عدنان عويدنؤكد منذ البداية، أنّ الديمقراطيّة والعلمانيّة ليستا مطلقتين في دلالاتهما، وبالتالي هما في حالة إطلاقهما ليستا أيضاً صيغتين صالحتين لكل زمان ومكان، لذلك نقول: إنّ حالة صلاحيتهما في بناء الدولة والمجتمع، تأتي هذه الحالة من خلال الاقرار بصحة تطورهما وتبدلهما شكلاً ومضموناً، وفقاً للمرحلة التاريخيّة التي يعيشها هذا المجتمع أو ذاك، أو حتى المجتمع الواحد ذاته في كل مرحلة من مراحل تطوره وتبدله. وعلى هذا الأساس قد نجد مجتمعا ما أو دولة ما، تتبنى قياداتها أو حكوماتها وفقاً لظروف سياسيّة طارئة لم تُستكمل فيها بعد التحولات الموضوعيّة والذاتيّة بكل مستوياتها الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، صيغاً من الديمقراطيّة أو العلمانيّة أعلى في مستوى تطورها من مستوى الوجود الاجتماعي الذي تنوجد فيه، وهذا ما يؤدي بالضرورة إلى زيادة تخلف العلاقات المنضويّة تحت مظلة هذا المجتمع أو الدولة، بسبب دخول مكوناتهما الاجتماعيّة في مهاترات سياسيّة باسم الديمقراطيّة والعلمانيّة على حساب القضايا الأساسيّة الملحة والضروريّة لتقدم وتنمية الدولة والمجتمع، وهذا ما حدث في مصر مع وصول الاخوان إلى السلطة، وكذلك في تونس، الأمر الذي أدى إلى قيام شبه انقلابات عسكريّة أعادت العسكر إلى الواجهة ليتحملوا مسؤوليّة إعادة الأمن والاستقرار، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت.

بيد أن هذا الفشل في التطبيق، لا يعني أن نبتعد عن توضيح معنى دلالات وأهمية الديمقراطيّة والعلمانيّة في بناء الفرد والدولة والمجتمع من جهة، وضرورة السعي الدؤوب من قبل القوى السياسيّة التي تصل إلى سدّة الحكم إلى تطبيقهما بصيغ تناسب حالات التطور التي يعشها كل من الدولة والمجتمع معاً.

نقول: إنّ الديمقراطيّة والعلمانيّة مشروعان نهضويان مترابطان بعلاقة جدليّة ذات تأثير متبادل، ويعتبران من أهم الروافع النهضويّة المساعدة على تحقيق تقدم الشعوب المتخلفة وتنميتها، والوصول بها إلى إقامة الدولة المدنيّة. وإذا كانت الديمقراطيّة هي النسق الأهم المشتق مباشرة من الحريّة، والمعبرة – أي الديمقراطيّة - بالضرورة عن حريّة الفرد والمجتمع في حياتهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، والهادفة في جوهرها - على اعتبارها مشروعاً نهضويّاً - إلى تحقيق العدالة والمساواة بين مكونات المجتمع، وتجسيد المشاركة لكل هذه المكونات فيما يحقق استقرارها وتنميتها حاضراً ومستقبلاً إذا ما استخدمت هذه الديمقراطيّة أو طبقت على وجهها الصحيح. فإن العلمانيّة هي أيضاً الوجه النهضويّ الآخر للديمقراطيّة، كونها الوسيلة الأكثر فعاليّة بجعل المجتمع قادراً على تجاوز الكثير من مكوناته التقليديّة التي تساهم في تخلف الفرد والمجتمع معاً، مثل العشائريّة والقبليّة والطائفيّة والمذهبيّة، وذلك على اعتبارها أي العلمانيّة - تجسيداً للدولة المدنيّة في جوهرها، أي دولة المواطنة والقانون والمؤسسات والمشاركة، واحترام الرأي والرأي الآخر، وتداول السلطة، واعتبار الشعب هو المرجع الأساس للتشريع، وأن الدولة بكل مكوناتها يعود أمر تكونها المنطقيّ للعقد الاجتماعيّ الذي يقره ويريده الشعب نفسه. والعلمانيّة بهذا الفهم هي الوسيلة الأكثر قدرة على التحالف مع الديمقراطيّة وتجسيدها فكراً وممارسة، والعكس صحيح.

إذن، إنّ الديمقراطيّة والعلمانيّة وجهان لقضية واحدة، هدفهما حريّة الإنسان في أي مجتمع من المجتمعات وعدالته وكرامته وأمنه واستقراره ومشاركته في صنع القرارات التي تهم مصالحه ومصالح الأجيال القادمة. وإنّ كل محاولة لفصل الديمقراطيّة عن العلمانيّة هي محاولة لتشويههما، وافراغهما  من مضمونهما الحقيقي، لتحقيق مصالح أنانيّة ضيقة شخصيّة أو فئويّة أو حزبيّة على حساب مصالح الشعب بعمومه.

نعم.. إن تطبيق الديمقراطيّة بدون علمانيّة، هي الفسح في المجال واسعاً أمام تحرك المصالح الأنانيّة الضيقة المأزومة في حضورها، أو الموجودة في حالة كمون، طائفيّة كانت أو عشائريّة أو قبليّة أو حزبيّة أو كاريزميّة أو غيرها، وهذا يؤكد عندنا أنّ الديمقراطّيّة عندما تفقد الظروف الموضوعيّة والذاتيّة لتطبيقها ستتحول إلى وسيلة لخلق الفوضى باسمها وباسم الحريّة معاً، وستعمل بالضرورة على تحطيم الدولة والمجتمع بدل نهضتهما وتقدمهما، وهذا ما جرى في ما سمي بثورات الربيع العربيّة.

أما تطبيقنا للعلمانيّة بعيداً عن الديمقراطيّة، فسوف يحول العلمانيّة عند السلطات الاستبداديّة الحاكمة التي تدعي العلمانيّة إلى أداة أو وسيلة لصنع ديمقراطيات مزيفة على مقاسها هي، غالباً ما تتبع فيها تسويات اجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة وثقافية، ليس الهدف منها – أي التسويات – خدمة المجتمع واستقراره وتنميته، وإنما هدفها ترويض مكونات المجتمع تحت شعارات وأوهام  ديمقراطيّة براقة، أعلى درجات تطبيقها هو البحث عن شخصيات موالية للسلطة الاستبداديّة من هذه المكونات، ووضعها في مناصب هامشيّة فاقدة للقرار الحاسم في قيادة الدولة والمجتمع، وبالتالي ستصب نتائج هذه التسويات في مصلحة القوى الحاكمة وليس في مصلحة الشعب بعموم مكوناته.

ملاك القول: إنّ إقصاء العلمانيّة والديمقراطيّة عن فضائهما العمليّ داخل الدولة والمجتمع، وتحويلهما إلى شعارات فاقدة لمضمونها العقلانيّ، سيخلق لا محال دولة الوصايّة، التي تجعل من القوى الحاكمة أو من يمثلها، هم من يفكرون ويقررون في النتيجة عن الشعب، وهم من يختار له الطريق الذي يجب أن يسير عليه سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّاً وثقافيّا.

إن غياب التطبيق العقلاني للعلمانيّة والديمقراطيّة عن ساحة أي دولة أو مجتمع، سياسهم حتماً بخلق أنظمة دكتاتوريّة استبداديّة تقوم على وضعيّة سلطويّة هرميّة غالباً ما تجسد روحاً سلاليّةً عند بعضها، أو تطمح لتطبيق هذه الروح عند بعضهم الآخر. وهي في المحصلة سلطة ذاتيّة شخصانيّة لا تقر إلا بأوامر رأس الهرم السلطوي كحاكم بأمر الله، أو من يمنح هذا الرأس من المقربين له بعض السلطات، أما أدواتها فهم مجموعة من الشخصيات الثانويّة التي يتم اختيارها وفق معايير تخدم استمراريّة السلطة القائمة، وغالباً ما تقوم الأجهزة الأمنيّة بتقويمهم وتبيان صلاحيتهم لممارسة المهام التي سيكلفون بها أم لا. مع تأكيدنا أنّ هذه الشخصيات معرضة في أي لحظة للعزل وربما للسجن والقتل إذا انحرفت عن الخط المرسوم لها من قبل الهرم السلطوي ومن يمثله. وهذا التوجه في طبيعة الأنظمة الحاكمة بأمر الله يذكرنا بمقولة ابن حنبل، يجب: (السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين، البر والفاجر ومن وليّ الخلافة واجتمع الناس عليه ورضوا به ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين.) (1).

 

د. عدنان عويد

كاتب وباحث من سورية

..................................

(1) - راجع موقع -  جامع حلقات شيخ الإسلام ابن تيمية – بحث السمع والطاعة للأئمة.

 

 

عصمت نصارلم يقطع "العقاد" بخلو مصر من الفلاسفة - في عصورها القديمة - بل قصد تميز العقلية المصرية ونهجها العملي في التفكير وربطها بين المجرد والمحسوس والروحاني والمادي والنظري والتطبيقي دون خلط أو مزج أو تضاد وتنافر، وعزوفها عن الثنائية التي أعيت الفلاسفة فيما بعد.

ويبدو ذلك في جُل القضايا التي طرحها حكمائها على مر تاريخهم - الذي مازلنا نتعرف عليه ولم نفرغ منه بعد - فقد نظروا للوجود وما فيه من موجودات على أنه نعمة ومنة وقدرة إبداعية للخالق الواحد المتجلي بنوره وجماله وكماله في العالم المرئي بالحواس، والعالم الآخر الذي تدركه العقول والمشاعر ويبرهن على وجوده العقل الفعال المتصل دوماً بالفيوضات الإلهية والإلهامات العلويّة التي تدركها الأذهان الراقية والنفوس الصافية؛ وذلك بالتأمل المعرفي والعرفاني والحدس الذوقي الجواني.

تلك الفلسفة التي أدركت أن العلم قدرة وإمكانية (الهيولي) وطاقة بشرية منحها الإله للناس كافة غير أنها تحتاج إلى جهد إنساني لتفعيل آليات تحصيله (حس، عقل، حدس)؛ وذلك تبعاً لطبيعة المعارف المُراد إدراكها ثم استيعابها ونقدها وتطويرها وتحديثها وفق احتياجاته العملية.

نعم! فلسفةٌ جامعة بين الإيمان والعلم؛ فانبثقت مبادئها الأخلاقية تعبر عن جوهرها الخير الذي وُجد على الأرض قبساً إلهيّاً نقيّاً في سرائر البشر؛ فأينعت طيبة وتسامحاً وحباً للإله وجميع مخلوقاته. لم يفرق المصري في فلسفته بين مبحث الوجود والمعرفة والأخلاق، ولا بين النظر والعمل، ولا بين الجميل والجليل، ولا بين النافع والصالح، ولا بين العدل والحق، ولا بين ما ينبغي أن يكون، وما هو واجب فعله، واعتقد أن تلك البنيّة الفخمة الرائعة هي الجوهر المركزي الذي مكّن الإنسان المصري من هضم واستيعاب وتطويع الوافد من شتى أنحاء الدنيا وتوظيفه وفق مقاصد هذه الفلسفة التي لا تسعى إلا إلى تحقيق الاستقرار وإخضاع الكون؛ لتحقيق السعادة على الأرض وتهذيب النفوس وتطهير القلوب وتذويد العقول بكل الآليات التي تمكنها من اقتلاع الشر والعنف والحسد والبغضاء الذي يحول بينها وبين السعادة الأبدية في الرحلتين الدنيا والآخرة.

تلك القراءة الصوفيّة أو إن شئت قل الرؤية المحافظة للفلسفة المصرية التي أنبثق عنها النسق الفلسفي الذي نعيشه مع إخفاقنا في تمحيصه والتعبير عنه أو التنظير له.

أجل! تلك الرؤية التي يمكن الاستعانة بها لتفسير وتوضيح وتأويل وتبرير العديد من الحقائق والأحداث، وصياغة الإجابات عن عشرات الأسئلة حول علة الطبائع والسلوكيات اعتماداً على النهج الأركيولوجي (Archaeology) أو التحفير في بنية النفس حتى الوصول إلى النواة.

فمن تأمل السياق الأسطوري في التراث الفرعوني؛ فسوف يدرك خلوّه من الخرافة والعبثية والعنف والصراع غير المبرر ذلك في ضوء (علم الأساطير المقارن)، ويرجع ذلك بطبيعة الحال إلى أن جُل الأساطير المصرية قد صيغت بحِرَفيّة عبر الأحقاب التاريخية، وذلك لإدراجها في النسق التربوي لتنشئة النشء على الثوابت الفطرية التي يجب تدعيمها في الروح الجمعي للمجتمع.

فمن النادر أو الشاذ وجود أسطورة مصريّة تحرض على العنف أو التمرد أو تبرير الدنس والخيانة أو اللصوصية والفجور أو الاستبداد والجحود أو الظلم أو الكفر أو الصراع الاجتماعي والسياسي أو الغدر أو السّطو على الأغيار الآمنين. (وحسبي أن أهمس في الأذان وأنبه الأذهان أن جحود بعضنا في كل الأشكال الأدبية والفنية التي تقترب من نقيض تلك البنية الفطريّة يُعدُّ إفساداً للفلسفة المصريّة أو إلصاقاً بها ما سوف تلفظه وتقذف به في آتون السفالة والانحطاط بعد إفاقتها من دور الانحدار).

وإذا ما فحصنا البنية العقدية المصرية القديمة؛ فسوف يتبيّن لنا أن فكرة "التوحيد" أكثر أصالة وأعمق رسوخ في الفكر الديني المصري من فكرة الكثرة الألوهية أو التعدد أو الثنائية، ويكشف عن ذلك بوضوح علم مقارنة الأديان - وقد أثبتنا ذلك بشيء من الاستفاضة فيما كتبناه في هذا الحقل المعرفي استناداً على أحدث الاكتشافات الأثرية وأكثر الدراسات الأكاديمية دقة وموضوعية-؛ الأمر الذي يُفسّر لنا وحدة النسق العقدي في العبادة المصرية، ورفض العقل الجمعي للمعبودات الشاذة التي وفدت على مصر سواء عن طريق الاحتكاك الثقافي أو الاحتلال العسكري. كما أنه يبرر احتضان مصر قديماً للديانة اليهودية ثم المسيحية ثم الإسلام؛ وذلك للتشابه الواضح بين صلب هذه الديانات والنسق الإلهي المصري. وتبدو أصالة الجوهر الفطري الذي تحدثنا عنه في نجاحه في تطويع العديد من الشعائر والطقوس والعادات والتقاليد اليهودية والمسيحية والإسلامية؛ ليتناسب مع الروح الجمعي المصري ذلك مع عدم إنكار تأثر البنية الثقافية المصرية بالأفكار الدينية الوافدة في الفروع، وليس في الأصول. ذلك كله من جهة، وجحد ونقد العقل الجمعي المصري لكل أشكال الوثنية وتقديس البشر (مع تعظيم وتجليل الأبطال) والمعتقدات الشركيّة والصفات المادية والتجسيدية أو الصفات التي تحط من شأن سمو ورفعة وكمال وجمال الإله من جهة أخري.

وقد ترتب على سلامة هذا النسق الديني رفض المصريين لكل أشكال التعصب المِلّيِّ وكل أنماط الغلّو والتشيع وكل نهوج الإجتراء والإلحاد على مر تاريخهم، ويمكننا مراجعة ذلك في عشرات الدراسات التي تناولت التاريخ العقدي المصري.

ولعلنا نستفيد من ذلك في تبرير مج المصريين وعزوفهم عن الانتصار أو الانتماء أو الترويج للعقيدة الباطنيّة و الدرزية والبابية والبهائية والقضيانية والوهابية والمهدية والمحافل ذات الصلة مثل الماسونية وعبدة الشيطان والروحيّة الحديثة والإخوان المسلمين والقاعدة وداعش.

ومن الطريف أن نجد "إسماعيل مظهر" يؤكد على صفحات مجلة (العصور) عام (1928م) على أنه من العسير؛ بل المستحيل تبديل هويّة المصريين ومشخصاتهم وطبائعهم العقدية وميلهم الفطري للإصلاح، وليس الإفساد والطمع في غفران الله ورحمته وستره رغم اعترافهم بعثراتهم وكبواتهم، وأن معارف الفراعين العلميّة لم تدفعهم يوماً لجحد أخلاقياتهم تجاه الطبيعة، والبيئة، والحيوان؛ بل كانت تدفعهم دوماً إلى اقتحام المستحيل، والتأكيد على منطق التحايل ومنهجية الإمكان، كما أن قوتهم وشجاعتهم لم تدفعهم إلى تقديم الحرب على الحب أو النرجسية والعنصريّة على لين الجانب والمعايشة ومَدِّ يد العون للأغيار.

ويرجع ذلك في رأي "مظهر" إلى تلك الفلسفة التي نحتها المصريون القدماء في جبلتهم بعد تأمل عميق للوجود بأسره بنظرة استكشافية فاحصه ليس بالحواس فحسب؛ بل بالقريحة والأريحيّة والعقلية التجريبية الناقدة الشاغلة بالبحث عن الحقيقة من جهة، ورؤية ناقضة ساخرة ضاحكة ممّا يدور حولهم من أحداث وواقعات من جهة أخرى.

وينتهي "مظهر" من شرح أهمية الفلسفة إلى توضيح أنها المسؤول الأول عن تحديد ما هو ثابت وما هو متغير لثقافة العصر، وما ينبغي تأصيله في برامجنا التربويّة، وما يجب تجديده وتحديثه في مناهجنا التعليميّة.

وضروريٌّ علينا مراجعته كلما اقتضى الأمر من الشائع في آدابنا وفنوننا وأحاديثنا اليومية، وذلك للأثر الأكبر الذي تخلّفه الأذواق على تأملاتنا العقلية وتصرفاتنا الأخلاقية ومعتقداتنا الدينيّة.

ويعني ذلك أن "مظهر" في هذا الوقت المُبكر كان مدركاً لأهمية تأهيل المجتمع بمختلف طبقاته لقبول التفكير الفلسفي باعتباره هو الغربال أو الوعاء الناقض الذي يجب الاحتكام إليه في اختيار وانتقاء اللبنات التي نستعين بها في تجديد بنيتنا الشخصية والحضارية. ويقول في ذلك أن المجتمع الذي يسير وفق بنيته الفلسفية المُعبرة عن أصالة مشخصاته (أنها تحظر فعل ما هو خطأ وتبيح فعل ما هو صواب وتشجع عليه، كذلك هي التي ترغب في الأشياء الجميلة وتنفر من القبيحة. أما تقييم الجمال والقبح؛ فله أثر كبير في تكوين مظهر ذي شأن من مظاهر البيئة الاجتماعية. وهذا ما يسمى بمظهر الجمال).

ويجمل وظيفة التأمل الفلسفي في حياتنا. ويقول: "كما أن النظامات التي تتبلور فيها هذه النتائج العقليّة، فذلك ما نسميه "العلوم"، وهذا ما نسميه بالمظهر العلمي للبيئة الاجتماعية على أن هذا المظهر قد لعب الدور الأكبر في حياة الإنسان على طول الدهور وكر العصور".

ويضيف "مظهر" :"أن التأمل الفلسفي في أظهر مظاهره هو القدرة على أن تسأل وتجيب، وأن تستعرض مشكلات وتحاول حلها، وأن تنظر إلى المستقبل وتختط للسلوك خطة ما. هو أن يكون فيك قدرة على استطلاع الحقائق التي ينطوي عليها وجودك ويحتوي عليها المحيط الذي تعيش فيه... وعلى الجملة نقول بأن ’التأمل’ يتطلب منا، باعتبار أنه مثلاً أعلى، أجوبة ثابته لكل الأسئلة التي يمكن أن تقوم في العقل، كما يتطلّب ترابطاً منطقياً يصل بين كل الأجوبة التي يتسنى لنا الوصول إليها؛ بل نقول تعميماً بانه يرمي إلى معرفة الكون من طريق نظرة شاملة فيها ألفة تامة، بحيث لا ينقص تلك النظرة شيء من كمال الأسلوب ولا حسن النظام، الذي يقصد به تتابع النسق التدليلي وترابط وجوهه وعدم تنافر أجزائه بحال من الأحوال".

وخليقاً بنا أن نبيّن أن الدعوة للتفلسف في حياتنا الثقافية كانت من الأمور سيئة السمعة عند الجمهور؛ الأمر الذي حال بين ظهور الفلاسفة أو المتفلسفة. فقد خلط العوام والجامدين من شيوخ الأزهر بين الفلسفة والسفسطة؛ فأدعى بعضهم أنها مدخل لجحود المقدسات وما جبلنا عليه من موروثات، كما أنها تُحرّض كل من يقرأ في كتُبها على الإجتراء والمجون والشطط، وذلك عقب إلغاء العلوم النظريّة والعقلية من مناهج التعليم في الأزهر بعد تسلل الفكر الوهابي إلى الثقافة المصريّة وتكفير الخلفاء العثمانيين للفلاسفة وتقبيح كتبهم.

وقد جاهد "حسن العطار" ورفاقه في مقاومة هذه الدعوة وإثبات أن المباحث الفلسفية شأنها شأن سائر المعارف الإنسانية؛ لأنها تحوي بين دفتيها كل ما ينتجه العقل من أفكار، ومن ثمّ فمن الخطأ الحكم على الكل استناداً على الاعتقاد في فساد الجزء، وأن ما لا يدرج جُله لا يترك كُله. وسوف نوضح فيما بعد قصة بعث المعارف الفلسفية ثانية في الثقافة المصرية. أمّا ما جاء في حديث "إسماعيل مظهر"؛ فهو لا يعدو أن يكون إحدى محاولات بعث المباحث الفلسفية في الرأي العام.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

 

قاسم محمد الياسريللأسف كثيرا ما نلاحظ هذه الايام في مجتمعنا ظاهرة ارتفاع نسبة شتم الذات العراقية في صورة سلبية من صور بخس الذات وعدم تقبل الآخرين وبعضنا وصل به الأمر الى كره الذات واحتقارها في نظرة سلبية للذات وهذا التدني في احتقارالذات الشائع السلبي التشائمي الذي يعم مجتمعنا اليوم هو واحد من نتائج المعاناة التي تسمى (اضطرابات الشخصية المازوخية) أو إضطراب الشخصية المحبطة للذات او اضطراب الشخصية المهزومه ذاتيا ذات الأفكارالغريبة المكبوتة والتي ترتقي لتكون شاذة وهذا هو إنحراف نفسي وتشوه حيث يتميز المصاب بهذا المرض بالخضوع والاستمتاع بالاضطهاد والاذلال والإهانات مصحوبا بالألم النفسي ويصل الامرالى الإستمتاع بالألم الجسدي والذي قد يؤدي بالفرد الى الموت أحيانا .فالذات الانسانية يمكن تقسيمها الى قسمين وهي الذات المزيفة السلبية التي نمارسها في علاقاتنا اليومية بالاخرين بالنفاق والتزييف والخضوع والخنوع والذلة لكل مايطلبه منا المتسلط سواء كان رب السرة او رئيس الدائرة المستبد او رئيس الجماعة او رئيس الحزب او الدولة اما الثانية التي تمثل صورة الأنا الداخلية التي ترافق الاحاسيس والمشاعر الصادقة من الطموحات وهاتان الصورتان في النفس دائمتا الصراع بينهما.. ففي المجتمعات المقهورة يساهم وينظم رجل الدين ورجل السياسة لمجموعة المتسلطين في خلق انسان مستلب مقهور ينظر الى ذاته نظرة تشائمية تحت يافطة مايراه من شعارات مزيفة شكلية وفق سلوك مايريده فيتحول احيانا الى عدواني نتيجة معاناته الداخلية او شتم ذاته وبهذا سلوك الشتم يمكنه التغلب على انانيته او ذاته الداخلية وثقته بنفسه تتحول الى الاضطراب فينتج مجتمع مقهورمضطرب أفراده يستلذون بتعذيب أنفسهم ويقدسون جلاديهم .يقول عالم النفس الأمريكي تيموثي جاي في كتابه الشتم رغم ان الشتم حالة سلبية وخصوصا عندما تهدف للإستهانة بالاخرين إلا أنها تلعب دوراً مهماً في تخفيف الضغوط النفسية ونوبات الغضب والقلق وبعكسه سيلجأ المرء الى الاعتداء والعدوانية واستعمال العنف والايذاء الجسدي ومن يعتاد إستخدام الشتم في سلوكه هي إشارة لوجود مشكلة تجذب الإنتباه نتيجة لمعاناة الفرد من الإضطرابات لم تظهر في سلوكه سابقا مما يجلب انتباه الآخرين نحوه وهذا الشتم يعني نوع من اللغة المستخدمة للتعبير أو إنعكاس للمعانات والمشاعر الداخلية المكبوتة في نفسية الأفراد .. ومن خلال ما يتعرض له الناس في مجتمعنا من ظغوط واضطهاد وترهيب وهذا السلوك هو واحد من الاسباب التي تسببت بارتفاع نسبة شتم الذات في مجتمعنا نتيجة لمعانات المجتمع من المتسلطين المرضى في الاسرة والمجتمع .. فنحن اليوم في وطن فوق قبورمجتمعه تبرم الصفقات وأسفل أقدام المتحكمين بمصيره يموت الفقراء المقهورين السذج..  فاصبح اضطهاد المجتمع وسيلة لديمومة التسلط والتحكم بمجتمعنا وفق مبدأ المدرسة الصهيونية الثابت (الدين كوسيلة فعالة للسيطرة على الشعوب)..  لذالك فقد المجتمع الثقة حتى بدينه وفقد التمييزالأهم بين إنقاذ نفسه وتنفيذ العدالة ومن هنا يتضح سلوك المتسلط بالدفع الى التخلف الاجتماعي وايصال المجتمع الى تحقير وبخس ذاته والشعورالاضطهادي الذي يفتش عن المخطئ كي يحمله وزرعدوانيتة المتراكمة داخله وكي يوصل الانسان المضطهد الى مرحلة لا يستطيع ان يكتفي بادانة الوطن وذاته وشتمها فقط وتشيرالدراسات إلى أن المتسلط يحرص ويسعى على أن يغرس في نفسية المجتمع مشاعر الإثم والدونية كي يوصله الى التخلف والى الخجل من ذاته ويفضل الهرب من مواجهة ذاته وبعدة وسائل فينحرف بعض الافراد ويتحول البعض الى العدواني او تعاطي المخدرات التي يساعد في نشرها المتسلط  او يتجه البعض الى ان يلوم نفسه ويكيل النعوت السيئة لنفسه متهما نفسه بالتقصير والتخاذل والجبن وينهاراحترامه لذاته ومن ثم يضخم تقديره العالي للمتسلط ويرى فيه نوعا من الإنسان الرائع الذي له حق مقدس في السيادة والتمتع بكل الامتيازات وهذه هي علاقة الرضوخ من خلال التبعية للمتسلط في العائلة او المجتمع لفرض تسلطه ومن هنا تبرز حالة الاستلاب والتقرب من المتسلط سواء كان رب او ربة الاسرة أو مسؤولا او رئيس دائرة او زعيم جماعة او رئيس عشيرة .. فتنغرس وتترسخ في ذهن الفرد أفكارا بأنه لا مناص من الخروج من هذا المأزق الوجودي سوى التقرب من المتسلط المسؤل او رئيس الدائرة المتسلط  او رب الاسرة المتنمر والتنكر الشامل لانتماءات الذات الاجتماعية والتاريخية مما يولد حالة من الرضوخ السوداوي للقدرالمكتوب واتخاذ الدفاعية ضد التغيير.. فتعم المجتمع النظرة التشائمية لذاتهم فتجعل الفرد تابع مسلوب الارادة فاقد لإرادته وهذا الأمر لا يختلف إذا انتقلنا للحديث عن علاقة المقهوربرب الدائرة المتسلط او برب العمل او رب الاسرة او برب الجماعة إنها علاقة تبني على الطاعة المطلقة وأمام كل هذا الاستعباد فإن الإنسان المقهور ينتقم من ذاته أما بالكسل واللامبالات أوالتخريب وتعاطي المخدرات أوالسخرية من نفسه وشتمها وشتم الوطن ما يخلق ازدواجية في العلاقات المجتمعية  ورضوخا ظاهريا في حين هناك عدوانية خفية في الإنسان المقهورفيلجأ هذا الذي يبخس ذاته الى مخاطبة المتسلط بلغته نفسها من الكذب والخداع والتضليل اي بنفس لغة المتسلط من الوعود المعسولة والتضليل تحت شعارات مخادعة بالوعود الإصلاحية والخطط الإنمائية كلها هراء وغش اعتادعليها المجتمع الذي بدوره انتهج نفس الخداع والتضليل حين يدعي الولاء ويتظاهر بالتبعية لهذا المتسلط إن حياة الإنسان المقهور حسب الدراسات لا تخلو من عقدة النقص والعار مع اضطراب واصطباغ التجربة الوجودية بالسوداوية وهذه جميعها تدفع الإنسان المقهور نحو الاتكالية والنكوص والاستسلام للقدر وطغيان الخرافة على تفكيره فعوضا من تحكيم العقل والتفكير السليم والعمل على تغيير وضعيته يلجأ المقهور إلى التحايل ويستمتع بحياة العبودية وتجسد الإدارة نموذجا لعلاقة الإنسان المقهور بالمتسلط .. فالموظف يتعالى على من هم دونه ويقابلهم أحيانا بالصد والتعالي والنبذ الصريح وهذا ما ورد أيضا في بعض الدراسات لعلاقة المقهور بالإدارة فالموظف ما أن يقم بعمل للمقهور فإنه يعتبر ذلك منة علية لأنه صاحب حاجة وليس واجب الموظف الذي تمليه عليه وظيفته وامانته وهو في ذلك يكرر موقف رئيس الدائرة منه وهذا الاخير يكرر موقف المسؤول الأعلى منه وهكذا ليتخذ الأمر في النهاية علاقة استعلائية استعبادية وليست علاقة تراتبية تحكمها الواجبات والحقوق وتضمن الحقوق لكل المواطنين..

 

د. قاسم محمد الياسري

 

 

صادق السامرائيالكراهية معضلة سلوكية يتحقق الإستثمار فيها للوصول إلى غايات وأهداف خفية*، وطاقة تدميرية ذات قدرات سلبية هائلة، تؤدي إلى تداعيات مريرة ومتوارثة، وهي القوة الأزلية التي أطاحت بالأمم والشعوب والقِوى والإمبراطوريات عبر العصور.

الكراهية إعصار يطغى على النفوس والعقول والقلوب، ويتسبب بسلوكيات دامية وصراعات حامية وأوجاع قاسية وويلات عاتية، وكالبركان الذي يثور بين آونة وأخرى، لتلقي بحممها على مصير الأجيال، التي تفجرت في ربوعها وأورَدتها حتوفها السوداء.

الكراهية لغة منطوقة ومكتوبة وصورة وإشارة وعلامة ونظرة وتعبير وحركة، وإن تأججت في أعماق البشر فكأنها النار التي تشب في الهشيم.

وهذه إقترابات تعريفية نفسية من مدارات الكراهية وأروقتها الظلماء.

أولا: ثقافة الكراهية!!

ثقافة الكراهية ظاهرة تعصف في المنطقة وعبر الأجيال، مما وفر الإستعدادات اللازمة للتأجيج والإنقداح والإلتهاب والتحول إلى حريق.

وتساهم في تعزيزها روايات منقولة ومفاهيم عوجاء للدين والحياة، حتى أصبح الدين في بعض المجتمعات هو المرسّخ للسلوك البغضاوي والكراهية والإنتقام والعدوان.

ولكي تجعل حصول أي سلوك بشري سهلا وسريعا وشديدا، إمنحه طعما دينيا، فالقتل والإنتحار يتحققان عندما يرتبطان بإرادة دينية أو عقائدية، ولهذا فأن أكثر الضحايا في مسيرة الخطايا البشرية سببها هذا الإقران المروع، ما بين معتقد الشخص وما يَقدِم عليه من جريمة وعدوان على الآخر، لأنه بهذا الإقران يتحرر من المسؤولية، ويتحول إلى مُنفذٍ لأوامر قِوى كبرى لها صلة بدينه ومعتقده وحسب.

وتأريخ البشرية يحتشد بالأمثلة على سلوك العدوان وسفك الدماء من ما قبل هولاكو وما بعده وقبله، وفي جميع المجتمعات كما حصل في أمريكا مع الهنود الحمر، وأوربا في القرن العشرين وما سبقه من قرون، وروسيا وغيرها من دول العالم.

ولا يزال سلوك الكراهية والعدوان يجد البيئة التي تحرره وتطلق له العنان في كل مكان وزمان، وما تعيشه الكثير من المجتمعات المعاصرة، إنما يمثل تعبيرات كراهية متنوعة الكثافة والقوة، وقد ظهرت بلباس الدين، أو المعتقد والمذهب وغيرها من مسوغات الجرائم والآثام، المعزَزة بفتاوى وتفسيرات وتصورات تدميرية لمعاني وقيم الدين والمعتقد والحياة.

ولا بد للأقلام الإنسانية الواعية أن تتصدى لثقافة الكراهية والعدوان، وتنشر سلوك المحبة والألفة والرحمة والتسامح والمصالح المشتركة.

ولابد للبشر أن يتكلم مع بعضه ويستمع لبعضه ويرى بعضه البعض، لكي يساهم في وضع الأسس القوية للحياة الحرة الكريمة التي تحترم قيمة الإنسان، وتراعي حرمة وجوده وحقوقه وحياته.

وتلك معضلة بشرية بحاجة لألف نظر ونظر!!

ثانيا: الكراهية أسهل من الحب!!

البشر ميّال للكراهية وحيّاد عن الحب، فما أسرع أن يكره وما أبطأ أن يحب، وما أسهل أن يكره وأصعب أن يحب.

تلك نوازع النفوس، ويعجز ذوي الخبرة والألباب عن التفسير الصائب والتعلم من الدروس.

إنها محنة خلقية تتدحرج فوق التراب، وتزداد كثافة وإختلاطا مع دوران الأرض، وما تأخذه من الشمس من حرارة أو نار.

فهل أن الكراهية طاقة خلقية سائدة ومتمكنة من الأحياء، والموجودات الأخرى الساعية نحو مصيرها المحتوم.

البعض إجتهد وفكر وتعمق ورأى أنها إرادة الموت، أو سطوته وقوته ومناهجه التي تحصد المخلوقات حصدا، بوبائية تصارعية وتقاتلية شرسة لا تهدأ أبدا.

والبعض الآخر يرى أن الكراهية سلوك يتعلمه المخلوق الذي يولد حرا منها، وربما حرا من الحب أيضا.

لكن الواقع السلوكي يشير إلى أن الكراهية ربما تكون طاقة كامنة في الموروثات الجينية، أي أنها طبع مسيطر على آليات السلوك، فتدفع بالمخلوق للتفاعل المنطلق من بؤر الكراهية التي تطلق شرارها وشرورها، والدراسات تشير إلى أن التطبع يمكنه أن يصبح طبعا بآليات تفاعلية معقدة مابين المخلوق ومحيطه.

فالكراهية طاقة فاعلة في المخلوقات تعززها الظروف الموضوعية وتضغطها وتعتقها وتعفنها، وتستولدها المآسي والويلات والأحداث ذات القدرات العاطفية الشديدة الإقران والتقوية والإمتهان، الذي يدفع بها إلى التعميم والتضخيم والتحول إلى شيطان رجيم.

والكراهية عدوان على الذات وما حولها، وهي سَوْرة إنفعالية ذات درجات من الشدة والعنفوان تتناسب مع أجيج النيران التي تنطبخ عليها.

ثالثا: الكراهية حاجة سياسية!!

بعضهم يتساءل هل أن الكراهية حاجة نفسية، وهذا سؤال تبريري تعزيزي لسلوك الكراهية، ومن الأصوب أن يكون السؤال: هل أن الكراهية حاجة سياسية؟

يبدو أن الوقائع والحقائق والأحداث بآلياتها ومنطلقاتها ودوافعها ونتائجها وتوالياتها، تشير إلى أن الكراهية حاجة سياسية أو كرسوية.

فالبشر عندما يمسك بالكرسي، يتحتم عليه أن يشيع ثقافة الكراهية، لكي يوفر المسوغات ويعزز القدرات اللازمة لبقائه في موقعه أطول مدة ممكنة مهما كان الثمن.

وقد تكرر سلوك المتمسكين بالحكم، وفقا لإشاعة منهج الكراهية وثقافتها وآلياتها للوصول إلى غاياتهم الفردية، ولا يعنيهم في الأمر والأحداث سواها.

ومن المعلوم أن البشر الذي يشيع ثقافة الكراهية، يكون أما طائفيا أو متحزبا أو عنصريا، أي أنه قد إنتمى إلى مجموعة أو جماعة وحزب ومذهب وكتلة وعصابة أو غيرها.

وعندما يمتلك فرصة التقدم فيها والإمساك بزمام قيادتها، فأنه يسعى بكل طاقاته لتعزيز وحدة تلك الجماعة أو الفئة وزيادة قدرات إنضمامها وإرتباطها به، فيربط مصيرها بمصيرهِ، ويعمل من خلالها بجد وإجتهاد لتوفير الأسباب، وصناعة الأحداث والتفاعلات الضرورية لترسيخ ثقافة الإعتقاد بأن الآخر، أو الآخرين خارج المجموعة هم ضدها وأعداؤها ويريدون تدميرها والقضاء عليها، وهذا يؤهل الجماعة لإطلاق العواطف والمشاعر السلبية، وتعهد الرؤى والتصورات الخاطئة والمنحرفة وتوقدها والعمل بموجبها.

فتصبح تلك الجماعة متأججة بالبغضاء والكراهية تجاه الآخر أو الآخرين، مما يدفع إلى نزاعات وصراعات مروعة بين أبناء المجتمع الواحد.

وقد رأينا ذلك في مسيرة الأحزاب مدى العقود الماضية، حيث كل حزب وقياداته يسعون إلى ذات الأسلوب الأناني الإستبدادي التسلطي، الهادف لإرضاء حاجات غريزية ودوافع لا تخدم المصلحة العامة ولاتنفع الجماعة وقادتها وإنما تنقلب وبالا عليهم.

وهذا ما تحقق في الكثير من الأحزاب في مجتمعاتنا، فالتكتلات والفئويات وما شاكلها، تتحول إلى سلوكيات غابية الطباع والتوجهات وتحرق الغابة التي تتصارع فيها.

ووفقا لذلك، فأن الكراهية حاجة سياسة سلبية وضارة بالمجتمع والحزب والكتلة والفئة، وقد أثبتت الأحداث التأريخية ذلك، لكن البشر يكرر هذا السلوك بسبب الظروف المحيطية الناشئة التي تعززه.

فالذي يمسك بزمام الجماعة، يسخّرها لتأكيد رغباته الفردية، ولكي يكون ذلك، لا بد لها أن تحاط بالخوف والشك والتهديد وعدم الأمان والحاجة إلى التمسك بالسلطان، وبهذه الأساليب تصنع الشعوب جلاديها ومستبديها.

 فالمجتمعات التي سخّروها ومرروا عليها غاياتهم ورغباتهم، تساهم في التحول إلى أرقام يكون مصيرها المحق والإمحاء.

وقادة الكراهية يعملون على تحقيق ذلك، لكي يكونوا هم الرقم الوحيد، الذي لا تمحقه إلا القوة التي تساعده على الوقوف لوحده.

والمجتمعات التي تريد صناعة الحياة، عليها أن تعي هذه العاهة السلوكية، فلا تنصاع لها وتكون ضحية سهلة لآثارها.

رابعا: سلاح الكراهية!!

الكراهية من أخطر الأسلحة التي تستخدمها القوى الطامعة بتدمير الشعوب والمجتمعات، لأنها سلاح سهل ويغني عن الكثير من الجهود والأموال والبرامج، فهي كالنار التي يمكنها أن تتحول إلى حرائق عظيمة بإذكائها يهشيم في غابة غناء.

وأدوات هذا السلاح الطائفية والمذهبية والمناطقية والإقصائية والمحسوبية والإستعلائية، والعدوانية والإستحواذية والقهرية والتعصب الفكري والعقائدي والتحزبية والتكتلية والفئوية، ومن أخوات هذه وغيرها الكثير، التي تجرد المواطن من صفة المواطنة وتقضي على معنى الوطن، وتضع فوقه مسميات ومفاهيم تدميرية تعلوها نيران الكراهية وزوابع البغضاء والأحقاد والإنتقامية.

وقد نجحت أسلحة الكراهية بالنيل من إرادة مجتمعات عربية متعددة، خصوصا بعد التغيرات الساعية للديمقراطية، حيث تم تسخير ما يسمى بحرية الرأي للتعبير عن أسلحة الكراهية وأدواتها للتدمير الشامل الموصوفة بالشرور.

ولهذا تجدها في محنة التداعيات المتوالية التي تنزف بسبها المجتمعات جوهر ما فيها من القوة والإقتدار، وتبدد طاقاتها وتنحدر إلى متاهات أسفل السافلين، فتبدو خائرة مستلبة الإرادة، مصادرة المصير، تستجدي من أعدائها ما يعينها على قتل بعضها البعض، وإفناء وجودها الوطني والإنساني.

ويبدو أن من الصعب أو المستحيل تجريد المجتمعات من هذه الأسلحة التي فعلت فيها ما فعلت، خصوصا وأن العديد من العمائم والكراسي ترفعها وتتدجج بها، لأنها أصبحت مرتبطة بمصيرها وبأرباحها وإستثماراتها، ومتاجراتها بالأبرياء التابعين لأضاليلها وفتاواها السقيمة النكراء.

وبرغم اليأس والسوداوية التي تنشرها هذه الأسلحة، وما تتسبب به من شدائد نفسية وإنحرافات سلوكية، وتفاعلات إنتحارية ما بين أبناء المجتمع الواحد، فأن التنوير بمفردات الرحمة والألفة والأخوة والتسامح، والتأكيد على سلوك "... وكونوا عباد الله إخوانا"، من أهم العوامل التي ستخرج المجتمعات من ظلمات الكراهية إلى أنوار المحبة الإنسانية.

وإنّ الغِلَّ مذمومُ!!

والمحبة بلسم أوجاع الإنسان!!

والخلاصة أن الكراهية خسران، والمحبة قوة وإيمان، ومن أهم أسباب ضعف المجتمعات والأوطان، تواصيها بالكراهية المؤجِجة للنيران، وبهذا تتحول إلى عصف مأكول، ورماد تذروه رياح العدوان.

 

د. صادق السامرائي

.....................

*هذه المقالة منشورة قبل عدة سنوات في مواقع وصحف، وبمناسبة إثارة موضوع الكراهية على صفحات المثقف، ربما يكون من المناسب إعادة نشرها.

كوثر فاتحوأنا أطالع الصفحات الأولى من كتاب عبد الجبار الرفاعي "الدين والكرامة الإنسانية" استوقفتني مطولا عبارة صاغها في الصفحة الرابعة عشرة من الكتاب متحدثا عن: "تدين كئيب يغمر الروح بالأسى"، وكأني به فقع دمامل الغبن والكآبة1. قد لا أبالغ إن قلت إن تلك العبارة لخصت كل ما نعانيه اليوم نحن المسلمون من: تدني شغف ديني، غياب لوعة وجودية، ونضوب سكينة إيمانية: "في زمن قلما تفرح فيه الروح"، كما قال الرفاعي صادقا في الصفحة عينها.

تديننا كئيب وكئيب جدا، واقعنا فقير جدا، على الرغم من أن تراثنا غني جدا. فكيف نفسر عوز تديننا؟ هل هي المادية المتغولة؟ هل هي الفردانية الزاحفة؟ أم هو قصور الفهم الديني؟ أهو عيب دين أم عيب تدين؟

دعونا لا نقفز باتجاه استنتاجات متسرعة قبل ان نسافر في جغرافيا كتابات الرفاعي، وذكريات ماضينا، لنعود لتشخيص واقعنا ثم الأمل في حلول ممكنة. أتذكر هنا ما كتبه الرفاعي عن والدته في كتاب "الدين والظمأ الأنطولوجي "، حيث اعترف بفضل تدين أمه البسيط عليه، وما ألهمه من سكينة إيمانية، (الظمأ الانطولوجي ، ص 47-48)؛ مدافعا عن: "تدين فطري عفوي بريء شفيف"، (ص 48)، ومذكرا إيانا ببساطة التديّن الشعبي وتلقائيته.

أعرج على ما سرده في كتابه الأخير "الدين والكرامة الإنسانية" عن قصة موسى النبي مع الراعي، ثم قصة فخر الدين الرازي مع المرأة العجوز، (الدين والكرامة الإنسانية، ص25-23).

أحيا لدي الرفاعي ذكرى أجدادي، وانتبهت فجأة إلى أن تديني كئيب جدا وجدا. أذكر أن جدي كان من دراويش زاوية الهادي بنعيسى "الزاوية العيساوية". كان له ورد صباح وورد مساء. كان ما إن يفرغ من عمله حتى يهرع للزاوية للقاء الأحبة. كانت له طقوسه قبل وبعد الصلاة. حتى أدعيته كانت متميزة ببساطتها وكثافة معناها. ما إن يقترب موسم "الشيخ الكامل" بمكناس حتى يغادرنا جدي "باسيدي" متخليا عن الأهل والزوج. لا تفارقه سبحته ولا ابتسامته. كان محدثا بليغا ورجلا حكيما بشهادة من عاصروه. والأهم من هذا وذاك كان مرحا، لأن تديّنه كان تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

لا أتذكر انه في إحدى حكاياته لنا أو جلسات سمرنا معه قد حدثنا عن جهنم أو نار أو عقاب. لم يكن جدي مهووسا بجهنم، لأنه كان متيقنا من رحمة الله ومن عوضه الجزيل. لم يحدثنا عن الدين، لأنا كنا نراه في أفعاله. لم يفتش كثيرا في عيوب فهم الدين، لأنه سلم بأن دينه يخاطب روحه. أما عقله الصرف فقاصر عن أن يدرك أفق المعنى الديني. هذه ليست دعوة لتعطيل العقل وإنما اعتراف بحدوده. دون شك ليس في عرفان دراويش الحاضر حل لما نكابده.

جدتي لوالدتي أيضا كانت متدينة مرحة. وأذكر أن أحد أخوالي قد أصابه لفترة ما وباء التطرف الشديد، ومنعها من مشاهدة حفل "سهرة السبت"، الذي تعرضه قناتنا الوطنية الأولى نهاية كل أسبوع، بدعوى حرمة الموسيقى، لكنها انتفضت في وجهه وصرخت: "إن كان الأمر بيني وبين الله فدعني وخالقي، سأخبر الله أني أحب سهرة السبت في التلفاز". لم تشغل جدتي بالها كثيرا بحلال وحرام، كانت تستمتع بتدينها، لأنها آمنت بالله وسلّمت برحمته. هذه ليست دعوة لتحليل أو تحريم، بل قد يكون الحل في الانعتاق من جدلية حلال وحرام هذه التي أنهكت أفهامنا. هي حكايات كثيرة يمتلكها كل واحد منا لأب، أو أم، أو جد، أو عم وخال، كان تديّنه تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

تخبرنا أمي أن جارات وصويحبات الحي كن يقمن حفلة متى وضعت قطة إحداهن، أو عندما يكسر صغارهم أول كأس، حين يحلقون رؤوسهم أول مرة، وعندما يحفظ طفلهم أول حزب من القرآن … كن يغتنمن كل مناسبة للقاء الفرح والمرح. كانت النسوة تلتقي بشغف، كن يمرحن بسبب وبدونه، أما نحن فأغلب حواراتنا إما شكوى مرض أو زوج أو أبناء أو وطن. كانت النسوة متدينات محتشمات دون مبالغة، والأهم كان تديّنهن تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب. نحن النسوة اليوم نتأرجح بين نقاب، حجاب، وتبرج. وبين هذا وذاك ضاع الحياء.

عدت أيضا إلى سنة مضت، عندما قامت بنيتي بأخذ كتاب زميلتها في الفصل سهوا، ووضعته في حقيبتها وحملته معها إلى المنزل، فجاءتني باكية: "أمي هل هذه سرقة؟ هل سأدخل جهنم لأني اخذت كتاب مريم؟".

مهلا بنيتي، فلست أذكر يوما أني قلت لك: "إن جهنم بالمرصاد"، بل طالما رددت على مسامع أبنائي :"رحمة ربي وسعت كل شيء".

لا أذكر أنى أحدث ابنتي ذات السنوات السبع عن جهنم ونارها.كل ما أذكره لأبنائي هو عن رحمة الله ولطفه بعباده. ولا تذكر هي من أغلب فصول حصص التربية الإسلامية إلا العذاب والعقاب. لا أعيب اجتهاد معلمتها، ولكن أعيب أسلوبها في التربية الدينية. نحن في مدارسنا نعاني "حالة المعلم المبشّر"، الذي تجرفه لوعة النصيحة أحيانا، فيغفل عن أن أطفالنا يقلدون أفعالنا، وأن نصائحنا لابد وأن تظهر في أفعالنا نحن الراشدين أولا. وذلك ما يسمى في سيكولوجيا التربية المعاصرة بـ "Congruence " ، أي ان أسمع أفعالك وأشاهد أقوالك فاراها فيك .** هي المطابقة إذن بين القول والفعل. قد نكون نحن اليوم بعيدون جدا عن ذلك .

هو عصاب اجتماعي يتفشى عندما نغرق تربيتنا في خطابات الوعظ والإرشاد والترهيب، ويكون واقع أفعالنا متعارضا كلية مع جميل ما ندعو إليه. لا يعني هذا أن نلغي حضور المقدس في تربيتنا، بل أن نحوله من "مقدس" الى "ممكن بشري"، ونحد من الهوة الشاسعة بين جمال ديننا وكآبة تديننا.

هي المدرسة إذن تثقل عقول الأبناء بخطابات الترهيب. لنتساءل بعد ذلك لم التطرف؟ لم النفور من الدين؟ لم اللاتدين؟

دعونا لا نخوض في الأسباب التاريخية، والاجتماعية، والأنثروبولوجية، والسياسية، لنفصل في علل "خطابات الرعب" حتى لا نوقض حساسيات أيديولوجية تزيغنا عن غرض هذه الاسطر.

كيف نعرف تديّن السكينة؟

قد يكون من باب أولى ان نُعرِّف تديّن السكينة بنقيضه، وهو التديّن الكئيب . يميل الرفاعي لوصف واقعنا بـ: "الرتابة المادية، القلق الوجودي، الفقر الانطولوجي، وإنطفاء المتعة"، (الظمأ الانطولوجي، ص22). هو شغف الوجود وقد خمد، والقبح وقد أغرق العالم. هي الفردانية وانغماسنا المبالغ فيها، وفي العقلانية، وانسحاب العرفان والمحبة من حياتنا. نحن قد حققنا "الكفاية المعيشية "، وأعوزنا "الظمأ الانطولوجي"، وإن كان ظمأنا هذا ظمأ جوع بعد شبع. فما أفقرنا!، (الظمأ الانطولوجي ص 20).

يعزي الرفاعي كل هذا إلى: "ان الصياغة الأيديولوجية للدين تخفض طاقته المقدسة، بعد ان تهتك سحر العالم، وتطفئ شعلة الروح التي يلتمسها الانسان فيه، وتجفف منابع ما يولد روح المعنى في مداراته، فيصاب الكائن البشري بالسأم والإحباط والضجر والغثيان، بعد ان يموت كل شيء من حوله، ويفتقر الى ما يلهمه مزيدا من الطاقة"، (الظمأ الأنطولوجي، ص 21).

هو شح المعنى في رأي الرفاعي، ذاك الذي يفسر ما نعانيه من اغتراب عن ذواتنا. يكتب: "انسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني أخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في الحياة، عالم تزداد فيه كآبة الإنسان ويشتد اغترابه"، (الدين والكرامة الإنسانية ص 8) . نحن إذن بحاجة إلى بناء فهم جديد لتديننا، نحيي معانيه الإيجابية، التي أخمدتها تأويلات تغالي في الترهيب، وشوّهت صورة الله الرحيمة. نحن بحاجة لإعادة تشكيل صورة الله في مخيالنا الديني كما يصر على ذلك الرفاعي، حتى نتحرر من: "علاقة مسكونة بالخوف الى صلة تتوطن مقام المحبة"، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 40) .**

قد يبدو من السهل اسقاط هذه الدعوى عبر اتهامها بانها أيديولوجيا شغف روحي توجه سهامها ضد أيديولوجيا شغف عقلي. دعونا نتحول إلى قراءة أخرى تلتقي كثيرا وتصور الرفاعي، وان كانت تختلف عنها من حيث الأدوات الابستيمولوجية والمقاربة النظرية.

قراءة لا يعنيها المقدس بقدر ما يعنيها الانسان

لنعرج على كتاب Psychothérapie de Dieu العلاج النفسي بالله، للطبيب النفسي الفرنسي المتخصص في علم النفس العصبي Boris Cyrulnik الذي خصه للحديث عن علاقة الانسان بالله، وعن علاقة العلاج النفسي بإيمان الفرد*** . يستحضر هذا الخبير النفساني في كتابه دور الايمان في تعزيز القدرة على "المثابرة La résilience"، أي الصمود في مواجهة المحن وتخطيها. هو مفهوم مركزي عند سيرولنيك، يحيل على القدرة الإنسانية على تحمل الحياة وتجاوز "الاحتضار النفسي"، (سيرولنيك، ص 15). يرى سيريلنيك أن للبعد الإيماني دورا مهما في تعزيز هذه القدرة وتنميتها. إنه يميل الى التأكيد على أن الانسان المعاصر فقير جدا انطولوجيا، وأن حاجته للدين قبلية أساسية؛ منتفضا ضد كل إقصاء للدين في أدبيات العلاج النفسي.

يستعرض سيرولنيك حالات إكلينيكية واكبها، وساعدها الإيمان على تجاوز محنها النفسية ،ثم يعود لذكريات طفولته القاسية التي عرف فيها اليتم والعنف في أبشع صوره، ليقيم تقابلا بين الإيمان واللا-إيمان، على مستوى مواجهة صعاب الحياة. هكذا يخلص إلى مقاربة الدين بوصفه «un tuteur de développement» أي "وصي على التطور" يحيل على عالم ميتافيزيقي توجد فيه قوة مطلقة، (سيرولنيك، ص 293- 48). هي قوة رحيمة تغذي الحاجة للشعور بالأمان . أما ذلك العالم الميتافيزيقي فهو عالم يقي الانسان صحراء اللامعنى، ويعطي لأحلامه وأهدافه معاني وغايات. هو إذن يحمي الانسان من انغلاق عالمه النفسي على ذاته، (ص 51). لذلك يصرح سيرولنيك بضرورة إعادة الصلة بالله، واستثمارها في العلاج النفسي . لكن سيرولنيك يعترف بأن الدين ينقذ البعض، لكنه قد يكون مسؤولا عن مآسي كبرى بسبب تعصب تأويلي، (سيرولنيك ص 38). لهذا يذكرنا بأننا نحتاج الى صورة إله "يشعرنا بالأمن يعزز ثقتنا بأنفسنا و يرشدنا لطريق السعادة"، (ص 63). يحدثنا سيرولنيك في كتابه مرة أخرى عن قيمة الطقوس الجماعية في تعزيز الحس الاجتماعي للفرد واحساسه بالانتماء، (ص 84 و96). ليس الدين في نظره للإيمان فقط ، إنه ايضا للسعادة وللغيرية... هو صلة بين الإنسان والعالم ببعديه المادي والميتافيزيقي. هو مبرر وغاية وجودنا.

بهذا المعنى يتضح لنا كيف تلتقي القراءة الفلسفية للرفاعي مع المقاربة السيكولوجية لسيرولنيك، ولا يبرر هذا التشابه إلا السعي وراء معنى للوجود الإنساني.

يذكرنا الرفاعي بأننا نسينا الإنسان. في حين يذكرنا سيرولنيك بأننا نسينا الله .ويذكرنا تديننا بأننا نسينا الشغف.

أخيرا ،كيف نتحرر من التديّن الكئيب؟

تحمل لنا رباعية مؤلفات الرفاعي عن الدين: "الدين والظمأ الانطولوجي- الدين والاغتراب الميتافيزيقي - الدين والنزعة الإنسانية - الدين والكرامة الإنسانية" تشخيصا لما نعانيه اليوم من أزمة حضارية كأمة إسلامية. نحن في قطيعة مع الإنسان بداخلنا؛ اطفأنا شغف إنسانيته بمادية مفرطة، وعقلانية بخيلة المعنى.

قد يكون الحل في إعادة بناء هويتنا الدينية. لن يتحقق ذلك دون مغامرة تأويلية جديدة لماضينا بشرط المسافة النقدية مع هذا الماضي والجرأة على الاعتراف بالأخطاء التاريخية والنواقص البشرية. ولعلنا أيضا بحاجة الى هيرمينوطيقا إيجابية للدين . يقول الرفاعي: "الدينُ يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في الهدم، ويعود الاختلافُ في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفيةِ تمثلهم له في حياتهم"، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 5 ).

قد يكون الخلاص كذلك في ان نعترف أولا للماضي بوزر الخطأ، ونسمح للحاضر بالحق في الشغف، ونتصالح مع سحر العالم؛ فنتحرر من شطحات العقلانية، وهلوسات الفردانية، وغرور المادية .

أخيرا، قد يكون ترياق التديّن الكئيب هو الظفر بجرعة إنسانية زائدة. وذلك ما يدعو إليه الرفاعي في ما يصطلح عليه بـ: "الإنسانيَّة الإيمانية".

 

د. كوثر فاتح، دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا ، استاذة فلسفة، المغرب.

...............................

1- في الفصل الثالث من كتابه الجديد: الدين و الكرامة الإنسانية، تناول عبدالجبار الرفاعي أشكال التديّن، وتمثلات الدين في حياة الفرد والمجتمع، فأورد ثمانية أشكال للتديّن، وكشف عن ملامح كل واحد منها ومنابعها بالتفصيل ، وأشار في أكثر من مورد إلى التديّن الذي ينتج الكآبة، والتديّن الملهم لسكينة الروح وطمأنينة القلب.

مراجع

-عبد الجبار الرفاعي (2021). الدين والكرامة الإنسانية، مركز دراسات فلسفة الدين - بغداد، دار التنوير - بيروت.

- عبد الجبار الرفاعي (2021). مقدمة في علم الكلام الجديد، مركز دراسات فلسفة الدين - بغداد، دار التنوير - بيروت.

-عبد الجبار الرفاعي (2018) .الدين والظمأ الانطولوجي، مركز دراسات فلسفة الدين - بغداد، دار التنوير - بيروت.

B.Cyrulnik (2019).Psychothérapie de Dieu.Odile Jacob. Paris

* يخص عبد الجبار الرفاعي هذا المبحث بجزء مهم في كتابه "مقدمة في علم الكلام الجديد" حيث يطالب و بإلحاح بضرورة إعادة تشكيل صورة الله والتحرر من صور البطش والترهيب التي اورثتنا إياها مدارس تأويلية بعينها . وقد لا تكتمل مطالب التخلص من هذا التديّن الكئيب دون التخلص أولا من ارث تأويلي، ومن أدوات ابستيمولوجية انتهت صلاحيتها.

** مفهوم نجده حاضرا بقوة عند كارل روجزCarl Rogers في مقاربته المتمركزة على الشخص ضمن السيكولوجيا الإنسانية التي ينتمي اليها، وفي مدارس التربية الإيجابية التي نهلت كثيرا من مقاربته النفسية.

*** هي نقاط تشابه كثيرة بين أطروحة سيرولنيك في هذا الكتاب ومفهومي الظمأ الانطولوجي والاغتراب الميتافيزيقي عند الرفاعي، وقد يكون الانخراط في قراءة مقارنة لهذين المفكرين مغامرة شيقة. وان كان تدخل سيرولنيك هذا قد قوبل بنوع من الاعتراض في الساحة الفكرية الفرنسية المعاصرة المعروفة بتغليبها للكوجيطو ، الا ان هذا التوجه الروحاني في العلاج النفسي حاضر بقوة في المدارس النفسية الانجلوساكسونية خاصة في علم النفس الإيجابي .

 

علي المؤمنالخلاف داخل الحوزات العلمية لم يكن يوماً جغرافياً أو قومياً أو مناطقياً؛ إلّا في مخططات الخصوم والأنظمة ووسائل الإعلام الطائفية، أو لدى المنفعلين وأصحاب المصالح؛ لأنّ الحوزات العلمية في بغداد والنجف وقم والحلة وجبل عامل وكربلاء ومشهد وإصفهان وسامراء والكاظمية والأحساء والبحرين، لا تزال تستخدم المناهج الدراسية والسياقات العامة والأفكار نفسها، إلى حد التطابق غالباً، وتعتمد سبل التعاون والتبادل والتكامل نفسها، منذ 1200 عام وحتى الآن؛ حتى يمكن القول إنّها حوزة علمية واحدة، فيها فروع مناطقية منتشرة في بلدان الكثافة السكانية الشيعية. وقد يتألق فرع على حساب الفروع الأُخر في زمن معين، وقد يأفل ويضعف بعضها مقابل صعود آخر. وهذا التألق والصعود والنمو أو الأُفول والضعف والانكماش يرتبط بظروف خاصة بالفرع الحوزوي حصراً أو بانتقال بعض المراجع والفقهاء من فرع إلى آخر.

أمّا الخلاف الحقيقي داخل الحوزات العلمية، فهو يتصل بالخلاف حول تطبيقات الالتزام بمنهجية عمل الحوزة وسياقاته المتعارفة، وأهمها طريقة طرح بعض علماء الدين أنفسهم كمجتهدين ومراجع خارج السياقات والمعايير المتعارفة، وطرح بعض الأفكار المتعارضة مع مشهور المذهب، أو ممارسة سلوكيات ترتبط بالشأن العام تتعارض مع الخط العام الذي تمثله المرجعيات العليا المتصدّية؛ الأمر الذي يساهم في تمزيق الواقع الشيعي.

وقد يتفاقم هذا التعارض في الأفكار والسياقات والسلوكيات لدى بعض علماء الدين إلى المستوى الذي يحوّلهم إلى خط عرَضي خاص، مقابل الخط المرجعي العام في النجف أو قم. وهو ما حصل ـ مثلاً ـ مع الشيخ محمد الخالصي في الكاظمية خلال عقد الخمسينات وبداية عقد الستينات من القرن الماضي، مقابل مرجعية السيد محسن الحكيم التي تمثل الخط المرجعي العام؛ حتى أخذ خصوم الشيخ الخالصي يتهمونه بالتسنن، وهي تهم فيها كثير من المبالغة. وکان له جماعة خاصة تنسب إليه، عرفت بجماعة الخالصي، وقد ضعف خط الخالصي كثيراً بعد وفاته في العام 1963.

وحصل الأمر نفسه مع السيد محمد الشيرازي (1) في كربلاء منذ بداية عقد الستينات، حين كان شاباً (32 عاماً) وطرح نفسه مجتهداً ثم مرجعاً، خلفاً لوالده المرجع الديني السيد مهدي الشيرازي، خارج السياقات الحوزوية المتعارفة، وتحوّل تدريجياً إلى جماعة خاصة تعرف بجماعة الشيرازي، تقابل مرجعيات الخط العام المتمثلة في السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي. وقد ظلت مرجعية النجف تشكك في اجتهاد السيد محمد الشيرازي، فضلاً عن مرجعيته. وبالتالي؛ مثّلت الجماعة خطاً خاصاً في مقابل الخط العام للمرجعبة في النجف، وفق الأعراف الحوزوبة وسياقاتها.

وهناك علماء دين آخرون يمارسون حالياً نشاطهم الديني في النجف وكربلاء وقم ولبنان ولندن، وبات لهم خطاً خاصاً يتعارض مع الخط العام للمرجعية الدينية والنظام الاجتماعي الديني الشيعي، إلّا أنّ هذه الخطوط لم تتحول بعد إلى جماعات مؤثرة دينياً في الشأن الشيعي العام، وليس لها امتدادات جغرافية ملموسة.

وقد ظلت بعض جماعات الضغط والمصالح في الحوزة العلمية تستغل معادلة الخط العام والخطوط الخاصة، وتحاول أن تعمم مفهوم الخط الخاص أو الجماعة الخاصة على فقهاء آخرين يتميزون بفاعليتهم الفكرية وحراكهم النهضوي الإصلاحي، برغم عدم انطباق معايير الخط الخاص عليهم بتاتاً. ولكن سبب هذا التعميم يعود إلى التعارض بين حراك هؤلاء الفقهاء والمراجع النهضويين، وبين مصالح بعض جماعات الضغط. وربما كان الشيخ فضل الله النوري في إيران والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء من أوائل الفقهاء المعاصرين الذين تعرضوا لهذا اللون من الشبهات. إلّا أنّ الإمام الخميني والسيد محمد باقر الصدر هما أكثر مرجعين معاصرين واجهوا شبهات تكوين خطوط عرَضية خاصة، منذ عصور مرجعيات السيد حسين البروجردي، والسيد محسن الحكيم، والسيد الخوئي.

والحال؛ أنّ ممارسة هذا اللون من الحراك المتمايز عن الحراك المرجعي السائد، هو نوع من أنواع الاجتهاد في تشخيص المصالح والمفاسد؛ لطالما كان هذا المرجع والفقيه قد درس في الحوزة بشكل طبيعي تقليدي، وحصل على درجة الاجتهاد من أحد أساتذته المعترف باجتهادهم وفق العرف الحوزوي، ثم طرح مرجعيته وفق السياقات التقليدية المتعارفة أيضاً. وبعد ذلك لا يضره أن يمارس الحراك العام وفق اجتهاده، في حدود عدم التضارب مع التوجهات العامة للمرجعية العليا، وعدم خلق شقاقٍ في المجتمع الشيعي.

وتتلخص معايير التزام عالم الدين الشيعي بالسياقات الحوزوية المتعارفة والخط المرجعي العام بما يلي:

1ـ التدرج الطبيعي لعالم الدين في الدراسة الحوزوية.

2ـ حصول عالم الدين على درجة الاجتهاد من أُستاذه المعترف باجتهاده حوزوياً، أو شهادة أهل الخبرة (المجتهدون العدول) باجتهاده.

3ـ عدم خروج عالم الدين على الإجماع العقدي والفقهي في القضايا الأساسية.

4ـ عدم خروج عالم الدين على المرجعية العليا في القضايا الأساسية ذات العلاقة بالشأن العام، حتى بعد أن يحصل على الاجتهاد ويطرح نفسه مرجعاً للتقليد وتتوسع مساحات نفوذه الديني.

5ـ إلتزام عالم الدين بالسياقات المتعارفة في مرحلة نشر رسالته الفقهية العملية وإعلان مرجعيته ونشر وكلائه.

وإذا لم يلتزم عالم الدين الشيعي بهذه المعايير الخمسة؛ فذلك يعني أنّه يمثل خطاً خاصاً عرضياً لا ينسجم مع الخط العام للمرجعية والحوزة. ويمكن من خلال تطبيق هذه المعايير على بعض الحالات السابقة والقائمة، معرفة مصاديق الخطوط العرَضية الخاصة.

خلاف المنهجيات المحافظة والإصلاحية والثورية في الحوزة العلمية

الخلاف الاجتماعي أو السياسي أو السلوكي بين الفقهاء والمرجعيات الدينية أمر طبيعي ومتعارف، شأنه شأن أيّ خلاف إنساني، شرط أن لا يتسبب في انشقاق الواقع الشيعي وتشرذمه؛ أي أن يبقى محصوراً في حدود الدوائر الحوزوية ذات العلاقة؛ بل إنّ من أكبر الكوارث أن يتم الاحتكام في الخلافات الحوزوية إلى الشارع المتدين أو جمهور المقلدين والأنصار؛ ليحولها المنفعلون والجهلاء إلى معارك، كما حصل في فترات زمنية سابقة ولاحقة، ومنها الخلافات بين الأخباريين والأُصوليين في كربلاء وإصفهان والنجف طوال قرن وأكثر، والخلافات بين أنصار المشروطة والمشروعة في طهران والنجف في أوائل القرن العشرين، والخلاف بين الخالصيين وأنصار مرجعية النجف في الكاظمية في خمسينات وأوائل ستينات القرن الماضي، والخلافات بين الشيرازيين وأنصار المرجعية النجفية في كربلاء والكويت والبحرين وقم طوال ستة عقود، والخلاف بين أنصار السيد محمد کاظم الشريعتمداري (1906 ـ 1986م) وأنصار الثورة الإسلامية؛ لا سيما في تبريز وقم في أوائل ثمانينات القرن الماضي، ثم بين أنصار الشيخ المنتظري وأنصار المرجعية العامة في قم وإصفهان، أو بين أنصار السيد محمد حسين فضل الله وأنصار بعض مرجعيات النجف وقم في الفترة نفسها، وكذلك الخلاف في النجف وغيرها بين أنصار السيد محمد الصدر وأنصار بعض مرجعيات النجف في تسعينات القرن الماضي، ثم امتدادها إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام البعثي في العام ٢٠٠٣.

هذه الخلافات، الصحية أحياناً؛ كونها تحرك الركود والجمود، كان يمكن أن تمر بشكل طبيعي، ككل الخلافات المتعارفة الأُخر بين الفقهاء والمراجع في المسائل الفقهية وفي تشخيص المصالح والمفاسد؛ فيما لو تمت إدارتها إدارة حكيمة، ولم تستثمرها جماعات الضغط والمصالح الداخلية، كمادة دسمة تعتاش عليها، ولم تنزل إلى الشارع وتتحول إلى فتنة اجتماعية، ولم يسمح للخصوم الخارجيين باستغلالها وتأجيجها بهدف تضعيف الحوزة والمذهب والطائفة.

بيد أنّ الجانب المهم في هذا اللون من الخلافات؛ هو أنّه لا يؤثر في الأبعاد العلمية وأحجام النفوذ الديني للفقهاء والمراجع المعترف باجتهادهم ومرجعياتهم حوزوياً، ولا يكرس توصيف بعضها خطاً عاماً والآخر خطاً خاصاً، كما فصّلنا سابقاً؛ أي أنّها لا تشبه الخلافات بين المرجعيات التي تمثل الخط العام، والخطوط الدينية العرَضية الخاصة التي لا يعترف الرأي العام الحوزوي باجتهاد أصحابها ومرجعياتهم.

وهناك أمثلة قريبة تاريخياً بشأن الخلاف الصحي المتعارف بين المرجعيات في الموضوعات الفقهية والنظرة إلى الشأن العام، ومن أهمها ظاهرة الثنائية بين مرجعية السيد محسن الحكيم الإصلاحية ومرجعية السيد الخوئي المحافظة في خمسينات وستينات ومطلع سبعينات القرن الماضي، والتي استطاع خلالها السيد محمد باقر الصدر إيجاد منهجية ثالثة فاعلة، لكنها لم تكن منظورة حينها؛ إذ ظلت تتمظهر ـ غالباً ـ في الفعاليات والنشاطات المحسوبة على مرجعية السيد الحكيم وجماعة العلماء في النجف الأشرف والحركة الإسلامية المنظمة ومؤسسات منتدى النشر. أي أنّ واقع الاجتماع الديني النجفي أصبح ينقسم في عقد الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي إلى ثلاث منهجيات رئيسة:

1- المنهجية الوسطية الإصلاحية المتمثلة في مرجعية السيد محسن الحكيم، وقاعدتها: ولاية فقيه واسعة في الأُمور الحسبية ورعاية النظام العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأُمّة وإصلاح مقيد في السلطة. ومن الفقهاء المتماهين مع هذه المنهجية في النجف: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، والشيخ مرتضى آل ياسين، والشيخ محمد أمين زين الدين، والشيخ محمد رضا المظفر، والسيد عبد الله الشيرازي، وحالياً السيد علي السيستاني. وتماثلها في قم مرجعيات السيد محمد رضا الكلبايكاني، والسيد محمد كاظم الشريعتمداري، والسيد شهاب الدين المرعشي النجفي. وهي منهجية متأثرة بمدرسة الشيخ الآخوند الخراساني، والشيخ فتح الله الإصفهاني، والشيخ الميرزا النائيني، والسيد أبو الحسن الإصفهاني.

2- المنهجية التقليدية المحافظة المتمثلة في مرجعية السيد أبو القاسم الخوئي، وقاعدتها: ولاية فقيه محدودة في الأُمور الحسبية، وسمتها التطبيقية: إصلاح تقليدي في الأُمّة وانكفاء في موضوعة السلطة، وهي متأثرة بمدرسة السيد محمد كاظم اليزدي والشيخ ضياء الدين العراقي. ومن المتماهين مع هذه المنهجية في النجف: مرجعيتا السيد عبدالهادي الشيرازي، والسيد محمود الشاهرودي، وتماثلهما في قم مرجعيتا الشيخ عبد الكريم الحائري، والسيد حسين البروجردي سابقاً، والشيخ حسين الوحيد الخراساني حالياً.

3- المنهجية التغييرية الثورية المتمثلة في الفقيه الشاب السيد محمد باقر الصدر، وقاعدتها: ولاية فقيه عامة ورعاية مطلقة للشأن العام، وسمتها التطبيقية: إصلاح شامل في الأُمّة وتحوّل جذري في السلطة وانخراط في العمل التغييري الثوري. أمّا في قم فإنّ هذه المنهجية أسسها الإمام الخميني، وأبرز المراجع المتماهين معها هم تلاميذ السيد محمد باقر الصدر والإمام الخميني، ولا سيما السيد محمد الصدر، والسيد محمود الهاشمي، والسيد كاظم الحائري، والشيخ حسين علي المنتظري، والسيد علي الخامنئي، والشيخ جعفر السبحاني، والشيخ محمد الفاضل اللنكراني، والشيخ عبد الله الجوادي الآملي. فضلاً عن مراجع آخرين أحياء تتلمذوا في مدرسة السيد حسين البروجردي؛ لكنهم خالفوا أُستاذهم في وسائل التعامل مع القضايا العامة، وفي مساحات مبدأ ولاية الفقيه؛ فقالوا بولاية الفقيه العامة، وانخرطوا في الحراك الثوري التغييري الذي قاده الإمام الخميني، كالشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والسيد موسى الشبيري الزنجاني، والشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني؛ برغم أنّهم ليسوا من تلاميذ الإمام الخميني.

والملاحظ في النجف في ستينات القرن الماضي، أنّ المنهجيات الفقهية والتطبيقية المتفاوتة الثلاث، والمتمثلة في: السيد محسن الحكيم، والسيد أبو القاسم الخوئي والسيد محمد باقر الصدر، كانت تتبادل الحماية والدعم والتأييد. وحصل الأمر نفسه في أوائل عقد الستينات من القرن الماضي؛ حين مارست مرجعيات قم المحافظة والإصلاحية دور الحماية لمرجعية الإمام الخميني التغييرية الثورية.

وقد يرى بعض المراقبين مفارقة في هذا المجال؛ فكيف يدعم التيار الديني التقليدي المحافظ تياراً إصلاحياً وآخر ثورياً، أو العكس؟! لكن من يعرف قواعد تفكير المرجعية العليا التي تمثل الخط العام، وأساليب حركتها؛ سيدرك بأنّ هذه المرجعية تمارس ـ عادة ـ دور الأُبوة لكل التيارات والوجودات في الوسط الشيعي، وتعمل على حمايتها وعدم التفريط بها، وشدها إليها بهدوء وصبر؛ للحؤول دون انكفائها خارج النظام الاجتماعي الديني الشيعي، سواء كانت المرجعية العامة نفسها ثورية أو إصلاحية أو محافظة (2).

 

د. علي المؤمن

...........................

الإحالات

(1) «الشيرازية» هو الخط الديني الخاص المنسوب إلى آية الله السيد محمد الشيرازي. أمّا مفردة «الشيرازي»، فهو لقب عام، ويطلق على المنتسبين إلى مدينة شيراز الإيرانية، وهي المدينة التي أنجبت فقهاء ومراجع شيعة كبار خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، أبرزهم: الميرزا السيد محمدحسن الشيرازي، والشيخ محمدتقي الشيرازي، والسيد عبدالهادي الشيرازي، والسيد عبدالله الشيرازي. وليس بالضرورة أن يكون الملقبون بالشيرازي من الأُسرة نفسها أو أنّهم أقارب، أو من المدرسة الفقهية نفسها، بل هو مجرد انتساب إلى المدينة شيراز.

(2) علي المؤمن، جدليات الدعوة، ص178 ـ 186.

 

 

 

نبيل عودة(حقا كان تراث ماركس هو السائد في القرن العشرين *ماركس رد على إبلاغه ان حزبا ماركسيا جديدا نشأ في فرنسا بقوله:” أنا ماركس ولكني متأكد أني لست ماركسيا”* مشكلة معظم الماركسيين أنهم لم يطلعوا على التراث العلمي- الفلسفي العظيم بعد ماركس الذي نقض العديد من مقولات ماركس الجوهرية)

هدفي من هذه المراجعات للفكر الماركسي، إثارة التفكير والحوار العقلاني والتوعية العامة خاصة للأجيال الناشئة، وتوجيه وحث الحركات الماركسية الى ضرورة اعاد بناء نهجها الفكري، بناء على التغيرات العاصفة في الواقع السياسي والاقتصادي الذي عصف بعالمنا وقلب الكثير من المفاهيم.

ألاحظ ان بعض من يدعون أنهم ماركسيون، حتى ولو كانوا مستقلين لا ينتمون لتنظيم ماركسي أيا كان نوعه، انتمائهم على الأغلب هو مجرد لغو كلامي، لديهم معرفة ببعض المواضيع بشكل سطحي وبدون تعمق، ربط أنفسهم بتيار الماركسية هو موقف سياسي وانساني وليس وعيا إيديولوجيا. والمضحك ان قادة احزاب شيوعية يثرثرون دون وعي للمقولات الماركسية التي تجاوزها عصرنا ولم تقم الحركات الشيوعية بتطويرها.

لا بد من الإشارة إلى مسألة هامة جدا وهي ان معظم الماركسيين في شرقنا العربي لم يطلعوا على التراث العلمي الفلسفي العظيم الذي نشا بعد ماركس. وأكاد أقول انه حتى اطلاعهم على تراث ماركس سطحي للغاية. وماركسيتهم اشبه بترديد ببغاوي، هذا لا يقلل من أهمية ماركس الفلسفية… لكن ماركس ليس نهاية الفلسفة ولا خاتم الفلاسفة. وبعض الأصوليين الماركسيين يصرون ان فلسفة ماركس هي فلسفة علمية. واكاد اكون على ثقة انهم يجهلون معني العلم وآفاقه.

لم يخلق الفلاسفة كأنبياء. المستهجن ان بعض من بقايا اليسار الماركسي يطرحون مواقف كانت تصلح لبداية القرن العشرين، مثلا شيوعي أردني اسمه فؤاد ألنمري، احترم اصراره وتمسكه بالأيديولوجيا ولا اراه مصيبا، يكتب حلقات عن ماركس والاتحاد السوفييتي تحت عنوان: ”ليس للماركسية ما قبلها أو ما بعدها” ويجعل من ستالين نبي الماركسية. ويضيف مثل رجل الكهنوت: “لا يجوز لأي أحد أن يتحدث عما قبل الماركسية أو ما بعدها إلا بعد أن يحيط بأدق مبادئ وقوانين علوم الماركسية ” أي ان الماركسية كانت خاتمة العلوم أيضا ولا اعرف مدى فهمه للعلوم وتطورها عبر النقد والنقض؟ رغم ذلك يعجبني بإيمانه المطلق وتمسكه بالحلم الانساني للشيوعية كما طرحته الماركسية.

النمري مناضلا يستحق التقدير والتبجيل، لكنه باقتحامه الفلسفة ضمن رؤية دينية للماركسية، ضرره أضعاف ما يفيد الفكر الماركسي. فهو ينفي كل الفلسفة الإنسانية قبل ماركس وكل الفلسفة التي تطورت بعد ماركس، هكذا ثقفونا ايضا بالجامعة الشيوعية في موسكو، انا شخصيا بمساعدة استاذ الاقتصاد السياسي في وقته تحررت من الايمان المطلق بالماركسية وارى بالماركسية حتى اليوم احدى قمم الفكر في التاريخ الانساني. حقا بعض المقولات لم تعد تتلاءم مع الواقع المتغير. النمري متمسك بحلم عظيم طرحته الفلسفة الماركسية لبناء المجتمع الانساني العادل، لكنه بقي حلما لم ينفذ. بقيت اصطلاحات أولية معظمها عفا عنه الدهر، وحدث معي مرة في محاضرة ألقاها زعيم شيوعي محلي  في إسرائي، فقال ان حزبه “ماركسي لينيني يؤمن بالصراع الطبقي ألتناحري وانتصار البروليتاريا”. فحبست ضحكتي شاعرا بالأسف على ما وصله الماركسيون في الشرق.

لا مكان لأن اوضح له ان كل مفهوم الصراع الطبقي التناحري تلاشى من المجتمعات الإنسانية مثل فقاقيع الصابون، وان البروليتاريا ظاهرة أوروبية لم تنشا خارج اوروبا واليوم لم تعد قائمة اطلاقا. ولا بد من توضيح لأصل اصطلاح “البروليتاريا”، اول من استعمل هذا الاصطلاح اقتصادي بريطاني واصفا فئة العمال المسحوقين، وهم بالأصل فلاحون ورعاة صودرت اراضيهم وخربت مزارعهم ومراعيهم في بداية النهضة الرأسمالية في أوروبا، تحولوا الى عمال غير مهنيين في الصناعات الرأسمالية، والتعبير (بروليتاريا) ميزهم عن العمال المهنيين، أي الفئة الطبقية الأرقى ماديا واجتماعيا. وتاريخيا أُقتبس الاصطلاح من الامبرطورية الرومانية التي وصفت غير القادرين على دفع الضرائب بالبروليتاريا.

أحزاب بدون فكر وتثقيف أيديولوجي لكوادرها، بجهل للفلسفة التي يدعون تمثيلها، ثرثرة جهل كامل لأوليات الفكر الماركسي والفكر الفلسفي عبر التاريخ وما بعد ماركس، الى جانب ضحالتهم الثقافية العامة، وتمسكهم بأوهام تنسب للماركسية، كذلك رؤية مشوهة وسطحية للتجربة السوفييتية، التي انتهت بالتفكك. هذا هو واقع اليسار الماركسي العربي كله، وواقع الشيوعية في العالم كله. لا اتهم ماركس، بل من يدعون انهم ماركسيون، وقد أجابهم ماركس في حينه، انه ليس ماركسيا .. اذا كانوا هم ماركسيون!!

طبعا أختلف مع بعض أفكار ومفاهيم ماركس بالذات التي أرى انها فقدت قيمتها مع مرور الزمن ومع تغير وتبدل الظروف والشروط التاريخية. وهو أمر طبيعي، العلوم أيضا ترقى وتنفي ما سبقها من مفاهيم. وتطور الجديد وإلا أصبحت العلوم أكثر تخلفا من داعش!!

فلماذا يجعلون من ماركس شبه اله جديد؟.

الا يعلمون انها اهانة لماركس في نظرتهم الدينية لفلسفته وهو الذي طرح التطور الدائم والتغير في فلسفته المادية الجدلية وقوانينها وفرضياتها؟

ان "الطريقة العلمية" هي اسم شامل لتقنيات تستعمل لبحث الظواهر، وتجميع المعلومات الجديدة، او إصلاح ودمج لمعرفة سابقة. هذه التقنيات تفتح الطريق أمام الحسم بين أفكار ومفاهيم مختلفة بطريقة علمية لها آليتها ومختبراتها وطرقها وبنك المعلومات الهائل وليس مجرد تغريدة طارئة نصها أبسط من إعداد فنجان قهوة!!

ان الطريقة العلمية عبرت تطورا واسعا خلال التاريخ وجزء من القفزات الكبيرة في العلوم تعتبر نقاط انطلاق بتغيير الأـسلوب العلمي، لأن تطور العلوم لا يتوقف.

من نفس المنطلق الأمر الطبيعي تماما أن تفقد بعض أفكار ماركس قيمتها وان تأتي مكانها نظريات جديدة ليست ضد الماركسية بل استمرارا للفكر الفلسفي وتطويره، كل شيء يتجمد يفقد قيمته ويموت… ان الأفكار والمفاهيم جميعها من دون استثناء هي دائماً بنت تاريخها، وكل جيل يضيف تطورات تطابق عصره. مشكلة معظم الماركسيين أنهم لم يطلعوا على التراث العلمي- الفلسفي العظيم بعد ماركس ، فهم لا يقرؤون إلا دينهم!!

الأستاذ في جامعة لندن ماكسيميليان روبل قال: “أن تاريخ القرن العشرين هو تراث ماركس”. طبعا ليس تراث ستالين، ولا تراث ماو .. تراثهم لم يكن ماركسيا!!

كتّاب كثيرون من الغرب والشرق كتبوا عن ماركس بحرية، بدون ضغوطات أيديولوجية، كتبوا عن ماركس الإنسان، الفيلسوف، الاقتصادي وعن ماركس الثوري.

عندما ابلغ رفاق ماركس، ماركس، ان حزبا ماركسيا جديدا نشا في فرنسا، رد عليهم :” الذي انا متأكد منه هو أني ماركس ولكني لست ماركسيا”

معنى كلامه ان الأحزاب التصقت عنوة بفكر ماركس دون استيعاب مدلولات الماركسية الإنسانية. ماركس كان إنسانا قبل ان يكون منظرا وفيلسوفا وقائدا فكريا وسياسيا. فهل يتحمل ماركس جرائم ستالين ضد الشعوب السوفييتية بقتله ملايين ليفرض عليهم نهجه وسلطته ومشروعة المدمر لإنشاء ما يسمى “شعبا سوفييتيا” من مجمل عشرات القوميات التي كانت في الاتحاد السوفييتي؟

هل هو مذنب بنهج الأحزاب الشيوعية التي تتمسك بقشور لا علاقة لها بإنسانية ماركس وفكره؟ هل تأليه ماركس يتطابق مع فكر وفلسفة ماركس؟ الم يتأثر ماركس كغيره من الفلاسفة والعباقرة بما أنجزته الإنسانية خلال كل تاريخها من فلسفة وعلوم ورقي حضاري؟

أن أزمة اليسار (خاصة اليسار الماركسي) في بلداننا وفي العالم، تتمثل في تراجعه المتواصل وتهميش دوره ووزنه. هناك أسباب عديدة وعلى رأسها الخلل البنيوي الذي رافق التجربة الاشتراكية منذ البداية وجعلها تفشل في تحقيق ما ادعى قادتها أنهم يستلهمون فيها مشروع ماركس لتغيير العالم باسم الاشتراكية فلم تتحقق العدالة الاجتماعية أو المساواة أو الحرية والكرامة للمواطنين، ولم يجر تطوير دولة اشتراكية، بل ظلت الدولة هي نفسها الدولة الرأسمالية. وهو موضوع هام سأعود إليه قريبا. طبعا هناك أسباب تتعلق بفساد واسع النطاق، وبطرق “إدارة حزبية” للاقتصاد بدل إدارة مهنية علمية.

نحن اليوم في مجتمعات تختلف عن أواسط القرن العشرين، الثقافة والتعليم والوعي الفكري أصبح مميزا للأكثرية المطلقة من المواطنين، لم يعد القائد السياسي أبرز المثقفين في مجتمعه، كما كان الحال سابقا، لذا ما يدعيه بعض الماركسيين بأنهم يمتلكون شرعية النطق باسم ماركس (مضافا إليه اسم لينين عنوة) والدفاع عن أفكاره واتهام مفكرين ماركسيين بالتحريفية أو الخيانة، صار ذلك من مخلفات الماضي.

رؤيتي ليست جديدة، بانه سقطت نهائيا المفاهيم القديمة بان الأحزاب هي التعبير عن مصالح طبقية!!

 

نبيل عودة

 

 

آخر مقال للدكتور عبد الجبار الرفاعي يسلط الضوء على ظاهرة خطيرة ومقلقة ترتبط براهنية المجتمع العربي والإسلامي على وجه الخصوص بشتى فضاءاته، كما أن الأفكار المتسلسلة في المقال تؤشر لإشكاليات مهمة ترتبط بحاضر العلوم الإنسانية والإجتماعية في واقع الحقول الأكاديمية والآفاق المعرفية وواقعيتها وأزمة المناهج التربوية والتعليمية وما هنالك من قضايا تعكس مشكلات تنمية الإنسان والمجتمع في الجغرافية العربية والاسلامية، في هذه السطور سنحاول قراءة المقال بشكل معمق عبر نقاط متعددة تفتح أفاقا أخرى أمام القارئ وتساعد في توسعة النقاش بما يتناسب وحاجتنا للمحبة والتسامح والمحبة والتعارف والتعايش وما هنالك من رافعات التمدن والنهضة والإصلاح والتجديد في فضاءاتنا السوسيوثقافية المريضة من البيت والمدرسة إلى الإدارة والإعلام والجامعة وحتى بيوت الله لم تسلم من معطلات السلام النفسي والاجتماعي العام:

1) بحث الكراهية كظاهرة نفس- اجتماعية أو كإنحراف أخلاقي على ضوء المقاربات الدينية يحتاج إلى ضبط منهجي لأن النظريات النفسانية والسوسيولوجية مهما بلغت من الدقة تبقى نسبية لعيناتها، وبالنسبة للتأصيلات الدينية هناك ضرورة لمعرفة الأوجه الأصولية والفقهية والتاريخية والكلامية كإحاطة معرفية تسعفنا في بلورة تصور أمثل نوعا ما، كل ذلك للوصول إلى صياغة التقرير العلمي القادر على رفد وعي الإشكالات والمشكلات المرتبطة بالكراهية كمفهوم متشابك وجدلي لتحديد المدخل السليم في التعامل ثقافيا ومجتمعيا..

2) هناك دراسة مهمة لصديقي الدكتور نادر كاظم من جامعة البحرين حول لماذا نكره؟ صدرت ككتاب قبل سنوات وهي تتقاطع في كثير من مطارحات المفكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، خصوصا في مدى ارتباط الكراهية كظاهرة اجتماعية بحالة الجنوح الغالبة بخصوص وعي ماهية الحريات وغلبة نزعة السيطرة الثقافية وتسقيط كل آفاق تشكل التمدن..

3) ضمن فلسفة الأخلاق المعاصرة وعلاقتها بالعلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة تبدو الكراهية كرد فعل اجتماعي لأن الأخلاق المادية فرضت أنماطا سلوكية تستمد صحتها من حركة الأفكار والثقافة الغالبة في سوق الحياة، هذا ما يدفع الكثيرين لتبرير الكراهية كحق وممانعة ضد مهددات سوسيولوجية...

4) الكراهية دينيا مرفوضة غالبا بل تماما لكن بحسب تعبير الدكتور الرفاعي المحبة معلنة لكن الكراهية مكبوتة لا تعلن ولا تكتشف إلا بآثارها، وكما عبر بأن الأضداد طبيعية في الحياة وبها تتجدد وتتطور الحياة الإنسانية، تكون الكراهية دينيا مرفوضة ليس كأثر فقط بل كفكرة وكثقافة وكأيديولوجية وهذا المبحث استراتيجي في تحرير الفهم الديني من نزعة السيطرة بالكراهية حيث أصل الدين وآفاقه وأهدافه ومقاصده وأسسه هو " لا إكراه" وهذا مكمن وعي الحرية الإنسانية..

5) دينيا وفق الرؤية القرآنية الكراهية ذات ارتباط وثيق بمشروع الشيطان في افساد الوعي الايماني والتوازن الاخلاقي والسلام الإنساني والتمدن السلوكي على ضوء القلب السليم من النزعات الفاسدة، على هذا الأساس ضمن نطاق فلسفة الدين هناك حاجة ثقافية ملحة لدراسة ماهية مفهوم الشيطان قرآنيا ضمن الوجه المعرفي الكلامي الجديد وتأسيسا لتفكيك معادلة الكراهية في أبعادها النفسية والاجتماعية بما يتواءم مع بناء تصورات تغييرية واقعية وذات مرجعية معرفية قرآنية معمقة ..

6) فلسفيا هناك اشتغال معرفي بهذا الشأن وقد حاول العديد من الفلاسفة في الغرب سبر أغوار الكراهية نفسانيا واجتماعيا لكن القاعدة كانت ضمن المركزية الغربية، ولعل مبادرة الدكتور الرفاعي في مناقشة الكراهية كحاجة أو كظاهرة، بدل التركيز في لماذا الكراهية ؟ الدكتور سبق وأن ناقش الحب والمحبة والسلام والتسامح، وكما يعبر أهل الصلاح الحقيقة المرة خير ألف مرة من الوهم المريح، لذا ضروري بحث الكراهية من قبيل دراسة الدكتور كاظم التي ذكرتها في أعلى المقال، لأن مقصد بحث فلسفة الكراهية وماهياتها وآثارها ليس للتبرير وإنما لبناء السلام فكرا وثقافة ونفسيا ومجتمعيا وتاريخيا كتمهيد لبلورة علمية من شأنها صناعة التمدن السليم وليس المغشوش..

7) نقطة جوهرية مهمة جدا ترتبط بموقعية العدالة في فهم الكراهية كحاجة وهذا إشكال فلسفي وديني بإمتياز، لا يمكننا أن نحكم على الكراهية حكما أبديا ونهائيا، ما يدفعنا لمراجعة دقيقة لفهمنا العام للأخلاق والدين كرافعة في مشوار التجديد والتغيير المنشودين، ما يضيف لإشكال المقال قوة وإثارة فلسفية هو هل الحاجة ضرورة مؤقتة أو دائمة، استثنائية أم عامة ؟؟

8) الطبيعة الإنسانية سبر أغوارها يحتاج إلى منظومة منهجية متناسقة، وهذه المنظومة ترتبط ارتباطا وثيقا بجدلية الوحي والعقل، وإشكاليات التعارض والتماهي ومعضلات علم الكلام القديم والجديد، بحث الكراهية كظاهرة إنسانية هل ذاتية أم تربوية اجتماعية، وهل هي مبحث أخلاقي أو هوياتي، هناك جدليات واقعية صاخبة تزيد الموضوع أهمية علمية وضرورة اجتماعية إستراتيجية، مما ينهض بواقع الدين والعلم كمنظومة أساسية في علاج مشكلات الثقافة الاجتماعية للأفراد والمجتمعات..

9) من خلال بحث الكراهية ضمن مبحث الأخلاق القرآنية، هناك معامل حيوي في بناء نظرية تربوية خلاقة للكرامة الإنسانية الواقعية وليس النظرية فقط، وهذا بدوره يحيلنا إلى مباحث هامة ضمن حقل تصحيح الثقافة الإسلامية وماهية التنمية القيّمية في حركة النبي (ص) والانبياء عليهم السلام على ضوء آيات القرآن الكريم وإشكاليات حقوق الإنسان إسلاميا ومشكلاتها في الزمن المعاصر، دون التغافل عن واقع التحوّر النفسي والاجتماعي في ظل التدين المغشوش..

10) الحاجة للكراهية قد تكون مصيرية عندما تبحث كموضوع وليس كذات، أي المقصد هو الخير الصادق وذلك متوقف على نفس الباحث وثقافته وتمثله للثقافة، وبالتالي الدكتور عبد الجبار الرفاعي رفع الله شأنه وزاده من فضله، ألقى بجمرة الكراهية لأولي الألباب والقابض على دينه كالقابض على الجمر..

أمتع ما يجذبك في الكاتب والمفكر المخلص لإنسانيتك، أنه يحاورك بصدق ويشخص الموضوع بمقاييس الطب المتطورة ويفتح أمامك الباب واسعا مضيّفا إياك لتفكر معه والحال تعالوا إلى كلمة سواء، والكلمة السواء لا تترسخ إلا بعد تحصيل حاصل المحبة والسلام واللقاء والإحترام والتعايش والتسامح، حيث تتضاءل نسب استثمار الكراهية، وهذا ديدن الدكتور المجدد عبد الجبار الرفاعي في جل إسهاماته الفكرية النقدية، حيث بناء الوعي الثقافي لا يتحقق بمداهنة الزيف والكبت والنفاق والغش لأن التمدن يؤسّس على الثقة كعقد أخلاقي اجتماعي، رسالة مقال المجدد الدكتور الرفاعي هي مدخل صدق من أجل مخرج عدل ومحبة وسلام...شكرا أستاذنا المبجل الدكتور عبد الجبار الرفاعي ونأمل أن يتسع الموضوع عبر بحث أبعاده وتحدياته الراهنة كأساس لصناعة وعي متجدد بإشكاليات ومشكلات ومخاطر الثقافة العلمية والتدين المغشوشة على الأمة وأجيالها الصاعدة...

 

غريبي مراد- باحث في الفكر

........................

للاطلاع

عبد الجبار الرفاعي: هل هناك حاجة للكراهية؟!

 

 

حميد بن خيبشتشهد سواحل العالم اليوم تدخلا بشريا بالغ الأنانية في نظامها الدقيق، بفعل العودة الملحمية التي يُدشنها إنسان العصر الحديث باتجاه البحر. فالاقتراب الذي بدا للبعض نوعا من المصالحة مع تاريخنا المائي، ومع ذاكرة الساحل التي تحفظ السجل الأقدم للإنسان العاقل، لم يكن اقترابا ذهنيا وثقافيا بقدر ما كان عودة ترفيهية واقتصادية، تكتسي يوما بعد آخر بُعدا تدميريا للمخلوقات الساحلية.

أصبح العيش على الساحل مليئا بالتحديات، وبحاجة لفهم متجدد لمختلف طرق العيش التي مارسها أسلافنا طوال مالا يقل عن مائتي ألف سنة، بدءا بالصيادين والبحارة القدامى، وصولا إلى المعماريين الهولنديين للأراضي المستصلحة.

بالغت الحضارة الغربية في ارتباطها بالأرض حتى بات من الصعب الانتباه للإنجازات المائية التي تشكل جزءا هاما من التاريخ الإنساني. فرغم أن البشرية كانت على امتداد التاريخ شبه بحرية، تحيا بجوار الأطراف والمجاري المائية إلا أن التنقيب والبحوث الأثرية تمسكت لفترة طويلة بالمنظور البري، كأن هويتنا تبدأ وتنتهي على اليابسة! فصار البحر بفعل التقاليد الإغريقية والرومانية بيئة غريبة وعدوانية، في مقابل " غايا" أقدم آلهة الإغريق التي تجسد الأرض الأم. واكتسبت قصة عدن أساسا أسطوريا للمجتمع الزراعي، لتصبح الأرض محور جغرافية الكتاب المقدس، في مقابل التهديد الأبدي الذي تعلنه المسطحات المائية منذ طوفان نوح. ورغم أن شعوبا عديدة تبدي عبر الأساطير ارتياحها للساحل، وترى في اليابسة تربة خصبة جلبتها الآلهة من قاع البحر، إلا أن الكتاب المقدس ظل حتى أواخر القرن الثامن عشر نصا أساسيا للتاريخ والجغرافيا، يفرض حتى على الصيادين الرحل قصص الفقد والاسترداد المأساوية لجنة عدن. فكان من البديهي أن ينشغل الجغرافيون عن سبعة أعشار سطح الكوكب المغطى بالمياه، ويتأخر بالتالي ظهور علم المحيطات.

لم تلتحق فكرة الساحل كموطن للتجمعات البشرية القديمة بدوائر علم الإنسان إلا في منتصف القرن الماضي، حين تبنى الجغرافي بيركلي ساور سنة 1962 نظرية أن الساحل لم يكن آخِر الاختيارات البشرية وإنما نقطة البداية للمجتمع الزراعي، وأن القفزة العظيمة التي حققتها البشرية عبر الزراعة لم تكن مفاجئة، بل شكلت امتدادا للمهارات التقنية التي تعلمها الإنسان العاقل على أطراف الماء. وكشفت العديد من المواقع الأثرية صحة ما ذهب إليه ساور، حيث يتقدم موقع مونت فيردي في تشيلي عن أقدم موقع استقرار بشري على الأرض بما لا يقل عن ألف سنة. وتشير أدلة استهلاك المحار والأعشاب البحرية التي عثر عليها في هذه المستوطنة إلى أن السواحل أصبحت قبل عشرة آلاف سنة بيئات انتقالية، تتداخل فيها اليابسة بالماء وصيد السمك بالأنشطة الزراعية. أما لماذا بقي تاريخ الساحل خفيا حتى وقتنا هذا، فالأمر يرجع بالأساس إلى تذبذبات مستويات البحر التي ترتب عنها خلال المئة وخمسين ألف سنة الأخيرة مسح متكرر لسجل الاستيطان البشري على الساحل. ولم نتمكن من استكشافه إلا بمساعدة التكنولوجيا الحديثة لعلم الآثار المائي.

اتسمت المجتمعات الساحلية القديمة، أو جنس الحافة البشري كما يسميه جون.آر.غيليس، بنمط حياة مرتبط بالتنقل، وبدرجة أعلى من الصحة البدنية مع نسبة تكاثر منخفضة، بالإضافة إلى القدرة على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وتوظيف التضاريس المائية في الطقوس والشعائر التعبدية، مما يفيد وجود تطور ثقافي. يقدم الموقع الأثري لسفح سكارا أقوى دليل على مساهمة الساحل في التطور الإنساني، فهذه القرية المحمية التي تعود إلى  العصر الحجري تزودنا بلمحة دالة عن مجتمع أطلنطي مكتمل التطور منذ خمسة آلاف سنة: منازل معدة بالأثاث الحجري، وأحواض لتنعيم الأصداف المستخدمة كطُعم للسمك ، وقنوات صرف صحي، إضافة إلى منحوتات تشير إلى نشاط رمزي أقرب إلى الكتابة، وغرف مقابر تحيل على جهود مبذولة للتواصل مع عالم الأرواح. إن أسلافنا، يقول غيليس، ليسوا هم المزارعون، بل هؤلاء الذين خلفوا بصمة خضراء على طول المجاري المائية.

تطورت حضارات الساحل ببطء وهدوء، ولم تُخَلف وراءها سوى القليل من السجلات والنصب التذكارية، لتظل بذلك الحلقة المفقودة في دراسة العالم رغم استمراريتها المثيرة لخمسة عشر ألف سنة. وتوقفت العلاقات والأنشطة الاجتماعية والاقتصادية عند الشاطئ دون أن تمتد للعمق، فلم يظهر شعب بحارة حقيقي إلا منذ ستة آلاف سنة جنوب الصين، حيث أبحرت بضعة زوارق ذات مجاذيف باتجاه الغرب ليتم العثور على جزيرة مدغشقر، ثم يواصل هؤلاء إبحارهم البطولي لأول مرة إلى شرق إفريقيا محملين بالموز والسكر وجوز الهند.

شكلت الشعوب الساحلية ممارساتها الثقافية والاجتماعية عن طريق التجول على طول الساحل أو التنقل بين الجزر القريبة. أما التفكير في التوغل داخل البحر فظل مشوبا بكثير من الحذر والخوف، بل واكتسبت مخلوقاته بُعدا أسطوريا كالحوريات وخِراف البحر.

بدأت مرحلة قطع المحيطات نهاية القرن الخامس عشر حيث كانت معظم الأنشطة البحرية قبل ذلك تعتمد الإبحار عن طريق الالتفاف. ومما شجعهم على المغادرة بعيدا عن الساحل اعتقادهم الخاطئ بأن البحر ممتلئ بالجزر التي توفر تنقلا آمنا.

ظلت أوربا أكثر خوفا من البحر، واحتفظت بالطابع الساحلي للصيد و الأنشطة التجارية حتى أواخر القرون الوسطى، لكن تشكلت لاحقا نزعة الخلط بين الصيد والزراعة في بعض السواحل التي تقدم بيئة متكاملة الموارد، وبدرجة أعلى من الحرية واستكشاف الفرص، فتزايد الاهتمام بالتوجه نحو البحر سعيا خلف جزر ومؤن جديدة من السمك والقشريات لسد الطلب المتزايد. وبحلول أواخر العصور الوسطى تركز مزيد من الفقراء على طول السواحل بفعل النمو السكاني المتزايد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر ليبدأ أول نموذج اقتصادي بحري بالتشكل، يتبنى فيه الفقراء الصيد البحري التجاري كعمل تفرغي.

أصبحت الامبراطوريات الأوربية في بداية العصر الحديث متمركزة بحريا أكثر منها على الأرض. وركزت الاستكشافات الأولية على مصبات الأنهار وضفافها الصالحة للملاحة، كما تتبعت الجزر المقابلة للسواحل لإدارة تجارة صامتة من على سطح السفن. وبرع الهولنديون في توظيف الخبرة الساحلية باستخدامهم الجزر شرقا وغربا، من فورموزا اليابان وسريلانكا وجافا، وصولا إلى سواحل الأمريكيتين لتبادل السلع وإنتاج السكر، وتجارة الرقيق.

تغلب الأوربيون على رعب المحيط بتخطيط وتسمية البحار القريبة من السواحل. وبسبب الازدحام الساحلي خلال القرن الثامن عشر ارتفعت نسب التسمية، وإن كان بعضها لا يخلو من طرافة لارتباطه بحوادث غرق أو إضفاء سمات بشرية عليه.

لم تكن عملية استيطان الساحل مجرد تأهيل للمكان، بل أيضا وضعه على الخرائط وهندسة سماته لتناسب الصناعة الحديثة. فباسم حماية الساحل تم بناء السدود والأرصفة المائية، وجرف الرمال ومصبات الأنهار والأراضي الرطبة، ضمن أسوأ مخطط لتدمير النظام الساحلي.

إن العداء القديم بين المدينة والساحل تحول لاحقا إلى صلح مرعب في عصرنا الحالي لكونه مصدرا للثراء الاقتصادي. وجرت إعادة اكتشاف العالم المائي لغايات سياسية واقتصادية، خاصة بعد أن خسرت الامبراطوريات الأوربية مستعمراتها الخارجية !

أنتج الاكتشاف المتجدد للبحر مطلع القرن التاسع عشر معرفة متزايدة بالبحر كمخلوق حي ثلاثي الأبعاد. كانت المحيطات قديما تُعد غريبة، و الإبحار عبرها ضرورة لا تخلو من شر. إنها أشبه بالصحراء، يجمعهما الفراغ المخيف. أما اليوم فقد مُنحت ثقافة وقوة جمالية عليا، وأصبحت ملجأ أمام بوادر التلوث في المناطق الصناعية.

انجذب العلم بدوره إلى البحر باحثا في أعماقه عن حلول للألغاز التي تعب في ترويضها على اليابسة، فكان الميلاد المتأخر لعلم المحيطات والسعي لاستكشاف طبيعتها. واكتسب الساحل أيضا ميزة علاجية بعد أن اتخذت الطبقة الإنجليزية الراقية من الشواطئ الرملية منذ مطلع القرن الثامن عشر فضاء للعلاج النفسي والجسدي. في المقابل استدعى هذا التحول إزالة سكان الساحل، خاصة صيادي السمك وجامعي النباتات، ضمن ما يسميه جين إيرباين بالاحتلال الجمالي للساحل عن طريق إيديولوجية قضاء الإجازة.

تمدد مفهوم الساحل اليوم بفعل الرمزية التي اكتسبها كفضاء للأحلام و الكوابيس معا! حيث اجتهدت السينما في تحويله إلى بيئة تهديد وخوف، وأضفت على مخلوقاته البحرية سمة الوحوش المتربصة برواده. لقد عاد الناس من المدينة إلى الساحل، لكن بأسلوب عنيف وخطِر، إذ أن التدفق باتجاه البحر في ظل ما يشهده العالم من تغيرات مناخية يُنذر بمستقبل عصي على التنبؤ، إن لم تبادر البشرية إلى اعتماد نموذج ثقافي جديد، ينبني على هدنة بين الأرض والماء، وتفهم للنظام الحيوي الذي يكتنف عيشنا على هذا الكوكب المائي ! 

 

  حميد بن خيبش

 

عبد الجبار الرفاعيطبيعةُ الإنسان ووقائعُ الحياة والعلاقات الاجتماعية تخبرنا أن الكائنَ البشري مثلما يحتاج المحبّةَ يحتاج الكراهيةَ أيضًا، أظنُّ يحتاجُ الكراهيةَ أحيانًا أكثر من المحبّة، وهو ما نراه ماثلًا في حياتنا، حُبُّ الإنسان وإسعاده ورعايته يتطلب من الإنسان تربيةً لنفسه، وارتياضًا مرهقًا، لأنه لا يستجيب بسهولة لذلك. النفسُ تميل للتشفي والارتياح حين يتألم الناس، وتتلذذ بصمت حين تتفرج على تعاستهم ومتاعبهم.

تتألم لألم الناس الشخصية الفاضلة، الفضيلةُ تعكس ارتقاء أخلاقية الإنسان وتساميها، ومقدرته على إخماد الرغبات المؤذية له واطفاء نوازع التشفي بأوجاع غيره من الناس. يقول الإمام علي بن أبي طالب "ع": "اكره نفسَك على الفضائل، فإن الرذائلَ أنت مطبوعٌ عليها"، "الارتقاءُ إلى الفضائل صعبٌ منج، والانحطاطُ إلى الرذائل سهلٌ".

بعضُ البشر يفرضون على غيرِهم كراهيتَهم، أحيانًا لا يحتمي الإنسانُ من نزعةِ الانتقام العنيفة لديهم إلا بالهروبِ والاختباءِ بعيدًا عنهم. لو حاول أن يتسامح لن يجدي تسامحُه معهم نفعًا، لو حاول الصمتَ لن يصمتوا، لو حاول الإحسانَ لن يكفّوا. هؤلاء كأنهم شرطةٌ متخصّصةٌ في تفتيش المعتقدات والأفكار والكلمات والنوايا، يستبدّ بهم شعورٌ زائفٌ يوهمهم بأن لهم الحقَّ بملاحقة كلِّ الناس ومحاسبتهم وعقابهم، يرون أنهم أوصياءُ على الكلّ، من دون أن يحقَّ لأحدٍ محاسبتُهم وردعُهم، بعضُهم يشعر أن لديه تفويضٌ إلهي بالوصايةِ على الناس، والتدخل في حياتهم الخاصة، وفرضِ قناعاته عليهم.

يتورطُ الإنسانُ أحيانًا بعلاقات خطأ بمصابين بأمراض نفسية أو أخلاقية، وربما يجتمع لديهم النوعان من الأمراض، يفرضون عليه وصايتهم، وهذه الحالة هي الأقسى والأعنف. أكثرُ هؤلاء لا ينفعُ معهم الصدقُ والوفاء والكرمُ والعطاء. يتضاعفُ ويتسعُ حضورُ هؤلاء في المجتمع باتساعِ وتفشي: الجهل، والفقر، والمرض، وشيوع أساليب التربية والتعليم القمعية، والحروب العبثية، والنفاق، والتدين الشكلي، وانهيار منظومات القيم والأخلاق.

أحيانًا يشعر الإنسانُ بحاجته لكراهية بعض البشر ممن يتخذون مواقف عدائية ضدَّه، من دون سبب يدعوهم لذلك. الشعورُ بالكراهية موجع، إنها كالعلقم الذي لا يتجرعه الإنسانُ بسهولة، ولا يستطيع كتمانَها إلا بمكابدات قاسية. وربما يشعر بحاجته الشديدة للانتقام. ارتدادات الانتقام على مَنْ ينتقم أقسى ممن ينتقم منه. الإنسانُ الأخلاقي تمنعه أخلاقُه من الانتقام. أحكمُ الناس مَنْ يحرصُ على تفريغ شحنات الكراهية بوسائل غير عنيفة. أظنُّ الحاجةَ إلى الكراهية أشدَّ من الحاجة إلى الحُبّ عند بعض البشر، وإن كان الحُبّ دواءً لذيذًا، والكراهيةُ داءٌ مرًّا. يقول دوستويفسكي: "لقد كُتِبَ على الإنسان أن يعيش في تحدٍ دائم، إنه ليس في حاجة إلى السعادة فقط، فهو يُحبُ العذاب، وأحيانًا يحبه بشغفٍ".

الحاجةُ للحُبّ معلنة، الحاجةُ للكراهية كامنةٌ لا يبوح بها الإنسانُ. في الغالب لا تعلن الكراهيةُ عن حضورها، بل تتخفى في اللغة والكلمات الضبابية ومختلف أساليب التعبير والمواقف المراوغة. ‏قليلٌ من الناس يستطيعُ التحكّمَ بما يعتملُ في داخله من الكراهية، فيخفض هذه الحاجةَ إلى الحدِّ الأدنى، وأقلُّ منهم مَنْ يتخلص منها، وذلك لا يتحقّق إلا بمشقةٍ بالغة. لو لم تكن هناك حاجةٌ دفينة للكراهية لما رأيناها متفشية، ولما انعكست آثارها الفتاكة في مختلف مرافق الحياة، ولما كانت سرعان ما تستغل الظروفَ والأوضاعَ الطارئة والاستثنائية في أيّ مجتمع لتتفجّر بضراوة. ذلك ما تقوله تجاربُ الحياة والعلاقات بين الناس، الذين ينتمون لأديان وطوائف وثقافات وإثنيات متنوّعة.

الإنسانٌ ‏ضحيةٌ لغريزة العدوان، وهو ما تتحدث عنه الصراعاتُ والنزاعاتُ، وأحيانًا الحروبُ العنيفةُ الماثلةُ في مختلف العلاقات بين الدول والشعوب والجماعات والأفراد. حتى العائلة الواحدة ربما لا يمكنها حمايةَ كيانها على الدوام من الغيرة والتباغض والتنازع.

افتراضُ علاقات بين الناس تخلو تمامًا من الكراهية افتراضٌ غير واقعي. حضورُ الكراهية في الحياة بموازاة حضور المحبة أبديٌ، وهو تعبيرٌ عن الأضداد في الطبيعة الإنسانية. القوانينُ والكوابحُ العقابية والأخلاق والدينُ والثقافة والعلم والمعرفة والتربية السليمة والتعليم،كلُّها تخفضُ كثيرًا من الآثار الفتاكة للكراهية في حياة الأفراد والمجتمات، وتكرسُ السلمَ المجتمعي، وتجعلُ حياةَ الإنسان أسهل.

الكراهيةُ ضرورةٌ لتكامل ‏حياة الإنسان في الأرض وتطورها. لولا الكراهيةُ لا يولدُ أيُّ تنافس، ولا يولدُ أيُّ تحدٍ، ولا يولدُ أيُّ صراع، ‏ولا يولدُ أيُّ صدام، ولا تولدُ أيّةُ حروب، ولا تولدُ أيّةُ صيرورة ‏وتكامل في حركة التاريخ. الإبداعُ والابتكارُ وولادةُ الحضارة تعبيرٌ عن تفريغِ المكبوت داخل الإنسان،كما يقولُ علمُ النفس التحليلي.

الكراهيةُ حاضرةٌ في حياة الناس وعلاقاتِهم الاجتماعية في كلِّ زمان، ‏غير أنها قلّما تكون معلنة، نرى آثارَها في الدسائس والمكائد والنمائم والسعي بين الناس بالباطل، لو انفجرت الكراهية النائمة في أعماق النفس الإنسانية، وأعلنت عن وجودها بلا حذرٍ وخوف، واخترقت كلَّ المعايير الأخلاقية والقانونية والكوابح العقابية، لأكلت الكراهيةُ البشرَ، وصار عيشُ الإنسان على الأرض متعذرًا.

مذهلٌ حجم الكراهية المختبئة لدى بعض البشر، والتي نراها تتفجر تارةً كالبركان العاصف، إن امتلك الإنسانُ أدواتِ السلطة والقوة، وتارةً أخرى تتسللُ بخبث في الظلام، إن كان ذلك الإنسانُ لا يمتلك تلك الأدواتِ، فتأكل الكراهيةُ ما تتمكنُ من افتراسه في الحياة.

يتحدث علماءُ النفس والأطباءُ النفسانيون وعلماءُ الجنايات والإجرام والاجتماع والأنثربولوجيا والأحياء عن هذه الحاجة، ويكشفون عن جذورِها في النفس الإنسانية، ويبحثون مناشئها في اختلالات وإخفاقات: التربية والتعليم، والثقافة والآداب والفنون، والتطور الحضاري، ومنظوماتِ القيم، وتدهور مستوى العيش الكريم للإنسان، وانهيار موقعه الطبقي، وتعصبات الهوية الإثنية والدينية، وغير ذلك. ‏

ترى أصدقاءَ يظهرون التودّدَ لك في حضورك، ويتواصلون معك في غيابك، غير أن نفوسَهم تغلي بما تضمره من غيض، خاصة إن كانت تستفزّهم مثابرتُك ومنجزُك، يترصدونك ويسعون لتشويه صورتك، بلا أن يصدر منك انتهاكٌ لحقِّهم أو تجاوزٌ على حريتهم. قد يفرحون ويبتهجون عندما يستمعون أو يقرؤون الافتراءات والأباطيل ضدّك، لا يفندونها على الرغم من أنهم على درايةٍ تامة بأن مواقفَك وسلوكَك وأخلاقَك تُكذّبُها، بل يسارع بعضُهم لإيصالها لك بغيةَ التشفي، وإن كانوا يظهرون عند إرسالها التعاطفَ معك والغيرةَ عليك. يلجأ الإنسانُ للتشفي حين تنهشُه الغيرةُ ويفترسُه الحسد، وهو يرى نجاحَ غيره في مجال يتمنى التفوقَ فيه، لذلك يبحثُ عن وعاءٍ يسكبُ فيه الألمَ الذي يصيبُه، وينقذُ نفسَه من الإحباط. التشفي يريح الإنسانَ، يسمح له أن يتلذّذ بمتاعب غيره، وينشرح بأحزان أصدقائه. إنه يخلّصه من مشاعر العجز المؤلمة حيال نجاحات الآخرين وتفوقِهم عليه، وظفرِهم بمكاسب أخفق هو في إنجازها، مضافًا إلى أنه يعيد تقديرَه لذاته.

عندما أنظرُ إلى أعماقِ النفس الإنسانية بمجهرِ علماء النفس لا أرى في الإنسان ما يغويني بمحبّته، لكني أرى شيئًا من النور يغويني بمحبّته عندما أنظرُ إلى روحه بمجهرِ العرفاء، وأهتدي ببصيرتهم المضيئة التي ترى روحَ الإنسانِ بنور الله.

لا أثق بالطبيعة الإنسانية كما هي، لا أثق بها إلا إذا تفاعلت بماهيتها كيمياءُ المحبّة والرحمة والشفقة على الخلق، ومن دون ذلك يمكن أن يصدر عنها مختلفُ أشكال الشرور الأخلاقية. الإنسانُ بطبيعته كائنٌ يثيره أيُّ نجاحٍ يحقّقه غيرُه، وأكثرُ الناس يحزن في أعماقه من أيّ منجزٍ للغير، وإن كان أحيانًا يُظهِر خلافَ ما يُبطِن. قد يتفاقم حزنُه فيتحول إلى مواقف عاصفة، تضجّ بالبغضاء والضغينة والانتقام، وتورطه في غدر ودسائس ومكائد لأقرب الناس المتفوقين من الأقرباء والأصدقاء، غير أنه يحرصُ على إخفاء كلّ ذلك والتستر عليه.كلّما كان الإنسانُ أذكى كان أبرعَ في تمويهِ سلوكه، وتحويلِ أكثر كلماته ومواقفه إلى أكثف أقنعته إبهامًا وغموضًا، النفسُ الإنسانية مولعةٌ بإخفاء ما يُنفِّر الناسَ منها ببراعة.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

 

سامي عبد العالاقترن الإرهابُ بالموت اقتران العلةِ بالمعلول. ولئن كانت العلية مشكلةً فلسفية قد نالت ما نالت من الجِدال، فالعلية في الإرهاب حُسمت وجودياً من أول وهلةٍ. فلكَّم تغيرت اشكال التفجيرات، لكن ظل الموت الناجم عنها واحداً. وكأنَّ الارهاب بمثابة سبب الأسباب القصوى، وقد حرص الإرهابيون (بهذه الطريقة) على بث الرعب داخل المجتمعات الإنسانية.

ذلك أنَّ التفجير لحظةُ "عدم مفارق" لكلِّ حياةِ إنسانيةٍ ممكنةٍ، فهي زمن من الجحيم الذي يلتهم أجساد الآخرين. وقد رأينا التفجيرات الإرهابية الناسفة لكل ما هو حي، إذ يصعب معرفة: ماذا تمثل تلك اللحظة وأيُّ مضمونٍ هو لها. فهل يقف الارهابيُّ وراءها (أصالةً) عن ذاته؟ كيف يبررها حين ينغمس فيها؟ ما هي فينومينولوجيا التفجير لديه شخصياً؟

المنغمسون والانغماس.. وفقه الانغماس مصطلحات تراثية تعبر عن الالتحام الجهادي بالاعداء للاجهاز عليهم أثناء الحروب والصراعات. مصطلحات آتيةٌ من عمليات الخوض والانخراط والتوغل داخل الصفوف (كما أشار ابن تيميه بجواز اعمال الانغماس الدموي بين الاعداء في كتاب مجموع الفتاوى). وقد أعادت الجماعات الارهابية تشغيل دلالة العبارات والفتاوى كثعابين حيةٍ تزحف على الأرض. وربما لو تأملنا لحظةَ العدم المفارق هذه لأدركنا خلفية التفجيرات. وإلى أي مدى تكتظ بآثار الموت كإسفنج يمتلئ سماً. ففي كل عملية إرهابية كانت ثمة معانٍ تدميرية كافية لاختراق اغراءات البقاء تطلعاً لحياةٍ أخرى. فالجهاديون يواعدون (وهم في الحياة الدنيا) الحور العين شاحذين حواسّهم لحياة شهوانية إلى الأبد. ولا يرتابون بُرهةً: أنهم لو استطاعوا تخطي الفجوة بين الحياة والموت، لكان مقبض باب الجنة مجرد حزام ناسفٍ. وليس هذا فقط، بل هكذا الدنيا، البشر، المجتمع، الشياطين... جميعها أشياء لن تُهزم إلاَّ بتفجير الأنا.

لكن السؤال المطروح بـ " لماذا " في العنوان لا يكشف العلة فقط. فإزاء الدين ينم التعليل عن" الغاية والكيفية والمعنى " في سلةٍ واحدةٍ. فالعلة لدي الإرهابيين تنقلب إلى غايةٍ بعيدة هي المقصد بذاته. كثيراً ما ردَّدَ هؤلاء ضرورة محاربة الطواغيت بجانب مكافحة انحراف المجتمعات وفسادها. وأنَّ ذلك سببٌ كافٍ لإتيان أيِّ فعلٍّ بإمكانه تغيير الحال. ثم ما يلبث أنْ يتخفى السبب داخل غاية هي الخلافة (تطبيق شرع الله). وعلى التوالي، سيُطبق شرعُ الله بجهادين: جهاد النفس وهو الأولى، ثم جهاد الأعداء بفتح القوس إلى مداه ... العنف والحرب ومن ثم التفجير والتدمير. إذن التنظيمات الدينية لديها (فكرة حركية وذهنية) في إلباس الأسباب ثوبَ الغايات القصوى. وذلك مؤشرٌ يجعل الحاجز إمام الجهادي لعمل أي شيء ضعيفاً. حتى وإن جاء الثمن اهلاك كيانه تاركاً إياه كقربة مثقوبةٍ.

الاستفهام بـ "لماذا" لدي الاسلاميين يصبح سؤالاً حول الكيفية نحو غايةٍ ما. وهذه صفه لخطابات الايديولوجيا الدينية عموماً ولكنها الصفة الأوضح بالنسبة للجهاديين الانغماسيين. وكما يبدو، فإنَّ نمط التفكير الأقل تطوراً تشغله المسألة السابقة في المقام الأول. إذ حينما يعالج سؤال العلة فلا يتأمل الماوراء المفترض تأمله، بل يراها مجرد كيفية من خلال الممارسة. أي الطرائق والوسائل التي يُجاب من خلالها عن هكذا نتيجةٍ باترة لسبب ما. ثم سرعان ما تستدير الأسباب لتقفز إلى أهداف أبعد (حيث يشترك الذهنية البدائية مع ذهنية الإرهاب). ثمة ربط مباشر بين الاثنين: يقال عادة ألم يخلقنا الله لعبادته (وما خلقت الجن والأنس إلاَّ ليعبدون)، أي لتوحيده (وهو السبب) إذن نقصد الجنة بالمنطق نفسه (الغاية). وكلُّ فعل دنيوي لا يرتئي شقي هذه الرحى بين البداية والنهاية لا قيمةَ له.

في الفكر اليوناني كان لفظ " الإبستيمولوجي " epistemologist لا يُطلق على أي شخص يعرف كماً من المعرفة والتجارب والمعلومات. لأنَّ المعرفة قد تكون واردةً لدى الإنسان في حياته دون معرفة الوسائل إليها. لكن تحديداً كانت تشير كلمة الإبستيمولوجي مثلما يقول مارتن هيدجر إلى " مَنْ يعرفُ كيف يعرف ". والكيفية هنا ترتهن بماهية المعرفة ذاتها كما تتحقق ويتم تحصيلها. ولازالت اسئلة الكيفية تتردد في خطابات الثقافة العربية الجارية بشكل جوهري. فأنت حينما تسأل شخصاً: لماذا أتيت هذا العمل أو هذا التصرف ولم تأت غيره، يقول لك دون تفكير: كيف ...؟! ربما يقصد كيف تسألني بهذا الحال لأن التصرف كان تلقائياً وبالتالي ما هو السبب الذي تقصد؟ وربما يبرر ما سيقوله لك.. لقد سلكت مسار العمل فقط بطريقة عملية وكفي. لأن الإجابة التي تسأل عنها تأتيني فعلاً متحققاً حتى لو وكانت وراءه كل الأسباب الممكنة ... ولنلاحظ أن الأمر العملي هو أقرب الطرق للفهم عند هذا الإنسان.

إنَّ الفكر الديني الأيديولوجي نتيجة افتقاره الساخر للعقلانية النقدية critical rationality بلغة كارل بوبر يتشبث بالكيفية فقط إلى حدِّ العنف. دوما الكيفية هي المطلوبة للتعبير عن الولاء والانتماء لنوعية الاعتقاد الصارم. لأنَّ الدين في أبعاده الطقوسية نوع من الترجمة السلوكية لحالات إيمان خاص. والجماعات الدينية تحرص أيما حرص على " السمع والطاعة " دون نقاش. فيُعتبر الأفراد تروساً وظيفية في آلة الجماعة بلا تفكير. حتى ولو طلب منهم الموت عن بكرة أبيهم. فالكيفية هنا تلتهم أية لحظات تأنٍ وروية وتأمل. وبالتالي فالإرادة والحرية هما مجرد بقعتين في ثوب ليس أقل من ثوب المرشد أو أمير الجماعة.

لكن قد يتساءل الإرهابي خلال لحظة تأمل: لماذا سأفجر نفسي بهذه الصورة؟! ذلك كي يجد حافزاً لتجاوز مخاوفه الذاتية. فالحياة لديه هي الحياة لدينا، مثله ومثلنا في ذلك مثل أقل كائن حي بدائي هارب من انياب مفترسة. والتفجير قرار يساوي عمر الكون بالنسبة إليه لأن الموت هو نهاية الحياة رغم كل شيء أيديولوجي آخر. ومهما يبدو هذا (الارهابي الانغماسي) متماسكاً وحاثاً غيره على الجهاد، فذلك مظهر خادع حدَّ المراوغة. إن كل الذين قاموا بتفجير انفسهم لم يكونوا في حالة طبيعية كبشر في حالة توازن بيولوجي نفسي. فحالته تحتاج مراناً نفسياً شاقاً وقلما يتجاوزها انسان سوي. ببساطة لأن غرائز الحياة الأولية أسبق من أية أيديولوجيا دينية. كيف للإنسان أنْ يتصور فناء الغرائز بضغطة زر، إنْ لم يكن يتخيل بداية حياة أبدية أخرى؟!

وقد لا يتصور هذا الإرهابي أو ذلك النهاية القاتلة هكذا بلا طائل. فقط ربما بإمكانه ترويض نهايته المحتومة إذا تساوت لديه لحظة العدم والحياة. وهي لحظة زمنية عميقة - كما نوهت- تستغرق كلَّ أفكاره آتيةً من المجهول. ولذلك يحاول التنظيمات الدينية إدماج الإرهابي في مساحة خارج نفسه من التدريب وممارسة القتل التمثيلي representative killing على ذاته وعلى غير ذاته. كل تنظيم ارهابي هو إفناء للفرد ككيان حر داخل هيكل التنظيم نفسه. فالأفراد ضمن حدود هيكله مجرد قطع غيار في عجلة لا تبصر ولا تسمع. فالموت التفجيري المبدئي يبتز كل حرية فردية. وكما سنوضح هو مجرد موت أخير هو التفجير في سلسلة ميتات سابقة.

1- إن مفهوم الجماعة مفهوم موت وفناء بالأساس. هي في الحقيقة عبارة عن قبر متنقل بكامل الرضا والمباركة من مفهوم الإله (كما يتصورونه) ومن وكلائه في الأرض. إنَّ انتماء الأفراد إلى جماعةٍ وتنظيم ما هو اعلان بتنازل صريح عن إرادتهم (عن حياتهم). وليس الأمر اتصالاً روحياً، لكنه انقطاع عن الحياة لصالح حالةٍ استحواذية مهيمنة. ولهذا يصعب العثور على أي فرد ارهابي (بمعناه الانغماسي) خارج جماعة بعينها. هل قام فرد بتفجير نفسه كان يتمتع بأهليته الحرة؟ بالضبط كما يتعذر لمسلم فرد -على ما ينكر- من أمور الحياة أنْ يقوم بالعمل التفجيري ذاته.

وهذا بالضبط يساوي قدرة الجماعة على سلب الحرية الفردية من جذورها. فالهيمنة المشار إليها لا تتم إلاَّ بالتنازل السابق عن كل حرية. ليصبح الفرد جثة سابقة التجهيز خاضعاً لإملاءات نفسية قاهرة لا يستطيع لها رداً. والأبرز أنه حينما يتقبل ذلك الوضع، فإنه يمتلك إرادة مزيفة عكس ما يردد من كونه يشعر بالسعادة والأريحية. لأنه حينئذ لايري بملء عيونه الواسعة ولا يلتفت بانحناءته الخاصة، لكنه يسير كمجموعٍ، كرتل يقتحم كيانه الطلق ليلاً ونهاراً. ولهذا فإنَّ الجهاديين لا يأتون ولا يذهبون بمفردهم. إنهم يحسون ويحيون جمعاً لا فرداً. عواطفهم جماعية، أخيلتهم جماعية، ذاكرتهم جماعية، خواطرهم جماعية، غرائزهم جماعية، وسيكون موتهم جماعياً.

ولذلك يظل قادة التنظيم أو الجماعة يعزونَّهم بأفكار الخلود والبقاء والذكرى الأبدية إذا ما نفذّوا عملية استشهادية. بل يظل يلحون عليهم طوال الوقت: أنَّ استشهادهم إنما هو نصر مؤزَّر للإسلام (وهكذا الغاية جمعاً لا فرداً). وأنَّ هذا الدين لن يستمر إلاَّ بالتضحيات الكبرى. مرةً بالوقت، وأخرى بالمال وغيرهما بالعمل... وأخيراً التضحية بالنفس والحياة دون تردد. مما يصنع من هؤلاء الأعضاء قنابل موقوتة حقاً. ليس بالمعنى المادي وحسب، بل بالخطاب الذي يرددونه بنفس التكرار.

وهذا الكلام يفقدهم أيَّ إحساس حميم تجاه المجتمع والناس والأخوة والعائلة. لأنَّ الجماعة تدريجياً تستبدله بكيانها النقي والطاهر والميتافيزيقي بلا منازع. والقضية برمتها تصبح جماعة خالصة الاعتقاد في وجه المجتمع والعالم. والموت هنا يتسلل أيديولوجيا من خلال فقدان التنوع. لأنه سيمثل حياة مضاعفة (الأساس والغاية) حتى بالنسبة للمختلفين. فإدراك أوضاع العالم وتباينها مسألة مهمة حتى بالنسبة لتفاصيل التصورات الخاصة عن الذات.

2- الإيمان المطلق بالأصل المقدس، نصاً وتفسيراً وتأويلاً وحقيقةً. وقد يتمثل من خلال جماعته في نصوص بعينها لفقهاء أو لمنظرين حركيين. وهم يتعاملون مع (الأصل) بمنطق الإخفاء الدائم. فبين الأعضاء يؤكدون ثباتهم المطلق على حرفيته ووعده المضروب معهم تخصيصاً. ليأخذ الأصل في سريانه المطلق داخل السلوكيات والأفعال ونظام الحياة حتى يخضعها لعمل تأصلي متواتر. ويأتي بعد مباشرة فكرة الجماعة، لأنَّه يأخذ قوته من الإحساس الجمعي والبناء عليه.

3- الجماعة تشحن عواطف ووجدان أعضائها بكراهية الغير والمخالف. وفي تلك الخطوة يكمن انتهاك ضمني لكل ما يتعلق به. بل هي تواصل مع تعاليمها إيجاد عدوٍ ما: مجهول، ومذنب، وشيطان، ومتربص بها. وإذ ينطبع الأعضاء بآثار الجماعة حتى النخاع، فإنهم يرضعون - كأطفال الحضانة - كيف يناصبونه نفاقاً وموتاً رمزياً وعداء لا ينتهي. ذلك من خلال التعرف عليه بدواخله وتفاصيله التي يرسمونها بأنفسهم. فالآخر ليس مختلفاً إنسانياً في ذاته، ولكن كما يراد له أن يصبح منبوذاً. وفكرة الجماعة المغلقة باسم الدين هي تأسيس عدائي بالضرورة. وإلا لو كانت منفتحة ما كان أمرها يقتضي انعزالاً عن تيار الحياة والتاريخ.

ولهذا يُولد الفرد في جماعة ارهابية عندما يعي الفروق الجوهرية بين اعدائه وقرنائه. ويظل طوال حياته متلقياً للطقوس والممارسات بتلك الكراهية العنيفة. لدرجة أنَّ الدين، شعائره، ومعتقداته، ومناسباته تغدو هي المعادل الجماعي لنقيض هم الأعداء. فهل يُتوقع منه لاحقاً غير اصطيادهؤلاء الاعداء بحزامٍ ناسف؟ وكم رأينا الدعاء الجماعي عليهم بالويل والثبور وعظائم الأمور في الدنيا والآخرة. والإرهابي المعاصر رُوبي على كون الإسلام يفرِّق بين دار السلام ودار الحرب. وقد أكد عليها سيد قطب في كتابه "معالم في الطريق" الذي يعتبر من كلاسيكيات الجماعات الدينية قاطبة. والفكرة تعود إلى اللاهوت المسيحي القروسطي كما عند القديس وغسطين في كتابه الذي يحمل التفرقة ذاتها (مدينة الله ومدينة الشيطان).

4- اليقين هو الموت قبل أنْ يتحول إلى تفجير. فقد يذهب الإرهابيون إلى التفجير بيقين كامل. لكنه ليس يقيناً لحظياً، إنَّه يعتقد بكون الله يبارك مسيرته الجهادية منذ البدء. وأنه سيضمن له الجنة حالما يفجر نفسه.

المثير للسخرية أنَّ الإرهابيين قلبوا الآية القرآنية رأساً على عقب: "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". والمقصود أن الإنسان يعبد الله ويواظب على الطاعة إلى أخر لحظات حياته. فالموت المقدر من قبل الله وحده هنا هو اليقين لا شيء سواه. لكونِّه انعدام الوجود بالنسبة لهذا الفرد أو ذاك. والمعنى من ثم: أنَّ كل ما ليس موتاً ليس يقيناً طالما يجري عليه ما يجري في الحياة. وهنا مارس الإرهابيون لونا من اليقين المعكوس فعجلوا بموتهم المأساوي. أي أن اليقين الأيديولوجي يقدمونه على أنه موت طبيعي، يعجلونه تفجيراً محتوماً في وجه أعدائهم. وكأن الآية تقول (مادام أنك تسبب الموت أو تحمل اليقين، فأنك تعبد ربك). وحالهم هذا دليل على كونهم حتى لم يفهموا النص القرآني الذي يتحدثون باسمه طوال الوقت. واليقن ملتحم بالاصطفاء والاختيار الإلهي لهذه المهمة المقدسة.

5- الشهادة غاية الدين حصراً. حيث يعتبر الارهابي نفسه مشروعاً استشهادياً. وهذا ليس تأكيداً لغاية بمقدار ما يضيِّع الوجه الحياتي الدنيوي لأي دين. ويجعل من الجماعات حفاري قبور. وكأنهم باليقين قد ضمنوا الدنيا وتجاوزوا حقائق الموت. مع أن ذلك بحكم الإيمان ليس أمراً محسوماً ولن يكون. من يتحدث عن الشهادة المجانية لكل مفجري أنفسهم إنما يبرر العنف. ويضفي على أفعالهم مشروعية إلهية. وهي من جانب آخر تألُّه بضمان حياة أخرى لا أحد يمتلكها.

6- الضمان الاسكاتولوجي (الأخروي) للجنة. فالاستشهادي يكاد يشمُّ- كما يلقنونَّه- رائحة الجنة. ليست القضية إيماناً إنما حالة إدراكية شعورية نتيجة المعايشة اليومية داخل الجماعة والتدرب على فكرة الجهاد ومواجهة الموت. إنها إيهام تخييلي لا ينتهي بكون ما سيُقْدم عليه هو الحق ولا شيء غير الحق. وهذا يصادر أي تفكير حر لصالح مبررات تخدم الغاية. كما أنّه سيُحدث تهيئة وأجواء موت متواصل. وأخيراً سيستعذب صاحبه أية آلام في سبيل النعيم والملذات المنتظرة.

هناك من إرهابي داعش من كان يحمل (ملابس نساء داخلية مغرية) استعداداً لقطف ثمار تفجيره بين أحضان الحور العين. وبعض العلامات الأخرى ظهرت لدى تنظيم القاعدة أشارت إلى الجنة رأساً بمجرد التفجير. فكان عناصرها يكتبون على لافتات السيارات المفخخة أرقاماً وبجوارها يكتبون بوضوح " الحور العين ". وكأنَّ السيارة القاتلة التي تحمل المتفجرات ستتوجه فوراً إلى معاقرة المتع الشهوانية الأبدية. وهذه الأشياء مجرد حيل تنظيمية (تتم بكل تؤدة وتمهل) لدغدغة إرادة الارهابي، حتى يذهب إلى التفجير الكارثي طائعاً وسعيداً.

 

د. سامي عبد العال

 

عصمت نصارقد تأثر "حسن العطار" (ت1835م) وتلاميذه و"محمد عبده" (ت1905م) ومدرسته، بموسوعية الجاحظ (ت869م) وإعلائه من شأن حجية العقل على إجماع الفقهاء بغض النظر عن غزارة علمهم وقوة أدلتهم، وذلك في نقض التراث وتجديد العلوم الفقهية والكلامية والصوفية مع عدم التحرّج في التصريح بموافقته المعتزلة أو الفلاسفة في بعض الآراء وتحليل القضايا وتقديم الشك على التسليم بصحة المعتقدات التي تفتقر لوضوح المقصد، ولا سيما في قضايا الإصلاح والمجاهرة بجحد السلطة الظالمة مع تغليبه آلية التوعية والتنوير على قوة الغلبة والصراع والتثوير, وانتهاجه الأسلوب المباشر الواضح في صياغة الخطاب مع مراعاة تباين أذهان المتلقين وثقافة المحاورين والمتناظرين.

ذلك بالإضافة لمسايرتهم آراء إمام الهدى الحكيم السمرقندي "أبي منصور الماتريدي" (ت944م)، وذلك في منهجه الجدلي مع المخالفين والمتكلمين من الفلاسفة؛ دفاعاً عن آراء أهل السنة ولا سيما فقه ’أبي حنيفة’ وكذا في تقسيم الأصول الشرعية إلى عقليات وسمعيات والأخذ بالتأويل في التفسير والمجاز والرمز والتلميح للكشف عن المقاصد الخفيّة في القرآن والحديث.

والاعتقاد في خلق القرآن لفظاً واعتبار مضمونه كلام الله النفسي وعلمه الحرفي، مع عدم الأخذ بحديث الآحاد في المسائل الشرعية.  وقد انتحلوا أيضاً آراء "فخر الدين الرازي" (ت1209م) في تفسيره للآيات القرآنية واستنباطه للأحكام الشرعية واجتهاداته الفقهية وموازنته في ذلك كله بين قطعي الثبوت والدلالة من المنقول والصريح والبديهي من المعقول، وما يقبله المتلقي (أهل الدعوة والاستجابة) من التأويلات التي تقرب الغيبيات من الأذهان وتبرر ما عساه يكون الاعتقاد بأنه مخالف لأهل العصر من آراء وأفكار ومعجزات سمعية إيمانية.

هكذا عبّرت معظم الكتابات المتخصصة عن عقيدة مدرسة الاتجاه المحافظ المستنير في مصر.

ومن ثمّ قرّر العديد من الباحثين المعاصرين البحث عن ما يصدق عليه هذه المعايير من المتفلسفة أو المفكرين المعاصرين في مصر والعالم العربي.

ومنذ قرابة خمسة وسبعون عاماً طرح "العقاد" على مائدة التساجل قضية من أكثر قضايا الفلسفة والفكر العربي الحديث أهمية وجدّة وأصالة، ألا وهي عدم وجود فلاسفة في الثقافة المصرية القديمة، وندرة وجودهم في تاريخها الحديث والمعاصر، وراح يستعرض آراء المؤرخين المعنين بالآثار المصرية، فوجد أن التعصب العرقي والجنسي قد ألقى بكتاباتهم في ضلالات القول بتميز العقلية الآريّة عن العقلية الساميّة، وهي أحدى النظريات التي أثبت العلم الحديث خرافتها، ثم أهتدى إلى أن التفكير الثوري والتحليل النقدي للواقع المعيش هو الدافع الأول لظهور الفلاسفة عبر التاريخ الإنساني.

ولمّا كانت مصر من الأمم التي نعمت بالاستقرار الاجتماعي والسياسي والعقدي, وهدوء أوضاعها المعيشية بفضل تآلف السلطتين السياسية والدينية من جهة, وميل المصريين بجبلتهم للأمان والسلم في ظل الإيمان بالقدر وحكمة الخالق في تقسيم الأرزاق والعطايا، وكراهتهم لشرور الصراع من جهة أخرى؛ لم يظهر على مر تاريخ مصر القديم والوسيط من يمكن أن نطلق عليه مصطلح فيلسوف، وذلك بمعزل عن حكمة الكهنة ومحافل علومهم ومدارس أبحاثهم تلك التي عُنيت لغرس الفضائل والذوق الرفيع في أريحيّة العقل الجمعي، وحب العلم وأهله والقادة والرؤساء، ولذوي المناقب واحترامهم وإجلالهم.

واذا ما تتبعنا البحث في هذه القضية؛ فسوف نجد أن "العقاد" كان مُحقاً إلى حد كبير في هذا التبرير، وذلك لأن أشهر الحكماء المصريين الفراعين التي كشفت عنهم الدراسات الأثرية الحديثة مثل الحكيم كاي جمني (نحو 2600ق.م)، وبتاح حتب (نحو 2500ق.م)، والحكيم آني (نحو 2280ق.م) و أخناتون (نحو 1334 ق.م) قد أنصبت كتاباتهم حول تعاليم أخلاقية وأصول تربوية وسلوكيات اجتماعية وبيئية, وأخرى عن الدين ومحبة الإله والسعادة الأبدية والعدالة الإلهيّة.

أمّا المدارس الهرمسية السريّة الفلسفية، فلم يكن معظم علمائها من الفراعين الخُلّص فقد جمعت في أرواقها الفلسفية (نحو 350ق.م)، وأقسامها العلمية - في مكتبة الإسكندرية )نحو 290ق.م) - واللاهوتية (نحو 190م) بين المصريين وغيرهم من شتى حضارات العالم القديم. ولا يمكننا - من ثمَّ - اعتبار أمنيوس سكاس (نحو242م) واكلمندس السّكندري (نحو 215م) من الفلاسفة المصريين.

واذا ما حاولنا الربط بين الأقوال المتناثرة التي نسبت لهوميروس (نحو القرن 8 قبل الميلاد) وطاليس (نحو 546 ق.م) وفيثاغورس (نحو 495 ق.م)، وأفلاطون (نحو 347 ق.م) وأرسطو (نحو322 ق.م) عن فلسفة المصريين ومدى تأثرهم بها، وما اكتشف من وثائق, سوف نستدل على أن : جميع هؤلاء قد اطلع على الفلسفة الهرمسية - التي لا نعرف عن روادها شيئاً - من جهة. والتأكيد في الوقت نفسه على أنه كان للمصريين فلسفة روحية وآراء علمية ومبادئ أخلاقية راقية، جامعة بين النظري والعملي قد نهل منها أكابر فلاسفة الإغريق من جهة أخرى. غير أنها تختلف في طابعها العام عن المفاهيم التي ذاعت بين المثقفين عن معاني الفلسفة المُجرّدة, والمباحث الكلية الشاملة.

ونعود إلى مقال "العقاد" الذي حاول تبرير خلوّ مصر من الفلاسفة الخُلّص؛ فقد ذهب إلى أن سلطة فرعون خليفة الإله على الأرض وخليفة الكاهن الذي يمثل آلية التواصل بين العالم الأرضي والعالم السماوي، وحامل أختام القدر، قد حالا وجودهما بين حرية البوح والتفكير في أذهان المصريين، كما اجتهد كُتّاب الأساطير من الكهنة الصغار في تفسير وتبرير الأحداث والواقعات حتى يبدو الواقع أمام المصريين يسير وفق خطة إلهيّة لا تقبل الشطط أو الجنوح أو التفكير المارق.

ومن أقواله في ذلك: (أما اليونان فقد نشأوا في بلاد خلت من الدول الفخام، كما خلت من الكهانات الفخام؛ فانطلقوا أحراراً يفكرون فيما اقتبسوه من مصر وبابل وفينيقية, ولبثوا كذلك حتى تقرّرت في بلادهم "شبه دولة"؛ فكانت فجيعتها الأولى مأساة سقراط, ثم مأساة أفلاطون في الأسر؛ ولولا حماية عارضة كانت تحيط بأرسطو لأصابه على أيدي القوم شيء ممّا أصاب أستاذيه. ولارتباط الأمر بسلطان الكهنة أو رجال الدين تكرّر في صميم أوروبا ما تكرّر قديماً في وادي النيل وما بين النهرين ... هذه هي العلة الأولي التي ترجع إليها خلوّ الأمة المصرية من الفلاسفة في العصور القديمة، وهي كما رأينا علة سياسية تاريخية لا تنحصر في مصر، ولا في البلاد السامية دون غيرها، ولكنها تفعل فعلها هذا في كل زمن، وبين كل قبيل من الأجناس البشرية).

وخلاصة تلميحات "العقاد" تبدو في تأكيده على أن أكثر أعداء التفكير الناقد والفلسفة قوة وضراوة هو الحاكم المستبد الأحمق ورجل الدين الفاسد الخائن، ومن ثمّ لا يُرجى من شعب تفلسف أي تجديد أو إصلاح تحت وطأتهما.

واذا ما أعدنا قراءة ما كتبه "العقاد" سوف ندرك أن المقصود هو الوعي؛ فالوعي الزائف أو التهوين والتهويل في سرد المعارف أو التوجيه المُغرض من قبل الرأي العام القائد، أو الراسخ في العقل الجمعي، والرأي العام التابع هو العلة الحقيقة التي تحول بين ظهور الفلاسفة من جهة, وسمعة التفلسف السيئ لدرجة أنها أصبحت مرادفة للسفسطة والتجديف والمروق من جهة ثانية، وتراجع الثقافة وضحالة التفكير النقدي من جهة ثالثة, وانعدام الرؤى الإبداعية المؤهلة للتطور والتقدّم من جهة رابعة.

ورغم ذلك؛ لا يغفل "العقاد" أثر الطابع العام للثقافة السائدة في المجتمعات؛ فالثقافة العلمية والطابع الأخلاقي اللذان اتّسمت بهما الثقافة السائدة في مصر القديمة هي التي ساعدت على ظهور الوعّاظ والحكماء. أمّا الثقافات المضطربة في النواحي السياسية، والجامدة في التربية والاجتماع والتعليم، أو المكبّلة بقيود الخرافة والأكاذيب في أي عصر؛ فهي تُعدُّ الأرض الخصبة لظهور العنف والاستبداد والتخلف، وكلها من أدران التفلسف.

وينتقل "العقاد" إلى العصر الإسلامي ويبيّن أن المصريين بفطرتهم الخيرة وطبائعهم الخُلقية ورقة أذواقهم وروحيّة معتقداتهم، قد رغبوا عن التصاول والتصارع في أمور العقيدة، ومجّوا كذلك كل أشكال الغلو والتطرف في العبادة؛ الأمر الذي عبر عنه شيوخ الأزهر في مباحثهم، وانعكس كذلك في آرائهم الفلسفية التي شغلت حيزاً كبيراً في شروحهم وحواشيهم للكتب الكلامية والفقهية والصوفية التي أرادوا تحقيقها.

ويصوّر "العقاد" ذلك قائلاً (ولمّا تفرّع علم الكلام، أو علم الفلسفة الدينية في الإسلام كان الطحاوي المصري(852 - 933م) ثالث أثنين من أقطاب هذا العلم هما الأشعري والماتريدي، ثم كانت مصر بيئة المتصوفين وملاذهم إلى زمن أخير. وبنى الأزهر بالقاهرة؛ فأصبح قبلة للعلوم العقليّة والشرعية عدّة قرون، ودرست فيه مذاهب الفلسفة في العصور التي حرمت فيها الفلسفة على أبناء الأمم كافة من غربيين وشرقيين.

( وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. عصمت نصَّار

 

علي جابر الفتلاويقوله تعالى: (فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا مَنْ أضلّ الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) النساء: 88 .

قوله تعالى: (فمن يُرد الله أنْ يهديهُ يشرحْ صدرَهُ للإسلام ومن يُردْ أنْ يُضِلّهُ يجعلْ صدرَهُ ضيّقا حَرَجا كأنّما يصّعّدُ في السماء كذلك يجعلُ الله الرّجسَ على الّذينَ لا يؤمنون) الأنعام: 125 .

الموضوع المشترك بين الآيتين هوالإضلال والهداية. قوله تعالى في سورة النساء: (أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا).

وقوله تعالى في سورة الأنعام: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنّما يصّعّد في السماء).

الآية 88 من سورة النساء تتكلم عن الّذين اسلموا بألسنتهم، ولكنّهم لم يهاجروا من مكة بل ظلوا هناك وانسجموا مع عقائد المشركين وعواطفهم.. هؤلاء غرقوا في خطاياهم واختاروا طريق الضلال فلا سبيل لهم بعد ذلك للخلاص.(1)

نستفيد من معنى الآية أن الإنسان مسؤول عن فعله لأنه ليس مجبرا عليه، بل هو مختار في فعل الخير، أو فعل الشّر، ووفق هذا المفهوم يحاسب الله الإنسان على فعله لأنه هو من اختاره. هذا المعنى يتكرر في الآية 125 من سورة الأنعام.

جاء في التفسير المفيد: الإرادة الإلهية لا تتم اعتباطا وإنّما تقوم على قاعدة (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم) الرعد: 11. فالرجس والعذاب ينتظر الذين لا يؤمنون، وعدم الإيمان يتمّ نتيجة انسداد منافذ النور، وانسدادها يتمّ بإرادة إلهية تأتي نتيجة انحراف الإنسان نفسه عن الحقيقة.(2)

الرازي له تفسير مختلف للآيتين، فسّر الآية من سورة النساء: ومما يدلّ على أنّ المراد من الآية أنّ الله تعالى أضلّهم عن الدين قوله:(ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا)  فالمعنى أنّه تعالى لمّا أضلّهم عن الإيمان امتنع أن يجد المخلوق سبيلا إلى إدخاله في الإيمان. وفسّر الآية من سورة الأنعام: تمسّك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن الضلال والهداية من الله تعالى، وأنّ من أراد الله تعالى منه الإيمان قوّى دواعيه إلى الإيمان، وهذا هو انشراح الصدر للإيمان، ومن أراد الله منه الكفر قوّى صوارفه عن الإيمان، وقوى دواعيه إلى الكفر، وعند الرّازي أنّ الإضلال من الله والإيمان منه تعالى ثابت بالدليل العقلي.(3)

يرى مفسرون آخرون أنّ رؤية الرّازي في تفسير الإضلال والهداية تتعارض مع معيار العدالة الإلهية، حيث ينسب الإضلال والهداية إلى الله تعالى، كذلك العقل يسأل إذا كان الإضلال والهداية من الله تعالى، لماذا إذن يحاسب الله العبد على فعله وهو مجبور على هذا الفعل سواء كان خيرا أو شرّا؟

الشيخ محمد جواد مغنية يفسّر الآية 125 من سورة الانعام، قائلا: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيقا حرجا كأنّما يصّعّد في السماء) . ينقل مغنية عن الرّازي قوله: (تمسّك أصحابنا – يريد السّنة الأشاعرة – بهذه الآية في بيان أنّ الضلال والهداية من الله تعالى). يقول مغنية: أمّا أصحابنا فيقولون: لو كان الضلال والهداية من الله لسقط التكليف، وبطل الحساب والجزاء، لأنه تعالى أعدل من أن يفعل الشيء، ويحاسب غيره عليه، كيف؟ وهو القائل: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) فاطر: 18، يقول مغنية: الآية التي نحن بصدد تفسيرها لا تدلّ على دعوى الرّازي، لأنّها لم ترد لبيان مصدر الضلالة والهداية، وأنّه من الله أو من غيره، وإنّما وردت لبيان أن الناس فريقان:

الفريق الأول: تتسع صدورهم للحق، ويتفاعلون معه، ويطمئنون إليه، لوعيهم وتجردهم عن الاغراض والأهداف الشخصية، وتحررهم من التقاليد والأهواء وهؤلاء هم المعنيون بقوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب) الزّمر: 18 . فقوله: هم أولو الألباب يُشعِر بانّ الله هداهم لأنّهم من أولي الألباب، وأنّه تعالى يمد العبد بهدايته لحكمة في ذات العبد نفسه. واستدلّ الشيخ مغنية بآيات أخرى من القرآن لإثبات أن الهداية والضلال من فعل العبد، وليس من الله كما يقول  الرّازي، حتى يصح التكليف والحساب للعبد. الفريق الثاني: مِن الناس مَن لا تتسع صدورهم للحق لجهلهم وضيق أفقهم، أو لتناقضه مع منافعهم وأرباحهم، أو عاداتهم وتقاليدهم، وهؤلاء هم المعنيون بقوله تعالى: (فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله) الزمر: 22 . واستشهد بآيات أخرى.

قوله تعالى: (كأنّما يصّعّد في السماء كذلك يجعل الله الرّجْس على الذين لا يؤمنون) يقول مغنية: الرّجْس هنا العذاب، لأنّه جزاء الكافرين، والمعنى أنّ الذين وقعوا في الضيق والحرج من اتباع الحق في الدنيا كذلك يقعون في العذاب في الآخرة الذي هو أشدّ وأعظم عليهم ضيقا وحرجا من اتباع الحق في الدنيا.(4)

يفسّر الطباطبائي الآية من سورة الانعام: أنّ انتساب الشيء إليه تعالى من جهة خلقه أسباب وجوده ومقدماته لا يوجب انتفاء نسبته إلى غيره تعالى وإلّا أوجب ذلك بطلان قانون العلية العام.. من الممكن أن تستند الهداية والضلال إلى غيره تعالى استنادا حقيقا، في حين أنهما يستندان إليه تعالى استنادا حقيقيا من غير تناقض.(5) ولتوضيح معنى الإضلال والهداية أكثر يقول الشيخ محمد جواد مغنية في تفسير الآية 88 من سورة النساء:

ليس المراد بمن أضلّ الله ويضلل الله خلْق الإضلال فيهم.. كلا، وإنما المراد أنّ من حاد عن طريق الحق والهداية  بإرادته، وسلك طريق الباطل والضلال باختياره فإنّ الله يعرض عنه، ويدعه وشأنه.. وليس من شك أنّ من أوكله الله إلى نفسه لا يجد سبيلا إلا الضلال، والجور عن القصد، وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى: (والله أركسهم بما كسبوا) أي كل من سلك طرق الحق فإنّ الله يشمله بعنايته ويرعاه بتوفيقه: (إنّ الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) النحل: 128. وهذه العناية من الله بالمتقين تسمى هداية وتوفيقا وولاية ووكالة من الله، وكل من سلك طريق الباطل فإن الله يعرض عنه، ولا يرده إلى الهداية قسرا، ويلجئه إليها إلجاء. هذا الإعراض منه تعالى يسمى إضلالا وخذلانا وإركاسا، فالله تعالى هو الرحيم بعبده لا يتخلى عنه، إلّا إذا كان العبد هو السبب الموجب لتخلي الله عنه لولوجه في العصيان والتمرد.(6)

الزمخشري يفسّر آية 88 النساء وهو يمثل رأي المعتزلة، يقول:

مالكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيه فرقتين، وما لكم لم تبتّوا القول بكفرهم. (والله  أركسهم) أي ردّهم في حكم المشركين كما كانوا (بما كسبوا) من ارتدادهم ولحوقهم بالمشركين واحتيالهم على رسول الله (ص). أو اركسهم بالكفر بأنْ خذلهم حتى اركسوا فيه، لما علم من مرض قلوبهم (أتريدون أن تهدوا) أن تجعلوا من جملة المهتدين (من أضلّ الله) من جعله من جملة الضلال وحكم عليه بذلك أو خذله حتى ضلّ.  وفسّر الآية 125 من سورة الأنعام: (فمن يُرِد أن يهديه) أن يلطف به ولا يريد أن يلطف إلّا بمن له لطف. (يشرح صدره للإسلام) يلطف به حتى يرغب في الإسلام وتسكن إليه نفسه ويحب الدخول فيه. (ومن يُرِد أن يضلّه) أن يخذله ويتركه وشأنه، وهو الذي لا لطف له. (يجعل صدره ضيّقا حرجا) يمنعه ألطافه حتى يقسو فلبه، وينبو عن قبول الحق وينسدّ فلا يدخله الإيمان.(7)

موضوع الإضلال والهداية لم نتناوله كموضوع عقائدي عقلي فلسفي، بل تناولنا الموضوع ضمن منهج بعض المفسرين، بعيدا عن المذاهب العقائدية الفلسفية التي تقف من الموضوع في ثلاث اتجاهات، الأشاعرة والمعتزلة والإمامية، وبحثنا الموضوع عند مفسرين ينتمون للاتجاهات الثلاثة.

 

علي جابر الفتلاوي

.....................

المصادر

(1): محمد علي التّسخيري، محمد سعيد النعماني، المختصر المفيد، ص92.

(2): المصدر نفسه،  ص144 .

(3): الفخر الرّازي، التفسير الكبير، ج10، ص169 ، ج13، ص137 .

(4): محمد جواد مغنية، التفسير الكاشف، م3، ص261- 262 .

(5): محمد حسين الطباطبائي، الميزان، ج7، ص259 .

(6): محمد جواد مغنية، المصدر السابق، م2، ص400 .

(7): جار الله الزّمخشري، الكشّاف، ج2، ص122 و ص394.

 

علي المؤمنالمرجعية الدينية في مدرسة أهل البيت، تمثل امتداداً موضوعياً للإمامة في عصر غيبة المعصوم، وما يترتب على ذلك من مسؤوليات وحقوق وواجبات علمية ودينية واجتماعية ومالية تقع على عاتق المرجع الديني. وعلى أساسها تكون للمرجع الديني بصفته النوعية، ولاية حصرية على جملة من شؤون المجتمع الشيعي، كالولاية على إصدار الفتاوى والأحكام الشرعية، والولاية على الحقوق والأموال الشرعية، جباية وتوزيعاً، كالخمس والزكاة والصدقات ومال مجهول المالك وغيرها، والولاية على القضاء والتحكيم بين أفراد المجتمع، والولاية على الأُمور الحسبية والنظام الاجتماعي العام. ويتوسع بعض الفقهاء في إعطاء مساحة أوسع للفقيه؛ لتشمل الولاية على الحكم والدولة. ومردّ الخلاف بين الفقهاء بشأن ولاية الفقيه هي هذه المساحة فقط، وهو ما شرحناه في الفصل السابق.

وبالتالي؛ فإنّ المرجعية الدينية وولاية الفقيه مصطلحان مرادفان؛ فكل مرجع هو ولي فقيه أيضاً، بناء على إجماع الفقهاء، ولكن هناك ولي فقيه ذو مساحة مقيدة تقتصر على الفتوى والأموال والقضاء والحسبة، ولا تشمل الحكم، وهناك ولي فقيه ذو مساحة عامة تشمل ولاية الحكم أيضاً. وهذه الشمولية لا يختارها الفقيه بناء على رغبته الشخصية أو رؤيته السياسية؛ بل هي قضية علمية فقهية، يتوصل إليها الفقيه عبر الاستدلال والاستنباط العلمي الفقهي. وخلال هذا الجهد العلمي قد يتوصل الفقيه إلى شمول ولاية الفقيه على الحكم أو لا يتوصل. وحينها يحدد موقفه الواقعي حول نوعية تصدّيه للشأن العام؛ أي بناء على قناعته العلمية الفقهية.

وبصرف النظر عن القول بالعموم والخصوص؛ فإنّ المرجعية الدينية الشيعية ظلت ما يقرب من 1200 عام، أي منذ غيبة الإمام محمد بن الحسن المهدي المنتظر، تقف على رأس النظام الاجتماعي الديني الشيعي، وهي التي أوجدت هيكلية هذا النظام بالتدريج وبلورته، وحفظت من خلاله الشيعة من الضربات المتوالية والانهيار. وتشكل الحوزة العلمية الشيعية ـ منذ تأسست ـ مركز هذا النظام؛ فهي ليست جامعة لتدريس العلوم الإسلامية وتخريج علماء الدين وحسب؛ بل هي مركز النظام الاجتماعي الديني الشيعي. ولذلك يقف المرجع الأعلى على رأس الحوزة العلمية والنظام الاجتماعي الديني الشيعي، ويقودهما على كل الصعد.

إنّ النظرة إلى المرجعية الدينية تتجاوز القناعات الفكرية والاجتماعية والسياسية، لتندك بالواقع ومتطلباته. وأهم قواعد هذا الواقع:

1ـ إنّ المرجعية الدينية العليا ليست مرجعية علمية فقهية وحسب؛ بل هي منظومة دينية اجتماعية، تقف على رأس النظام الاجتماعي الديني للطائفة الشيعية الإمامية في العالم. ولهذه المنظومة معادلات ثابتة وسياقات عمل ونظم فرعية وتقاليد، أهمها الموضوع العلمي الديني المرتبط بالفتوى، والموضوع الاجتماعي الديني المرتبط بإدارة الشأن العام الشيعي وحفظ النظام العام. ويترشح عن هذه القاعدة ثلاث قواعد فرعية:

أ ـ إنّ المرجعية وحوزتها العلمية هما الوجود الأصيل والثابت والجوهري الوحيد في النظام الاجتماعي الديني الشيعي منذ بداية عصر الغيبة وحتى الآن.

ب ـ إنّ الوجودات والكيانات الشيعية الأُخر، سواء كانت سياسية أو علمية أو اجتماعية أو علاقاتية، مهما بلغ شأنها، هي وجودات عارضة متغيرة، ولا يمكن أن تتساوي مع المرجعية الدينية في مساحة القيادة والصلاحيات الدينية والاجتماعية والمعنوية.

ت ـ إنّ الإطار الذي ينبغي أن يضم جميع الكيانات الشيعية الفرعية العرضية، هو إطار النظام الاجتماعي الديني الشيعي الذي تقوده المرجعية العليا. وفي داخل هذا الإطار تكون علاقة الكيانات الشيعية بالمرجعية الدينية هي علاقة المتغير بالثابت، والفرع بالأصل، والتابع بالمتبوع.

2ـ إنّ منظومة المرجعية الدينية بطبيعتها هي منظومة تقليدية في بناها وأساليب عملها وحركتها. أمّا المحاولات الإصلاحية في الحوزة فلم تلامس ثوابت هذه المنظومة يوماً، ولن تستطيع ملامستها؛ بل تلامس التفاصيل والمتغيرات. وما حركات المراجع المصلحين المعاصرين في الحوزة النجفية والقمية وغيرهما؛ إلّا موجات وتيارات تأتي وتؤسس، ثم يبقى منها ما يتوافق مع ثوابت المنظومة المرجعية التقليدية. وهو ما ينطبق على المشاريع الإصلاحية التأسيسية المعاصرة في حوزة النجف في عهد مرجعية السيد محسن الحكيم (1)، وكذا ما أنجزه الشيخ محمدرضا المظفر (2)، والسيد محمدباقر الصدر (3).

وحتى منظومة ولاية الفقيه؛ بالرغم من قوتها المعنوية والمادية، وكونها أكبر مرجعية دينية في إيران؛ فإنّ تدخلها في منظومة الحوزة ظل مقتصراً على التوجيه ومأسسة النظم الفرعية العامة، ولم تتدخل في الثوابت التقليدية لمنظومة المرجعية ونظمها الخاصة؛ فبقيت المنظومة تقليديةً في ثوابتها، ومنظمةً ومؤسَسِية في متغيراتها، ومستقلةً في شأنها الإداري والمالي.

3ـ إنّ المرجعية تمثل دائماً الأبوّة لكل الوجودات الثقافية والسياسية والاجتماعية الشيعية، وإن كان بعضها ناقداً للمرجعية أو متمرداً على جزء من ثوابتها ومتغيراتها، أو كانت المرجعية لا تتوافق منهجياً مع هذه الوجودات المتغيرة العارضة. وبالتالي؛ فإنّ المرجعية العليا هي (أم الولَد) التي تستوعب أبناءها وتحتضنهم وتخشى عليهم الضرر، وتعمل على الحؤول دون إنكفائهم خارج النظام الاجتماعي الديني الشيعي، حتى وإن أخطؤوا بحقها أو بحق الواقع الشيعي (4).

تطوّر المفاهيم التدبيرية العقلائية

تستند أغلب المصطلحات والمفاهيم المتداولة في وصف ظواهر الاجتماع الديني الشيعي إلى قواعد عقلية، وليس لها أُصول تشريعية نقلية، وهي مصطلحات عرفية تدبيرية تنظيمية عقلائية. ولعل مبدأ ولاية الفقيه هو من المفاهيم القليلة التي تمتلك أصلاً تشريعياً، بوصفه الأساس لكل تفاصيل النظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ ما يعني أنّ ولاية الفقيه هي الأصل التشريعي لكل المصطلحات والمفاهيم التنظيمية العقلية المذكورة، وفي مقدمها الاجتهاد والتقليد والمرجعية الدينية والأعلمية.

ويقترن مفهوم (الأعلمية) بتولي الفقيه موقع المرجع الأعلى الذي تقلده أغلبية الشيعة في فروع دينها، وتناط به قضايا الشأن العام. كما أنّ مفهوم (الأعلمية) لصيق بموضوع التعدد في مراجع التقليد؛ فالفقيه الأعلم وفق معايير أهل الخبرة (المجتهدون العدول)، هو الأعلم في الفقه والأكثر قدرة وعمقاً على استنباط الحكم الشرعي الأقرب إلى الخطاب الشرعي الحقيقي، وهو صاحب الحق في تسنم منصب المرجعية العليا للشيعة وقيادتهم الدينية. ولا يعني هذا أنّ الإجماع سيحصل لدى أهل الخبرة؛ بل لدى أغلبهم، وهو ما يؤدي إلى استقرار رأي الأقلية من أهل الخبرة على مراجع آخرين، وبالتالي؛ تتعدد المرجعيات الرديفة؛ برغم وجود مرجع أعلى يؤكد أغلب أهل الخبرة مرجعيته.

وقد وُضع شرط (الأعلمية) ضمن شروط مرجع التقليد؛ ليكون تدبيراً عقلياً لفرز المرجع الأكبر المتصدّي، وحل مشكلة تعدد المرجعيات المتصدّية لزعامة الحوزة أو الشأن العام، والحيلولة دون تشتت قرار الحوزة والمجتمع. ونظراً لتفاوت المعايير واختلاف المخرجات؛ فإنّ (الأعلمية) تُعدّ أمراً نسبياً وإحرازها مستحيل. وبالتالي؛ فإنّ أهل الخبرة يختارون المرجع الأعلم بحسب قناعاتهم، وهي قناعات بشرية خاصة. بل إنّ متطلبات مأسسة المرجعية تتطلب إضافة معايير في الأعلمية تتجاوز الفقه والأُصول، ومن بينها الأعلمية في وعي مقاصد الشريعة ونظام الإسلام العام، والأعلمية في تشخيص المفاسد والمصالح وتشخيص الموضوعات ذات العلاقة بالشأن العام، وهو ما سيأتي شرحه في الفصول القادمة.

أمّا مصطلح (المرجع الأعلى) فهو الآخر مصطلح عرفي وإجراء تدبيري وليس رتبة علمية. وقد أوجده بعض علماء الحوزة العلمية خلال القرن العشرين الميلادي لفرز المرجع الأعلم المتصدّي للشأن العام عن غيره من مراجع الصف الأول. وهو تمييز مقبول، بل ضروري. ولم يكن الفقهاء حتى زمن السيد أبوالحسن الموسوي الإصفهاني والسيد حسين الطباطبائي البروجردي يحملون هذا اللقب؛ بل يحملون توصيفات «زعيم الشيعة» (لقب الشيخ المفيد)، و«شيخ الطائفة» (لقب الشيخ الطوسي)، و«الشيخ الأعظم» (لقب الشيخ الأنصاري). وربما يكون السيد محسن الحكيم أول مرجع حمل صفة «المرجع الأعلى».

وبالتالي؛ لا يوجد ما يمنع من استحداث مصطلحات وهياكل عقلائية مقبولة شرعاً، وتفي بالأغراض التدبيرية والتنظيمية، كما هو الحال مع مصطلح «الحوزة العلمية» في عصر الشيخ الطوسي، ثم مصطلحات «ثقة الإسلام» الذي استحدث في عهد الشيخ الكليني قبل أکثر من ألف سنة، و«العلّامة» الذي لقب به الشيخ الحلّي. ثم تمت استعارة لقب «حجة الإسلام» من الشيخ الغزالي، وبعدها استُحدث لقب «آية الله» للدلالة على المجتهد كرتبة علمية. وحين اضطرت الحوزة للتمييز بين عموم المجتهدين (آيات الله) وبين المرجع؛ أضافوا مفردة «العظمى» إلى آية الله؛ ليختص لقب آية الله العظمى بمراجع التقليد فقط. ثم تم استحداث مصطلح «زعيم الحوزة» و«المرجع الأعلى» للتمييز بينه وبين سائر مراجع التقليد؛ بوصفه المرجع العام الأول لكل الشيعة.

وليست هذه الإجراءات التدبيرية العرفية تقتصر على الشأن المذهبي والديني؛ بل يعمل بها كل البشر منذ بدء الخليقة وحتى الآن. وكلما اتجهت الكيانات الدينية والعلمية والأكاديمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية نحو تطوير هيكلياتها ومأسسة سياقاتها وأدواتها؛ ازدادت الحاجة إلى المصطلحات والرتب والعناوين. ولكن ينبغي التنبه إلى حساسية الشأن الديني في مجال استحداث المصطلحات والرتب والعناوين العامة والخاصة؛ بوصفه شأناً يربط بين الدنيا والآخرة، ويختلف عن الشؤون الدنيوية البحتة، ولا يمكن التسامح في الاستحداثات التدبيرية؛ بل يحتاج على الدوام إلى إقرار من الشريعة، أي إلى مقبولية شرعية ودقة فائقة في الدلالات، ولا سيما في العناوين الخاصة ذات الدلالات المقدسة.

المرجع المتصدّي وتعدد مرجعيات التقليد

إنّ الجعل الشرعي، بأنّ يكون لكل الفقهاء ولاية الفتوى والقضاء والحسبة وتداول المال الشرعي، يخلق إشكالية لا تزال مدار بحث ونقاش. فإذا كان الفقيه منصوباً من قبل الإمام المعصوم نصباً عاماً، ومعيّن تعييناً نوعياً؛ فهذا يعني أنّ الولاية هنا تكون لجميع الفقهاء، ولهم حق إعمالها في الزمان والمكان نفسيهما؛ لأنّهم معينون تعييناً نوعياً دون استثناء. وهو ما جرت عليه العادة؛ إذ يطرح المرجع الديني نفسه، ويؤكد أعلميته في الساحة العلمية من خلال دروسه وأبحاثه، ومن خلال تلامذته وحاشيته؛ فيكون مرجعاً يقلّده قسم من الشيعة، دون أن يكون لهم دور في تعيينه، ودون أن يكون للكفاءة القيادية والقدرة على تلبية الحاجات الاجتماعية أثر في التعيين غالباً.

والرجوع إلى الفقهاء وتقليدهم لا يدل على رجوع الأُمّة في زمن معيّن إلى فقيه أو مرجع بعينه؛ بل لكل من اجتمعت فيه الشروط المثبّتة في كتب الفقه والحديث، ولا سيما الفقاهة والعدالة. حتى إنّ الأعلمية غير مشروطة بجعل الولاية للفقيه؛ بل تتحقق الولاية لكل فقيه، كما تدل ظاهر الأحاديث، وهو ما أدّى إلى تعدد مراجع التقليد في كل عصر (5).

وحيال إشكالية تعدد مراجع التقليد؛ يرى المعنيون بالنظام الاجتماعي الديني الشيعي ضرورة حصول إجماع نسبي لدى أهل الخبرة في الحوزتين الشيعيتين المركزيتين (النجف وقم) لطرح أحد المراجع وفق شرائط معينة؛ ليكون هو المرجع المتصدّي أو المرجع الأعلى؛ للحيلولة دون التعارض بين المراجع في قضايا الشأن العام والنظام المجتمعي، وهو أمر أساس ومصيري للنظام الاجتماعي الديني الشيعي؛ لأنّ ممارسة جميع الفقهاء لولاية الحسبة في الشأن العام في وقت واحد ومكان واحد يؤدي إلى الفوضى وانهيار النظام العام. ولذلك؛ يمكن إضافة شرطي الكفاءة والمقبولية العامة إلى شرطي الاجتهاد والعدالة؛ ليكونا شرطين مرجِّحين في هذا المجال. أمّا إذا تحقق شرط الأعلمية النسبية؛ فستكون الشروط متكاملة في المرجع المتصدّي أو الأعلى الذي تكون له ولاية على النظام العام، كما الحاصل اليوم مع مرجعيتي السيد السيستاني والسيد الخامنئي.

وفضلاً عن أنّ هناك عرفاً موروثاً بحصر المرجع الأعلى والمرجعيات عامة، سواء في النجف أو قم؛ فإنّ دليل حصر المرجعية العليا المتصدّية للشأن العام وولاية الفقيه، كما هو السائد دائماً؛ هو الدليل العقلي التدبيري المقبول شرعاً؛ بل الواجب بالعنوان الثانوي، والذي يفرض وجود مرجعية عليا تتولى حصراً شؤون حفظ النظام؛ لدرء المفاسد عن النظام الاجتماعي الشيعي، والحيلولة دون تمزق قراره وتشظيه، ودون تمرد الجماعات الدينية الخاصة على زعامة النظام المتمثلة بالمرجع الأعلى المتصدّي.

 

د. علي المؤمن  

......................

الإحالات

(1) أُنظر: أحمد الحسيني ‌الأشكوري، «الإمام الحكيم السيد محسن الطباطبائي». صفاء الدين تبرائيان، «سيد محسن حکيم: إحياگر حوزه نجف». السيد محمد باقر الحكيم، «مرجعية الإمام الحكيم: نظرة تحليلية شاملة». عدنان إبراهيم السراج، «الإمام محسن ‌الحكيم». محمد هادي الأسدي، «الإمام الحكيم». هاشم فياض ‌الحسيني، «الإمام المجاهد السيد محسن الحكيم». علي المؤمن، «سنوات الجمر»، ص53 ـ 131.

(2) أُنظر: محمد رضا القاموسي (إعداد وتعليق)، «من أوراق الشيخ محمدرضا المظفر 1904 ـ 1964م». الشيخ محمد مهدي الآصفي، «الشيخ محمد رضا المظفر وتطور الحركة الإصلاحية». د. علاء حسن مردان اللامي، «تجربة الشيخ محمد رضا المظفر في الإصلاح الديني»، علي المؤمن، «سنوات الجمر»، ص34 ـ 76.

http://alhudamissan. com/index. php/2013ـ03ـ05ـ21ـ25ـ16/2013ـ03ـ05ـ21ـ25ـ11/5388ـ2019ـ01ـ09ـ13ـ39ـ41. Html

(3) أُنظر: السيد كاظم الحائري، مقدمة كتاب «مباحث الأُصول»، و«حياة وأفكار الشهيد الصدر». السيد محمد الحسيني، «الإمام السيد محمد باقر الصدر: حياة حافلة وفكر خلاق». أحمد أبو زيد العاملي، «السيد محمد باقر الصدر: السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق». نخبة من الباحثين، «محمد باقر الصدر: دراسات في حياته وفكره». علي المؤمن، «سنوات الجمر».

(4) علي المؤمن، جدليات الدعوة، ص178 – 186.

(5) للتفصيل حول موضوع الأعلمية وإشكالياته؛ أُنظر: الفصل التاسع من کتاب "الاجتماع الديني الشيعي" للكاتب نفسه.

 

صالح الطائيأثبتت كل المؤشرات أن هناك سعي جاد لإعادة بناء الكون ضمن مواصفات جديدة، فمن الثابت أن القوى العظمى تعمل اليوم على إعادة تشكيل الإنسان، والعمل على تصنيع نوع جديد من البشر يتم بناؤه ضمن مواصفات خاصة عن طريق ما يعرف بالتثقيب الكهربائي الذي يعيد نمط بناء الخلية البشرية ويحول الإنسان إلى إنسان مُصنَّع مخبريا، رغبة في بناء أفراد مرشحون ليصبحوا نواة الشعب الجديد للحكومة العالمية الواحدة، بعد انقراض الانسان التقليدي الذي ستقتله الفيروسات الجينية والحروب البينية والجوع والعطش وانعدام أو ندرة الموارد الطبيعية وحروب المياه والحروب الأيديولوجية. والسبب أن قادة المشروع العالمي أصبحوا يتهيبون ويشعرون بالخطر من تنامي قدرات الشعوب، وقد وجدتُ في الأرشيف وثيقة قدمها هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق إلى الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون تحت رقم (NSSM200)، تفيد أن الزيادة السكانية لدول العالم الثالث تهدد الأمن القومي الأمريكي، وأن الحروب والأوبئة الطبيعية التقليدية لم تعد الوسيلة الناجحة لوقف الانفجار السكاني أو التحكم به، ولابد من اللجوء إلى وسائل غير تقليدية وأسلحة مستحدثة جديدة من بينها التحكم في إنتاج الغذاء العالمي، والتحكم تكنولوجيا في خصوبة النساء، والتحكم في خرائط الـ (DNA) وإعادة تشكيلها، وإفناء أكبر عدد ممكن من الأفواه الأكولة غير المنتجة.

لم يكن رأي كيسنجر مجرد رأي عابر، فهو خلاصة للمداولات الفكرية المستمرة، وتصريح كيسنجر كان الإعلان الرسمي عنه، إذ سرعان  ما تم تطبيقه وتطويره في مراحله الأولى من خلال نجاحهم في التحكم بحركة أنواع خطيرة جدا وسريعة الانتشار من الفيروسات، هذا التحكم الذي كانت مرحلته الأولى قد جربت على مدى واسع جدا وغير مسيطر عليه مع فيروس كورونا المنفلت، حيث شخصوا من خلال هذه التجربة القاسية السلبيات والايجابيات، وحددوا خرائط التحرك والتوجيه ضمانا وحماية للنخبة المختارة. أما المرحلة الثانية فستكون برأيي عبارة عن فيروسات جينية مصنعَّة ومسيطر عليها لتتوافق مع أنواع محددة من الـ(DNA) المستهدف، أي تصنيع فيروسات تتولى مهمة البحث عن جينات محددة وخاصة لتهاجمها، فهي مبرمجة على هذا النوع من الحروب، ولا تهاجم جميع البشر ولا تتفاعل مع جميع خرائط الـ (DNA).

وقد تزامن هذا المشروع مع ولادة مشروع آخر مهدوا له إعلاميا من خلال السجالات الساخنة التي أثيرت حول أزمة الغذاء في العالم، والتخويف المبالغ فيه من خطر مجاعة عالمية تهدد العالم بالموت جوعا بسبب الزيادة المطردة في عدد سكان العالم قبالة انخفاض نسبة الأراضي الصالحة للزراعة وانخفاض الإنتاج العالمي من الحبوب الاستراتيجية، وتفاقم أزمة المياه الصالحة للشرب والزراعة العالمية، وندرة المواد الأولية وكثرة الأوبئة البشرية والزراعية والحيوانية الفتاكة ولاسيما الأمراض المشتركة، وانخفاض نسبة الموارد الطبيعية بشكل عام إلى حدٍ لا يكفى إلا لعدد محدود من البشر، لا يزيد في أفضل الأحوال عن 3,8 مليار نسمة من أصل أكثر من سبعة مليارات، بما يعني أن هناك فائضا بشريا يفوق العدد المختار، وبناء عليه لابد من التخلص من العدد الفائض لتجنيب العالم الخيالي ثورات جياع تحرق الأخضر واليابس، وتطالهم نارها.

عقليا وفكريا وعسكريا لا يمكن للحرب التقليدية أن تقضي على هذا العدد الكبير من البشر، فضلا عن المعارضة الشديدة التي سيلقاها مثل هذا المشروع، والتي قد تتسبب بتجمع الشعوب ضمن تكتل جديد يتصدى لهذا الغزو، مما يدفع القوى العظمي إلى استخدام خزين الأسلحة الفتاكة المبيدة التي ستتسبب بمقل من أعدوهم لخدمة مشروعهم، وهذا يفقدهم دعما هم بحاجة إليه. ولذا بحثوا عن وسائل متطورة لا تلفت الانتباه، فاختاروا الحرب الفيروسية الأشد فتكا والأكثر تأثيرا، وأرسلوها تجريبيا للتحكم بعدد نفوس العالم حسب الطلب. وأنا هنا لا أتكلم من منطلق نظرية المؤامرة عن فيروس كورونا، بل أتحدث عما بعد كورونا، وهو ليس ببعيد، ولذا اعتقد، بل أجزم أن القوة التي تملكها الشركات العملاقة العابرة للقارات بما في ذلك الكادر والشخصيات التي يسخرونها لخدمة مصالحهم في العالم كله، تؤكد بما لا يقبل الشك أن العالم تفاحة نضجت بهدوء، وستقع بيد الصهيونية والماسونية وأسر روكفلر  وروتشيلد ومورغان التي تتحكم بمصائر الشعوب عما قريب، وأننا كلنا نحمل لهم طوعا وبإرادتنا الأحجار التي سيبنون بها هيكلهم العظيم، والذي ستكون جماجمنا أرضية أسس بنائه الشاهق.

وفقا لهذا التصور أرى أن العالم بل الكون كله بعد كورونا ليس هو كما كان من قبل، حيث بدا البناء العكسي وزخم الترسيخ المبدئي للمتغيرات الكونية بدأً من حرب الفيروسات، والعمل على تغيير الجينات، ووصولا إلى صنع النخبة، صنع الإنسان المسير مسلوب القوى الفكرية والفاقد لاحترام النفس والمغرق بحب الشهوات، ومن ثم تحشيد هذا المنتج البشري الجديد قطيعيا لينفذ ما يؤمر به دون اعتراض، وسيقتضي هذا الإجراء التخلص من كل الأنواع الأخرى بعدة سبل بعضها لم تخطر حتى على بال الشيطان، ولذا أعتقد أن ما يتعرض له الإنسان العربي اليوم لا يخصه وحده، إذ له شركاء آخرون هنا وهناك في العالم يعيشون المعاناة نفسها ويتوجسون الخطر نفسه، وما يحدث ليس أكثر من محاولات لتفعيل هذا المشروع، الذي هو بالأساس بني لكي يغتال الخزين الفكري والثقافي للأمم والشعوب، سعيا لقتل الابداع وإيقاف عجلة التقدم فيها، تزامنا مع استيعاب العقول المائزة وتحفيزها للهجرة مع كل المساعدات التي يقدمونها لها؛ تلك الهجرة التي نسميها دون أن ننتبه لمقاصدها: "هجرة النوابغ" أو "هجرة الأدمغة"، ويتم تطبيق وتنفيذ هذا المشروع الخبيث وفق ثلاث خطوات، هي:

الأولى: تشجيع ودعم العسف والإهمال والحاجة والضنك المادي والحصار الاقتصادي والفكري، وحتى التنمر؛ الذي يتعرض له المفكرون والأذكياء في بلدانهم، فضلا عن عدم الاهتمام بمنجزهم مهما كان نوعه، مع استمرار تعرضهم للمضايقات والتهديد من قبل قوى ظلامية غير معروفة وميليشيات نخبوية بما يؤثر على مشاريعهم، وفي الجانب الآخر التلويح لهم من بعيد بمغريات لا يحلمون بها.

الثانية: الوضع القلق والخطير في البلدان المستهدفة وحالة الحرب العبثية التي تعيشها أغلب البلدان بما فيها بلدان وطننا العربي بدعم من المشرفين على المشروع وتشجيع منهم، بما يتهدد حياتهم وحياة من يحبون موتا أو خطفا أو تهجيرا، وهذا يدفعهم للبحث باستمرار عن ملاذ آمن.

الثالثة: المغريات الكبيرة التي تضعها سلطة المشروع العالمي الجديد أمام أنظارهم، ودفعهم قسرا للمقارنة بينها وبين ما هم عليه في بلدانهم، ترغيبا لهم في الهجرة.

والذي أراه أن جميع النظم والحكومات في العالم كله وليس في شرقنا فحسب ستقف مكتوفة الأيدي، وعاجزة كليا عن التصدي لهذا المشروع بعد أن نجح القائمون عليه في تفريق كلمة الأمم وزرع العداوة والبغضاء بين الشعوب؛ التي كانت حتى الأمس القريب تتكاتف وتتحد في مواجهة الخطر المحدق بها، بينما تحولت اليوم إلى كيانات لا أبالية متصارعة بلا هدف ولا تعرف حتى علام تتحارب!

وبالتالي أرى أن العجز عن تحقيق وحدة مهما كان نوعها ممكن أن يعوض عن طريق التوحد والتقارب وترطيب الأجواء وغلق كل سبل ومنافذ نشر الكراهية والبغضاء ومحاربة المناهج الطائفية والعمل على تقريب المجاميع من بعضها، وبخلافه ستتساقط هاماتنا في وقت ترانا فيه مشغولين بمقاتلة أهلنا.

 

الدكتور صالح الطائي

 

قواعد المنهج الاجتماعي ليست آلِيَّاتٍ ميكانيكية محصورة في الأُطُر النظرية، وبعيدة عن الواقع المُعاش، وإنَّما هي تيارات معرفية واعية، تشتمل على منطق التاريخ، وفلسفة التغيير، وضرورة التطبيق. وهذا يَدفع باتجاه تحقيق التوازن الداخلي في العلاقات الاجتماعية، وتحقيق الاتِّزان بين الأفكار الذهنية وعناصر البيئة، وُصولًا إلى حالة الثبات في جسد المجتمع. والثباتُ لا يعني جُمود الأفكار، وتَحَجُّر المنظومة العقلية، بَل يَعني الوقوف على أرض صُلبة من أجل الانطلاق إلى الأمام. وإذا كان المجتمع هو الكِيان الحاضن لأحلام الإنسان العابرة للزمان والمكان، فإنَّ الثَّبات هو كَينونة التَّحَوُّل الدائم، وصَيرورة التغيير الاجتماعي، حيث يتمُّ الانتقال مِن الوَعْي المُجرَّد إلى الوَعْي بالتَّغيير، الذي يَقُوم - بالأساس - على الوَعْي بالتاريخ، لأنَّ التاريخ شَرْط المعرفة، ولا يُمكن تغيير عناصر المكان إلا بمعرفة عناصر الزمان.

2

عمليةُ توليد المعرفة في العلاقات الاجتماعية لا تنفصل عن التجارب الروحية للأفراد، وخِبراتهم المادية. واستحالةُ الفصل بين التجربة والخِبرة تُؤَدِّي إلى تحريرِ الوَعْي الإنساني من سُلطة التفاعلات الرمزية في المجتمع واللغة، وتكوينِ نظام ثقافي إبداعي لا يُمكن حصرُه في القوالب الجاهزة والأنماط المُعَدَّة سَلَفًا، لأن القَولبة والتَّنميط مِن أشكالِ الهَيمنة الاجتماعية، وإفرازاتِ السُّلطة الثقافية. ومِن أجل إيجاد نسق مركزي في تحوُّلات الحياة الإنسانية اجتماعيًّا وثقافيًّا، ينبغي التَّحَرُّر من العناصر الضاغطة على قيم الإبداع، والانعتاق من المُكوِّنات التي تُحَاصِر الإنسانَ شُعوريًّا ولُغويًّا وبيئيًّا. وهذا الأمر من شأنه إعادة تعريف الأفكار ضِمن سياق الحقائق المعرفية والحالات الشعورية، وإعادة تَكوين البُنية الوظيفية للإنسان، باعتباره العُنصر الأساسي في الطبيعة، الذي يمتلك سيادةً على عناصرها. والهدفُ من امتلاك الإنسان للسِّيادة على العناصر هو تفسير الظواهر الفكرية، وتحليل البُنى الاجتماعية، وتحديد الاتجاهات المستقبلية. وبذلك تتكوَّن حَلْقة الوَصْل بين المعنى الوجودي والرمز اللغوي، وتتَّضح العلاقة المصيرية بين الدال (جسد المجتمع) والمدلول (رُوح الإنسان)، واللغةُ هي المنظومةُ المُسيطرة على الدال والمدلول، والجهةُ التي تَمنح الجسدَ كِيانَه وكَينونته، وتُعْطي الرُّوحَ شرعيتها وامتدادها. وجسد المجتمع هو الشكل العام، والمظهر الخارجي. والشكلُ يدلُّ على المعنى، والمظهر يدلُّ على الجَوهر. والإنسان هو مَعنى الحياة، ورُوح الإنسان هي جَوهر الوجود. وهذا يُثبِت أن فلسفة المنهج الاجتماعي تُمثِّل رِحلةَ اللغة من جسد المجتمع إلى رُوح الإنسان.

3

لا يُمكن تفسير العَالَم خارج إطار الأفكار، والإنسانُ لا يَملِك وُجودًا حقيقيًّا خارج اللغة. وفي ضَوء هاتَيْن القاعدتَيْن، ينبغي تفسير مصادر السلوك الإنساني، والتمييز بين الفِعل ورَد الفِعل، مِن أجل صناعة تيارات فكرية مُتكاملة وقادرة على التَّكَيُّف معَ التحديات المفروضة على هُوِيَّة المجتمع، وتستطيع الحفاظَ على تماسك هذه الهُوِيَّة، في ظِل الصِّراعِ بين الإنسان وذاته بسبب ضَغط الأنظمة الاستهلاكية، والصِّدامِ بين اللفظ والمعنى بسبب ضغط الرموز المُستترة في اللغة. والهُوِيَّة المُتماسكة في عَالَم مُمَزَّق تُصبح عَالَمًا جديدًا ومُجتمعًا كاملًا.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

علي المؤمنطرح مرجع النجف الأعلى السيد علي السيستاني آراءه الفقهية بشأن مبحث ولاية الفقيه في عدد من مؤلفاته، وأهمها كتاب «الاجتهاد والتقليد والاحتياط»، وهي دروسه في مرحلة البحث الخارج، والتي حررها تلميذه السيد محمدعلي الرباني، وكذلك الجزء الأول من تعليقة السيد السيستاني على كتاب «العروة الوثقى» للسيد محمدكاظم اليزدي، والجزء الأول من كتاب «الفوائد الفقهية»، الذي جمعه الشيخ محمدكاظم الجشي، فضلاً عن الاستفتاءات المنشورة في موقعه الرسمي بهذا الخصوص.

ويُعدّ كتاب «التقليد والاجتهاد والاحتياط»، وتحديداً الفصل الرابع منه؛ المصدر الأهم الذي يكشف عن آراء السيد السيستاني في ولاية الفقيه. وقد استدلّ فيه السيد السيستاني على ثبوت الولاية للفقيه في ثلاث مجالات، هي: الفتوى والقضاء والحسبة بصيغتها الواسعة؛ لكنه لا يرى للأدلة الروائية والعقلية التي أوردها القائلون بولاية الفقيه المطلقة (الرئاسة كما يعبر عنها في مطلع الفصل الرابع) حجية في ثبوت الولاية على الحكم، ومنها: مقبولة ابن حنظلة، ومعتبرة أبي خديجة، وروايات: «الحوادث الواقعة»، و«ورثة الأنبياء»، و«أُمناء الرسل»، و«مجاري الأُمور» وغيرها؛ فهو إمّا يضعفها سنداً وإمّا ينفي دلالتها (1). كما ينفي حجية الإجماع الذي أكده المحقق الكركي في كتاب «صلاة الجمعة»، والشيخ محمدحسن النجفي في «جواهر الكلام»، والشيخ النراقي في «عوائد الأيام» وغيرهم، بشأن ثبوت الزعامة العامة للفقيه، وشمول صلاحياته على الحكم (2).

ولعل أكثر ما يلفت النظر في معرض مناقشته لآراء الإمام الخميني في كتاب البيع (المكاسب)، بشأن حجية الدليل العقلي الذي يقول بضرورة استمرار تطبيق أحكام الإسلام التي تتعلق بالنظام العام ولا يمكن تعطليها، كالحدود والتعزيرات والأموال العامة والدفاع وغيرها (3)، وهي بحاجة إلى سلطة تقوم بتنفيذها؛ فإنّ السيد السيستاني يستعيض عن ولاية الحكم بخيار توسيع دائرة ولاية الحسبة؛ لتكون بديلاً يستوعب جميع الشؤون العامة التي لا يجوز تركها. أي أنّ السيستاني أحد أكثر الفقهاء الذين يوسعون مصاديق الحسبة ويوسعون صلاحيات الفقيه بصددها؛ بما يساوق ولاية فقيه شبه عامة، كما تدلّ أبحاثه.

ويخيل إليَّ لو أنّ السيد السيستاني طرح أبحاثه في ولاية الفقيه بعد العام 2003، أي بعد سقوط النظام البعثي، الذي كان يحصي أنفاس الفقهاء، فضلاً عن آرائهم، وبعد ظهور الحاجات الجديدة للدولة العراقية؛ فإنّه ربما سيتوصل إلى شمول ولاية الفقيه على الحكم؛ لأنّ ولاية الفقيه هي مسألة فقهية كغيرها من المسائل التي يختلف فيها العلماء مع بعضهم، ومع أنفسهم أحياناً؛ فتطرأ لديهم أدلة جديدة أو تفسيرات جديدة للأدلة أو قراءة جديدة للواقع وحاجاته المتغيرة. مع الإشارة إلى أن السيد السيستاني طرح أبحاثه هذه في العام 1407هـ (1986م) كما يوضح السيد الرباني في المقدمة.

وأعتقد أنّ من الطبيعي عدم إفصاح المعتقدين بولاية الفقيه على الحكم عن آرائهم في زمن النظام السابق. حتى إنّهم في معرض مناقشتهم لآراء الإمام الخميني الفقهية أو تأييدها لا يذكرون اسمه. مثلاً: السيد السيستاني كان في دروسه يشير إلى الإمام الخميني بصفة (أحد الأكابر) (4) ولا يذكر اسمه صراحة. بينما كان السيد محمد الصدر يعبر عنه بـ (أُستاذنا الكبير) (5).

 وسأكتفي هنا بعرض عدد من نصوص السيد السيستاني حول ولاية الفقيه، وهي على شكل فتاوى منشورة في كتاب «الفوائد الفقهية طبقاً لفتاوى السيد السيستاني». كما أنّ أغلب الفتاوى موجود أيضاً في موقعه الرسمي على شبكة الإنترنيت، وهي تتطابق مع آرائه الواردة في كتاب «الاجتهاد والتقليد»:

سؤال 41: هل يجب اتّباع الفقيه في أحكامه التي يصدرها ؟

الجواب: «إذا كان حكمه في موارد ثبوت الولاية فلا تجوز المخالفة» (5).

سؤال 43: ما حدود حاكمية الحاكم وموارد نفوذها في حق مقلِّدي الغير؟

الجواب: «تنفذ أوامر من تثبت له الولاية من الفقهاء على الجميع في الأُمور الحسبية؛ بل وفي الأُمور العامّة التي يتوقف عليها نظام المجتمع الإسلامي» (7).

سؤال 49: ما حدود ولاية الفقيه عندكم؟

الجواب: «الولاية فيما يعبّر عنها في كلمات الفقهاء (رض) بالأُمور الحسبية تثبت لكل فقيه جامع لشروط التقليد، وأمّا الولاية فيما هو أوسع منها من الأُمور العامة التي يتوقّف عليها نظام المجتمع الإسلامي؛ فلمن تثبت له من الفقهاء، ولظروف إعمالها شروط إضافية، ومنها أن يكون للفقيه مقبولية عامة لدى المؤمنين» (8).

سؤال 63: هل يجب على باقي الفقهاء الذين لا يرون ولاية الفقيه العامة؛ إطاعة الأحكام الولائية الصادرة عنه لضرورة حفظ النظام الإسلامي؟

الجواب: «حكم الفقيه الذي ثبتت له الولاية في موارد ثبوتها؛ لا يجوز نقضه ولو لمجتهد آخر، إلّا إذا تبين خطؤه ومخالفته لما ثبت قطعاً في الكتاب والسنة» (9).

سؤال 90: هل الأحکام الولائية للولي الفقيه نافذة علی جميع مسلمي العالم أم هي خاصة بمنطقة نفوذه وولايته؟

الجواب: «ولاية الفقيه فيمن تثبت له مواردها لا تتحدّد ببقعة جغرافية» (10).

سؤال 93: ما معنى ولاية الفقيه ؟

الجواب: «يعني نفوذ أحكامه شرعاً في موارد ثبوت الولاية له» (11).

سؤال 146: هل يجوز تشريع القوانين استناداً إلى اقتضاء المصلحة؟

الجواب: «يجوز ذلك لمن له الولاية شرعاً ضمن شروط خاصة» (12).

هذه النصوص تؤكد أنّ السيد السيستاني يوسع مساحة حفظ النظام العام الثابتة للفقيه الجامع لشروط الاجتهاد والعدالة والمقبولية العامة من المؤمنين. وبرغم أنّه يشير إلى عدم شمول ولاية الفقيه على النظام السياسي؛ إلّا أنّه يوجب إطاعة الولي الفقيه الذي قبل المؤمنون بولايته، حتى على المجتهدين الآخرين، وخارج حدود الجغرافية الوطنية؛ كما نفهم من النصوص. ويمكن القول إنّ رأي السيد السيستاني في توسعة صلاحيات الفقيه من خلال مبدأ ولاية الفقيه يختلف عن مبنى أُستاذه السيد الخوئي، ويتطابق مع مبنى السيد محسن الحكيم.

 

د. علي المؤمن

............................

الإحالات

(1) السيد السيستاني، «الاجتهاد والتقليد والاحتياط»، ص87 ـ 117.

(2) السيد السيستاني، «الاجتهاد والتقليد والاحتياط»، ص119 ـ 120.

(3) المصدر السابق، ص124.

(4) المصدر السابق، ص68.

(5) أو (سيدنا الأُستاذ) أحياناً أُخر. أُنظر: السيد محمد الصدر، «مبحث ولاية الفقيه».

(6) السيد السيستاني، «الفوائد الفقهية»، جمع: الشيخ محمدكاظم الجشي، ج١، ص٣٥.

(7) المصدر السابق، ج١، ص٣٦.

(8) المصدر السابق، ج١، ص38 ـ 39.

(9) المصدر السابق، ج١، ص45.

(10) المصدر السابق، ج١، ص٥٣.

(11) المصدر السابق، ج١، ص٥٣.

(12) المصدر السابق، ج١، ص70.

 

 

سامي عبد العالليس المصيرُ قفزةً صوريةً مجردةً، ولا هو اعتقاد معلَّق بسقف الزمان عند نهايةٍ بعينها. لقد افرزت السياسةُ وقررت الأديان: أنَّ صناعة المصير خارج إرادة الناس. وتلك فكرة غير إنسانيةٍ على الإطلاق، أي حين لا تتوقف الأفعال على حرية الإنسان. لأن الأخير عندئذ لايعدُّ أن يكون ريشة في مهب الريح (كما تقول الجبرية في التراث الكلامي). ومن قبل قرّبت الفكرةُ ذاتها (بلغة المسيحية) المطالبةَ بترك ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

حيث كان التَّركُ استفحالاً خرافياً لقيصرٍ بأنظمة استبدادية التهمت البشر والحياة والتاريخ. ولم يكن معنى الإله أقل من ذلك، فكيف سنعرف ما له حتى نقدم ما لنا؟ الإجابة أسست (الكهانة الدينية) طوال الحقب التاريخية المتعاقبة. ووقع الانسان بين (شقي رحى) سحقت عظامه وإرادته وفلقت رأسه. لأنَّ السلطة لدينا نحن بني البشر واحدةٌ، أبنيتُها لا تخلو من (القيصرية واللاهوتية) بشكلٍّ ضاغطٍ.

وإلاَّ... لماذا ننتظر (في حياتنا العامة) حتى تحدث المفاجأة القدّرية دوماً؟ وسواء أكانت المفاجأة تغيراً سياسياً أم تحولاً اجتماعياً أم معرفياً، فتنم عن ترك زمام المبادرة دون الإرادة الحرة. وهي مفاجأو ملقاة على بساط القدر الذي قد يأتي أو لا يأتي. وهي إنْ دلت على شيء فإنما تدل على اعتياد الخنوع والتواطؤ مع المجهول (الذي سيتشكل في الواقع بفعل فاعل). وكأنَّ آية الكتاب المقدس (اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) يترجمها القرآن على نحو آخر: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".

ولكن الاقتران يجمع بين الأطراف على نحو منحرف تحت سلطة قاهرة ما ويفيد التراتب أيضاً. ثم يغدو كعملية إحلال وتبديل (الإله – الرسول - السلطان) مثلما فعل حكام المسلمين وغير المسلمين. ولا يحق للإنسان التساؤل عن نتائجها كما لا يحق له المطالبة بمعرفة أشياء كثيرة: " يأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إنْ تُبد لكم تسؤكم". ومن ثم ظل التكتم حول "حق تقرير المصير" الجمعي شاغراً في تاريخ الإنسان. وبخاصة مع ثقافة التعمية على المشكلات والتقاليد الأبوية وانعدام قيمة الإنسان وشيوع الخرافة والخوارق وتمكن انظمة القمع والديكتاتورية من رقاب العباد والبلاد.

وفي هذا السياق من المهم الوقوف لدى كامل النص الوارد في الكتاب المقدس. لأنه ورد بتأويل ما داخل تعبيراتها اللغوية ذاتها. وأيضاً جاء المعنى للإيقاع بالمسيح في مواجهة سلطة القيصر. فالصياغة تحتمل دفعه إلى مصير كان سيبدأ في تلقفه آنذاك والاجهاز عليه.

قيل في سياق نصْبِ فخ للسيد المسيح والإيقاع به في حبائل معارضة السلطة القائمة :" أَرْسَلُوا إِلَيْهِ قَوْماً مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ وَالْهِيرُودُسِيِّينَ لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ. فَلَمَّا جَاءُوا قَالُوا لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَلَا تُبَالِي بِأَحَدٍ، لِأَنَّكَ لَا تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ، بَلْ بِالْحَقِّ تُعَلِّمُ طَرِيقَ اللّهِ. أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لَا؟ نُعْطِي أَمْ لَا نُعْطِي؟ فَعَلِمَ رِيَاءَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟ اِيتُونِي بِدِينَارٍ لِأَنْظُرَهُ. فَأَتَوْا بِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟ فَقَالُوا لَهُ: لِقَيْصَرَ. فَأَجَابَ يَسُوعُ: أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ فَتَعَجَّبُوا مِنْهُ " (إنجيل مرقس 12:12- 177).

اصطياد المسيح كان يجري بشباك اللغة والكلمات. وأصحاب المكيدة يعرفون أنَّه بذات الوقت يمكن أن يتم بشباك اللاهوت. فكيف لمن يُعلِّم الحكمةَ باسم الآب أن يعطي قيصراً ما يفرضه من جزيةٍ ظالمة؟! وتلك العملية أساسية في فهم علاقة اللاهوت بالسياسة دوماً. لأنَّ (علاقة آثمة) كهذه تضمر قدراً لابأس به من المراوغة دونما وضوح. بدليل قول المسيح لسائليه: لماذا تجربُونني؟! هذا السؤال يعني فضح العلاقة السابقة بين كل حاكم مستبد وشعبه. ولم تكن الإجابة بأقل فضحاً من الاستفهام ذاته؟ والتجريب نوع من الاختبار الوقح للتلاعب بما يدعو إليه صاحب المبادئ والقيم.

فقيصر ليس على مبعدةٍ من الإله في ذهنية الناس آنذاك وكأنَّ الاثنين ملتبسان، ولذلك كانت اشارة المسيح ذكية على ما تشي مقولته (ما لقيصر لقيصر وما لله لله). حيث يراهما المسيح من حيث بعض التناقض يقتسمان العطاء نفسه ولكنهما يفترقان في الهدف. تماماً مثلما حمل الدينار آنذاك (صورة وكتابة) قيصر بأمر الواقع. إذن في اللحظة ذاتها التي يعتقد فيها الناس قدرتهم على الانفكاك من قيصر سيُعاد قيصر مرة أخرى، من باب خلفي اسمه صورة الإله. وليس ذلك مدعاة للتفرقة كما قد يتصور البعض بين الصورتين (قيصر والإله) بل جاء التاريخ بالتماثل بعد كل هذا التراكم التاريخي!! لأنَّ العطاء واحد (أعطوا ما لله ... واعطوا ما لقيصر)، رغم كون الطرفين الآخذين مختلفين مما يرتب عليه النتيجة نفسها.

ليتضح حينئذ أنَّ الانفصال (بين قيصر والإله) كان تأكيداً لارتباط من نوعٍ آخر. بحيث يصبح الإنسان عبداً برأسين: رأس يخص التوجه للحاكم ورأس يتوجه إلى السماء. وظلت المسألة كيف يتم توحيد المشكلتين كما حاولت الأصوليات الدينية دفع التاريخ لصالح هذا الحل ولو بالعنف. ونشأ تسيس الشرائع لخدمة أغراض خاصة ومصالح اجتماعية محدودة. وتاريخياً انزلق المصير تحت ركام هذا الصراع الذي شق الحياة نصفين.

المصير نداء بشري قادر على اختراق هذا الصراع معبراً عن ذاته في شكل الحرية بأصنافها. كما لو كانت كلمة (المصير) تجيء جديدةً تماماً في كل حالةٍ على حدة. ولذلك يسمى هذا النداء في نصوص واعلانات حقوق الإنسان بـ (حق تقرير المصير). إذ سيختفي قيصر من جديدٍ (باسم الدولة) وسيعود الإله إلى السماء مُفارقاً تصوراتنا البرجماتية (باسم الإيمان الخاص). وربما كانت تلك الفكرة فكرة حداثية بامتياز حقوقي ونضالي خالصين. فكرة لم ينلها الإنسان إلاَّ بعد عصور من التنوير والعقلانية ومحاربة الأساطير. فنداء المصير بهذا المعنى لا يفارق الإنسان وجوداً وعدماً بألف ولام الابداع اليومي له. وانتقل المصير من اللاهوت والسياسة إلى أنامل البشر كتحقُق نسبي في الحياة. وهذا أبلغ اختراع لكيفية ترويض المستقبل. وبأية وسيلة يأتي بما سنراه وسنصنعه عبر الزمن؟!

بحيث يكون للإنسان نظامه السياسي المعبر عن مصيره في الإدارة والحكم والعمل والعيش والتصرف في أمور حياته. وبالتالي تغدو الدولة سياسات لتقرير المصير العام بآليات الضبط الذاتي وفقاً لإرادة عامة عصية على الانتهاك. ولا يمكن التلاعب بها تحت أي مسمى من المسميات إنْ أمكن. ومن ثم يمتلك الناس مصائرهم بواسطة قوانين تُرجع إليهم الحقوق وتدفعهم لبذل الواجبات بلا منازعة. كما تحول دون الاعتداء على مستقبل الآخرين حافظةً عليهم خط سيرهم بلا نهاية فوقية أو قهرية. لأنَّ الحياة العامة المشتركة هي مجموعة من التأجيلات لمصائر فردية ضمن المجتمع. إذ ذاك يصبح قانون التبادل الإرادي (الاختياري) هو الذي يجعل المصير استراتيجية بالإمكان اختيارها وتغييرها تبعاً لمصالح الناس وأهدافهم. وهو ما يعرف بنظام الدولة.

والمصير هنا يخرج عن إرادة الفرد، لكونه عملاً لا يقوى عليه إلاَّ المجموع حتى يستطيع العيش بحرية في عالم متغير. إذن لا ينبغي أن يجيئ المصير على محمل الرفاهية العاجلة أو الصدمة المنتظرة. والمشكلة دوماً أنَّ المصير لم يطرح كنوعٍ من الصناعة البشرية في أفق التاريخ. لأنه ما لم يبادر الإنسان تجاه تلك الخطوة، فهناك قوى أخرى ستنتهك مصيره. وليس أعنف من فرض مصير بعينه على الإنسان. لأنَّه في كل مرحلةٍ من مراحله سيصبح المصير وجُوداً أصيلاً للذوات الحرة. قد نسميه الحرية أو السعي نحو الغاية المنشودة لإنسانية الإنسان. وفي كل الأوقات، سيشعر الإنسان بكيانه الطلق وبالامتلاء الداخلي. ولذلك ليس المصير نوعاً من المظهر الزائف، بل يمثل مشروعاً قابلاً للانفتاح.

ليس ثمة كلمةٌ تنال كماً من الخداع مثلما هي كلمة المصير. فالمجهول المختلط بدلالتها يتيح إمكانية تشغيل أية قوى سياسية قابعة فيها، بل أية قوة باسم الله تهيمن على إرادة الناس. لنسترجع مسألة القدّر التي كانت عنواناً لحرية الإرادة في بواكير الفكر الإسلامي. لقد انفق الفقهاء وعلماء الكلام أزمنة وأدمغة في اعتبارها حرية من نوع مسيس ولاهوتي بالأساس. حيث لم يُعطَ الإنسان حريته إلاَّ تحت شروط من هذا الإطار. حتى الإيمان الديني من عدمه اعتبروه موضوعاً لقدر لا يصرفه إلاَّ الله كما فهموه وحددوا مقاصد شرائعه. وأنَّ المؤمنين الآخرين يتعقبون أصحاب الايمان بحثاً عن نواقص الإيمان ذاته. وهي الفكرة المعروفة بمرتكب الكبيرة (القتل/ الكفر/ أكل مال اليتيم / قذف المؤمنات المحصنات / شهادة الزور...). أيعتبر هذا المذنب مسلماً مؤمناً أم غير ذلك؟! والرأي الشهير – من جهة المعتزلة- أنه في منزلة بين المنزلتين. فلم يكن كافراً خالصاً ولا مؤمناً صرفاً!!

أي أن تلك الحرية تخضع لملء القدر الديني الذي يرسم معالمه شيوخ الفرق وأتباعهم. أما الإمامة في دائرة المصير العام، فكانت ثمة حروب فقهية حول ماهيتها وشروطها والاجماع والمبايعة وفقه السمع والطاعة وعدم الخروج على الإمام. كل ذلك لم يكن بمنطق المصير السياسي الدنيوي، لكن وضعَ " ختمَ القدر" بمعناه الديني السياسي فوق غلافه المحكم الاغلاق.

ومفهوم القدّر حينما ابتلع المصير سياسياً كان يعني:

1- تعليق حرية الإنسان عن ممارسة الاستقلال والتأثير إلاَّ وفقاً لما يأتي من قوة أعلى.

2- ثمة خلط عجيب بين الشأن الإلهي الكوني والشأن اليومي الحياتي على التوالي. بحيث يصبح الأول مادة (لتخثُر) الإرادة الانسانية تجاه صروف الحياة.

3- تصفية الإرادة العامة في قبر اسمه النزعة الفردية. فمن سيحمل إرادة الفرد طي الكتمان سوى الفرد ذاته. ولا يصح أنْ تنتقل هذه الإرادة في سياق عام إلى التأثير في إرادة أي فرد آخر. ولذلك كانت الإرادة العامة في المجتمعات العربية الاسلامية غائبةً تماماً.

4- أنَّ القدّر لا يطرح قضية المسؤولية. وبالتالي يضيع المسؤول وراء كل عمل رغم أننا في النحو العربي نمتلك وظيفتين اعرابيتين له (الفاعل – نائب الفاعل). وكأن النحو يكثر من الفاعلين كي لا نعثر على أي أثر حقيقي لهم. ومع ضياع المسؤولية تنعدم أهمية القوانين والقيم والأخلاقيات والتبعات الإنسانية.

5- لدى كل قدر يقبع من يملك سلطة ما سواء أكان قيصراً أم إلهاً: "حتى شاع القول الناس على دين ملوكهم". وكلمة الدين مقصودة ثقافياً في هذا الموضع. لأنها قانون الفعل في حياة العرب والمسلمين.

6- نتيجة تعليق الإرادة باسم المصير كانت البطولة مرتبطة بالفتوة الخاصة. وهذا سر انتشار قصص البطولة والشجاعة في التراث العربي (مثل عنترة بن شداد وأدهم الشرقاوي وأحمد عرابي وسعد زغلول ومصطفى كامل وعبد القادر الجزائري .. وغيرهم). وهو ما نجد بقاياه في استبداد الحُكام وشيوع قصص الأولياء وأصحاب الخوارق والعارين والشطار واشعار الحماسة والفخر بالقبيلة والقوم والعشيرة، وحتى انتشار مدعي النبوة والربوبة من وقت لآخر. وهو السبب نفسه وراء دس قصص الانتحال والأسطرة في السرديات الشعبية.

ألم يقل عبد الرحمن ابن خلدون في مقدمته الشهيرة: ".... العرب لا يحصل لهم الحُكم والمُلك إلاَّ بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين.. والسبب أنهم أصعب الأمم انقياداً بسبب الغلظة والأنفة وبُعد الهمة والمنافسة في الرياسة وقلما تجتمع أهواؤهم. فإذا كان الحكم بالدين أو الولاية ذهب عنهم خُلق الكبر والمنافسة، فسهل انقيادهم واجتماعهم... فإذا كان فيهم النبي أو الولي الذي يدعوهم للقيام بأمر الله ويذهب عنهم مذمومات الأخلاق ويؤلف كلمتهم لإظهار الحق يتم اجتماعهم وتحصل لهم الغلبة والملك."

لنلاحظ تقرير ابن خلدون لرأيه في مصير العرب كما لو كان يقيناً لا ريب فيه. ويعلل انعدام الحكم (بالمفهوم العام، قيام الدولة) بأسباب خاصة. تُرجع الأمور إلى دلالة الأفراد. وسواء أكانوا طائفة أم أناساً لهم رغباتهم، فإنهم يحشرون داخل هذا القوس الذي يشده الدين تحديداً. وتلك سلطة الطاعة العمياء نتيجة الانقياد باسمه. أي الغلبة التي تحتل المجال العام نظير الإرادة الفردية لحاكم أو لمسئول. إنَّ الكامن هناك وراء هذا الكلام هو (المصير بمعنى القدّر). لأنَّ الأفراد لا يمتد فعلهم عادة خارج ذواتهم، فالقدر لم يمش خطوة واحدة إلى هناك، إنه يقف بهم لدى تلك العتبة المستحيلة، فما بالنا بالعمل السياسي العام القابل للتغيير.

ولذلك فإن الأنّفة والغلّبة اللتين تصطدمان بسلطة النبوة سرعان ما تتصالحان معها. وهي سلطة اعتقادية لاهوتية وليست سياسية صراحة. لكن لم يتوان ابن خلدون عن تأكيد هذا الخلط (اللاهوتي السياسي) كي يظهر انصياع العرب لحاكم أو لسلطان. ورغم أن ذلك أمر سياسي بالنهاية إلاَّ أنه يحدد رؤى الحياة في الثقافة كذلك. فالقدر لا يُدفع إلاَّ بالتسليم المطلق له. وهذا يعني التسليم للدين ولشيوخه ولغلبة الجماعات الدينية والمذاهب والفرق والنحل. وهذا يفسر اعتبار الاستبداد من وجهة نظر السلفية ليس كافياً للخروج على الحاكم. فابن تيمية يقول " إنَّ استبداد الحاكم ستين عاماً أهون من مبيت ليلة واحدة دون سلطان".

قال الشيخ متولي الشعراوي لحسني مبارك حينما عاد مذعوراً عقب محاولة اغتياله بأديس بابا 1995 واستقبلته مواكب النفاق والدموع من كبار الكتاب والصحفيين والشاشات المتلفزة: إنَّ المُلك بيد الله لا لبشر أنْ يعطيه لأحدٍ.. ولا يستطيع أحدٌ أخذه من غيره دون إذن من الله .... مُنهياً كلمته : " إذا كنت أنت سيادة الرئيس قدرنا، فليوفقك الله ... وإذا كنا نحن قدرك، فليُعنك الله على أنْ تتحمل ما قُدر لك". في الاحتمالين كان كلام الشعراوي تبريراً قاساً على المتابعين للحاكم المستبد. وكمُن هناك في تلافيفه المراوغة هذا التأكيد على استحالة التغيير السياسي ولو جاء موتاً النظام لرأس أمام العالم. بل إن الاحتمالين في الحقيقية بمثابة احتمال واحد. وبهما ادانة لما حدث من محاولة اغتيال واطلاق يد حسني مبارك بالحكم الفاشي إلى أخر المدى. فالله هو واضع القدر في الشطر الأول (إن كنت أنت قدرنا)، والله هو مصدر الشطر الثاني (إنْ كنا نحن قدرك)، بالتالي جاءت النتائج تحصيل حاصل، جاءت الكلمات (لغواً فارغاً) استحسنه الرئيس، وكان طُرفة دينية سياسية مددت حكم مبارك، وجعلت الرأي العام الشعبي يؤيد حكم الرئيس ويهتف من جديد (بالروح بالدم نفديك يا ريس!!).

والاشارة تحدد أنَّ التغيير السياسي مجرد قدّر لا راد له. وأنه مالم تكن يدُ القدر نفسها مسؤولة عنه، فليتصرف الحاكم جرياً على استبداده كيفما شاء. فماذا يتحمل مبارك من شعبه؟ وهل ذلك سيحدد حياة سياسية سليمة؟ بل هل هذا المعنى صحيح أصلاً؟ وهذا الكلام سياسي بالدرجة الأولى، كما لوكان الحاكم هو بعينه مصير شعبه، وأنَّه لا سبيل إلى زحزحته إطلاقاً. كما أن مقدمته (أن الله هو الذي يعطي الملك..) مقدمة حقيقية (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء...)، لكن القياس فاسد بالكلية في هذا السياق، مما جرَّ حُكماً فاسداً على المقدمات المنطقية التي لا تقبل نتائج بهذا المعنى.

بجانب ذلك، فإنَّ مقدار إذعان الرجل العربي لسلطة القدر سيكون بمقدار ايمانه بالتغير الخارق للعادة. هو الوجه المقابل لانتظار الأقدار (في غير مكانها) حتى تسبب وتحدث ما تريد وقتما تريد. وهذا سر استمرار الاستبداد في المجتمعات العربية لسنوات وسنوات دون حراك ودون محاولة تغيير ولا أى اعتراض. وهو ما يعرف بصناعة الفرعون في الثقافة المصرية وصناعة الديكتاتوريات في الثقافة الشرقية وصناعة الرعاة للعبيد. لأنها معطيات تاريخية وليدة مفاهيم القدر لا وليدة التحول السياسي الحقيقي والانفتاح على العالم وتنمية المجتمعات وتداول السلطة وسيولة الأنظمة. مثلها كمثل أية انجازات وصلت إليها الإنسانية إجمالاً في مجال السياسة.

 

د. سامي عبد العال

 

حميد بن خيبشتجتاح العالم كل لحظة أكاذيب من النوع الذي يسميه جون. ج. ميرشيمر "الكذبات الاستراتيجية"، أي صيغ التلفيق والتصريحات الخادعة والمتحررة من كل قيد أخلاقي، والتي يضطر الساسة والزعماء لاقترافها حرصا على المصلحة، وتجاوبا مع عالم مليء بالمخاطر. ولا يمكن تفسير أي حدث سياسي دولي بمعزل عن التفكير في الكذب ومبرراته المنطقية، ومنافعه المحتملة التي تحمل السياسي على ارتكابه، إن على مستوى الشأن المحلي للبلد أو على مستوى السياسة الخارجية.

إن قلة الأبحاث العلمية التي تعالج بوضوح مسألة الكذب في السياسة الدولية، وترصد تكاليفه وتأثيراته على العلاقات الدولية كانت حافزا لجون ميرشيمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، وأحد ألمع الباحثين الأمريكيين في السياسة الخارجية، لإصدار كتاب يقترح من خلاله أطرا تحليلية توفر أطروحة نظرية عن الكذب في الإطار الدولي، وتُعرف بقائمة الأكاذيب التي تساير التقلبات الدولية، لكنها لا تخلو من ضرر وأثر سلبي على الجبهة الداخلية.

من المؤكد أن الكذب عمل مشين في الحياة اليومية، ولا يقبل أحد أن يوصف بأنه كاذب. لكنه في الحقيقة سلوك مقبول في السياسة الدولية مادامت الذريعة دوما متصلة بالمصلحة الوطنية وحماية البلد. لذا يجد الساسة أنفسهم مطمئنين إلى أن الشعوب لن تعاقبهم بسبب خداعهم ،مالم ينتج عن أفعالهم عواقب وخيمة. وهنا ينتصب الفرق واضحا بين الكذب المحلي الذي لا يشجع عليه المجتمع، بل ويحاربه، وبين الكذب الدولي الذي يجري توظيفه كأداة استراتيجية للحفاظ على البلد. وفي ظل سياسة دولية قاسية تفتقد لسلطة يمكن اللجوء إليها في حال التعرض لتهديد حقيقي، يضطر القادة للتجاوب مع منطق "ساعد نفسك بنفسك"، مما يفتح الباب واسعا أمام ألوان الكذب والغش. ولا يعني هذا، يقول ميرشيمر، إنكار أن كثيرا من القادة يفضلون حلبة دولية محكومة بمبادئ أخلاقية، لكنه يظل أمرا غير واقعي في غياب بنية سيادية تتولى فرض تلك المبادئ.(1)

يندرج الكذب والتلفيق والتكتم ضمن عنوان أشمل هو الخداع، أي تبني خطوات متعمدة لمنع الآخرين من الوصول إلى الحقيقة ومعرفتها. وبينما يتضمن الكذب تأليف أخبار مزيفة، أو إنكار ما هو صحيح منها، فإن التلفيق، رغم ضبابية التمييز بينهما، يقوم على عرض الحقائق ضمن ترتيب معين يخدم مصلحة شخصية. بمعنى أنه ليس كذبا وإنما مبالغة تركز على جوانب معينة وتتجاهل أخرى. أما التكتم فمرتبط بحبس وإخفاء الحقائق التي لا يخدم إظهارها موقف الفرد. وعادة ما يفضل القادة التلفيق والتكتم عل الكذب الصريح، لكونهما أقرب إلى الاقتصاد في قول الحقائق من إطلاق المزاعم الباطلة.

يحدد ميرشيمر خمسة أنواع من الأكاذيب يجري اختلاقها في أروقة السياسة الدولية، وتحظى بقيمة استراتيجية لكونها تروم تحقيق المصلحة العامة. وتشمل كلا من "الأكاذيب بين الدول"، و"أسلوب إثارة الذعر"، و"التغطيات الاستراتيجية"، و"الأساطير القومية"، ثم "الأكاذيب الليبرالية". ورغم صعوبة الحصول على أمثلة يكذب فيها القادة والدبلوماسيون بعضهم على بعض، لكونها تظل في الغالب مُحكمة الإخفاء على من هم خارج منظومة صنع القرار، إلا أن الكاتب يميل إلى الاعتقاد بأن ممارسة الكذب بين الدول ليست أمرا اعتياديا بالنظر إلى تكلفته التي تتجاوز الفوائد أحيانا، وإلى المخاطرة العالية التي قد تلحق ضررا بمنسوب الثقة المفترضة بين الدول. أما حين يتعلق الأمر بالحق في البقاء وحماية المصالح الاستراتيجية فإن الكذب يصبح جزءا من منظومة الطرق الملتوية التي تكفل حماية الأوطان. موقف تعبر عنه بوضوح مقولة إسحاق شامير، رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق: من أجل إسرائيل يجوز الكذب!

يعود الدافع لتبادل الكذب بين القادة إلى محاولة كسب تفوق استراتيجي، وتوفير حماية ذاتية. فتحت بعض الظروف، يقول الإعلامي الأمريكي جودي باول، ليس للدولة الحق في أن تكذب فقط، بل يصبح الكذب واجبا إيجابيا. وضمن قائمة طويلة من الأكاذيب الدولية ينتقي ميرشيمر نماذج يعتبرها الأكثر رواجا، ومن بينها:

* المبالغة في تصوير قدرات الدولة لردع العدو وإخضاعه، كما فعل هتلر بشأن قدرات جيشه إبان الحرب العالمية الثانية، حيث بالغ في تضخيم قوة الدفاع الألمانية ( فيرماخت) للحؤول دون إعاقة بريطانيا وفرنسا لمحاولته إعادة تسليح بلده .

* التقليل من قدرات الجيش أو من فعالية سلاح حربي معين، تفاديا لأي استفزاز يؤدي إلى تدمير لتلك القدرات أو وقف تطوير السلاح. وهو الأسلوب الذي اعتمدته بريطانيا في الحرب العالمية الثانية عند اختراعها للدبابة، حيث أطلقت سلسلة شائعات موجهة للألمان، مفادها أن الاختراع ليس سوى صهريج لنقل المياه للخطوط الأمامية، وأن المصنع الذي يتولى إنتاجه ليس من اختصاصه الصناعة الحربية.

* التأثير في نشاط دولة أخرى منافسة، ودفعها للقيام بأمر لم تكن ترغب القيام به. تماما كما فعل الرئيس الأمريكي رونالد ريغان عام 1986 ، حين أثارت مخاوفه نوايا إرهابية للعقيد الليبي معمر القذافي، فنشر البيت الأبيض تقارير كاذبة عن قصف أمريكي وشيك لليبيا، وربما انقلاب عسكري يقصيه من الحكم. تهديد أخذه القذافي على محمل الجد فتخلى عن دعمه للإرهاب .

* المبالغة في الإمكانات الحربية لدولة منافسة لحث الحلفاء على التدخل، وتبرير ضربة استباقية. وقد لجأت حكومة بوش إلى هذا النوع من الكذب لحمل الصين واليابان وكوريا الجنوبية على اتخاذ موقف متشدد من كوريا الشمالية، حين بعثت بموظفين أمريكيين من مجلس الأمن الوطني في العام 2005 للادعاء بأن كوريا الشمالية زودت ليبيا بمادة اليورانيوم، بينما كان المزود الحقيقي هو باكستان.

* الكذب للخروج بأفضل النتائج أثناء التفاوض أو عقد اتفاقيات ومعاهدات رسمية. ولهذا النوع أمثلة عديدة منها: حظر السلاح، ومفاوضات وقف الحرب، والتعاملات التجارية وغيرها. حتى صارت قوة التفاوض، برأي توماس شيلينغ الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، هي القوة في الخداع والتمويه.

إن نزعة الكذب هذه تقود بالأساس إلى الشعور بعدم الاطمئنان، خاصة بين الدول التي تعيش في مناطق نزاع، وتشعر دائما أنها معرضة للخطر. لكن ذلك لا يمنع تمرير نوع من الكذب اليسير حتى بين الدول الصديقة. كذب تمليه المصلحة الاستراتيجية التي يؤمن واضعوها ومخططوها بأن لاوجود لتحالفات دائمة.

الصنف الثاني من الأكاذيب هو استخدام أسلوب إثارة الذعر، والذي يتضح جوهره في التصريح الشهير لكمال أتاتورك :" من أجل الشعب، رغما عن الشعب ". ويهدف في العادة إلى إثارة حالة من الخوف عن طريق تضخيم تهديد موجود فعلا لكنه محدود الأثر، سعيا وراء سند شعبي للزيادة في الإنفاق العسكري، أو دعم التجنيد الإجباري. ولهذه الاستراتيجية يرجع الفضل في جر الشعب الأمريكي المتردد وغير المتحمس للحرب إلى المصادقة على التدخل العسكري الأمريكي في شتى أنحاء العالم طوال سبعين سنة الماضية؛ فقد مكنت روزفلت من ذريعة مناسبة للمشاركة في الحرب العالمية الثانية، وهيأت لليندون جونسون تفويضا مطلقا لشن الحرب على فيتنام الشمالية، بل وأتاحت للرئيس بوش التغلب على حالة الممانعة القوية لغزو العراق سنة 2003. لكن يظل هذا الأسلوب غير ديموقراطي لكونه يعتمد الخديعة طريقة وحيدة لتحريك الشعب، وإثارة حماسه إزاء مخاطر غير واضحة. وأحيانا جره للموافقة على قرارات لن يقبل بها في الأحوال العادية. غير أن حملات الذعر السيكولوجية لا تنطلي على النخبة من المتعلمين المتمردين، والقادرين على تقدير الحقائق وتقييمها، مما يسيئ لاحقا إلى المؤسسات الديموقراطية، ويقود إلى كوارث إنسانية كما حدث في العراق وفيتنام .

يتمحور الصنف الثالث من الأكاذيب حول التغطيات الاستراتيجية. وهي أسلوب يعتمده القادة إما للتستر على سياسة تعرضت للفشل الذريع، أو لإخفاء استراتيجية جيدة قد تثير الجدل، وتواجَه برفض جماهيري. والغاية من ذلك هي إخفاء نقاط الضعف عن العدو، وتجنب قلاقل داخلية قد تسهم في تقويض الوحدة الوطنية.

في الرابع عشر من أكتوبر سنة 1953 انطلقت فرقة كوماندوز تحت إمرة الميجر آرييل شارون، وبأمر من القيادة للمركزية للجيش الإسرائيلي، لتنفيذ مذبحة بقرية "قبية" في الضفة الغربية، حيث لقي تسعة وستون فلسطينيا مصرعهم ردا على مقتل امرأة إسرائيلية وطفليها. أثار هذا التصرف ضجة عالمية بما في ذلك أوساط الجالية اليهودية بأمريكا، إذ اعتبر الباحثون أن المذبحة الرهيبة مثال للقسوة غير المسبوقة في تاريخ إسرائيل القصير، وتعرضت الحكومة الإسرائيلية جراء ذلك  لهجوم كبير ومشاكل جمة على المستوى الداخلي، فضلا عن الأضرار التي لحقت سمعتها الدولية.

لم يجد رئيس الوزراء آنذاك، ديفيد بن غوريون، سوى التغطية الاستراتيجية على الحدث عبر توجيه اللوم للمستوطنين في الحدود اليهودية، والادعاء بأن التحقيق في المجزرة أثبت عدم تواجد أية وحدة عسكرية في قواعدها ليلة الهجوم !

يعمد القادة إلى التغطية الاستراتيجية فيما يرون أنه يخدم المصلحة الوطنية. وعادة ما تكون الدولة آنذاك في إحدى الحالات التالية: إما التماس جغرافيا مع منطقة مشتعلة، أو التورط في أزمة، أو التواجد في حالة حرب، أو حتى التعامل مع منافس. والنقطة الجوهرية هنا هي أن احتمال اللجوء إلى التغطية الاستراتيجية تحكمه نفس الملابسات التي تدفع الدول للكذب بعضها على بعض.

مع ظهور القومية الوطنية في القرنين الماضيين تخللت عملية بناء الدولة القومية أساطير مقدسة عن الماضي، تصور كل عرقية بشكل أفضل، بينما تضع الخصوم في صورة سلبية. وتطلب اختراع تلك الأساطير اتساع نطاق الكذب، سواء بشأن الوقائع التاريخية، أو تبرير بعض الأحداث السياسية المعاصرة. هكذا أصبحت الأساطير القومية كذبة ضرورية، تشكل برأي المنظر السياسي الفرنسي إرنست رينان عنصرا مهما في بناء الدولة.

تتولى النخبة المسيطرة على مسارات التفكير في كل دولة قومية مهمة اختلاق الأساطير لتحقيق مطلبين أساسيين هما ترسيخ التضامن الاجتماعي، وخلق شعور قوي بالوطنية، يستدعي الإحساس بالانتماء وتحمل الصعاب في سبيله. وتعد إسرائيل مثالا حيا للدولة التي تعتمد في بنائها على آلة مؤثرة لاختراع الأساطير. بل ضمنت تلك الاستراتيجية للصهاينة تعزيز موقعهم في الساحة الدولية، وإقناع جاليات الشتات بالقدوم إلى أرض الميعاد بعد نكبة 1948.

فعند نشوب الحرب بعد قرار التقسيم، والإجلاء العرقي لنحو سبعمائة ألف فلسطيني، وجدت إسرائيل نفسها في وضع المعتدي، مما خلف ردود فعل دولية ضدها. لذا لجأت بدعم من أصدقائها الأمريكيين، وعلى امتداد أربعة عقود، للترويج لأسطورة مفادها أن ما جرى لم يكن تطهيرا عرقيا وإنما فرار طوعيا للفلسطينيين من منازلهم، بعد أن طلبت منهم الدول العربية ذلك لتتمكن جيوشها من إلقاء اليهود في البحر. ولم يتم تفكيك أوهام هذه الأسطورة إلا خلال العقدين الماضيين، مما أثر على التعاطف الأمريكي الشعبي مع سلوك إسرائيل.

تهدف الأساطير إلى تلميع الذات، وإخفاء السلوك المشين الذي يصحب عادة الظروف القاسية والعنيفة لإنشاء الدولة، فتجتهد النخبة لنسج قصص النبلاء في صراعهم مع الشياطين! ورغم التحدي الذي تواجهه تلك الأساطير إلا أن الجهود المضنية لتسويقها لا تزال حتى اليوم تحقق مكاسب مثيرة، لأن الأفراد بحاجة إلى من يقنعهم دوما بأنهم أخيار. يقول ميرشيمر: " إن خلق الأساطير القومية ليس مجرد تأليف بعض النخب قصصا مُختلقَة وتمريرها إلى جماهيرهم. فالحقيقة هي أن الناس العاديين يكونون عطشى لتلك الأساطير؛ فهم في حاجة إلى سماع قصص وحكايات عن الماضي تصورهم بأنهم أحياء ذوو قبعات بيضاء، في مواجهة القوميات الأخرى ذوي القبعات السوداء. وبالتالي فإن خلق الأساطير القومية هو فعل مدفوع من الأدنى كما هو مدفوع كذلك من الأعلى "(2).

ورغم إقرار قادة العالم بمنظومة الأعراف الليبرالية التي تحدد أشكال السلوك المقبول بين الدول في حالي الحرب والسلم، وتأكيد التزامهم بسيادة القانون، إلا أن مخالفة تلك الأعراف بات أمرا مقبولا تمليه مصلحة البلد، مثل انتهاك نظرية الحرب العادلة في النزاعات، أو فرض عقوبات اقتصادية جائرة تخلف كوارث إنسانية، كالحظر الجائر الذي راح ضحيته خمسمائة ألف عراقي وفق تقديرات منظمة اليونيسيف .

إن تصرف الدول على نحو مخالف للقانون الدولي يغذيه الحس البديهي لدى معظم الناس بأن السياسة الدولية شيء قذر، وأنه لا غضاضة اليوم من التصرف بواقعية والتحدث بمثالية. بيد أن الناس يحبذون بالرغم من ذلك القول بأن دولهم تتصرف بعدالة واحترام للقوانين بخلاف أعدائهم !

للأكاذيب الدولية آثارها السلبية، كما أن احتمال انتكاستها العكسية يظل قائما حين تترسخ لدى القادة نظرة دونية لشعوبهم، ويتوهمون أن الجماهير لا تفهم القضايا المهمة في السياسة الخارجية، فيصبح التلفيق والخداع عملة رائجة حتى في القضايا الداخلية. إن فقدان السند الشعبي في هذه الحالة ضريبة مؤكدة، سيؤديها القادة جراء الاعتماد المفرط على الأكاذيب، لأن هذا السلوك يظل في قرارة النفس مشينا ومُدانا، برغم المكاسب التي قد يحققها في مشهد سياسي يعاين فيه الجميع، وعلى نحو جنائزي، ارتخاء قبضة القيم !

  

حميد بن خيبش

........................

1- جون .ج. ميرشيمر. لماذا يكذب القادة؟ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت 2016. ص26

2- نفس المرجع. ص90

   

  

زهير الخويلدي"تولد الأوطان في قلوب الشعراء. تزدهر وتموت على أيدي السياسيين"

بإلقاء نظرة لا هوادة فيها على التصلب الفكري للعالم الإسلامي على مر القرون، سعى محمد إقبال (1877-1938)، الأب الروحي للتجديد الاسلامي، إلى إحياء التراث القرآني. لذلك كان تجديد الفكر الديني هو العمل الفلسفي الرئيسي للفقيه والشاعر، المولود في البنجاب والذي تم تكريمه في باكستان كأب مؤسس، ولقد تكون إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام من سبع محاضرات ألقيت بين عامي 1928 و1930. ان خصوبة فكره السياسي والديني تجعل من المستحيل اختزال عمله إلى مجرد ناشط قومي من أجل إنهاء الاستعمار. إن إعادة تفسيره الجذري للإسلام وتعقيد مُثله السياسية تجعله أحد كبار المفكرين المسلمين في القرن العشرين، والذين يمتد استقبالهم إلى ما وراء حدود وطنه الأم. لقد نشأ محمد إقبال في أسرة مسلمة متدينة وتقليدية. ومع ذلك، فقد سمحت له قدراته الفكرية في وقت مبكر جدًا بمغادرة وطنه: فقد أصبح صديقًا للفيلسوف البريطاني توماس أرنولد (1864-1930)، الذي شجعه على مواصلة دراسته في إنجلترا، في كلية ترينيتي في كامبريدج، حيث كان هو نفسه طالبًا في إنجلترا.  وبعد ذلك صار دكتورا جامعيا. لقد درس محمد إقبال الفلسفة هناك من 1905 إلى 1908 ونشر هناك أطروحة الدكتوراه الخاصة به عن الميتافيزيقيا في بلاد فارس، قبل أن يعود إلى الهند حيث عُرض عليه منصب أستاذ في الكلية الحكومية في لاهور، وهو بطبيعة الحال منتمي إلى النخبة الغربية في مقاطعته، بدأ مهنة قانونية وسياسية وأصبح محامياً في عام 1911، ثم انضم إلى حركة الخلافة، في وقت كانت الجمهورية التركية الوليدة تناقش إصلاح هذه المؤسسة التي كانت مرتبطة في السابق بسلطنة الإمبراطورية العثمانية. كان السقوط الأخير للخلافة، الذي حدث في عام 1924، بمثابة انقطاع في التزامه السياسي. في الواقع، بعد فشل إعادة تأسيس هذه المؤسسة، التحق برابطة مسلمي عموم الهند، التي كان رئيسًا لها سنويًا في عام 1930. ولم يعد الأمر بالنسبة لمحمد إقبال أن يناضل من أجل اتحاد جميع المسلمين تحت رعاية خليفة واحد، ولكن للحصول على استقلال ذاتي عن المناطق الإسلامية في الهند البريطانية من البريطانيين، توفي عام 1938، قبل عشر سنوات من تحقيق الاستقلال الباكستاني، الذي وضع له أسس نظرية. لكن يظل ملف إقبال الشخصي نادرا. في الوقت نفسه هو فقيه، مفكر، شاعر، مسلم، هندي، قارئ لنيتشه، مهتم بالتطور الإبداعي، مؤيد لـ "الديمقراطية الروحية"، يعتبر الإسلام متجمدًا ومتحجرًا ومتوترًا لعدة قرون بسبب الشكليات التي تعيقه وتجفف منابع الحياة فيه. لقد وضع على نفسه مهمة العمل على إحياء التراث القرآني، مستمدًا مما يعتبره مصدر إلهامه الأصيل والأعمق. بعد سلسلة من الأعمال الشعرية، ألفها باللغتين الأردية والفارسية، نشر باللغة الإنجليزية، عام 1934، إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام الذي تم جمعه فيه ثماني محاضرات. توفي بعد أربع سنوات، دون أن يرى ولادة باكستان التي دعا إليها والتي كان في جزء منها الأب الروحي، وما زال محمد إقبال غير معروف للجمهور، وهو مألوف لدى بعض الفلاسفة. على الرغم من كل شيء، فقد تم الحفاظ على فكر إقبال سرية، وليس من الصعب معرفة السبب. العمل كثيف ومليء بالمراجع العلمية والفلسفية والروحية المستعارة من الغرب بقدر ما هي من الشرق. قبل كل شيء، هناك شيء يسيء إلى المسلمين، من خلال انتقاده بشدة لتصلبهم التاريخي، وغير المسلمين، من خلال وصف المجتمع الأوروبي بطريقة كاريكاتورية في بعض الأحيان. ومع ذلك، فتحت إقبال مشروعًا ضخمًا ومثيرًا - قابل للنقاش، ولكن يجب أخذه في الاعتبار. لأنه يدعو الإسلام إلى إعادة اكتشاف ديناميكياته الداخلية وزخمه، ليقود، فيما وراء الدين، إلى روحانية عالمية قادمة. كما يرغب المؤلف ، الذي يُطلق عليه أحيانًا "لوثر الإسلام" ، في استخلاص الفكر الإسلامي من "سباته الفكري" ، الذي يعود إلى سقوط بغداد عام 1258. "خلال الخمسمائة عام الماضية، كان الفكر في الإسلام ثابتًا عمليًا "، هذا ما قاله في محاضرته الأولى. كان هناك وقت تلقى فيه الفكر الأوروبي الإلهام من العالم الإسلامي. ومع ذلك، فإن أبرز ظاهرة في التاريخ الحديث هي السرعة الهائلة التي يتحرك بها عالم الإسلام روحياً باتجاه الغرب. وبالتحديد من خلال الجمع بين العالم الإسلامي والفكر الأوروبي، يعتزم محمد إقبال إحياء التراث القرآني، واستدعاء الفلاسفة الغربيين في عصره لإعادة قراءته. محاولة إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام لمحمد إقبال هي أحد الوقائع الفكرية المعاصرة في الفلسفة المشرقية وتشتغل على تطوير علم الكلام وحسن استثمار التصوف والحكمة. لقد أراد اقبال أن يعيد تشكيل فلسفة جديدة للإسلام. لكن الإلمام الكبير الذي اكتسبه محمد بنمط الحياة الأوروبية والفلسفة الغربية أثناء إقامته في كامبريدج أمر حاسم في فهم مفهوم الإسلام الذي دافع عنه طوال وجوده. في هذا الصدد لقد ميزت تجربتان هذه الفترة من حياته. الأول هو الوعي بالفجوة العلمية والتقنية التي تفصل بين العالم الإسلامي والعالم الغربي في مطلع القرن العشرين. على الرغم من رفضه للمادية التي سارت جنبًا إلى جنب مع التطور الاقتصادي لأوروبا، كان من المهم بالنسبة له فهم أسباب انسحاب المناطق الإسلامية. لم يكن هذا السؤال خاصًا بمحمد إقبال، ولكنه كان له تأثير عميق على المجالات الفكرية الإسلامية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. نجد صدىً متأخرًا ولكن بليغًا لهذا الأمر في نشر مقال للسوري ساكب أرسلان يجيب على العنوان المختصر "لماذا يتأخر المسلمون بينما يتقدم الآخرون؟" في عام 1939. كانت التجربة الثانية التي تميز إقبال أثناء إقامته في أوروبا أول اتصال مع فلسفة هنري برجسن. في عام 1907، كان الأخير في أوج شهرته: في ذلك العام، نشر كتاب التطور الإبداعي، الذي لاقى استقبالًا رائعًا وقرأه بحماس الشاب محمد إقبال. دافع عن فلسفة الحياة، وفكر الحركة، ومفهوم "حيوي" للواقع، معارضًا لتقليد الفلسفة التأملية الموروثة من الفلسفة اليونانية. من خلال قراءته لبرجسن ، قصد محمد إقبال شرح "الانحدار" المفترض للعالم الإسلامي والمساهمة في التجديد الكامل لثقافته. إذا كانت الثقافات الإسلامية غير قادرة على الحداثة، فذلك لأنها ظلت ثابتة منذ القرن الثالث عشر. ثم ضاعت حيوية الفكر الإسلامي المبكر. كان من شأن ثقل السلطات الدينية أن يجعل تفسير القرآن تمرينًا بسيطًا في حفظ المصطلحات القديمة، وإدانة أي حداثة في تفسير النصوص المقدسة. لم يعد يُنظر إلى تقدم الزمن التاريخي إلا من منظور سلبي، كعنصر قادم تدريجياً لإفساد الإسلام "النقي" في القرون الأولى. وهذا ما يفسر، بحسب محمد إقبال، لماذا أظهر العالم الإسلامي المعاصر نفسه غير قادر على المشاركة في التحديث العلمي والاقتصادي والثقافي للقرن التاسع عشر. ربما في مواجهة هذه القيود، قصد محمد إقبال "إعادة الإسلام إلى الحركة"، أي استعادة حيويته وإعادة الاتصال بالتقاليد التي انقطعت في القرن الثالث عشر. أخذ من برغسون فكرة أن الثقافة والدين وكل الخليقة هي أشياء "حية"، دافع عن الحاجة إلى إعادة قراءة مستمرة للقرآن، مع الاضطرار باستمرار إلى إحياء معناه في عالم متغير. لهذا المبدأ، أعطى إقبال اسم الاجتهاد، والذي يمكن ترجمته على أنه "جهد مستمر للتكيف". لتوضيح ذلك، أحب المؤلف الاستشهاد بسرد نبوي يتعلق بمعاذ بن جبل. وطالبه النبي محمد بضمان الحكم الرشيد للسكان اليمنيين الذين تحولوا مؤخرًا إلى الإسلام. يتحدث النبي محمد عليه الصلاة والسلام إليه متسائلا: "ماذا ستفعل عندما تُرفع القضية إلى المحكمة؟ سأحكم حسب كتاب الله. يتابع الرسول: وإذا لم تجد حلاً في كتاب الله؟ معاذ: إذن سأحكم على سنة رسوله. أصر النبي: وإذا لم تجده في سنة الرسول؟ فقال معاذ، سأستخدم التفكير الحر (الاجتهاد) لتكوين رأيي الخاص ". وبالتالي، فإن النبي محمد كان سيعهد إلى تلاميذه مسؤولية جعل القواعد الدينية تتطور إلى مواقف جديدة تنشأ في العالم. والجديد، بعيدًا عن كونه عاملاً في انحطاط الإسلام، هو تعهد لحيويته واستمرار العمل الذي بدأه الرسول. بعد إصلاحه، يمكن للإسلام أن يجد حداثة جديدة ويحتضن تحولات العالم المعاصر. لكن تكمن المصلح التنويري محمد اقبال من الجمع دون الوقوع في التناقض بين الخصوصية الوطنية في بعدها الاصلاحي والكونية الإسلامية في عمقها التنويري؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي