين، خمولين، وكسولين إلى الموت؟ القرار لنا، لا نيتشه ولا رسوله زاردشت يجبرنا على التغيير.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

 

منى زيتونفي هذا المقال لا أنوي مناقشة التعاطف من منطلق بيولوجي عصبي، فالخلايا العصبية المرآوية لا تعنيني الآن، كما لن أناقشه من منظور نفسي لأحلل مستوياته، بل سيكون نقاشي للتعاطف من منظور اجتماعي بحت.

فإن جاز أن أستخدم تعبيرًا لوصف سلوك الشعب المصري المبني على التعاطف، فأنا أزعم أنه ‏يمكنني وصف الحال بأن هناك خللًا عظيمًا في بوصلة المصريين يؤدي بهم للتعاطف مع الجهة ‏الخاطئة؛ الجهة التي تجيد التأثير عليهم والتباكي وإظهار الضعف.

إشكالية تعريف التعاطف  empathy

بدايةً فإنه توجد إشكالية في تحديد مفهوم التعاطف، فرغم أن المفهوم يبدو بديهيًا إلا أن التعبير عمّا يقصد يختلف في الأدبيات المختلفة، وحتى بين العامة.

- هناك من يُعرِّف التعاطف على أنه فهم شعور الآخرين، وهو تعريف غير صحيح، فكوني أفهم ما تشعر به لا يعني أنني أتعاطف معك. والاستماع والفهم يجيده المحللون النفسيون كمهمة أساسية في وظيفتهم.

- كما أن التعاطف ليس أن أضع نفسي محل أحد، فوضع نفسي محل أحد يساعدني في فهم الأمور من وجهة نظره، ولا يعني بالضرورة تعاطفي معه.

- كما ولا أراه استجابة لمشاعر الآخرين، فالاستجابة للمشاعر ليست بالضرورة تعاطفًا، والمحبون يستجيبون عاطفيًا لمشاعر محبيهم، وهذا ليس ناتجًا عن تعاطف. كما أن الاستجابات الانفعالية تتعدد، وليس بالضرورة أن تكون كلها ودودة.

- كذلك فإن تعريف التعاطف على أنه الشعور بما يشعر به الآخرون هو تعريف غير إجرائي، فما الذي يدل على أنني أشعر بما تشعر به؟

ويمكنني تعريف التعاطف على أنه إظهار التقدير لشعور الآخرين؛ فأنا أتعاطف معك عندما أظهر لك أنني أقدر تقديرًا حقيقيًا ما تمر به، وليس بأن أسمعك أو أضع نفسي محلك أو أظهر استجابة -حتى لو كانت ودودة- لمشاعرك.

كيف توجد مشكلة خاصة بالتعاطف في المجتمع المصري وربما العربي؟

في مجتمعنا عندما يُظلم الغني قد يجد من ينصفه لقوته ومعارفه، ولكنه لا يجد من يتعاطف معه! وعندما نستمع إلى حقوقيين نجد أن نسبة كبيرة من حديثهم ينصب على نصرة حقوق الضعفاء، والمفترض أن يكون همهم نصرة الحق لأنه حق، وليس نصرة الضعفاء كونهم ضعفاء؛ لأن كونهم ضعفاء لا يجعل الحق معهم بالضرورة.

وربما كان الضعيف أولى بالفعل بالتعاطف من القوي، لكن هذا شريطة أن يكون الحق معه، أما التعاطف مع الطرف الضعيف كونه ضعيفًا فهي فكرة بلهاء يعتنقها أصحاب التفكير العاطفي، وسيادتها في مجتمعنا أحد أسباب تخلفه. ‏ولا أمل في انتشال هذا الشعب من الأوضاع المزرية التي يقبع فيها ما لم يتعلم أفراده التفكير المنطقي، ويكفوا عن إطلاق مشاعرهم دون رابط.

ينبغي أن يتعلم المصريون أن التعاطف يكون مع القيم، وليس مع الأفراد؛ فالتعاطف مع ‏العدل وضد الظلم أيًا كان المظلوم، غني أو فقير، قوي أو ضعيف. لأنه ببساطة قد يكون ‏الضعيف هو من عليه الحق.‏

يقول تعالى: ‏﴿‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا‏﴾‏ [النساء: 135].

وسأضرب أمثلة حية شاهدتها وقرأتها، كان التعاطف الخاطئ فيها حاضرًا مع الطرف الذي ليس الحق في جانبه لأنه الطرف الأضعف!

التعاطف مع الطرف الأضعف في حوادث الطرق!

هل حدث وشاهدت حادثة مرورية في مصر؟ أنصحك إن كنت غريبًا ألّا تفوت هذه الفرصة الثمينة عندما تشاهدها، وأن تترجّل من مركبتك وتنزل لتتابع ردود أفعال الناس حولها، فهذه تجربة يصعب أن تشاهد مثيلًا لها في العالم بأسره.

في مصر، ستجد أن هدف المتجمهرين حول الحادثة يتلخص في محاولة الإصلاح بين الطرفين لأجل توسعة الطريق –وهذا جميل-، ثم وضع الحق على الطرف الأغنى وقد يصل الحال إلى محاولة الحصول منه على تعويض للفقير الذي قد يكون هو من تسبب في الكارثة! وقد يساعد بعضهم الطرف الأضعف في الإفلات والهرب بسيارته سريعًا قبل حضور المرور وإثبات الحالة، خاصة لو كان سائق سيارة أجرة يترزق منها، رغم إدراك الجميع أنه سبب المصيبة الحادثة.

منذ أعوام كنت شاهد عيان على واقعة تسبب فيها عامل توصيل طلبات على دراجة نارية في أزمة بجانب طريق المطار، ووفقًا لشاهد عيان آخر لم تفته لحظة بداية الحادثة، فقد ارتطمت يد دراجة العامل من شدة سرعته بمرآة إحدى السيارت التي كانت تركن على جانب الطريق، فطار في جهة وطارت دراجته في جهة وتبعثر ما كان يحمله في الطريق، ولولا رحمة الله وتدارك جميع السائقين الأمر بكبح سياراتهم لحدثت كارثة، وكان صوت كبح (فرملة) كل تلك السيارات مجتمعة  في لحظة واحدة يصم الآذان، ولكن لم يخل الأمر من تصادم بعض السيارات ببعضها.

ورغم شهادة من تصادف وقوفهم على الطريق جميعهم بأن العامل هو المخطئ، فلم يعدم هذا العامل من حاول الدفاع عنه ومحاولة تحميل المسئولية لغيره، لكن يبدو أن عظم المصيبة التي تسبب فيها، وتخيل ما كان يمكن أن تتضاعف إليه، قد أفقده تعاطف كثيرين؛ فهبّوا في وجه الغبي الذي تعاطف معه.

ومن الصواب القول إن هذا العامل قد تضرر كثيرًا، وربما كان أكثر المتضررين في المشهد قياسًا بإمكانياته المحدودة، لكن كيف يمكن لعاقل أن يبرر له ويتعاطف معه، وقد كادت أن تحدث كارثة إنسانية من جراء فعلته؟!

التعاطف مع القاتل والمغتصب!

وصل مستوى الخرفشة العقلية لدى بعضهم إلى حد التعاطف مع القتلة والمغتصبين عند صدور حكم بالإعدام عليهم!

فمنذ عدة سنوات عُرِض مسلسل اسمه "قضية رأي عام"، دارت حوادثه حول مجموعة من الشباب الطائش قاموا بمطاردة وإيقاف سيارة بها دكتورة وممرضة وأخريات من الطاقم الطبي كُن في طريقهن لإسعاف مريض، واغتصبوهن، ثم إن المعتدى عليهن لم يسكتن عن حقوقهن بل قمن بتقديم بلاغ ضد المغتصبين السفلة، وتتابعت حوادث المسلسل الذي كان يُعرض في شهر رمضان، ولم يكن قد تم الانتهاء من تصويره عندما عُرضت حلقاته الأولى.

والعجيب في الأمر أن الشباب المغتصبين قد وجدوا من تعاطف معهم من الشعب المصري، إلى الدرجة التي أجبرت طاقم العمل في المسلسل على جعل النهاية مفتوحة فلم يصدر حكم بالإعدام في نهايته كما كان مفترضًا!!

وإن أردت التأكد من وجود من يفعل سلوكًا كهذا، يكفيك تتبع مثل تلك الأخبار عن العقوبات الموقعة على القتلة والمغتصبين على مواقع التواصل الاجتماعي وقراءة التعليقات تحتها، لتقرأ تباكيًا على الجاني وعلى شبابه الضائع، ولحظة الضعف التي يستغلها المجتمع الظالم لإهدار عمره، ثم التفكر في أمر أهله وأولاده وحالهم من بعده!

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

التعاطف مع المستأجر على حساب المالك

كانت ولا زالت قضية المالك والمستأجر تشغل بال المجتمع المصري، ورغم أن أي نقاش يقوم على المنطق ينتهي بتقرير أحقية المالك في ملكه، وأن قانون الإيجارات الذي وُضع في عهد عبد الناصر قد ظلم ملّاك العقارات والأراضي بأن خلع أيديهم عن التصرف فيها وأبّدها مع تثبيت القيمة الإيجارية، إلّا أنه عندما يصير الحديث مخصصًا عن المستأجر الفلاني والعلاني ينقلب الحال ويظهر التفكير العاطفي الساذج في المشهد، ويبدأ التعاطف مع المستأجرين الذين هم في الحقيقة يغتصبون حقوق غيرهم في ملكهم.

وما أعلمه يقينًا أنه وفقًا للشريعة الإسلامية فإن العقد الذي لا يرضى كلا الطرفين به هو عقد باطل، واستدامة عقد الإيجار القديم إلى أبد الآبدين غصبًا عن المالك هو أمر غير شرعي، حتى لو تمت زيادة قيمته إلى قيمة عادلة، وهو ما لا يحدث؛ ليزيد الطين بلّة.

والأدهى أن قانون الإيجارات القديم يسمح بتوريث الشقة المستأجرة لأبناء المستأجر، ونجد من يتعاطف معهم ويتباكى عليهم ويتساءل أين يذهبون ولا يهتم لحظة بحال المالك ولا بحق أبنائه! والسؤال الهام هنا للمتعاطفين مع أبناء المستأجر: هل الشقة قد أوقفها مالكها على هذا المستأجر وأبنائه من بعده؟! ولماذا لا تؤجرون أنتم لهم أملاككم أم أنكم تتعاطفون معهم كونكم غير متضررين من أفعالهم؟!

وأعرف أسرة مكونة من زوج وزوجة، كان أبو الزوج يستأجر شقة بالقاهرة بإيجار قديم زهيد، ورغم عدم حاجته لها، فلم يزل يضع فيها بعض الأثاث ويخصص يومًا في الأسبوع للذهاب إليها وزيارة الجيران كإعلان عن تواجده الدائم بها، ثم أعطاها الرجل لابنه هذا رغم اتفاق الابن مع أهل زوجته أن ينقل مقر عمله ويعيش في مدينتهم، ولا زال الابن وزوجته يواصلان ما كان يفعله الأب، فيسافران أسبوعيًا إلى القاهرة لقضاء يوم في الشقة التي لا يحتاجونها وزيارة الجيران، وهؤلاء الجيران رغم علمهم ضمنيًا بأن هؤلاء لا يحتاجون هذه الشقة مستمرون في التعاطف والتضامن معهم وهضم حق المالك!

التعاطف مع الموظف المهمل

مشادة حضرتها بنفسي بين أستاذة جامعية وأختها تتعلق بتحصيل قيمة إيجار مخزن في منزل العائلة. والمخزن كان قد أجّره والدهما بعقد إيجار قديم –تم رفع قيمته نوعًا ما- لرجل أعمال، وهو تقريبًا مغلق لعدم حاجته إليه، ومع ذلك هو مستمر في وضع يده عليه، ولا يرسل أحدًا من العاملين عنده لأجل دفع قيمة الإيجار شهريًا. ونظرًا لعلم الورثة –الأستاذة الجامعية وباقي إخوتها- أنه لا أمل في أي إجراءات قانونية يتخذونها لإجباره على إخلاء المخزن استغلالًا لعدم اهتمامه بدفع الإيجار، يقوم أحدهم بالمرور على مقر رجل الأعمال لتحصيل الإيجار، رغم أن العكس هو المفترض.

وإضافة لما سبق فإن العاملين ‏لدى رجل الأعمال يورِّدون كل المبالغ المتحصل عليها في كل يوم صباح اليوم التالي، ومن ثم فكثيرًا ما لا تتوفر نقود عند ذهاب أحد الورثة لتحصيل الإيجار في الصباح، وهو الموعد الأنسب للورثة، ويطالبهم العاملون بالحضور في المساء! ورغم أنه قد تم لفت نظر هؤلاء الموظفين عدة مرات لضرورة حجز مبلغ الإيجار بحيث يتم أخذه منهم في صباح يوم محدد من أيام الشهر، فهم يصرون على أنهم ينسون الأمر!

ورغم أن القصة كلها مهزلة، لكن ما علاقة خلل بوصلة التعاطف إذًا؟

المشكلة الحقيقية تكمن في أن تلك الأستاذة الجامعية تتعاطف مع هؤلاء الموظفين، ولا تراهم مهملين، بل ترى أن نظام العمل عندهم لا يسمح لهم باحتجاز المال إلى اليوم التالي، وأن مطالبتهم بهذا قد يكون فيه إضرار بهم!

فهل وصل الانحدار الفكري في المجتمع المصري إلى أساتذة الجامعة؟! وهل هذه طريقة تفكير بشر يعقل ما ينطق؟ أم أن كونهم موظفين بسطاء يتناقض مع كونهم مهملين؟

ولأجل هذا التعاطف الساذج مع المهملين نعاني كمواطنين وتتعطل مصالحنا، لأن كل مهمل مهما تكرر إهماله قد أمن توقيع الجزاء عليه، لأنه لن يعدم من يتعاطف معه.

ما هي الأسباب التي تقف وراء توجيه التعاطف لمن لا يستحق؟

لا شك أن نسبة كبيرة من أفراد المجتمع لديها مهارات متدنية في التفكير، والتعليم السيء الذي يتلقونه مسئول بالأساس عن افتقاد الخريجين القدرة على التفكير الناقد، وسيادة التفكير العاطفي كما لو كانوا أفرادًا في قبيلة بدائية.

كما أن انتشار الفساد أدى إلى نوع من الحقد الطبقي ومزيد من التعاطف مع الفقراء والضعفاء، ولكنه تعاطف لا يميز الحق من الباطل كما رأينا، ولا يميز من يسرقهم ممن يطعمهم.

وأختم بأن أقول إن هؤلاء المفرطين في التعاطف مع خلل في البوصلة وتوجيهه إلى الجهة التي لا تتفق مع المنطق، يستحقون إجراء دراسات علمية جادة عليهم لفهم الكيفية الي تعمل بها أدمغتهم أثناء توليد هذا الهراء.

 

د. منى زيتون

 

 

رائد الهاشميالدبلوماسية كما هو معلوم للجميع هي جزء من العلاقات الدولية التي تربط الدول معاً، وتشمل كافّة الالتزامات المتبادلة بين كلّ دولتين تتمتعان بالاستقلال الذاتي، لتصبح الدبلوماسية جزءاً مهماً من السياسات الدولية، وأساساً من أساسات التعامل بين شعوب العالم، وطريقة للتواصل والتفاعل يستخدمها مجموعة من الأشخاص أثناء القيام بعمل ما.

وأحببت اليوم أن أركز على قضية هامة جداً وهي (الدبلوماسية الثقافية). وفي اعتقادي أنّ السبيل إلى تحقيق وفاق عالمي وتحقيق السلام في العالم يبدأ بتعزيز مكانة الثقافة في العلاقات الدوليّة.  فالدبلوماسيّة الثقافيّة هي مفتاح مهم يجب التركيز عليه لتحقيق التقارب بين الشّعوب، وهي صمّام أمان حقيقي للأمم التي تنبذ الحروب وتبحث عن السّلام لشعوبها، فالسياسة وحدها لا تكفي لحلّ المشاكل القائمة بين الدّول وهذا ما أثبته الواقع الذي عاشه العالم  منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية و خاصة إبّان دخول العالم في تجاذب قطبي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي. فقد اكتشف السياسيّون في تلك المرحلة ومن خلال الوقائع أنّهم بحاجة إلى وسيلة أكثر فاعلية من طاولات المفاوضات، وأدركوا دور الثقافة في التأثير على الشّعوب وقدرتها على تشكيل العلاقات الدوليّة.

وإنّني على ثقة بانه لو تم التركيز على ذلك فأنّ دور الدبلوماسية الثقافية سيزداد توسّعا في المستقبل، ولن تستطيع الدبلوماسيّة التقليديّة الاستغناء عنه في التخلص من الحروب والنزاعات الدولية في جميع بقاع العالم.

من هذا المنطلق فان على جميع الحكومات التي تبحث عن السلام لشعوبها أن تركز وتهتم بتفعيل الدبلوماسية الثقافيّة واذا ما أرادت لها النجاح فعليها اشراك الأكاديميين والمؤسسات الأكاديميّة لما لها من دور كبير في نشر الوعي العلمي والثقافي في المجتمعات من خلال مدّ جسور التعاون العلمي والثقافي بينها وبين المؤسسات والاكاديميات العالمية في مختلف بلدان العالم ومن خلال تبني مفاهيم السلام والتعايش السلمي والتسامح ونبذ الحروب والكراهية والتفرقة العنصرية والدينية والمذهبية ,وجعل هذه المفاهيم كمرتكزات ثابتة تستخدم لتنشئة الطلبة في كل مراحل الدراسة لكي تكون قواعد راسخة في المجتمعات ولكي تكون ثقافة مكتسبة بشكل تدريجي وتترسخ في نفوس الجميع حيث أن العلوم التي تدرّس في الجامعات ليس غايتها الأساسيّة توفير كفاءات علمية وثقافية للمجتمع فحسب، بل عليها تأهيل مواطنين يُمارسون قيم الحوار وتبادل الثقافات من أجل نشر التفاهم، فتكون الدبلوماسيّة الثقافيّة ذات فاعليّة بين الشباب المتعلّم وحصنا ًمنيعاً للأجيال القادمة ,وبالتالي ممارسة الضغط على الحكومات لتبني هذه الثقافة لكي تكون خطوة مهمة في تحقيق السلام المنشود في كل دول العالم.

ختاماً هناك مبدأ هام جداً يجب التركيز عليه بأن السلام في أي بقعة من بقاع العالم لايمكن تحقيقه باغتصاب حقوق الآخرين فأي طرف يدعو للسلام ويؤمن به عليه أن يمنح الطرف الآخر حقوقه كاملة ويفتح أبواب النقاش والتحاور البناء الحقيقي على مصراعيه حتى يمكن لعجلة السلام أن تدور وتتحقق فليس من المعقول أن تبحث عن السلام مع طرف وأنت تغتصب حقوقه وتنتهك سيادته وهنا يجب اللجوء الى العقل والمنطق والعدالة في تحقيق السلام لكي ينعم الجميع بالسلام العادل المنشود ولكي تنعم الشعوب بالأمن والاستقرار والطمأنينة وتعيش حياتها بشكل طبيعي وآمن.

 

رائد الهاشمي

 

بليغ حمدي اسماعيلكعادتي لا أدع مجالاً لعيني تطالع الأخبار التي تتناول النبي الأكرم محمداً (ص) بالسب سواء في وسائل الإعلام الغربية أو عن طريق أقباط المهجر، لأن ذاكرتي تعي وتحفظ ما وجده النبي الكريم (ص) من عنت الكافرين، وما لقيه من أساليب حاولت دونما فائدة أن تقوض دين الله الحنيف أو تنال من كرامته. وإذا كان الغرب يجتهد قليلاً في صناعة أفلام ومقالات ودراسات تسعى سعي الحية في جحرها، فإن المسلمين في شتى بقاع الأرض كل يوم وليلة يشاهدون فيلماً روائياً طويلاً يحكي عن حياة النبي (ص)، أو بعض التصريحات الفارغة التي تحكي عن الإسلام وعن رسوله الكريم.

هذا ما رصدته وأنا أطالع بيان الكنيسة الأرثوذكسية بشان الكاهن المشلوح زكريا بطرس والذي يفيد تبرأة الكنيسة وقياداتها المحترمة من تصريحات الكاهن المعزول منذ عقدين من الزمان، وهي التصريحات التي حملت إساءة واستهزاء بالنبي الكريم محمد (ص)، وجاء البيان حفاظا على وحدة الأمة ونسيجها القوي في الوقت الذي تنبري فيه وحدات موجهة ليس فقط للنيل من الإسلام بل من مصر وقوتها وشعبها المتماسك.

وأول هذه المشاهد هو تعرض النبي (ص) للسخرية والاستهزاء، والغرض منهما توهين قوى المسلمين المعنوية، وخذل رسول الله (ص) في أصحابه، وليستحضرني حديث رسول الله (ص) حين سأله سعد بن أبي وقاص، فقال: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء ؟ قال: " الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في في دينه رقة ابتلي حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة " .

والجانب المعنوي في هذا الأمر هو أشد وأعنف من جانبه المادي ؛ وما بالكم بهؤلاء السفهاء الذين تضاحكوا وسخروا وطعنوا في أكرم مخلوق على الأرض، وما أقوى رسول الله(ص) في الصبر على هذا الإيذاء المعنوي . ولنا في رسول الله (ص) أسوة حسنة في الصبر على الضراء، وفي البأساء، وحين البأس، ومن حكمة الله (تبارك وتعالى) أن جاء الحديث في القرآن عن الصبر على الحق والاستشهاد في سبيل الله بعد ذكر جانب الأسوة الحسنة، يقول الله تعالى في محكم التنزيل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ).

وكان السفهاء من قريش يسخرون من النبي(ص) باتهامه بأنه رجل مسحور، وبأنه شاعر، وبأنه مجنون، وبأنه كاهن يأتيه الشيطان، وأنه ساحر كذاب، ومفترٍ متقول، هذا بالإضافة إلى نظرة النقمة والازدراء التي كانوا ينظرون بها إليه، كما قال الله تعالى: (وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ).

ويصف الله تعالى في كتابه العزيز كل افتراءات مشركي مكة لرسول الله (ص)، يقول تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ، وقوله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)) . ولقد قص الله علينا في كتابه هؤلاء السفهاء الذين سخروا من سيد الخلق (ص)، يقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ انقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33)).

ويقول رب العزة (تبارك وتعالى) واصفاً هؤلاء المستهزئين حينما بثوا دعاياتهم وافتراءاتهم الكاذبة عن رسول الله r، وحول ذاته وشخصه:) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) .

ولأن طبيعة العهد المكي اتسمت بالجدلية المطلقة في أحداثها، ولأن الرسالة المحمدية جاءت لتحرك الراكد والثابت الأسن، فإن أهل مكة ـ أنفسهم ـ احتاروا وهم يحاولون تشويه صورة رسول الله(ص) وإيذاءه بالقول، فنجد مثلاً الوليد بن المغيرة وهو من زعماء قريش يقول عن رسول الله (ص) قولا نذكر منه: " والله إن لقوله لحلاوة، وإن أصله لغدق، وإن فرعه، لجنى، فما أنتم بقائلين شيئاً من هذا إلا عرف أنه باطل " .

ويذكر صفي الرحمن المباركفوري في كتابه " روضة الأنوار" أن عظماء المستهزئين والمعذبين برسول الله (ص) ومن معه خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والأسود بن بن عبد يغوث الزهري، وأبو زمعه الأسود بن عبد المطلب الأسدي، والحارث بن قيس الخزاعي، والعاص بن وائل السهمي .

ولقد أخبر الله (سبحانه وتعالى) أنه سيكفي شرهم بقوله تعالى:) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) (. ثم أنزل على كل رجل منهم ما فيه عبرة وعظة لمن يفكر في أن يعتدي على رسول الله (ص) بالقول أو بالفعل . فها هو الوليد بن المغيرة، أصيب بخدش من سهم، وكان خدشه بسيطاً حقيراً، فلم يزل يؤلمه ويؤذيه حتى ملا، وأما الأسود بن عبد يغوث فخرجت من رأسه قروح فمات منها، والأسود بن عبد المطلب فلما تضايق رسول الله(ص) من أذاه دعا عليه، وقال: " اللهم أعم بصره "، فرماه جبريل بشوك في وجهه حتى ذهب بصره. والحارث بن قيس فأصيب بالماء الأصفر في بطنه، حتى خرجت فضلاته من فيه، فمات بها . والعاص بن وائل فدخلت شوكة في أسفل قدمه، وجرى سمها إلى رأسه حتى مات.

وإذا كانت أقلامهم وأصواتهم وأفلام ذرياتهم سينالون بها الأوسكار والسعفة وغيرها، فإن فيلمنا الطويل الشريف سيقربنا من طاعة الله وشفاعة النبي (صلى الله عليه وسلم).وكم هو غريب وعجيب منذ سنوات انتفاضة المؤسسات الدينية غضباً وحزناً على الفيلم المسئ للنبي الكريم (ص) وهي تعد سبباً في ضعف المعرفة الدينية والوازع الديني الجوهري لدى الناشئة وبعض الكبار، لأنها تخلت في برامجها عن القيام بتقديم سيرة المصطفى وحياته لهؤلاء.

ولقد تعددت وكثرت مطاعن المتهوكين ضد الدين الإسلامي الحنيف، وكيف وجه بعضهم سهامه إلى صدر هذا الدين القوي باتهامات ظناً منهم بأنها كفيلة بتقويض هذا الدين الذي تعهد الله ـ سبحانه وتعالى ـ بحفظه، وفي السطور القادمة نعرض باختصار جهودهم التي شرعوا فيها بعد فشل خطتهم التي بدأوها في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، مع تفنيد هذه المطاعن والشبهات الكاذبة. ولم يأنف هؤلاء الحاقدون على الإسلام ورسوله الكريم جهداً في حملتهم المسعورة ضد الإسلام والمسلمين، بل ودفعهم غرورهم العلمي أن ينكروا وجود الله، ولقد بذلوا جهوداً مضنية في الكيد والنيل من الإسلام والقرآن الكريم بوصفه دستور المسلمين .

وعليك أن تكتب كلمة إسلام باللغة الإنجليزية Islam في أي محرك بحث إليكتروني باللغة الإنجليزية لتدرك حجم وقدر الهجمة الشرسة التي يوجهها أعداء الإسلام له، وإذا أراد الباحث الإسلامي أن يعد دراسة علمية حول حملات التشكيك في الدين الإسلامي فلسوف يحتار كثيراً عندما يجد كماً هائلاً من الكتب والدراسات والمراجع والمواقع الإليكترونية التي تكيل التهم المتنوعة للعقيدة الإسلامية.

والملفت للنظر أن الهجوم على الإسلام والقرآن الكريم والنبي (ص) ليس جديداً، بل بدأ منذ ظهور فجر الإسلام وحينما قويت شوكته ازداد الهجوم الضاري عليه، وفي هذه الآونة أصبح الغرب بصفة عامة مصاب بمرض الإسلاموفوبيا، بل إن زيادة دخول الغربيين في الإسلام شكل للبعض الآخر من غير المسلمين هوساً بالتفكير في هذه العقيدة الفريدة القادرة على الصمود والرسوخ في ظل استعار الرأسمالية، وانحلال القيم والآداب والتقاليد والأعراف.

ورأى أعداء الإسلام أنه يشكل خطراً جسيماً على الحياة العامة، وأنه يقف حجر عثرة في طريق التقدم الاجتماعي للمجتمعات المدنية، وأنه يكدرها ويعكر صفوها، لأنه يحرم على الناس شهواتهم ويقمع غرائزهم. والإسلام في حقيقة الأمر خلاف ما يزعمون، فهو يدعو إلى تقدم البشرية بصفة عامة، كما أنه يضع قواعد وضوابط شرعية في صالح البشرية . والرائي يستطيع أن يدرك مقاصد الشريعة الإسلامية من سمو الأغراض وشرف الغايات.

فالإسلام استطاع أن يستبدل الحاجات المادية التي تجعل المرء عبداً لها بروابط روحانية قائمة على مبادئ راقية وأصول ومرتكزات ثابتة أصيلة. والحقائق التاريخية تؤكد وتشير إلى الروابط الاجتماعية القوية التي سادت المجتمع الإسلامي منذ ظهور الإسلام الحنيف.كما أن الإسلام قد أقر مجموعة من الأصول والواجبات التي يقوم عليها الاجتماع والتعارف والمشاركة الحياتية العامة.

بل واستطاع الإسلام التوفيق بين المصالح الدينية للمجتمع، وبين مصالحه الدنيوية، بحيث تتكافل في إيصاله إلى كماله المادي والأدبي، ويمكننا إدراك هذه الحقيقة المطلقة من خلال حياة الصحابة الكرام، حيث استطاعوا بالإسلام وتعاليمه السمحة في التوفيق بين السمو الديني وروح العمل الدنيوي دون خلل أو نقص أو عيب.

ودون أن نخوض مع الخائضين في مسألة الدولة الدينية والدولة المدنية، التي يراها بعض العلمانيين متناقضتين تماماً، فإننا نؤكد أولاً أن ما خطر بأذهان هؤلاء الموتورين أن المدنية في معتقدهم تعني الملاهي والمراقص والفتن التي لا ضوابط لها، وأن الدين هو زهد وتقشف وحرمان، وهذا افتراء موجه للإسلام. فالإسلام ينطبق عليه المثل الأعلى للمدنية، ويزيد عليه سمواً، فهو يدفع الإنسان للتجرد من الأحوال البهيمية، والتخلق والتحلي بالأخلاق الإلهية في أسمى ما يتخيله العقل من نزاهة ورفعة روحية.

وكما فتح الإسلام للنفس البشرية باب الارتقاء الروحاني على مصرعيه، ووسع مداه إلى ما لا يصل إليه خيال المتخيل، فتح كذلك لها باب الارتقاء المادي، فلم يحرم عليها علماً نافعاً، ولم يضع للعلوم حدوداً، كما يشير فريد وجدي إلى أن الإسلام استنهض الهمم للشئون الصناعية، والإبداعات الفنية، وعد الارتقاء في هذه المجالات فتوحاً إلهية يثاب عليها الموفق لها ثواب العاملين على ترقية الإنسانية.

ولقد سعى محترفو الهجوم على النبي محمد (ص) منذ بداية حملتهم المسعورة إلى تشويه الإسلام بأنه يخالف وينافي الحياة الثقافية والنشاط الفكري، وأنه يقف عائقاً ضد الأفكار المستنيرة الحرة . ولاشك أن الإسلام هو الدين السماوي الوحيد الذي أعلى من شأن العقل والفكر الإنساني، ورفع من مكانته، فالعقل هو مناط التكليف والمسئولية، وبه يعرف الإنسان خالقه ويدرك أسرار الخلق وعظمة وقدرة الخالق.

وإذا كانت التيارات والفلسفات الإلحادية سالفة الذكر قد حرمت الإنسان من حق وحرية النظر والتفكير، فإن الإنسان الحنيف دعا المرء إلى ضرورة استخدام النظر والتفكر غي نفسه والكون، بل عاب على أولئك الذين لا يعملون عقلهم ويعطلون قدراتهم التفكيرية، يقول الله تعالى (لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل).

بل سبق الإسلام موجات هادمة للتفكير وحجب النظر والتدبر والتعقل، فجاء مدحضاً هذه الأفكار، داعيا الناس كافة إلى ضرورة النظر العقلي والاعتماد على الحجة والبرهان. يقول الله تعالى: (وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تعقلون) . بل ويدعو القرآن الكريم الإنسان إلى ضرورة النظر في مخلوقات الله وظواهره وإعمال العقل، يقول تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه* أنا صببنا الماء صباً* ثم شققنا الأرض شقاً* فأنبتنا فيها حباً * وعنباً وقضباً* وزيتوناً ونخلا* وحدائق غلبا* وفاكهة وأبا، متاعاً لكم ولأنعامكم) .

والقرآن الكريم يزدحم بالشواهد والآيات التي تحث الإنسان على ضرورة التفكير وإعمال العقل والتدبر والنظر والاستدلال، كقوله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت* وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت* وإلى الأرض كيف سطحت).

ورغم حصول كثير من العلماء المسلمين على جوائز علمية في مجالات التكنولوجيا والطب والعلوم الفيزيائية والكيميائية، إلا أن الذين يهاجمون الإسلام ورسوله في هذا الزمان لا يزالون عند رأيهم بأن الإسلام يحارب العلم والعلماء، بل يمثل عقبة تاريخية في وجه تقدم العلوم والتقدم التكنولوجي، وأنه عقيدة جهل وتخلف. والتاريخ يؤكد أن علماء المسلمين لهم أياد بيضاء على الحضارة الأوروبية والنهضة العلمية في الغرب، وللأستاذ العقاد كتاب في ذلك يوضح فضل الإسلام والمسلمين على النهضة الأوروبية. ونذكر من التاريخ الإسلامي ما قام به أبو جعفر المنصور حينما نقل عاصمة الملك إلى بغداد وجعلها عاصمة العلم والعلماء، وبذل جهداً كبيراً في تطوير مدارس الطب والعلوم، أما هارون الرشيد فقد أضاف مدرسة إلى كل مسجد في جميع أرجاء ملكه

ولن نغالي حينما نقول بإن الإسلام قد أعلى من شأن العلم، والتشديد على أهميته ودوره في رقي المجتمعات والأمم، يقول الله تعالى: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألو العلم قائماً بالقسط). كما أن الله ـ تبارك وتعالى ـ رفع من قدر العلم ومكانة العلماء حين يقول في كتابه العزيز: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).ويشير القرآن الكريم إلى أن الله يرفع العلماء مكانة في الدنيا والآخرة، يقول تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات).

ويستحضرني موقف من السيرة النبوية لصاحبها (ص)، فلقد روي عن أسامة بن شريك (رضي الله عنه) أنه قال: " أتيت النبي (ص) وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطير، فسلمت ثم قعدت، فجاء الأعراب من ههنا وههنا، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى ؟ قال: تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير داء واحد: الهرم ". وهذا يؤكد أن الإسلام متمثلاً في نبيه (ص) لا يحارب العلم والطب، بل يسعى إلى الأخذ بالأسباب، فقرن الفعل بالقول، حتى يكون الأمر في علم الطب قولاً صريحاً، أنه علم بالداء، وعلم بالدواء، وأن الدواء له أثره في الشفاء.

ولقد بادر المستشرقون في سلب خصوصية الإسلام وانفراده المتميز المتمثل في القرآن الكريم، وادعوا أنه دين ملفق من كتب سماوية وعقائد دنيوية سابقة. ولنا أن نسأل هل كان معاصرو النبي محمد (ص) ومعارضوه في غفلة عن هذا وقت بزوغ فجر الإسلام ؟ . بالطبع كان هؤلاء موجودين، ولكن لم يستطع أحد منهم أن يذكر قرينة واحدة على قولهم هذا، بل لهم نقول إن الإسلام جاء بتعاليم ومبادئ وقوانين لم تشملها الكتب السماوية السابقة، بل الإضافة إلى ما تمتع به القرآن الكريم من مزية فريدة اختص بها وهي الإخبار عن الأمم السابقة، والحديث عن أمور غيبية حدثت بعد ذلك.

بل ولم يجد مستشرقو العصر الحديث من شبهات يلصقونها بالإسلام فادعوا كذباً بأن الإسلام عقيدة تدعو إلى التواكل والسطحية واللامبالاة تجاه المتغيرات الحياتية والمجتمعية، ومن يقرأ القرآن الكريم ويتدبر معانيه وآياته الحكيمة يتأكد أن الإسلام دين يحث على العمل، ويدفع الإنسان نحو، والمطالع لآيات القرآن يدرك ويفطن الربط المستدام بين الإيمان والعمل، يقول الله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون).

والقرآن يحث المؤمنين على العمل حتى في أوقات الراحة، وأقصد يوم الجمعة، فيقول الله تعالى في ذلك: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله). فأين هذا التواكل الذي يلصقه الملاحدة بالإسلام والمسلمين؟ . والسنة النبوية لصاحبها (ص) تحث على العمل والسعي الدءوب غير المنقطع من أجل عمارة الأرض، يقول الرسول (ص): " إذا قامت الساعة في يد أحدكم فسيلة فإذا استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل" . بل ونجد الرسول الكريم (ص) يضرب مثلاً أعلى في الدعوة إلى العمل حيث رفض انقطاع الناس للعبادة في المسجد واعتمادهم على غيرهم في المأكل والمطعم والمشرب والملبس، وامتدح من يعمل ويكد من كسب يده بشرف وأمانة وتقوى ومراقبة من الله تبارك وتعالى.

ولقد خلط أولئك المستشرقين بين التوكل الذي يعني تدبر الأمور والأخذ بالأسباب والتزود بالطاقة الروحية والعبادة، وبين التواكل الذي يعني الكسل وعدم الأخذ بالأسباب والوسائل المعينة. وكلنا يعرف كيف طرد الفاروق عمر بن الخطاب أولئك المتواكلين المنقطعين للعبادة في المسجد معتمدين على غيرهم في رعايتهم وقضاء شؤونهم، وقال عبارته المشهورة: " إن السماء لا تمطر ذهباً"، واستشهد في ذلك بحديث النبي (ص) الذي يقول فيه: " لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطانا ً" .

وليس هذا فحسب بل جعل الإسلام العمل المفيد من أسباب الثواب وزيادة الحسنات، وقد ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات التي تتعلق بهذه المعاني ومن ذلك قوله تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) وقوله تعالى:(وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)، كما أن السنّة الشريفة تضمنت العديد من النصوص التي تحث على العمل والكسب الحلال مثل قول الرسول (ص): "ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده"، وقوله (ص): "من أمسى كالاًّ من عمل يده أمسى مغفوراً له" .

وطالما رصدنا الحملات المذعورة من مروجي الفتنة الذين يهاجمون الإسلام الحنيف بالاتهام خفية وعلانية بأن الإسلام معاد حقيقي للمرأة، وأنه هضم حقها، وأغفل حقيقتها ودورها التاريخي قبل الإنساني. والمجال غير متسع لعرض وضع المرأة قبل الإسلام، وما كان عليه النكاح من صور أكثر وحشية وهمجية واحتقاراً لها من نكاح استبضاع، إلى نكاح الرهط، مروراً بنكاح صواحبات الرايات، انتهاءً بنكاح الشغار والبدل والضغينة.

ولا شك أن موقف المرأة كان صعباً في ظل التصور الإسلامي لبعض الصحابة، ورغم ذلك شاركت النساء في النضال اليومي للعيش والحياة الاجتماعية والاكتشاف اليومي لطبيعة الإسلام، فكن يعملن بالإضافة إلى اكتشاف أحكام القرآن والإسلام دون تمييز أو تهميش أو إلغاء، وهذا يدل على أن المرأة ليست هي العورة، بل إن العورة هي العورة، وهو ما فصله رسولنا الكريم (ص)، فكانت المرأة تغزل وتنسج وتبيع ما تصنعه وسط مرأى ومسمع الجميع، وهذا يؤكد طبيعة المجتمع المدني الذي لا يميز أي فرد عن بقية أعضائه.

ولو أن الإسلام قد قوض مكانة المرأة، وسعى إلى تغييبها حضارياً لما سمعنا أسماءً بعينها من نساء الإسلام الصالحات، كالسيدة خديجة، والسيدة صفية، والسيدة فاطمة، وزينب بنت جحش، وأم أيوب الأنصاري، وجهيزة، وأم حكيم، وغيرهن كثيرات. ولابد أن نقر حقيقة تاريخية وهي أن الإسلام أنصف المرأة الإنصاف كله، وأزال عنها ما لحقها من ظلم، وحررها من العبودية واستغلال جسدها، ورفع مكانتها وأعلى منزلتها، في الوقت الذي لم يعترف الغرب بحقوق المرأة إلا في القرن التاسع عشر بعد جهاد طويل.

وعجيب جداً أمر هؤلاء الذين يقصرون حقوق المرأة في حجاب رأسها، وارتدائها للبنطال، ومشاركتها العمل وسط الرجال، وذهابها إلى صلاة التراويح، وغيرها من القضايا الجدلية لصرف الأنظار عن سماحة الإسلام وإتاحة الحرية للمرأة في معاملات البيع والشراء، والاحتفاظ بمالها، وقد أجاز لها حق التملك،وساوى بينها وبين الرجل. والله تعالى يقول في ذلك: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فألئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا).

والإسلام الحنيف لم يمنع المرأة من الجهاد والعمل، قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)، والتاريخ الإسلامي يحفظ أسماء الصحابيات اللاتي جاهدن في سبيل الله مثل الربيع بنت معوذ التي قالت: كنا نغزو مع رسول الله نسقي القوم ونخدمهم ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة.هذا بخلاف ما صنعه الإسلام للمرأة من حق الميراث وكانت لا ترث، وكذلك تحريمه لوأد البنات وهن صغيرات.

لكن معظم المستشرقين من العصر الحديث يضيقون النظرة نحو الإسلام ويصرون على إظهار الفروق القليلة بين حقوق وواجبات كل من الرجل والمرأة، ونؤكد لهم أن هذه الفروق المعدودة كما ذكر شيخنا محمد الغزالي احترام لأصل الفطرة الإنسانية وما ينبني عليها من تفاوت الوظائف، فالأساس قوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض).

وأكاد أجزم لهؤلاء الذين يؤكدون خفية وجهراً على أن الإسلام قد قهر المرأة، بأن أبين لهم أن الإسلام منح لها حق الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتدريس، بل ومجادلة الملاحدة والمارقين. لكن المحاربين ملتزمون بقضايا فتنة ذكر المرأة لاسمها، ووجهها العورة، وصوتها العورة، والكارثة أننا ابتلينا منذ فترة ليست بالقريبة بأناس لا يتدبرون القرآن، ويحرفون كلام رسول الله (ص) عن مواضعه، فيبذلون قصارى جهدهم في إحداث فتنة حقيقية سلاحهم فيها المرأة.

لقد بنيت حقوق المرأة في الإسلام على أعدل أساس يتقرر به إنصاف صاحب الحق، وإنصاف سائر البشر معه، وهو أساس المساواة بين الحقوق والواجبات،وإذا كانت الدول المتقدمة اليوم تنادي بتمكين المرأة اجتماعيا وسياسياً ودينياً،فإن الإسلام منذ أربعة عشر قرناً وثلاثين سنة قام بها وخير دليل بيعة العقبة الكبرى، ومن العجب ترك الزمام لهؤلاء الذين يصرون على جعل المرأة كائن غير طاهر، وهذا باطل، وأنها كلها عورة، وهذا باطل، وأنها كائن ناقص ـ ومن منا يتسم بالكمال والتمام ـ وأنها عديمة التفكير ولهم جميعاً أردد قول الشاعر:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه    وصدق ما يعتاده من توهم 

ولابد وأن يعي المسلم القوي أن شريعته السمحة قد وفرت له عدة أسلحة يمكن أن يستخدمه في حربه ضد الملاحدة والعلمانيين، وهذه الأسلحة ليست عنيفة أو متطرفة، إنما هي أسلحة وقائية وحجج يستطيع أن يستخدمها المسلم في صراعه ضد مزاعم وافتراءات الذين يهاجمون الإسلام، مثل تعميق الصلة بالقرآن الكريم ؛ فعلى المسلم أن يسعى إلى تعميق صلته بالقرآن الكريم ؛ تلاوة وحفظاً، وتفسيراً، ووعي أثره في حفظ وحدة المسلمين الفكرية، وإبراز فكرة إعجاز القرآن، والحرص على إقامة اللسان بقراءة آيات القرآن على أنها حجة في ضبط اللفظ العربي والجملة العربية. كذلك تعميق الصلة بالسنة النبوية الشريفة، في حرص المسلم على تعميق صلته بالقرآن الكريم، يجب عليه أن يعمق صلته أيضاً بالسنة النبوية الشريفة، وتعرف سيرة الرسول (ص) ، ودراسة الحديث النبوي الشريف، وحفظه وفهمه وتمثل ما يحتويه من الأحكام والآداب والقيم، وإدراك منزلته مع ما يتطلبه من الاتباع والاقتداء، ثم تقدير الجهود العظيمة التي بذلها علماء المسلمين في تدوين الحديث وتنقيته من الدس والوضع والتشويه.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية (م).

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

منى زيتونأكتب هذه المقالة على سبيل الفضفضة وخفّ الأحمال عن نفسي، والتي يتزايد ضغطها كلما أرى الوضع البائس الذي وصلنا إليه، والذي كنا قد أملنا خيرًا أن يتغير في زمن الثورات، ولكنه مع الأسف يزيد بؤسًا مع الأيام، معلنًا لنا أنه لا فائدة!

والملاحظ علينا كعرب؛ أفرادًا وجماعات، أن التخلف قد أصابنا في القرون الأخيرة؛ فتأخرنا، وأصبحنا نادرًا ما ننجح في تحقيق أهدافنا، وفشلنا في رفع مستويات بلادنا بإزاء أمم أخرى كانت أحطّ منا. ومن المستحيل أن يتم عزو بقائنا في الحضيض إلى الاحتلال الذي كان جاثمًا على بلادنا لعقود، أو كمضاعفات وتأثيرات باقية من أثر الحروب التي خضناها.

دول الشرق الأقصى، المعروفة الآن بالنمور الآسيوية، عانت من الاحتلال مثل الدول العربية، واليابان وألمانيا خرجتا من الحرب العالمية الثانية بعد أن مُنيتا بدمار شامل، فإن كانت تلك الدول قد استطاعت تخطي آثار الاحتلال والحروب، كما لم يسمح قادتها بوقوعها في براثن تلك الأزمات مرة أخرى، بينما عجزنا نحن عن التخطي، ثم تجددت علينا ويلات وحروب أخرى زادت أوضاعنا سوءًا، فالأمر ولا شك يتعلق بنا، وعلينا أن نتساءل عن أسباب فشلنا.

ولا نفتقد الموضوعية إذ نقول إن ‏العربي يعيش بخياله في الماضي أو المستقبل، ويعجز عن التعامل مع الواقع، فيما يفترض إننا ‏نحتاج الماضي للتعلم والمستقبل للتخطيط، وليس لخلق عالمًا من الأوهام.

ووفقًا لتعبير العامة فإن مسئولينا لا يفعلون شيئًا سوى إطلاق التصريحات والوعود، ثم يحنثون، بينما يخبرنا خبراء علم النفس والاجتماع والإدارة أن النجاح يبدأ عندما أحدد وضعي الحالي بدقة، وأنه مهما كان وضعي الذي أبدأ منه -رغبة في تخطيه- سيئًا، فإن تحديد الأرضية التي أقف عليها (أ)، والمكانة التي أريد الوصول إليها (ب)، ثم التحديد الموضوعي للسُبل التي ستنقلني من (أ) إلى (ب)، وتقسيمها إلى خطوات محددة الزمن والكُلفة، كل هذا سيكون كافيًا مع الجهد في التنفيذ لبلوغ الهدف.

التخطيط

يُعد التخطيط أول عناصر الإدارة الناجحة، ويمكنني تعريفه على أنه مهارة تهدف إلى اتخاذ قرارات تؤثر على المستقبل. يبدأ بتحديد الأهداف المستقبلية، ثم رسم خطة الوصول إليها، وتوزيع مهام العمل، وتحديد الوسائل والتدابير وكافة الإجراءات التي يمكن اتخاذها أثناء التنفيذ، والزمن والتكاليف اللازمين والمناسبين لكل مهمة فرعية.

ويعتمد التخطيط الجيد على وجود معلومات كافية عن كافة العناصر اللازمة لتحديد الأهداف، كما يعتمد على بناء توقعات سليمة للمستقبل. والتخطيط شكل من أشكال التفكير، يتطلب وقتًا قبل الشروع في تنفيذ العمل، ولكنه في المقابل يختصر وقتًا وجهدًا يمكن أن يضيعا في تنفيذ مهام وخطوات غير سليمة تبعد بصاحبها عن الهدف.

التنفيذ

يخبرنا الخبراء أيضًا أن النجاح لا يكون فقط حليفًا للتخطيط الجيد، بل للقدرة على التنفيذ الجيد، بما يتضمنه من مراقبة سير مراحل وضع الخطة على أرض الواقع، وضمان تحقيق الهدف بشكل متقن. والأهم هو تخطي أي عقبات تظهر.

إن التخطيط المسبق للبدائل، وكذا خلق البدائل أثناء التنفيذ عندما تعترض العقبات طريق الخطة الأساسية، كلاهما هامين، وهما يعتمدان على مرونة التفكير؛ بمعنى تغيير زاوية النظر للموقف، وتوليد أفكار جديدة لمعالجته في ضوء أي متغيرات تطرأ.

ومن أعظم المشاكل التي تواجه من يفتقدون المرونة إصرارهم على النظر للموقف بناءً على الخطط المسبقة الموضوعة، وليس بناءً على الواقع في ظل المتغيرات التي تكون قد حدثت. من ثم فالأمر يستلزم ممن يشرف على التنفيذ إعادة تقييم الوضع من آنٍ لآخر.

والآن، لماذا نفشل؟

بعد أن فهمنا عنصريّ الإدارة الهامين، ربما يسهل علينا تحديد أسباب فشلنا بمقارنة ما نفعل بما يُفترض أن يكون. ومنطقيًا، فالفشل قد يكون لأحد الأسباب الآتية:

* الشروع في التنفيذ مع سوء التخطيط أو عدم التخطيط (تنفيذ دون تخطيط): يؤدي إلى عدم تحديد الأهداف بشكل جيد، ومن ثم عدم ترتيب الخطوات بالشكل الأمثل وفقًا للأولويات، أو إسناد مهام لمن لا يستطيع أداءها بإتقان، وربما تنفيذ خطوات لا تساعد في تحقيق الهدف.

* التنفيذ الجامد (تنفيذ الخطة الأساسية دون مراعاة المتغيرات): ولا يخفى في هذا الاحتمال دور أصحاب العقليات الجامدة التي لا تستطيع تقييم الوضع على أرض الواقع أولًا بأول، ومن ثم لا يستطيعون إحداث تغييرات في الخطة الأساسية بناءً عليه؛ فهم يفكرون بطريقة القطار الذي لا يحيد عن قضبانه، مقدسين كل ما صدر إليهم من أوامر حتى لو خربت الديار. وشعارهم "ضع الحمار في المكان الذي يريده صاحبه".

* يبقى التخطيط حبيسًا دون تنفيذ (تخطيط دون تنفيذ)، مع ما في هذا من إهدار لجهود الكفاءات التي تكون قد أجهدت عقولها لوضع الخطط وطرح الحلول، ثم نتحسر على العقول المهاجرة التي سأمت سخافة نظمنا الإدارية العاطلة.

* أما الاحتمال الأكثر بلادة فهو: (لا تخطيط ولا تنفيذ)، فلا نكلف أنفسنا حتى مجرد عبء التخطيط، وإن ظل وهميًا، بل قد ننكر ونكابر وجود مشكلة أو أزمة، أو نستمر في الكلام دون فعل؛ لا نفعل شيئًا، وهذا من أكثر ما نجيده؛ إعداد مؤتمرات وترتيب اجتماعات نتحدث فيها عن مشاكلنا وواقعنا المراد تغييره، ونناقش مناقشات سطحية كيفية الحل، دون وضع خطط، ثم لا شيء.

وفي كل الاحتمالات، يكون أثر القيادة السيئة بارزًا. في كل إدارة في بلادنا فإن الفاشل الأحمق ليس له طريق إلا النخر وراء زملائه الناجحين، ومع أن هذه طريقتهم أينما كانوا، لكنهم لا ينجحون دائمًا؛ لذا أقول: إن ‏الفارق يصنعه القائد، لأن القائد الحازم يضبط هذه النوعيات من البشر ويوقف مكائدهم، فيتفرغ ‏المبدعون للعمل، والقائد الذي لا يستحق منصبه يستعين بأمثاله من الفشلة، ليسود ‏الفشل، ويحارب كل مبدع، بل ويخاف منه.‏

كما أن أثر الفساد ولا شك بارز؛ فليس كل من هم في موقع القيادة يفتقدون العلم الحقيقي الذي يساعدهم على التخطيط الجيد ومتابعة التنفيذ للخطط الموضوعة لترقي مجتمعاتنا، خاصة على مستوى الوزراء وكبار رجال الدولة، ولكن كثيرين أصبحوا جزءًا من منظومة الفساد والإفساد التي ينتفعون من ورائها.

نظرة على المنهج الإلهي لنتعلم

إن منهجية التخطيط وتأسيس قاعدة قوية يتم التنفيذ مرحليًا بعدها وصولًا لتحقيق الهدف هي منهجية إلهية، رغم أن القدرة الإلهية المتناهية تستطيع تبديل أي واقع بشكل فوري، ولكن الله سبحانه وتعالى قد علمنا إياها لأنها تتفق مع القدرة البشرية المحدودة.

عندما بُعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لم يأمره الله تعالى بمطالبة قومه بالتنفيذ الفوري للأوامر والنواهي الإلهية، بل أمره بتعريفهم بدعوته، ومكث سنوات لا يطلب منهم سوى الإيمان بالله ونبوته، ثم بعد عشرة أعوام في مكة فُرضت الصلاة، ثم فُرضت باقي التشريعات تدريجيًا في المدينة. بل إن بعض التشريعات قد شُرِعت تدريجيًا، مثل تحريم الخمر.

في البدء كانت الكلمة؛ كلمة الإيمان، ثم تلاها العمل. وهذا رد على من يصورون لأنفسهم أن الإيمان وحده يكفيهم دون عمل، ليكونوا أشبه برواد المؤتمرات والاجتماعات ممن يتحدثون لساعات، وفقط يتحدثون، كنموذج واضح للفشل الذي أصبح لنا قرينًا.

 

د. منى زيتون