محمود محمد عليكان ايان فليمنج مشهورٌ بكتابة سلسلة روايات التجسس التى ابتكر فيها شخصية جيمس بوند، وكانت رواية جيمس بوند مليئة بالمغامرات المثيرة والسيارات السريعة والنساء الجميلات، ولم يستطع القراء الاكتفاء منها ومن حكاياتها الرائعة، وهذا ما جعل جيمس بوند واحدًا من أنجح أبطال الرواية الشعبية فى القرن العشرين، وبعد تجربته المثيرة للغاية فى الحرب، كانت دافعا لكتابة روايات فى مجال التجسس، حيث نشر رواية "Casino Royale" عام 1953 والتى تدور حول عميل سرى بريطانى هو جيمس بوند، والمعروف أيضًا برقم كوده 007 والذى كان قائدًا فى المحمية البحرية الملكية، وقد أثبتت الرواية نجاحها.

وظهر العميل البريطانى 007 على الشاشة الفضية فى عام 1962 عندما لعب الممثل شون كونرى دور الشخصية فى فيلم "دكتور نو"، مما دفع البعض للاشتباه فى أن الجواسيس البريطانيين ربما كانوا يطلقون نكتة على نظرائهم البولنديين، ولطالما أكد الكاتب إيان فليمينج مؤلف السلسلة، وهو نفسه عميل سرى بريطانى سابق، أنه استوحى اسم بطل قصته من عالم الطيور الأمريكى جيمس بوند الذى كان يملك كتابا عن طيور الكاريبي، لكن هناك عميلا بريطانيا يحمل اسم "جيمس بوند" حقا؟، كشفت وثائق سرية أن بولندا كانت أول بلد ظهر العميل السرى الفعلى جيميس بوند على أراضيها، وأظهرت وثائق نشرها مؤخرا المعهد البولندى للذاكرة الوطنية، أن عميل سرى بريطانى يحمل اسم جيمس بوند أرسل إلى ماوراء الستار الحديدى بعد سنتين على طرح أول أفلام العميل 007، وقد وصل جيمس ألبرت بوند فى 18 فبراير 1964 إلى وارسو ليشغل رسميا منصب حافظ أرشيف فى السفارة البريطانية، على ما أظهرت وثائق صادرة عن الجهاز الشيوعى للتجسس المضاد وذلك حسب قول الأستاذ محمد عبد الرحمن في مقاله بعنوان إيان فليمنج... من أين استوحى شخصية جيمس بوند؟

وبحسب "الهيئات الشيوعية"، كما يقول الأستاذ محمد عبد الرحمن لم يكن بوند المولود في 1928 يشبه نظيره المتخيل الذى يحمل الاسم عينه على الشاشة الكبيرة والمعروف خصوصا بنزواته النسائية ونمط حياته الباذخ، وأشار المعهد البولندى إلى أن جيمس بوند الفعلى "كان مهتما بالنساء" لكنه كان "شديد الحذر" ولم يتواصل البتة مع مواطنين بولنديين، وفق ما ورد فى الوثائق المنشورة هذا الأسبوع عبر وسائل التواصل الاجتماعى.

والسؤال الان: هل جيمس بوند بطل حُلُميٌّ، جاءت به ذاكرة صحافي يعاقر الخمر سعيداً في جزيرة جامايكا، أم إنّه بطل واقعي واضح الملامح والهدف؟ إنّه بطل حُلُميّ وواقعي في آن. فهو البطل - الحلم الذي ينشدّ إليه جمهور واسع من مختلف الجنسيات وفي جميع الأمكنة، لا يهبط من طائرة إلاّ ليركب طائرة أخرى، كأنّ العالم بيته، ولا ينتصر على عدو إلاّ ليهزم عدواً جديداً، فلا وقت للضجر والساعات الخاملة، ولا يفارق أنثى جميلة شقراء إلاّ ليكون في صحبة سمراء أكثر جمالاً، ولا يقابل أنثى عدوة له إلاّ وتؤمن بقضيته بعد قليل، كما لو كان ترويض نساء الأعداء إعلاناً مبكّراً عن ترويض الصعوبات اللاحقة. بيد أنّ البهاء كلّه يصدر عن ضمان الانتصار، الذي يحوّل المخاطر جميعاً إلى لعبة لذيذة لا مخاطر فيها. ولهذا يذوق بوند المتع جميعاً ويظل في بيته، طالما أنّ الطمأنينة موزّعة على المغامرة والبيت معاً. ومع أنّ بوند يبدو بطلاً - حلماً تنجذب إليه «الجماهير» كلّها، من مواقع الأرض المختلفة، فإنّه بطل غربي وبطل من الغرب، وبطل للغرب وحده، لا بسبب شراب يستهلكه، بل بسبب الموضوع الذي يخاطر من أجله والوسائل التي يركن إليها وهو في قلب المغامرة. فهو في قلب المعركة لفك شيفرة ذات صلة باكتشاف علمي، أو لتدمير قاعدة عسكرية - علمية تديرها دوائر الشر، أو لمنع الأشرار من امتلاك سلاح جديد لا يجوز لغير الغرب امتلاكه... وهو في حركته الواسعة، الممتدة من كوريا إلى كوبا، يتوسّل الطائرة والسفينة والغوّاصة والصاروخ... وهو في الحالات جميعاً يمثّل الغرب الذي يترجم القوّة إلى معرفة والمعرفة إلى قوّة، مؤكداً أنّ معرفة الغرب فضيلة، وأنّ امتلاك "الآخر" للمعرفة يعارض الفضيلة ويهدّد قوانين الطبيعة. ولهذا يكون بوند تعبيراً نموذجياً عن الغربي النموذجي، المؤمن بإمبراطورية، تسهر على حمايتها الدوائر البريطانية القديمة والمراجع الأمريكية الممثلة بوكالة الاستخبارات المركزية (30).

وهنا يجيبنا فبصل دراج فيقول يتكشّف الغرب في شخصية بوند إرادةً وقوّة ومعرفة وتنظيماً، وتاريخاً كونياً مسيطراً، منذ القرن الثامن عشر حتّى اليوم. بيد أنّ أسطورة بوند لا تأتي من المقولات المتراصفة، فقد امتلك الاتحاد السوفياتي السابق هذه الصفات، أو معظمها ذات مرّة، إنّما تأتي من صورة "العميل السري" الفاتنة، التي صاغتها أجهزة الإعلام وأحسنت صوغها. صورة جذّابة غاوية جميلة، تكاد في جمالها الطاغي أن تمسح الفروق السياسية والأيديولوجية والدينية، حتّى يبدو بوند بطلاً للإنسانية جميعها أو يكاد. فمع أنّ الرئيس الأمريكي الراحل جون كندي أعلن عن إعجابه بروايات إيان فليمنغ، كما نُشر بعضها في مجلة "بلاي بوي" الذائعة الانتشار، فإنّ أسطورة بوند جاءت من السينما، ابتداء من عام 1962، أي منذ خمس وأربعين سنة. بل إنّ هذه الأسطورة لم تكن ممكنة من دون الفن السابع، الذي يبيع الأحلام ويجذب البسطاء الحالمين. حشدت السينما، وهي تصنع بطلاً جماهيرياً كونياً، أكثر الرجال رشاقة وأكثر النساء فتنة، وجعلت من الجنس امتداداً للمغامرة، ومن الشبق جسراً إلى الفضيلة. جاءت أسطورة بوند من قوّة الصورة، وجاءت قوّة الصورة من «ذكاء السوق»، التي حوّلت البطل إلى سلعة جميلة عالمية، وعيّنته بطلاً من أبطال المجتمع الاستهلاكي في الغرب (31).

وسلسلة أفلام جيمس بوند ناجحة تجاريا بشكل فريد، حيث تحمل أبعاداً سياسية تخدم أمريكا رغم أن جنسية "بوند" الأصلية هى البريطانية، فقد بدأت السلسلة أفلامها بمحاربة الشر "الخفى"، الذى تمثل فى الاتحاد السوفييتى الند القوى للولايات المتحدة أثناء فترة الحرب الباردة، لينتقل "بوند" بعد ذلك فى أجزاء لاحقة لمحاربة كل قوى تظهر فى العالم وتهدد الكيان الأمريكى، ومنها الصين ، ثم كوبا، كما تناول جزء شخصية الشرير الذى يحاربه «بوند» من دولة فى أمريكا الجنوبية، وذلك فى فترة إعلان عداء واشنطن لدولة كوبا وحاكمها كاسترو.. ورغم ثوابت السلسلة، سواء فى شخصية الشرير ، أو الفتاة الحسناء التى تحبه، فإن السلسلة ناجحة فى كل أجزاءها، وهذا ضد طبيعة النجاح التجارى، الذى يحتاج إلى التجديد دائماً، وحتى اختيار الممثل الذى يلعب دور "بوند" كان يخضع لمواصفات خاصة جسمانية وشكلية ونفسية، فقد بدأ السلسلة الممثل شون كونرى، ثم جورج لازنبى، ثم روجور مور، ثم تيموثى دالتون، ثم بيرس بروسنان ثم دانيال كريج (32).

وقد أثارت سلسلة أفلام بوند إعجاب محبي أفلام الجاسوسية و"الأكشن" والمغامرات، حيث يتضمن كل فيلم قصة مثيرة تخطف الأنفاس منذ المشهد الأول، بطل يتمتع بالجاذبية والإثارة، ولا تخلو شخصيته من حس الدعابة حتى عند خوض غمار أشد المعارك مع أعدائه. السحر التكنولوجي المتمثل في أشهر المعدات التي تظهر في الأفلام كالمسدسات والسيارات والقوارب المبتكرة التي من الصعب مقاومتها، وأخيرا حسناوات بوند اللواتي يتم اختيارهن بعناية من بين نجمات العالم الأكثر إثارة حيث ينتزعن إعجاب النقاد والجمهور؛ وقد ساهمت كل هذه العوامل في زيادة شعبية أفلام العميل السري، إذ حققت أرقاما فلكية في شباك التذاكر بمجموع ما يفوق 7 مليارات دولار وفق أرقام "فوربس"، خاصة فيلم "سقوط السماء" (Skyfall) الذي حقق لوحده مليار دولار وحاز على أوسكار «أحسن أغنية» أدتها الفنانة الأمريكية «أديل»، وهو ما يجعله من أكثر الأفلام تحقيقا للإيرادات في "البوكس أوفيس" العالمي في تاريخ السلسلة، حيث أصبحت من المشاريع السينمائية التجارية التي تُذر على استوديوهات وشركات الإنتاج مداخيل ضخمة (33).

ومن إصدار فلم دكتور نو (1962) وحتى إصدار فلم من أجل عينيك فقط (1981)، وُزعت الأفلام فقط من قبل يونايتد آرتيست. عندما امتصت شركة مترو غولدوين ماير شركة يونايتد آرتيست في عام 1981، شُكلت شركة إم جي إم/ يو إيه إنترتينمت ووزعت الأفلام حتى عام 1995. وزعت إم جي إم لوحدها ثلاثة أفلام من عام 1997 إلى عام 2002 بعد توقف عمل يونايتد أرتيستس كاستوديو عام. من عام 2006 ، وإلى عام 2015، تشاركت "إم جي إم وكولومبيا بيكتشرز" في توزيع سلسلة الأفلام، بعد استحواذ 2004 على "إم جي إم" من قبل اتحاد بقيادة "سوني بيكتشرز" الشركة الأم لكولومبيا. في نوفمبر 2010، أشهرت "إم جي إم" إفلاسها. أصبحت كولومبيا بعد خروجها من الإعسار شريكًا في الإنتاج للسلسة مع ايون. انتهت صلاحية حقوق توزيع سوني للسلسلة في أواخر عام 2015 مع إصدار فلم طيف. في عام 2017، عرضت "إم جي إم" و"أيون" عقدًا لفيلم واحد من أجل المشاركة في تمويل وتوزيع الفيلم الخامس والعشرين القادم في جميع أنحاء العالم، وأُعلن في 25 مايو 2018 فوز يونيفرسال بيكشرز به. سيكون الفيلم الخامس والعشرون القادم، وعنوانه الرسمي نو تايم تو داي، هو أول فيلم في السلسلة يُوزع من قبل يونايتد أرتيستس منذ فلم الغد لا يموت؛ وكان هناك ثلاث إنتاجات إضافية تحتوي شخصية جيمس بوند بصورة مستقلة عن سلسلة ايون: العرض التلفزيوني الأمريكي المقتبس عن الرواية، كازينو رويال (1954)، وأنتجته سي بي سي، الفيلم الساخر، كازينو رويال (1967)، من إنتاج تشارلز ك. فيلدمان، وإعادة صنع لفيلم كرة الرعد بعنوان لا تقل أبدًا مرة اخرى (1983)، من إنتاج جاك شوارتزمان، الذي حصل على حقوق الفيلم من مكلوري (34).

وأرجو أن أكون قدمت عرضا وافيا لفكرة الحفر الأركيولوجي والإبستمولوجي لسلسلة أعمال جيمس بوند ، تلك السلسلة التي كشفت لنا، أنها تحمل بريقاً بريقاً حتي اليوم، وذلك لكونها تحمل الدهشة، والإثارة لكل المشاهدين في الشرق والغرب .

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

(30) فيصل درّاج: المرجع نفسه.

(31) المرجع نفسه.

(32) رامي عبد الرازق: جيمس بوند» 22 فيلماً فى 46 عاماً والنجاح مستمر.. الأربعاء 12-11-2008 00:00.

(33) زكرياء بلعباس: المرجع نفسه.

(34) جيمس بوند في الأفلام: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.. المرجع نفسه.

 

صلاح حزامالتنمية الشاملة بكل ابعادها الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، هي حالة حقيقية ملموسة على الارض وليست حالة وجدانية يحلم بها الفرد او المجتمع.

انها جهد منسّق يشارك به ويقوم به فريق متنوع الاختصاصات.

يفترض أن يضم الفريق اصحاب فكر وتصوّر عما يجب فعله، ويضم كذلك اناس قادرين على التنفيذ لتلك الافكار العلمية..

عندما نتحدث عن التنمية (Development) فانها حالة تختلف عن النمو(growth)، لانها نمو متناسق وشامل، في اكثر من ميدان ووجه من اوجه الحياة، وهذا مايميز التنمية عن النمو.

التنمية شرطها الاساس توفر الموارد وتحقيق نموٍ اقتصادي كافٍ يخلق فائضاً اقتصادياً يتم توظيفه لتحقيق التنمية في قطاعات اخرى كالتربية والصحة والبيئة والسكن والبنية التحتية والترفيه والثقافة وغيرها .

لذلك يقال في ادبيات التنمية البشرية المستدامة: "النمو الاقتصادي شرطاً ضرورياً، لكنه ليس كافياً".

( necessary but not sufficient)

وذلك يعود الى ضرورة الفائض الذي يخلقه النمو لكي يُستَخدم في تنمية القطاعات الاخرى كالصحة والتعليم وغيرها.

عندما يكون الشخص او الاشخاص المكلفون بملف التنمية يحملون شهادات في فروع تنموية مختلفة لكنها مشتراة من سوق الشهادات او انهم حصلوا على شهاداتهم بالاستعانة باشخاص متخصصين يقوم بكتابة البحوث والاطروحات لهؤلاء والذين يعودون الى العراق بعناوين علمية كبيرة ولكنهم بلا معرفة او كفاءة علمية، او ان من يمسك بملف التنمية سياسي لكنه غير مختص، ذلك كله لن يحقق تنمية حقيقية.

سوف تتحول التنمية الى هدف وجداني يتغزّل به هؤلاء ويتحدثون عنه بلغة عامة فضفاضة وانشائية ويرددون عبارات من قبيل:

ضرورة تحقيق التنمية، وان التنمية هدفنا الاكبر، وضرورة حشد الامكانيات للنهوض بالبلد وسوف نضع الخطط لتحقيق التنمية وعلى المعنيين التصدي للمشاكل التنموية الخ ...

انهم ينظمون " مهرجانات" تنموية دعائية تحمّس الناس فقط!!

لكن من يقوم بذلك؟ ومن هم المعنيون اذا كان اصحاب الشهادات المزعومة لا يقومون به؟

التنمية ليست شعاراً ايديولوجياً بل هي ضرورة حياتية، خاصة في بلد مثل العراق يعاني من الانهاك والتراجع في كل قطاعاته..

على هؤلاء السادة الذين يسببون الكثير من الضجيج وهم يتحدثون عن التنمية،ان يعلموا ان التنمية ليست شعارات وندوات صاخبة وبرامج سياسية دعائية غير قابلة للتطبيق، بل هي مجموعة افعال متناسقة على الارض.

البعض يظهر على الشاشة وهو يكاد يبكي حزناً على التنمية الضائعة، وهو فاسد او جاهل او لايجيد الحديث باللغة العربية!!!

(لكنه، عادةً، يكون حريصاً على طلاء شعره باللون الاسود الفاحم قبل المجيء الى محطة التلفزيون. ولو انه انفق وقت الطلاء في القراءة عن التنمية لكان ذلك افضل وانفع له ولنا)

اي تنمية سوف يأتي بها هذا الجاهل؟

الوزارات والدوائر التي تعنى بشؤون الاقتصاد والمال والتنمية بجب ان تكون حصة المختصين وتبتعد عنها الاحزاب لانها لايجب ان تخضع للمحاصصة السياسية المتخلفة.

غياب التنمية خطر يهدد الجميع واولهم السياسيين

 

د. صلاح حزام

 

محمد الربيعي تعتبر الدورة البرلمانية الحالية اسوأ دورة لنوعية القوانين المناقشة والمشرعة، وللخروقات القانونية والمناهضة لتطلعات الشعب، وأكثر هذه القوانين سوءً هو قانون معادلة الشهادات والذي يقف في صدارة الإجراءات المناهضة للمجتمع الاكاديمي المحلي والعالمي، وباعتباره اغرب قانون في التاريخ الحديث، وفقا للتتبع والتحليل، ودلالة اكيدة على جهل المشرعين بواقع التعليم العالي العالمي.

وصف القانون بأنه "كارثة"، و"مثال بارز لدولة فاشلة"، و "تكريس للجهل"، وأنه "الأسوأ في التاريخ". لم يكن لمجلس النواب الكثير من القوانين، ولم يتم تمرير العديد منها مما يلقي الشك على الاسباب التي ادت الى الاستعجال في اصدار هذا القانون. لربما يؤكد الاصرار على تشريعه هو ما شاع من ان غرضه هو افتعال ازمة في الوسط الاكاديمي بالاعتراف بالشهادات بطرق بعيدة عن الاعراف الاكاديمية ولتسهيل عملية منح الالقاب العلمية للبرلمانيين و اصحاب الدرجات الخاصة والموظفين و اصحاب الشهادات.

حقيقة هذا القانون كما وصف بأنه كارثة ضمن عدد كثير من الكوارث التي اصابت التعليم العالي منذ السبعينات ولغاية اليوم. هذا قانون يستحق ان يكون مثال بارز لدولة معزولة ومحاصرة ذاتيا، لا يعرف نواب برلمانها بما يجري في العالم، وفي غربة تامة عما يحدث للتعليم العالي من تطورات، فيما عدا بعض الأمور السطحية كالتصنيفات العالمية التجارية، وبما يجري في بعض دول الجوار كالاردن. هذا هو الحد الاقصى لما يعرفه كثير من المسؤولين، وأعضاء البرلمان عما يجري من تطور في التعليم العالي في العالم. الطامة الكبرى انه يصدر في وقت انتشر فيه تزوير الشهادات والاقتباس غير المشروع والسرقات العلمية وكتابة الاطاريح تجاريا، واصبح التزوير والسرقة العلمية هما القاعدة، والنزاهة والصدق هما الاستثناء ليزيد من "الطين بَلَّة".

في الأمس كثير من الاكاديمين والمثقفين شجب اصدار القانون ووقف ضده، وكثير من اظهر مساوئه، واليوم بدأنا نلمس نتائجه السلبية وتأثيرها على حركة التعليم العالي، والتي أؤكد انها لن تعود بخير عليه، ولن تصب في مصلحة البلد وتقدمه، و انما ستساهم في تسريع تدهور الرصانة العلمية التي ما انفكت بالتدهور منذ عدة عقود.

 سأحاول ادناه تقديم عرض سريع لأهم مساوئ القانون وأخطاره على مسيرة التعليم العالي.

1- منح الألقاب العلمية الجامعية لعموم الموظفين ومن قبل مؤسسات لا علاقة لها بالجامعات.. هذا حقا بعمل خطير وغريب. لا توجد مؤسسة غير اكاديمية في العالم تمنح لقب اكاديمي كلقب بروفسور. لا يحدث هذا في اي دولة في العالم! اللقب العلمي لا يمنح من قبل مؤسسات غير اكاديمية وغير تعليمية وبحثية ونقصد بها الجامعات ومثيلاتها، فهذا اللقب يحمل كثير من الشروط والواجبات الاكاديمية والعلمية، ويفرض على الجهة المانحة متطلبات مالية واعتبارات وظيفية تتعلق بمهام الجامعات حصرا كمثل التدريس والاشراف، والتوجيه والبحث العلمي، والابتكار ومواكبة التغييرات، وتقديم الاستشارات العلمية والتكنولوجية. 

اللقب العلمي خاص بالمؤسسة الاكاديمية كما هو لقب "جنرال" فهو خاص بالمؤسسة العسكرية. هو ليس بجائزة او مدالية شرف.. انه لقب لوظيفة تتطلب نشاط اكاديمي وتدريسي وبحثي ومشاركة فعلية في عملية التكوين العلمي والمهني للطلبة. انه لقب وظيفي ينتهي مفعوله بترك الاكاديمي للمؤسسة الاكاديمية، أي لا يستطيع الاكاديمي من استخدامه بعد تقاعده او خروجه من الجامعة. يستطيع الاكاديمي ان يّعرف نفسه بانه بروفسور سابق او بروفسور متقاعد (الا اذا كان يحمل لقب بروفسور متمرس)، كما لا يستطيع الجنرال ان يستمر بتسمية نفسه إلا بالجنرال السابق او المتقاعد والوزير بالوزير السابق. فكيف يمكن منح الضابط او الموظف في وزارة الشباب والرياضة، او في وزارة النقل، او في الداخلية، او الدفاع لقب بروفسور؟ وما هي الضوابط والمعايير الاكاديمية التي سيتم على اساسها منح اللقب ومن خلالها تتم عملية الترقية العلمية؟

لقب بروفسور هو وصف لوظيفة تمنحها مؤسسة اكاديمية مثلما تمنح لقب مدرس، وبروفسور مساعد عندما يحقق التدريسي شروط المؤسسة. اما ان يمنح على أساس انه لقب معنوي فهذا حقا تجني على كل بروفسور.  وهذا ما لا يمكن ان يحصل الآن إلا في العراق. انها مهزلة واستهتار بالألقاب والوظائف العلمية!

2- اما المسألة الثانية فهي التي تدور حول الغاء اللجان العلمية لتقييم الشهادات أي ان تقييم الشهادة سيتم من خلال عمليات إجرائية ولن يتم مناقشة الجوانب العلمية للشهادة. هنا حقيقة لا غبار عليها وهي ان العالم يهتم بالجوانب العلمية اكثر بكثير من الجوانب الإجرائية.. العالم عند معادلة الشهادة وتقيمها يعطي اهمية بالغة الى معايير التأهيل كشروط القبول ومدة البرنامج وهيكل البرنامج ومحتواه وطرق الدراسة والتقييم، حالة المؤسسة المانحة، أي ما إذا كانت معتمدة / معترف بها من قبل هيئة عالمية لضمان الجودة و الاعتماد، والدرجات العلمية السابقة للدرجة الحالية، أي في حالة شهادة الماجستير ينظر في أهلية شهادة البكلوريوس. كيف سيمكن من تقييم الشهادة من دون الاخذ بالاعتبار هذه المعايير ومن دون لجنة علمية مختصة؟ من سينظر بها؟ تبدو لي الاجراءات التي نص عليها القانون قمة الاستهتار برصانة الشهادة ومصدرها! انها إهانة كبيرة للمجتمع الاكاديمي. كيف يمكن الاكتفاء فقط بمصادقة الملحقية الثقافية على الشهادة بدون الحاجة لمصادقة وزارة الخارجية من البلد المانح ومن دون اعترافها بالجهة الاكاديمية المانحة؟ ..هذه كارثة!

3- النقطة الاخرى كيف يسمح بمنح الشهادات الجامعية للبرلمانيين والوزراء و اصحاب الدرجات الخاصة بدون الحاجة الى تفرغ؟ هل يعني ان الشهادة ستكون بالمراسلة؟ وحول موضوع التفرغ، يبدو لي ان كلا من مجلس النواب والوزارة قد فهموا مسألة الحصول على شهادة من الخارج بصورة مخطؤة. يبدو انهم متفقون على تخفيض فترة الإقامة في الخارج من 9 اشهر الى 6 اشهر! استغرب من هذا القرار. الطالب لا يذهب للدول المتقدمة للحصول على مجرد شهادة، وانما على تعليم متكامل، وعلى ثقافة ومعرفة، واخلاق مهنية، وعلى كل ما يمكن الحصول عليه من الجامعة والمجتمع، خصوصا اللغة، وهذه الأمور لن يحصل عليها إلا بالتواجد داخل المجتمع الجديد. و اذا كانت الحجة هي في توفير عملة صعبة للوطن فهذه حجة سخيفة في ظل الفساد الانفجاري في البلد وتهريب البلايين، فالأفضل ان يبقى الطالب في الوطن ويدرس في جامعاته ليوفر كل تكاليف الدراسة. هل الدراسة في الخارج ستصبح بالمراسلة؟ كيف سيتعلم اللغة؟ لماذا يأخذ الطالب شهادة اجنبية من دون وجوده طوال او معظم فترة الدراسة في الجامعة وفي بلد الدراسة؟ لمصلحة من وضعت هذه المواد؟

وأخيرا لابد من الاعتراض بشدة على سن قانون اكاديمي لا تتغير مواده الا بموافقة مجلس النواب بينما يمكن الاكتفاء بتعليمات كما هي عليه الحالة الحالية في وزارة التعليم العالي، او كما ترتئيه الجامعات من مصلحة خاصة بها ضمانا للحريات الاكاديمية. ما من حاجة الى قانون، ولا من سبب مشروع.

لا حل الا بإلغائه فلا يصلح تعديله.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

محمود محمد عليتعد أفلام شون كونري "من روسيا مع حبي" (1963)، "الإصبع الذهبية" (1964)، "أنت تعيش مرّتين فقط" (1967) أفضل أفلامه في دور العميل 007، وقد غطّى حضوره الذكوري الآسر على بطلات أفلامه العديدات من مختلف الأجناس والأعراق، فنسيهم الجمهور وتذكره وحده (17).

ولعل أفضل أفلام بوند هي تلك التي ظهرت إبان الحرب الباردة، لأنها كانت على نحو ما "أفلاما واقعية"، أي تحاول أن تقنعك بأنها تعكس تلك المنافسة الحقيقية التي كانت دائرة في الواقع، بين المخابرات السوفيتية والبريطانية والغربية عموما، وكان سلاح الجنس دون شك، يستخدم في تلك المنافسة، غير أن أفلام بوند لم تنته بنهاية الحرب الباردة، بل استمرت وجدّدت جلدها بممثلين جدد، وبحبكات جديدة، ومخرجين جدد أحدثهم، هو كما أشرت داني بويل، صاحب "مليونير العشوائيات" (19).

ثم أسند دور "جيمس بوند" بعده إلى ممثل يُدعى "جورج ليزنبي"- George Lazenby في فيلم وحيد عنوانه "في الخدمة السريّة لصاحبة الجلالة" (On Her Majesty's Secret Service) (1969)، وهو الفيلم الوحيد له في سلسلة أفلام "جيمس بوند"، وهذا الفيلم حقق الفيلم نجاحا كبيرا في شباك التذاكر وعلقت عليه آمال كبيرة لخلافة شون كونري.

لكن النجاح لم يحالفه وذلك بعد أن انسحب من توقيع عقد لأداء دور جيمس بوند لـ 6 مرات أخرى لأسباب شخصية ولعدم أتباعه لبعض البروتوكولات والشروط الواجب اتباعها خارج الاستديوهات.مما جعله عرضة النسيان والتهميش في هذا الجزء من سيرته؛ ومن ثم أضحي يمثل مرحلة لم تلق النجاح المرجو منها، حيث نظر إليه النقاد والجمهور بأنه كانت مرحلته سلبية جداً وذلك بمقارنة أدائه بـ" شون كونري"، وظل السؤال الذي يراود الجميع: " لماذا تم إسناد " جورج لازينبي" شخصية "جيمس بوند"، وهو عارض أزياء في الأصل وليس ممثلاً (20).

بيد أن شخصية "جيمس" تستعيد ألقها من خلال المثل "روجر مور"، والذي جسد شخصية " جيمس بوند " في 7 أفلام تبدأ من ( 1973-1985) بدمجه بوصفه مستكشف الغابات والسيجار الكوبي، ويصبح أكثر النجوم تجسيداً لشخصية جيمس بوند من ناحية الكم؛ علاوة على أنه أضفي علي شخصية " جيمس بوند" لمسة فريدة من نوعها، وروجرز مور ظل الممثل الوحيد الذي استطاع أن يقترب كثيراً من أداء "شون كونري" بلمسته الكوميدية المميزة، ومتساويا معه في عدد المرات والتي لعب فيها دور" جيمس بوند" .

وروجر مور الذي يعد أحد أهم النجوم الذين لعبوا بطولة سلسلة أفلام جيمس بوند غير كثيراً بوسامته في شكل البطل الذي يلعب أفلام الأكشن بسبب وسامته وصوته المميز الذي دوماً ما تميز به وقامته مما جعله يحظى بقطاع كبير من المعجبات بفترة السبعينات من القرن الماضي تحديداً الذي لعب فيها بطولة جيمس بوند (22).

وقد جسد "روجر مور" شخصية العميل السري "007" لأطول فترة مع أن القيمين على السلسلة اعتبروا في البداية أنه "وسيم جدا" ليؤدي الدور ولم يختاروه للمشاركة في الجزء الأول منها وكان بعنوان "دكتور نو" (1962)؛ واضطر إلى انتظار أن يمل شون كونوري من الدور ليحل مكانه، وحل عليه النجاح فجأة. وقد حمل مور إلى الدور السحر والأناقة فضلا عن الخفة والفكاهة.. إضافة إلى حاجبه المرفوع الذي أصبح علامة فارقة.

ولا شك في أن روجر مور طوَّر سمات بوند باتجاه أكثر مرحاً وخفة من كونري وصل إلى حَدّ الإضحاك، بحيث إن دعاباته طالت مارغريت تاتشر نفسها. لَعلّ أفضل أفلامه هي "عش ودع غيرك يموت" (1973) مع جين سيمور، "الجاسوسة التي أحبتني" (1977) مع باربارا باخ، "من أجل عينيك فقط» (1981) مع الفرنسية كارول بوكيت، و"أكتوبوسي" (1983) مع مود آدمز، التي ضربت رقماً قياسياً بأدائها دورين مختلفين في فيلمين من أفلام بوند. بدت علائم تقدُّم العمر على كل من مور وكونري معا (23).

فجيء بالممثل البريطاني الجاد تيموثي دالتون ليلعب دور بوند في فيلمين لتجسيد شخصية " جيمس بوند وذلك خلال أعوام ( 1987-1989)، أولهما "نجوم النهار" (1987) مع الممثلة ميريام دابو، وأتبعه بفيلم "رخصة للقتل" في 1989، قبل أن يُزاح عن الدور لصالح بيرس بروسنان، الذي رشحه روجر مور نفسه بعد أن وجده الأشبه بمقاربته المرحة لبوند عبر مسلسله "رمنغتون ستيل". مثل الأيرلندي بيرس بروسنان شخصية بوند في أربعة أفلام، أقواها فيلمه الأول "العين الذهبية" (1995) مع إيزابيللا سكوربوكو وشون بين، وإن كانت الثلاثة الباقية ممتعة أيضاً. ثم أعفي فجأة بعد فيلم "مت في يوم آخر"، (24) ؛ وانتهي به المطاف بالنسيان، وذلك راجع إلي كون الطريقة التي قدم بها شخصية العميل السري 007 كانت مبالغا فيها أكثر من اللازم في نظر الجمهور .

وعلي غرار زميله "تيموثي دالتون"  وجدنا الممثل " بيرس بروسنان " والذي انتظر سنوات لتشخيص دور "جيمس بوند"، إلى أن اتسم الحظ له في تسعينات القرن الماضي، ليكمل مشوار زملائه في تسجيد شخصية " جيمس بوند"، ويفتتح مرحلة جديدة لاقي فيها نجاحا كاسحاً آنذاك بإضافته لشخصية " جيمس بوند "، لمسة من شخصيته الحقيقية، بروية " جيمس بوند " لأول مرة لا يدخن، ولمسة من الكوميديا، حتي أذهل الجمهور، مما حفز المنتجون علي إنتاج 4 أفلام من متفاوتة الجودات، كان " بيرس بروسنان " بطلها.

وقد أثار الممثل الأيرلندي بيرس بروسنان جدلاً كبيراً، حول نوعية أبطال سلسلة جيمس بوند في المستقبل، قائلا: "إن الوقت قد حان ليتقمص دور البطولة في هذه الأفلام شخص أسود أو مثلي الجنس".؛ ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية رد بروسنان، على أسئلة مجلة "ديتايلز"، حول إمكانية أن يكون البطل مثلياً، فأجاب: "بالطبع لم لا؟"، لكن بروسنان قال إنه يشك فى أن تسمح منتجة السلسلة باربرا بروكولي بأن يكون كذلك. وأضاف: "لنبدأ بممثل أسود يتولى دور جيمس بوندمثل إدريس إلبا، الذي يمتلك كل الصفات الجسدية والكاريزما لأداء الدور"، لكن إدريس إلبا من أب سيراليوني وأم غانية، بينما ترسم روايات جيمس بوند الأصلية ملامح أخرى للعميل السري بوند، إذ تفترض فيه أنه من والد إسكتلندي وأم سويسرية، بالإضافة الى أنه أمضى جزءاً كبيراً من طفولته خارج بريطانيا.

وقبل أن يستلم " دانيال كريغ" الشعلة لمواصلة سلسلة أفلام جيمس بوند، إلا أن المفاجأة كانت خارج التوقعات، حيث ضاق صدر شخصية "جيمس بوند" ذرعا عندما عرف أن " دانيال كريغ" هو "جيمس بوند" الجديد، فملامحه لا تطابق وصف الشخصية بالرواية الأصلية ولا ما اعتاد عليه الجمهور، بيد أن " دانيال كريغ" ورغم الانتقادات أثبت العكس تماماً، وقدم أداءً جديداً، ورائعاً لشخصية " جيمس بوند"، فيلم "كازينو رويال" (2006) من إخراج مارتن كامبل، ويغير جذرياً من معالم الشخصية عن جميع من سبقه، فيجعلها أكثر عنفاً وغير مُنزّهة عن الأخطاء، بحيث صدم الجمهور حين تَمّ خداعه، وحين ألقى بجثة صديق قتيل في حاوية قمامة، وحين لم يأبه لخلطة شراب بوند المفضلة، وحين لم يتردّد لحظة في إطلاق النار على غريمته التي لعبت دورها الحسناء الفرنسية صوفي مارسو (25).

وللأسف يُؤخذ على سلسلة أفلام جيمس بوند بشكلٍ عام أنها – رغم زعم براءتها من الغرض السياسي وتبريرها للإثارة الخالصة – فإنها تضمر نظرة لا تخلو من عنصرية تصوّر أغلب الأشرار والشريرات على أنهم من أغراب من أجناس غير العرق الأنغلوساكسوني النقي، فمنهم الروسي، والألماني، والإسباني، والياباني، والجنوب- أمريكي، والإفريقي، والصيني، والتركي، والمغربي، والمصري، والكوري. بينما بالكاد نجد عبر 42 فيلماً مجرماً أمريكياً أو بريطانياً إلّا في حالات نادرة (26).

علاوة علي أنه ربما تكون شخصية "جيمس بوند" عميل الاستخبارات البريطانية، التي اخترعها الكاتب الصحافي إيان فليمنغ، إحدى أساطير النصف الثاني من القرن العشرين. وقوّة هذه الأسطورة حفظت الشخصية المتوالدة، بعد رحيل السياق الذي فرض ولادتها. فقد بدا بوند، ذات مرّة، بطل محاربة الشيوعية، الذي يواجه الشر منتصراً، ويعود إلى منزله مغتبطاً كامل الأناقة. ومع أنّ الحرب الباردة أغلقت دفاترها، وخيّم "الخير" على العالم كلّه، فإنّ روح بوند السعيدة لا تزال تتنقل من مكان إلى آخر، كما لو كانت "نهاية التاريخ" لا تتخلّى عن صنّاعها. تطرح هذه الشخصية، في مآلها الغريب، سؤالاً واسعاً: هل تصدر الأسطورة عن الشخص الذي تنسب إليه، أم عن عناصر خارجية صنعت منه أسطورة؟ (27).

وسلسلة أفلام "جيمس بوند" هي ابتكر الروائي البريطاني ايان فليمنج شخصية "بوند" أوائل خمسينات القرن الماضي. يجسد فيلم "سبيكتر"، وهو آخر أفلام الشخصية دور عميل يطارد الأِشرار في مختلف أنحاء العالم. يلعب هذه الدور الممثل البريطاني "دانيال كريغ"، مثّل دور بوند عدد من الممثلين منهم جورج لازينبي، وروجر مور، وتيموثي دالتون.

ولد ايان فليمنج فى 28 مايو عام 1908، وهو مؤلف وضابطٌ فى المخابرات البحرية، ثم حاول استكمال دراساته العليا في أكثر من جامعة، إلى أن قرّر أن يعمل صحافياً في وكالة رويتر، وأن يكون مراسلها في موسكو. وبعد أن طرد منها متهماً بالجاسوسية في نهاية 1933، عاد إليها بعد ست سنوات مراسلاً لمجلة "التايمز" هذه المرّة. كان الرجل، في الحالين، صحافياً، وكان في الحالين جاسوساً مثابراً أيضاً، الأمر الذي أعطاه وظيفة مرموقة في جهاز استخبارات البحرية البريطانية، التابع للأميرال جون غودفري، الذي استقى منه فليمنج ملامح اختراعه القادم: جيمس بوند. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 انسحب الرجل من عالم الجاسوسية، واستقر في مسكن جميل في جامايكا، حيث عاش حياة مريحة، تزخر بالكحول والنساء وتدخـــين الســكائر وكتــابة الروايــات، إلى أن مات في حادث صيد عام 1971. وواقع الأمر أنّ بوند، الذي صالح بين المغامرة والمتعة، مرآة لحياة مؤلفه الشخصية، ولعمل ذلك الأميرال الحسوب «غودفري»، الذي رأى في محاربة الشيوعية عملاً مقدّساً (28).

كتب فلمنغ العديد من الروايات والقصص القصيرة، من بطولة جيمس بوند خلال حياته حتى مماته عام 1964. ثم تابع التأليف الأدبي لروايات ومغامرات بوند كلا من كينغسلي أميس، جون بيرسون، جون غاردنر، ريموند بينسن، تشارلي هيغسون، كريستوفر وود وغيرهم؛  إلا أن شهرة جيمس بوند الحقيقية تحققت بشكل أساسي عن طريق السينما، من خلال 24 فيلما من إنتاج "EON Productions"، بالإضافة لإنتاجين سينمائيين مستقلين ومسلسل أميركي، مستمد من روايات فلمنغ؛ ويُذكر أن الجزء 25 والأخير من السلسلة، سيعرض في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2020، من بطولة دانيال كريغ وزين مالك (29)... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

(17) د. رياض عصمت: المرجع نفسه.

(18) أمير العمري: المرجع نفسه.

(19) المرجع نفسه.

(20) هوفيك حبشيان: شون كونري الخارق أكبر من جيمس بوند.. الثلاثاء 3 نوفمبر 2020 13:05

(21) المرجع نفسه.

(23) د. رياض عصمت: المرجع نفسه.

(24) المرجع نفسه.

(25) المرجع نفسه.

(26) المرجع نفسه.

(27) فيصل درّاج: المرجع نفسه.

(28) المرجع نفسه.

(29) بالم سبرينغز: رحيل شون كونري العميل الأول بين ممثلي جيمس بوند، ترجمة محمد رُضا.. الأحد - 15 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 01 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15314].

 

نايف عبوشأفرزت العصرنة، بثورتها التقنية والرقمية الراهنة، تداعيات سلبية كبيرة، في حياتنا المعاصرة، رغم كل ما حققته من ايجابيات مبهرة . ولعل من بين أهم تلك التداعيات، الاستغراق التام في معطياتها، والحضور الدائم في فضائها الصاخب، والانشغال المستمر في متابعة مستجداتها، والهوس الزائد في تلقف تطبيقاتها .

وقد تسببت ظاهرة الإنغماس الكلي في اتون معطيات تلك التداعيات، باستهلاك الوقت المتاح لإنساننا المعاصر، واستنزاف طاقته الوجدانية، الروحية منها، والتأملية، وما ترتب على ذلك، من عزلة اجتماعية مقرفة، سواء على مستوى الأسرة والأقارب، أو على مستوى الجيران، والمجتمع، وما نجم عنها من انفصام أسرى، وتفكك اجتماعي مقلق، حتى كادت تختفي في مجتمع اليوم، ظاهرة ترادف الأجيال، بانحسار التواصل الإجتماعي الحي، وغياب دفء الحس العاطفي معه .

وهكذا طالت تحديات العصرنة، بآثار تداعياتها السلبية، صميم حياتنا اليومية الراهنة، بعد أن بدأنا نلمس، انسلاخ الجيل الجديد، عن الكثير من العادات والتقاليد تدريجياً، والانزياح في نفس الوقت عن الموروث الاجتماعي، بعد أن تفاقمت فجوة الجيل، وغابت ظاهرة الترادف التقليدي بين الأجيال، مع الغزو الصاخب للعصرنة، الأمر الذي بات يهدد بتفكك البنى القيمية، والاجتماعية، وبما قد يقود إلى ضياع الأجيال، واستلاب معالم الهوية التراثية، في قادم الأيام .

وإذا كان لا بد من العمل على إعادة ترشيد ثقافة واقع الحال الراهن، المثقلة بكل سلبيات هذه التداعيات، وإعادة تشكيلها بما يتلائم مع معايير التحديث، والعصرنة، حتى يمكننا التعايش بتوازن مع معطياتها، والتكيف مع انجازاتها المتسارعة، بأقل ضرر يلحق بأصالة هوية وجودنا الاجتماعي، وموروثنا الشعبي، فإن ذلك ينبغي ان يتم في إطار الحرص الواعي من الجميع، على الحفاظ على جذور أصالة هوية الموروث الحضاري لمجتمعنا، وعدم التفريط بها، مهما كانت ضغوط إغراءات الحداثة جذابة .

لذلك بات الأمر يتطلب الإنتباه الجدي، إلى مفاعيل سلبيات تداعيات العصرنة المتسارعة، التي طالت عواقبها كل جوانب حياتنا الراهنة، من عزلة اجتماعية، وانغماس مقرف في تفاصيلها، وانزياح عن موروثنا الديني، والحضاري، والتراثي، ومن دون إغفال حقيقة كون هيمنة الثورة التقنية والرقمية، قد أصبحت اليوم، سمة عصر، وثقافة واقع حال راهن، وبالتالي فإنه لامناص من التفاعل الخلاق، والتعايش البناء معها،على قاعدة الانتفاع من كل ماهو مفيد وايجابي منها، ونبذ ماهو ضار، من دون الإنغماس الآلي فيها، أو تركها، والانسحاب منها كليا، وذلك بالشكل الذي يحافظ على معالم الهوية التراثية، ويسمح بتواصل الجيل الجديد من الناشئة، مع موروثه الديني والاجتماعي، وهو يعيش، في ذات الوقت، تفاصيل مفردات حياة الحداثة، التي باتت تداعياتها تتسارع بشكل صاخب، ومذهل .

 

  نايف عبوش

 

صلاح حزامالاحصاء علم وله قوانين ويدرّس في الجامعات. لكنه في حدّه الادنى، موجود في اذهان الناس بشكل فطري كجزء من برنامج التشغيل (مثل الكومبيوتر) الذي يأتي مع الانسان عند ولادته ويساعده على البقاء حتى لو عاش ومات أميّاً.

نسمع ان الناس ترتاد هذا المكان بأعداد كبيرة (معلومة احصائية)، فنهرع لارتياده. نسمع ان الفلم الفلاني يحظى باقبال جماهيري فنسعى لمشاهدته.

نسمع ان طعاماً معيناً سبب اذىً لعدد كبير من الناس (معلومة احصائية)، فنخاف ونتوقف عنه.

مشاهدة الناس ترتدي زيّاً معيناً، يشجع على ارتداء ذلك الزي (مشاهدة احصائية). وهذا مايجعله موضة شائعة.

ارتياد مطعم، مقهى، حديقة، مدينة في دولة ما، خطوط جوية معينة، في كل تلك الاشياء، يلعب الاحصاء والأعداد دوراً في قراراتنا المتعلقة بها.

ماهي افضل طريقة للحكم على جودة الاشياء او رداءتها ؟ انها مراقبة سلوك الآخرين تجاهها!! اذا زاد الاقبال فهذا يعني انها جيدة والعكس صحيح.

وهذا السلوك ليس تبعية وانجرار وراء مزاج وقرارات الآخرين.

لا يستطيع الانسان، ولاينبغي له، ان يجرِّب كل شيء بنفسه، تجارب الآخرين مهمة للاستفادة .

الاطباء عند اختراع دواء جديد، يعطونه لعدد من المتطوعين للتجربة، ويراقبون ويدرسون سلوكهم وآثار الدواء عليهم (مراقبة احصائية)،

هم يسمونها ( statistical observation) لانها تجعلهم يقررون فائدة وآثار الدواء.

لذلك يقال ان نسبة معينة منهم حصل لها كذا ونسبة اخرى حصل لها كذا، الخ...

حتى المرأة البسيطة الأمية عندما تذهب للتسوّق، فأنها لا تشتري من اول بائع بل تتجول في السوق وتسأل عن الاسعار (تجمع معلومات احصائية) وعلى ضوء ذلك تقرر من اي بائع سوف تشتري وكم تشتري، وقد لا تشتري أصلاً اذا لاحظت ان السعر مرتفع قياساً بالاسعار السابقة (مقارنة احصائية)..

مقارنات رواتب واسعار اليوم مع تلك التي كانت في السابق، من قبل الناس من مختلف المستويات، هي مقارنات احصائية لاتتوقف..

ونفس السلوك يحصل على مستوى الاقتصاد الوطني، لانه بدون احصاء وتحليل احصائي ورياضي يتحول البحث الاقتصادي الى رواية (story).

الحياة دوامة ضخمة من الاحصاءات لا تتوقف.

استبيانات واستطلاعات الرأي، هي عمليات جمع لاحصاءات متنوعة تستخدم في صنع افضل القرارات الممكنة.

كم من احصاءات اجهزتنا الاحصائية دقيقة؟

جمع البيانات يتأثر بالفساد وغياب المسؤولية الوظيفية وغياب المحاسبة والتدقيق.. المستهدفون بالاحصاء لايعطون معلومات صحيحة لاجهزة الاحصاء اما للتهرب الضريبي او لإخفاء الاحتيال (روى لي صديق مطّلع عند زيارتي للعراق ان المستوردين يكتبون في الاستمارات الخاصة انهم يستوردون حليب اطفال في حين انهم يستوردون مشروبات كحولية لان الحليب معفى من الضريبة بينما ضريبة الكحول عالية)..

وموظف الاحصاء قد يعبأ الاستمارة وهو في بيته وعلى مزاجه ودون ان يكلف نفسة عناء الخروج لجمع البيانات..

ولنا ان نتصور حجم الفوضى في البيانات عندحصول مخالفات من هذا النوع وعلى نطاق واسع..

استيرادات تدخل العراق من منافذ غير رسمية ولايعرف عنها أحدٌ شيئاً!!

مناطق في العراق لايصل اليها الاحصاء المركزي!!

لايوجد احصاء سكاني حديث مع كل التغيّرات التي حصلت منذ التسعينيات!!!

كيف يمكن صنع سياسات اقتصادية واقعية مع كل هذا التشويه في المشهد؟؟ حتى لو توفرت النيّة الصادقة.

 

د. صلاح حزام

 

 

علاء اللاميإنه توماس ل طومسون، العالِم اللاهوتي الذي دفع ثمن إخلاصه للحقيقة حين كشف لا تأريخية التوراة وخرافيتها، فلفظته أميركا وحاصره التوراتيون فطُرِد من كرسيه كأستاذ جامعي واضطر لاحقا ليعمل بوابا وصباغا "دهانا" للبيوت لفترة!

* ولد توماس طومسون (Thomas L. Thompson) في 7 يناير 1939 في ديترويت بالولايات المتحدة الأميركية. نشأ متخصصا بحثيا في الدين الكاثوليكي وتخرج بشهادة (ليسانس / بكالوريوس الآداب) من جامعة دوكين، بيتسبرغ، بنسلفانيا، في عام 1962.

* أصبح مدرساً لاهوتياً في جامعة دايتون من عام 1964 إلى عام 1965، ثم أستاذًا مساعدًا لدراسات العهد القديم بالجامعة في ديترويت من عام 1967 إلى عام 1969.

* درس اللاهوت للكلية الكاثوليكية بجامعة توبنغن، وأكمل أطروحة الدكتوراه الخاصة به حول "تاريخ الروايات. البطريركية: البحث عن إبراهيم التاريخي"، في عام 1971.

* رُفِضت أطروحته للدكتوراة لأن أستاذه الذي أجرى الامتحان والتقييم، الأب جوزيف راتزينغر، أستاذ علم اللاهوت ورجل الدين الذي سيصبح سنة 2005 بابا الفاتيكان بنديكتوس السادس عشر، اعتبرها غير مناسبة لعالم لاهوت كاثوليكي.

* فكر طومسون في تقديم أطروحته إلى الكلية البروتستانتية في توبنغن، والتي اضطر إلى تركها في عام 1975 دون دبلوم. تمت دعوته بعد ذلك لإكمال دراسته في جامعة تمبل في فيلادلفيا، حيث تخرج أخيراً لدراسات العهد القديم بتقدير امتياز في عام 1976.

* رفضت الصحافة الجامعية الكاثوليكية موضوع أطروحته وأطروحته إلى حد كبير، ولكن نشره الناشر دي غرويتر برس في عام 1974 تحت عنوان "تاريخ الروايات البطريركية". * أدى الجدل الذي أثارته هذه الأطروحة المنشورة في الأوساط الأكاديمية الأمريكية المحافظة إلى منع كاتبها من الحصول على وظيفة في إحدى جامعات الأميركية.

* ظل غير قادر على تأمين وظيفة له في الأوساط الأكاديمية الأمريكية في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، واضطر للعمل كمدرس في مدرسة ثانوية وكبواب عمارة وصباغ منازل حتى عام 1984.

* حصل سنة 1984 على منصب أستاذ زائر في مدرسة القدس للكتاب المقدس. ولكن هذه المدرسة تعرضت لانتقادات شديدة من قبل الدوائر الصهيونية الإسرائيلية التي عارضت الشكوك التي أثارها طومسون حول موضوع تاريخية القصص ذات الأصل اليهودي وطُرد من وظيفته.

* عمل طومسون على أسماء الأماكن الفلسطينية لمصلحة منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة، لكن المشروع توقف بسبب اتهامات التي وجهتها له الأوساط الصهيونية بأنه معاد للسامية بمعاداة السامية، وبسبب انتقاد طومسون لممارسات "نزع التعريب" الإسرائيلية في فلسطين وفرض العبرنة بدلا منها.

* على الرغم من سمعته العلمية المتنامية والاعتراف بقيمة أبحاثه، إلا أنه لم يتلق أي منصب ثابت يليق بعلمه، وقد ألقى طومسن باللوم فيه على الدوائر الكاثوليكية المحافظة، وبشكل خاص تحت تأثير الأب راتزينغر.

* في بداية كتابته لرسالة الدكتوراه كان اتجاهه العلمي منسجماً إلى حد بعيد مع ما كان سائداً من الأفكار والنظريات المتعلقة بتاريخ اسرائيل والعهد القديم. وكان سببه أن حضارة نوزي، وقوانينها الاجتماعية والعادات والتقاليد الموجودة في تلك البيئة وجدت أشياء مماثلة في العهد القديم ترجع في تاريخها إلى تلك الحقبة من حضارة نوزي. ولذلك نظر الباحثون إلى أنه من الممكن جداً من الناحية الحضارية أن المنطقتين، فلسطين ونوزي - أعتقد ان المقصود منطقة نوزي الأكدية في شمال بلاد الرافدين شرق كركوك- شهدا تطوراً مماثلاً في العادات والتقاليد، والقوانين. لكن تومسون تبين له فيما بعد أن النصوص المكتشفة في حضارة نوزي قد قرئت خطأ، وفسرت تفسيراً خاطئاً متعمدا لإيجاد تشابه بين نصوص العهد القديم ونوزي. وبعد اكتشاف هذه الحقيقة تغيرت نظرة تومسون إلى الموضوع، وبدأ يدرس العهد القديم من جديد، وفي ضوء تلك الدراسات انهارت النظريات العديدة المتعلقة بالعهد القديم.

* انتهى البروفسور توماس طومسون من رسالته للدكتوراه عام 1971م، حيث فوجئ برد فعل عنيف ضد كتاباته ونتائجه، وثبت له أنه من المستحيل أن يحصل على شهادة الدكتوراه من أوربا، أو ينشر كتابه في أمريكا. حيث رفضت بشكل كامل على أساس أنها لم ترق إلى المعايير الأكاديمية لدور النشر كم نقلت جريدة الحياة. ثم نشر الكتاب في ألمانيا عام 1974م، وحصل على شهادة الدكتوراه من جامعة تمبل بالولايات المتحدة 1976م، ولكن الذين وقفوا في وجهه في أوربا، حضر بعضهم إلى جامعة تمبل وقت المناقشة، وحاول اقناع البروفسور هناك بعدم منحه الشهادة، انظر جريدة الحياة 24/12/1421هـ.

* في هذه الفترة أي عام 1975م نشر باحث كندي اسمه جون فان ستر بحثاً عنوانه "إبراهيم في التاريخ والأعراف والتقاليد (Abraham in History and Tradition ) ونتائج أبحاثه أيدت ما كان يذهب إليه تومسون، بأن قصص العهد القديم ترجع في أصلها إلى القرن السادس قبل الميلاد، أو حتى متأخرة عن هذه الفترة، ثم ظهر كتاب آخر، اشترك في تأليفه عدد من الباحثين، وكانت النتيجة التي توصلوا إليها بأنه لا يمكن الاعتماد على العهد القديم "التوراة" كمصدر تاريخي، وعلى هذا فقد انهارت الاسطورة القائلة إن العهد القديم "التوراة" يشتمل على الحقائق التاريخية.

* في عام 1975م عاد طومسون من ألمانيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ونظراً للمعارضة الشديدة لآرائه في الأوساط العلمية الأمريكية، حُرم من التدريس في الجامعات الأمريكية، وهو يتحدث عن نفسه في جريدة الحياة فيقول: تقدمت بأكثر من 200 طلب توظيف خلال 12 عاماَ من 1974وحتى 1986م، لكن لم تسنح لي الفرصة خلالها إلا لمقابلة جدية واحدة.

* لكسب العيش تحول طومسون إلى عامل للدهان "الصبغ" في بيوت الناس، وعامل يدوي يشتغل حيثما يوجد العمل، فعمل لفترة بوابا ولكنه لم ينقطع عن العلم، فكان ينفق وقته مساء في نهاية الأسبوع في البحث العلمي لدراسة العهد القديم، ولقد استمر الوضع هكذا لمدة عشر سنوات، حتى عين أستاذاً مساعداً في المدرسة اللاهوتية بالقدس عام 1985م، واستمر في هذه الوظيفة قرابة سنة.

* وفي هذه الفترة اشترك في البحث مع غونسالفيز الذي كان يعمل استاذاً هناك أيضاً عن أسماء المواقع الفلسطينية، حيث بدآ سوياً في عمل تمهيدي عن التغيير في أسماء المواقع الجغرافية منذ عام 1948م، ووصلا إلى نتيجة مفادها وجود برهان على عمل مبرمج ودؤوب لتجريد كافة أنحاء فلسطين من أسماء المواقع العربية. ومن ثم فقد استغني عن خدماته، ورجع طومسون مرة أخرى إلى صبغ البيوت والأعمال اليدوية الصغيرة، ثم حصل على منحة للبحث من الوقف القومي في عام 1987م، ونشر دراسته كاملة عن العهد القديم في سنة 1992م بعنوان "التاريخ المبكر لبني إسرائيل" (The Early History of Israelite People) وقد تسبب هذا الكتاب بردود فعل أعنف من سابقه ضد المؤلف.

* كما اشتغل في جامعة ماركويت وجامعة لورنس، وهما جامعتان كاثوليكيتان، وخاضعتان للجهات التبشيرية، وبما أن أبحاثه وتوجهاته كانتا في سمت مخالف للجامعة الكاثوليكية، فالجامعة قررت الاستغناء عن خدماته، وحسب القول رب ضارة نافعة، عين طومسون أستاذاً لتدريس العهد القديم في جامعة كوبنهاجن بالدانمارك، وكان ذلك في عام 1993م.

* تقاعد طومسون عام 2009 بلقب أستاذ فخري.

* أصدر أكثر من عشرين كتابا مهما ترجمت خمسة منها إلى العربية. كما أصدر أكثر من 170 مرجعا علميا في تاريخ فلسطين والأدبيات التوراتية.

* رغم تقاعده ما يزال يواصل عمله وأبحاثه العلمية بنشاط، وآخر نشاط علمي له كان تقديمه سلسلة من المحاضرات في فلسطين المحتلة قبل سنتين، رفقةَ زوجته الباحثة أنغريد يلم المديرة السابقة لمشروع تاريخ فلسطين، حيث ألقيا محاضرات وعقدا لقاءات مع الطلاب الفلسطينيين بدعوة من البيت الدنماركي الفلسطيني في جامعة الخليل وفي المتحف الفلسطيني ببيرزيت وفي دار الآثار جامعة القدس - أبو ديس، وفي جامعة القدس البلدة القديمة وأماكن أخرى وقد جمعت وترجمت عشر من تلك المحاضرات وصدرت سنة 2019 في كتاب يحمل عنوان "الماضي العصي" عن دار الناشر في رام الله.

 

علاء اللامي

 

محمود محمد عليكانت أفلام بوند تعرض في مصر عروضا عامة وتلقى إقبالا كبيرا في وقت كانت قبضة الرقابة مشدّدة على كل ما يروّج للقيم "الرأسمالية" الغربية، وكانت البارانويا الناصرية وقتذاك تشك في أن كل أجنبي قادم إلى مصر من الممكن أن يكون جاسوساً، فما بالك بأفلام سيد الجواسيس، لماذا كانت تنتشر وتروّج حتى بعد عام 1967، وما جرى فيه من نكبة كبرى لا تزال الأمة تدفع ثمنها غاليا؟.. كانت هناك على ما يبدو رغبة في جعل الناس ينسون الهزيمة المرة، ولذلك فشلت الدعوة التي أطلقها البعض وقتها لمقاطعة الأفلام الأمريكية بدعوى أن أفلام هوليوود "تخدم المخطط الإمبريالي" وهي أفكار لا تزال تجد لها بكل أسف، صدى حتى يومنا في بعض وسائل الإعلام، خاصة تلك التي تتبنى خطابا "إسلامويا"؛ وقد منعت الرقابة في مصر الفيلم الثاني في سلسلة أفلام بوند "من روسيا مع حبي"، بدعوى "الإساءة لدولة صديقة" وكان المقصود بالطبع "الاتحاد السوفيتي" فقد كان الفيلم يدور حول محاولة بوند التسلل إلى روسيا لكي يأتي بعميلة للمخابرات السوفيتية (حسناء جدا بالطبع) تريد أن تهرب إلى الغرب، ومعها جهاز لفك الرسائل والشفرة ثمين للغاية (9).

وهنا يظهر جليّاً أنّ أفلام جيمس بوند كانت تمهيداً باكراً للانتصار في الحرب التي خاضها الغرب مع "إمبراطورية الشر"، أي الاتحاد السوفيتي، بحسب وصف الرئيس الأمريكي "رونالد ريجان في خطاب ألقاه عام 1983. لم يكن ريجان نفسه سوى ممثّل سينمائي استطاع إسقاط الاتحاد السوفيتي بعدما أجبره على خوض "حرب النجوم". إلى الآن، ليس ما يثبت هل برنامج "حرب النجوم" كان حقيقة... أم مجرّد فيلم على طريقة أفلام جيمس بوند. كشف برنامج "حرب النجوم"، الذي يعني بين ما يعنيه نشر منظومة صاروخية في الفضاء، ضعف الاتحاد السوفيتي، تكنولوجياً واقتصادياً، وعجزه عن خوض سباق تسلّح مع الولايات المتحدة (10).

وفي سياق مشاركته في الحرب الباردة، حجز "جيمس بوند" دوراً للاستخبارات البريطانية. من خلاله أعطى هذه المؤسسة دوراً في تلك الحرب في وقت كانت "بريطانيا العظمى" تدخل مرحلة التحوّل الى قوّة أقلّ من عادية على الصعيد العالمي، بعدما كانت إمبراطورية "لا تغيب عنها الشمس". بدأ الانحدار البريطاني بعد فشل حملة السويس عام 1956 التي سبقها التخلي عن "درّة التاج" التي اسمها الهند. لعب جيمس بوند، أي "شون كونري" (العميل الرقم 007)، دوراً في إبقاء الأسطورة البريطانية حيّة. ساهم في تحويل الوهم الى حقيقة في انتظار وصول "مارجريت تاتشر" الى موقع رئيس الوزراء عام 1979. أوجدت تاتشر لبريطانيا، بتصالحها مع الحقائق الدولية، دوراً في النظام العالمي القائم. كان ذلك لفترة محدودة، في عالم يلعب فيه الأشخاص دوراً في صناعة الصورة التي يرى العالم من خلالها موقع دولة معيّنة وحجمها ودورها... وهي صورة قد تكون حقيقية وقد لا تكون، تماماً مثل صورة "جيمس بوند" التي صنعها ممثل اسمه "شون كونري" (11).

ولهذا يعد شون كونري الممثل الذي صنع نفسه بنفسه انطلاقاً من لا شيء بفضل ذكائه الحاد الذي مكّنه من أن يصبح رجلاً على علم بكل ما هو جميل في هذا العالم. من الفنادق إلى المطاعم الفخمة، الى طريقة اختيار الملابس والسيارات، إلى الشراب الذي يتناوله (فودكا مارتيني)... إلى الخبرة في النبيذ والنساء الجميلات. من رجل عمل سائقاً لشاحنة، إلى رجل ذي ذوق رفيع يقود سيارة "استون مارتن"، قطع شون كونري طريقاً طويلة في أقصر وقت ممكن. وهذا ما لا يستطيع عمله غير الأذكياء، أي أولئك الذين يمتلكون حسّاً مرهفاً، فضلاً، في طبيعة الحال، عن حاسّة اسمها الذوق.

كما يعد شون كونري البطل الأسطوري الذي لا يقهر ويخرج من كل معركة أقوى مما كان قبلها، والذي اشتهر في العالم من شرقه إلى غربه بشخصية العميل السري جيمس بوند، أغمض عينيه مرة أخيرة، وكاد أن ينسى كل شيء أنجزه، لكن جمهوره لن ينسى. وعلى الأرجح ستغذي أفلامه الباقية إلى الأبد ذاكرته السينمائية. وعلى الرغم من الشيخوخة ظلّ كونري محاطاً بشيء من السحر والغموض، بذقنه الأبيض وصلعته المميزة، إذ كان الأكثر بريقاً بين أقرانه، حتى بعد سنوات طويلة قضاها في التمثيل الذي وضعه على عرش النجومية.

وشون كونري بوسامته وشخصيته الكارزمية تمكن من إبهار الجمهور وسلب عقولهم وقلوبهم ، فقد كان في شخصية "العميل 007" ما يوقظ، ولو بقدر، أطياف "البطل الشعبي"، الممتد من حكايات الفروسية والكونت دومونت كريستو، وصولاً إلى سوبرمان؛ وإذا كان في حكايات الفارس المغامر ما يستدعي صورة "البطل المخلّص"، الذي يشعل النار بقلعة الظلام في اللحظة الأخيرة، فقد كان في ملامح سوبرمان، الذي أوكل إلى ذاته هزيمة الشر، ما يقول برسالة إلهية واجبة الانتصار. ساعد على تفعيل الصورة، في شكليها، حرب أيديولوجية بين الشيوعية والرأسمالية أخذت شكل معتقد ديني. خالط البطل الشعبي الحديث، الذي ارتدى حلّة أنيقة، حنين إنجليزي مخذول، ذلك أنّ بريطانيا، ما بعد الحرب العالمية الثانية، لم تعد إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، كما كان يقال، كانت مستعمراتها تتأهّب للاستقلال، تاركة الأسد البريطاني يجتر ذكريات سعيدة ماضية، مثلما ألمح أمبرتو إيكو ذات مرّة. ولعلّ هذا الحنين المخذول هو الذي جعل فليمنغ يرسل ببطله الأثير، أكثر من مرّة، إلى مستعمرات بلاده السابقة، مثل مصر وهونغ كونغ وجامايكا والشرق الأوسط وجبل طارق، وأملى على ذاكرته أن تستعيد "الشرق"، كما رأته، دائماً، غامضاً وغريباً ولا يحسن النطق بلغة رشيدة (12).

إضافة إلى فارس نجيب لا يُحبط عزيمتَه حنين مخذول، عمل "فليمنغ" على صوغ شخصية متفرّدة، لا تلتبس بغيرها، لها من الغموض الفاتن ما يكفيها، ولها من العادات ما يبرهن أنّها ليست شخصية عادية. فلجيمس بوند كحوله المفضّل، الذي لا يقبل به غيره بالضرورة، وله نوع من السجائر يلازمه، وله ولاّعة خاصة وفطور في مكان خاص، قبل أن يقع على خيّاط يؤمن له أناقة ساحرة. وإذا كان في هذه الخصائص ما يفصل البطل عن غيره، فإنّ فيها ما يحوّله إلى "ماركة شهيرة"، طالما أنّه يختلف عن الآخرين ويعطي اختلافه المثير للفضول صفات الثبات والديمومة. فالسيد بوند ماثل في مشيته وأناقته وطريقة كلامه، التي تجمع بين الدقة والدعابة، وماثل أكثر في هوامشه، التي تجعل شرابه المفضّل يغاير ما يشربه الآخرون. ومع أنّ الرجل يكاد ينحصر في شخصية مسيّجة إلى حدود العزلة، فإنّ مجاله المكاني، وهو الإنسان الخيّر الذي يطارد الشر، منفتح على العالم كلّه، براً وبحراً وماءً، يطارد الأشرار في الفنادق الضخمة ويقتفي آثارهم في قاع المحيطات. وواقع الأمر أنّ بوند منتصر، دائماً، مرّتين: منصور هو بالخير الذي ينصره، فلا مكان في هذا العالم إلاّ لخير وحيد، ومنصور هو بكفاءته الذاتية، التي تلغي معنى الصدفة والمفاجأة، لأنّ المفاجأة لا معنى لها لدى عقل يقظ شديد الحسبان، مؤمن برسالة مقدّسة (13).

وفي عام 1962 كانت الفرصة الحقيقية للممثل الاسكتلندي بأن يكون أول من يجسد أشهر عميل سري على الشاشة الفضية هو "جيمس بوند"، في فيلم "Doctor No".، وأدى النجاح الهائل للفيلم وأجزائه المتتالية "From Russia with Love"  و"Goldfinger" إلى جعل أفلام "جيمس بوند" ظاهرة عالمية وكونري كشخصية عالمية (14).

وبخلاف شخصية "جيمس بوند" التي ميّزته بين جمهوره ومحبيه، فإن لشون كونري العديد من الأدوار الخالدة على شاشة السينما، منها تجسيده لدور شرطي من مدينة شيكاغو الأمريكية في فيلم "The Untouchables"  إنتاج 1987، والذي كان السبب في فوزه بجائزة أوسكار الوحيدة في حياته، وخلال سنواته الأخيرة انتشرت له صور عدة عبر وسائط التواصل الاجتماعي، ترينا إياه كهلاً ثمانينياً يمشي متكئاً على عصاه، عابراً الشارع مع مرافقه. هذه الصور لوحدها كفيلة بإنعاش ذاكرة أجيال عدة من محبي السينما وعشاقها، الذين ارتبط بهم "كونري" ارتباطاً زمنياً، فهو للبعض منهم بمثابة الأيقونة التي ما استطاع أحد من بعده ارتداء سموكينغ "جيمس بوند" من دون أن يقارن به، أما للبعض الآخر فكان الممثل اللافت الذي جسد أدواراً في أفلام مثل "الرجل الذي أراد أن يكون ملكاً" لـــ"جون هيوستن" (15).

وبين اتجاهين أحدهما فني خالص والثاني جماهيري، شق شون كونري طريقه وصولاً إلى ذروة المجد، وعرف كيف يكون صلة الوصل بين الأجيال والأنواع السينمائية المختلفة. لم تكن له موهبة مارلون براندو ولا إدوار دانيال داي لويس المركبة، لكنه كان ممثلاً ممتازاً خدم كل دور تقمصه إلى أبعد حد. هو ابن مدبرة منزل وعامل بسيط، تحدر من بيئة متواضعة، وترك المدرسة باكراً ليعمل في مهن متفرقة قبل أن ينضم إلى البحرية لثلاث سنوات. كان بارعاً في الرياضة، فاشتغل طويلاً على لياقته البدنية التي أسهمت مع وسامته في دفعه إلى الواجهة، فأصبح رمزاً للرجل الأنيق الذي يتشبه به الرجال وترغبه النساء. لا نكرهه حتى عندما يشهر مسدسه. وقف كغاو كبير في وجه نساء، مثل "جينا لولوبريجيدا"، و"بريجيت باردو"، و"جوان وودوارد "، و"كاثرين زيتا جونز".. وغيرهم (16).... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

(9) زكرياء بلعباس: المرجع نفسه.

(10) خيرالله خيرالله: وفاة جيمس بوند... أحد أسلحة الحرب الباردة.. نشر في: 06 نوفمبر ,2020: 05:44 ص GST

(11) المرجع نفسه.

(12) فيصل درّاج: أسطورة جيمس بوند... بطل الغرب الذي بدا بطلاً للجميع، نقلاً عن " الحياة" 17/04/07//

(13) المرجع نفسه.

(14) المرجع نفسه.

(15) شيماء عبد المنعم: أعماله لا تنسي .. تعرف على أبرز أدوار الراحل شون كونري .. فيديو .. الأحد، 01 نوفمبر 2020 11:30 ص

(16) ريهام عاطف: وداعا شون كونري.. من النوم في درج الدولاب إلى أسطورة السينما.. 01 نوفمبر 2020 01:18 م.

 

 

حميد بن خيبشيمنح رون. إف .سميث، الأستاذ بجامعة سنترال بفلوريدا، أهمية وضرورة ملحة لقراءة كتابه (أخلاقيات الصحافة)، بناء على أربعة أسباب:

أولها، أن يعيد الصحفي التفكير في ماهية دوره، فهو الذي يمنح مجتمعه فرصة أن يرى نفسه، ويسلط الضوء على مشكلاته.

وثانيها: أن المجتمع في الآونة الأخيرة غير راض عن الصحفي بسبب أخلاقياته.

والثالث: أن جانبا من سلوك الصحفيين يفتقر بالفعل للأخلاقيات: من تلفيق للأخبار، والاستشهاد بمصادر لا وجود لها، وتضارب مصالح.

والأخير: أن ضغط المستثمرين والمالكين لوسائل الإعلام لزيادة الأرباح، يؤدي في الغالب إلى خفض العمالة، ومن ثَم التقليل من جودة الصحافة. وبالتالي عليك كصحفي أن تزاول مهنتك في بيئة مليئة بالعراقيل.

يخصص رون الجزء الأول من كتابه لعرض الأسس والمبادئ التوجيهية لما يسمى بأخلاقيات الصحافة، فيناقش بداية بعض المفاهيم الخاطئة التي تجعل من الأخلاقيات مجرد قواعد تحدد ما يمكن فعله ومالا يمكن فعله. والاعتقاد الخاطئ بأن الانشغال بالأخلاقيات قد ينتج صحافة باهتة ومترددة، ويحُد من السعي النضالي للحقيقة. ويؤكد رون أن الأمر يتعلق بالتزامات تحافظ على مكانة الصحافة، والتي شكلت منذ إنشاء الدولة الجديدة بأمريكا جانبا مهما من الحياة الفكرية.

يعيب المؤلف على طلبة الصحافة اليوم عدم تقديرهم للدور الذي تمارسه الصحافة في الديموقراطية. فالكثير منهم لا يهتم سوى بالجانب التمثيلي للعمل، ولا تعنيه المبادئ الجوهرية للعمل الصحفي بقدر ما يهمه أن يكون شخصية تلفزيونية لامعة. وهذا أحد أسباب التراجع الحاد الذي يشهده احترام الأمريكيين للصحفي. فالجمهور، يقول رون، غير متيقن بشأن الوثوق في الإعلام الإخباري باعتباره أداته الرقابية.

ورغم الانقلاب الهائل الذي أحدثه الانترنيت في مجال الوصول إلى المعلومة ومصادر الخبر، إلا أن الصحفيين استمروا في جمع الأخبار بكيفية اعتيادية؛ والاعتياد يُولد الازدراء. فالدورة الإخبارية على مدار الساعة تُفرط في عرض الأحداث التافهة، والبث الحي للمؤتمرات واللقاءات يكشف يوما بعد يوم عن الأخطاء الجسيمة التي يرتكبها الصحفيون وهم يؤدون عملهم، من قبيل طرح أسئلة غبية، أو التصرف بطريقة همجية. أضف إلى ذلك أن الجمهور اصبح على وعي بأن الإعلام مملوك لمؤسسات أعمال ضخمة من خارج البلد، وهمها هو الربح على حساب المصلحة العامة، وبالتالي فالصحفيون  الذين يرون أنفسهم باحثين مستقلين عن الحقيقة، هم في النهاية مجرد خُدام يعملون لحساب الشركات.

للعودة إلى صحافة مراعية للأخلاق، لا يجد المؤلف بُدا من استعراض أهم المقولات الفلسفية التي شكلت الدراسة المنهجية منذ 2500 سنة مع سقراط .فدراسة أفكار الفلاسفة جديرة بأن تُمدنا باستراتيجيات جديدة لمواجهة المعضلات الأخلاقية.

قدّم أرسطو نظرية عامة للكيفية التي يتعلم بها الناس السلوك الملائم، وسماها "طريقة الوسط الذهبي". وتقوم الفكرة على ضرورة إيجاد طريق وسط بين طرفي النقيض، وهي بالتالي تُسعف الصحفي الملتزم بالمعايير الأخلاقية، حين يغطي الحدث دون إلحاق ضرر معنوي بأحدهم.

أما نظرية العقد الاجتماعي لتوماس هوبز، فتعلم الصحفيين ضرورة الموازنة بين المخاطر والفوائد، وأن يتقيدوا ،في ظل الطبيعة التنافسية للإعلام الإخباري، بقواعد صارمة، تضمن وفاء للعقود الاجتماعية التي أبرموها مع الجمهور.

ويقدم جون رولس، الأستاذ بجامعة هارفارد، نسخة منقحة من العقد الاجتماعي، تقوم على ما يمسيه ب" سِتار الجهل"، ومفادها أن على الإنسان النظر أولا في المسارات المحتملة لأي إجراء قبل أن يقرر ما سيفعله. ويحدد الشركاء المعنيين الذين قد يتضررون بهذا الفعل. والصحفي باعتماده ستار الجهل يضفي قيمة أخلاقية على عمله، ويتعزز شعوره بالنزاهة.

بينما تحيل مقولات "النفعية" لجون ستيوارت مِل على أهمية النظر في عواقب الأفعال، وتحديد الصواب والخطأ بناء على مقدار النفع او الضرر الذي يحققه الفعل.

ويقدم كانط مقولة "الضرورة الحتمية" التي تقوم على أساس أن النية الحسنة هي مدار الأحكام الأخلاقية. وأن الاختبار الحقيقي للأخلاق هو استعداد الناس، ومن بينهم الصحفي طبعا، لفعل الصواب ولو على حساب مصلحتهم الشخصية.

هذه المقولات تُمكّن من إنشاء مخطط لكيفية اتخاذ القرارات الأخلاقية. ومن النماذج التي يستحضرها المؤلف في هذا الصدد: "صندوق بوتر" الذي اقترح فيه رالف بوتر، الأستاذ الجامعي بمدرسة هارفرد اللاهوتية، أربع خطوات لاتخاذ قرار أخلاقي هي:

أولا: تحديد المشكلة من خلال ما يسميه بوتر "التعريف الإيجابي"، أي التساؤل حول كون المصدر جديرا بالثقة، ويتوفر على وسيلة إثبات للواقعة، بالإضافة إلى ما سيلحقه من أثر بالشركاء المعنيين.

- ثانيا: تحديد القيم التي ينبغي أن تلعب دورا في اتخاذ القرار، وهل يتعلق الأمر بقيم مهنية أم شخصية؟

- ثالثا: فحص الموقف من وجهة نظر أخلاقية، ويتضمن استحضارا لجوهر المقولات الفلسفية السالفة، من نظر في العواقب، وتحديد النية وراء نشر الخبر، والعقد الاجتماعي القائم بين الصحفي والجمهور، وتجنب السلوك المتطرف..

رابعا: تحديد الولاءات: أي حصر الولاءات المؤثرة في اتخاذ قرار مدروس، سواء تعلق الامر بالولاء المهني، أو الولاء نحو المتضرر، أو نحو مصدر المعلومات.

في الجزء الثاني يتطرق المؤلف للعلاقة المتبادلة بين المبادئ الثلاثة التي يتوقعها الأمريكيون من الإعلام : الالتزام بالموضوعية، والسعي إلى الحقيقة، ثم تصويب الأخطاء. فمنذ سنوات الأربعينات اختلف بعض الباحثين والمهتمين بالشأن الإعلامي مع قاعدة: أن الصحفي يجب أن يهتم فقط بنقل الوقائع. وأفرز النقاش العام لجنةَ حرية الصحافة برئاسة روبرت هيتشنجز، رئيس جامعة شيكاغو الذي أعلن أن مهمة الصحافة هي (تقديم بيان صادق وشامل وذكي لأحداث اليوم، في سياق يعطيها معنى). وهكذا صار من واجب الصحفي ألا يكتفي بنقل الواقعة، بل ينقل الحقيقة حولها.

اقتضى الأمر سعيا إلى إيجاد مصادر إضافية للخبر، تتفق أو تختلف مع الرواية الرسمية. غير أن هذا الدور النشط سرعان ما كشف عن معضلة أخرى، حين أصبحت تغطية اثنين من المراسلين لنفس الحدث تنتج خبرين مختلفين.

طُرِحت لاحقا مسألة الموضوعية، وكيف يجب على الصحفيين أن يُنحّوا مشاعرهم وأحكامهم المسبقة جانبا، وأن يمنحوا كل الأطراف فرصة عادلة للدفاع عن موقفهم، دون أن يعني ذلك معاملتهم بالمثل. فالموضوعية ، كما عرّفها مايكل بوجيجا هي رؤية العالم على حاله، وليس كما تريده أن يكون.

أما فيما يتعلق بالأخطاء فلا شك أنها تُلحق الضرر بثقة الناس بالإعلام. ومن أهم أسبابها عدم المعرفة الكافية بالمجتمع، والضغوط التنافسية التي تُلزم المراسلين بأن يكونوا على صواب طيلة الوقت. الأمر الذي يغذي لدى الصحفي متلازمة العصمة من الخطأ، ويقلل من اهتمامه بالتحقق من الوقائع، والحصول على خبرة متخصصة في المجالات التي تعزز ثقته بنفسه.

تحيل الموضوعية على مبدأ أساسي هو الشفافية، وضبط القواعد الأخلاقية في نقل الأخبار إلى الجمهور. وتبرز الشفافية في تجنب تلفيق الأخبار، والسرقة الأدبية، والحذر من التلاعب بالصور الفوتوغرافية، ثم ضبط الكلمات التي قد تجرح مشاعر القراء.

وفي الجزء الثالث يتناول المؤلف حيثيات وشروط نقل الخبر، وما يترتب عن بعض ضروريات العمل الصحفي من معضلات أخلاقية. فالمراسل على سبيل المثال بحاجة إلى مصادر تُمده بالمعلومات والأخبار، لكن لا يخلو الأمر من مشكلات إنسانية، حين يؤدي نشر الخبر إلى إلحاق ضرر بالمصدر نفسه، أو حين تنشأ علاقة عاطفية بين الاثنين ويترتب عنها مشكلات تؤثر على الحياة المهنية.

تطرح مسألة دفع المال مقابل الأخبار مشكلات أخلاقية، كما ينشأ عن العلاقة مع الحكومة توتر مستمر بسبب التضارب بين الحاجة للسرية الحكومية، والالتزام بالمصارحة في نظام ديموقراطي. إلا ان المؤلف ينتقد بشكل واضح هيمنة الرقابة الحكومية على القنوات التي من المفروض أنها وسيلة للحصول على المعلومة، كالسجلات العمومية، والاجتماعات العلنية. وأساليب الضغط التي تُفقد العمل الصحفي حريته ودوره في توجيه الرأي العام.

أما الجزء الرابع فيبدد المؤلف من خلاله وهمَ التعارض بين النقل الموضوعي للأخبار، والتعاطف مع القضايا و المآسي الإنسانية. ذلك أن الصورة الماثلة في أذهان الناس اليوم هي أن المراسل أو الصحفي أشبه بالطيور الجارحة البغيضة: تحوم حول الكوارث والمآسي. وأن ما يعتبره مجرد نقل للخبر هو تطفل على الفجيعة.

لا يتعارض النقل الموضوعي مع التعاطف، بل إن الصحفي حين يتعامل برهافة حس، ويتفهم الصدمة الوجدانية، قد تتشكل لديه مقدرة الكتابة عن تجارب الآخرين بأسلوب جذاب ومثير.

 عليه أن يُحسن التفوه بكلام مناسب حين يُجري مقابلة مع أقارب الضحية.

وأن يُحسن القواعد المتعلقة باستخدام الأسماء وهويات المتورطين، فلا يُحدث هزة لخصوصية أحدهم، ويراعي السرية حين يكون لها عامل إيجابي في الحد من تداعيات الواقعة.

  وأن يهتم بتقدير للحياة الخاصة، فيحذر الوقوع فريسة الأهواء الذاتية، أو التشهير بضحايا الاعتداءات والعنف. وهو التقدير الذي يجب أن يمزج المهنية بالطابع الإنساني لتحقيق صحافة أفضل.

في الجزء الأخير من الكتاب، يعرض المؤلف لمعضلة بالغة الأهمية، خاصة بعد تدفق رؤوس أموال ضخمة إلى عالم الصحافة والإعلام، وهي المتعلقة بتضارب المصالح. إذ يقع على عاتق الصحفي أن يتجنب كل ما من شأنه أن يخلق تضاربا مع عمله المهني، ويؤثر على استقلاليته، وقدرته على نقل الخبر بصدق؛ سواء تعلق الأمر بالتزامات، أو انتماء سياسي، أو استثمار، أو عائد مادي، أو غير ذلك.

يعرض الكتاب لعشرات من دراسات الحالة، جلها مستلهم من تجارب يومية ووقائع عايشها مراسلو الصحف والشبكات التلفزية الكبيرة والصغيرة. كما يناقش قضايا أخلاقية واقعية، مرتبطة بممارسات وسائل الإعلام داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها. ويستعرض بعض التجاوزات التي أفقدت المهنة سمعتها واحترامها، مما يستلزم وضع ضوابط أخلاقية جديدة.  

 

حميد بن خيبش

 

 

سامي عبد العال"يبدو أننا نخاف من الصور كرد فعلٍّ نتيجة الرعب غيرر المبرر أمام أنفسنا ..."

"نجحت الصور المسئية في تحريك الجُموع من حيث أخفقت كلُّ توجهات وبرامج الإصلاح ..."

شرُ البليةِ ما يُضحك. أمَّا الأكثر اضحاكاً: أنْ تتمنى "عملاً" تَجَاوزَ حدود البليةَ نفسها خلال لحظاتٍ حرجةٍ بامتياز. ذلك حينما انتشرت ظاهرة (التحرُش الفني في الغرب) بمقدسات ورموز المسلمين. وباتت (دلالةُ الصراع) بين الشرق والغرب أكثر حضوراً وتجلياً، وأثارت الآراء المختلفة والمتضاربة على مساحة واسعة من العالم. ويبدو أنَّه رغم تجاوُز العصور الغابرة من تراث الصراع المادي، إلاَّ أنّ (الصور المسيئة) أعادتْ حالات الشحن الأيديولوجي والنفسي بين أتباع الأديان.

المهم دعونا نترك العنان للتمني الآن: ليتني كنتُ (رسّاماً كاريكاتيرياً)!! ليس لأخُط (رُسوماً مسيئةً) لأحدٍ كحال فناني الرسوم الساخرة تجاه المقدسات الدينية أيا كانت، ولا لأُثير إغارةً على الصحفِ، ولا لأملأَ التلفاز برصاص (معركة جهاديةٍ) كالتي حدثت بباريس يوماً من الأيام رداً على الرسوم في (صحيفة شارلي إبيدو). لكن أريد ذلك فقط، حتى استطيع اكتشافَ السرِ وراء صور (محض صورٍ أيا كانت) دفعت إلى (استنفار المسلمين) كالطوفان إزاء هذه العمل. وبخاصة أنَّ الكاريكاتير Caricature فن ساخر من فنون الرسم، (وفي الايطالية تعني كلمة Caricare يُبالغ، أو يُحمَّل مالا يطيق). وهو يرسم صوراً تبالغ في إظهار (تحريف) الملامح الطبيعية أو خصائص ومميزات شخص أو جسم ما، بهدف السخرية أو النقد الاجتماعي أو السياسي أو الفني أو غيره، وبتلك الطريقة يعد فن الكاريكاتير له القدرة على النقد بما يفوق الفنون الأخرى.

هكذا كانت (الصُور الكاريكاتيرية) تُطلَّق ليلاُ وتحت جنح الظلام الحالك، فإذا بالمسلمين نهاراً يجوبون شوارع العالم (الإسلامي والغربي) بحثاً عن الفاعل، ولو كانَ بمنأى عنهم آلاف الكيلو مترات. يفتشون هنا أو هناك، فتحدُوْهُم كلُّ المعاني الأثيرةِ لدينا: مثل فزعة الجهاد ونفرة الخوف على الايمان والشجاعة أمام الآخر والحماسة للاعتقاد وتقوية نوازع التدين والتعبير الجاد عن الرفض ورغبة الزود عن حياض الإسلام والثأر لرموزه الكريمةِ التي جُرِحت دلالتُها. هم يفعلون ذلك (بمنتهى البراءة) التي تكفل (انتهاكاً غيرَ بريءٍ) لجميع الحدود المحتملةِ!!

الرأي هنا ليس هُجوماً على أحدٍ ولا دفاعاً عن غيره. لكنه يثير أسئلةً مرتهنةً (ومتجددة) بكوننا دوماً نعبرُ عن أنفسنا الدينية (بردود أفعالٍ) أكثر إنفلاتاً من الأفعال. وبخاصة إذا علمنا أننا لم نطرح (فعلاً إيجابياً واحداً) حتى يأخذ الآخرون (الغرب وغيره) خطوةً واحدةً إلى الوراء تقديراً لأصحابِ الفعل. إنَّما في الأغلب نتعامل مع (التبريرات) كما لو كانَت حقائق. وهي في جوهرها ليست إلاَّ إساءةً لنا ولمن نُدافع عنه من رموز (هي أصلاً) بمنأى عن كل إهانةٍ.

جرى كلُّ ذلك إلى أنْ أصبحت (التبريرات) سبيلاً لتأجيل كيف نتصرف بمسؤوليةٍ إزاء ما يعترضنا من مشكلاتٍ صغيرة وكبيرة معاً. أي كانت التبريرات معبرة عن جوهر تعاملنا مع القضايا الفعلية في حياتنا ومجتمعاتنا بخلاف الآخر. وأقرب الأمثلة المثارة في وقتها على ذلك (تداعيات الرسوم المسيئة) للرسول الكريم كما أشرت. إذ كنا قد تركنا الموضوع يتصاعد في غير حالةٍ، وكانت بدايتُه صُوراً مرسُومةً بأغراض فنيةٍ لا تخلو من جوانب ساخرةٍ أخرى. عن مؤامرةٍ أم لا... لسنا ندرى، لكن هذا ما حدث بالفعل. فظهر الرد المتهجِمُ من الجماهير على الصحيفة الفرنسية وغيرها من الصحف الهولندية بالتشددِ ذاته. وانطلقت التبريرات الطائشة من جميع الاتجاهات فوق سماء باريس وداخل أوروبا كلها.

أليست هذه ظاهرةً جديرةً بـ (التأمل الخجُول)؟! كانت محض صور قد نجحت (وستنجح لو تكررت ثانية) في تحريك كلِّ هذه الجموع عن بكرة أبيها، بينما لم ينجح في ذلك طوال التاريخ الإسلامي مُصلِّحون وفقهاءٌ ومجاهدون وتنظيماتٌ ونظريات قانونية وأيديولوجية. أي أنَّها حرّكت أجساداً وهمماً مترهلةً من تردي الأوضاع الفكرية والسياسية في العالم الاسلامي. صور أبرزت اخفاق تراث المعتزلة ومؤلفات ابن رشد وفتوحات ابن عربي وجهود وثورة جمال الدين الأفغاني وأفكار محمد عبده وتجديد محمد اقبال. ناهيك عن احباطها لكل عمليات الترقيع المعاصرة لحالنا السياسي والإجتماعي الراهن.

أيضاً أتخيل أنَّ الصورَ قد نجحت حيث تقهقرت آفاق التجديد الفكري التي تملأ صفحات العالم الافتراضي. فقط صور ساخرة أشعلت العواطف المقدسة وجيّشَت الأحاسيس واستنفرت الغرائز فتكاً بمرتكبي (إثم التصوير). رسوم هزلية أعادت المسلمين (على صفحات التواصل الاجتماعي) إلى عصرهم الذهبي وإلى زخم المعارك الجهادية الكبرى كالقادسية وعين جالوت وحطين!!... أهذا هو الإسلام السمْح الذي نعرفه؟! أهذه عقول تحمل أخر (الرسالات السماوية)؟! أهؤلاء أتباع من قال فيه القرآن: "ولو كنت فظاً غليظَ القلب لانفضوا من حولك"؟! بينما هم قد تحولوا إلى عنوان للموت وباسم من جاءت الآية في حقه!! أَفْهمُ أنَّ حبَّ النبي الكريم جزءٌ من الايمان غير أنّ (قتلاً باسمه) لا أعلم أين يُصنف؟!

والأهم.. في أي مكانٍ تمَّ ذلك الفعل؟، كان هذا الفعل في قلب أوروبا المسيحية. إذن تلك هي (نكاية الفخر) الذي لا يدانيه فخرٌ ولا بالأحلام؟! ليس الأمر بالأحلام كما أتوهم. بل يا لها من مفارقة صارخةٍ، جاءت حادثة شارلي إيبدو في معقل التنوير الأوروبي ذاته. أليس هذا "فخراً عبوساً " لكل مسلم يفهم الإسلام حقيقةً؟! ما معنى أنْ يطّأ بعض المسلمين أوروبا وقد حملوا أسلحةً إلى عمق باريس مثلاً؟! فتسحق أصابعهُم عظاماً لرسامين لا يمتلكون سوى ريشة وخيال عنصري أو حتى مؤدلّج، فليست هذه هي القضية. أصابع اسلامية لم تحمل حضارةً ولا كتاباً إلهياً ولا رحمةً للعالمين كما جاءَ بالقرآن!!

أقول ما معنى ذلك كله، وقد كتب رفاعة الطهطاوي" تخليص الإبريز في تلخيص باريز"؟ إذن لم يكن ذهباً ما استخلَّصه صاحب هذا الكتاب الشهير. إمَّا أنَّه ذهبٌ غير حقيقي (قشرة)، ولكن شرحه بمزيد من الألمعية، فلم يؤثر فينا بما يكفي، وإمَّا أنَّه حين انتقل إلينا استحال تراباً فكانت هذه نتيجته.

هل الجهاد أنْ نسْخر بالقتلِ كما سخِروا من الإسلام بالرسوم المسيئة؟ قد يقول أحدُهم ليست الصور بحدِ ذاتها هي فتيل المعركة. لكن ربما هي رغبة هؤلاء المسلمين في إحياء التضامن الإسلامي أو ايجاد هدف بعيد يسعون وراءه!! ولكن إذا كانَ الوضعُ كذلك، لماذا الصورُ بالذات تثير رائحةَ الدماء والحرق والتنكيل بالفنانين. هل الصورُ لها تلك الطاقةُ المؤثرة على المسلمين عن بُعدٍ إلى هذا الحد. بحيث تدفعهم إلى تجاوز الحد نفسه لمداهمة " أوكار الكاريكاتير". بالأمس القريب منذ سنوات كان قد جرى التصرف نفسه مع فنان هولندي. حين اشعلّت أعماله نيران الغضب والاحتجاج والاحراق بأصنافه على امتداد العالم الإسلامي من المغرب العربي إلى باكستان. وها هي المشاهد ذاتها تتكرر مع صحيفة شارلي إيبدو، فخلّفت أكثر من عشرين ضحية بين قتيل وجريح!!

إذا كان الأمرُ كذلك مع إرادة المسلمين التي تتحرك بهذه الوسيلة، فلنتحول جميعاً إلى (رسامي كاريكاتير). على الأقل كي ندفع جموعَ الناس نحو العملِ بالوسيلةِ ذاتها. أوليس العملُ أو الانتاج (جهاداً) هو الآخر؟! لماذا نناقش تطوير التعليم وتحديث المجتمعات الإسلامية وإعادة قراءة التراث وصياغة برامج تنموية وبناء الدولة الحديثة وغرس ثقافة الديمقراطية. بينما أثبتت الصورُ خلال أيام أنَّ كلَّ هذا خيطُ دخانٍ. وأنَّها صور– كما أراها تلّوح الآن- تقف مزهوة بما فعلت (رغم إساءتها المزرية). بالفعل أقبلَ الناسُ في أنحاء العالم على مشاهدتها واقتنائها وإعادة إرسالها لبعضهم البعض، وطالبت صحف دولية أخرى بنشرها على نطاقٍ واسعٍ.

كأن الصور المسيئة وردود أفعالنا هي برامج التنمية الاجتماعية والسياسية الجوكر في حياتنا الاسلامية الراهنة!! تلك الصور رغم سخريتها المزرية (وأقول هذا أكثر من مرة) قد شككت المتابع. من هم أصحاب العقل الكاريكاتوري ابتداءً؟! الرسامون أم المسلمون المستنفرُّون؟! فالرسومُ ساخرة ولم يستنكف أصحابها الإعلان عن ذلك، وتمَّ نشرها بالفعل. ولكن بأي مبرر نكون نحن كاريكاتيريين إلى درجة الاضرار بأنفسنا؟! ليس رسماً فنياً، بل بالحالة العقلية والسياسية التي نعيشها طوال تاريخنا القريب والبعيد.

لقد حولنا الإسلامَ إلى (حالة كاريكاتيرية) فعلاً لا مجازاً. جعلناه وضعا ثقافياً وفكرياً (محل سخرية) البشر من أقصى الأرض إلى أدناها. ولو فهم المُتهجِمون على صحيفة شارلي إيبدو إسلاماً في قلوبهم (لو كانوا صادقين) ما فعلوا فعلتهم وإن أُسيء إلى رسولهم الكريم. لقد نالوا هم من الإسلام كما لو لم ينل منه عدو على مر العصور الحالكة. لم يفهموا ماذا يعنى مستقبل دون ارهابٍ للإسلام، دون قتلٍ ولا تخويفٍ. كما فعل نبيه الكريم بحكمةٍ حين قال لأهل قريش: اذهبوا فأنتم الطلقاء؟ لماذا لم ينل منهم رغم أنَّهم كانوا أشد سخريةً من رسامي شارلي إيبدو؟!

لقد أظهر هذا الوضع السلبي جملة تناقضات واضحة.

أولاً: بدلاً من الدفاعِ عن الإسلام بتطوير تراثنا الفكري والثقافي أصبح المسلمون (رسامين ساخرين منه) قبل غيرهم. المسلمون المتطرفون هم (الصور الساخرة) من دينهم وهم أصحاب الرسوم ذاتها. من أجل خوفهم غير المبرر رسمت الصور وانتجت الأفلام وبفضلهم انتشرت كالبرق. لم يفعلوا شيئاً جدياً لتنمية مجتمعاتهم ولا للمساهمة في التخلص من الجهل. فأيها كانت صوراً مسيئةً للرسول الكريم: أنْ يغُط (أتباعُه نائمين حضارياً) حتى بلغ شخيرُهم عنان السماء أم أنْ يخُط رسامون أشكالاً كاريكاتيرية له؟! أيها أخف وقعاً رغم خطأ المقارنة والنتيجة جنباً إلى جنبٍ؟!

ثانياً: كانت المفارقة أنَّ بعض المسلمين يجاهدون في باريس رغم بؤسهم اليومي وفقرهم المدقع. وكأنَّهم يقولون لأوروبا ليكن علينا الدور في الاضطهاد. نحن كنا قد اقتحمنا صحيفة " شارلي إيبدو" وأنتم عليكم ملاحقتنا غداً. وقد حدثت في الأيام الأخيرة بعد الحادث تهديدات لبعض الجاليات المسلمة وتم التحرش بالمسلمين في البيئات التي يعيشون فيها كأقليات.

ثالثاً: لم يفهم المسلمون حتى الآن وضع الحريات وبخاصة حرية التعبير في مجتمعات أوروبا وسواها. ولم يحاولوا الفهم حتى لو كانت صورُ التعبير مسيئة وهي كذلك بالفعل كما نقول. ولكن تعامل المسلمون مع تلك الحرية كأنَّهم في بلدانهم التي لا تقدر أصلاً حقوق الإنسان. ألم يتعلموا شيئاً من المناخ الأوروبي غير التكفير والقتل اللذين حملاهما في جعبتهم من خطابات الاقصاء والإرهاب الديني؟

رابعاً: كان بالإمكان أنْ تمر الرسوم مرور الكرام، رغم ما أثارته من ردود أفعال وتداعيات. فلم تكُن هي الأولى ولن تكون الأخيرة بطبيعة الحال. لكن المتطرفين كانوا قد حولُّوها إلى (حادثة عالمية) قابلة للتكرار والمعاودة. أحيت أرضاً تعادي الاسلام وأعادت إلى أوروبا حالة الإسلاموفوبيا في تفاصيل الحياة اليومية. أحيانا السكوت عن الإساءة أبلغ من الرد عليها، ولا سيما إذا جاء الرد عنيفاً أو عندما يُتوقع أن يتجاوز الحدود.

خامساً: لم يتعلم المسلمون من بعض تاريخهم الديني السمْح شيئاً. فبعد أن حُورب الرسول الكريم سخريةً وايذاءً جسدياً ومعنوياً وتحرش به الصبية ناهيك عن الصدود أمام دعوته الأولى، لم يأمره الله برد الاساءة بإساءةٍ ولا باطلاق السخرية بسخرية ولا بشن الحرب على هؤلاء الذين عنفوه إنما أعطاه الله طريقاً روحياً وأخلاقياً للصفاء. فكانت رحلة الاسراء والمعراج في العام نفسه الذي أُذي فيه. كأنها تقول إذا وقعت اساءة في حق النبي، فهناك الله الاسمى والأعظم من كل إساءة. كما أنَّ العالم ليس فقط أرضاً تحت أقدامنا، بل سماء تكشف الناس وتعرف المخبوء.

سادساً: صحيح قال الاسلام بوضوح: " من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " إلَّا أنَّ المتطرفين انتهكوا تعاليم الإسلام قبل انتهاكهم لحقوق الغير. فالفن بالفن والفكر بالفكر والكتابة بالكتابة لا غير، مهما بلغت الاساءةُ من النكاية والسخرية إلى رموز الإسلام. لأنَّ ذلك الدين يمثل رهاناً على المستقبل لا مجرد نكاية في الحاضر العابر. وبالتالي، تجاوُز الحاضر بالحوار معه يقدم نموذجاً لشكل المستقبل إنْ أمكن.

سابعاً: ظل المسلمون يرسُفون في صور العبودية للأنظمة السياسية المستبدة دونما أي تحريك لساكن بينما في البلاد الأكثر انفتاحاً (بلاد الغرب) أقدموا على إرهاب مخالفيهم في الرأي. ما مصير هذا التناقض الكاريكاتوري الصارخ؟ ما مدلوله سوى أنَّهم ينكرون على الإسلامِ حقائقه البسيطة؟ المفترض أن يُخرج المسلمون أفضل ما لديهم من اسلامٍ في جميع البيئات التي يقيمون فيها لا أنْ يحولوه إلى قنابل متفجرةٍ. ألم يقُل نبيُ الإسلام المُساء إليه: كونوا كالنخل يُرمى بحجرٍ فيُلْقِي بأطيب الثمر؟!

دلالة الكلام هنا قريبة مما قاله المسيح "من ضربك على خدك الأيمن أَدِّر له الخدَ الأيسر". الفارق أن الاسلام يقدم رغم الإساءة الثمر الطيب حتى لمن يتجاوز في حقه، لقد فعل المسلمون العكس: أُلقيّت عليهم رسوم ساخرةٌ فألقوا على أصحابها موتاً ساخراً!! وليست تلك ممارسة سلبية، إنما نظرة واسعة رحبة بما لا يدرك الناس، وسيكون الوضوع فيها هو قانون الحياة المفتوحة التي تثبت نظرة الحرية والإنفتاح لا العداء والملاحقة.

ثامناً: كمْ ظهرت صور القتل والاعتقال وهدم المنازل واجتياح القرى في فلسطين بينما لم يُستنفر أحدٌ من الجهاديين. ولم يطلقوا صرخة واحدة إزاء ما حدث، بل اكتفوا بلطْم الخدود وشق الجيوب وضرب الرؤوس في الجدران. حدَثَ هذا الشيء خلال سنوات عقب سنوات وظهرت صوره يومياً حتى اللحظة. إلى أن جاءت إبادة الفلسطينيين والعرب في دير ياسين وفي دير البلح وفي قانا وفي جنين وفي غزة كما رأينا مؤخراً. صُور وراء صُور ولم يستيقظ أحدٌ!! أين (الذاكرة الجهادية) كما يقولون؟

مرة أخيرة: ما السر في الصور الكاريكاتيرية؟ يبدو أنَّ محمد عبده أدرك السؤال منذ ما يزيد عن قرن: " ذهبتُ إلى أوروبا، فوجدت إسلاماً بلا مسلمين بينما في الشرق وجدت مسلمين بلا إسلام"، هذا هو (الكاريكاتير المُسيء) فعلاً لكل ما ينتمي إلينا نحن المسلمين. تلك هي الصور المسيئة لرسول الإسلام حقاً. والمغزى لن يكون إلاَّ في قول الرسول البليغ: " أتى الاسلامُ غريباً.. وسيعود غريباً " حتى بين أهله. فإذا كان أصحابُه قد تركوه طريداً على خرائط الدول الاسلامية، تركوه نهباً للإرهابيين والمستبدين على السواء، فما بالنا بتعاملهم معه في أوروبا؟ هم كمسلمين رسمُوه مشوَّهاً محل سخرية (قبل وبعد سواهم). وليست حادثة شارلي إيبدو التي أثارت هذا التراث إلاَّ دليلاً إضافياً في سلة التاريخ المعاصر على هكذا معنى. ولسان حال الإسلام يقول ويؤكد: " اللهم اكفني شرَّ بعض أتباعي أمَّا أعدائي فأنا كفيلٌّ بهم ".

 

سامي عبد العال

 

 

 

محمود محمد عليذهب الفيلسوف الفرنسي المعاصر "ميشيل فوكوه" Michel Foucault)‏ (1926 – 1984) في كتاباته، وبالأخص كتابه "حفريات المعرفة"، إلى أن المادة النصية والمتضمنة في الموروث، سواء كان هذا الموروث  كتب أو سلسلة أفلام، والتي يبحث فيها المنهج الأركيولوجي الحفري، هي بمثابة أفكار، ومفاهيم، وقيم مندرسة، اندثرت في أعماق طبقات التاريخ، فيقوم هذا المنهج بمقارنتها، بالتنقيب عنها، وتعريتها بالحفر المعرفي المعمق والدقيق، في الطبقات النصية، وإزالة ما رسب عليها، وتراكم مع الزمن، من مدركات غير مستقرئة، بغرض إظهارها ثانية، على صورتها الأولي الحقيقية، وعليه إنتاج للفكر، والقيم، والرؤى المعرفية، والثقافية، المندرسة في الموروث التراثي، وليس إنتاج جديد مولد للنص، وللمضامين التي يجملها، لأن ذلك خارج مهمة المنهج الأركيولوجي، وخارج مهمة البحث التاريخي عموماً ؛ علاوة علي أن المنهج الأركيولوجي الحفري، في كشفه للتراث الثقافي، وإحيائه للفكر والمعرفة في خزانة التاريخي، إنما هو يتصفح الوقائع والأحداث والمشاهد التي تفصح عنها، ويعيد قراءته لها بعمق، وفق رؤية تحليلية – تفكيكية – تحليلية، ليبين الكيفية التي نجحت فيها المعارف، والقيم التنويرية والثقافية، في فترة تاريخية معينة، أن تجد فرصتها في الإنتاج المعرفي والتقييم الثقافي، ثم القبول في المدركات الاجتماعية (1).

وفي هذه الورقة أقوم بقراءة فلسفية قائمة على الحفر الأركيولوجي لسلسلة أعمال جيمس بوند مستخدما في الوقت نفسه "نصل" أو "شفرة" "وليم أوكام"  William of Ockham‏ (ولد 1288 - توفي 1348)  والتي أقتطع بها الزوائد من خلال قراءة فلسفية معاصرة، وفي هذا أقول : لقد  قدمت السينما الإنجليزية العديد من الأفلام التي تحمل قضايا وموضوعات سياسية مهمة تهم الجمهور، حيث لم تكن السينما الإنجليزية محل اهتمام الجمهور الإنجليزي فقط، بل كان ينتظر العالم ماذا ستقدم السينما الإنجليزية، خاصة وأنه كان يطلق عليها قبل بروز السينما الأمريكية "هوليوود الغرب"، نظرا لما كانت تقدمه لنا عن أفلام الجاسوسية، والتي كانت تتناول قضية الجاسوسية، وذلك لتسليط الضوء على الحرب الباردة التي كانت بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، حيث وفرت الحرب الباردة خلفية مناسبة لروايات الجاسوسية، علاوة علي تجسيد دور الماسونية تلك المنظمة السريّة الرهيبة التي تسعى للهيمنة على العالم، وتختزل كل الشرور، ومن ثم يسود النظام الخاص بهذه المنظمة السرية، بينما الجماهير مخدوعة ومغيبة، مع الاهتمام كذلك بقضية نهاية التاريخ (2).

وعند الحديث عن أفلام الجاسوسية في السينما العالمية، يتبادر إلى الأذهان ودون أي تردد أفلام جيمس بوند  James Bond، "أشهر عميل سري على وجه الأرض"، فجيمس بوند، يمثل بالفعل ظاهرة فريدة في عالم الأبطال الخياليين، وأحد أبرز الشخصيات الأسطورية في السينما العالمية، التي جمعت بين خيال الأدب وسحر الشاشة الكبيرة، وإغراء الموضة، وروح الإبداع، وقد اشتهر هذا "البطل الذي لا يموت" بالمركبات والمعدات العجيبة التي كانت مهمة لإتمام مهمته بنجاح (3).

وتلك الشخصية الخيالية أبدعها الصحفي والروائي البريطاني "إيان فليمنج" في عام 1953 عبر أول رواية "كازينو رويال"، وقد كتب "فليمنغ" إثني عشر رواية ومجموعتين قصصيتين قصيرتين، مما جعل سلسلة أفلام "بوند" تستمر على مدار نحو 60 عاماً عصية علي الغياب، فأين تكمن قوة بقاء هذه السلسلة في الصدارة حتى اليوم ؟.

تعد سلسلة أفلام "جيمس بوند" هي سلسلة أفلام تجسس تستند إلى الشخصية الخيالية لعميل "إم آي 6" جيمس بوند "007"، الذي ظهر في الأصل في سلسلة من الكتب كتبها إيان فلمنغ. تعتبر السلسلة واحدة من أطول سلاسل الأفلام مستمرة في التاريخ، إذ استمر إنتاجها من عام 1962 إلى الوقت الحاضر (مع توقف لمدة ست سنوات بين 1989 و1995). في ذلك الوقت أنتجت أيون للإنتاج 24 فيلماً، معظمها في استوديوهات باينوود. مع تحقيق مجموع إجمالي للإيرادات أكثر من 7 مليارات دولار حتى الآن، تشكل الأفلام التي تنتجها ايون سادس أعلى سلسلة أفلام ربحًا. لعب ستة ممثلين دور العميل 007 في سلسلة ايون وآخرهم دانيال كريغ؛ وقد أنتج "ألبرت آر. بروكولي وهاري سالتزمان" معظم أفلام شركة "أيون" حتى عام 1975، وأصبح "بروكولي" المنتج الوحيد بعد ذلك. كان الاستثناء الوحيد خلال هذه الفترة هو فلم كرة الرعد، الذي أصبح فيه بروكولي وسالتزمان منتجين تنفيذيين بينما أنتج كيفين مكلوري الفلم. من عام 1984 انضم إلى بروكولي ربيبه ميخائيل جي ويلسون كمنتج وفي عام 1995 ترك بروكولي شركة أيون وحلت محله ابنته باربرا التي شاركت في الإنتاج مع ويلسون منذ ذلك الحين. امتلكت شركة عائلة بروكولي دانجاب (وحتى عام 1975، شركة سالتزمان أيضًا)، السلسلة من خلال ايون، وحافظت على الملكية المشتركة مع شركة يونايتد أرتيست منذ منتصف السبعينيات في القرن العشرين. شهدت سلسلة ايون استمرارية في كل من الممثلين الرئيسيين وفي أطقم الإنتاج، مع استمرارية في المخرجين والكتاب والملحنين ومصممي الإنتاج وغيرهم ممن عملوا خلال عدد من أفلام السلسلة زالت تجسد شخصية "جيمس بوند" (4).

و"جيمس بوند" يُعد أشهر ضابط مخابرات في العالم، وهو خيالي ولا يمكن أن يتواجد في الحياة العادية، وهو الشهير والنشيط والمليء بالحيوية، وبالإضافة إلى أن ضابط المخابرات لا ينتهي أمره بحضن امرأة أو شرب كأس، إنما الشخصية في الواقع مختلفة تماماً؛ حيث يمكننا قياس نجاح أفلام "جيمس بوند" بنجاح مؤدي دور الشرير فيها، وهو معيار خفي غاب عن أذهان كثير ممن شُغِفُوا بفتيات بوند أكثر من أشراره. تميّز فيلم "سكاي فول" (2012) لمخرج "سبكتر" نفسه "سام منديس" بسبب أداء الإسباني "خافيير باردوم" دور شرير غريب الأطوار. هنا، تصدّى الممثل النمساوي القدير "كريستوف وولتز" لدور رئيس منظمة سبكتر، وأضفى حضوره رهبة وإثارة مشابهين (5).

كان جيمس بوند رجل مخابرات، أي جاسوسا، يخدم المخططات الاستعمارية البريطانية والأمريكية، وكان الأشرار في أفلامه من سكان العالم الثالث أو من عملاء المخابرات السوفيتية.. الشريرة.. التي تريد منع الغرب من نشر قيم "التحضر" والرقي والحريات، وكان بوند رمزاً استعمارياً، لكنه كان محبوباً، فقد كان وسيماً ورشيقاً وشجاعاً وجذاباً، وكان يمتلك قدرة خاصة على إغواء الحسناوات، فهو يجيد اللعب في أندية القمار، يرتدي ملابس السهرة ويغشى تلك الأندية دون وجل، متحديا شرير الفيلم، الثري، الخارج عن القانون، الذي يحصن نفسه عادة داخل قلعة يحيطها بالحراسة المشددة، ويجهزها بأحدث الأجهزة الإلكترونية، ويوظف الشرير في خدمته عادة عددا من أعتى الحراس وأكثرهم بشاعة وقوة وقدرة على الفتك بأعداء الشرير صاحب المخطط الجهنمي للسيطرة على العالم، لضرب أقوى قوة في الأرض أي الولايات المتحدة، وربما التسبب في حرب عالمية بين أميركا والاتحاد السوفيتي (6).

لم يلتفت "جيمس بوند" أبدا إلى الضعفاء من شعوب بلدان العالم الثالث لكي يساهم، ولو بقدر ضئيل، حتى على سبيل "الشفقة"، في مساعدتهم على التخلص من حكامهم الدكتاتوريين الذين يحكمونهم، بل على العكس، كان دائماً يسخر من هذه الشعوب "المستضعفة"،  وأثناء مشاجرة عنيفة بالأيدي بينه وبين شرير محلي في منطقة أهرامات الجيزة في أحد الأفلام التي كان يقوم ببطولتها روجر مور، يتغلب بوند على خصمه بالطبع، ثم يهز مجموعة من الحوامل الخشبية (السقالات) القريبة من "أبي الهول"، للقيام ببعض أعمال الترميم هناك، فتنهار جميعها مخلفة غبارا كثيفا، فيعلق بوند في سخرية: بناة الأهرامات، أي أنظر كيف أن بناة الأهرامات لا يستطيعون إنشاء هيكل بسيط من الأخشاب! (7).

ورغم ذلك كان بوند محبوباً، والأسباب كثيرة، كانت شخصية جيمس بوند تحقق المتعة والإثارة وتجسد الشجاعة الفردية في عالم مليء بالإحباطات، وكانت الحبكة في أفلام بوند تدور عادة حول الصراع البدائي بين الخير والشر، الخير يتمثل في إنقاذ العالم من شرور الشرير، والشر يكمن في التآمر لإحداث أكبر قدر من الضرر.. هكذا على هذا المستوى الأولي البسيط الذي لا يقتضي وجود ثقافة وفهم ومعرفة بأحوال العالم السياسية وعملية الاستقطاب والحرب الباردة التي كانت قائمة بين المعسكرين، الإشتراكي والرأسمالي (8).

ولا شك في أن جيمس بوند أضحى في أذهان كثير شخصية حقيقية عاشت في الواقع فعلاً، مثله في ذلك مثل أساطير عديدة في تاريخ الأدب والفنّ السينمائي، مثل: دون كيشوت، شرلوك هولمز، طرزان، زورو، رامبو، هركول بوارو، إنديانا جونز، ومؤخراً روبرت لانغدون بطل "شيفرة دافنشي". أول من جسّد شخصية بوند على الشاشة الفضية وأفضلهم في نظر كثير هو النجم الاسكتلندي شون كونري، أول من جسد شخصية "جيمس بوند" في 6 + 1 من الأفلام، (إذ إن فيلمه الأخير والمتأخر "لا تقل أبداً مرّة أخرى" (1983) أُنتج بصورة غير رسمية).

كان شون كونري إحدى أيقونات النصف الثاني من القرن العشرين بكلّ ما شهده من أحداث مثيرة في ظلّ الحرب الباردة التي استمرت ما بين 1945، عندما انتهت الحرب العالمية الثانية، وخريف العام 1989 لدى سقوط جدران برلين كمقدمة لسقوط الاتحاد السوفياتي، رسميّاً، مطلع العام 1992، وانتصرت الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة مستخدمة أسلحة مختلفة، كان من بينها أفلام "جيمس بوند" التي سبقت بعشرين سنة كلام الرئيس الأمريكي السابق "رونالد ريجان" عن "إمبراطورية الشر" والإعلان عن برنامج "حرب النجوم". ما كان لهذه الأفلام أن تنجح لولا "شون كونري" الذي تصدّى لكل نوع من "الأشرار"، بدءاً بـ"الدكتور نو" الساعي إلى السيطرة على العالم والعميلة السوفيتية التي حاولت اغتياله خلال رحلة في أحد القطارات... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

(1) شرف الدين شكري: المنهج الأركيولوجي والرؤية الفنية، دراسة اجتماعية سيوسيولوجية للأديب الجزائري مالك حداد، الجزائر، 1997، ص 12-16.

(2) رامي عبد الرازق: جيمس بوند» 22 فيلماً فى 46 عاماً والنجاح مستمر.. الأربعاء 12-11-2008 00:00.

(3) زكرياء بلعباس: جيمس بوند.. بطل وُجد ليبقى ويستمر,, 06 نوفمبر 2020.

(4) جيمس بوند في الأفلام: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

(5) د. رياض عصمت: جيمس بوند أسطورة الشرّ من جديد، مجلة الدوحة: وزارة الإعلام س9, ج99 (2016): 151.

(6) أمير العمري: جيمس بوند: قصة حب قديم يتجدد باستمرار.. مجلة العرب.. الجمعة 2018/06/01

(7) المرجع نفسه.

(8) المرجع نفسه.

 

ملخص: تكاثرت الأسئلة اليوم عن السبب الذي جعل هذا المرض يتفشى داخل العالم ويهدده، هناك من يقول إنها خُطَّة أمريكية، وهناك من يقول بلى إنها خُطَّة صينية، وهناك من يقول إنها لعنة إلهية، سأقول لكم وبصريح العبارة، أن الأسئلة الثلاث بمجملها أسئلة صحيحة مئة في المئة، لكن تتوالى من حيث أسبقيتها ودرجة تأثيرها في العالم؛ من يقول إنها خُطَّة أمريكية أو صينية أقول له في الغالب إنها كذلك، ومن يقول إنها لعنة إلهية، أقول له فعلا إنها لعنة طبيعة، لأن الله هو الطبيعة، وهو ذلك الروح الذي تحدثت عنها في بداية تقديمي، فكل مطلع على إله اسبينوزا سيعرف المعنى الحقيقي للطبيعة، فحينما نتمثل صفتها في الفكر فإننا نتحدث عن الطبيعة الطابعة أي (الإله)، وحينما نتمثل صفتها كامتداد فإننا نتحدث عن الطبيعة المطبوعة بمعنى (العالم)، ففي الوقت الذي أراد الإنسان أن يسيطر على الطبيعة كمادة، سيطرت عليه الطبيعة كفكر.

تقديم:

عاش الإنسان منذ بداية خلقه صراعا قويا مع الطبيعة، لا لشيء سوى لفهم هذه الأخيرة وسبر أغوارها، فطالما كان منهزما في هذه الحرب وخاضعا لها، فالطبيعة تَمْتَاز بصفة المكر والخداع مما يجعلها تصنع من الإنسان ما تريد وفي أي وقت تريده؛ إنه عقل ما ورائي يحدد الكيفية التي يمكن للوجود أن يسير عليها، وأي فعل يقوم به الإنسان بوعي أو دون وعي بغية ترويض الطبيعة، فما هو إلا وسيلة لتقويتها. لأن الكيفية التي يفكر بها العقل البشري ما هي إلا خُطَّة محبوكة من طرف الروح الطبيعية، والإنسان ذاته مجرد حال وعرض لذلك الجوهر الذي يتجاوزه ويتجاوز منطق تفكيره، أي – الطبيعة- إن اللحظة التي فهم فيها الإنسان فلسفة ديكارت، باعتبارها فلسفة حاولت أن تعطي الإنسان القدرة الكاملة في السيطرة على الطبيعة وتيسرها لخدمته، آنذاك أزيل عنه الخوف والهلع منها؛ ما نتج عنه إزالة الوعي بإكراهها وخطورتها، فلو بقي تعاملنا معها كما كان في أول وهلة، لما شعرنا اليوم بتهديدها وسيطرتها المعلنة وبوضوح.

إن العقل الإنساني كان يريد قبضها بيده من أجل تطوير الإنسانية، والحال أنها أدفعته الثمن لدرجة القضاء على الإنسانية جمعاء، وما وصل إليه العالم من تطور تكنولوجي وثورات كوبرنيكية، فما هي في آخر المطاف إلا شروط وفرتها له الطبيعة لكي تمكره وتوطد حكمها عليه، ذلك لأنه في الوقت الذي سيتبجح هذا العقل بثورته؛ سينسى ويغفل قوتها وجبروتها.

ما يعيشه العالم اليوم من تهديد وخوف من العدم، لدرجة أصبح يعي وبوضوح قلق الموت، أو بالأحرى قلق فقدان الوجود، وجب أن يرجعه إلى رشده، والعودة إلى الرشد تتمثل في التصالح مع الطبيعة قبل القطع معها، إننا نحِن إلى المرحلة الأولى لأننا لم نقطع معها بإرادتنا، بل العنف والذئبوية التي كانت تطغى علينا هي السبب في عزلتنا عن حالة الطبيعة، والمرور لحالة مدنية لا نفهم طبيعتها، وحينما أردنا الانسجام معها قررنا نكران جميل ما وفرته لنا الحالة الأولى من شروط للعيش، بل حاولنا القضاء عنها واستعبدها لكن انقلب السحر على الساحر لأن الحقيقة تفرض ذاتها، وهذه الحقيقة تتمثل في جوهرية الطبيعة وتابعية الإنسان، في هذا الوقت بالذات وجب أن نقف وقفة تأملية تقتضي العودة إلى الطبيعة، ففي العودة إليها نعود إلى ذواتنا وفي التصالح معها نتصالح وذواتنا.

إن فلسفة ديكارت لم يبق لها معنى اليوم، لأن ديكارت في اعتقادي أخطأ في الوقت الذي عاد إلى الذات باعتبارها جوهرا وتغافل عن الطبيعة معتبرا أيها موضعا مدركا من طرف الذات. كان عليه أن يضع مكر الطبيعة في الحسبان واعتبار عقله وذاته جزء منها ومن طبيعتها، لأن العقل حينما يريد السيطرة عليها فهو في فهو في حقيقة الأمر مجرد باحث عن سبل العيش داخلها، وبذلك فالوعي بعظمتها خير من توهم السيطرة عليها.

تكاثرت الأسئلة اليوم عن السبب الذي جعل هذا المرض يتفشى داخل العالم ويهدده، هناك من يقول إنها خُطَّة أمريكية، وهناك من يقول بلى إنها خُطَّة صينية، وهناك من يقول إنها لعنة إلهية، سأقول لكم وبصريح العبارة، أن الأسئلة الثلاث بمجملها أسئلة صحيحة مئة في المئة، لكن تتوالى من حيث أسبقيتها ودرجة تأثيرها في العالم؛ من يقول إنها خُطَّة أمريكية أو صينية أقول له في الغالب إنها كذلك، ومن يقول إنها لعنة إلهية، أقول له فعلا إنها لعنة طبيعة، لأن الله هو الطبيعة، وهو ذلك الروح الذي تحدثت عنها في بداية تقديمي، فكل مطلع على إله اسبينوزا سيعرف المعنى الحقيقي للطبعة، فحينما نتمثل صفتها في الفكر فإننا نتحدث عن الطبيعة الطابعة أي (الإله)، وحينما نتمثل صفتها كامتداد فإننا نتحدث عن الطبيعة المطبوعة بمعنى (العالم)، ففي الوقت الذي أراد الإنسان أن يسيطر على الطبيعة كمادة، سيطرت عليه الطبيعة كفكر.

خلقت الطبيعة اليوم إلها جديدا للإنسان لكي تمكر به وتجعله خادما لها، أنه إله مادي صرف، والمتمثل في (الاقتصاد)، لكن هذا الإنسان نسي أنه مجرد جزء من الكل، وحينما يريد تهديد العالم فإنه يهدد هو الآخر وبطريقة لا واعية، الصين أم أمريكا لا يهم، المهم هو أنهم هددوا هم كذلك وتعرضوا لهلع الموت. فما عَلاقة الأخلاقي بالاقتصادي بالثقافي فيما يخص كمجموعة من المستويات التي ترتبط بوباء كورونا؟.

لطالما سعت الاشتراكية الماركسية إلى تحقيق نوع من التوازن الطبقي داخل المجتمعات، عن طريق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، مما يؤدي إلى تحقيق التوزيع العادل للثروة، بيد أنها لم تفلح في تحقيق هذه الغاية، وذلك راجع لأسباب عدة، أهمها التبعية الفكرية التي وطدت ركائزها الطبقة البرجوازية، غير أن هذه الأخيرة لم تضع في حسبانها التوارث الطبيعية التي يمكنها أن تقضي على مجمل أهدافها، لأنها خارجة عن إرادتها ولا يمكن أن تخدم ميولاتها، لأن الطبيعة لا تعرف لغة الطبقات والتفاوتات، وإنما تسعى إلى خلق التوازن في أي لحظة أحست باختلاله، ولعل التفاوت الطبقي الحاصل في المجتمعات أهم اختلال أحست به الطبيعة كفكر وكروح؛ وحاولت في مقابل ذلك القضاء عنه؛ وذا ما عدنا إلى تاريخ البشرية سنجده تاريخا مملوءا بالأمراض والأوبئة الطبيعية التي قهرت الإنسان وحاولت إرجاعه إلى إنسانيته، إن الديمقراطية الحقة؛ هي نضال من أجل منع مالكي الاقتصاد من احتكار الحياة المشتركة بين بشر جعلتهم الطبيعة متساويين منذ البداية؛ لهذا فالمساواة الاجتماعية والاقتصادية هما مبدأ ومنطق كل ديمقراطية حقة؛ وعليه فالديمقراطية ليست مجموع الأصوات المودعة في الصناديق؛ لأن هذه العملية تأسس للا ديمقراطية واللامساواة، حينما يشارك فيها عامة الناس الفاقدين للوعي الطبقي والمجتمعي؛ بل هي نوع جديد من توزيع المحسوس على نحو عادل؛ لهذا فالديمقراطية الحقيقة؛ هي ديمقراطية الوباء؛ التي جعلت اليوم جميع الطبقات تتسوى إذ أصبحت الطبقات المالكة لروس الأموال والحكام محايثة للشعب ومحاولة نوعا ما إرضاءه ولو قليلا، ليس حبا فيه أو عطفا عنه، وإنما لشعوره بالخطر الذي أصبح يواجهه، وهذا الخطر يتمثل في شيئين: لما كان مجمل الطبقات الكادحة أشخاص لا يتمتعون بالوعي الكافي لدرجة مواجهتهم الخطر وبكل غباء، فإن الطبقة البورجوازية تخاف على استمرارها في الحياة بسبب غباء الكادحين، إضافةً إلى كون البلورتاري هو الذي يخلق تلك القيمة المضافة التي تطور من الاقتصاد؛ فالبرجوازي إذن أحس بأهمية الكادح في تحقيق أهدافه، ولعل ديمقراطية الأوبئة هي التي تجعله مكتسبا لهذا الوعي، لأنها تهدده وتهدد مصالحه، أما الكادح فليس له من شيء يخسره غير فِرَاقَ الأحبة، لهذا فإنه غير مبالي للأمر ويعتبره شيئا عاديا؛ كيف سيبالي؛ وهو يعيش يوميا وباء الفقر والإقصاء الاجتماعي بكل أنماطه؛ لدرجة أصبحت الأوبئة الطبيعة أقل ضرر من الأوبئة الاجتماعية بالنسبة إليه. لذا يَجِبُ ألاّ نستغرب ونقدس برجوازي أوروبا وإقطاعي العالم العربي حينما يساهمون بقسط من مالهم لمحاربة الجائحة، فهو يضحي بالجزء لكي يحافظ على الكل، لهذا يمكن أن نعتبر ديمقراطية كورونا ديمقراطية نسبية تحاول القضاء على الطبقات كتجسيد وتقلل نوعا ما من جبروتها، لكن هذا لن يقضي على الفوارق الاجتماعية كليًّا، بل يمكن أن توطيدها أكثر فأكثر في المستقبل وتصبح الطبيعة ظالمة أكثر فأكثر للكادحين، فالكادح إذن هو الورقة الخاسرة في هذه اللعبة الاقتصادية الماكرة في آخر المطاف.

لو تأملنا قليلا في هذه الجائحة الطبيعية، أو بالأحرى الوباء العادل من حيت عدم تمييزه بين بني البشر؛ فإننا سنلاحظ بأنه أعاد الإنسان إلى الاهتمام بوحدته وأزال عنه التعددية، لم نعد نعطي أي أهمية للإنسان السياسي عند أرسطو، وصاحب العقد الاجتماعي عند روسو، والإنسان الاقتصادي حسب أصحاب مانشستر، والإنسان العاقل حسب لينيو، ليس هذا الإنسان أو ذاك؛ بل الإنسان الذي أصبح البشر يفكر فيه اليوم؛ هو الإنسان كلحم وكعظم، وبذلك فإننا الآن نحاول أن نحافظ على استمرارنا كأجساد داخل الطبيعة لا غير، وهذا النوع من الإنسان هو الذات والموضوع الأسمى في آن واحد لكل فلسفة، حتى وإن كنت قاصيا في قولي هذا مع الفكر الفلسفي؛ الذي يناقش الإنسان في بعده الأنطولوجي والأخلاقي والسياسي بيد أنها حقيقة تفرض ذاتها مادامت الفلسفة تعتمد على الشعر أكثر من اعتمادها على العلم. لهذا فجميع الفلسفات التي سايرت العلم وتطوراته وحاولت التحرر نوعا من ذاتية المؤلف، لم تنل أهمية كبيرة في تاريخ الفلسفة والمعرفة كليًّا، ونحن اليوم أمام هذه الجائحة الطبيعية نحتاج فلسفة علمية عملية ملازمة لتطورات حياتنا وتفكيرنا؛ لماذا قلت فلسفة العلوم ولم أقل العلم وحده؟ جواب كالآتي: أمر يتعلق بأهمية العقل البشري على الآلة التي ستساعد على فك الأزمة الصحية هاته، وعلى هذا فالآلات لن تنفع دون تفعيلها من طرف عقل إنساني ممنهجا أخلاقيا، إذ في غياب أخلاقيات العلم، تستعمل تلك الآلات في غير مصلحة البشر، لأن الطبيب أو العالم يكون خاضعا لإديولوجيات سياسية تحركه لمصلحة الاقتصاد وضد الإنسانية، فالإنسان في اعتقادي لا يتميز عن الحيوان بالعقل، بقدر ما يتميز عنه  بالمسؤولية واعتبارهذه الأخيرة واجبا أخلاقيا يمنهج أي فعل يقوم به امتثالا للواجب العقلي الكوني.

عودا على بدء؛ يمكننا القول بأن التهديد والخطر الذي مارسه فيروس كورورنا على الوجود جعل منا نتغاضى تلك النظرة التشييئية التي كانت تطغى علينا، فلقد كنا ننفي بعضنا ونتعامل مع بعضنا البعض كموضوع مثل باقي المواضيع، ما جعل إنسانيتنا غائبة بشكل تام، لكن بعد هذا التهديد أحسسنا ببعضنا بعض وبدأنا نقصي تلك النظرة الأنانية وبدأت الذات تنفد إلى أعماق الأخر، لأن الأخر يتقاسم معها مجموعة من الصفات والمشاعر الوجدانية التي لا يمكن أن تنفلت منها الأنا، وإذا ما حاولت ذلك فإنها ستقصي جزءا كبيرا من إنيتها، وتضحى شيئا مثل باقي الأشياء. المرض هو تجرِبة أنطولوجية تجعل منا ذوات مسائلة لأسئلة كبرى، من قبيل ما الغاية من هذه الحياة؟. وفي حضور هذا السؤال يصبح الشخص متعلقا أكثر وأكثر بالحياة وبالآخرين القادرين على الاعتراف به وبوجوده كذات.

المرض إذن؛ هو تجربة ذاتية تتأسس انطلاقا من تفاعلات علائقية واجتماعية مع الآخرعن طريق  التوحد به حدسيا؛ لأنه شئنا أم أبينا فالغير هوالأنا الآخر كما أكد ذلك الفيلسوف الفرنسي، (جون بول سارتر). إن الخلاص النهائي من سطوة وآلام المرض يكتمل في مجال الأخلاق، فالفعل الإنساني كفعل أخلاقي، يتمثل في البينذاتية التي لا تموضع الآخر وتنظر إليه كذات مستقلة عن الأنا، وإنما التوحد به حدسيا حتى يصبح هو أنا وأنا هو، ثم الغيرية باعتبارها نكرانا للذات وتضحية من أجل الغير، هي الكفيلة بتثبيت مشاعر التعاطف والمحبة بين الناس، فتجد الإنسانية غايتها الكبرى في نشر قيم التضامن في العالم. ذلك لأن شعور كل فرد بفرديته هو مبعث الأنانية، ومصدر الشرور جمعاء، إذ يتصادم الأفراد بعضهم مع البعض، فتنجم عن ذلك الرذائل الأخلاقية كلها، من قبيل الكراهية والحسد والرغبة في القضاء على الخصم.

لكن سرعان ما يصل الإنسان إلى حقيقة مفادها أن الأخلاق المتمثلة في حب الآخر ما هي إلا خداع من طرف الغير، وحينها يرفع عن عينه هذا الوهم ليكتشف الأنانية السائدة، مما ينتج عنه انتشار العطف والشفقة، وهذا الشعور هو الذي يطغى على الأفراد بعدما كانت الأنانية تفرق بينهم، لأن الحب في البقاء هو الذي يدفعنا إلى ادعاء هذه الأخلاق، حيث إن الأصل هو الأنانية والصراع من أجل العيش، وذلك التضامن الذي نخلقه، فما هو إلا وسيلة نتفادى من انطلاقا منها شرور بعضنا البعض، فالغاية من هذا الترابط الاجتماعي بين الدولة والفرد وبين الأفراد مع بعضهم البعض هو محاولة للقضاء على مرض فتاك أصبح يهدد الوجود كليًّا، وما تضامننا إلا لحماية بعضنا من بعض، لقد صارت الأنانية وانغلاق الذات مندمجان مع التضامن والتكافل والغيرية، إننا فعلا أمام فيروس يخلق الانسجام بجمعه للمتناقضات. كيف إذا واجه المجتمعين العربي والغربي هذه الجائحة؟.

إن لكل مجتمع دعامتين أساسيتين أولهما الممارسات التي يقوم بها اتجاه بيئته، أي، كلّ ما يتعلق بثرواته الطبيعية والبشرية؛ وهو الاقتصاد نفسه، ثانيهما الثقافة باعتبارها مجموع التأويلات التي يضفيها الشخص على هذه الممارسات لكي تكتسي معنى، لهذا فإن كل مجتمع مختلف عن الآخر تباعا لاختلاف هاتين الدعامتين؛ فبالعودة إلى المجتمعات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بدينها، فإننا سنجد ممارساتها وتفكيرها يسير وفقا لمقولات دينية، بيد أنه هناك انسجام بين الممارسات والتأويلات بنسبة لكل مجتمع.

إن فعل التدين في المجتمع العربي يعاني هشاشة وافتقار للتدين الواعي، لأنه يمارس شعائره وفقا للعقليات الماضوية، التي تجعل من الدين الترياق الوحيد الذي ليس له مثيل، ومنه فأي مشكل اجتماعي واقتصادي وجب حله انطلاقا من الرجوع إلى الذين كمجموع العقائد والممارسات التي ابتعدنا عنها بفعل العولمة والتكنولوجيا، لذا فإنّ جائحة كورونا بالنسبة للعقل العربي هي نتيجة للابتعاد عن الله، وعليه وجب أن نتضرع له لعله رافعا عن هذا البلاء. العقل العربي ذن عقل ثيولوجي يحاول أن يفسر الأشياء الطبيعة والمجتمعية بعلل  خارج الطبيعة والمجتمع، أي بالتكبير لإله خارج عن المنظومة الاقتصادية التي كانت السبب في تفشي المرض، لهذا فإن الواقع أصبح يفرض علينا الارتباط بالعلم أكثر فأكثر وإلا سنعاني في المستقبل؛ لأن ما عاشته أوروبا في القرون الوسطى من اكتساح للعقول وتجمدها ومحاولة ربطها بعالم الغيبيات، نعيشه نحن اليوم، لكن للأسف العقل العربي عقل منغلق لا يحب الانفتاح على المجتمعات الأخرى بذريعة أنها مجتمعات غير إسلامية، والحل لهم يتمثل في العودة إلى الدين بذهنية تقليدية سلفية لا تجعل منه منفتحا على متطلبات العصر، السلفي إذن يرى بأن التخلف والأمراض والابتلاء الإلهي واقع بالابتعاد عن أقوال السلف الصالح، فهو يتحدث عن التأويل السني باعتباره تأويلا صحيحا، بيد أن هذا التأويل يضرب عرْضَ الحائط كل مبادئ العقل والعلم والحداثة؛ لأنه يتنكر للفرد ويقدس الماضي ويحتقر المستقبل، لقد ابتلانا الله وللأسف الشديد بعقول تظن أن رحمة الله لهم وحدهم، والواقع أنها مجتمعات تخلق فكرة الله في الوقت الذي تشعر فيه بتهديد الطبيعة.

إن العقل الغربي هو عقل يتميز بالخصوصية حتى على مستوى فعل تدينه، لهذا فالتدين الغربي يبقى في حدود عَلاقة الفرد بخالقه ويفصل تمام الفصل المجال الديني عن المجال الطبيعي والبيويوجي، لهذا فإنه يفسر الوجود انطلاقا من علل الوجود ذاته لا خارجه مثلما يفعل العقل العربي، كيف لا والعقل الغربي فهم معنى وضرورة الارتباط بالعقل التجريبي العلمي والعملي، لأنه الوحيد الكفيل بتطوير ثقافته وعلمه. لذا يَجِبُ ألاّ نستغرب من الثقافة الغربية التي تواجه اليوم هذا الوباء بالمختبرات والتجارب العلمية، ولا تربطه بالسخط الإلهي أو ما شابه، إنه عقل واقعي وسلوكي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وذلك بفعل الصدمة التي كان يعيش في ظلها إبان القرون الوسطى.

الثقافة العربية إذن هي ثقافة منغلقة ولا تحب الاستفادة من الأخر لأنها تعد ذلك نقص وتنقيص من عقلها وكفاءتها ودورها داخل التاريخ؛ لهذا ففي اللحظة التي أصبحنا نعيش فيها تأخرا تاريخيا رفضنا الانفتاح عن الثقافة الغربية، باعتبارها ثقافة فهمت ووطدت العقل والعقلانية في جل مجالاتها، على الرغْم من معارضتهم التفكير العقلاني في لحظات سطو الكنيسة إلا أنهم تجاوزوا ذلك التفكير وطوروا من حضارتهم، ومن باب المعقول أن يحدث ذلك لأن الثقافة الغربية ثقافة منفتحة وغير منغلقة، في اللحظة التي كان العرب يتمتعون بتفكير عقلي مع إبن رشد وإبن سينا والفارابي وغيرهم؛ كانت أوروبا تتصارع مع كهنوت الكنيسة؛ مما جعل الغرب ينفتحون على التفكير العربي الإسلامي كليًّا ويطوروا منه من أجل تداركهم التأخر الفكري والتاريخي؛ واليوم فنحن نعيش عصورا وسطى جديدة؛ أي تلك التي عاشتها أوروبا إبان قرون مضت؛ لكن لا نزال نتبجح بأصالتنا المنغلقة ولا نريد الانفتاح عن الأخر ونعتبره عدوا وكافرا؛ وأن الحل موجود في الرسالة الإسلامية وكلما عدنا لها كلما تقدمنا؛ بيد الواقع أثبت أن هذا القول مجرد وهم، لأنه كلما تشبثنا بالماضي كلما فكرنا تفكيرا ماضويا لا يمت للعقل و للحداثة والتقدم بصلة؛ ومنه فالثقافة العربية قتلت العقل حينما اتهمت الفلاسفة والمفكرين العرب بالزندقة والتفاهة والسفاهة.

زبدة القول - وبصريح العبارة- إنه ليس هناك صراع حضارات، بل هناك صراع الحضارة الأوروبية مع ذاتها، لأن الحضارة العربية هي حضارة ولأسف الشديد خارج التاريخ، لكونها لا تزل متشبثة بالماضي وتحاول تفسير الحاضر والعلم والأوبئة البيولوجية انطلاقا من الفكر السلفي، بيد أن منطق العلم الحديث أسس في نطاق الفيزياء والعلم التجريبي وهو سبب تطور كل المعارف الأخرى، هو مجال علمي إستراتيجي تتقاطع وتجتمع فيه فعاليات متنوعة، الاستهلاك، الإنتاج، الثقافة، الاقتصاد، الذهنيات، الخيال التدريجي والعمل التجريبي.

لهذا فإن النموذج فيزيائيي ضروري بالنسبة للعرب بوصفه جسرا يربط بين العلم النظري والنشاط المهني في أفق اللحاق بالركب العلمي في أسسه العلمية المعاصرة، وليس فقط مجرد معارف علمية سرعان ما تغدو معرفة تاريخية. فالعلم منطق اكتشاف للمجهول في المستقبل وليس تأويلا لمعارف الأولين، ومنه فنحن في حاجة إلى ثورة ثقافية وعلمية، تؤمن بقدرة الإنسان على الفعل والإنجاز بما يقود إلى إغناء وتطوير مكاسب الحداثة والعلم كما بلورها الغرب الحديث والمعاصر، ذلك أن تجربة التحديث الذي يتعين على المجتمعات العربية أن تخوضها ينبغي أن تقطع مع منطق التقليد الذي يتشكل باعتباره لحظة تكرارية تتوخى استعادة أمجاد الماضي، لذا نتمنى ألا نصل إلى مستوى شديد الْخَطَر من المرض، لأننا أمة لا تؤمن بالعلم والعقل وإنما تؤمن بالتقليد والخرافة، لهذا يصعب علينا الرجوع لهذا المستوى المتوسطي لا على المستوى الاقتصادي ولا على المستوى الاجتماعي، أما أوروبا فإنها ستتجاوز محنتها بعد زوال المرض ويمكن أن تعود إلى نفس المستوى الذي كانت عليه لأنها تحترم العقل العلمي بكل تجلياته.

في رأيي أن هذه الجائحة الطبيعة نتيجة لصراع الدول الاقتصادية العظمى على من سيحكم العالم، لهذا فمن المحتمل أن تتحول هذه الحرب الطبيعية، إلى حرب عسكرية بين الدول التي تتصارع على سيادة العالم.

 

عبد الكريم لمباركي باحث في الفلسفة.

 

صادق السامرائيخان وطنه: تخلى عن واجب المواطنة والإخلاص للوطن.

أنّانة: متوجعة

أمة تتوجع وخونة تتمتع، وشعب مقهور بالخونة معقور، وتدور الدوائر والكراسي تجور، والليل يطول والصبح يغول، وصراخ المطالبين بحقوقهم يتعالى، والظالمون جورهم على شعوبهم يتوالى، وأسّ الوجيع الخيانة.

فأين المسؤولية وصون الأمانة؟!!

أولا: سلوك الإستهانة وتمجيد الخيانة!!

منذ إنبثاق الوعي العربي واليقظة الوهاجة للأمة، والعقل المضاد لحركتها وإنطلاقها يزداد شراسة وقسوة، ويستهدف أنوارها بأنواعهم ويشجع المتفقين مع نهج هضمها وتقعيدها، والنيل منها بأشد أساليب التضليل والدجل والتغرير بالبهتان، وعملت القوى الطامعة بها على تدميرها بما فيها من الطاقات والقدرات، وإكتشفت بعد محاولات متعددة بأنها تكوّنت بدينها، وبدينها يكمن قتلها وتمزيقها.

وفي دينها ما يؤهله لتدميرها وجعلها تتصارع داخليا حتى تفقد قدرات البقاء والتواصل والعلاء، وينشأ فيها جيل يكره دينها وينكر الذات والهوية.

ووفقا لهذا المنهج الإنقراضي يتم التصدي لمصابيحها المنيرة وعقولها الوهاجة، التي  تعمل على شحذ الهمم وإيقاظ العزائم ومعالجة وجيعها، وإعلامها بأنها قادرة على إستعادة دورها.

ومنذ عهد الإصلاح النهضوي الذي قاده نخبة من طلائعها الأفذاذ في القرن التاسع عشر وحتى اليوم، ما أن يبرز مشعل منير فيها حتى يجندون له  مَن يقذفونه بالتهم الجائرة والتخوين والتكفير والإدانة، والقول بأنه ينتسب لهذه الجماعة أو تلك، ويحصل تفاعل سلبي بين أبنائها وأنوارها، فتخسر الأمة وتتيه الأجيال، لأنها لا تستعين بقدوة أو دليل يأخذها إلى مرافئ الرجاء والأمل.

ويسود تشجيع الخائبين الفئويين الطائفيين الحاقدين، وتُفرش لهم الطرقات بالورود  لينفثوا سمومهم  لتحقيق غايات الطامعين بالبلاد والعباد.

فالأمة فيها من أبنائها المؤهلين للعدوان عليها أكثر من أية أمة أخرى، حتى صارت الخيانة فيها فخرا وعزةً!!

وما عادت القيم الوطنية والدينية الأصيلة ذات معنى، فالطائفية تعلو ولا يعلو عليها، والأحرار يداسون بالأقدام، ومَن يطالب بحقه عدو للكرسي والطائفية، فالوطن مجهول، والعروبة مذمومة، والحياة في الطائفة والجماعة، والدين مطية الرغبات المسعورة!!

ثانيا: سلوك الخيانة وبهتان الأمانة!!

الخيانة سلوك ممقوت مرفوض ممجوج لا تقره القيم والأعراف البشرية والحيوانية بأنواعها، وهو عاهة سلوكية أشارت إليها التعاليم والإرشادات منذ الأزل، وهناك نصوص تتصدى للخيانة في شرائع الأولين من الذين وضعوا السنن والقوانين والضوابط، للحد من الخيانة كما جاء في شريعة حمورابي وما قبلها وبعدها.

والكتب والتعاليم الدينية قاطبة تعتبر الخيانة عملا مرفوضا وتفرض على الخائن شد العقاب، وفي القرآن

"إن الله لا يحب كل خوانٍ كفور"، و"إن الله لا يحب الخائنين"

ومن الواضح أن طاعون الخيانة يستشري في بعض المجتمعات، مما تسبب بتداعيات فجائعية على كافة المستويات، ودفع بالواقع الإجتماعي إلى قيعان الفساد والخراب والدمار، لأن الخونة ينفذون أجندات أسيادهم ويعادون أوطانهم ومواطنيهم، ويساهمون في تدمير وجودهم.

ولا يمكن لقوة أن تقضي على شعب وأمة إلا بتوفر الخونة، والمجتمعات التي لا يوجد فيها خونة هي المجتمعات الأقوى والأقدر، وكلما تزايد عدد الخونة في أي مجتمع فأنه يتهاوى إلى الحضيض، لأن الخونة كدودة الأرضة تنخر المجتمع وتحيله إلى أجداث.

ثالثا: الخيانة والديانة!!

تربينا على أن الديانة ورع وزهد وتقى وخوف من عمل المعاصي وتجنب المحرمات، ويكون المتدين قدوة حسنة للنزاهة والطيبة والمحبة والأخوة الإنسانية، وتعلمنا بأن المتدينين يجتهدون بالتعبير العملي عمّا في القرآن ويتمثلون بسيرة الأنبياء والأولياء والصالحين، وكان لهم مقاما مرموقا في النفوس والقلوب ولهم مكانتهم الإجتماعية المتميزة.

ودارت السنون وتدحرجت العقود، وإذا بنا أمام أحزاب وحركات وأدعياء دين، وما أن آلت إليهم الأمور حتى إتضحت الخيانة وعم الفساد والظلم والإمتهان والإذلال، والتعبير الفاضح عن التبعية والهوان، مما دفع لإثارة سؤال عن العلاقة ما بين الديانة والخيانة.

ويبدو أن في الديانة آليات ومؤهلات لتبرير الخيانة، فيمكن للمتدين أن يستحضر ما يشاء من الأمثلة والأقوال والأحاديث والآيات لتبرير أي سلوك يقوم به أو إثم يقترفه.

سمعت خبرا وقائله يؤكده بأنه حصل فعلا، أن أحد السياسيين المتدينين في وقت الإنتخابات ذهب إلى قرية يدعوها لإنتخابه، وكانت تعاني من عدم توفر ماء صالح للشرب، فوعدهم بأنه سيوفر ذلك لهم، وبعد أن إنتخبوه لم يعد إليهم ولم ينجز وعده، لكنه عاد إليهم بعد أربعة سنوات يدعوهم لإنتخابه، فقام أحد أبناء القرية وأحضر له ماءً من الذي يشربونه وهو أخضر اللون ولا يمكن شربه، لكي يذكّر السياسي بوعده قبل أربعة سنوات، لكن السياسي بقي ينظر إلى الماء وعندما ألحوا عليه بشرب الماء أخذ بالبكاء، فسألوه لماذا تبكي فقال لهم " تذكرت الحسين الذي مات عطشانا"، فنهضوا يكبرون ويباركون له، وانتخبوه ثانية وثالثة وربما رابعة، وفي هذه الواقعة سلوك مشين يدلل على كيف يتم إمتهان الناس بألاعيب الدين وما يتصل به من حوادث.

ففي أية ديانة فيها ما يساهم بصناعة الحالة المطلوبة!!

رابعا: الخيانة طاعون العرب!!

"عرب خيانات" واجهني بها رجل تركي طاعن بالسن قبل أكثر من عقدين من الزمان، وأنا في محله أتبضع، فحالما عرف بأني عربي نطقها بوجهي، فاستغربت وألقيت البضاعة وغادرت محله، رغم محاولته شرح لماذا قال ذلك، وكان في شرحه منطق وسبب!!

وخلاصة قوله أن العرب قد خانوا الدولة العثمانية وتبعوا الإنكليز وهذا ما حصدوه.

لكني كأي العرب أمتلك طاقة إنفعالية ولا أصغي لصوت العقل ولا أتبصر ولا أتفهم الآخر، لأني مصاب بداء المعرفة وأحسب أني أدري وغيري لا يدري، وأي رأي أو وجهة نظر لا تتطابق معي أعتبره عدوانا وإعتداءَ، وتلك مصيبة عربية فادحة .

وبعد أن دارت الأيام واقتربت من التأريخ بعلمية وموضوعية، وعاينت تقلب الأحوال وما حصل في العقود  الماضية، تبين أن العرب فيهم مرض خطير وطاعون مروع هو الخيانة، وما أدراك ماهي!!

فالعرب من أكثر مجتمعات الدنيا تأهلا للخيانة، فالعربي من جميع الدول العربية يميل لخيانة دولته ووطنه وأبناء شعبه، ويتفاخر في خدمة الآخر أيا كان، وبسبب هذا السلوك أصيبت الدول العربية بمقتل، فلا يوجد عمل او صراع أو حالة،  وحتى في زمن الحروب المصيرية هناك خونة من العرب وفي رأس السلطة ونظام الحكم.

وفي الزمن المعاصر تكاثر الخونة، وإنتشروا في جميع المجتمعات والدول، وصارت الخيانة فخر وعمل ووسيلة لكسب الرزق والحياة السعيدة، على حساب الأبرياء والمساكين والمقهورين من العرب في ديارهم ومهاجرهم.

وما يتحقق اليوم في الديار العربية بأجمعها يساهم فيه خونة عرب، يمارسون أعمالهم وينفذون الأجندات المطلوبة، ويصلون للأهداف المرسومة والمشاريع الموضوعة، فلولا الخونة العرب لما تدهورت أحوال العرب.

فالعرب ما أن يتعرضوا لمواجهة أو تحدٍ أو صراع مع الآخر، حتى ينهض الخونة ويتآزرون مع العدو لتدمير العرب، ويحلمون بمكاسب ثمنا لخيانتهم، وهذا السلوك يتكرر في أحداث التأريخ على مر العصور، وقد تأكذ بوقاحة وشراسة في هذا العصر، الذي يُستخدم فيه الخونة العرب لتدمير العرب.

وهؤلاء الخونة يتكاثرون ويتسلطون ويؤدون مراسيم الطاعة والإخلاص لسادتهم، وما أكثرهم وأشرسهم وأقساهم على العرب.

وهذه المصيبة العربية التي يتم تجاهلها أو إغفالها لسيادة الخونة وتمكنهم وتنفذهم في الواقع العربي، هي السبب الجوهري لويلات العرب، ولا يوجد مثلها في مجتمعات الدنيا الأخرى، كالصين واليابان وكوريا وفيتنام والهند وتركيا وإيران، فالخيانة صفة مرفوضة وسلوك آثم وإجرامي بحق الوطن والشعب، لكنها صارت سلوكا إيجابيا وقيمة أخلاقية تمنح الجاه والقوة والسلطان في بلاد العرب أوطاني.

ومَن يَعترض فعليه أن يأتي بدليل يفند به إنعدام دور الخيانة في صناعة مصير العرب البائس المهين!!

فالخيانة تؤمّن من خوف وتطعم من جوع، والوطنية مطاردة وتجلب الخوف والجوع والحرمان والقهر والنكران، فالوطني العربي بطران إبن ألف بطران، والخائن يفوز بالغنائم والجنان، فالخائن سلطان!!

خامسا: الشعب خائن!!

الشعب الذي يطالب بحقوقه الطبيعية يجب أن يكون خائنا، لتمرده على الكراسي القابضة على مصيره.

الشعب خائن.. لأنه يريد الكهرباء والماء الصالح للشرب والتعليم المعاصر والرعاية الصحية،  وهو في ذروة الخيانة لأنه يتطلع لأكل لقمة عيش كريمة  ويجد عملا يليق به كإنسان.

الشعب خائن.. لأنه ثار على مناهج القطيع التي تستثمر فيها العمائم المتاجرة بالدين، والتي تستبيح قيم وروح الدين بإدّعاء الدين.

الشعب خائن.. لأن الكراسي ديمقراطية وجاءت وفقا لفتاوى عمائم القطيع، ولأن البرلمان يمثل الشعب ويحرص على مصالحه وتحقيق مطالبه.

الشعب خائن... وينفذ مؤامرة عدوانية تديرها أيادٍ خفية مارقة، تسعى لتدمير البلاد وإنهاك العباد، ولأنه إستيقظ وإستوعب اللعبة وقال كلمته وعبّر عن رأيه.

الشعب خائن.. لأنه أسقط الأقنعة، وعرى الالأدعياء، وأزال أوراق التوت عن عورات المبويقين المرائين الدجالين، والتابعين لكل محتال أثيم يقتل الأبرياء ويوجه الرصاص الغاشم إلى صدور الشباب المتطلعين إلى حياة حرة كريمة.

الشعب خائن.. لأنه قال أريد وطني، وأريد حياة مثل باقي الناس في الدنيا.

فمن هو الخائن؟

الفاسدون أم الذين ثاروا عليهم؟

الناكرون للوطن أم الذين يريدون وطنهم؟

التابعون للطامعين أم الذين يريدون حرية وعزة الوطن والمواطنين؟

فهل أن الخيانة مذهب ودين؟!!

سادسا: مَنْ يُبرر يَخون!!

القادرون على التبرير خونة، وأقدرُ المبررين المثقفون والمفكرون والذين يسمّون أنفسهم نخبا.

مما يعني أن الخيانة ربما مذهبهم وديدن سلوكهم، وبهذا أطاحوا بوجود أمتهم رغم كثرتهم، ولعلعات ألسنتهم وأقلامهم.

وبرغم تنوع كتبهم وطروحاتهم وتحليلاتهم وتخريجاتهم وتسويغاتهم، لكن الأمة تزحف على بطنها وأنينها شديد.

فهل أن الأقلام خائنة؟

وهل أن نخب الأمة خائنة؟

أو أنها تمارس الخيانة الحضارية والإنسانية والفكرية والمعرفية، وتتمرع بغفلة العارفين، وغباء الأذكياء المارقين.

الأمة في مأزق مصيري، ومَن يمثلها يتراقص على هامش الوعيد، ولا يستطيع أن يقدم ما يساهم في رأب صدع وجودها، ومنحها طاقة كينونة ذات أمل، وقدرة على صناعة الحياة اللازمة لوجودها الأصيل.

فمعضلة الأمة في إمعان أبنائها بالخيانة بأنواعها!!

وهذه الخيانة هي التي تصيبها بمقتل أليم.

فهلاّ وعينا الخيانة!!

وتعلمنا أن لا نخون علّنا نكون!!

فهل أنّ الخيانة مذهب ودين؟

وهل أن الخيانة من الإيمان؟

تساؤلات لابد من الوقوف أمامها بشحاعة وجرأة وإقدام وإصرار مكين.

فالأمة التي تخونها نخبها لن ولن تكون!!

وفي الختام الخيانة عاهة سلوكية مرعبة فاعلة في تقرير مصير الأجيال، وهي مزمنة متكررة، وما عادت مستترة بل تدعو للتفاخر والسيادة والتمكن من الحكم!!

 

د. صادق السامرائي

 

حمزة بلحاج صالحالهدم هو لحظة في البناء الجديد هايدغر

 التفكيك عنوان مسار العدمية وتفكيك اللوغوس في سياقات ما بعد الحداثة وفي سياق مقولة توران سقوط السرديات الكبرى ...

ما للميتافيزيقا بقيت صامدة بعد هايدغر رغم محاولاته وهو يعتبر التموقع داخلها ثم تفجيرها من الداخل هو السبيل الوحيد للنيل منها وهي تتمنع على التفكك والهدم والتفتت...

ثم واصل جاك دريدا مسعاه كأنه استمرارية لهايدغر في هذا المبحث تحديدا رغم الفروقات المعرفية والفلسفية وبقيت الميتافيزيقا صامدة لكن أي ميتافيزيقا كان يعنيها هايدغر...

هل الميتافيزيقا لاهوت الأرض أم هي لاهوت السماء وأي ميتافيزيقا كان يعني دريدا ...

وهل اللوغوسات جمع لوغوس بما فيها تلك نتاج المقولات الكانطية التنويرية والأنوارية هل هي ميتافيزيقا وهل هي تلك التي كان يعنيها هايدغر...

 هل هي ميتافيزيقا وهل هي تلك التي كان يعنيها هايدغر... الميتافيزيقا المتمركزة حول نفسها نسقا وبنية ومفهوما وتعاليا ...

 

ماذا كان يعني هايدغر هل كان يعني ما عناه تماما برتراند راسل وهو ملهم استراتيجي لجل وأهم النصوص والإضافات التي اهتمت بفلسفة اللغة والمنطق بل عرف بفيلسوف الأخلاق او الإيطيقا...

و نحن نعلم دورفلسفة اللغة في حقول الميتافيزيقا الدينية خاصة وهو صاحب نزعة أخلاقية كيف به يرمي بمقولتيه او مقولاته الشهيرة تجاه الدين منها قوله على المعتقدات الدينية أن تختفي وتزول واعتبرها على حد قوله طفولة بشرية وحالة مرضية .....

وهي لغة مقرفة لا تنسجم ومنزلة الفيلسوف للأسف...

ثم ماذا عن إدموند هوسرل أمام موقف كهذا وهو يمثل تيارا إيمانيا في كل من الهرمنطيقا والفينومينولوجيا خاصة أنه تجاوز باراديغمات les paradigmes و باراديغمات وحجج الفينومينولوجيا ومنطقها في حالات شتى والتي يعتبر مؤسسها وأباها...

ترى ما الإيمان وما الدين عند الظواهريين والفينومينولوجيين وهل من مبرر يدعو لتمثل أطروحاتهم كقراءة بديلة متطورة في فهم الدين باعتبار كونيته وأنسنته ...

أم إن الحمولة غير التي تمكننا من استيعاب أدواتهم في الإيبيستمي العربي الإسلامي وكيف وما هي النقلة الإيبستمولوجية والمعرفية التي نجنيها ونستفيدها كما حصل عند بعض إخواننا العرب الذين يشتغلون على هذا المبحث الهام...

على أي أساس أنطولوجي وفينومينولوجي رمى برتراند راسل مقولته وهل نفهم أن المعني والمشار إليه هو الدين ونسلم للباحث التونسي ناقد أركون الشهير محمد المزوغي باحث في أحد مراكز البحث بإيطاليا ونكرر مقولته التي يعتبر فيها أن كل الفلسفات والعقلانيات الغربية مادية تنتهي إلى الإلحاد...

أم إننا نستنتجد ب كانط الذي رفع في ملعبه نيتشه بطاقة حمراء ليعتبره لوغوسا مغلقا ونقدا منقوصا وهل اللوغوس العقلي وهو يتشكل بتلك الصفة المغلقة الدوغمائية التكوين والبنية هو شكل من الميتافيزيقا والإنغلاق اللاهوتي المتأرضن.. بمعنى نظام مغلق شديد الغلق صعب التفجير...

هل بإمكاننا أن نفهم كانط وانواره نفسها لاهوتا مقنعا ونصا يحرر من الوصاية انتهى الى نص مؤدلج وميتافيزيقا لابد أن تفكك...

هل هايدغر الذي اشتهر بمقولته الهدم هو لحظة في بناء الجديد توصل إلى هدم الميتافيزيقا وهل توصل دريدا لنفس الغاية ...

هل حقق كل منهما غاية التفكيك كهدم لا يوجد ما بعده ومن ثمة هلامية مقولة ما بعد التفكيك إلا إن كانت تعني تجاوز التفكيك والتحقيب لفترة زمنية جديدة وعهد اخر ما بعدي يقطع مع التفكيك الذي هو من حدد بنفسه نهايته عبرالية اشتغاله الداخلية ...

لا بناء بعد التفكيك حتى رفض أكثرهم اعتباره منهجا ما عدا في حقول النصوص الأدبية ولذلك أعيا التفكيك علي حرب فكتب مابعد التفكيك لكن مابعدياته بقيت نداء وأملا لا مشروعا واضحا ومن ثمة انتهى في تقديري علي حرب فكانت تلك عتبته القصوى في التفلسف والعبث بالكتابة والعدمية...

 

حمزة بلحاج صالح

 

صادق السامرائيالتعليق: ما يُذكر في حاشية الكتاب من شرح وبيان.

والمقصود بها هنا المداخلات التي تتفاعل مع النص المنشور.

المداخلة: مشاركة بالحوار في مناقشة.

أكتب في صحيفة المثقف منذ أسبوعها الأول، ولازلت أنشر فيها مقالات يومية ونصوص شعرية بين فترة وأخرى، وأرى المنشور يصبح في حوزة القارئ ومن حقه أن يبدي رأيه فيه، ولستُ في حالة دفاع عمّا أنشرهُ، ولهذا ما تفاعلت مع التعليقات إلا فيما قل وندر، وأعلمتُ العديد من المواقع برأيِّ وظروفي، رغم عتابهم على عدم التواصل مع التعليقات.

وفي الآونة الأخيرة أخذت أتفاعل مع التعليقات لتوفر بعض الوقت، وسأتناول ما إستخلصته منها، وكدت أن أخضعها للدراسة والتحليل وفق منهج علمي، قد يساهم في تهذيبها وتشذيبها، لكنها توافدت إلى السطور على هذه الشاكلة، التي تسلط الضوء على قواسمها المشتركة:

أولا: القراءة الإنفعالية

القراءة الإنفعالية تباغتكَ بما ليس في النص وما خطر على بال كاتبه، وتحتار من أين إستحضرت هذه التعبيرات التي ألصقت بالنص المنشور، وتكتشف أن بعض الكلمات أو المفردات قد قدحت سَوْرة إنفعالية في أعماق القارئ وأججته، وأطلقت ما فيه ليعلقه على النص، فيتحول النص إلى موضع للإسقاط!!

ثانيا: التعميمية

عندما تكتب في موضوع خاص والعنوان يؤكد ذلك، تراه إكتسب توصيفات تعميمية لا يقصدها ولا تمت بصلة إليه، ويصر المعلق على أن المقال يتصدى لحالات لم يتصدَ لها، ولم يقترب منها.

فالمفردة القادحة تتسبب بإستجابات إنعكاسية فوّارة عند المُعلق، وتبعث ما فيه من مشاعر سلبية يصوغها بعبارات لا صلة لها بالنص المنشور، لكنه يلصقها به، ويراه هكذا!!

ثالثا: التحاملية

التعليقات فيها نوع من التحامل على شخص الكاتب، وتخرج من التفاعل مع النص وما فيه من الأفكار، ولا يمكنها أن تفصل بين الكاتب والمكتوب، وإنما تحسبهما شيئا واحدا، فأنت وما تكتبه متطابقان!!

رابعا: التعصبية

في التعليقات تظهر أحيانا نوع من التعصبية أو السلوك الجماعي ضد النص، فالذين إتخذوا من التعليقات أسلوبا للتواصل الإجتماعي والمجاملات، تحولوا إلى فئة تتكلم بلسان واحد ضد كاتب النص ولا يعنيها فحوى ومحتوى النص.

خامسا: الشخصنة

من المؤسف أن تتحول التعليقات إلى تفاعلات شخصية تتجاوز المقبول، فتبدو وكأنها معركة حامية وصراعات دامية بالكلمات.

ويتضح خلوها من إحترام الرأي الآخر وخصوصية الشخص الذي يدلي برأيه.

سادسا: الإتهامية

البعض يتجاوز النص المنشور ويطلق العنان لمخيلته بإتهام كاتبه بما يحلو له وتمليه عليه تصوراته القاصرة وإستنتاجاته الباطلة، ويصر على إتهاماته، وهو لا يعرف عن الكاتب شيئا، وما إطلع إلا على بعض مما ينشره.

والأنكى من ذلك أن بعضهم يرى الكاتب متهما بما ذكره، وعليه أن يثبت براءته أمامهم، ويعلن أنهم على صواب وهو على خطأ، ليسترضي جموحهم النرجسي.

سابعا: العدوانية

العدوانية مشاعر سلبية طافحة تجتاح الشخص، فتجدها في أول الكلمات التي يستهل بها تعليقه، وينطلق منها ليبرر ما يريد قوله، بعد أن سخّر عقله لهذه المهمة الشرسة النكراء.

ثامنا: الأحكام المُسبقة

البعض ينطلق من أحكام مسبقة إستحضرها إسم الكاتب أو عنوان النص، فيتخذونها دليلا للتعليق، فيأتون بما لا يمت للمنشور بصلة ذات قيمة معرفية، وإنما تبريرات لتأكيد هذه الأحكام الجائرة.

تاسعا: الإفتراضية

كثيرا ما تجد تعليقات فيها إفتراضات لا علاقة لها بالنص، وإنما إفترضها المُعلق ومضى على هديها مسهبا فيما يكتبه ولا يدري ماذا يريد أن يقول، فقط إنه يفترض أن الكاتب يقصد كذا وكذا، وعليه أن ينهال بكلماته على ذلك.

عاشرا: الخروج عن الموضوع

نسبة كبيرة من التعليقات تخرج عن الموضوع، وكأن المنشور قد إستدعاها للبوح أو الترويح النفسي والفضفضة عما يعتري أصحابها، ولا بأس من ذلك إن كان يريح المُعلق، لكن أن يتجاوز أدب وأصول الحوار الثقافي فلا نفع مما أدلى به.

حادي عشر: التشاجرية

أحيانا التعليقات تبدو كالتنازعات والإشتباك الحامي بالكلمات، ويمكن القول بأنها معارك إفتراضية دامية، وتتعجب من تواصلها وتأججها، حتى لتستغرب إن كان المُعلق لديه إستعداد جاهز للتفاعل مع الآخرين بالضرب بالكلمات أو بأي شيئ يمكن أن تناله يداه.

ثاني عشر: التسفيهية

التسفيه: بيان الخفة والإسفاف والجهل

قسم من التعليقات تنطلق من منصات علوية، فيرى أصحابها الناس صغارا وهم أصغر من تصغيرهم للآخرين، فهم العارفون والعالمون، وصاحب النص من الجهلاء الأغرار الذين ينطقون بما لا يعرفون، وينتهون إلى إستنتاجات تكشف عن جهلهم ومحدودية تفكيرهم وهم لا يشعرون.

ثالث عشر: القدحية

القدْح: الذم والطعن

بعض التعليقات مشحونة بالمفردات السلبية ضد النص أو تعني صاحب النص، ولا تعرف مبعثها ومن قدَحها في دنيا معلقها، وأحيانا توشك أن تصل إلى حد السب والشتيمة، وتنتهي بالخصام والزعل والقطيعة.

ويبدو أن الطبيعة النفسية لأصحابها تدفعهم إلى رمي الآخرين من حولهم بألف حجر وحجر، ولا يشعرون بما يتوطنهم من السيئات والسلبيات، فهم المنزهون المتعالون عن البشر.

رابع عشر: المدحية

المديح: تعداد المحاسن والمزايا

وهي الطاغية في التعليقات، فالذي ينشر طلبا للمديح من الأفضل أن لا ينشر، النص المنشور يجب أن يتعرض للنقد من قبل كاتبه وقارئه، وليس لتلقي المديح، الكاتب الذي لا يعرف ماذا كتب ربما يبحث عن إرضاء حاجات نفسية بواسطة المديح.

المديح لا يقدم ولا يؤخر عند الكاتب الذي يعرف ماذا يريد من نشره لما كتب.

الكتابة رسالة وهي أصعب وأخطر عمل يقوم به الإنسان، وليست للمظهرية "شو بزنز"!!

خامس عشر: ضعف مهارات المحاجّة

المعلق عندما لا يتفق مع ما جاء بالموضوع الذي يريد التصدي له، لا يمتلك مهارات المحاجّة العقلية الدالة على المعرفة والقدرة على تفنيد التصور الآخر، وإنما يلجأ للإنفعالية وينطلق منها لبناء ما يشبه الأوهام تجاه الموضوع الذي يتناوله.

وتبدو طروحاته من بنات أوهامه وتهيؤاته، حتى لتغدو وكأنها لا صلة لها بالموضوع المطروح.

بينما الذي يريد أن يخوض غمار التحاور عليه أن يكون مؤهلا ومجيدا لآليات المجاجّة، وتقديم الأدلة والبراهين الداحضة أو المؤيدة لما يذهب إليه، لا أن ينتهي بالشجار وعدم الإحترام.

سادس عشر: الظنِّية

أحيانا تجد بين الأخوة المُعلقين مًن يحسب المكتوب ضده " يأخذ على نفسه"، وكأنه هو المعني بالمقال أو النص، وهذه ظاهرة غير صحية ولا تنم عن ثقة بالنفس وإيمان بالنشاط الإبداعي الذي يمارسه، فلكل ما نكتبه هناك من يتفاعل معه بإيجابية أو سلبية، وتلك هي الطبيعة البشرية.

فلا يعني أن الذي ينهال على ما ننشره بما يحلو له من الهجمات، سيفت من عضدنا أو يحبطنا، وإنما هذا هو رأيه فنحترمه ونتعلم منه مهما كان قاسيا وعدوانيا، فبعض البشر بطبعه لا يرى أحدا سواه، وأنه في محطات العلاء.

ولكل مخلوق دماغه وعقله الذي يملي عليه ما أدركه ووعاه.

سابع عشر: النرجسية المفرطة

من حق أي مبدع أن يعتد بنفسه وبما ينتجه، وليرى نفسه كما يراها ويتصورها، ولا يجوز فرض الرؤية الذاتية على الآخرين، فلكلٍّ رؤيته لذاته وموضوعه، وعلينا أن نحقق سلوك الإحترام المتبادل، والتفاعل الإيجابي الذي يساهم في التعلم والتقدم، فالمبدعون بحاجة لبعضهم لكي يتحقق تيار الوعي والتنوير، وتتعلم الجماهير منهم مهارات الكينونة الأرقى.

أما التوحل بمستنقعات النرجسية ومآلاتها، وإضطراباتها السلوكية بأنواعها، فأنه يتسبب بتداعيات تفاعلية مستنزفة للطاقات ومجففة للإبداع.

ثامن عشر: التفاضلية

لا يوجد إبداع كامل، فشيمة ما ينتجه الإنسان النقصان الدائم، لأن الأرض تدور وما عليها يتجدد ولا يتجمد، ولا توجد مقاييس ثابتة بتقييم الجودة الإبداعية، والزمن بأجياله المتعاقبة هو الحَكم الذي يمنح درجة ما من الجودة لهذا الإبداع أو ذاك.

أما القول بأن ما قدمته أفضل مما قدمه غيري، ففيه قصر بصر، وضيق أفق، فالمهم أن يبدع الإنسان، ويطلق أحسن ما فيه، ويدع التقييم لإرادة الحياة المتواكبة في نهر الأجيال. 

وفي الختام نأمل أن تكون تفاعلاتنا مدرسة نكتسب فيها مهارات الحوار المثمر المنير، فهي جديدة علينا، ومن معطيات التواصل الإليكتروني، الذي علينا أن نتعلم مهارات إستثمارها إيجابيا، لكي نتواكب ونتحقق في عصرنا المتنوع التطلعات والإبتكارات.

ومن الواضح أن أساليبنا في طرح تعليقاتنا تشير ببراهين متكررة، بأننا نفتقد لثقافة الحوار، ولا نمتلك روحية المطاوعة والمرونة، وهو إنعكاس لمراسيم وتعاليم نشأتنا، وعدم تعليمنا كيفيات طرح الرأي والمحاجة والإتيان بأدلة، وإحترام رأي الآخر، فالسائد في مجتمعاتنا، معارضة الرأي عدوان، وعدم تقدير وإحترام، والسمع والطاعة هو الساري والفاعل فينا، وعلى هذا الإيقاع، كلٌّ يرى أن دينه هو الدين وغيره لا دين، وهكذا هي التداعيات تتوالد وتتعزز في مجتمعاتنا المنكوبة بنا.

ويبدو أن مسؤولية تأريخية وأخلاقية تقع على عاتق المثقفين والمفكرين والكتاب والفنانين وجميع النخب، أن يقدموا قدوة حضارية حسنة في التفاعل المعرفي المتبادل، المبني على الإحترام والتقدير لجهود الآخرين، والتواصل معها بما يحقق المنفعة العامة، فالكلمة مسؤولية، ومن يمسك بالقلم عليه أن يدرك حجم الدور الذي يقوم به في المجتمع.

ولابد من القول بأن العديد من التعليقات ثرية المعارف وجادة، تضيف للكاتب معلومات مهمة، تساهم في إتساع فضاءات إدراكه وتواصله الإبداعي.

فهل سنتعلم من بعضنا لنكون؟!!

 

د. صادق السامرائي

7\2\2021

...........................

* المقال مكتوب قبل أشهر وترددت كثيرا في نشره، وأرسلته للمثقف بشرط أن تحصل موافقتها على نشره.

 

 

سامي عبد العال"الأوحال لا تنضب، والتألُّه الزائف وافر الكمية، والحياة تخاتل البشر دون هوادةٍ..."

"آفة السياسة أنَّها راكمت تاريخاً من إهدار قيمة الإنسان حتى في أتفه التفاصيل..."

بخلاف أيّة جوانب أخرى من ثقافتنا الإنسانية، يمكن وصف السياسة بـ(مستنقع الأوحال). وثمة مناطق سياسية في عالم اليوم تُنبتُ أشواكاً شرسةً كلّما مررنا عليها، لدرجة أنَّ وصفاً كهذا ليس قولاً عارضاً لحال أصليٍ، لكنه شيء دائم موجود بالعمق منها. الأمر في دوائر السياسة، ليس أقل من صراعٍ يُفقد الإنسان الآدمية ويستعمل خلاله أقذر الحيل والألاعيب. رأينا ذلك في كواليس القصور والمؤسسات والبرلمانات وفي كوابيس (الربيع والخريف والشتاء والصيف العربي) مع تحولات الإنظمة الحاكمةِ من مرحلةٍ إلى أخرى.

السياسة لدينا (مياه آسنة) لا يخرج منها دون أذى أكثرُ الناسِ حرصّاً على السلامةِ، ولا حتى أقربهم مودةً للآخرين. ويبدو بالنهاية أنَّ الكل متورط في حالة من (الخُسران المبين)، وهذه من عجائب الأزمان وحوادث الدهور: أنْ تكون جميع الأطراف (مهزُومة وخاسرة) في الواقع بدرجةٍ من الدرجات لو عرفنا الأشياء على حقيقتها. وهو الوضع الذي يفترض فهماً مختلفاً للمسألة في أبعادها الكلية. تُرى إذن.. ما السبب وراء هذا الشيء في مجتمعاتنا العربية التي تحاول نهوضاً من عثراتها؟ وما هي المحددات الدافعة إلى هكذا ثقافةٍ عبر تاريخنا القريب والبعيد؟! ولماذا تتصف السياسةُ بهذا الحال دون غيرها؟!

المسألة ليست خاصةً حتى تمرُّ مرورَ الكرام، لكنها فلسفية الطابع في صلب رؤى التاريخ والحياة الحاكمة للفكر والسلوك. وهو ما يتجلى أكثر ما يتجلى ضمن الأوضاع السياسية كمجالٍّ عام تتشكل فيه غرائز الجُمُوع وتتجلى عبرها نزعات التنافس والتكالب على السلطة. والسياسة في هذا تلخص تاريخ الجنس البشري الدموي مع الآلهة والبشر والكائنات، السياسة هي إحدى الرقاع والرقائق التي احتفظت بـ(حفريات السلطة وغرائزها) في ذهنية الكائن البشري حتى اللحظة. واللافت للنظر أنَّه لم تحدث عليها أية تغيرات تُذكر منذ العصور الغابرة. أغلب ما حدث هو اختلاف الأشكال والأنماط والأقنعة لجوهر غارق في العنف والقمع والمراوغة.

صحيحٌ أنَّه (في مجالات الحياة) قد تصبح نبرةُ التعميم قاتلةً لأي اختلاف، بل فاشلة قطعاً، لكن السياسة تمددُ قاعدة الانفلات من الحقائق دون حدودٍ، تجدد العودة إلى الغرائز البدائية التي تثير الصراعات طوال الوقت. وليس مقصوداً هنا الخروج بفكرة مألوفةٍ وراء المسألة كالخلفيات الاجتماعية والاقتصادية التي تقف وراء أفعال البشر أو تسبب حالة الركود هذه أو تلك. مثل معرفة الخلفيات التي تُشعل حروباً بالحوافر والأظافر والأنياب في عصر من العصور، كما جرى في العصر الحديث مع مخاض الدولة العربية الوطنية وصراع المصالح والتيارات القومية والدينية، وكذلك مع قيام (دُول الاستبداد الديكتاتوري) القائم على الاستغفال وخفة اليد وسرقة حقوق الشعوب وحريتاتها.

هناك تفسيرٌ للمسألةِ يقربُ المسافةَ بين المستنقع وتواتر أشكاله الحاكمة لجوانب الثقافات الشرقية خلف هذه الأصناف من الظواهر. إذ لم تمضِ قضية سياسيةٌ لدى العرب دون الانزلاق إلى أوحالها المترامية من المحيط إلى الخليج. على سبيل المثال: مرت أجيال وتوارت أخرى وستأتي سواها بالتأكيد، ولم تنس الأنظمة العربية المتعاقبة المكائد والأفعال الخبيثة تجاه الشعوب وتجاه بعضها البعض. وليس الأمر ببعيدٍ، حينما كان حُكام العرب يصطّنعون العداءات بين الأنظمة السياسية لمجرد كلمات يلقيها هذا الحاكم أو ذاك على جاره العربي الأفريقي أو تجاه حاكمٍ آخر أسيوي. ويظل التلاسن الإعلامي يطاير الكلمات يميناً ويساراً كي تصل بكامل رائحتها إلى أسماع الناس وأنوفهم.

وفجأة كنّا نعلم بقطع العلاقات وتجميد المصالح وتوقف التجارة والتضييق على حركة المواطنين وصعوبة دخولهم بعض الدول. فقط كان بعض الساسة العرب ينصرفوا إلى إغاظة سواهم كأنَّهم داخل (حلبة للمصارعة) بين السخريات المتبادلة على شاشات التلفاز، ولم يكن بعيداً عن المشاهد تسابقهم في أروقة الاجتماعات السرية لرمي الألفاظ (التلقيح) على الآخرين. ولقد (حرقت المسألة) أوقاتاً ومحطات كثيرةً لدى الشعوب، وكم انشغل الرأي العام بقضايا تافهةٍ على نطاق واسعٍ كما لو لم ينشغل من قبل. وكان الأجدى اشغاله ببرامج حوارية وتثقيفية لمناقشة الأوضاع المزرية التي تمر بها كلُّ دولة.

ما أصل الداء في السياسة التي مثلت الطامة الكبرى بالنسبة لمجتمعاتنا الشرقية العربية؟! بعض الإجابة أنَّه لم يكن (كائن السياسة) بعيداً عن التألُّه الذي يستوطن ذاكرته من قديمٍ. وربما الفكرة الرئيسة أنَّ السياسة أكثر مجالات الحياة إظهاراً لهذا المعنى. من جهة التمكُّن من رقاب البشر واستعباد إرادتهم، بل والجلوس أمامهم على عرش السلطة، على غرار " إله ممسوخ " في رداء حاكم. والحاكم العربي منذ أمد بعيد يظن نفسه هكذا وريثاً لشيء أكبر من وجوده، كما لو أنَّ الوحي يهبط إليه مدداً من السماء، بينما هو الوحيد في الكون الذي يسمعُه ويقرر ماهيته وكيف يأمره ليلاً ونهاراً.

ليست مصادفةً أنَّ (الوظائف النبوئية والشاعرية والسلطوية) تقف بين جوانح الإنسان العربي جنباً إلى جنبٍ. حتى أن ألفاظ النبوة والكهانة والعبقرية والشطح والخبل والجنون وإدعاء النبوة كانت تملأ تاريخ الثقافية العربية، سواء أكانت في الشعر أم الدين أم ممارسات الحياة العامة. وربما لم تُذكر هذه الألفاظ علانية في السياسة مخافةَ أن يلاحق الحاكم القائم قائليها وينكل بمن يردد هذه العبارات أو تلك واصفاً ممارساته بها.

ولقد ظهرَ ذلك بالنسبة للرجل البدوي البسيط في ماضينا القديم، وأسهم تباعاً في إنتاج تراث الصراعات والحروب وأشعار الحماسة والهجاء والمعلقات التي تشبه النصوص الدينية والحكم الشعرية والنسْج على منوالها كلاماً وسرداً. ليس إحساس (الكائن العربي) هذا سوى إحساس كوني باعتباره إلهاً صغيراً يأكلُ من خشاش الأرض. ولكنه في الوقت ذاته يتعامل مع الآخرين (الذين يشعرون بالأمر نفسه) كأنَّه يمن عليهم غير عابئ بقيمة الحياة ولا بالتاريخ ولا بالواقع، كل هذا نتيجة الانتفاخ الخيالي الذي يتقمصه ويسكن لا وعيه باستمرار.

نموذج الحاكم يمثل (قالباً ثقافياً) عبر هذا الإطار، فلم يتطهر عرشُه من الاستحواذ على المقدس بمعناه اللاهوتي السياسي. والدليل قريب جداً من كون الرؤساء يستدعون سريعاً حواشي (الخرافات الغابرة) عندما يتمكنون من ناصية السلطة. جيئة وذهاباً، لا يتوقفون عن مخاطبة اللاوعي الشعبي ببث المخاوف والرهبة تجاه من يخالف أنظمتهم، حتى ولو كانت مخالفة الأخير تدخل من باب النقد لصالح الدولة والمجتمع. وهم يخشون ذلك الرأي المخالف رغم أنَّ دلالة الدولة الراهنة هي دولة التنوع والتعددية بإمتياز، وبالتالي يصبح نقد السياسات جزءاً أصيلاً من حركتها في الواقع. دوماً يأبى الحاكم العربي (القديم والحديث) في التاريخ إلاَّ أن يقلص الدولة في شخصه لا في شعبه، في نظامه لا في تنوع وثراء مجتمعه، في حياته الخاصة لا في مستقبل الأجيال الحالية والقادمة.

وهذا (النموذج الميت - الحي) في دولنا الميمونة يُؤخذ حتى كمثال عام لدى صغار المسئولين وأذيالهم، أي يمسك هؤلاء وأولئك تلك السلسلة التي تتلقى (كل ما تفعل وتقول) من أعلى إلى أسفل. إذ يشكل الواحدُ منهم كائناً مشوّهاً، (نصف إنسان) على أفضل الاحوال بينما (نصفه الآخر) لا أحد يقترب منه. ترى أحدهم متمحكاً ولزجاً كأنَّه يفرز مادةً صمغيةً نتيجة اعتياده التلصص والإخبار عن الآخرين للسلطات وكتابة التقارير التي أدارت عقله كأداة فارغةٍ من أي مضمون، يلهثُ وراء ما يدفع به للالتصاق بالأعلى، كالخفاش الملتصق بالسقف ناظراً إلى الأسفل في جميع الاتجاهات. ولكن هيهات.. هيهات، فالمسئولون بأعلاه أيضاً يدركون أنه (على غرارهم) كائن سادي مازوخي sadomasochist، ينزل بالعذاب والمكايدة على مَنْ هم دونه، ويستعذب التألم والقهر ممن هم فوقه!!

أما المواطن القُّح في دولنا الشريفة العفيفة الطاهرة، فهو خرقة ممزقة الكيان، خرقة بالية لا قيمة لها إلاَّ بقدر ما تمسح تشوهات الأنظمة السياسية، هو متفسخ ومتزلف ومستكين ومنبطح ومستضعف وكائن زاحف على بطنه إلى درجة الذهول. فاقَ جميع الزواحف في مسح الأرض تحت أقدام أسيادة. وإجمالاً لا يوجد إنسان بهذه المواصفات العدمية، لا يوجد إلاَّ في مقابل ادعاء الألوهية ضمناً. وليس هناك أكثر من الحاكم الشرقي (قديماً وراهناً) ادعاءً بكونه مقدساً، فوق البشر، غيرَ قابل للمساس به، مُلهَماً، يأتيه الوحي كلما احتاج إليه بين الفينة والأخرى. فلا يرضى بديلاً عن استعباد رعاياه، على أن تأخذهم استمراء الحياة الذليلة إلى الإنبطاح والتنازل عن بقايا الإنسانية فيهم.

وإلى الآن وبعد الآن، مازال (الحاكم العربي) ينظرُ إلى نفسه كـ(نصف إلهٍ) يستعبدُ كلّ البشر، البشر الذين يستظلون بظلال (جلالته المقدسة). يضع نفسه فوق رؤوس الجماهير وتحت السحب مباشرة، حيث تنزل نعمائه مع الأمطار وتهب روائحه مع العواصف وتذهب عيناه مع البروق والرعود إلى أقصى مدى. والحاكم بهذا يتعامل مع كل (الأحداث السياسية) التي هي ملك الشعوب بمنطق الأقدار. أي أن سلطانه جاء قدراً ولا مناص منه مهما تكن الأحوال. ولكن الأخطر أنّ (القضاء والقدر) يواصل وجوده مع هذا القادم الجديد، ليكون نظامه السياسي قضاءً وقدراً بالمثل. كل ما سيفعله هو بالتبعية مُحرّم على الناس نقده بموجب الأقدار التي تقررت سلفاً.

الكارثة في تراث الحاكم المستبد أنه يعتبر مجرد ابتسامته إحدى رحمات القدر، نسمة من نسمات الحياة العليلة، وعلى شعبه أن يتفيأ ظلالها من وقت لآخر، وإلّا فلن يكون له سوى هجير الطرد وغضب (نصف الإله) القابع في الأعالي. وبطبيعة الحال سيأخذ دهاقنة الإعلام والصحافة المسألة كأنها نعمة إليهة: فنصف الإله قد ابتسم، ها هو قد ابتسم، بلا ريب قد ابتسم وتهدلت أساريره بين العالمين. يالهذا الحظ السعيد، فعلى الشعب إنتظار غيثَ مَنّه وسلواه وعسله. وليت تلك الإبتسامه نتيجة حالة إنسانية ككل البشر الواقعين في السرور والغبطة، لكنها حالة لا تخلو من النكاية والسخرية تمهيداً لمرحلة جديدةٍ من الخداع. وهي حالة قدرية بالمثل، لإشعار المنكوبين والمنكودين بأنَّ الأقدار قريبة منهم جداً. لقد ساقت لهم تلك الابتسامة الخاطفة، مما يحوّل الدولة إلى ضحكة مترامية الأرجاء ومترددة الأصداء مع سياسات التخلف والقمع.

كل ذلك لإيصال صورة من جنس ما يحدث إلى المتابعين: أنَّ إرادتهم الإنسانية لا قيمة لها، وأنَّه لا أهمية لما يفعلون ولما سيفعلون في المستقبل. وتلك خطورة السياسية: أنها ترسم سلطتها كأنها أقدار خارج السيطرة، بل خارج إرادتنا الإنسانية. وأكبر أكذوبة في تاريخ المجتمعات البشرية القول بأن السياسة هي (فن الممكن). فهذا غير صحيح على الأقل في ثقافتنا الشرقية، لأنَّها ستحتاج قروناً وراء قرون من التطور لتثبيت (مجرد تثبيت) فكرة هذا (الممكن) وجدواه. وأن الممكنات مهمة لتحسين الحياة واستثمار فرض جودتها وتجريب البدائل المتاحة لأجل غدٍ أفضل. لقد برهن المستبدون الجُدد كما القدامى: أنَّ السياسة هي (القَدّر) الذي لا يُخطئ أهدافه، قدّر تتم صناعته والمخادعة به وجعله مستوى عاماً من اليقين الجمعي. بحيث تُلغي كل سياسة من تلقاء نفسها أية إمكانية مغايرة لما هو سائد.

وربما فكرة القدّر هذه تتسد المشاهد في جميع التوجهات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار مروراً بالتوجهات القومية والاشتراكية والإسلامية. جميعها تعزف على وتر واحد: أنها الأفضل ولا شيء سواها، أنها الأجدى لتلك المرحلة العصيبة دوماً (أو هكذا يتم التصور والتأكيد) ولا أحد غيرها باستطاعته القيام بهذا العمل، والمعنى هنا يبقى قرين الزمن الذي لا مناص منه.

الحاكم بكل هذه الأزياء يقول إن التغيير هو تغيير الأقدار، وطلما أن الاقدار مفروضة من السماء، فالسياسات مأخوذة ومقررة من المصدر نفسه. وبذلك ينجح الحاكم العربي في تحويل قضايا التخلف والاستبداد من السياسية إلى اللاهوت، من المعرفة والفكر إلى الخرافة، من أيدي البشر إلى الظواهر الخارقة، من العمل إلى عطالة التاريخ والواقع، من الحياة إلى الموت. كل ذلك معناه تحول السياسة من فنون الممكن إلى أقفال المستحيل. ربما كانت جميع المجتعات الإنسانية قد تجاوزت هذه المرحلة خروجاً من الأساطير إلى السياسية بمعناها الحقوقي والإنساني، وأخذت تبني دولاً حرة ديمقراطياً قائمة على المواطنة والتعددية وتداول السلطة، غير أنّ مجتمعاتنا العربية مازالت تسير عكس مسار التاريخ، تذهب إلى كهف الأساطير ثانيةً.

الشيء المُحير لدرجة الجنون فعلاً: أنَّ تَبدُّل الوجوه والأحزاب والشخصيات والأنظمة والسياسات وتغيُّرها (على مقاعد السلطة في شرقنا العربي) يثبت هذه القاعدة ولا ينفيها. فقد يكون أحدُّهم مناضلاً وعصامياً مفتخراً بهذا تمام الإفتخار.. وأنَّه كمْ ظل حبيساً للمعتقلات والسجون طوال تاريخه دفاعاً عما يؤمن، وقد يكون غيرُه حاملاً لفيروسات القيم والآمال الكبرى للجماهير ورهيناً للوعود والأحلام العامة.. ولكن بمجرد أنْ يتولى (هذا أو ذلك) معقداً يَشتمُ منه (رائحة السلطة) إلاَّ ويشعرُ بأنَّه يشم (رائحة الجنة). وفجأة يتحول (رأسُه المقدّس) إلى دماغٍ نرجسي مُدمن للمكائد والفِخاخ والمؤامرات إزاء الآخرين بشكلٍّ مُرعبٍ.

 

سامي عبد العال

 

 

يسري عبد الغنيتشير الإحصاءات في العالم العربي إلى تراجع الكتاب المقروء وإلى وتراجع مستويات الترجمة. ورغم وجود بعض المبادرات العربية للترجمة ألا أن الصعوبات التي يواجهها المترجمين ودور النشر المهتمة بنشر كتب مترجمة إلى العربية من العسير مواجهتها أو حلحلتها.

"لا وجود لتنسيق واضح ومنتج بين مختلف المؤسسات العربية ذات الاختصاص"

كانت الترجمة واحد من العوامل الأساسية في النهضة العربية الحديثة في بداية القرن التاسع عشر، فقد كانت بدايات صدمة الترجمة المعرفية هي التي فتحت الأبواب واسعة لمجتمعات عربية جديدة نامية قدمت إشارات كثيرة للنمو والتطوّر حيث أنشأت المُدن الحديثة وافتتحت المدارس والجامعات وانتشر تعليم الفتيات ودخل فنا الرواية والمسرح إلى الأدب العربي وانتشر المسرح والجريدة والمجلة والسينما والراديو والتلفزيون.

لكن هذه النهضة سرعان ما تحولت تحت تأثير الحرب الباردة وخطاباتها المتنوعة إلى نكوص بدأ تدريجياً وأخذ يسرع في الفترة الأخيرة بحيث فقدت جميع الخطابات مصداقيتها على أرض الواقع.

فالإحصاءات المتوفرة تشير إلى تراجع الكتاب المقروء، وانحطاط مستوى البحث العلمي في الأوساط الجامعية، أيضاً تدني مستوى الصحافة وابتعادها عن المهنية وانخفاض مستوى النشر وقلة المنشور وتراجع مستويات الترجمة.

معاناة المترجم أصبحت فوق الوصف ، وخصوصاً مترجم الأدب ، نستعير شخصية أسطورية هي شخصية القديس كريستوفوروس. إلا أن أي تكريم لصاحب الكلمة المترجمة يبقي رمزياً كالعادة ومجرد ورقة معنوية لا تسمن من جوع ولا تقي من العطش!

عرفت مصر كأول بلد عربي في العصر الحديث أولى الخطوات الأساسية في الترجمة عبر تأسيسها مدرسة الألسن عام 1836 وهي خطوات ستتكرر في مصر وفي غيرها من البلدان العربية فيما بعد لكن هذه المشاريع تنقطع لهذا السبب أو ذاك.

وهي مؤسسات حكومية مدعومة وأغلبها لا يملك الأطر التي تمكنه من أن يكون ذا نفع وتأثير بسبب محدودية الحرية الممنوحة كما كان الحال في سورية والعراق مصر والكويت.حيث ينخفض سقف الحرية إلى حد تزوير الكتب المترجمة وتقطيعها بسبب الرقابة المتيقظة أو بسبب نوع آخر من الرقابة والمتمثل في عمّال المطابع الذي أضحوا عسساً لسلطة متخلّفة تحرّض الدولة على ترجمات بعض  المؤسسات الثقافة المصرية

ولنقل جميعا أن الأفكار التي تتضمنها الكتب المترجمة  هي اجتهادات أصحابها في ثقافاتهم ولا تعبّر بالضرورة عن رأي الطابع أو الناشر أو المؤسسة الثقافية وهذا الكلام طريقة ذكية للتخلص من الرقابة، لكنها غير ممكنة في دول عربية أخرى كالكويت أو سوريا أو الإمارات العربية المتحدة.

فرفض نشر ترجمة الكتب أو "تهذيبها" عادة شائعة لكي تلاءم هذه الترجمات القارئ العربي اليوم. أيضاً أغلب هذه الترجمات ولارتباطها بموازنات مالية محددة لا يُعاد طبعها، ناهيك عن كون أغلب هذه الترجمات من التي يجب إهمالها وترجمتها من جديد.

والملاحظ العام أن الترجمات إلى العربية بأغلبيتها من اللغات الانكليزية والفرنسية وبشكل أقل من الاسبانية والروسية أيام الاتحاد السوفيتي وهي شبه معدومة اليوم، ولكنها قليلة جداً من اللغات الأوربية الأخرى، كما أنها نادرة من اللغات اليابانية والصينية وقليلة جداً من الفارسية والتركية والعبرية.

أيضاً لا وجود لتنسيق واضح ومنتج بين مختلف المؤسسات العربية ذات الاختصاص، وهي جميعها مؤسسات حكومية، ولا وجود لمنهجية واضحة، فأغلبها يعتمد الصدفة، وهي عبارة عن اقتراحات من المترجمين أو المؤسسات نفسها.

فنظرة واحدة على إصدارات هذه المؤسسات إذ لا وجود لخطة عمل واضحة، فتجد أعمال يورجن هابرماس بأسوأ ترجمة عن الفرنسية منشورة في سوريا، أو نيتشة منشوراً بالمغرب بترجمة عن الفرنسية أو في سوريا عن الايطالية.

ولكي نعرف كيف يحصل المترجم على ضالته من الكتب، علينا أن نعرف طبيعة المكتبات التي تهتم بالكتاب الأجنبي في البلدان العربية، فباستثناء مكتبات في لبنان وتونس والمغرب من التي تهتم بالكتاب الأجنبي بشكل جيد، فإنها فقيرة وشبه معدومة في أغلب البلدان العربية.

وعلى عكس مستواها الجيد في السنوات الستين الأولى من القرن العشرين، حيث كانت إمكانية الحصول على أي كتاب كبيرة وممكنة جداً، فإنها اليوم معقدة ومكلفة، فالمترجم العربي حاله الاقتصادية اليوم حال مواطنه، يعيش في عسر وقلّ منهم من يملك كارت الفيزا لكي يمكنه طلب الكتاب الذي يريده، في حال كانت الرقابة في بلده متسامحة نوعا ما أو جاهلة على الأقل.

ولا وجود تقريباً لمفهوم الأعمال الكاملة المترجمة لهذا المفكر أو ذاك الكاتب، وأن وجدت كما هو الحال مع أعمال وليم شكسبير أو موليير التي نُشرت ضمن النشاطات اليتيمة التي رعتها الجامعة العربية في الستينيات أو جارسيا لوركا التي نشرت قبل سنوات قليلة، فالأفضل أن لا يحتفظ القارئ بهذه الترجمات الممسوخة في مكتبته.

تنعدم تقريباً المؤسسات الأهلية ذات الاهتمام الثقافي في البلدان العربية وهي أن وجدت كما في مؤسسة عبد المحسن القطان الفلسطينية أو سلطان العويس الإماراتية أو عبد العزيز البابطين الكويتية أو عبد الحميد شومان الأردنية، فهذه المؤسسات تدور في حلقة مفرغة من انعدام رؤيا لما تريد عمله، وكل حلقة المستشارين محدودة الأفق، باستثناء المؤسسة الأولى.

أيضاً ثمة مشكلة نجدها تتكرر لدى المؤسسات الحكومية ودور النشر الأهلية، فنظراً لعدم التزامها بحقوق الملكية الفكرية نجد أحياناً للكتاب الواحد أكثر من ترجمة منجزة بأسرع ما يمكن، وخصوصاً كتب ميلان كونديرا وايزابيل اليندي وغابرييل غارثيا ماركيز وباتريك سوزكند.

وفجأة نجد الناشر العربي الجاد في مواجهة مؤسسة نشر حكومية تنشر ترجمات غير مأذونه لكتب يملك حق نشرها باللغة العربية ومن يصارع مؤسسات الحكومة من الناشرين العرب يكون مصيره غير محمود.

نأمل  في تطوير خطة للترجمة تراعي الأتي، تعتمد الترجمة عن الأصل، تحترم حقوق الملكية الفكرية، العلاقة المباشرة مع الناشرين أو وكلاء المؤلفين وتجنب العشوائية، - وهذه للأسف كانت السمة البارزة في معظم الكتب التي ترجمت ونشرت في المركز القومي للترجمة وغيره بالطبع – مع ضرورة تحسين مكافأة المترجمين وتوسيع مشروعات الترجمة لكي تشمل إسناد ترجمة ونشر المؤلفات العربية في اللغات الأخرى.

وهذه الخطوة الأخيرة بقدر ما هي مهمة وأساسية فهي يمكن أن تؤدي إلى عكس الهدف الذي تتوخاه، وذلك بسبب الضوابط المطلوب الالتزام بها والحرية المحدودة في الاختيار التي هي سمة أساسية في المشاريع الحكومية.

وكل هذا مرتبط بالطبع بالخطوة التي نحلم بها كمثقفين في أن تواصل  الدولة ومؤسسات المجتمع المدني رعاية مشروعات الترجمة بكافة أنواعها ودعمها بما يكفي من الأموال. خطوة واحدة من مئات الخطوات التي على المؤسسات العربية الحكومية والأهلية أن تخطوها لكي يتغيّر المشهد قليلاً ويتحول المستحيل إلى شيء ممكن نوعا ما.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

محمود محمد عليأود في هذا المقال أن أتساءل: هل نجح الفكر السياسي الإسلامي في العصر الوسيط في أن يقطع صلته بالفكر السياسي السابق عليه، سوي لدي اليونان والفرس وغيرهما؟.

أتصور أن بداية الإجابة ترتبط بمدى التغير الجذري الذي يمارس به المفكر السياسي دوره في الحياة السياسية في عصره، ومدى الأثر العميق الذي يحدثه في مجرى الحياة السياسية التي ينتسب إليها، من حيث قدرته على خلخلة الثوابت الجامدة وزعزعت الأفكار السياسية السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الإبستمولوجى بين المعارف السياسية القديمة من جانب، والمعارف السياسية الجديدة من جانب آخر، مستهلاً؛ الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على العلم السياسي، نفياً لتقاليد الأتباع وتأسيساً لقيم الابتداع.

وتتجسد فى حضور هذا النوع من علماء المفكر السياسي نقاط التحول الحاسمة في تاريخ الفكر السياسي حيث لا توجد استمرارية فى المناهج المستخدمة في العلم السياسي بقدر ما توجد قطائع واستحداثات لا تنتهى .

هذا النوع من العلماء السياسة يهب على مجتمعه بما يشبه العاصفة الجائحة التي تتغلغل في كل الأركان، فلا تبقى شيئاً على حاله الذى كان عليه، حتى فى دائرة القوى والتيارات المناقضة والمناوئة للتحول والتغير. فحدة العاصفة التجديدية التى تندفع بها رؤية هذا العالم لا تقل عن الاتساع الممتد لتجلياتها والأثر العميق لمتولياتها والتغلغل الناتج لنوافذها، خصوصاً إذا كانت اللحظة التاريخية مهيأة للتغير الجذري، دافعة إليه ومتجسدة فى الرؤية الشاملة للعالم ومـتحققة بها في الوقت نفسه.

عندئذ يكون الأثر التجديدي لإنجاز هذا العالم السياسي شبيها بالزلزال، الذي يحدث تأثيراً جذرياً في صميم بنية العلم السائدة، وتكون حدة الاستجابات المتعارضة لهذا الإنجاز السياسي التجديدى في تتابعه المتصل أو تصاعده المستمر متوازية مع عمق الأثر الذى يتركه في مجالات كثيرة، تصل بين دوائر عديدة تشمل المجتمع السياسي بأسره .

وبقدر عمق الأثر الذي يحدثه هذا الإنجاز من حيث جذر يته ونفاذ تأثيره إلى صميم الأنساق والأنظمة والعلاقات في بنية العلم السياسي السائدة، يظل هذا العالم السياسي حياً في الذاكرة العامة، باقياً كالعنصر المستفز للوعي، مثيراً للأسئلة التي لا يتوقف ما يتولد عنها من أسئلة على امتداد العقود، والتي لا تكف عن وضع هذا العالم السياسي موضع المسألة بالقدر الذي لا تكف به عن إعادة قراءة إنجازاته وتأويلها، أو تفسيرها بما يتيح نوعاً جديداً من الأجوبة التي لم تخطر ببال أحد .

وقد كان " ميكافيلي" Machiavelli على سبيل المثال واحداً من هؤلاء السياسيين ذوي الحضور العاصف الذي أقام الدنيا ولم يقعدها مرات ومرات، وذلك حين طرح ميكافيلي كثيراً من تصوراته حول ما يجب أن يكون عليه السياسي شخصياً وما ينبغي عليه ممارسته عملياً، إذا اراد النجاح في حقله هذا، بغض النظر عن النتائج الاجتماعية وردود الفعل الأخلاقية ؛ حيث "الغاية تبرر الوسيلة". وقد كرّسَ ميكافيللي جلَّ مؤلفاته لإنتاج مفهوم جديد للسياسة بصفتها علماً وضعياً منفصلاً عن الدين والأخلاق، إذ كان ببساطة ينزع إلى تخليص السياسة من أي اعتبار خارجي، وإلى جعلها علماً مستقلاً بذاته. ورغم تعدد مؤلفاته وتنوعها، إلا أن أبرزها هو كتاباه، الأمير والمطارحات.

ولأن هذه الأطروحات التي نادي بها ميكافيلي انشغلت بأسئلة المستقبل،وطرحت على نفسها أسئلة العهد السياسي الجديد التي استبدلتها بأسئلة العهد السياسي القديم، فإنها ظلت عنصراً تأسيسياً من عناصر العهد السياسي الآتي والمقبل الذي هو صيرورة دائمة من التحول، كما ظل محل رعاية من الأزمنة اللاحقة التى تطلعت إليها هذه الأطروحات، تطلع الاستشراف، والترقب، والإرهاص، والبشارة، والتحذير في آن واحد، وذلك هو السر في تعدد الاستجابات اللاحقة إلى إنجازات " ميكافيلي " سواء فى تباينها أو تعارضها أو تصارعها الذي يكشف عن عمق الإشكاليات التي تنطوي عليها الاطروحات أو تثيرها .

وهذا هو السبب الذي جعل معظم مؤرخي العلم والفكر السياسي يربطون اسم "ميكافيلي" بأحداث مهمة في تاريخ العلم والفكر السياسي الحديث، فنرى اسمه، يرتبط بولادة الفكر السياسي الحديث، وَتَدْشِين ميكافيللي لطريقة جديدة في الكتابات السياسية، تمتاز عن طرائق الآخرين بميزتين أساسيتين: الأولي هي تركيز اهتمامه علي معطيات العالم السياسي الواقعي، وإهمال أي حديث عن إقامة جمهوريات أو إمارات مثالية. والثانية هي عدم الاكتراث بمقولات علماء الأخلاق عمّا يجب فعله، بل الاهتمام بما يُعمل حقاً، بما يفعله الأمراء بصورة خاصة للحفاظ على سلطتهم؛ علاوة علي اعتماد ميكافيلي علي اختبار الأفكار، وذلك بعرضها على مختبر التاريخ، وملاحظة تكرار وقوعها، واستقصاء النتائج الحسنة أو السيئة التي تترتب عليها بالنسبة للحاكم أو الدولة، ثم استقصاء طبيعة السلوك الذي أدى إلى هذه النتيجة أو تلك.

وقد كان مفكرينا وفلاسفتنا السياسيين في العصر الوسيط، مثل "ميكافيلي"، متمردين على الأفكار السياسية - القديمة والجامد، والتي تفرض منطق الأتباع، بدليل أن كتاباتهم السياسية تؤكد أنهم كانوا يبحثون فى مشكلات وقضايا سياسية، أظهرت نتائج خاطئة فى الوقت الذي تكشف فيه تلك القضايا أنه بُحث منذ سنوات خلت فى المسائل السيسية ذاتها، وتم التوصل إلي إلى نتائج سياسية جديدة صائبة بشأنها.

وأكثر من ذلك أكد الفكر السياسي الإسلامي في العصر الوسيط علي أهمية هذا النشاط العقلي الذي يضم الآراء والمبادئ والأفكار لمجموعة بشرية معينة هم المسلمين، منذ أن نشأ لهم مجتمع سياسي وتكونت للإسلام دولة منذ عهد النبي (صلي الله عليه وسلم) حتى عصرنا الحالي بما يعني أن هذا الفكر له مراحله، وله تاريخ يشمل هذه المراحل ويضم الكتابات حول الأفكار والمبادئ والنظريات التي تخص حياة وأهداف المسلمين السياسية والقواعد التي تحكم وتنظم وما يطلق عليه سياسي ويخص المسلمين كأمة ومجتمع سياسي؛ وذلك لكونه يمثل حقل إبستمولوجي ينطوي على دلالات إبستمولوجية هي خلاصة مفهوم مركب من ثلاثة مفاهيم فرعية: الموصوف، وهو الفكر والصفتان له:السياسي والإسلامي وكل مفهوم منها تختلف تعريفاته بقدر ما تتشابه وتتنافر بقدر ما تتجاذب.

علاوة علي أن النظام السياسي الإسلامي في العصر الوسيط بدأ يتشكل بصورة مغايرة عن المنظومة السياسية للعرب في الجاهلية، حيث كانت المنظومة القبلية، هي رمز السلطة في المجال السياسي. بينما جاء الإسلام بمفهوم أوسع من المحدد القبلي كمدخل للنظام السياسي، واتجه إلى صهر المنظومة القبلية في إطار أوسع أطلق النبي صلى الله عليه وسلم بـ "الأمة"، حيث أن أول ظهور للسلطة السياسية في المجال الإسلامي كان بعد الهجرة إلى المدينة والاستقرار بها، وكان مستنداً على وثيقة الصحيفة أو دستور المدينة. والذي سعى من خلاله النبي صلى الله عليه وسلم إلى إنشاء جماعة سياسية مدنية فوق القبيلة ومتخطية الكثير من أعرافها السياسية، تعتمد العلاقات داخلها على حفظ السلم، والأمن وسُمّي هذا التشكيل "بالأمة". وبالتالي فإن مصطلح “الأمة” رؤية أخرى وبصورة أكثر شمولية لفهم النظام السياسي في الفكر الإسلامي.

وليس من الضروري أن أقوم بتعديد الجوانب التجديدية في الفكر السياسي الإسلامي في العصر الوسيط، كما أنني لست فى حاجة أيضاً إلى تأكيد تعدد أدواره فى العلوم الأخرى، فكل ذلك تأكيداً للأثر الجذري الذي يصله بأبناء جيله.

ومع ذلك فإن فكرة القطيعة الإبستمولوجية تعد فكرة منقوصة قياسا لما نجده في الفكر السياسي عند ميكافيلي وغيره من كبار فلاسفة السياسة المحدثين والمعاصرين من الأوربيين، ولعل مرد ذلك يرجع إلى عدة أسباب من أهمها على سبيل المثال لا الحصر:

السبب الأول: ليس في كتابات "الفارابي" و"المواردي" و"ابن أبي الربيع"، وغيرهم فكراً سياسياً جديداً كل الجدة، بل كانت كتاباتهم تعكس أفكاراً سياسية قديمة مستقاه من الفكر السياسي اليوناني والروماني والفارسي، ومن ثم فحال أغلب المفكرين السياسيين المسلمين في العصر الوسيط هو حال عالم ومفكر سياسي يبتكر جديداً، بل كتاباتهم السياسية تعكس ما كان قائماً بالفعل عند المفكرين السابقين عليهم من أمثال "أفلاطون" و"أرسطو" وغيرهما.

السبب الثاني: إن كتابات الفلاسفة المسلمين في الفكر السياسي، كانت تهتم علي الدوام بكافة القضايا السياسية وشغفهم بها يزداد على مر الزمن، ولقد أدى ولعهم بقضايا السياسة على هذا النحو إلى الانشغال عن بعض أعمالهم الهامة، فكان أن خلفوا ورائهم تحفاً وأفكار سياسية لم تكتمل بعد .

السبب الثالث: حتى لو كانت كتابات الفلاسفة المسلمين في الفكر السياسي تملك بالفعل أفكاراً سياسية مبتكرة ونظريات أصيلة، فإنه تظل فى ذلك بعيداً عن احتلال مرتبة مهمة جداً فى تاريخ العلم والفكر الحديث والمعاصر .

والأهم فى تقديري هو مواجهة السؤال الذي فرض نفسه في البداية، ولا بد أن يفرض نفسه في النهاية ؛ أعنى السؤال الذي يرتبط بانتقاص تطبيق فكرة القطيعة المعرفية بالقياس إلى بحوث ميكافيلي السياسية على سبيل المثال؟

أحسب أن الإجابة أصبحت الآن واضحة من حيث ارتباطها بدرجة الثورة الجذرية التى لم تصل إليها أعمال كتابات الفلاسفة المسلمين في الفكر السياسي بالقياس إلى ميكافيلي، حين اكتشف ميكافيلي أسس الفلسفة السياسية الحديثة التي كان لها أكبر الأثر في تاريخ أوربا الحديث والمعاصر، وكان كتابه " الأمير" أول محاولة كبرى لنزع القدسية عن السلطة السياسية، وبياناً إنسانياً لنظام سياسي جديد، ووصفة لنظام حكم جمهوري ديمقراطي، ودعا إلى تكوين دولة قوية لإقامة الوحدة بين الشعوب.. الخ.

وعلى أية حال نحن لا ننكر أن كتابات المفكرين والفلاسفة المسلمين في مجال السياسة في العصور الوسطي فيها من الايجابيات ما يذكر لها بالقطع، ولكننا إذا وضعناها تحت مجهر الابستمولوجيا المعاصرة، وخاصة ابستمولوجيا " جاستون باشلار" القائمة على فكرة القطيعة الإبستمولوجية، نجد أنها لا تستطيع أن تخلف لنا الأثر الجذري الذي تركته أعمال ميكافيلي، ولذلك ظلت بحوثههم السياسية بعيدة عن خلق قطيعة ابستمولوجية كتلك التي أحدثها كتاب " الأمير" لميكافيلي.

وخلاصة القول أن المفكرين والفلاسفة المسلمين قد أخذوا من كل ملاحظات وتجارب السابقين عليه في السياسة بطرف، واهتم بالرجوع إلى المدينة الفاضلة والدين اهتماماً خاصاً، ولكنه ظلوا في المنطقة الهادئة من الفكر والإبداع، تلك المنطقة التي لا تعرف الحدية في رفض القديم، أو الجذرية في التجديد، فكانوا نموذجا للوسطية التي لا تثير العواصف ولا تهيج البراكين ولا تتحول إلى زلزال، وإنما تمضى في يسر إلى هدفها الذي يكمل مهمة غيرها .

هذا هو تفسيرنا الإبستمولوجى لأسباب عدم نجاح فكرة القطيعة الابستمولوجية على بحوث وكتابات الفلاسفة المسلمين في مجال السياسة، وهو أنهم لم يتخلصوا كلية من فكر السابقين عليه في نهجهم السياسي، وبالتالي لم يحققوا التغير الجذري كما حققه العلماء اللاحقون عليه، وبالأخص ميكافيلي . وبالتالي لم تبرح بحوثهم وكتاباتهم السياسية أرض تاريخ العلم والفكر السياسي الحديث والمعاصر، لتحدث قطيعة أو ثورة على الفكر السياسي القديم كله.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

صالح الطائيبرأيي أنه متى ما طغى الشعور بوحدة الإنسانية على شعور اختلاف العرق واللسان والمكان والمعتقد واللون وجميع الفوارق الأخرى سوف تتحقق السعادة الافتراضية التي سعى إليها البشر عبر العصور، وحلموا بها، ولكنهم لم ينجحوا في تحقيقها، إذ لا خوف يُبنى على هذا السعي، فهو شعور لا يجرد ـ مثلما يرى البعض ـ المجاميع البشرية من خصوصيتها وقيمتها التاريخية والتراثية التي هي بالأساس أيقونة هذا الاجتماع الفكري المحض، بقدر كونه محاولة لتسطيح المشاكل والتعقيدات، ليتمكن الإنسان من السير نحو هدفه السامي دون أن يعترضه ما يعيق تحركه، فالشعور بالمشترك الوحدوي هو الذي يضمن الاطمئنان، ويعطي للإنسان قيمته الحقيقية التي حاولت بعض الفلسفات التلاعب بها في اعتقادها بأن الفرد ليس شيئا بالنسبة لقيمة العالم والزمن الذي ينقضي، فعلى خلاف ذلك أعلن الإنسانيون العقائديون الوحدويون من خلال سعيهم ترسيخ القيمة العليا للإنسان أن في جزئيات اعتقادهم الراسخ أن الإنسان ليس مجرد جرم صغير، وليس شيئا لا يذكر في هذا الكون، ففيه انطوى العالم الأكبر كله.

إن وحدة الوجود لا تتحقق إلا بوحدة الإنسان؛ لا مع ذاته فحسب بل مع الإنسانية كلها، دون مانع من دين أو معتقد أو لون أو لغة أو أصل، فهذه كلها تُشكِّل المرج الإنساني الزاهي، مثلما تُشكِّل الزهور بألوانها وعطورها وأحجامها وأشكالها روضا غناءً يبعث البهجة في النفوس، ولا أجمل من روض تتعدد فيه ألوان وأشكال وأحجام وروائح الزهور.

لقد أتيح لي بحكم تخصصي أن أتابع مضامين ومحتويات وعقائد الأديان كلها بما فيها الأديان غير الرسالة كالطاوية والشنتونية والكونفوشيوسية والبوذية فوجدت المشترك الإنساني فيها ظاهرا بينا واضحا، مع أني وجدت اختلافا في الرؤى والمعتقدات وقوانين فيزياء الحياة؛ جاء نتيجة التطبيق لا التأصيل، وهذا يعني أن ما نراه مغايرا في هذا الدين أو ذاك لغيره إنما هو بفعل المتدينين أنفسهم لا بفعل دياناتهم، وهذا سببه مثلما اتضح لي ناتج اجتهاد شخصي من قيمين نصبَّوا أنفسهم في موضع الإفتاء، أو نصبهم من يأمل أن يحصل منهم على منفعة دنيا أو دعم وجاهة، ولو تركت الأمور على عواهنها لتغير الأمر نحو الأحسن.

غير هذا وجدت الرأسمالية والشيوعية والنظريات الفلسفية والرؤى الفكرية تكاد لا تخلوا من نفس إنساني؛ إذا لم تكن إنسانية بالكامل، فمنهجها الذي يختص ببعض الناس دون غيرهم أنما هو يراهن على الجزئية أملا بالوصول إلى الكلية، وبالتالي لا يمكن عزل هذه الجزئية أو عدها عدوة للإنسانية.

قد لا اتفق، بل أخالف الذين يدعون إلى تأسيس (الديانة الإبراهيمية)، ويروجون لفكرة الدين المشترك لسبب ليس بسيطا وهو أن ذلك يُفقد الرؤى الدينية جمال طيفها القوس قزحي المتألق الذي يمثل هوية مشتركة، ولكني لا أعترض أبدا على من يدعو إلى تأسيس (الإنسانية المشتركة) ويروج لفكرة الإنسان المشترك، فالكون لا يعمر ولا يستمر إلا متى ما أدركت الإنسانية المشتركات التي تربط الأمريكي بمن يسكن في غابات الأمازون المطيرة المجهولة، والإنسانية لا تتحرر إلا متى ما أدرك الأوربي أنه شريك للقبائل البدائية التي تعيش في مجاهل أفريقيا، والإنسانية لا تأمن يومها إلا إذا ما شعر كل صاحب دين بأنه أخ لكل فرد في كل الأديان الأخرى، وشعر كل فرد في كل تلك الأديان الأخرى بأنه أخ له، فنحن من أصل واحد، وهذا ما لا ينكره أحد.

 

الدكتور صالح الطائي

 

 

محمد بنيعيشأولا: استحضار التاريخ والواقع في بناء المشاريع

كل مشروع لا ينبني على أسس وقواعد هندسية مترابطة ومتعاضدة،من زوايا وخطوط طول وعرض وارتفاع وتقويس ومنحنيات عند التصميم، هو مشروع قابل للهدم والتهديم بأيسر الوسائل وأتفه الأسباب !.

وإذا كان هذا الحكم قد ينطبق على قضايا البناء والتشييد والعمارة والصناعة كمادة ملموسة قابلة للاختبار والاعتبار والإجبار فإن الأمر سيشكُل ويبهم أمره حينما يتعلق بقضايا السياسة والمجتمع وما يختلجها من ذاتية وموضوعية، لا يكاد ينفك بعضها عن بعض إلا بمجهر دقيق قوته ما فوق الأشعة البنفسجية.

والحكم وتقلده يدخل ضمن هذه المعادلة الصعبة التي غالبا ما يخفق في تحقيقها طالبوها،بالرغم من حنكتهم ودهائهم وقوة استبصارهم في قراءة الواقع والأحداث والمجريات.

وإنه في تاريخنا العربي الإسلامي لمرتع خصب لرصد هذه الظواهر بإيجابياتها وسلبياتها،التي امتزج فيها الديني بالمجتمعي والسياسي لحد الالتحام مرة والالتطام والاصطدام أخرى.بحيث يكون في البداية مطلب العدل المطلق والمصداقية هو اللوحة المرفوعة عند الواجهة كشعار ومختبر.

وباختصار سنعالج هذا الموضوع من خلال استعراضنا لبعض العناصر الأساسية وراء نجاح بعض الحركات السياسية  نجاحا قطعيا لحد تأسيس دولة، مع أنها ظاهرا تبدو ضعيفة من ناحية الالتزام الديني وتحقيق العدالة المنشودة للشعوب، في حين قد أخفقت أخرى بالرغم من رفعها لشعار العدالة ونشدان الحق وسلامة العقيدة والمذهب .

فالجماعات الإسلامية منذ التاريخ قد تصدرت المسرح السياسي كمذاهب فكرية وعقدية وفقهية محضة، ثم بعد ذلك تحولت إلى معارضة سياسية مدنية أو مدججة بالسلاح والعتاد والاستعداء بالداخل والخارج ...

وكنموذج على هذا ما كان من ثلاثية التوجهات في ظل عهد الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث وجد نفسه أمام تيارين مختلفين ومتحدين في نفس الوقت، بينما التيار الثالث قد كان من ضمن الموالاة التي في عمقها تمثل معارضة مبطنة بسبب الخذلان أكثر منها تأييدا ومناصرا إلى النهاية.

فنحن هنا أمام شيعة علي بن أبي طالب باعتباره خليفة وذا عصبية دينية ونسَبية وقومية وشيعة معاوية بن أبي سفيان الذي يشترك مع علي في نفس العصبية ولكن بصورة متفاوتة،في حين هناك الخوارج الذين تشبثوا بالعصبية الدينية وقليل من القومية ولكنهم لم يرتكزوا على العصبية النسبية .أي أنهم كان لهم نقص في الارتكاز الرئيسي الذي هو محور الدولة وقوتها حينما يحتكم إلى ميزان القرب والبعد.

فعصبية علي ومعاوية تكاد تتكافأ من حيث النسب والانتماء إلى الشعب المكون لهذا الفصيل السياسي ألا وهو شعب مُضر الذي كان شعب النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نفسه.ناهيك عن محور القرشية التي كانت عبر التاريخ ميدانا للتنافس بين الهاشميين والأمويين على الزعامة.ولهذا فعند المواجهة كان التكافؤ هو الحاصل بين الفريقين لغاية أن عليا كان هو المنتصر في النهاية لولا تهور الفريق الثالث المعارض للجانبين وهم الخوارج وارتكاب أكبر حماقة سياسية في التاريخ باغتيالهم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وهذا الحدث المؤسف هو الذي أضعف قوة الفريق العلوي نظرا لأن معاوية كان قد استتب له الأمر في الواقع ممارسة بتوليه لمناصب عليا في الشام ونجاحه نجاحا باهرا هناك.ومعاوية هنا سيكون ناجحا بقوة العصبية كما يعبر عنها ابن خلدون وأيضا حنكته السياسية ذات التاريخ العريض الموروث في الزعامة والمكتسب من خلال الولايات المتعددة التي تقلدها في عهد الخلفاء الراشدين قبل علي، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ثانيا: النجاح والإخفاق من مستلهم الاستحقاق

ومن هنا فقد نجح الأمويون وأخفق الخوارج وتوقف العلويون عن المطالبة العلنية من خلال اتفاقية السلم التي أبرمها سبط النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي.بحيث إن إخفاق الخوارج بالرغم من شدتهم وحماستهم الدينية قد كان بسبب عدم توفرهم على قاعدة نسَبية وتاريخ سياسي موروث ومكتسب على طول مدة كافية لتأسيس دولة كاملة الأركان.وهكذا اندثر الخوارج وضعف شأنهم لحد الغياب الكلي عن الساحة السياسية والفكرية وخاصة في دولة العباسيين، الذين هم بدورهم قد كانوا شركاء للعلويين في النسب والتاريخ والشعب والقرشية . هذا مع اعتمادهم على الحدائق الخلفية لسياساتهم وقوتهم العسكرية في فارس وغيرها،وأيضا دعوتهم بالتركيز أولا على العنصر النسبي قبل الاعتبار الديني واللغوي.

والذي يقرأ الحوار والحِجاج الذي كان بين العلويين والعباسيين حول الأحقية في الحكم سيجد أن هذا المحور، أي النسب القريب والمتسلسل، قد كان هو العنصر الأساسي المتكأ عليه .لكن العباسيين كان لهم السبق في توسيع دائرة المعادلة السياسية لتقوية مواقعهم وتثبيت دعائم حكمهم.وهكذا كان الحكم على مر العصور ينبني على مبدأ السلالات les   dynasties باعتباره عاملا حاسما لضمان الاستمرارية والاحتواء.

وبقدر ما استقرأنا التاريخ الإسلامي فسنجد هذا العنصر قائما سواء في الأندلس وغيرها،بل في أوروبا الإفرنجية المتوسطية نفسها، أو حتى عند الدولة العثمانية التي ضمنت بشكل ما استمرار الدولة الإسلامية كخلافة ذات قواعد سياسية مبنية على النسب أولا ثم العرقية اللغوية والقومية ثم الدين.

وبعد سقوط الدولة العثمانية لم يعد هناك حضور قوي لدولة ذات ارتباط بالنسب والدين سوى لدى بعض الدول العربية، وخاصة المملكة  العلوية المغربية التي احتفظت بهذا الزخم التاريخي والسياسي والنسبي والديني العريق تليها المملكة الأردنية الهاشمية.

في حين نرى أن الدولة السعودية حديثة العهد قد كانت نموذجا ذكيا للجمع بين العصبية الدينية والسياسية.بحيث قد استغلت هذه الأخيرة الجانب الديني في تأسيس الدولة من خلال اللقاء بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود.فلولا محمد بن سعود كأمير لما كان لمحمد بن عبد الوهاب كشيخ حضور ولا تأثير، سواء على الساحة الاجتماعية أو السياسية بل حتى الدينية.والسبب في هذا،حسب رأينا المتواضع، هو أن محمد بن سعود قد كان يمثل عصبية نسَبية لها جذورها ومكتسباتها في باب الحكم مما ضمن لها الاستمرارية .وبهذا فقد كان محمد بن عبد الوهاب ناجحا في طرحه واختياره لأنه سلم الأمر لأهله واكتفى بمنهج الدعوة، بالرغم من عثراتها وثغراتها وعيوبها في بعض القضايا العقدية والسلوكية.

ومع هذا الاعتماد على عامل السلالة أو النسب ذي المكاسب التاريخية والوراثية هناك عنصر آخر كان مواكبا لكل الصراعات والمنافسات على الحكم وإدارته ألا وهو القوة العسكرية والأمنية الضاربة في كل دولة والتي بدورها قد يكون ولاؤها لهذه السلالة الحاكمة أو التي في طور نشاط اليرقات المتأهبة كجهاز سري، هذا مع وجود صلة نسب على مستوى الشعب أو القبائل.بحيث من دونها لا يمكن لدولة أن تقوم أو تنجح في قيامها مهما اكتسبت من صيت وجماهير لا تملك سوى قوة الحناجر.

وهذه الأمور أو العوامل الثابتة هي التي أهملها وما يزال  يهملها رواد الجماعات الإسلامية بشتى أطيافهم في انخراطهم السياسي وتوهمهم أن الجماهير المحيطة بهم والهتافات في الميادين العامة هي التي ستصنع لهم الدولة وتوفر لهم القوة،وهذا كله وهم وجهل بالتاريخ والسياسة،بل حتى بالدين وإشاراته في هذا المجال حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"الأئمة من قريش".

فهل هذه الجماعات على أرض الواقع تجمعها سلالة وقبيلة قرشية أم مضرية أم ربيعية أم أموية أم عباسية أم عثمانية أم علوية أم هاشمية؟

الجواب سيكون بالتأكيد أن لا شيء من هذا حاضر في قوامهم وقومتهم المزعومة، اللهم إلا دعاوى متقطعة الأنساب قوامها: أننا نحن أصلح من الجميع لقيادة وتوجيه الجميع .وهذا الادعاء هو عينه قد تتبناه الدول القائمة بمؤسسات علمية رسمية وعلماء منصبين وتمويل ضخم،كما قد يمكن أن يستغل هذه الشعارات أي سفيه ووضيع ودخيل مريب داخل تلك الجماعات أو خارجها فيثير المشاكل والمشاغب ويهدم أكثر مما يصلح، فلا ظهر أبقى إذن ولا أرضا قطع.وسل جميع الدول في العالم تجدها تنبني على عصبية نسَبية إما مصرح بها أو مخفية بين الدساتير والدفاتر ودواليب الدولة العميقة رغم مزاعم الديمقراطية والانتخاب الحر ،كما قد تكون بجانبها قوة عسكرية وأمنية توظف سريعا وبالحسم حينما يجد الجد ويشتد الوطيس.وهذا سر الاجتماع وخصائصه التي لا يعرفها كثير من الناس ينبغي مراجعته جيدا "وفوق كل ذي علم عليم".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب