حمزة الشافعي(تأملات مستشار في التوجيع التربوي)

اللامقدمة:

لماذا كلما كانت ظروف الاشتغال صعبة (ومضاعفة)، كلما ازدادت درجة اللااعتراف بذلك؟ سؤال فلسفي وتنموي متجدد يتبادر إلى ذهن كل من اشتغل أو يشتغل بالأقاليم التي وقعت بنود زواج كاثوليكي مع الهشاشة والبؤس واللاتنمية...

يكفي أن تجوب أغلب فيافي ومرتفعات ووديان إقليم تنغير، الذي لا يخرج عن نطاق أقاليم الهشاشة المركبة واللاتنمية المطبع معها، بل، يظل رائدا في قساوة الظروف، لكونه يجمع بين كل المتناقضات الصعبة: مرتفعات بمناخ صعب وصحاري بمناخ أصعب، مسؤولون محليون في الغالب لكن بذهنية صعبة وتصورات وتفكير لا ينهل من المحيط ومتطلباته، إداريات جد صارمة وتفاصيل مكتظة وعض على النصوص بالنواجد لكن في بيئة كلها نواقص وحاجة وفراغ بنيوي تجهيزي اقتصادي.

يكفي أن تجوب أغلب المتناقضات المجالية والجغرافية لهذا الإقليم، إعمالا للضمير، لتجد نفسك في ذيل الترتيب على الصعيد الوطني من حيث الدرجة...

بمعنى، فكلما اشتغل الإنسان في بيئة سمتها الهشاشة وغياب شروط العمل واستفحال عوامل القهر كما هو الشأن لإقليم تنغير، كلما قوبل ذلك باللااعتراف. لكن ما سبب هذا اللااعتراف؟ ربما من المجحف اتهام الطبيعة والمناخ والمجال والجغرافيا لوجود أقاليم أقرب من إقليم تنغير من حيث تلك العوامل والأسباب، لكنها تقابل العاملين بها على الأقل، وذلك أضعف الإيمان، بالاعتراف، والرغبة، وإن تأجلت أو تعثرت، في شكر العاملين بها.

السبب، وهو أغلب الظن، هو ذهنية هذا الإنسان الجنوب الشرقي العجيب الغريب المضحك في الوقت ذاته. من خلال عملي في مناطق مختلفة من أرجاء هذا المغرب وبعد الانطلاقة من والعودة إلى إقليم تنغير، لاحظت كيف تسير الأمور بيسر وسلاسة في تلك المناطق الخارجة عن هذا الجنوب الشرقي، وكيف يصعب التعامل مع المسؤول المحلي إذا تعلق الأمر بأبسط الأمور وأسهل المساطر في هذا الإقليم.

ولأن التعميم لا يجوز، فهناك نماذج محلية تعمل بيسر وتتواصل وتتفهم الأمور وفق المطلوب دون تعقيدات وبيروقراطيات مستوردة من عواصم التجهيز والبنية التحتية المساعدة. لكن، قلما تندمج في بيئة غلبت عليها ذهنية جامدة همها القوانين لا روح تلك القوانين وغاياتها. لذلك تفضل إما العزلة الأنطولوجية أو المغادرة حتى بلوغ سن التعاقد، سن التخلص من الالتزامات المهنية والتفرغ لسرد الذكريات والحوادث والاخفاقات والانجازات. كما يمكن مصادفة مسؤول وافد عن الإقليم يعمل في أقاليم الذهنية المصعبة والمفرملة للأمور البسيطة، وهو على نفس نهج الفرملة والتعقيد، وهذا ربما ناتج عن طول معاشرته لهؤلاء القوم لذلك اكتسب صفاتهم، أو لعدم اندماجه في مناطق التواصل والتيسير والفهم الصحيح للقوانين والمساطر والمذكرات المستوعب لخصوصيات واكراهات المحيط، لذلك حط رحاله حيث يجد ضالته....

معادلة أخرى تتكرر في مناطق عدة هي أنها كلما كانت ظروف العمل جيدة ومناسبة كلما كان الاعتراف، ولو أثناء القيام بأبسط الانجازات، أكبر. يكفي فقط زيارة مدن البنية التحتية وكيف يتم التصفيق لأبسط الأمور والاحتفال بأصغر الأفعال، وعقد مقارنة بما يتم تقديمه من تضحيات ومجهودات مضاعفة في أقاليم الهشاشة من طرف العاملين بها، ليقابل ذلك باللااعتراف: تذيل أسفل الترتيب...

سياق هذه التدفقات:

وأنا أتذكر عدد المرات التي جلست فيها في محطة سيارات الأجرة في انتظار انطلاقها صوب مناطق وجود مؤسسات القطاع المدرسي، لأعود بخفي حنين بعد طول جلوس وانتظار لتأخر استكمال العدد الكافي من الركاب...برد قارس و"تذمر جسدي"، حرارة مفرطة و"ترهل نفسي"...

كما أتذكر كثرة لحظات انتقالي بين محطة سيارة الأجرة وحافلات النقل المزدوج لعلي أظفر بأول المنطلقين لضمان الوصول إلى تلك المناطق النائية باكرا...أنفاس متقطعة وهرولة هنا وهناك ومحفظة شاحبة لم أعد أتذكر نوع دلائل التوجيه التي تحتويها وهل هي محينة أم قديمة.. لا وقت تبقى للتأكد، أنا الذي لا أملك طابعة وناسخة وأنترنت لتحيين وطبع ونسخ ما استجد وصدر مؤخرا.

أتذكر كم مرة أديت من أجرتي ثمن سيارة بأكملها أو نصفها للوصول إلى تلك المناطق البعيدة، أو كي لا أعلق فيها حيث لا يوجد مأوى ومأكل كلما اقتربت الساعة السادسة. جري هنا وهناك وانتظار طويل، وفي الأخير، قد لا أصل في الوقت إلى مؤسسات القطاع، لأعود دون نتيجة لأربط الاتصال من هاتفي الشخصي بالمنتظرين، أخبرهم بتعذر الوصول وتأجيل المجيء إلى وقت لاحق.

لكي يصل المرء مرة واحدة إلى مؤسسات القطاع في الوقت المطلوب أو انقص منه قليلا، عليه أن يقوم بمحاولتين أو أكثر.. فهل، أنا الذي أقتطع من أجرتي الشخصية مصاريف التنقل والاتصال، كنت يوما السبب في عدم انتظام النقل أو غياب النقل إلى تلك المؤسسات؟ هل أنا سبب صعوبة المسالك المؤدية إليها، وسبب تكسرها، وتآكل حافاتها وانقطاعها وقت الشتاء والثلج...

أتذكر، أنه للوصول لأقرب مؤسسة وهي تابعة طبعا للبلدية، كم يجب علي الانتظار لمجيء سيارة أجرة تقلني، ضرورة، إلى المركز وبعدها انتظار سيارة أجرة ثانية للانطلاق نحو مكان تواجد تلك المؤسسة المعزولة عن الطريق والصعبة الولوج، مع ضرورة أداء ثمن السيارة بكاملها أو جزء كبير منها، للوصول في الوقت المحدد.. وبعدها تظل العودة على مثن سيارة أجرة غير مضمونة لكون المؤسسة نائية ومعزولة.. لذلك، قررت مرارا الذهاب على مثن دراجة هوائية رغم صعوبة الطريق إليها لكونها تضم مرتفعات ومنخفضات.. لتصل إلى تلك المؤسسة، وهي تابعة للبلدية، عليك أن تتصبب كل أصناف العرق، ويتآكل ما تبقى لديك من أمل ويعتريك التذمر.. فهل أنا السبب في صعوبة الولوج إليها، أنا الذي لا يملك سوى دراجة هوائية جد عادية؟

جاء الصيف واستشعرت النزيف الطاقي والنفسي والزمني الذي ينتظرني في الموسم المقبل، وتوجهت إلى وكالة مصرفية وطلبت قرض استهلاك لشراء سيارة بسيطة تعفيني من كثرة الانتظار وتقيني من برد وحرارة تلك الأمكنة المتفرقة والمتباينة المناخ...لكن طالما اكفهر خاطري بأسئلة من قبيل:

- لماذا لا يتقاضى المستشارون في التوجيه التربوي تعويضات كغيرهم على تنقلاتهم بين مؤسسات القطاع المتفرقة والبعيدة؟

- لماذا نشكل الاستثناء في عدم التوفر على هواتف مهنية تقينا كثرة مصاريف الاتصال والتنسيق مع كل المتدخلين؟

- لماذا نشكل الاستثناء في طبع ونسخ كل الوثائق المرتبط بمهامنا من أجرتنا، وهي كثيرة ومتجددة نظرا لطبيعة مجال التوجيه التربوي؟

- لماذا لا نتوفر على ربط بالأنترنت ومهنتنا ومهامنا مرتبط أساسا بالبحث وتحيين المعلومة؟

- لما لا توفر لنا الوزارة حواسيب للعمل لإعداد البرامج الدورية والتقارير الشهرية والاحصائيات والبحوث والعروض الإعلامية؟

- لماذا انتقلنا من وضعية مهنية (التدريس) إلى أخرى (التوجيه التربوي) لنجد أنفسنا قد تقهقرنا ماديا جراء كثرة المصاريف والتنقلات التي لا نتقاضى عليها ولو درهما رمزيا؟

- لماذا كلما فكر المستشار في التوجيه التربوي بالتحرك إلى إحدى مؤسسات القطاع إلا واقتطع جزءا من أجرته، دون أمل في استرجاعها أو التعويض عنها؟

حيرة:

طيلة أربع سنوات من العمل كمستشار في التوجيه التربوي، أجبت عن كل تلك الأسئلة وغيرها من رصيدي ومن أجرتي الشخصية، واشتغلت في مجالات صعبة، وفي أصعب الأقاليم جغرافيا ومناخيا (طاطا، شيشاوة، تنغير)، لأجد نفسي في أسفل الترتيب من حيث النقطة الإدارية الممنوحة للترقية بالاختيار برسم 2020. والغرض من كتابة هذه التدفقات ليس البكاء واستجداء التعاطف، فالترقية لا تهمني، كما لا يهمني رأي وانطباع أي كان، ولست ممن يقدس الوظيفة إذا انتفت فيها الكرامة. كل ما يهمني هو محاول فهم وتفكيك وإعادة بناء عبارتي المستوحاة من الممارسة الميدانية: "كلما ازداد القهر وشروطه، كلما ارتفعت درجة اللااعتراف".

 

حمزة الشافعي

مستشار في التوجيع التربوي

 

 

علاء اللاميلكي نبرز ونوضح السياق الذي يجمع هذه السلسلة من المقالات مزيدا من الإبراز والوضوح سأخصص هذا الجزء  لتفحص وتسجيل نماذج من المقولات الاستشراقية المهمشة لمساهمة العرب في الحضارة العربية الإسلامية الغابرة في عصرها الزاهر، ومن هذه النماذج كتابات مترجَمة لإرنست رينان وتيمان ودي بور وكوزان:

 * سلف القول إن هدفي الأرأس من هذه السلسلة من المقالات هو مقاربة الحقيقة والمساهمة في كسر التهميش الاستشراقي الغربي العنصري المعادي للعرب والإسلام،و الهادف إلى تكريس وترسيخ مقولة متهافتة مفادها أن ما يسمى بالحضارة العربية الإسلامية وخصوصا في مجال الفلسفة والعلوم هي من إبداعات المسملين وغير المسلمين من العرب وغير العرب، وأن مساهمة العرب لا تتعدى استعمال لغتهم في التأليف العلمي والفلسفي، و وجود فيلسوف واحد من أصل إثني  عربي هو الكندي، وها قد رأينا أن هذه المقولة لا أساس لها من الصحة وأتينا بالعديد من الأمثلة التي تدحضها وهناك المزيد من الأسماء لفلاسفة وعلماء عرب من الصف الثاني من حيث الأهمية والانتاج العلمي والفلسفي. ولهذا  السبب، ولأن هذه السلسلة مخصصة لدحض هذه المقولة الاستشراقية العنصرية فلم أكتب عن شخصيات أخرى مهمة اختلف المؤرخون في كونها من أصل عربي كالعالم الكبير الحسن بن الهيثم الذي قال جون تشايلد، بول شوتر، و ديفيد تيلور في كتابهم "فهم التاريخ صفحة  70"، إنه فارسي؛ فيما ذهب مؤرخون آخرون قدماء ومعاصرون كابن خلكان في "وفيات الأعيان"   والدكتور مصطفى النشار في كتابه  "تاريخ العلوم عند العرب ص651 " إلى أنه عربي، ومن القدماء أكد المؤرخ الكردي شمس الدين  الشهرزوري عروبة ابن الهيثم ولقبه ببطليموس الثاني" تشبيها له ببطلموس عالم الرياضيات والجغرافي والفلكي اليوناني".

* الحالة نفسها تنطبق على العالم الكبيرمحمد بن موسى  الخوارزمي فبالرغم من عدم إجماع المصادر التأريخية والموسوعات العلمية على هويته الإثنية،  الا أن الموسوعة البريطانية "النسخة المدرسية" وموسوعة مايكروسوفت إنكارتا وموسوعة جامعة كولومبيا تقول إنه عربي، بينما تذكر مصادرعربية وغير عربية أخرى أنه فارسي أو تركي. وفي الإصدار العام للموسوعة البريطانية ذُكِرَ أنه "عالم مسلم"  من دون تحديد قوميته.  ولكن المعروف أن عائلته انتقلت من مدينة خوارزم في إقليم خراسان الذي استوطنته عشرات القبائل العربية بعد الفتح إلى بغداد وسكنت  بضاحية قُطْربُلّ، ولذلك سماه الطبري في تاريخه بمحمد بن موسى الخوارزمي القطربلّي.

وبصدد مظاهر التهميش، وحتى الشطب الذي مارسه الاستشراق العنصري الغربي ضد مساهمة العلماء والفلاسفة العرب في الحضارة العربية الإسلامية سأورد الأمثلة التالية :

 

* إرنست رينان" 1823ــ 1892"، وهو أحدُ روّاد المركزيّة الإثنيّة الأوروبيّة، ومهندسُ أسطورة "تفوّق الجنس الآريّ ودونيّة الجنس الساميّ" في القرن التاسع عشر، وقد أنكر رينان وجودَ فلسفة عربيّة بقوله المشهور: "من العسف أن نطلقَ اسمَ فلسفة  عربيّة على فلسفةٍ لا تعدو أن تكون استدانةً من اليونان "..."  وبدلًا من أن تكون نتاجاً طبيعيّاً للروح الساميّ، فقد مثّلتْ بالأحرى ردَّ فعلٍ من عبقريّة فارس الهندوآريّة على الإسلام الذي هو الإنتاج الأكثر خلوصاً للروح الساميّ" (رينان/ التاريخ العام والمقارن للغات الساميّة، ص10". والغريب أن رينان يعبر عن دهشته من "درجة الكمال الذي بلغته اللغة العربية وسط الصحاري عند أمة من الرحل حتى فاقت أخواتها بكثرة مفرداتها ودقة معانيها" والسبب واضح فرينان ينظر إلى العرب والمسلمين كمترجمين وليس كمبدعين لحضارة راقية.

* وقد فند الباحث العربي الراجل جورج طرابيشي هذه الفكرة العنصرية الرينانية، فكتب إنّ قراءةَ رينان هذه، القائمةَ على الركيزة العرقيّة اللغويّة، تحمل تناقضَها الداخليّ فهي:

"إذ ترمي الفلسفةَ العربيّةَ بأنّها مكتوبةٌ بالعربيّة ليس إلّا، تتجاهل أنّ الفلسفة اليونانيّة نفسَها ما كانت يونانيّةً بالمعنى الإثنيّ للكلمة بقدْرِ ما كانت مكتوبةً باللغة اليونانيّة... وإذا كان رينان يلاحظ أنّه بين الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنّهم عربٌ ما كان ثمّة وجودٌ تقريبًا إلّا لواحدٍ من أصلٍ عربيٍّ هو الكنديّ، فإنّنا نستطيع أن نلاحظَ بدورنا أنّ أكثرَ الفلاسفة والعلماء الموصوفين بأنّهم يونانيّون ما كانوا يونانيّين ولا من أهالي أثينا وشبهِ جزيرة الأتيكي، وأنّ أثينا نفسَها لم تنجب سوى فيلسوفيْن اثنيْن هما سقراط وأفلاطون، وأنّ معظمَ الفلاسفة الأثنيّين كانوا على حدّ تعبير نيتشه من "الأغراب". وإذا كان العِرقُ، كما يفترض رينان، مقولةً فلسفيّةً، فكيف يمكنه أن يصنِّف عشراتِ الفلاسفة من ذوي الأصول السوريّة والمصريّة الذين كتبوا فلسفتَهم باليونانيّة في عِداد الجنس الآريّ؟ ولماذا تَحْضر اللغةُ في الحالة اليونانيّة ويغيب العِرق؟ ولماذا تُستذكَرُ لفلاسفة الإسلام أصولُهم الإثنيّة وتُنتسى لفلاسفة اليونان الأصول ذاتها؟/ انتهى الاقتباس". وقد حاولنا أن نثبت في هذه السلسلة من المقالات خطأ مقولة  وجود فيلسوف عربي واحد هو الكندي"، وتعرضنا لإنجازات عدد من العلماء والفلاسفة العرب لغة وأصلا.

* أمّا محمد عابد الجابري، بحسب طرابيشي، فإنّه، على الرغم من احتجاجه الصارخ على اللاساميّة الرينانيّة المعمَّمة، يعود إلى تبنّيها  "إبستمولوجيًّا" ، ويعيد إخراجَها في صورةٍ عنصريّةٍ جغرافيّةٍ خاصّة.  فالجابري لا ينْكر أنّ نهرَ الفلسفة اليونانيّة قد قام بتحويلةٍ شرقِ أوسطيّة، ولكنّه يضيف أنّ العقل اليونانيّ البرهانيّ قد تعرفن/  نسبةً إلى العرفانيّة، وتهرمس، بقدْرِ ما تمشرق، ولم يقيَّضْ له أن يستعيدَ عقلانيّتَه إلّا بمقدار تمغربه "أصبح مغربيا" بعد طولِ تخبّطٍ في مستنقع  "اللاعقلانيّة المشرقيّة". الجابري هنا، كما يلاحظ طرابيشي بصواب، يشتقّ نسخةً استشراقيّةً خاصّةً وجهويّةً "مغربية" في رؤيته الإقليميّة العرقيّة عن رؤية رينان: فالإقليم "المغربيّ الأندلسيّ" عند الجابري كالعِرق "الهندوآريّ" عند رينان، وهو مقولةٌ فلسفيّة صالحة (من وجهة نظر الجابري) للتفريق بين "مشرقٍ عربيٍّ لاعقلانيّ ومغربٍ عربيٍّ عقلانيّ." ولكنْ إذا كان المشرقُ قد استعصى على العقلانيّة، كما يزعم الجابري، فإنّ المغرب لم يستعصِ على اللاعقلنة.  دع عنك أنّ المشرق والمغرب لم يكونا أكثر من جهتين جغرافيّتين في وحدةٍ حضاريّةٍ شديدةِ التداخل والاندماج؛ ومثلما نجد عقلانيّين في المغرب، فإننا نجد نظراءَ لهم في المشرق، والعكس صحيح.  وهذا يعني أنّ التفريق الذي يأخذ به الجابريّ ملتبس، وقد ينطوي على نوازع قطريّة مغاربيّة أكثر منها نقديّة عقلانيّة.  صحيحٌ أنّ رؤية رينان أكثرُ صراحةً في مركزيتها الإثنيّة الأوروبيّة المعادية للشرق وللحضارة العربيّة الإسلاميّة، ولكنّها تقوم على المرتكزات الإيديولوجيّة الإثنيّة ذاتها التي اشتقّ منها الجابري رؤيتَه القُطْريّة والجهويّة.

وقبل الجابري، كان ابن خلدون، ذو الأصل العربي نسباً، والمغاربي بلداً، قد قال إنَّ "حملة العلم أكثرهم العجم/ المقدمة- الفصل 36"!

* ويرى رينان أن الساميين لا يمكنهم التفكير التجريدي وبناء صرح علمي وفلسفي، عندما قام رينان بدراسة اللغات السامية خرج بنتيجة مفاها أن العرب دونوا فلسفة، وما نقلوه وترجموه ليس فلسفة، بل هو خليط من أفلاطون وأرسطو وأفلوطين، ونزعتهم التوفيقة تشير إلى غياب الحرية والتحرر من سلطة الدين، وصعوبة الإلمام بالتفلسف وإثارة السؤال، لا يملكون روح الهنود والألمان، ومن الواضح أن الفلسفة الإسلامية عصارة أبحاث، وترجمة موسعة ومستمرة للتراث اليوناني العلمي والفلسفي، وليست إلا نتاج لأشخاص من أصل أندلسي وفارسي وحراني .

* المستشرق الألماني تنمان في كتابه "المختصر في تاريخ الفلسفة الإسلامية" في 1819، قسم الفلاسفة إلى نوعين: طائفة القائلين بالوجود المثالي أتباع المذهب المثالي الأفلاطوني، وطائفة فلاسفة الجدل، وهم أهل النظر العقلي وهم المتكلمين، والعرق السامي ليس له القدرة على التفلسف، وفي مضمون الأحكام السريعة، يعود المستشرق عن الكلام الأول ليعيد إثبات وجود فلسفة إسلامية شأن ذلك دراسة رينان لابن رشد، ويهون من ابن رشد / كما يقتبس فرح أنطون " فلسفة ابن رشد" ص45.

* المؤرخ الهولندي ت.ج. دي بور لا ينفي مساهمة العرب المسلمين فحسب، بل يتمادى و ينفي وجود فلسفة إسلامية أيضا، فهو يقول" لا وجود لفلسفة إسلامية متميزة لها أركانها وكيانها وهويتها وأصالتها. "  ونكاد لا نستطيع أن نقول إنّ هناك فلسفة إسلامية بالمعنى الحقيقي لهذه العبارة، ولكن كان في الإسلام رجال كثيرون لم يستطيعوا أن يردوا أنفسهم عن التفلسف، وهم، وإن اتشحوا برداء اليونان، فإنّ رداء اليونان لا يخفي ملامحهم الخاصة، ومن اليسير علينا أن نستهين بشأنهم إذا أطللنا عليهم من ذروة إحدى المدارس الفلسفية الحديثة المزهوة بفلسفتها".

* أما المستشرق الفرنسي فيكتور كوزان (ت 1847) فينحاز في كتاباته انحيازا طائفيا ودينيا منافيا للعقلانية تماما، فهو"لم يتردد في نعت المسيحية بأكمل الأديان وأتمّها وأنسخها وغايتها وخاتمتها. فهي دين إنساني واجتماعي أثمر الحريات والديمقراطيات والفلسفات الحديثة، بينما أثمرت الأديان الأخرى، وفي مقدمتها الدين الإسلامي، التخلف والاستبداد" كما يقتبس محمد آية حمو من كتاب مصطفى عبد الرازق "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية" ! وكوزان هنا يقفز على حقيقة أن المسيحية وأناجليها والمسيح نفسه كان فلسطينيا "سامياوفق التصنيف التوراتي الذي يأخذون به". ورغم أن البحث الاستشراقي، كما يرى إدوارد سعيد في كتابة" الاستشراق- المفاهيم الغربية للشرق" ، "لا يمكن أن يكون موضوعيا أو حرا، لأنه خاضع دائما لاعتبارات تبعده عن النزاهة، كالاستعلاء أو الرغبة في السيطرة، أو التمركز حول الذات، فضلا عن تداخل الخيال والصور النمطية، والاتجاهات النفسية الموروثة منذ العصور الوسطى الأوروبية، كما يقتبس فؤاد زكريا في كتابه "نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية المعاصرة "/ص30 ، إنما لا يمكن لهذه النماذج من الاستشراق العنصري الإثني أن تدفعنا إلى التعميم فهناك مستشرقون عقلانيون ومنصفون رفضوا هذا المنطق بل وفند بعضهم أطروحاته، ومن هؤلاء - وليس كلهم - نُذَكِّر بالأسماء التالية:

* مكسيم رودنسون، المستشرق الماركسي الفرنسي المناهض للصهيونية: توفي في فرنسا سنة 2004، وهو من عائلة يهودية بولندية ناجية من الحملات إبادة اليهود في أوروبا الشرقية في القرن التاسع عشر، ومن مؤلفاته:

- أوروبا وسحر الإسلام

- الإسلام والرأسمالية

- محمد

- الماركسية والعالم الإسلامي

-عظمة الإسلام 1980

- مباحث في فن الطبخ عند العرب

وقد ترجمت غالبية كتبه إلى اللغة العربية.

* المستشرقة الألمانية المستعربة زيغريد هونكه صاحبة كتاب "شمس الله تشرق على الغرب"، وكتاب أطروحتها التي تقدَّمت بها لنَيْل درجة الدكتوراه في جامعة برلين - أثرَ الأدب العربي في الآداب الأوروبية" وهي زوجة المستشرق "شولزا"، المستشرق الألماني الكبير، الذي اشتهر بصداقتِه للعرب، وتعمقه في دراسة آدابهم، والاطلاع على آثارهم ومآثرهم.

* المستشرق الألماني ماكس هورتن الذي اهتم بعلم الكلام والتصوف الإسلامي وكتب العديد من الدراسات الموضوعية وعلى العكس من المستشرقين الذين فضلوا "العقليات" الأوروبية والهندية والفارسية على "العقلية" العربية الدينية الصوفية أكد هورتن - كباحث في الهندولوجيا - في دراسة له أن التصوف الإسلامي هو هندي المنشأ والجذور وإنه في تجلياته وأفكاره ليس بعيدا عن الفلسفة.

* الباحث الفرنسي الألماني الأصل سالمون مونك (ت. 1867م) في ردوده على بعض زملائه، وخاصة رده على مزاعم تينمان فهو يقول: "إنّ الفلسفة لدى العرب لم تتقيد بمذهب المشائين "الأرسطي" صرفاً، بل هي توشك أن تكون تقلبت في كل الأطوار التي مرّت بها في العالم المسيحي، ففيها مذهب أهل السُّنّة الواقفين عند النصوص، ومذهب الشك، ومذهب التولد، بل فيها مذاهب شبيهة بمقال اسبينوزا ومذهب وحدة الوجود الحديث".

* المؤرخ والمستشرق الأميركي واشنطن إرفنج - الذي عمل وزيراً مفوَّضاً للولايات المتحدة الأمريكية في مدريد بين أعوام (1846-1842)ومؤلف كتاب "حياة محمد" الذي قدم فيه قراءة وتأرخة منصفة للنبي العربي الكريم.

* الشاعر الألماني الشهير غوته: والملقب بـ "عاشق الشرق"، فرغم أنه لا يمكن اعتباره مستشرقا متخصصا ولكنه مثقف وشاعر"كان له بالغ الأثر في الحياة الشعرية والأدبية والفلسفية" الألمانية والأوروبية في عصره.

* المستشرقة الألمانية أنا ماري شميلالتي بدأت تتعلَّم اللغة العربية في الخامسة عشرة، وحصلت على درجة الدكتوراه في الاستشراق من قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية في جامعة برلين سنة 1941، عن (دور الخليفة والقاضي في مصر الفاطمية والمملوكية ) وهي لم تتجاوزْ سن التاسعة عشرة، وبعد 3 سنوات حصلت على درجة الأستاذية من جامعة "مايورج"، وتعدُّ "شميل" أصغرَ مَن حصل على مثل هذه الدرجة العلمية في هذا الوقت، كما حصلت سنة 1951م على درجة دكتوراه ثانية في تاريخ الأديان. 

* الكاتب الإنكليزي توماس كارلايل" مؤلف كتاب "الأبطال" والذي دافع فيه عن الإسلام دينا وحضارة.

* الشاعر الفرنسي لامارتين الذي كان شديد الإعجاب بنبي الإسلام، وخصوصا في كتابه" رحلة إلى الشرق"، ويقال عنه ما قلناه عن غوته. 

*المستشرق الفرنسي الكونت هنري كاستري صاحب مقولة "لو لم يكنْ للإسلام من فائدةٍ إلا تحويل عَبَدةِ الأصنام من وثنيينَ إلى موحِّدين، وترقية أخلاقهم ومكانتهم؛ لكفى بذلك داعيًا إلى معاملتِه بسياسةِ التلطف والاعتدال". ونحن حين نذكر ونستذكر هذه الأسماء المنصفة والعادلة فإنما نريد أن نقول أن الاستشراق الغربي ليس كتلة صماء واحدة قائمة على العنصرية والتمييز ومناوءة العرب والمسلمين وحضارتهم بل أن فيها وجها مضيئا يقابل الوجه المعتم الذي يمثله الاستشراق العنصري اللاعقلاني.

كسر التهميش الاستشراقي الغربي

 

علاء اللامي

 

 

 

بليغ حمدي اسماعيل(1) بيئات فقيرة:

بين وقت وآخر تلتقط يدي كتابا في العلوم الأساسية، والمستقرئ لتاريخ التأليف العربي المعاصر في العلوم الأساسية يستنبط وفقا لمعايير المنطق وتأويلية بول ريكور فقر البيئة العربية في التصنيف العلمي، لاسيما وأن علماءنا المنتسبين بحكم الوظيفة الأكاديمية فحسب عاكفون على كتابة وإعداد طروحاتهم الأكاديمية من أجل الترقي الوظيفي متناسين أبرز أهدافهم الوطنية وهي الارتقاء بالحياة العلمية وتوظيف العلم لخدمة الإنسانية وتطوير مجتمعاتهم. هذا لا يجعلنا نغفل الفائقين من الباحثين العرب بالجامعات الغربية الذين يبدعون كل صباح باكتشافات علمية تسهم في نهضة البشرية بما يعود بالنفع على تلك المجتمعات النائية مكانيا وزمانيا أيضا بفعل السبق العلمي، ثم تنتقل إلينا هذه الانتصارات بعدما تصبح منتهية الصلاحية أو عديمة النفع الآني.مثلما علمنا مؤخرا عن المصري النابغة محمد ثروت الذي اكتشف " الأتو ثانية " لزيادة سرعة الكومبيوتر والهاتف النقال مليار ضعف .

 المهم عادة قراءة الكتب العلمية وسط فقر الإنتاج العربي العلمي والذي أشرت إلى إحداثياته في حزن وحسرة من خلال كتابي المعنون بـ "البحث العلمي العربي ملاحظات وهوامش " والمنشور في نهايات 2021 عادة محمودة وخصوصا أنني أعيد قراءة الطرح العلمي العربي الراهن الذي لم يخرج عن بحث منشور بمجلة أجنبية لا تنتمي نتائجه لبيئاتنا المحلية أو مقالة علمية أكاديمية جافة لا يطالعها سواه أو زملاء المؤلف في جامعته وهكذا يظل الوعي العلمي باهتا بليدا لا صدى له في ظل مشاهد يمكن توصيفها في عروج الأكاديميين العرب إلى أبراج بعيدة عن واقعهم المجتمعي، أو اللجوء إلى حجج واهية مفادها أن علم هؤلاء لا ولن يفهمه المتلقي البسيط الذي لا يكترث بضرورة العلم وأهميته، وأحيانا كثيرة وجود حالة من الإحباط والاكتئاب لدى كثيرين منهم مما يجعلهم بمنأى عن المشاركة المعرفة الرشيدة .

رغم أن الغرب بطوله وعرضه وشرقه وغربه المتناهي يؤكد حقيقة النبوغ العلمي العربي في عصورنا المتقدمة، وأن هارون الرشيد أسس مدرسة للعلوم في بغداد ربما سنة 800 ميلادية، كذلك كانت مدينة قرطبة مركزا ثقافيا علميا، وإذا رجعنا إلى عصورنا البائدة لاكتشفنا أن الإسكندرية العالمية هي المدينة التي كتب فيها إقليدس كتابه الشهير " مبادئ الهندسة " فضلا عن تعلُّم أرشميدس مبادئ العلوم والميكانيكا كطالب وافد من سراكيوز. أيضا كان هيباركوس رائد المجمع العلمي السكندري في مجال الفلك ويحسب له على أرض مصر أنه توصل إلى حساب أماكن النجوم والكواكب بأقصى دقة ممكنة، كذلك كتب أطلسا لعدد من النجوم بلغ 1080 نجم، ولا يزال هذا الأطلس المصري هو المرجع الأصيل والرافد الرصين للمعلومات عن علم الفلك القديم حتى وقتنا الحالي.

وربما عزوف الأكاديميين العرب قدم خدمة جليلة لغير المتخصصين أمثالي للبحث عن معرفة مغايرة لتلك المعارف والمعلومات المكرورة التي تقدم ليل نهار في قاعات المحاضرات بمعظم الجامعات العربية من حيث الاطلاع على الطرح الغربي في مجالات العلوم الأساسية لاسيما الفيزياء التي تعد مدخلا رئيسا لفهم الحياة على كوكب الأرض .

(2) اكتشاف كوكب الفيزياء:

ومن بين هذه الكتب كتاب جورج جامو الموسوم بـ " الفيزياء في عصورها الأولى " والذي يؤكد كاتبه بأسلوب رشيق وسهل أن الفيزياء تقود البشرية في مسيرتها التقدمية وأن أعظم انتصارات الفيزياء التي أسفرت عنها نتائج الباحثين الجادين والمخلصين لمجتمعاتهم وبيئاتهم هي التي أنتجت آلاف الآلات والمخترعات والأجهزة والمعدات التي مكنت الإنسان من السيطرة على كوكبه .

ويبدو أن جورج جامو نفسه يعاني من تلك الحالة التي تسود في مجتمعاتنا العربية بوصف الفيزياء مادة دراسية بالجامعات تقود الطالب الجامعي إلى حفظ مجموعات مجردة من المبادئ والقوانين والنظريات المعقدة التي يطويها بأجندة النسيان بمجرد انتهائه من دراسة المقررات الفيزيائية، لذا نجده يكترث كثيرا بالمنتج الفيزيائي وبهؤلاء العلماء الذين سعوا إلى تطوير الفيزياء لإسعاد البشرية . ويشير جامو في مجمل كتابه إلى أن الفيزياء هي نظرة الإنسان نحو المستقبل وأنها في كنهها جملة من الأسئلة المدهشة حول الكون الذي نعيش فيه مضيفا إلى أن الانتصارات التي حدثت منذ بداية التفكير في نظرية الكم ستؤدي إلى استسلام الكثير من الظواهر الغريبة على الإنسان لقدرة العقل البشري الفائق.

ويبدو أن جورج جامو يتفق كثيرا من رواد النهضة العربية حينما قال إن أرسطو رغم براعته المتميزة في مجالات الفلسفة والمنطق وأحيانا علم النفس من أبرز أسباب تقهقر العلوم الأساسية حينما أراد أن يقتحم فضاءاته وترجع إليه اختراع اسم (الفيزياء) الذي اشتقت من الكلمة اليونانية (فيزيوس) والتي تعني الطبيعة، لكن عدم ميله إلى التفكير الرياضي أو ما يعرف حاليا بالذكاء الرياضي وفقا لتصنيف الذكاءات المتعددة وقف عائقا كبيرا في تقدم علوم الفلك، بل إن كتب تاريخ الفيزياء جميعها تؤكد أن جاليلليو ورفاقه بذلوا جهدا كبيرا شاقا في تخليص المجتمع من أفكار ونظريات أرسطو المعيقة لتقدم العلوم وخصوصا كما يذكر جورج جامو أن أرسطو كان يمثل " الكلمة الأخيرة في سياق المعرفة" .

(3) واقع الفيزياء في عصورها المظلمة:

وقبل أن نسرد في سرعة بعض الانتصارات العظيمة في تاريخ الفيزياء، علينا أن نقرر حقيقة وهي أنه حينما انطفأت شعلة الحضارة اليونانية الغارقة في الفلسفة وغيبياتها اللامتناهية توقف كل ملمح من ملامح التقدم العلمي بل وصل الأمر إلى أن المناقشات العلمية انحصرت بل وانحسرت كذلك في قضايا غيبية تدعو إلى الحسرة واجترار المرارة نظرا لسخافة المناقشات من مثل كم عدد الملائكة الذين يمكن أن يقفوا على سن إبرة !، ثم انتشرت بعد ذلك بصورة مذهلة محاكم التفتيش التي صًبغت بلفظة (المقدسة) وهذه المحاكم اقتنصت منفردة حق المحاكمة ومحاسبة الضمائر والعقول والأقلام والأصوات، وتجاوزت في إقامة الأحكام ضد كل من يخالف أو يسعى إلى مخالفة منهج التدين العقائدي المسيحي السائد في هذه الفترة .

وتزخر الكتب التاريخية بأن العصور المظلمة التي غطت على الحياة العلمية في أوروبا واكبتها حركة نهضوية رائدة في الشرق فأحدث العرب وعلماؤهم تقدما فائقا وبازغا في العلوم الأساسية وارتفعت رايات العرب في مجالات الحساب بعد الطفرة في اختراع الأرقام العربية، والكيمياء والفلك وإن كان الاهتمام بالفيزياء قليلا نسبيا مقارنة بانشغال العرب بعلم الكيمياء .

وتبقى المشكلة حيئنذ حينما ألحقت بكل كنيسة مدرسة علمية وذلك حينما أصدر شارلمان حاكم فرنسا أو بالأحرى الإمبراطورية الفرنسية مرسوما يقضي بإلحاق مدرسة علمية بكل كنيسة فظل العلم أيضا رهين سلطة البابا داخل الكنيسة .

لكن العرب الذين صالوا وجالوا في ميادين العلم واكتشفوا واخترعوا كافة أدوات السيطرة على الكون وسط الحلكة الأوروبية ظلوا على هذه الحالة راضين بذاك المقام، ووصل بنا الحال اليوم إلى وجود مئات كليات العلوم بالوطن العربي وعشرات الآلاف من البحوث والدراسات وأوراق العمل حول كافة مسائل العلم، وبنظرة غير ثاقبة بل برؤية قاصرة سريعة على عَجَلٍ نكتشف العائد النفعي لهذه البحوث الضاربة في الكثرة دون الانتشار، ونرصد آلاف الساعات داخل المعامل العربية وسط قلق الباحث الأكاديمي والسرية المريبة التي يفرضها على نفسه خشية أن تتعرض أبحاثه للسرقة من زميل أو منظمة مجهولة ورغم ذلك لم نجد صدى يذكر لبقائه طويلا بالمعمل .

والمشكلة لم تعد قاصرة على الإمكانات المادية أو توافر الأجهزة والأدوات البحثية كما كان سابقا، فمصر والإمارات والسعودية وقطر والكويت والأردن وفرت ولا تزال تذلل كافة العقبات التي كانت تعتري طريق الباحثين الأكاديميين الملقبين بالأستاذ العالم، ووفرت لكل رجال العلم السبل في الإنتاج والنشر العلمي وعقد المسابقات من أجله وعلمه لكن الطرح العلمي النفعي يظل وئيدا وغير متناسب مع الإمكانات التي تم توفيرها بالفعل .

الكارثة أيضا ونحن نتحدث عن العصور المظلمة أن الدول العربية ومنها مصر والإمارات والسعودية تعمل جاهدة بغير كلل أو ملل في إرسال النابغين من العلماء العرب إلى الدول الأجنبية لنهل المعرفة، لكن رجعوا وهم يحملون درجة الدكتوراه فحسب، وبعض قصص عن مغامراتهم العلمية والتكنولوجية في بلاد الغرب وأوروبا وكوكب اليابان، ومجموعة مذهلة من الصور المتحفية لهم وهم في معامل البعثة لكن ما يهمني أنا وغيري من المواطنين العرب أن يردوا الجميل القومي لأوطانهم. وللحديث شجون طويلة .

(4) يقظة الفيزياء.. من العلم إلى الخطاب الديني:

وظلت عصور الظلمة قائمة في وجه الفيزياء حتى ظهر جاليلليو عبقري الفيزياء النظرية والتجريبية التطبيقية على السواء والذي ظل فترة طويلة من عمره يواجه رجال الكنيسة ومحاكم التفتيش لما جاء به من اكتشافات تتعلق بالفلك مثل نجم السماء Nova الذي يظهر بضوء ساطع ثم يخبو ويختفي خلال عدة أشهر، وأردف بعد ذلك اكتشافاته العظمى حينما تمكن من صنع أول تلسكوب فلكي بعدما تفرغ سنوات لدراسة انكسار الضوء فتمكن من النظر إلى السماء واكتشف عالما جديدا بالفعل وسجل ملاحظاته حول القمر والكواكب والمشترى .

وأدت اكتشافات جاليلليو المدهشة إلى التصديق بنظرية كوبرنيكوس القائلة بأن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض، وأن الكواكب جميعها بما فيها الأرض تدور حول الشمس لا العكس، وهذا ما جعله فريسة سائغة وقتئذ لدى رجال الكنيسة فكيف يجرؤ للخروج على هيبتها وقوتها وهيمنتها الطاغية في ظل سيادة محاكم التفتيش.

وقصة جاليلليو معروفة للقاصي والداني نحن في غنى عن سردها واجترارها دوتما جديد، لكن الجديد فيها ليست مثوله أمام قضاة المجمع المقدس للكنيسة وهو في عمر السبعين راكعا على ركبتيه، بل في هوس السلطة الدينية إزاء كل من يهدد سطوتها وسلطتها المطلقة، رغم أن جاليلليو مجرد باحث لا أكثر لا هو ثائر أو مناضل سياسي بل هو في المقام الأخير مفكر، لكن دائما ما تشكل السلطة الدينية نفسها رقيبا على الأدمغة، هذا ليس ببعيد عن واقعنا العربي، فكافة التيارات السلفية لازال تكفر الإمام المجدد محمد عبده، ورأينا تنظيم حسن البنا المعروف إعلاميا بـ (تنظيم الإخوان المسلمين) يقيم محاكم نفتيش لآراء الإمام محمد عبده المجدد المستنير رغم وفاته .

ليس فقط، بل رأينا ما واجهه عميد الأدب العربي نفس التحدي من رجال المؤسسة الدينية حينما نشر كتابه الأشهر " في الشعر الجاهلي " سنة 1926، ومن بعده بسنوات بعيدة المفكر المصري الدكتور نصر حامد أبو زيد حينما واجه كل محاولات السلطة الدينية (الشعبية) في النيل منه ومن كتاباته وأسرته أيضا .

(5) مات جاليلليو فوُلِد نيوتن:

في سنة 1642 مات جاليلليو بعد انكساره العلمي أمام رجال المجمع المقدس بالكنيسة، وفي سنة وفاته ولد طفل قبل اكتمال أشهر حمله وهو إسحق نيوتن، الطفل المتوعك الخجول والمقاتل الشرس أيضا، وتمكن نيوتن رغم حداثة عمره في 1665 أن يتمكن من إيجاد قاعدة فك أي قوس ذي حدين مرفوع إلى أي أس وتحويله إلى متوالية جبرية وهي المعروفة بنظرية (ذات الحدين) وفي مايو من السنة نفسها وجد طريقة (المماسات) وفي نوفمبر من السنة ذاتها تمكن هذا العبقري من إيجاد طريقة حساب التفاضل .

وحينما عُيّن نيوتن أستاذا في جامعة كامبردج واصل عمله ليل نهار حتى تناسى تناول طعامه بل بدا مهمل المظهر نتيجة انغماسه المطلق في علمه وأبحاثه لإفادة البشرية، ويبدو أن نيوتن يشابه معظم علمائنا في البيئات العربية من حيث السرية الصارمة على أبحاثه ومكتشفاته العبقرية للدرجة التي قيل أنه لم يُظهر مؤلفاته أو اكتشفاته الفيزيائية إلى في وقت متأخر من حياته على سبيل المثال كتابه الفريد عن الميكانيكا والجاذبية ظهر وهو في تمام عمر 44 عاما، ثم نشر كتابه عن الضوء حينما بلغ الخامسة والستين.

ويرجع لهذا الفيزيائي العبقري اكتشافه للعلاقة بين قوى الجاذبية الأرضية والبعد عن مركز الكرة الأرضية عن طريق المقارنة بين حالة سقوط حجر (أو تفاحة كما يقولون) على سطح الأرض وحركة القمر في مداره حول الأرض باعتباره يسقط إلى مداره كلما دفعته الحركة خارجا عنه في اتجاه المماس لمداره الدائري الذي يتحرك فيه (جامو، ص 60).

 وإلى نيوتن ترجع معظم الانتصارات العظيمة في مجال الفيزياء بوجه عام ؛ فكتابه المعروف باسم " البرنسيبيا" المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية يعتبر موسوعة فيزيائية متكاملة تحدث فيه واصفا قوى الطبيعة والتنبؤ بمعظم المبادئ الميكانيكية، وفي كتابه العظيم وضع أسس برنامج التفسير الميكانيكي لكل الظواهر الفيزيائية، فضلا عن وضع القوانين الثلاثة للحركة والتي كتبها بطريقة واضحة وبأسلوب سهل بخلاف الكتابات العلمية العربية الراهنة الموغلة في الغرابة والغموض والترميز وحينما نوجه لهم الدهشة إزاء طرحهم العلمي نجدهم مهمومون فقط بالكتابة لأنفسهم متناسين دورهم التنويري والحضاري صوب مجتمعاتهم.

(6) أشعة إكس الغامضة:

في النصف الثاني من القرن العشرين كانت الفيزياء قد استقرت على عرش السيطرة في تفسير مجمل الظواهر الكونية التي كانت عصية على التلقي والتأويل، وفي الفترة الأخيرة من القرن التاسع عشر تحولت الفيزياء من حالتها الكلاسيكية إلى ثورة دونما توقف لجماحها حسب وصف جورج جامو في كتابه " الفيزياء في عصورها الأولى "، حتى كان اليوم العاشر من نوفمبر سنة 1895 حينما كان الفيزيائي الألماني رونتجن يقوم بثمة تجارب معملية باستخدام أنابيب كروكس الكاثودية، لاحظ أن شاشة فلورسنت تصادف وجودها بجوار الأنبوبة، أظهرت ضوءا براقا لامعا عندما كان التيار الكهربائي يمر في الأنبوبة، وتمكن رونتجن من تغطية الأنبوبة بقطعة من الورق الأسود لكنه لم يمنع هذا البريق من الظهور، وحينما استخدم لوحا معدنيا اختفى هذا البريق تماما، وكانت أول محاولة يسجلها رونتجن باستخدام الأشعة الجديدة التي اكتشفها وأطلق عليها اسم أشعة X RAYS، هي صورة لكف يد زوجه ظهرت فيها فيها الهياكل العظمية للأصابع وأيضا خاتم الزواج .

(7) ثم ماذا بعد؟

الحديث عن الانتصارات الفيزيائية عبر تاريخ الإنسانية طويل ومثير وممتع أيضا، ولا تكفيها مقالة قصيرة واحدة بل عشرات المقالات المتخصصة وغير المتخصصة التي تنير العقل العربي، لكن يبقى السؤال الأكثر حتمية هو: ثم ماذا بعد كل هذا؟ .

إن الإنسان في رحلة حياته القصيرة زمنيا يسعى ويحاول ويجتهد أن يسيطر على كوكب الأرض بل والكواكب المتزامنة في الدوران أيضا، والنصيحة التي نقدمها لكليات العلوم الأساسية الكثيرة جدا وجدا أيضا أن تلتحم بقضايا مجتمعاتها وأن تكرس المبادئ المتحفية القديمة نسبيا في خدمة الأوطان، وأن لفظة عالم لا تُطلق إلا على من يخدم بلاده لا خدمة وظيفته الأكاديمية المرتبطة بالراتب الشهري أو الحصول على فرصة عمل بإخدى دول النفط أو مجرد السفر إلى الخارج من أجل التقليد فحسب، وخصوصا أن ال\دول العربية تحديدا منذ جائحة كوفيد 19 وهي لا تتأخر في تقديم كل مناحي الدعم للمؤسسات العلمية، وعلى هؤلاء الذين اغرورقوا طوعا وكرها وقصدا في إغراق طلابهم بأحاديث علمية من أجل الامتحان النهائي أن ينتبهوا ولو للحيظات قليلة إلى البعد الوطني لعلمهم وإلى جدوى النفع الذي يعود على المجتمعات العربية من ابتعاثهم للخارج أو حصولهم على ارفع الدرجات الأكاديمية بالداخل . ويظل دعاءنا لهم ولنا: اللهم انفعنا بما علمتنا إنك أنت الهادي .

 

الدُّكْتُورُ بَليغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

أسْتَاذُ المَنَاهِجِ وطَرَائِق تَدْرِيسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ

كُلِّيَّةُ التَّرْبِيَةِ ـ جَامِعَةُ المِنيَا

 

 

السلوكُ الاجتماعي يُوضِّح طبيعةَ الصِّراع في النَّفْس الإنسانية، وماهيَّةَ الأحلام التي تختبئ في أعماق الشُّعور الفردي والجماعي، وكَينونةَ الأشياء التي تَظهر في البُنى الثقافية، وحقيقةَ العناصر المُؤثِّرة في حركة التاريخ. وكما أنَّ وُجود المُجتمع يَسبق ماهيَّةَ العلاقات الاجتماعية، فكذلك كِيَان الإنسان يَسبق منظومةَ الوعي بالذات والآخَر . وهذه الأسبقيَّة لا تعني مُحَاصَرَةَ الأفكار في الإطار الزمني، وإنَّما تَعْني أنَّ الإنسان والمجتمع في البيئة الخياليَّة والواقعيَّة مُرتبطان بالنظام التراتبي الواعي (القاعدة الاجتماعية، الأساس الإنساني، البناء الثقافي، السقف الكَوْني) . وهذا النظام لا يُمثِّل حُدودًا للمعرفة، بَل يُمثِّل تنظيمًا للنشاط المعرفي، واتِّجَاهًا عقلانيًّا لفحص الطموحات قبل تطبيقها في الواقع.والطموحاتُ خاضعة لمحدوديَّة عُمر الإنسان،وهو لا يَملِك وقتًا لاختبار كافَّة الاحتمالات، وتحقيق كُل الأحلام . وهُنا تَبرُز أهميةُ ترتيبِ الأولويَّات، والتفريقِ بين المُهِم والأهَم . وأيضًا، إنَّ الواقع مُحَاصَر بقوانين التفاعل الاجتماعي الخاضعة لِبُنية اللغة، ومسارِ الزمن، وتضاريسِ المكان. ولا يُمكن صناعة واقع جديد إلا بَعْد صِناعة إنسان جديد . وهذا الإنسانُ الجديد يجب عليه أن يُعيد اكتشافَ حياته في اللغة، كَي يَجعل أحلامَه الشخصية زمنًا مُتواصلًا بلا انقطاع، ويُحوِّل ذِكرياته القديمةَ إلى مكان لاحتضان الأحلام، يُولَد باستمرار بلا توقُّف. وكما أنَّ اللغة قِيامة الأحلام، فكذلك الأحلام قِيامة الواقع.

2

الفِعْلُ الثقافي هو الابنُ الشرعي للفِعْل الاجتماعي، وإذا اقترنَ هذان الفِعْلان في عمليَّة بناء الإنسان، فإنَّ اللغة ستصير مُجتمعًا رمزيًّا مُتجانسًا، وقادرًا على إنتاجِ الدَّلالات الفكرية العميقة، وتَكوينِ القِيَم الأخلاقيَّة المُطْلَقَة، وإنشاءِ الروابط الوجودية بين العناصر، مِمَّا يَضمن تحقيقَ التواصل بين أدوات التحليل النَّفْسِي التي تَنبع مِن ذات الإنسان، ومناهجِ التفسير الحياتي التي تَنبع مِن ذات المُجتمع . وهذا يَدفع أنساقَ البناء الثقافي إلى إنشاء آلِيَّات لتحديد معالم سُلطة المعرفة، ورَبْطِها معَ العلاقات الاجتماعية وتَحَوُّلاتها التاريخية في بيئة إنسانية تزداد تعقيدًا على الصعيد المعنوي، وتَزداد تَشَابُكًا على الصعيد المادي . وكُل مُحاولة لتغيير طبيعة البناء الثقافي لتتناسب معَ خُصوصية المُحيط الاجتماعي، يَنبغي أن تنطلق مِن المعايير الفكرية الحاضنة لوظيفةِ المجتمع في ترتيب أنماط التاريخ، ووظيفةِ التاريخ في تَكوين هُوية المُجتمع . وكُل بناء ثقافي يتكوَّن مِن عناصر مُتنافرة، ومَواد غَير مُتجانسة، فمصيره الانهيار الحتمي . وعِندئذ سيفقد المجتمعُ القُدرةَ على التَّحَكُّم بالأدوات والمناهج والآلِيَّات، وهذا يعني خُروجَ الفِكْر الإبداعي مِن جسد التاريخ، والسُّقوطَ في الوَهْم الذي يتم تقديمه كتاريخ جديد للأنساق الاجتماعية، بسبب انهيار الأنوية الثقافية في كَينونةِ الإنسان وهُويةِ المُجتمع.

3

السلوكُ الاجتماعي والبناءُ الثقافي يَسْتَمِدَّان الشَّرعيةَ والمَشروعيةَ مِن بُنية الوَعْي الإنساني القادر على صِناعةِ الشُّعور، وتَوليدِ فِعْل التغيير على أرض الواقع . والوَعْيُ يَمنع أطوارَ التاريخ مِن الانقسام، والشُّعورُ يَمنع مراحلَ تَوليد العلاقات الاجتماعية مِن الانكماش، والفِعْلُ يَمنع الدَّوْرَ الوظيفي لرمزية اللغة مِن الانغلاق . وهذا النظام الثلاثي الأقطاب (الوَعْي، الشُّعور، الفِعْل)، يَستطيع تحديدَ الإطار المرجعي لِكُل التَّغَيُّراتِ النَّفْسِيَّة في الإنسان، والتَّحَوُّلاتِ التاريخية في المُجتمع، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تحقيقِ الانفتاح العقلاني على المَعنى الإنساني، وتَوجيهِ قوانين التفاعل الاجتماعي نَحْو إشباع رغبات الفرد وحاجاته في مُحيط استهلاكي قاسٍ، قد لا يَعترف بوجود الفرد أصلًا . وبعضُ الأنساق الاجتماعية تَعتبر الفردَ مُجرَّد تابع للجماعة بدُون رأي ذاتي، ولا سُلطة اعتبارية، ولا شخصية مُستقلة . وهذا الأمرُ شديد الخُطورة، لأنَّه قائم على فلسفة الانصهار القَسْري، وإلغاءِ الهُويات الفَرعية . وقُوَّةُ الكُل لا تَكون بإلغاء الجُزء، وإنَّما بإنشاءِ مَنظومةٍ تَحتوي على جميع الأجزاء بدُون تهميش ولا إقصاء، وتحويلِ الهُويات الجُزئية إلى روافد قوية داعمة للهُوية الكُلِّية المُعبِّرة عن التكامل الاجتماعي لا التناحر الناتج عن مُحاولة الإلغاء والإلغاء المُضَاد . وكُل صَوت فردي يجب أن يَحتفظ بوجوده وماهيَّته وخُصوصيته في نِطاق المصلحة العَامَّة . والفردُ _ مَهما كان صغيرًا _ يُمثِّل قُوَّةً للجماعة، ولا يُمكن أن يتكيَّف مع البيئة الخارجية إلا إذا حقَّق التوازنَ في داخله .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

زهير الخويلدي"تجديد التراث هو دراسة للبعد الاجتماعي لقضية الموروث او دراسة الموروث في بعده الاجتماعي"

من تقاليد ورشة العمل الفلسفية لدينا أن نؤدي إلى الحوار مع الذات الحضارية من خلال النصوص التي انتجتها ودونت بها نفسها. ماذا تعني هذه النصوص؟ هذا هو الاستخدام المادي والرمزي للتراث. يأتي التراث من "tradere" اللاتينية التي تعني الإرسال. ولذلك فإن التراث هو المكون الذي انتقل إلينا أولاً شفوياً أو من خلال العادات والتقاليد. في هذا يرتبط بالثقافة وأحد أقوى نواقلها هي اللغة. هذا لا يستخدم فقط للتواصل من أجل تلبية احتياجاتنا الحالية، إنه ينقل ذاكرة جماعية، حتى يمكن للمرء أن يقول حكمة جماعية. فكرة التراث هي فكرة الشيء الذي أثبت نفسه، حتى لو كنت لا تعرف كيف بنفسك. وهكذا، يلعب التراث، على المستوى الجماعي، الدور الذي تلعبه الذاكرة على المستوى الفردي. إنه يضمن الاستمرارية، ويضمن طريقة معينة للعيش في العالم، ويؤسس هوية جماعية. ماذا سيكون المجتمع بدون تقاليد؟ مجتمع بلا ذاكرة وبدون هوية خاصة به. "نحن أقزام على أكتاف عمالقة" قيل في العصور الوسطى. هذا يعني أننا نستفيد اليوم مما نقل إلينا، مما صمد أمام اختبار الزمن، وبفضل هذا يمكننا أن نرى أبعد من الأجيال السابقة. أليس هذا المفهوم التراكمي البحت للتاريخ مفرط في التبسيط؟ هل تسمح لنا التقاليد حقًا برؤية المزيد وإبراز أنفسنا في المستقبل، أليس بالأحرى شبقًا يحبسنا في الماضي ويمنعنا من الوجود في العالم والالتقاء بالآخر والتقدم؟

صرح د حسن حنفي في كتابه التراث والتجديد يأن التراث هو كل ما وصل إلينا من الماضي داخل الحضارة السائدة؛ فهو إذن قضية موروث وفي نفس الوقت قضية معطى حاضر على عديد من المستويات.فإذا كان التراث هو أساس الهوية الجماعية، فإنه غالبًا ما يحبس الأفراد فيه. ما هي الخلافات القومية والدينية المختلفة إن لم تكن النتيجة الدموية للتناقض بين الذكريات المختلفة؟ إذا عرفت نفسي تمامًا من التمثيل الذي ورثته من تاريخ شعبي وإذا بدا لي هذا التاريخ (وبالتالي هويتي) غير متوافق مع تاريخ جاري، فلن أتمكن أبدًا من العيش بسلام معه. لكن هل يتم تعريفنا فقط من خلال التقليد الذي صنعه منا (أي من خلال ماضينا)؟ ما أنا عليه ليس فقط من أين أتيت، ولكن أين أنا ذاهب. علاوة على ذلك، يمكن للمرء أن يتساءل عما إذا كان التقليد يمكن أن يكون شرعياً موثوقاً، وماذا يمكن أن تستند إليه هذه السلطة المزعومة. التراث هو ما يتم فعله لأنه تم "دائمًا". هيبته تجعلنا نبدو بديهيًا، "طبيعيًا"، وهو في الواقع بناء، نتاج التاريخ (وبالتالي لم يكن موجودًا دائمًا). هل يجب أن نستمر في القيام بذلك لأنه يتم القيام به؟ بمعنى آخر، هل أقدمية ممارسة اجتماعية ضمانة لشرعيتها؟ حقيقة أنه تم نقله يمكن أن يثبت شيئًا واحدًا فقط: أنه يلبي حاجة، لا شيء أكثر من ذلك. هناك العديد من الأمثلة حيث نرى "التراث" الذي تم استحضاره لتبرير أسوأ حالات عدم المساواة، خاصة تجاه الغرباء. يوضح لنا معيار الاستمرارية مدى هشاشة "الشرعية" التي يمنحها التراث، ناهيك عن كونه موروث عن الماضي التاريخي، لكن هل هذا كافٍ لتبرير سلطته علينا؟ ولماذا تعطل التجديد والتطور؟

في الواقع التراث ليس مقدسا ويمكن التعاطي معه بروح التحديث والتطوير بعد التجذر والتأصيل ولكن يمكن فرزه واختيار ما يصلح منه للحاضر والتعويل عليه في مواكبة روح العصر والتقدم الى المستقبل بخطى ثابتة.ألم يقل د حسن حنفي: ليس التراث قيمة في ذاته، إلا بمقدار ما يعطي من نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على تطويره، فهو ليس متحفاً للأفكار نفخر به وننظر إليه بإعجاب؛ بل هو نظرية للعمل وموجه للسلوك، وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض". والحق أن التراث لا يعني التقليد ولا الموروث ولا ينبغي علينا أن نتعامل معه بأسلوب الميراث والتوريث بل بروح المعاصرة وبمناهج الحداثة وباستراتيجية الإقلاع والذهاب الى المستقبل بروح الابتكار العلمي والابداع الفني والذكاء الاصطناعي والعلوم العرفانية وفلسفة الذهن ونظريات الأفعال الكلامية والتصورات التحليلية. "ما هو التراث؟" يسأل نيتشه في الفجر: "سلطة نطيعها ليس لأنها تأمر بما هو مفيد لنا، ولكن لأنها تأمر. - كيف يختلف هذا الشعور بالتقاليد عن الشعور بالخوف؟ إنه الخوف الذي يعطي أوامره هنا (...) هناك الخرافة في هذا الخوف ". فمتى نتحول على حد عبارة محمد عابد الجابري من كائنات تراثية الى كائنات لها تراث بعد ان نتخذ منه مسافة نقدية ونحدث معه قطيعة معرفية ونستبدل القراءة الخطية بالتأويل النقدي؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفيكاتب فلسفي

 

 

حاتم حميد محسنيجب على الدول الصناعية ان تصبح قادرة سياسيا واقتصاديا وتكنلوجيا واخلاقيا على إبقاء حرارة الارض أعلى من مستوى ما قبل الصناعة بأقل من 2 درجة مئوية (1). المشكلة ليست عصية على الحل. من الممكن الاستفادة في المدى البعيد من ضرورة التعامل مع الاحتباس الحراري الناتج عن أفعال الانسان حينما نكون ناضجين سياسيا وأخلاقيا.

حتى الآن، فشل العالم الى حد كبير في تجاوز ضيق الافق السياسي والاقتصادي والأخلاقي. هذا الفشل المستمر سوف يحيل آمال الاستدامة الى انهيار. في سرعتنا الحالية بحرق الوقود الاحفوري، سوف نتجاوز حدود الـ 2 درجة مئوية في عام 2036 (باستعمال متوسط حرارة نصف الكرة الشمالي على سنة اساس حقيقي لما قبل الصناعة "1750-1849"). واذا وصلنا درجة حرارة 2 درجة، عندئذ ستهدد ردود الأفعال الطبيعية بخلق احتباس حراري آخر، بحيث يصبح من الممكن حدوث احتباس حراري في نطاق 3 درجة مئوية او اكثر. وعندما ترتفع  درجة الحرارة ثلاث درجات مئوية سنكون غير قادرين على التعامل مع النتائج. باختصار، نموذجنا الحالي للتنمية يثبت انه كارثي للحضارة الانسانية والعالم الطبيعي.

الفلسفة

في القرن الثامن عشر كتب ديفد هيوم بشكل استفزازي: ليس غريبا  التفكير بتفضيل تدمير كل العالم بدلا من خدش أحد أصابعي. هيوم لم يكن موافقا على هكذا حكم. بل هو يرى ان تفكيرنا يميل ليكون مؤطرا بغير العقلاني، واحيانا، بعواطف سخيفة. المواقف غير الاخلاقية حول تغيرات المناخ في المناطق الأكثر استعدادا للتعامل معها تؤكد رؤية هيوم.

في الرد على هيوم، اعتقد عمانوئيل كانط ان هناك واجبا اخلاقيا للتعامل مع الآخرين بمستويات تنسجم مع المنزلة الأخلاقية للمرء. القيام بهذا يشجع العالمية (الكوزموبوليتية) التي تنظر الى ما وراء الحدود القومية. ان مفهوم "الإنصاف كعدالة" الذي طوره جون رولز يرى ان المنافع التي يتمتع بها أعضاء المجتمع الأكثر حظا تساهم بمستقبل الأقل حظا. الفيلسوف المعاصر بيتر سنجر يجادل بان المواطنين الأثرياء في العالم عليهم مسؤولية أخلاقية لمساعدة المحرومين والفقراء في العالم. أي اطار مناخي عادل سياسيا ومسؤول أخلاقيا يجب ان يستلزم موازنة مستمرة بين أفعال الامم الصناعية وتأثيراتها على الشعوب الأضعف.

حتى الآن، استغلت الامم الثرية في العالم  فوائد استخراج الوقود الاحفوري بينما تكرس في نفس الوقت زيادة معاناة الناس الأقل حظا في الكوكب. الدول النامية لا تستطيع المحافظة على نفس نسبة الكاربون المرتكز على النمو التي تمتعت بها سابقا الدول المتطورة. الأقل مسؤولية تجاه تقلبات المناخ هم الأكثر حساسية له، ويتحملون اخطاره المدمرة . شعوب العالم المتطور يجب ان تفهم الاخطار التي يواجهها اولئك الذين في الجبهة الامامية لتأثيرات الاحتباس الحراري العالمي.

العلم

حاليا، عند حرارة فقط تسعة بالعشرة  من الدرجة مئوية، ترتفع مستويات البحر ثمانية بوصات. وبالنتيجة،يصبح الملايين في العالم النامي عرضة لتصاعد العواصف الساحلية. الأعاصير الاستوائية تشكل أكبر ضرر لفقراء السواحل، بينما تسخين المحيطات يفتح الطريق لإطلاق قوتها التدميرية. ومع استمرار ذوبان القطب الجنوبي والصفائح الثلجية لغرينلاند، ذلك يدفع للتنبؤ بارتفاع مستوى سطح البحر  ثلاثة اقدام اخرى وربما ستة اقدام عام 2100 . هذا يعني ان مستوى التسخين الذي تم بلوغه سلفا سوف يدفع ملايين الناس  في العالم للهجرة. ثقافات كامل المنطقة الاستوائية ربما تتبعثر وتتحطم طرق حياتها التقليدية. أزمات اللاجئين الكارثية سوف تتفاقم بنطاق اكبر بسبب الآفات الزراعية والأمراض الاستوائية والزيادة المستمرة في الحرارة وحرائق الغابات والجفاف وما يتبع ذلك من فشل المحاصيل. ضحايا التهجير المناخي سيكونون في مخاطرة اخرى عندما تشتد التوترات السياسية والاجتماعية. ذلك يجعل العالم يشهد اكبر فترة انقراض متواصلة منذ ظهور الدينوصورات على الارض. العديد من الدول تستمر في إطلاق غازات البيوت الزجاجية بنسبة عالية رغم امتلاكها معلومات عن الاحتباس الحراري منذ اكثر من عقدين.

دمار غير عادل

من الواضح ان الكوكب الذي نأمل تركه للأطفال اليوم ولذريتهم غدا سيكون عالما لتحطيم بيئي غير عادل. اذا لم يُتخذ اجراء حاسم الآن سيبقى العالم في معاناة متصاعدة وجوع ومجاعة والقليل جدا من التنوع البيئي. أعضاء العالم الصناعي يتحملون مسؤولية أخلاقية للنتائج المستمرة لسلوكنا الحالي. هناك ادراك منذ وقت طويل عن كيفية كبح الاحتباس العالمي من خلال اتفاقيات تسعير الكاربون. وبدلا من ذلك، جرى تأجيل الفعل، والعديد من القطاعات الصناعية والسياسية ذوي المصالح المالية تجاهلت مجتمعة، وشجعت (واحيانا موّلت) هجوم زائف وغير أخلاقي على حقائق العلم.

ان عدالة المناخ والضرورات العملية تتطلب من الامم الثرية ان تساعد العالم النامي في معالجة التهديدات المتصلة بالمناخ والتكيف بشكل مستدام. وكذلك، يجب على الدول الثرية ان تتصرف بحزم وبجهد مخلص لتجنّب الوصول الى عتبة الـ 2 درجة مئوية. القيام بهذا يُعد ضرورة عملية وأخلاقية تتطلب الشروع بخطط تخفيف ملزمة قانونيا، وزيادة الاستثمار في البنية التحتية الدائمة، واعتماد التكنلوجيات المتجددة. لو فشل العالم في تجنّب الـ 2 درجة حرارية، وهي الإمكانية التي يجب ان نكون مستعدين لها،فان فعلا حاسما لو يُتخذ الآن سيكون امرا هاما وسيضع الجيل القادم في وضع أفضل في البناء على جهودنا والتعلّم في نفس الوقت من أخطائنا. الصعوبة في الموقف الحالي لا تبرر التردد الأخلاقي.

 

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) حسب تقارير المناخ (climate.gov) ان درجة حرارة الارض زادت بمقدار 0.08 درجة مئوية لكل عقد منذ عام 1880. وبشكل عام جرى اعتبار حرارة الارض ارتفعت حوالي 1 درجة مئوية او 1.8 فهرنهايت منذ بداية الثورة الصناعية حوالي 1750.

 

 

وعلي حبطيشمقدمة: تعد المنظرة السياسية حنة أرندت من رواد الفكر السياسي الغربي في القرن العشرين. إن ميلاد أرندت في بداية القرن العشرين حتي وفاتها في النصف الأخير من هذا القرن، جعلها تشاهد بنفسها أو بمعني آخر شاهد عيان علي المصائب الكبرى التي حدثت للإنسانية. مما يجعلنا نذهب إلى القول بأن سيرتها الذاتية تعد تجسيداً حياً لأهم الأحداث الدموية التي حدثت في القرن العشرين. إنها ترفض كل أنواع الاستبداد أيا كان، وتدافع عن حرية الإنسان بصدق. وليس أدل علي ذلك من موقفها المعارض للصهيونية، بعد أن كانت تؤيده في البداية وساعدت في هجرة اليهود إلى فلسطين، ولكن عندما علمت بما يحدث هناك من إبادة كاملة للفلسطينيين أخذت موقفاً عدائياً، واعتبرها الصهاينة معادية لهم.

إن السمة الأساسية والغالبة التي لا يخطئها إنسان هي أن القرن العشرين هو قرن الحروب والثورات، وبالتالي فإنه أيضاً القرن الأكثر عنفاً. ولقد شهد القرن العشرين حربين عالميتين لم تشهد الإنسانية مثلهما في تاريخها. وفي هذا القرن أيضاً ظهرت أيديولوجيا شمولية تزعم في تقديم حلول لكافة الأزمات والمشاكل الإنسانية، وأعطت الأمل للجماهير البائسة في تحقيق مستقبل أفضل. إن فكر حنة أرندت السياسي مرتبط بشكل مباشر بالأزمات التي عاصرتها في القرن العشرين، وعاشت بنفسها تجربة النازية مع هتلر، ولم ينقذها من الموت سوى هروبها خارج ألمانيا. مثل هذه التجربة جعلها تتناول النمطين الأبرز للهيمنة التوتاليتارية ألا وهما النازية الألمانية، والستالينية الروسية. والتوتاليتارية تعني تحكم شخص واحد في جميع السلطات، وبالطبع يتحكم في كل القرارات، ويتمتع بتأييد جماهيري جارف. وهناك اختلاف بين مفهوم الشمولية التوتاليتارية والإستبداد. لأن التوتاليتارية تسعي إلى دمج الجماهير في أيديولوجيا واحدة. والتوتاليتارية تسعي إلى السيطرة علي كل شعوب العالم، وإزالة كل واقع غير توتاليتاري. والتوتاليتارية عند وجودها في السلطة تظل كما هي قبل وجودها في السلطة لا تعرف الاستقرار، أو مراجعة مواقفها.

وهكذا نجد أن أهم المشكلات السياسية التي استحوذت علي اهتمام حنة أرندت هي العنف، والسلطة، والإرهاب، والاستبداد، والحرية، والثورة، والشمولية التوتاليتارية. وهذا ما سوق نتناوله في مقالنا هذا.

السيرة الذاتية والعلمية لحنة آرنت:

حنة اَرنت تعدّ من أبرز المفكرين السياسيين في القرن العشرين ولدت أرنت في ليندن، إحدى مقاطعات هانوفر، عام 1906، لعائلة يهودية. في سن الثالثة، انتقلت عائلتها إلى كونيجسبيرج، عاصمة شرق بروسيا، حتى يمكن علاج مرض الزهري الذي يعاني منه والدها أصيب بول أرندت بالمرض في شبابه، وكان يُعتقد أنه في حالة مغفرة عندما ولدت أرندت. مات عندما كانت في السابعة من عمرها. نشأت أرنت في أسرة علمانية تقدمية سياسيًا. كانت والدتها من أشد المؤيدين للديمقراطيين الاجتماعيين. بعد أن أكملت تعليمها الثانوي في برلين إنتقلت إلى جامعة ماربورغ لتدرس مع مارتن هيدغر وقد كان للقائها مع هيدغر الأثر البالغ على فكرها، والذي أثمر عن "علاقة غرامية قصيرة " ولكنها عنيفة. بعد عام من الدراسة في ماربورغ، انتقلت إلى جامعة فرايبورغ، حيث أمضت فصلا دراسيا كاملا في حضور محاضرات إدموند هوسرل ودرست أيضا في جامعة ماربيرغ وجامعة فرايبيرغ، وحصلت على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة هيدلبيرغ، حيث درست تحت اشراف كارل ياسبرز الفيلسوف الذي كوّنت معه صداقة فكرية وشخصية طويلة الأمد. أكملت أطروحة الدكتوراه عام 1929 تحت إشراف ياسبرز، والتي حملت عنوان "الحب والقديس أغسطين-Der Liebesbegriff bei Augustin ".، في عام 1933 هربت من المانيا وذهب الى فرنسا، وفي عام 1941 ذهبت الى الولايات المتحدة الامريكية، وحصلت على جنسيتها بعد عشرسنوات من اقامتها هناك.

أهم مؤلفاتها:

- كتاب أسس "التوتاليتارية" أي أصل المذهب الشمولي

كتاب أزمات الجمهورية

كتاب رجال في عصور مظلمة

كتاب بين الماضي والمستقبل

ثمانية تمارين في الفكر السياسي

كتاب في العنف

كتاب ايخمان في القدس: تقرير في ابتذال الشر

توفيت 1975سنة فجأة بنوبة قلبية عام 1975 عن عمر يناهز 69 عامًا(1).

2- مصادر الفكر السياسي لحنة آرنت:

تعتبر أرندت من رواد الفكر السياسي في القرن العشرين. وتناولت العديد من الموضوعات السياسية مثل: السلطة، والاستبداد، والإرهاب، والثورة، والعنف، والشمولية، والحرية..... الخ.

ويعد فكر أرندت السياسي مرتبط بشكل مباشر بظروف عصرها وانعكاسا للأحداث السياسية التي شهدها القرن العشرين. ذلك القرن الملئ بالأحداث والصراعات السياسية ومن أهم الأحداث المؤسفة التي ظهرت في القرن العشرين، الحربين العالميتين الأولي والثانية، وأن أكثر ما أثار قلقها علي الإنسانية هي الأنظمة التوتاليتارية المتمثلة في النازية الألمانية والستالينيه الروسية تركت هذه الأحداث أثرها علي السياسة العالمية واصطبغت بصبغة إستبدادية. ولقد فقدت الإنسانية حريتها وتخبطت في عالم يسوده العنف واللامبالاة. في هذا المناخ القاتم، والإنسانية المفقودة، والديكتاتورية السائدة، حاولت أرندت قدر استطاعتها لفت الأنظار إلى خطورة ما يحدث وعواقبه السيئة. ومن هنا جاء إهتمامها بالسياسة، ولأنها تسعي إلى تغيير الواقع اهتمت بالفعل الإنساني.

نستطيع القول بأن الفعل عند أرندت ـ كما سنتناول ذلك ـ بمعني الممارسة القديمة. نعني بذلك دولة المدينة اليونانية نموذجاً. ولأهمية الفعل عند أرندت، فإننا نذهب إلى القول بأن الفعل هو أساس النظرية السياسية. وقد تناولت الفعل من خلال فهمها للحرية، والمشاركة، والحوار. لأن الفعل والسياسة ـ من بين كل القدرات وامكانات الحياة الإنسانية ـ هما الشيئين الوحيدين اللذين لا يمكن تصورهما دون إفتراض وجود الحرية. ولا نستطيع لمس قضية سياسية واحدة ضمنياً أو صراحة دون تلمُس قضية حرية الإنسان. وعلاوة علي ذلك، فالحرية ليست مجرد إحدى المشكلات العديدة وأحد ظواهر عالم السياسة ـ عند الحديث بالشكل المناسب ـ مثل العدل، والسلطة، أو المساواة... فبدونها تصبح الحياة السياسية ليس لها معني. إن سبب وجود السياسة هو الحرية، ومجالها في التجربة هو الفعل (2).

ومما لا شك فيه أن القدر قد منح أرندت فرصتين تتمثل الأولي في أنها عاصرت فيلسوفين ألمانيين من أكبر فلاسفتها ألا وهما " هيدجر 1889 ـ 1976 " و" كارل ياسبرز 1883 ـ 1969 ". والثانية أن الظروف أتاحت لها مناقشتهما في أفكارهما، من خلال حضورها لمحاضراتهم(3).

ومما يؤكد علي إنسانيتها وتحيزها الكامل للحرية، وهجومها الشرس على أي سياسة تمارس العنف أو القمع أو الإبادة. يتضح ذلك من موقفها العدائي من الصهيونية.

أدى هذا كله إلي أن تعلن أرندت بصراحة انحيازها إلى السياسة، ورفضت لقب فيلسوفه. نجد ذلك في لقاء مع صحفية ألمانية في منتصف الستينيات من القرن الماضي عندما تحدثت معها بصفتها فيلسوفة فكان ردها المباشر بأنني لست فيلسوفه، ولكنني متخصصة في مجال النظريات السياسية (4) ومن الأسباب التي أدت إلى توجه أرندت إلى السياسة ورفضها لقب فيلسوفه، تأييد هيدجر للنازية، مما جعلها ترى أن الفلسفة لم تمنع فيلسوفا متميزاً مثل هيدجر من معرفة حقيقية النازية. لأن هيدجر عندما إستولى النازيون علي مقاليد الحكم في ألمانيا تم تعيينه مديراً لجامعة فريبورج سنة 1933، وألقى خطاباً بهذه المناسبة عن " وضع الجامعات الألمانية " ولكنه لم يلبث أن استقال من منصبه عام 1934، أي بعد عام واحد أو أقل ! وقد اعتبره الحلفاء من أعوان النازية، فمنعوه من التدريس بالجامعات الألمانية بعد انتهاء الحرب (5). وفي رسائل متبادلة ما بين أرندت وياسبرز، كتب إليها في رسالة من هذه الرسائل أن ما قمت بكتابته في السياسة يعد فلسفياً. وكذلك نجد أن أرندت اصطبغت السياسة لديها بصبغة فلسفية، يتضح هذا في تأثرها بالعديد من الفلاسفة ـ سنتناول البعض علي سبيل المثال ـ ولكننا لن نلتزم بالترتيب التاريخي. ونبدأ بمن تأثرت بهم بشكل مباشر، من خلال المحاضرات، ومشاركتها في مناقشات مباشرة معهم ألا وهما هيدجر وياسبرز.

لقد تأثرت أرندت بالفكر الفلسفي الوجودي عند هيدجر، وقد التقت به للمرة الأولى في عام 1925م وكان عمرها حينئذ سبعة عشر عاماً. فأتاحت لها الظروف أن تأخذ مكانها بين طلابه. وبعد عامين من لقائهما الأول أصدر سنة 1927م الجزء الأول من كتابة الضخم " الوجود والزمان " وهو سبب شهرته، وهو الكتاب الذى لم يصدر له أي جزء آخر.

وأهمية هذا الكتاب نجدها في المفاهيم الجديدة التي كشفت عنها دراسة هيدجر الأونطولوجية لمقومات الوجود الإنساني. والنجاح الذى حققه هيدجر لم يقتصر على الأوساط الفلسفية فحسب، بل انتقل إلى جمهور المثقفين بصفة عامة. وأصبح كتاب " الوجود والزمان " بمثابة حدث هام في تاريخ الفكر الفلسفي المعاصر، ليس في ألمانيا فقط، وإنما في العالم أجمع(6)

وإذا كانت الحرية عند أرندت هي قضيتها الأساسية التي ظلت تدافع عنها بكل ما تملك من إمكانية، ومن لا يمتلك حريته يفقد في اللحظة ذاتها إنسانيته. وهنا نجد تأثرها بالحرية عند هيدجر، لأن الحرية لديه " هي أساس الأساس، وفي هذه العبارة تظهر الكلمة الأخيرة في فلسفة هيدجر "(7) وإذا كانت أرندت دائماً في نضال من أجل الانتصار للقيم السياسية، نجد تأثرها بفلسفة ياسبرز التي تري أن " النضال لا سبيل إلى التحرر منه أو الإمتناع، لأن مجرد الوجود ينطوي علي النضال، وما يسلتزمه من مخاطرة ومن يعش يخاطر علي درجات متفاوتة من المخاطرة، إذ كل عملية من عمليات الوجود تنطوي على مراهنة بالوجود الإنساني في الموقف الناشئ عنه "(8).

وهكذا نجد أن مكانة الحرية عند أرندت كما هي عند ياسبرز. ولا يوجد إنفصال بين الفلسفة والسياسة. ونستطيع القول بأن أي نظرية سياسية في حاجة إلى رؤية فلسفية. ويذهب ياسبرز إلى القول بأن الوجود صوب الحرية تتلاقي كل توكيداتنا. فأنا بإعتبارى حرية أبرهن بنفسي لا على ما أنا عليه فحسب بل أيضاً على ما أستطيع أن أكونه، وما أريد أن أكونه. والفلسفة من خلال هذا الفهم تكون تعبيراً عن الحرية التي يصبح فيها كل شئ أمراً شخصياً. أما فيما يتعلق بالعالم البحت فهو دائما شيء أجوف خادع (9).

وإذا كانت الحرية عند أرندت لا تنفصل عن المجال السياسي، وترفض الحرية الداخلية الذاتية، كذلك يذهب ياسبرز إلى أن الحرية لا تعيش إلا في عالم من الحريات. ويرفض ياسبرز أن يوجد مع ذاته فحسب، بل لابد له من أن يوجد مع غيره، وأن تحقيق الذات لا يتم إلا بالإشتراك مع غيره من الذوات. ولن أكون موجوداً حقاً إلا من خلال التواصل(10).

واتساقاً مع ما سبق يذهب ياسبرز إلى القول بأننا أحراراً في الماضي لأنه حدث وانتهى. ولسنا أحراراً في الحاضر الذى تكون بالفعل، وكلنا أحراراً في المستقبل الذي نصنعه نحن بأيدينا. لأن المستقبل وليس الماضى هو أساس تطلعاتنا(11).

الآراء السياسية لحنة أرنت:

السلطة والعنف:

السلطة عند "حنة أرندت" هي القدرة علي العمل من أجل تحقيق غرض سياسي وتميز أرندت بين السلطة والقدرة والقوة والعنف. فالسلطة تعد علي النقيض من القدرة لأنها ليست فردية لكن لها مؤيديها، ويجمعهم هدف سياسي مشترك. والسلطة علي النقيض من العنف لأنها ليست مؤسسة علي الإجبار، ولكن علي التوافق والاختيار(12).فالسلطة عند آرنت هي قدرة الانسان على الفعل المتناسق الجماعي، لأن الجماعة هي مصدر نشأتها وحين تختفي الجماعة تختفي السلطة، أما العنف فله أدوات بالإضافة إلى القدرة وهذه الأدوات وسيلة لمضاعفة طبيعية القدرة، والعنف يحتاج الى تبرير وتوجيه للهدف الذي يبغي تحقيقه، وتبرير من جانب الطرف المستخدم للعنف الذي لا يعتمد على وجود عدو معين لكي يستخدم تزايد القدرة البشرية، والتي بتزايدها القدرة " تتحول الى عنف فالقدرة تمثل نوع من الاستقلال والتمييز لحاملها.

تنبثق السلطة في كل مكان يجتمع فيه الناس ويتصرفون بالتناسق فيما بينهم. والسلطة ليست في حاجة إلى التبرير ولكن ما تحتاجه هو المشروعية. إن المشروعية حين تجابه تحدياً تسند نفسها بالتوجه إلى الماضي، أما التبرير فإنه يرتبط بغائية متصلة مباشرة بالمستقبل. العنف قد يبرر لكن لن يحوز علي مشروعيته. والتبرير يبدو أقل مصداقية بمقدار ما تبدو الأهداف المستقبلية المتوخاة بعيده في الزمن. إن احداً لن يختلف في ضرورة استخدام العنف عند الدفاع المشروع عن النفس حين لا يكون الحظر بادياً فقط، بل حتمياً كذلك. هنا تكون الغاية التي تبرر الوسيلة واضحة تماماً(13)

المواطن:

المواطن بحسب حنة آرنت هو ذلك الرجل الذي غادر مجاله الخاص ليمارس الحرية السياسية مع نظرائه ويحاول معهم تأسيس حكومة جديدة تمثل الجميع وشرعيتها تأتي من الهيئات السياسية التابعة. يوفر مفهوم أرنت التشاركي للمواطنة أفضل نقطة انطلاق لمعالجة كل من مسألة دستور الهوية الجماعية وتلك المتعلقة بشروط ممارسة الوكالة السياسية الفعالة، ففيما يتعلق بالادعاء الأول من المهم أن نلاحظ أنّ أحد الأسئلة الحاسمة على المحك في الخطاب السياسي هو إنشاء هوية جماعية، و(نحن) التي يمكننا أن نناشدها عندما نواجه مشكلة اتخاذ القرار بين مسارات العمل البديلة. بما أنّه يوجد دائمًا خلاف في الخطاب السياسي حول مسارات العمل المحتملة، فإنّ هوية (نحن) التي سيتم إنشاؤها من خلال شكل معين من الفعل تصبح سؤالًا مركزيًا، ومن خلال الانخراط في مسار العمل هذا أو ذاك، فإننا في الواقع ندخل دعوى نيابة عن (نحن)، أي أننا نخلق شكلاً محددًا من أشكال الهوية الجماعية والعمل والخطاب السياسيان في هذا الصدد ضروريان لتكوين الهويات الجماعية. ومع ذلك فإنّ عملية بناء الهوية هذه لا يتم تقديمها مرة واحدة وإلى الأبد، وهي ليست خالية من المشاكل أبدًا، وبدلاً من ذلك إنّها عملية إعادة تفاوض ونضال مستمرة، وهي عملية يقوم فيها الفاعلون بتوضيح المفاهيم المتنافسة للهوية الثقافية والسياسية والدفاع عنها، ويعتبر مفهوم أرندت التشاركي للمواطنة وثيق الصلة بشكل خاص في هذا السياق لأنّه يوضح شروط تأسيس الهويات الجماعية. فيما يتعلق بالادعاء الثاني المتعلق بمسألة الفاعلية السياسية، من المهم التأكيد على العلاقة التي تؤسسها أرنت بين العمل السياسي الذي يُفهم على أنّه المشاركة النشطة للمواطنين في المجال العام، وممارسة الوكالة السياسية الفعالة، وهذا الارتباط بين الفعل والفاعلية هو أحد المساهمات المركزية لمفهوم أرنت التشاركي للمواطنة. رأت في التمثيل بديلاً عن المشاركة المباشرة للمواطنين، وكوسيلة يمكن من خلالها أن يعيد التمييز بين الحكام والمحكومين تأكيد نفسه، وكبديل لنظام التمثيل القائم على الأحزاب البيروقراطية وهياكل الدولة، اقترحت أرنت نظامًا فيدراليًا للمجالس يمكن للمواطنين من خلاله تحديد شؤونهم السياسية بشكل فعال، وبالنسبة لها لا يمكن إعادة تأكيد المواطنة وممارسة الفاعلية السياسية بفعالية إلّا عن طريق المشاركة السياسية المباشرة، أي من خلال الانخراط في عمل مشترك ومشاورات جماعية (14)

التوتاليتارية:

ترى أرندت أن ظهور النزعة الإمبريالية عند الطبقات الحاكمة كان نتيجة لزيادة الإنتاج الرأسمالي، أي النزوع إلى احتلال بلدان جديدة لتصدير الإنتاج إليها والحصول منها على المادة الخام، وتنفيس الصراع بين الطبقات الثرية والفقيرة داخل تلك البلدان من خلال احتلال بلدان أخرى واستغلالها. كان ذلك بداية التكون الاجتماعي للظاهرة التوتاليتارية بحسب أرندت. ولكن مع زيادة الفجوة بين طبقات الشعب نتيجة لعمليات التصنيع وتراكم رأس المال، حدث انقسام وتصدع داخل البنية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع.أي أن الحكومات والطبقات الحاكمة لجأت لحلول غير رأسمالية لحماية الدولة من الانهيار نتيجة الانقسام، فعملت على توحيد الجميع، خاصة الطبقات الشعبية، من خلال النزعة التوسعية للسيطرة على أقوات الشعوب الأخرى. وتولّدت عن ذلك الميول العنصرية والاستهتار بالقانون وأرواح المختلفين. شكّل ذلك أرضًا خصبة لظهور الدول التوتاليتارية التي نشأت جميعها من داخل النظام الصناعي الأوروبي.

لطالما كانت المساواة بين المواطنين أحد الهواجس الرئيسية التي راودت الانظمة الاستبداد والمتسلطة التي تعاقبت على البشرية منذ القدم، غير ان لاستبداد التام لا يشفيه تساو مماثل اذ يبقى بين المواطنين بعض الروابط المجتمعية، غير السياسة، من مثل الروابط العائلية والاهتمامات الثقافية، فإذا شاءت التوتاليتارية ان تأخذ على محمل الجد متطلباتها الخاصة، فما عليها الا ان تبلغ النقطة التي تلزمها التخلص من الحيادية، اي ان تتخلص من أي نشاط ذي وجود مستقبل (15) ." تتشكل الحركات التوليتارية من تنظيمات جماهرية تظم اليها افراداً مبعثرين ومعزولين، اما الميزة الا ظهر، تمييزاً لها عن كل الاحزاب والحركات الاخرى، تتمكن في اقتضاد الولاء اللامحدود، وغير المشروط وغير المتبدل من قبل المناضل الفرد ازاء حركته، والواقع ان اقتضاد الولاء المذكور كان قد صاغه قادة الحركات التوتاليتارية انفسهم قبل ان يمسكوا بزمام السلطة" (16). تهدف التوتاليتارية الى القضاء على الفعل الانساني، فسيطرتها تنحوا الى الغاء الحرية الموصوفة بل تميل الى القضاء على كل ظاهرة عفوية بشرية عامة ولا تكتفي بتقلص الحرية، أياً كان مبلغ الاستبداد في ذلك... ان النظام التوتاليتاري هو غياب كل سلطة أوتراتبية من شأنها أن تعين نظام الحكم، وأتمت التوتاليتارية خطتها في الاستحكام والاقالة للفعل السياسي، بخلف تصور لدى الجماهير يقضي بان ثمة أوهاماً وخدعاً جلبتها الديمقراطيات الغربية ويجب فضحها ومحاربتها، وبالنتيجة الانتماء لحركة توتاليتارية بالضد منها (17)

وهنا تبداً الجماهير بتقديم قرابين الولاء والطاعة، تصوراً منها انها بدأت تمسك زمام الامور، ولم يكن ذلك ليحصل الا من خلال منهجيات وبرامجيات صهر وتلقين ودعاية كانت تمثل العمود الفقري للتوتاليتارية، فهذه المناهج من حيث كونها تقنيات في الحكم تتبدى في بساطتها ذات فعالية حاذقة، فهي لا توفر احتكاراً للسلطة مطلقاً فحسب، بل ثقة لا نظير لها في أن كل الأوامر ينبغي ان تنفذ على الدوام. يعتبر الثلاثي: ألمانيا النازية، إيطاليا الفاشية وروسيا الستالينية، العائلة الكلاسيكية للتوتاليتارية. ولكن ببعض الفحص المقارن سيظهر لنا اختلافات بين هذا الثلاثي من حيث الأنظمة؛ أي أن كونها تندرج تحت مظلة مفهوم "التوتاليتارية" لا يعني أنها متطابقة. ولكن هذا لا ينفي وجود العديد من التشابهات الكثيرة والجوهرية بينهم.

في الحالات الثلاث الأشهر، هنالك عدة سمات مشتركة بينهم، وهي:

أولًا: تعبئة جماهيرية شاملة تقودها حركة أيديولوجية ناشطة خلال أزمة شاملة شديدة.

ثانيًا: تميزت الدول الثلاث بوجود منظمة عالية الانضباط من النشطاء المتفانين في العمل، الباحثين عن الحلم الأكبر للدولة وزعيمها.

ثالثًا: للدول الثلاث مسحة «عسكرتارية» (حكم عسكري)؛ إذ يكون للحزب جناح مسلح، وقوة مسلحة تمثل قوته.

رابعًا: تُكنّ هذه الدول الاحتقار والعداء التام للنظرية الليبرالية في الدولة، وتنظر للمفهوم الليبرالي على أنه خيانة للقومية.

خامسًا: كان هذه الحركات تدخل معارك ديمقراطية للفوز بمقاعد وتمثيل داخل الحكومة أو البرلمان، قبل أن يقوموا بإنهاء كافة الأشكال الديمقراطية فيما بعد، والقضاء على أي مساحة للحريات.

وبالرغم من أوجه التشابه القائمة، فإن الأنظمة الثلاثة كان تختلف عن بعضها اختلافات واسعة. فالتوجه الجماعي الروسي كان يستهدف إقامة مجتمع لا طبقي، يرتكز على الملكية الجماعية والإدارة التعاونية للأصول الإنتاجية. أما الفاشيون والنازيون فكانوا يميلون إلى دولة قوية، تسيطر سيطرة كاملة على المجتمع وقواه، وتعمل على اقتصاد سوق يخضع لسيطرة الدولة.ومن الاختلافات الأخرى كذلك الاختلاف الأيديولوجي. فكان الخطاب الماركسي في الاتحاد السوفيتي يسعى للتحرر من جميع القيود المكبّلة للحرية من خلال التحرر الاقتصادي، لأن الاقتصاد هو ما يكبّل الحرية الفكرية والتحرك السياسي. فكانت هذه النزعة التحررية تقف على النقيض التام من التراتبيات العنصرية التي كانت تؤمن بها الفاشية والنازية. (18)

الثورة:

المفهوم الحديث للثورة، بحسب حنة أرندت، يرتبط "ارتباطاً لا انفصام له بالفكرة التي تقول إن مسار التاريخ قد بدأ من جديد فجأة، وبأن قصة جديدة تماماً، قصة لم تروَ سابقاً ولم تعرف قط، هي على وشك أن تظهر". هذا المفهوم لم يكن معروفاً قبل اندلاع الثورتين العظيمتين الفرنسية والأميركية في نهاية القرن الثامن عشر. أما عقدة هذه الحكاية الجديدة فهو ظهور الحرية. وقد عبّر عن ذلك أحد منظري الثورة الفرنسية، جان أنطوان نيكولا دو كاريتا كوندورسيه، بقوله: إن كلمة ثورة "لا تنطبق إلا على الثورات التي يكون هدفها الحرية.تقول أرندت: "إن من الأمور الجوهرية جداً إذاً، في أي فهم للثورات في العصر الحديث أن تتزامن فكرة الحرية مع التجربة لبداية جديدة. وبما أن الفكرة الحاضرة للعالم الحر هي أن الحرية، وليست العدالة والعظمة، تمثّل المعيار الأعلى للحكم على الهيئات السياسية، فإنه ليس فهمنا للثورة وحده، بل مفهومنا كذلك للحرية الذي هو ثوري الأصل، هما اللذان عليهما يتوقف قبولنا ورفضنا لذلك التزامن. ان مطلب الحرية يعود ليظهر بوصفة مطلباً لاعادة الامور لنصابها تقول اًرنت: "ان فكرة الحرية قد فرضت نفسها في السنين الأخيرة على أخطر المناقشات السياسية الحاضرة والخاصة بالبحث في موضوع الحرب وموضوع الاستخدام المبرر للعنف، ان الحروب من الناحية التأريخية هي من أقدم الظواهر في الماضي المدون، في حين ان الثورات بنوع خاص لم تكن موجودة قبل ظهور العصر الحديث، بل انها من أحدث الوقائع السياسية الرئيسية، وعلى عكس الثورة فان الغرض من الحرب لم يكن مرتبطاً بفكرة الحرية إلا في حالات نادرة (19) ولا يكفي العنف وحده لوصف ظاهرة الثورة، فأرنت تلحق ظواهر عدة لتحقيق معنى الثورة:

التغيير، فلا يُمكن الحديث عن الثورة دونما إحداث تغيير، ويكون بمعنى بداية جديدة

يستخدم العنف لتكوين شكلاً جديداً ومختلفاً على مستوى الحكومة لتأليف كيان سياسي مغاير

التحرر فيها يقصد الخلاص من الاضطهاد ونيل الحرية، وتتضمن الثورة فعل التأسيس لكيان سياسي جديد،والذي يعمل على تصميم هيئة جديدة للحكومة، ولذلك يلزم ان يكون ثمة وعي كاف للقائمين بهذا العمل الخطير بالطاقة البشرية، لمطلب التجديد والبداية الدائمة، ولا بد من الاشارة الى أن فهم الثورة بهذه الصورة، هو فهم حديث ارتباط باندلاع الثورتين في أمريكا وفرنسا في القرن الثامن عشر.

الحياة العملية:

مفهوم الحياة العملية عند أرندت يتضمن ثلاثة أنشطة بشرية هي العمل والأثر والفعل. ويرتبط العمل بالمسار البيولوجي للجسم الإنساني، والوضع الإنساني للعمل هو الحياة. والأثر يعني عالماً صناعياً من الأشياء يختلف عما هو طبيعي. بينما الفعل يضع الإنسان في علاقة مباشرة مع الكثرة وليس في حاجة إلى الأشياء أو المادة، وتعد الكثرة هي الشرط الأساسي لكل حياة سياسية(20) .

إن الكثرة هي القرار الأساسي للفعل الإنساني، لأننا جميعاً متشابهون بمعني أننا جميعاً بشر، وفي الوقت ذاته لا أحد منا يماثل الآخر. إن العمل يعتبر الشرط الأساسي ليس لبقاء الفرد فقط بل يتضمن بقاء النوع بأكمله. أما الأثر فيعطي عالماً من إنجاز الإنسان. ولكن الفعل يرتبط مباشرة بالولادة، التي تعني أن القادم الجديد يمتلك الإمكانية في تقديم الجديد أي الفعل. والفعل يعبر بشكل مباشر عن النشاط السياسي(21).

وهكذا نجد أن العمل والأثر والفعل تمثل الأنشطة المتعلقة باستمرارنا في العالم. والعمل والأثر والفعل كل منهم مستقل عن الآخر. فالعمل يرتبط باحتياجاتنا البيولوجية من إنتاج وإستهلاك. والأثر يتمثل في قدرته علي تهيئة عالم مناسب للاستخدام الإنساني. وأما الفعل يتمثل في الإفصاح عن أحقيتنا في الحرية. ومن هذا المنطلق فإن العمل والأثر مختلفين عن الفعل وإن كانا لهما دور مهم في تهيئة المناخ في الفعل خلال الممارسة الإنسانية(22) .

إن جميع الأنشطة الإنسانية ترتبط ارتباطاً ضرورياً بالعيش في المجتمع، ولا يمكن أن يوجد الفعل خارج المجتمع الإنساني، وأن نشاط العمل ليس في حاجة إلى حضور الآخرين. وأن الفعل وحده هو الذي يلتصق بالإنسان، ولا يتم إلا من خلال الحضور الدائم للآخرين (23).

وحتي يكون المرء سياسياً فإن ذلك يعني أنه يعيش في مدينة وأن وسيلة التفاهم تتم من خلال الكلمات، والإقناع بعيداً عن القوة والعنف. فإن الضغط من خلال العنف، وإصدار الأوامر بدلاً من الإقناع، كانت تتم للتعامل مع الناس خارج المدينة، في المنزل، والحياة العائلية، حيث التعامل بسلطة حازمة واستبدادية(24

خاتمة:

نستنتج في الأخير:

تأثرت حنة أرندت بالعديد من الفلاسفة الذين تركوا أثراً واضحاً علي فكرها. ولقد تتلمذت بشكل مباشر علي يد فيلسوفين متميزين ألا وهما هيدجر وياسبرز ثم نجد تحولها إلى الاهتمام بالسياسة، حتي إننا نستطيع القول بأنها مزجت ما بين الفلسفة والسياسة.

رفضت أرندت ربط السلطة بالعنف. لأن العنف عند أرندت يقترن باختفاء السلطة، وأن ممارسة العنف يتم عند الانهيار الفعلي للسلطة. ويعجز العنف في أن يحمي السلطة من السقوط. ويرتبط الاستقرار السياسي ارتباطاً وثيقاً بغياب العنف.

تطور أنماط الحكم، نجد في عصرنا الحاضر ظهور نمط جديد للحكم يتمثل في الحكم البيروقراطي. ذلك الحكم الذي يتم من خلال نظام مكاتب معقد، لا نستطيع أن نضع مسئولية ما يحدث علي أحد. وأن هذا الحكم يمكن أن يطلق عليه حكم لا أحد. وإذا كنا نقوم بتعريف الطغيان علي أن حكومته غير مجبره علي تقديم أي حساب لأحد عما تمارسه نجد في المقابل حكم اللا أحد أكثر طغياناً، لأنه حكم لا أحد.

تدافع أرندت عن التفرد الإنساني، وأن كل ولادة جديدة تعني بداية لشخص ما. وأن مع هذه البداية تتواجد الحرية، التي يتزامن وجودها مع وجود الانسان. والفعل يرتبط مباشرة بالولادة، التي تعني أن القادم الجديد يمتلك الامكانية في تقديم الجديد أي الفعل. والفعل عند أرندت أساس نظريتها السياسية، ويرتبط الفعل بالحرية والحوار والمشاركة.

أرندت تذهب إلى أن هناك نظاماً توتاليتاريا في ألمانيا الهتلرية، وكذلك نظاماً توتاليتاريا في روسيا الستالينية، ولكن ستظل الهتلرية هي قمة ما وصلت إليه التوتاليتارية. نتيجة توافر فيها كل الصفات التوتاليتارية، ولا سيما التأييد الجماهيري الجارف. بينما التوتاليتارية في روسيا الستالينيه ظلت توتاليتارية مترددة بمعني أنها إبان الحرب العالمية الثانية تلاشت مؤقتا صور الاستبداد، ولكن لم يحدث هذا مطلقاً في ألمانيا الهتلرية

أن الفشل قد حدث بالفعل، بعد أن عارضت كثير من دول العالم المخطط الأمريكي، ولا سيما بعد أن بدأت روسياً تظهر كقوة عالمية مؤثرة في مواجهة أمريكا.

 

حبطيش وعلي

أستاذ مرسم في التعليم الثانوي

....................................

(1) آرندت، حنة، في الثورة – ترجمة: عطا عبد الوهاب، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، ط 1، 2008، ص 11-12.

2 ) Arendt،Hannah،Between Past and Future، Six Exercises Political Though، The Viking Press، New York،1961.P،146.

3 ) Young Bruehl، Elisabeth، Hannah Arendt، For the Love of The World، Yale University Press ،1982.P،62.

4 ) Dana R.Villa، Politics،Philisophy،Terror،Essays on The Thought of Hannah Arendt،Princeton University Press، New Jersey،1992،P،3.

5 ) زكريا ابراهيم ـ دراسات في الفلسفة المعاصرة ـ الجزء الاول ـ دار مصر للطباعة ـ 1968 ص 423.

6 ) زكريا ابراهيم ـ دراسات في الفلسفة المعاصرة ص 422.

7 ) إ. م. بوشنكسي ـ الفلسفة المعاصرة في اوروبا ـ ترجمة د. عزت قرني ـ المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت ـ 1992 ص 283.

8 ). عبد الرحمن بدوي ـ دراسات في الفلسفة الوجودية ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ الطبعة الأولي ـ 1980 ص 137.

9 ) ريجيس جوليفيه ـ المذاهب الوجودية من كيركجورد الي جان بول سارتر ص 219.

10 ) د. زكريا ابراهيم ـ دراسات في الفلسفة المعاصرة ص 468.

11 ) John Hennah،Karl Jaspers، Attude to Words History the Philosophy of Karl Jaspers، Edited by Paul Arthur Schilpp، New York، Tudor Publishing company، The Library of living Philosophers،1937،P،586.

12 ) Maurizio، Passerin d'Entreves – The Political Philosophy of Hannah Arendt،Routledge،London and New York،1994،P87.

13 ) Arendt،A، On Violence،P46.

قارن أيضاً: حنة أرندت ـ في العنف ص 46.

(14) علوش، نور الدين، فلسفة السلطة السياسية/ عند هيبرماس،دار الرافدين،بيروت، 2016، ط 1، ص 470.

(15) اَرندت، حنة، اسس التوتاليتارية،ترجمة: انطون ابو زيد، دار الساقي،2016، ط2، ص53،54.

(16) المصدر السابق، ص55.

(17) المحمداوي، على عبود، الفلسفة السياسية / كشف لما هو كائن، وخوض في ماينبغي للعيش معاً، دار الروافد الثقافية،بيروت، 2015، ط1، ص172.

(18) المصدر السابق،نفس الصفحة.

(19) المصدر السابق، ص173،174.

20 ) Arendt،Hannah The Human Condition،Introduction By Margaret Canovan،The University of of Chicago Press، Second Edition،1998،P، 7.

قارن أيضاً: حنة أرندت ـ الوضع البشري ـ ترجمة هادية العرقي ـ مكتبة الفجر الجديد ـ لبنان ص 27.

21 ) Ibid،PP،8،9.

المرجع السابق ص 28، 29.

22 ) Maurizio، Passerin d'Entreves – The Political Philosophy of Hannah Arendt،P،66.

23 ) Arendt،A، The Human Condition،PP، 22،23

قارن أيضاً: حنة أرندت ـ الوضع البشري ص 43، 44.

24 ) Arendt،A، The Human Condition،P، 26.

قارن أيضاً: حنة أرندت ـ الوضع البشري ص 48.

 

 

صالح الفهدييقول كيشور محبوباني وهو دبلوماسي سنغافوري سابق وعميد كلية لي كوان يو: "قال لي الدكتور جو كينج سوي (Goh Keng Swee) لا يهم ما هي المشكلة التي تواجهها سنغافورة، هناك أحدٌ ما، في مكان ما قد أوجد حلا لهذه المشكلة". وقد كان هذا سرُّ تقدُّم سنغافورة في شتَّى المجالات، إذ أنها كانت تحتذي بتقدم الصين واليابان، ثم غدت تُصدِّر للصين خبراتها، التي تمثِّلها اليوم مدينة الصين-سنغافورة China-Singapore Guangzhou Knowledge City، وهي مدينة أنشأتها الخبرة السنغافورية، ذلك لأن سنغافورة لم تعد اختراع العجلة وإنما نظرت إلى العجلة وطوَّرتها وأضافت عليها.

والذي عطَّلنا في الكثير من المجالات وجود عقليات تريد اختراع العجلة، أي أنها تريد أن تخترع حلولاً لمشكلات واجهتها دولٌ أُخرى فأوجدت لها حلولاً بعد تجارب أو بعد نقلها –ربما- من دولٍ أُخرى..! هذه العقليات تعطِّل التنمية، بل وتهدر الأموال في غير وجهتها الصحيحة.

هذه العقليات لا تؤمن بأنَّ المعرفة تراكمية وتكاملية، لا تؤمنُ بأنَّ التطَّور في العالم إنَّما هو عبارة عن (قيمٍ مضافة) كلَّ إنسانٍ يضيفُ إلى اختراعٍ سابق، وكلُّ دولةٍ تطوِّر في تجربةٍ سابقة، والصورة الكبيرة فيه هي كرة الثلج التي تكبر بتدحرجها من أعلى التلَّة.

أمَّا البعض فلا يريدون أن يستنسخوا تجارب الآخرين؛ تقولُ لهم: هذا نظامٌ يوفِّرُ عليكم الطاقة والجهد والوقت وهو ناجحٌ في تلك الدولةِ فاستفيدوا منه، فيعرضوا عنك..! تقول لهم: هذا برنامج معلوماتي يختزلُ لكم الإجراءات الإدارية تستخدمه المؤسسة الفلانية في الدولة الفلانية فطبِّقوه لتحصدوا نفس الثمار التي تحصدها تلك المؤسسة، فيتأتأون بـ"لكن" و"لكن"..! تقول لهم: تلك دولةٌ استفادت من جبالها فملأتها بالمرافق الحيوية المطلة على البحار، وتلك دولةٌ استفادت من خلجانها فملأتها مرافق سياحية، وتلك دولة استفادت من موقعها الإستراتيجي على بحرٍ أو خليجٍ، أو استفادت من مميزاتها الطبيعية، سيقولون لك: لكننا نخطط لشيءٍ أعظمُ من ذلك..! 

لماذا علينا أن نعيد اختراع العجلة في مجالاتٍ مختلفة ولا نستورد حلولاً ناجزة، جاهزة ما علينا إلا أن نطبِّقها خير تطبيقٍ مستفيدين من سلبيات وإيجابيات التطبيق لهذه الحلول.

من المعلوم أن المسلمين الأوائل قد استفادوا من حضارات الاُمم كالحضارة الفارسية والرومية واليونانية والهندية والصينية، فدرسوا علومها، واطلعوا على نتاجاتها، واستلهموا من أفكارها ثم أضافوا إليها ما يتناسب مع حضارتهم الإسلامية في جوانب علمية ونظرية، وهكذا استفاد الغربُ بعد تخبطهِ في عصور الظلام من نتاجات المسلمين في شتى العلوم الطبييعية والإنسانية.

بعض العقليات رغم أنها ترى بأمِّ عينها حلول الآخرين أمامها، إلا أنها تكابرُ في الاستفادة منها، وتصرُّ على أنها تملك حلولاً سحريةً لمشكلاتها، وهكذا تبقى المشكلات عالقةً، تلتصق بها صفة "المزمنة"، وحين كنتُ أناقشُ أحد أعضاء مجلس الشورى عن أمرٍ ما فأسأله: لِمَ لا تتم الإستفادة من الحل الفلاني، يردُّ بأن سبب ذلك قناعات بعض المسؤولين التي تقفُ عائقاً أمام الإستفادة من الحل الذي أثبتَ نجاحه في بلادٍ أُخرى..!

الإنغلاق الفكري لا يقود إلاَّ إلى المكوث في ذاتِ الدائرةِ، بل يؤدي إلى النكوص والتراجع. حينما زار مهاتير محمد البلاد كتبتُ منشوراً أشيدُ به كزعيم تاريخي وصاحب فكرٍ قيادي خلَّاق، فجائني النقد من أستاذ جامعي يتخرَّج على يديه من يعوَّل عليهم تقدم وتطور الوطن، قال: من هذا مهاتير الذي تشيد به، وما الذي سيقدمه للعمانيين، وما الخبرة السياسية التي يملكها بعد أن اعتزل السياسة منذ سنين..! مثل هذا (الأُستاذ الجامعي) لم يكن ليبصِّره ردي على من هو مهاتير، إنَّما بصَّره مهاتير نفسه به بعد أن عاد إلى رئاسة الوزراء واستطاع أن يكسر الطوق التاريخي الذي ضربه الحزب الوطني لستين عام في حيازة السلطة في سنغافورة.

خلاصة الكلام: إننا إن أردنا أن نتقدم ونتطور فيجب علينا أن لا نعيد اختراع العجلة، وإنَّما أن ننفتح على تجارب الأُمم، ونستفيد من حلولها، ونستلهم من أفكارها، ونرسل البعثة تلو الأخرى لتأتينا بالدروس الملهمة، والحلول الناجعة، ونستقدم كل من يملك حلاَّ لهذه المعضلة أو تلك قد أثبتَ نجاحه في مكانٍ ما، هكذا فعلت العديد من الدول دون أن نحصي ذكراً لها، ونجحت، بل وتفوقت على الدول التي استنسخت منها الحلول، ونقلت عنها التجارب ..

إن أردنا أن نتقدم فعلينا أن نمكِّن أصحاب العقليات المنفتحة على تجارب الآخرين، الباحثة عن حل كل مشكلة ولو كان في آخر أصقاع الأرض، المتصلة بالعالم تتابع ما أنجز في المجالات المختلفة، وأن نتخلَّص من الذين يريدون إعادة اختراع العجلة، فيعطِّلون وطناً بأسره وهو ينتظر العجلة التي يخترعونها..!!

 تعقيبات:

مع الأسف المسؤلين عندنا في المؤسسات الحكوميه ينظروا بمنظار واحد وهو كيف يستفيد من موقعه وليس ما يقدمه من رقي في الأداء وتحسين الخدمات ..كنت استغرب كثيرا من توقيع مذكرات تفاهم مع دول متقدمه لتبادل الخبرات والاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي ..الا انها تظل حبيسة الادراج ..لا يتم تفعيلها ومتابعتها وذكرت هذا مع الوزراء الذين عملت معهم..وعلى ضوء حديثك عن سنغافورة كنت مرافق لمعالي وزير الزراعه منذ سنوات في وفد رفيع برئاسة صاحب السمو السيد فهد لسنغافورة وبعض الدول الآسيوية ..ولما اجلس مع بعض الوزراء في الوفد ..ينبغي علينا ان نستفيد وننقل المعرفة والتجارب التي لديهم الى السلطنة ونستغل هذه العلاقات مع هذه الدول واستغلال الفرص ..خاصة مع سنغافورة وكوريا الجنوبيه ..الا اني لم ارى شيئا يذكر يطبق على مؤسساتنا

رئيس مكتب 4 وزراء سابقين

أصبت كبد الحقيقة .. يستقدمون خبراء من أنحاء المعمورة، ولكن لا يقرؤون تقاريرهم بتمعّن وإيجابيّة .. أضف إلى ذلك عدم اعتدادهم، أو اعتزازهم بالخبرات المتراكمة الوطنيّة .. هناك إزدراء واضح واضطهاد إداري ، وفوقيّة سائدة من الصّعب فهمها من قبل صانعي القرار بمستوياتهم الوظيفية المختلفة .. نظريّة الدّوران في الحلَقه المفرغة  .. الإدارة عِلم بذاته، وفنّ بأنماطه مقرونةً بوضع نفسي وسايكولوجي لصانع القرار وبنيته الفكريّة والنفسيّة .. 

مسؤول سابق

المعطلين المترددين في احداث التغيير الذي لايريدون الاستفادة من التجارب الناجحة في العالم هم الذين يقولون

نحن لنا خصوصية وآنا شخصيًا لا اعرف هذه الخصوصية واعتقد انها

شماعة لنبقى على ما نحن عليه

قاريء

هنا مكمن الداء والدواء موجود ولكن يعرضون عنه للأسف، يصرون على إعادة اختراع وصنع العجله من جديد ...

هكذا نحن يادكتور لانريد أن نستفيد من تجارب وخبرات الدول الأخرى الناجحه والتي كما تفضلت تختزل الوقت والجهد والمال

أوائلنا المسلمون - كما ذكرت - استفادوا من تجارب حضارات واقوام آخرين وطوروها وأضافوا عليها ونبغوا في شتى العلوم والمعارف ...

ثم هم أنفسهم استفاد منهم الغرب والشرق وطور نظرياتهم واختراعاتهم وابحاثهم وتجاربهم واشادوا بها أين ابن سيناء،  والخوارزمي والرازي والفراهيدي وغيرهم كثر ...

لاحياء، ولاحرج من تبادل الخبرات بين الشعوب ...

لما نصنع العجله، ولانستفيد من وجودها ونطور فيها ... 

حقا دكتور عقول بعض قياداتنا في المؤسسات للأسف رجعيه ومتخلفه وتصر على تأخر عجلة التطوير بأفكارها التقليدية البغيضه.

 

د. صالح الفهدي

 

 

علاء اللاميابن رشد أشهر من نار على علم، وتأثيراته الزلزالية - بعبارة كورت ديبوف - على أوروبا الناهضة لا تنكر، وقد يكون من النافل والمحرج التعريف به للقارئ العربي، ولذا سأعرف به بشكل مختصر، وبما يؤكد سياق هذه السلسلة من المقالات الداحضة للمقولة الاستشراقية العنصرية المعروفة حول هامشية وحتى انعدام مساهمة العلماء العرب في الحضارة العربية الإسلامية ويؤكد نسبه العربي لغةً وثقافةً وحتى إثنياً بشيء من التحفظ، الذي سأوضح سببه في حينه، ولكني سأركز في هذه المقالة على دوره التأسيسي العظيم في النهضة الأوروبية في القرن الرابع عشر وعصر التنوير الذي انبثق عنها في القرن الثامن عشر.

تعريف أولي:

يقول التعريف المدرسي الشائع لابن رشد: إنه أبو الْوليد محمد بن أَحمد بن محمد بن أَحمد بن أَحمد بن رُشْد ولد في قرطبة سنة 1126 م - 520 هـ وتوفي منفياً في مراكش سنة1198 م - 595هـ. يسميه الأوروبيون على طريقتهم الإغريقية واليونانية القديمة في لفظ الأسماء العربية آفيروس (Averroes)، واشتهر باسم ابن رُشْد الحفيد، وهو فيلسوف وطبيب وفقيه وقاضي وفلكي وفيزيائي (وكونه فقيها وهو الفيلسوف التنويري الأعظم يجعل التحفظات والحساسية التي يحملها بعض الباحثين العرب وغير العرب على الفقه غير مبررة بل ولا معنى لها فالفقه هو الجهاز أو البناء القضائي والقانوني في الدولة العربية الإسلامية في طور تأسيسها وصعودها، كما ذكرت في دراسة سابقة لي. ع.ل).

وكنت قد تطرقت لموضوع نسب ابن رشد الذي زعم البعضُ أنه أمازيغي بربري وليس عربيا، قبل سنوات فكتبت (يتداول نشطاء على مواقع التواصل هذه الأيام معلومات تاريخية وأنسابية حول الأصول القومية لبعض العلماء القدماء، فينفون عنهم عروبتهم ويثبتون عليهم الأمازيغية؛ والواقع، فهذا خطأ فادح فلم تكن التقسيمات والانتماءات القومية العرقية معروفة في تلك العهود الساحقة، وربما كانت الانتماءات القبلية أكثر أهمية منها، وخصوصا في البوادي والأرياف، ولأسباب تتعلق بالدم والثأر والإرث. إن عظماء تاريخنا لم يكونوا يهتمون كثيرا بأصولهم الإثنية القومية بل بإنجازاتهم العلمية أولا، وكان بعضهم لا يذكر لقبه القبلي أحيانا مع أن ذلك أمر سائد لا يشذ عنه إلا القلة، ومن هذه القلة ابن رشد الحفيد وابن باجة التجيبي وابن الأبار الذي نُسِبَ الى صنعة الإبر التي زاولها أبوه، ولم ينسب الى قبيلته قضاعة اليمنية المعروفة، فيما نُسب آخرون، أو هم نسبوا أنفسهم الى قبائلهم الأمازيغية دون حرج أو تردد ومنهم الرحالة ابن بطوطة "اللواتي"، والصيدلاني عبد الله بن صالح "الكتامي"، والنحوي ابن معطي "الزواوي"، والجغرافي أبو القاسم الزياني، والموسوعي والمخترع عباس بن فرناس "التكراني" ويزعم البعض أنه من أصل عربي، وينسب الى بلدة اندلسية تدعى تكرانة، ولا يمكنني تأكيد ذلك أو نفيه).في ضوء ما أعرفه وما اطلعت عليه من مصادر، فقد كان كل من يتكلم العربية ويعيش في البلاد العربية يعتبر عربياً - لغة وثقافة وانتماء لهوية أوسع هي الهوية الحضارية العربية الإسلامية - بل وأحياناً لا يجد نفسه مضطرا لهذا التعريف وربما نسب نفسه الى حرفته أو مدينته "..."، لا يُذكر نسب ابن رشد القبلي المحدد في سيرته ولكن بعض السير تنص على أنه عربي).

* ولد ابن رشد في مدينة قرطبة بالأندلس، وبها نشأ في أسرة فقهاء ومن أكثر الأسر وجاهة في الأندلس والتي عرفت بالتفقه في المذهب المالكي، وحفظ موطأ الإمام مالك، وديوان المتنبي كله عن ظهر قلب. ولم يزعم أحد من المؤرخين القدماء أنه بربري أمازيغي حتى خلال محنته واضطهاده من السلطات الحاكمة في عهده. ولكنه نسب الى اليهود استنتاجا من نفيه ووضعه تحت الإقامة الإجبارية في قرية صغيرة يسكنها اليهود، ويتفق كاتبو سيرته على أن نسبته الى اليهود غير صحيحة، وقد نُفي الى تلك القرية للحط من شأنه وفق التقليد السائد آنذاك، ومع ذلك لا يمكنني القطع مائة بالمائة، في ضوء المتوفر حتى الآن من معلومات في هذا الصدد، بأنه عربي أو أمازيغي "من حيث نسبه العرقي"، ولكن المؤكَد تماما أنه فيلسوف عربي مسلم بالمعنى الحضاري والإناسي "الانثروبولوجي" لهذه النسبة، حتى لو لم تتأكد من الناحية العرقية "الاثنوغرافية" وهو الاحتمال ضعيف كما تقدم، وهذا يصدق عليه وعلى غيره من فلاسفة وعظماء الحضارة العربية الإسلامية البائدة في عصرها الزاهر.

نعود الآن إلى إنجاز ابن رشد الفلسفي وتأثيراته الزلزالية - بعبارة كورت ديبوف - على أوروبا الناهضة: يصف د. أنور مغيث، في مقالة له ابن رشد بأنه "كان آخر عنقود فلاسفة المسلمين الذي امتد إنتاجهم الفكري على مدى أربعة قرون من بخارى إلى الأندلس. وكان مثل كبار مفكرى هذا العصر طبيبا وفقيها وفيلسوفا. واهتم في مجال الفلسفة بشرح مؤلفات أرسطو والتعليق عليها، كما اهتم بالدفاع عن الفلسفة في مواجهة هجمات الفقهاء المحافظين خصوصاً الغزالي.

دحض التكفير بنفي التعارض بين العقل والإيمان الديني:

لقد اهتم ابن رشد بالدفاع عن الفلسفة في مواجهة هجمات الفقهاء المحافظين وخصوصاً الإمام أبا حامد الغزالي. فقد مال الغزالي إلى تكفير الفلاسفة لقولهم بثلاثة آراء؛ أولها أن العالم قديم وليس مخلوقاً، وثانيهما أن عِلْمَ الله يتعلق بالكليات وليس بالجزئيات، وثالثها أن البعث للأرواح فقط وليس للأجساد. ويرد ابن رشد على هؤلاء الفقهاء المحافظين، بأنه لا يمكن تصور إجماع عقلي حول هذه القضايا، والقول برأي فصل فيها أو بما يخالفها، وأن الخلاف فيها لا يستوجب الخروج عن الملة "التكفير"، لأنها ستظل دائماً محل خلاف. كان هاجس ابن رشد الأساسي هو تجاوز التعارض الظاهرى بين الإيمان والعقل الإنساني، فهو يرى أن الحق واحد ولكن العامة والبسطاء لا يستطيعون إدراكه إلا من خلال السرد والمجاز والصور الخيالية. أما الحكماء وهم الأقلية فيتوصلون إليه بالأدلة العقلية البرهانية.

وحين ترجمت أعمال ابن رشد وانتقلت إلى أوروبا قوبلت بضجة كبرى وصدرت بيانات من الكنيسة بتكفير كل من يتبنى آراءه. ولم تكن هذه الضجة إلا انعكاسا للحماس الكبير الذي لاقته أعماله لدى الشباب الأوروبيين من طلاب العلم خصوصا. وصارت هناك جماعات رشدية في جامعة السوربون بباريس "التي تأسست سنة 1253م أي قبل سقوط بغداد بأيدي المغول بخمس سنوات، وما تزال فاعلة حتى اليوم"  وفى إيطاليا وألمانيا وتشيكوسلوفاكيا ومع ذلك، فلم تكن الرشدية تيارا فكريا متجانسا، كما كانت تنطوي على صور من سوء الفهم أو سوء التفسير.  ولكن أهم ما كانت تتسم به هذه النزعات هو انطلاقها من التمييز الرشدي بين طريق الوحي وطريق العقل.

يقول جورج سارتون مؤرخ العلم في العالم، كما يقتبس د. أنور مغيث: "إن الصخب الذي أحدثته أفكار ابن رشد فى عقول الأوروبيين خلال أربعة قرون، من القرن الثالث عشر إلى نهاية السادس عشر، هي التي تستحق أن نطلق عليها بحق العصر الوسيط، لأنه عصر انتقال من الفكر القديم إلى الفكر الحديث. الدراسات فى حفريات المعرفة تبحث عن صلات في أوروبا بين أفكار ابن رشد ومبادئ الحداثة مثل ازدهار العلوم الطبيعية أو تأسيس العلمانية أو قبول المساواة بين الرجل والمرأة".

وفى عام 1980 أصدر البابا يوحنا بولس الثاني مرسوماً بعنوان "الإيمان والعقل" يعلن فيه أن الكنيسة كانت مخطئة حينما تصورت أن هناك تعارضاً بين العلم والإيمان، ويرجع ذلك إلى سوء تفسير النص المقدس، أو ربما بسبب أن العقل كان في مرحلة لم يتمكن فيها من اكتشاف معنى النص.  وبناء على هذا المرسوم ردَّت الكنيسة الاعتبار إلى غاليليو وداروين. ويقول آلان دو ليبيرا، مؤرخ فلسفة العصور الوسطى، كما ينقل د. مغيث؛ إنه يمكن للقارئ أن يحمل كتاب "فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" لابن رشد مفتوحا فى يده اليسرى ومرسوم البابا في اليمنى وينتقل ببصره بين النصين ليكتشف أن المرسوم البابوي هو ترجمة لأفكار ابن رشد رغم أن اسمه لم يُذكر.

الزلزال الفلسفي الرشدي:

وعن ابن رشد كتب كورت ديبوف مدير قسم أوروبا في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط، وهو ‏باحث وزميل زائر بجامعة أكسفورد: "أحدث ابن رشد ما يمكن وصفه بالزلزال الفكري في أوروبا، وكانت أطروحته أن هناك حقيقة واحدة فقط يمكن الوصول إليها عن طريقين مختلفين:  عن طريق الإيمان، وعن طريق الفلسفة. وعندما يتعارض الطريقان فهذا يعني أن علينا قراءة النص المقدس بطريقة تأويلية.

دُرِّست الأطروحات التي قدمها ابن رشد، وتم تبنيها في الجامعات الأوروبية الأولى؛ في باريس، وبولونيا، وبادوا، وأكسفورد، وهو ما أثار الذعر في الكنيسة.  فقد كانت قوة حججه وفهمه لفلسفة أرسطو قويتين للغاية. وفي العام 1277، أدان أسقف باريس، وحظر أفكار ابن رشد، وكان على الأسقف أن ينسخ حجج خصم الفلسفة، الغزالي. ومع ذلك، كان توما الإكويني هو من انتقد أطروحات ابن رشد في كتابه "ضد ابن رشد".

وفي "الكوميديا الإلهية" لدانتي، من القرن الرابع عشر، قدم المؤلف فيها وصفاً متخيَّلاً للجنة، والعذاب والجحيم، مع فصل خاص عما سمّاه الـ "ليمبو"، أي البرزخ، حيث سمح للصالحين من غير المسيحيين بوجود لائق بعد الحياة.  ونحن لا نجد فيها اليونانيين القدماء والرومان فحسب؛ بل نجد أيضاً ثلاثة مسلمين، هم ابن رشد، وابن سينا، وصلاح الدين الأيوبي، كما يخبرنا كورت ديبوف.

أما أنيس خنسة قد كتب في مقالة له، وعذرا لطول الاقتباس لأهميته: "فلم تكن مكانة الفلسفة في بلاط بغداد أقل أهمية، فقد كان أفلاطون وأرسطو يحظيان بشعبية كبيرة، وكانا موضوعاً لدراسات ونقاشات وحوارات. ومع ذلك، تناول الفلاسفة المسلمون المشاكل نفسها التي سبقت ظهور المسيحية والتي ظهرت بعدها: كيف يمكن أن يتم التوفيق بين الفلسفة واللاهوت والنصوص المقدسة. في أوروبا، أوقف القديس أوغسطين - توفي في العام 430 م - النقاشَ لصالح الإيديولوجيا، مع حظر التفكير النقدي منذ ذلك التاريخ.  وقد حورب أولئك الذين حاولوا إعادة فتح النقاش، أو حتى طردوا من الكنيسة. ولم يحصل مثل ذلك في العالم العربي،على الأقل لم يحصل قبل نهاية القرن الثاني عشر.

ويضيف خنسة "حتى ديكارت، رأى أن من الضروري شجب ابن رشد، على الرغم من أنه لم يحقق نجاحاً كبيراً في ذلك.  ربما حقق ابن رشد أكثر انتصاراته أهمية على مدى أكثر من 400  سنة بعد وفاته. وما من شك في أن العلماء والفلاسفة المسلمين كان لهم دور أساسي في تكوين الفكر الأوروبي. ومع ذلك واجه العالم العربي أزمة فكرية امتدت على مدى قرون، حيث دمرت الديكتاتوريات والتعصب الديني العلم والفلسفة العربيين، بينما حقق الغرب قفزات مذهلة إلى الأمام. ومع ذلك، فإن إنكار دور العالم الإسلامي في تاريخ الفكر العالمي هو اغتصاب للتاريخ نفسه".

وفاته منفيا:

توفي ابن رشد سنة 1198م في مراكش ودفن فيها، وبعد ثلاثة أشهر نقل جثمانه إلى قرطبة. "ولعل نقل جثمانه إلى قرطبة ـ فيما يبدو انه تطبيق لوصيته - بعد أن كان قد دفن في جبانة تاغزوت بمراكش، يكتسي ظلالا حزينة ومعبرة عن قطيعة لا عن وداع. يروي ابن عربي في ‘الفتوحات المكية’ أنه كان حاضرا عند وداع جثمان ابن رشد فيقول: فلما وضع التابوت الذي فيه جسده على الدابة من جانب، جُعلت تآليفه ـ كتبه ومؤلفاته ـ تعادله من الجانب المقابل…وهكذا اتجه جثمان ابن رشد الميت ومؤلفاته الحية شمالا!/ من مقالة لي حول ابن رشد بعنوان (نكبة ابن رشد من منظار الجابري: هجاء "المتسلط الأوحد" في مدينة الغَلَبَة) نشرت قبل أكثر من عشر سنوات تجد رابطا يحيل إليها أدناه:

الصورة الأولى: يظهر ابن رشد في جزء من لوحة إفرسك "رسم أو حفر بمادة الجص، من إبداع عمل الفنان الإيطالي الشهير رافائيل، 1509 م، توجد اليوم في غرفة التوقيعات، قصر بونتفيتشي، بالفاتيكان، بروما، إيطاليا. في هذه اللوحة نقاش بين ابن رشد في يسار اللوحة، وأرسطو قبالته.

الصورة الثانية: لوحة زيتية على قماش (أبعادها 123 سم × 144 سم)، وتُنسب إلى الفنان الإيطالي جورجيوني 11478 – 1510م ، وقد رسمها في الفترة من 1505 إلى 1509، والاسم الحالي للعمل مستمد من نص لماركانتونيو ميشيل (1484- 1552)، الذي رأى اللوحة بعد بضع سنوات في إحدى المساكن الفخمة في البندقية، وهي الآن ضمن مقتنيات متحف تاريخ الفنون في العاصمة النمساوية، فيينا للوحة " قدم مايكل باري قراءة جديدة لهذه اللوحة مفادها: أن الأجيال الثلاثة في اللوحة:  شيخ هو الفيلسوف اليوناني أرسطو يحمل بياناً للنجوم، وفي الوسط رجل متوسط العمر هو ابن رشد، أما الشاب الجالس قربهما فهو شاب أوروبي من عصر النهضة، قد يكون قسّاً. ولعل هؤلاء الثلاثة يمثلون مراحل المعرفة الثلاث، كما قيمتها الثقافية الأوروبية في عصر النهضة.

 

علاء اللامي

..............................

*رابط: نكبة ابن رشد من منظار الجابري : هجاء "المتسلط الأوحد" في مدينة الغَلَبَة:

http://saotaliassar.org/Writer/AlaaAllamie/AbenRushd.htm

 

 

 

 

صالح الفهديحكى لي صديق بأنَّه دُعي في التسعينيات إلى مأدبةِ عشاءِ في تايوان، وفي هذه المناسبة التقى بشخصين يشاركانه العشاء، فسأل الأول: هل أنتَ في عمل؟ فأجابه: لقد أرسلتني دولة الإمارات العربية المتحدة لأنقل لها تجربة هذه الدول النامية في الشرق الأقصى مثل تايوان وهونج كونج واليابان وماليزيا، ثم سأل الشخص الثاني: وأنتَ ماذا تفعل هُنا؟ فأجابه: أن دولته – الإمارات العربية المتحدة- قد أرسلتهُ لدراسة الماجستير في سنغافورة، وكلَّفتهُ أيضاً أن ينقل التجربة السنغافورية ومكلَّف في الوقت ذاته من قِبل حكومة دبي بإدارة أموالها واستثماراتها في سنغافورة.. كان الرجلُ الأوَّل أجنبياً، أما الثاني فهو محمد بن علي العبَّار الرئيس التنفيذي لشركة إِعمار وعضو المجلس التنفيذي لحكومة دبي وأحد المساعدين الرئيسيين لحاكم دبي ..!!

هذه القصة تُبرهنُ على أن الحكومات تصنعُ القادة الذين ترسمُ لهم طريقاً مستقبلياً، وأدواراً يقومون بها في إدارة بلدانهم، الأمر الذي يعني أنها صناعة ممنهجة تحتاجُ إلى فكرِ قائدٍ له بصيرة بعيدة المدى في الأشخاص، إذ يتوسَّمُ فيهم الكفاءات والفطنة والشغف والموهبة والقدرة وغير ذلك، ثم يضع لهم برنامجاً متكاملاً ومتدرجاً يكتسبون فيه المهارات اللازمة، والمعرفة الضرورية في مدة زمنية تستغرق سنوات معيَّنة، حتى تنضج قدراتهم، وخبراتهم ويصبحوا جديرين بالمسؤولية التي أنيطت بهم في القيام بالأدوار التي يكلِّفهم بها دولهم بأفضل أداء، ولا شك بأنَّهم خلال تلك الفترة الزمنية يتعرضون للتقييم الدائم، والمراقبة الدقيقة، والتصويب المستمر.

إن صناعة القادة هي أعظم صناعةٍ تقع على كاهل قادة الدول أولاً، لأنهم يؤسسون مستقبلاً لدولهم، وأول ما يحتاج له المستقبل هو القادة الذين يجب أن يُصنعوا حتى تُناط على عواتقهم المسؤوليات الجِسام في مسيرة التقدم والتطور في أوطانهم، يقول الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: «إصنع قادةً تصنع مستقبلاً؛ القائد الحقيقي هو مَن يصنع قادة والمؤسسة الحقيقية هي التي تخرج قادة".

لا يمكنُ وضع مسؤولين على رأس وحداتٍ لم يُصنعوا لها، ولم يهيَّئوا للإضطلاع بمسؤولياتها، لأن "فاقدُ الشيءِ لا يعطيه"، لا يمكنك إذن أن تتوقع شيئاً ممن لا يملكه في الأَساس، ولا يمكنك أن ترفع سقف توقعاتك ممن لا يملك المهارة والقدرة والمعرفة والحنكة، بيدَ أنك يمكنُك أن تصنع قائداً ممن ترى فيه المقومات الأساسية لهذه الصناعة، ويؤكد على ذلك بيتر دراكر أب الإدارة بالقول "القيادة يمكن تعلمها ويجب تعلمها".

أُنظر إلى الشجرة التي نُقلت من موقعٍ لآخر، وقارنها بالشجرة التي نمت في المكان ذاته تجدُ أن الشجرة الثانية هي أعمقُ جذوراً، وأقوى عوداً، وأنضرُ غصناً، وأجودُ ثمراً، كذلك هو الفرقُ بين قائدٍ لم يُصنع ووضعَ على رأس مؤسسة من المؤسسات، وقائدٍ صُنعَ صناعةً متقنةً وفق رؤيةٍ بصيرة، ومنهجٍ واضحٍ متدرج. القائدُ الأول قد يهدمُ ما بُني سابقاً، ويهدُّ كل جهدٍ قام به سلفه لأن الغرور والجهل هما أدواته في منصبه الذي يظن أنه وصل إليه بما يملك من قدرات خارقة، ومهارات استثئنائية، أما القائد الثاني فإنه سيقوم بالمسؤولية خير قيام، وسيتقدم بالمؤسسة خطوات إلى الأمام، وستجدهُ وقد برهن عن نتاج ذلك الإستثمار وتلك الصناعة فيه فأبانه في عمله ومنجزاته.

أُحكم على مستقبلِ أيَّة دولة كيف يكون من خلال "صناعة القادة" فإن توفرت فيها الإرادة والبصيرة والقرار لهذه الصناعة فإن مستقبلها سيكون عظيماً، وإن أهملتها وأعرضت عنها، فلن تتوقع الكثير مما يقال عن المستقبل فيها..! 

 

د. صالح الفهدي

 

 

ظَهَرَتْ في التَأريخِ الأِنسانِيِّ حَتمِيّاتٌ كثيرةٌ، منها: الحَتْمِيَّةُ الاقتصاديَّةُ التي قالَ بها كارل ماركس، والحتميَّةُ الجِنْسِيَّةُ التي قالَ بها سيجموند فرويد، وهناك حتميَّةٌ جغرافِيَّةٌ، وهكذا كل النظريات التي فَسَّرَتْ الظواهرَ بعاملٍ واحدٍ .

 واليوم كَثُرَ الحديثُ عن الجيناتِ والجينومِ البشريِّ الذي يحددُ مصيرَ الانسان ويتحكم في سلوكهِ. اي: انَّ هناكَ حتمِيَّةً جِينِيَّةً تحدد شكلَ الانسانِ وطولَهُ ولونَ عينيهِ، وكذلك صفاته النفسيَّة وسلوكهِ .

الجِيناتُ: هي مجموعةٌ من التعليماتِ تُحَدِّدُ ماهيةَ الكائنِ ومظهرَهُ وكيف ينحو ويتصرفُ في بيئتِهِ؟ تُصنعُ الجيناتُ من مادةٍ تُدعى الحمض النووي الريبوزي منقوص الاوكسيجين DNA، وتعطي هذهِ الجيناتُ تعليماتٍ للكائنِ الحَيِّ كي يَصنَعَ جزيئاتٍ تُدعى " البرويتنات" .

الجين هو الوحدة الاساسية للوراثةِ في الكائنِ الحَيِّ .

وقد بولغ في الجينات وحتميتها، وجعلوا لكل شيءٍ جيناً يتحكمُ فيهِ. ولكن تبدلت كثيرٌ من الحقائق حولَ مايتعلق بالجينات بعدما خرجت نتائجُ مشروع الجينوم البشري . كان الاعتقاد السائد انَّ الخَلِيَّةَ الواحِدَةَ تحتوي على (120000) جين، وبعد نتائجِ الجينوم البشري تبين ان مجملَ الجيناتِ في الجسم الانساني هي (25000) جين فقط . كانت تبعاتُ هذا المشروعِ خطيرةً، فالجيناتُ لا تكفي وحدَها لتفسير ِالحياة ِ، واختزال ُالسلوكِ البشريِّ في الجيناتِ غيرُ كافٍ، وفشلت الجينات في تحديدِ مصيرِ الانسانِ . وصرّحَ لبيتون: (نحنُ لسنا عبيداً لجيناتنا) (عمرو الشريف، أنا تتحدثُ عن نفسها، ص 109). وقال احد علماء الاحياء الحائزين على جائزة نوبل: (انَّ تَمَيُّزَنا عن الكائناتِ الادنى منّا لايرجعُ الى زيادةِ عدد الجيناتِ، ومن ثم لم يعد ممكناً الاعتمادُ على الآلِيَّةِ الجِينِيَّةِ وحدها لتفسير التطور. انَّ التميُّزَ الانسانِيَّ مازالَ سِراً يحتاجُ الى مزيدٍ من البحثِ) . " عمرو الشريف: انا تتحدثُ عن نفسِها، ص 112".

القائلون بالحتميَّةِ الجِينِيَّةِ يقولون: ان لكل مرض ولكل سلوك جيناً يتحكم فيه، فهناك جينٌ للسمنةِ، وجينٌ للسلوكِ العدوانيِّ، وجينٌ للشذوذ، وجينٌ أنانيٌّ كما ادعى " ريتشارد دوكينز " عالم الاحياء البريطاني الذي الف كتاباً بهذا الخصوص سمّاهُ " الجينُ الانانِيُّ" . وهذا الكلام هو مجرد فرض ولا يوجد دليلٌ علميٌّ عليه؛ فمثلاً ذكورُ العناكب تلقح الاناث لتحقيق التكاثر وحفظ النوع، ولكن بعد ان يُتمَّ الذكرُ عمليةَ التلقيح يتمُّ القضاءُ عليه . فهل نقول ان ذكورَ العناكبَ لديها جينٌ ايثاريٌ؛ لانها ضحت بحياتها من اجل التكاثر وحفظ النوع؟ لاهذا ولاذاك، بل هذه العمليَّةُ تتمُّ بشكلٍ غرائزيٍّ دون معرفة مسبقة لذكور العناكبِ بما يحصل. عالم البيولوجيا السلوكيّة " آلان غرافين" انتقد دوكينز على كتابه: " الجين الاناني "، قائلاً بأنَّهُ قد بالغَ في تبسيطِ العَلاقَةِ بينَ الجينِ والكائنِ الحيِّ .

ولكن كل الحتميات، تجعلُ دورَ الأِنسانَ مقهوراً ومحكوماً، واسيراً لهذه الحتميات، لاارادةَ له، هكذا يتحدث الملحد " سام هاريس " في كتابه: (الارادة الحرة)، ان الانسانَ لاارادةَ حرةً له بل هو كائنٌ مقهورٌ وخاضعٌ لهذه الحتميات.

القُرآنُ الكَريمُ والأِرادَةُ الانسانِيَّةُ

الانسان في الرؤيةِ القُرآنِيَّةُ كائنٌ مختارٌ مريد جعلهُ الله تعالى خليفةً له في هذا الوجودِ، الله تعالى تحدث عن الارادة الانسانية واعتبر الانسان كائناً يحتلُ المرتبةَ العُليا في هذا الوجود.واليك بعض الآيات التي تحدثت عن الارادة الانسانيَّةِ:

(وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا).الأِسراء: الاية: (19).

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). القصص: الاية: (83).

(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ). البقرة: الاية: 233.

(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ ۚ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ). يوسف: الاية:(25).

(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا).الفرقان: الاية:(62).

(فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ).القصص: الاية: (19).

(وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ). ۗ الاحزاب: الاية: 50 .

(مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ).هود: الاية: (15).

(مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ).الشورى: الاية: (20).

( إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ).النساء: الاية:(35).

(يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا ). النساء: الاية:(60).

(يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ).التوبة: الاية:(32).

هذه بعضُ الآياتِ التي تحدثت عن الانسانِ باعتباره كائناً مريداً مختاراً وليس خاضعاً للحتميةِ الجينيَّةِ.

الارادةُ الانسانيَّةُ والمسؤوليَّةُ الأخلاقِيَّةُ

هناكَ فرقٌ هائلٌ بين القولِ بالحتميَّةِ الجينِيَّةِ والقول بالارادةِ الانسانيَّة، فالقولُ الأوَّلُ يجعَلُ من الانسانِ كائِناً غيرَ مسؤولٍ اخلاقِيّاً عن سلوكِهِ وممارساتهِ؛ لانَّهُ مقهورٌ جينِيّاً .... وبين القول: ان الانسانَ كائنٌ مريدٌ يختارُ افعالَهُ بارادته وبقصدٍ كاملٍ . نعم الظروف من حولهِ قد تكون قيوداً وعوائق؛ ولكنَّها لاتُلغي حريَّتَهُ؛ لانَّ الحريَّةَ هي: وعيُ الضَّرورةِ، فالانسانُ لايستطيعُ الطَيَرانِ في الجو ولكنَّهُ بوعيهِ لهذهِ الضروراتِ والقُيودِ استطاع ان يُصَنِّعَ الطائرةَ ويتجاوز كلَّ هذهِ القيودَ والضَّروراتِ . فالانسانُ بارادَتِهُ استطاعَ ان يحتلَّ المرتبةَ العُليا في هذا الوُجُودِ.

 

زعيم الخيرالله

 

 

ليلى الدسوقياللغة العربية لغة الضاد وسبب تسميتها بلغة الضاد لأنّها اللغة الوحيدة التي تحتوي على حرف الضاد (إِنَّ الَّـذي مَلَأَ اللّـغاتِ مَحـاسِناً .. جَعَلَ الجَمالَ وَسَرَّهُ في الضّادِ) الشاعر أحمد شوقى

و قال الشاعر الإماراتي حمد بن خليفة أبو شهاب أيضا عن لغة الضاد

لغة القــــرآن يا شمس الهدى   صانك الرحمن من كيد العدى

هل على وجه الثرى من لغة   أحدثت في مسمع الدهر صدى

استمدت أهميتها من القرآن الكريم الذى نزل على سيدنا محمد ﷺ فهى لغة عبادة لذا استطاعت ان تبتلع اللغات المحلية التى كانت تتكلم بها شعوب كثيرة

و التسامح فى الاسلام اوجد رابطة قوية بين اللغة والهوية الثقافية ويتمثل ذلك المبدأ فى الاثر النبوى الشريف الذى رواه المؤرخ الشهير ابن عساكر (ليست العربية من احدكم بابيه ولا بامه وانما العربية لسان فمن تكلم العربية فهو عربى)

واصبحت اللغة العربية لغة العلم والحضارة لمدة تزيد على ثمانية قرون من عمر الزمان عندما كانت الامة قوية فقويت معها لغتها واقبل علماء اوربا على تعلمها وترجمة تراثها العلمى الى اللاتينية فيما يعرف بعصر الاستعراب الاوربى 

ويحتفل العالم باليوم العالمي للغة العربية في الثامن عشر من كانون الأول / ديسمبر من كل عام.

وقد وقع الاختيار على هذا التاريخ بالتحديد للاحتفاء باللغة العربية لأنه اليوم الذي اتخذت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1973 قرارها التاريخي بأن تكون اللغة العربية لغة رسمية سادسة في المنظمة.

وقد أبدعت اللغة العربية بمختلف أشكالها وأساليبها الشفهية والمكتوبة والفصيحة والعامية، ومختلف خطوطها وفنونها النثرية والشعرية، آيات جمالية رائعة تأسر القلوب وتخلب الألباب في ميادين متنوعة تضم على سبيل المثال لا الحصر الهندسة والشعر والفلسفة والغناء.

وتتيح اللغة العربية الدخول إلى عالم زاخر بالتنوع بجميع أشكاله وصوره، ومنها تنوع الأصول والمشارب والمعتقدات. ويزخر تاريخ اللغة العربية بالشواهد التي تبيّن الصلات الكثيرة والوثيقة التي تربطها بعدد من لغات العالم الأخرى، إذ كانت اللغة العربية حافزاً إلى إنتاج المعارف ونشرها، وساعدت على نقل المعارف العلمية والفلسفية اليونانية والرومانية إلى أوروبا في عصر النهضة.

ونرى ان اعظم علماء العربية هو سيبويه الفارسى واعظم شيوخ الحديث البخارى ومسلم والترمذى والنسائى وكلهم من اصول غير عربية ومن بلاد شديدة البعد عن شبه الجزيرة العربية

ومن المؤسف ان اصبحت اللغة العربية فى وطننا العربى شبه غريبة على ابنائها فى هذا العصر الذى نعيش فيه (عصر العولمة) فتعثرت ألسنتهم وصارت عبئا ثقيلا عليهم فى جميع مراحل التعليم

ومن المعروف ان اللغة وسيلة اتصال وتفاهم بين الناس ومن ثم يصبح اتقانها ضرورة من ألزم الضرورات وليس نوعا من الترف كما يتوهم الناس

فاللغة هى العامل الذى يشكل هوية الانسان ويضفى على المجتمع طابعه الخاص فالهوية نتاج المعانى التى يشيدها الافراد عبر اللغة والطابع الخاص للمجتمع وليد تفاعل ما يسرى داخله من خطابات لغوية

واللغة كما ورد فى تقرير التنمية الانسانية العربية عام 2003 ابرز سمات المجتمع الانسانى ومن اهم مقومات الشخصية وابرزها فهى الاطار الذى يحفظ كيان اصحابها ويحدد هويتهم وهى العمود الفقرى للقومية

ولا شك ان اللغة هى الفكر والهوية والماضى والحاضر والمستقبل

ومن اهم التحديات التى تواجه اللغة العربية انتشار اللهجات العامية بما يلفها من ابتذال وترخص وسوقية وتدن وظهور ما يسمى اللغة الشبابية (لغة الروشنه) مثل (فكك منى- كبر دماغك) وقد احدثت الفضائيات المتعددة تقارب فى الالسنة العربية فى كل الاقطار العربية بفهم ادق وسهولة

ومن مظاهر اللغة العربية عدم توافر سياسة لغوية على المستوى القومى واهمال تطوير اللغة العربية لتناسب عصر التكنولوجيا وضمور سلطات المجامع اللغوية وقلة مواردها وضعف التنسيق بينها وتعثر عملية التعريب وجمود التنظير اللغوى وقصور الوعى بدور اللغة فى تنمية المجتمع والصعوبات التى تثيرها ثنائية الفصحى والعامية وضعف النشر الالكترونى باللغة العربية وقلة البرمجيات المتقدمة فيها

وزادت مدارس اللغات الاجنبية وزاد تهميش اللغة العربية منذ مراحل الطفولة الاولى ومن باب السخرية ان يتم تدريس مادة الجغرافيا وتاريخ العرب فى كثير من المدارس باللغة الاجنبية فتصبح اللغة الاجنبية اللغة الاولى واللغة العربية اللغة الثانية على لسان الطفل وفى تفكيره

بالاضافة الى ضعف المستوى اللغوى للمعلمين ومستوى التعليم الحكومى مما ادى الى عزوف اولياء الامور عن المدارس الحكومية والفرار الى المدارس الاجنبية (الانترناشونال)

ومن التحديات ايضا ضعف مناهج اللغة العربية وما تحتويه من مادة علمية لان اللغة لابد ان  تتطور مع تطور الحياة، وليس معنى هذا رفض اللغات الاجنبية لانه لا يمكن لامة ان تكون مبدعة بغير لغتها فهناك بلاد مثل اليابان وكوريا والصين وفرنسا حتى اسرائيل وصلت الى مستويات متقدمة فى مجال العلوم والتكنولوجيا تدرس العلوم بلغتها

فنجد ان فرنسا فرضت غرامة باهظة على كل من يستخدم اثناء حديثه فى الاذاعة او التليفزيون لغة غير لغة الوطن لدعم الهوية وتاكيد الانتماء والولاء لبلدهم فرنسا

ونتذكر ترك الرئيس الفرنسى السابق جاك شيراك المؤتمر الاوربى لرجال الاعمال فجأة بسبب تحدث رجل اعمال فرنسى باللغة الانجليزية وليس بلغته الفرنسية وهذا ابلغ دليل على خوف الفرنسيين على لغتهم الوطنية

اما عندنا ففى الصحافة كثرت الاعلانات باللغات الاجنبية او كتبت باللهجات العامية او الاجنبية وفى بعض المسلسلات والافلام يتم تشويه صورة مدرس اللغة العربية اذ يصبح مجال للسخرية والتفكه (مثل نجيب الريحانى مدرس اللغة العربية)

وبرغم ان لغتنا العربية احدى اللغات الرسمية المعتمدة فى اليونسكو وفى منظمة الامم المتحدة فان ممثلى الدول العربية يلقون بياناتهم باللغة الاجنبية من دواعى الفخار لا من اهدار الهوية والانسلاخ من الانتماء الذى يوحى به حديثنا باللغة القومية وهى المستودع الزاخر بالمعانى والافكار والقيم

لذا نقول ان اللغة العربية اصبحت فى مأزق من ابناؤها انفسهم !

وظهر التلوث اللغوى كما وصفه الاستاذ الدكتور كمال بشر نائب رئيس مجمع اللغة العربية بالقاهرة الذى امتد ليصل الى الافتراء بان اللغة العربية غير قادرة على تحقيق وظيفتها فى التواصل بين البشر

ومن اهم التحديات التى تواجه لغة الام ظاهرة اللافتات التى تعلو واجهات المتاجر والاماكن العامة والتى تكتب باللغة الاجنبية كما تنقل الكلمة الاجنبية بحروف عربية دون ترجمة لها اى تكتب بالعربية المغربة (مثل محل كريزى للمخبوزات)

واستاثرت الشركات والمؤسسات العالمية بمنافذ العمالة وجعلت اتقان اللغات الاجنبية شرطا للتعيين بها

و فى ضوء هذه التحديات التى تواجه اللغة العربية يجب على المجامع اللغوية القيام بتعريب المصطلحات العلمية والرياضية والفلسفية والتكنولوجية والادبية والتاريخية وغيرها وترجمة كل ما يصدر من كتب ومراجع علمية وتكنولوجية متطورة فى جميع المجالات العلمية والزراعية والهندسية وغيرها لعدم تراجع اللغة العربية والحفاظ على الامن القومى العربى والهوية وتعميقا للانتماء

ولا ننسى ما قام به الخليفة العباسى المأمون من تشجيع كل من يترجم كتابا الى العربية اذ انشأ والده هارون الرشيد "بيت الحكمة" فى بغداد وازدهر في عصر المأمون الذي تعهّد بترجمة مجموعات من الكتب اليونانية في العلم والفلسفة إلى العربية، كما وضع جلّ اهتمامه في العناية بجلب المراجع ومكافأة المترجمين.

وكانت بغداد مدينة مزدهرة وغنية جداً ما سمح للمأمون بتوفير النفقات بغية شراء مزيدٍ من الأعمال، بما في ذلك كتب من بلدان أخرى، حتى قيل إن الخليفة المأمون قد سمع عن مكتبة صقلية الرائعة, وراسل ملكها مطالباً إياه بِجميع المراجع الفلسفية والعلمية اليونانية، حتى يتم دمجها في "بيت الحكمة".

وأرسل ملك صقلية محتويات المكتبة إلى الخليفة المأمون بناءاً على نصيحة الأساقفة في بلاده، الذين رأوا أن محتويات هذه الكتب لم يكن مفيداً للشعب في ذاك الوقت.

وقال المؤرخون أسماء ثلاثة أدباء أشرفوا على إدارة "بيت الحكمة" في عصر المأمون، أوّلهم سهل بن هارون، وكان كاتباً حكيماً وشاعراً فصيحاً، وثانيهم سلم الفارسي، وله مؤلفات ترجمها من الفارسية إلى العربية، أبرزها كتب الخرافات والأسمار والأخبار.

أما الأديب الثالث فيتمثّل في محمد بن موسى الخوارزمي، أشهر العلماء الذين انقطعوا لـ"بيت الحكمة" في زمن المأمون، وهو من أصحاب علم الهيئة ممّن قاموا بالحسابات الفلكية، وألّفوا كتباً في الزيج والعمل بالإسطرلاب.

وعمل في بيت الحكمة عدد كبير من التراجمة، منهم يوحنا بن البطريق، والحجاج بن مطر، وحنين بن إسحاق، وقسطا بن لوقا، وجيش بن الحسن، وغيرهم.

كما عمل أيضاً حشد من النُسّاخ، أشهرهم علان الشعوبي الوراق، العارف بأنساب العرب.

ودخلت التجربة طور الجمود والإهمال حتى سقطت بغداد في يد هولاكو عام 656 هـ الموافق 1258م، والذي حوّل "بيت الحكمة" وغيره من خزائن الكتب العامة والخاصة إلى خرائب، وألقى المراجع في نهر دجلة.

ولحل ازمة اللغة العربية لتأصيل الهوية وتعميق الانتماء ومواجهة التحديات الاتية والمستقبلية تجدر الاشارة الى ما يلى:

اولا: الاستفادة من الثورة العلمية التى تشهدها اللغويات الحديثة

ثانيا: تشجيع الباحثين فى مجال نظرية الادب وعلم النص الحديث والمعجميات والانجازات التى اثبتت جدواها فى معالجة اللغة العربية اليا وخاصة فى علم الصرف والنحو

ثالثا: استخدام الكمبيوتر فى بناء المكانز العربية

رابعا: تطوير مواقع لخدمة اللغة العربية

خامسا: اعادة اعداد معلم اللغة العربية اعدادا سليما متكاملا وتدريبه على استخدام الوسائط المتعددة فى تعليم اللغة العربية وتنشيط ملكة الابداع والابتكار لدى الطلاب ومقاومة عادة الحفظ والاستظهار

و قد خطى مجمع اللغة العربية بالقاهرة الى مجلس الشعب وطلبوا تفعيل التوصيات اللغوية للمجمع وقراراته ونفخ روح القانون وقوته فيها

واخيرا وافق مجلس الشعب فى 22 مارس 2008 على تعديل المادة الثالثة من القانون رقم 14 لسنة 1982 باصدار اعادة تنظيم مجمع اللغة العربية

وفى الختام فان من الحقائق المقررة ان اللغة العربية هى وعاء الفكر وذخيرته ومستودع القيم الثقافية والاجتماعية وتوهين لغتنا واضعافها قد يؤدى الى بلبلة فى فكر ابنائنا وقيمهم العريقة وفى معانى الهوية والانتماء

لغتي وأفخر إذ بُليتُ بِحبها...... فهي الجمالُ وفصلُها التبيان

عربية، لا شك أن بيانها......متبسم في ثغرِه القرآن

 

الكاتبة ليلى الدسوقى

 

عادل رضاالمعرفة التفصيلية عن المجتمعات هي ساحة عمل حالية وكذلك مستقبلية لاستخدامها كـ"سلاح" غير عسكري ضمن أدوات المعلومات ولها استخدامات على مستويات أخرى منها الاقتصادي من خلال دراسة السلوك الاستهلاكي للأفراد وكيفية الترويج لهذه السلعة او تلك البضاعة من خلال تحليل بيانات السلوك البشري والمعلومات المتراكمة عن طريق دراسة أنماط السلوك من خلال المعلومات والبيانات والتحركات المتراكمة المتواجدة في تطبيقات الأجهزة الذكية ومواقع الانترنت التي تطلب السماح بالحصول على تلك البيانات والتفاصيل والتي تجمع تلك البيانات للمستخدمين وتعيد بيعها لمن يدفع لاستخدامها من خلال التحليل الاحصائي ودراستها بواسطة علم الاجتماع.

لقد خرج الى العالم وحش غير قابل للسيطرة وتجارة جديدة تتعلق خاصة ب “دراسة بيانات البشر وتحليلها” لأعادة توجيهها لمن يدفع أكثر؟ لشركات تجارية تبيع سلع استهلاكية كالسيارات او أدوات التجميل او أنواع الاكل…الخ او أجهزة استخبارات ودول لديها مصالح لصناعة نفوذ من هنا او إيصال مرشح لموقع رئاسي من هناك او تدمير بلد من هنالك.

ان "وحش” الذكاء الاصطناعي الموجود بالشركات التقنية العابرة للقارات حاليا اخذت تضرب بقصد وبدون قصد بأسس المجتمعات الغربية التي انطلقت منها وتأثيرات ذلك واضحة على الافراد من حيث العزلة الاجتماعية والتوحد الشخصي والانغلاق على الذات وصناعة فقاعات “عزل” اجتماعي وخلق أوهام “لجمال شخصي” مستحيل الحدوث بالواقع يتم مشاهدته بالواقع الافتراضي، وزيادة مرتفعة بازدياد لحالات انتحار الأطفال والمراهقين وكذلك صناعة مجتمعات بشرية ضخمة افتراضية بمجموعات التواصل الاجتماعي تضم شواذ الفكر وغريبي الاطوار والمرضى الاجتماعيين وأصحاب أفكار الكراهية والقتل على الهوية العرقية او الدينية، وعلى العالم ان لا ينسى “داعش” وعليه ان لا ينسى قاتل نيوزيلاندا وبثه المباشر لمتابعيه وعليه ان لا ينسى فيديوهات قطع الرقاب، ولا الترويج للتصفية الدينية ضد المسلمين بميانمار.

يمكن بسهولة تجميع شذاذ الافاق بمجموعة واحدة لتمثل كتلة بشرية مركزة ويمكن أيضا ترشيح كتل بشرية محايدة يمكن التأثير عليها الكترونيا بوسائل التواصل الاجتماعي من خلال الدعايات او توصيات المشاهدة والمتابعة وطلبات الانضمام للمجموعات لتقوية الكتل البشرية ومن هنا يتم الترويج لأفكار او لمرشحين او لعادات استهلاكية تخدم حالة تجارية مالية، ومن هنا من يدفع ماليا للشركات التحليلية للبيانات او الشركات المالكة للبيانات الشخصية هو من يملك السلطة الغير مباشرة ومن يصنع التغيير بالقرار الفردي والتوجه المجتمعي وصناعة جبهات الرأي العام وصناعة تركيز الرأي وأيضا الترويج للدعايات والاخبار المزيفة التضليلية السريعة الانتشار والعاطفية التأثير النفسي.

رأينا تأثير ذلك على انتخاب الرئيس الأمريكي ترامب ورأينا ذلك على نتائج استفتاء الخروج البريطاني من الاتحاد الأوربي وامتد ذلك على انتخابات الدومينكان والفلبين وماليزيا البرازيل وهي دول ليست استعمارية قديمة ولا امبراطوريات سيطرة حديثة.

فاذا كان تأثير وحش التأثير التكنولوجي قد ضرب في عمق اساسيات بلدان السيطرة والتحكم الإمبراطورية العالمية فما بالك بما سيحدثه هذا الاستحمار الجديد المستحدث بنظم ومجتمعات عالمنا العربي من إثر وتأثير وسيطرة وصناعة قناعات جديدة واسقاط قناعات قديمة وصناعة أجيال "الية التوجيه" من خلال دراسة قاعدة بياناتها المخزونة عند مؤسسات التطبيقات الحديثة ومواقع الانترنت.

 

د.عادل رضا

كاتب كويتي في الشئون العربية والاسلامية

 

عدنان ابوزيدينبهر المواطن العراقي، بإنجازات دول أخرى، بعد تعثّر تجربة التنمية والاعمار في بلاده، وكلما زار بلدا محدثا، مستقرا، ماثله ببلده في مستويات الخدمات، ومسارح التمدن. ومهما اختُلِف على الأسباب التي أدت الى الإخفاق، لكن الأغلبية المطلقة، تتفّق على النتائج.

والانبهار خالِجة طبيعية، وتعبير عن السمو الى الأفضل، لكنه لدى الكثير من العراقيين، مقرون بالوجوم، لا الأمل، نتيجة النكبات والصدمات المتتالية التي حلّت ببلادهم.

مظاهر المدنية، المادية، والسلوكية، هي التي تصنّف البلدان، وفيما إذا نجحت في استقلال قطار الحضارة، ام انها لازالت تنتظر في محطة، لا تصل العربات اليها ابدا.

مصطلح الحضارة هو الأهم اليوم، من بين جميع المصطلحات في العلوم الاجتماعية الحديثة، ويُقصد بها أولا إنجازات الحاضر، ثم التسلسل الهرمي التاريخي للأحداث، نزولا الى الماضي، لكنها لدى العراقي تؤشّر على الماضي فقط، بعد توقّف عقارب ساعته عند حضارات سادت ثم بادت من آلاف السنين، من بابل الى سومر وآشور، متغافلا عمدا أو جهلا، عن قياس مستويات التحضر لديه في الوقت الحاضر، وفيما اذا مجتمعه قد نجح في استعادة بريق تلك الحضارات.

يجب أنْ توفر مفردة حضارة، منظورًا جديدًا يعي الانسان فيها دوره الحاضر، لا الماضي، لكي يكون دافعا لتوليد جو من التفكير النقدي الذاتي. 

التحضر مرتبط بالسلوك قبل الإنجاز، فثمة دول أرسلت اقمارا صناعية، وصنعت سيارات، وارتقت في البرمجيات مثل الهند، لكن الكثير من شعبها غير متحضر في جوانب العلاقات الإنسانية والطبقية، ونظام العمل والعادات والتقاليد الاجتماعية. 

ينطبق الامر على دول مثل العراق، وحتى الصين، ففي هذه الدول، تجد على سبيل المثال لا الحصر، طريقة ذبح الحيوان، خالية من الرحمة، والفقراء يقبعون تحت ظلال البنايات الشاهقة، فيما لا تجد ذلك على الاطلاق في الدول المتحضرة حقا، مثل أوربا الغربية.

هذا لا يمنع القول، من انْ صنّاع الحضارة المعاصرة، ارتكبوا الأخطاء، التي سببتها الغطرسة الاستعمارية، لكنهم اعترفوا لاحقا بان ذلك لم يكن أخلاقيا. 

الأمم المتحضرة التي قطعت شوطا رائعا في بناء مجتمعات عصرية متطورة، لا تعبد الماضي، ولا تحن اليه، فما حصل من أحداث، ونقاط قوة وضعف، كان له أسبابه، وظروفه، فلا تجد في الادبيات الغربية من يتأسف على مستعمرات تحررت، ودول كانت تحت قبضة اوربا، باتت اليوم مستقلة، على النقيض من المفاهيم التي تتحكم مجتمعاتنا العربية، التي لازالت الى الان تحزن وتتألم لسقوط الاندلس. 

الكثير من الخطابات المهيمنة اليوم تتحدث عن الماضي العظيم المثالي، على شاكلة "ملكنا هذه الدنيا قروناً، وأخضعها جدود خالدونا"، وهو في واقعه هروب من الحاضر البائس، نحو سراب لا يوصل الى طريق، ولا يبني مجتمعا.

بدلا من الاعتراف، بجدوى حضارة العصر، لما أنجزته من ماديات ومثاليات، نهاجمها، ونعتبر ماضينا أفضل منها، بتأثير الخطابات التي اوهمتنا، بان الماضي هو كل شيء.

 

عدنان أبوزيد

 

 

 

محمد سعد عبداللطيفنشرت منظمة اليونيسكو تقريرا حديثا أن نحو نصف الأطفال في الدول العربية لا يتلقون تعليما ابتدائيا أو لا يتلقون أساسيات التعليم حتى عندما يلتحقون بالمدارس. وذكر التقرير ٱن سبعة وخمسين مليون طفل في العالم لا يذهبون إلى المدارس وأن ثلث الأطفال البالغين في  سن التعليم الابتدائي لا يتعلمون الأساسيات، سواء التحقوا بالمدارس أو لم يلتحقوا بها بسبب تدني مستوى التعليم.

ما هو تفسير ذلك؟ وهل ذلك يعني أن التعليم فشل في الدول العربية؟

حالة يرثى لها بعد عدم انتظام و غياب معظم  الطلاب من الحضور في الفصول الدراسية معظم،موسم الدراسة !!

يقول الاستاذ، الدكتور /مدحت خفاجي  "استاذ الأورام  في جامعة القاهرة " في تصريخ خاص  لنا /في بحث عن تدهور  التعليم في مصر  تحت عنوان :.

هل يمكن انقاذ التعليم بعد انهياره فى مصر؟

انهارت المنظومة التعليمية سواء قبل الجامعية او اثنائها وتسيدت  السناتر  الخاصة المنظومة لفشل الاخيرة فى تعليم الطلاب واتجاه اولياء الامور لتلك السناتر حتى يضمنوا تعليم معقول لاولادهم وبعد يأسهم من اصلاح المنظومة. وتلتهم  تكلفة تعليم الاولاد من ٣٠-٤٠٪؜ من دخل الاسرة سنويا.

والاسباب الرئيسية لفشل المنظومة التعليمية الآتى:

1- انعدام الرقابة على القائمين على التعليم ، سواء كانواً مدرسين او موجهين او مديرى التعليم

2- انخفاض مرتبات القائمين على التعليم بحيث اصبحت اقل من ان توفر لهم حياه كريمة

3- اصرار مخططى التعليم على اتباع التعليم التلقينى  ورفض اى تعليم نقدى . وقد تغيرت المناهج بعد الحرب العالمية الثانية الى تعليم نقدى لاسباب كثيرة

 ولاصلاح التعليم يجب ايجاد حلول لكل الاسباب التى نتج عنها انهياره

1- يجب رجوع نظام الرقابة الصارم الذى الغى عام ١٩٥٤ وكان وضعه اللورد كرومر عام ١٩٨٣  وكان نفس النظام الذى كان ولايزال يطبق فى انجلترا لمدة ثلاثة قرون. والرقابة الادارية التى حلت معه فى مصر فشلت فى المهمة و الدليل الانفلات من موظفى الدولة . والنظام عبارة عن رقابة مستقلة من لجان التفتيش  الداخلى الفنية المكونة من ١٣ عضو من كبار الموظفين على المعاش ذو السمعة الجيدة. والرقابة سنوية وقراراتها نافذة على الموظف بالترقية او الجزاء او الفصل من الوظيفة او يظل كما هو. ويحق للمواطنين ان يشتكوا الموظف العمومي لهم. وبذلك يتم حدوث رقابة صارمة على الموظفين ويؤدون عملهم بجدية خوفا من فصلهم وتشريد ابنائهم.

2- اما كيفية رفع مرتبات المدرسين فلن يحدث الا بالغاء النظام الضريبى الحالى الذى ينتمى الى القرن التاسع عشر. ويجب ان تنقسم الضرائب الى ضرائب للمراكز وضريبة للمحافظة وضريبة الحكومة المركزية كما فى كل بلاد العالم.  ومن الضرائب التى تحصل للمركز يدفع منها مرتبات الموظفين الحكوميين فى الصحة والتعليم وخلافة. وبذلك يقتنع الممولون بدفع الضرائب للمركز التابع له لانها ستعود عليه على هيئة خدمات جيدة من تعليم وصحة وخلافه. ويجب انتخاب المجالس لتلك الخدمات وكل مجلس مكون من تسعة متبرعين ولايتقاضون اجرا .ويقومون  بالرقابة على موظفي الخدمات من تعليم وصحة ونظافة وتجميل ومكتبات ومطافىء ومياه ونور وصرف صحى . ولمجلس المركز الحق فى فصل الموظف الحكومى والرقابة المالية. اما عن المجالس الحالية التى لم تتم انتخابها منذ ١٠  اعوام فليس لها اى سلطة بعد ان تم انتزاع اختصاصاتها. وبذلك يتم الرقابة المزدوجة على الموظفين من لجان التفتيش الداخلى على المصالح الحكومية واللجان المنتخبة من المواطنين فلن يفلت اى موظف من الرقابة. ويمكن عن طريق  ميزانية المركز او المحافظة رفع مرتبات المدرسين  بحيث لايقل مرتب المدرس المبتدأ عن ٥ الاف جنيه شهريا.

3- يجب ان نطبق المناهج التى تدرس فى البلاد الغربية فى التعليم قبل الجامعى وعدم حشوادمغة الطلبة  بمعلومات فنية لان المطلوب منه ان يكون مثقفا فقط. اما عن طريقة التعليم فيجب ان يتعلم الطريقة النقدية فى التعليم حتى لا ينجرون وراء  التيارات المتطرفة لانه سيناقش المتطرفين ويدحض افكارهم. وذلك ان يقوم كل طالب بعمل بحث شهرى فى موضوع خارج المنهج من ٣ صفحات ويلقيه على زملائه فى الفصل فى خمسة دقائق ويناقشه زملائه فى ٥ دقائق اخرى. ولايوجد عيب عليه ان ينقله او احد الوالدين كتبه طالما انه استوعبه وشرحه. وليس كما يحدث الان فى بعض المدارس فى مصر يكتب البحث الاباء ولايناقش البحث ولايلقيه الطالب أمام اقرانه. وبذلك يتعلم الطريقة العلمية للبحث والتقصى لحل مشكلاته. ويوجد مصادر لمعلومات البحوث فى وسائل التواصل الاجتماعى مثل جوجل وغيرها.هذة الٱفكار طرحها الدكتور /مدحت خفاجي  لحل  مشكلة تدني مستوي التعليم في مصر : والحلول المطروحة ةن وجهة نظرة ..

وقد اشارت منظمة اليونيسكو في تقارير سابقة في بلدان عربية مثل الحالة العراقية .في  تدهور التعليم نتيجة الوضع الٱمني كذلك في اليمن وليبيا وبعض الدول .كذلك هناك سؤال  يطرح عن حالة التعليم في

المدراس العربية " لماذا لم تعد قادرة على تقديم المهارات العلمية للتلاميذ؟  فقد اشار في تقرير سابق عن الحالة المصرية  لشبكة البي  بي سي البريطانية الخبير التربوي /الدكتور كمال مغيث /والمعروف عنة من الناصريين واحد ٱقطاب  اليسار المصري : صرح بما يلي: قال الدكتور كمال مغيث الباحث في المركز القومي للبحوث التربوية "في مصر

 إن "التعليم في الدول العربية فشل إلى حد كبير بالنظر إلى التقارير الدولية وخروج الجامعات العربية من قوائم الدول المحترمة الخاصة بتصنيف الجامعات."

وأضاف مغيث أن "الدول ذات الطبيعة الاستبدادية أنشأت التعليم الخاص المُكلِف الذي لا يمكن لغير أبناء السلطة والطبقة البرجوازية فيها ولوجه، ولا تتجاوز الفئة التي تستفيد من هذا التعليم نسبة (5 إلى 7) في المئة من مجموع التلاميذ. وهي تهدف بذلك إلى تحضير أبنائها كي يحلوا محلها في المؤسسات البنكية والبورصة ومجال الاستثمارات، بينما أهمل تعليم بقية أبناء الشعب."

واعتبر الباحث المصري أن هذه السياسة "أدت إلى غياب خطط تعليمية ورؤى حول التخصصات التي يحتاجها البلد وتدريجيا فقدت المؤهلات العلمية قيمتها وتدهورت ميزانيات التعليم وإدارة القطاع وانصرف المعلمون عن مهنتهم إلى البحث عن تحسين مستوى معيشتهم."

ويرى الدكتور مغيث أن "تدني مستوى التعليم بدأ تدريجيا مع استلام السادات للسلطة، فأنا أجدت القراءة والكتابة في المرحلة الابتدائية خلال الستينيات من القرن العشرين، بينما بدأ السادات بعد ذلك بصياغة التعليم الطبقي لأنه لم يكن يؤمن بخطط القوى العاملة ومع ذلك لم يستطع تقديم مشروع ليبرالي وبدأ بتطبيق الفترتين والثلاث فترات في الدراسة عوض فترة الثماني ساعات. وكانت النتيجة تفاقم الدروس الخصوصية وتحول المدارس إلى مجرد أماكن للامتحان."

المال وأشياء أخرى !! ولعلي ٱكون قد اشرت الي  التيار الليبرالي ممثلا في بحث الدكتور،" مدحت  خفاجي" عضو الهيية العليا لحزب الوفد سابقا.

ورأي الدكتور " كمال مغيث " من التيار  اليساري التقدمي المصري .في طرح  مشكلة التعليم في الوطن العربي والحالة المصرية !!

 

محمد سعد عبد اللطيف

 كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

 

حاتم حميد محسنان القيمة الهائلة لصناعة السعادة والتفكير الإيجابي التي تقدّر بحوالي 11 بليون دولار امريكي سنويا، ساعدت في خلق يوتوبيا بأن السعادة هي هدف واقعي. ان ملاحقة حلم السعادة هو مفهوم امريكي، جرى تصديره لبقية العالم من خلال الثقافة الشعبية. في الحقيقة، "ان السعي وراء السعادة هو أحد "الحقوق الامريكية غير القابلة للتصرف". ولسوء الحظ، ساعد هذا في خلق توقعات لا تسمح الحياة الواقعية بتحققها.

ان السبب في ذلك هو انه حتى عندما يتم إشباع حاجاتنا المادية والبايولوجية، فان حالة السعادة المستديمة ستبقى وهماً وهدفا نظريا، وهو ما اكتشفه الخليفة عبد الرحمن الثالث في قرطبة في القرن العاشر الميلادي. هو كان أحد أهم الرجال في ذلك الوقت، حيث تمتع بانجازات عسكرية وثقافية بالاضافة لزوجاته والمتع المادية. في نهاية حياته قرر ان يحسب بدقة عدد الأيام التي شعر بها بالسعادة، هو وجد انها كانت 14 يوما فقط.

السعادة كما يذكر الشاعر البرازيلي فينوسيوس ديموراس هي "كالريشة في الهواء، تطير بسهولة، ولكن ليس لوقت طويل". السعادة هي بناء انساني، فكرة مجردة ليس لها مكافئ في التجربة الانسانية الحقيقية. التأثيرات الايجابية والسلبية تقيم فعلا في الدماغ، لكن السعادة المستمرة ليس لها أساس بايولوجي.

الطبيعة والتطور

الناس لم يُصمموا ليكونوا سعداء، او حتى مقتنعين. بدلا من ذلك، نحن مُصممون اساسا لنعيش ونتكاثر كأي مخلوق آخر في العالم الطبيعي. حالة القناعة لم تُشجعها الطبيعة لأنها ستخفض حمايتنا تجاه التهديد المحتمل لبقائنا. حقيقة ان التطور فضّل فص الجبهة الكبير في دماغنا (والذي يعطينا قدرات تحليلية وتنفيذية ممتازة) على القدرة الطبيعية لنكون سعداء، يخبرنا الكثير عن افضليات الطبيعة. مختلف المواقع والدوائر في الدماغ كل منها ارتبط بوظائف عصبية وفكرية معينة، لكن السعادة، باعتبارها مجرد بناء ليس له أساس عصبي، لا يمكن ان توجد في خلايا الدماغ. في الحقيقة، يجادل الخبراء في هذا الحقل بأن فشل الطبيعة في إزالة الكآبة في العملية التطورية (رغم أضرارها الواضحة بالنسبة للبقاء والتكاثر) ناتج بالضبط عن حقيقة ان الكآبة كتكيّف تلعب دورا مفيدا في أوقات المحن، عبر مساعدة الفرد المكتئب بعدم الانخراط في المواقف الخطرة والتي لا أمل له في الفوز فيها. الإجترار الإكتئابي يمكن ايضا ان تكون له وظيفة حل المشكلة اثناء الأوقات الصعبة.

الأخلاق

ان صناعة السعادة العالمية الحالية لها بعض جذورها في التطبيقات الأخلاقية المسيحية، العديد منها سوف تخبرنا ان هناك سبب اخلاقي لكل شكل نعيشه من اللاسعادة. انها تقول ان هذا ناتج عن نواقصنا الأخلاقية، والأنانية والمادية، وتنصح بحالة التوازن السايكولوجي الفاضل من خلال التنازل، والموضوعية وكبح الرغبات. في الحقيقة، هذه الاستراتيجيات تحاول فقط ايجاد علاج لعدم مقدرتنا الفطرية للتمتع بالحياة باستمرار، لذا نحن يجب ان نكون على قناعة بان اللاسعادة ليست عيبنا. انها عيب تصميمنا الطبيعي. الداعون لمسار اخلاقي صحيح للسعادة ايضا لا يوافقون على انتهاج طريق سريع للمتعة بمساعدة المخدرات والمؤثرات العقلية. جورج بناردشو قال : "نحن ليس لنا الحق في استهلاك السعادة بدون انتاجها اكثر مما نستهلك الثروة بدون انتاجها". الرفاهية كما يبدو تحتاج ان تُكتسب، وهو ما يُثبت انها ليست حالة طبيعية.

الناس في رواية (عالم جديد وشجاع) لـ الدوس هكسلي يعيشون بمساعدة المخدرات، المخدر هو الذي يبقيهم منصاعين ولكنهم راضون. في روايته، يشير هكسلي الى ان الانسان الحر يجب حتما ان يكون معذبا بالمشاعر الصعبة. مع وجود خيار بين العذاب العاطفي و السكون المطمئن، نرى العديد سيفضلون الأخير.

المشكلة هي ليس ان الوصول الى قناعة موثوقة ومستمرة بالوسائل الكيميائية هو لا شرعي وانما هو مستحيل. الكيمياويات تغيّر الذهن (والذي يمكن ان يكون شيئا جيدا احيانا)، لكن طالما ان السعادة غير مرتبطة بشكل وظيفي معين للدماغ، فلا نستطيع استنساخها كيميائيا.

السعيد وغير السعيد

عواطفنا ممتزجة وغير نقية، متشابكة وفوضوية مثل أي شيء آخر في حياتنا. تبيّن البحوث ان المشاعر الايجابية والسلبية والتأثيرات يمكن ان تتعايش في الدماغ نسبيا بشكل مستقل عن بعضها. هذا النموذج يبيّن ان الجزء الأيمن يتعامل مع عواطف سلبية بشكل تفضيلي بينما العواطف الايجابية يتم التعامل معها بالجانب الايسر من الدماغ.

يجب التذكير اننا لم نُصمم لنكون سعداء دائما. بل، صُممنا لنعيش ونتكاثر. هذه مهمات صعبة، لذا نحن قُصد بنا ان نكافح ونبحث عن الاشباع والأمان، نصارع التهديد ونتجنب الألم. نموذج المشاعر المتضادة الذي يعرضه تعايش المتعة مع الألم يتناسب مع حقيقتنا أفضل بكثير من النعيم الذي لا يمكن تحقيقه والذي تحاول صناعة السعادة بيعه لنا. في الحقيقة، ان التظاهر بأن أي درجة من الألم هي حالة غير عادية ومرضية سوف يعمق فقط الشعور بعدم الكفاية والإحباط.

الافتراض بان لا وجود لشيء اسمه السعادة ربما يبدو رسالة سلبية بحتة لكن هناك جانب ايجابي، العزاء هو معرفة ان عدم القناعة ليست فشلا شخصيا. اذا كنت غير سعيد في وقت معين، فهذا ليس نقصا يتطلب إصلاحا عاجلا. هذه التقلبات هي في الحقيقة ما يجعلك انسانا.

 

حاتم حميد محسن

 

 

عبد الجبار العبيديكم جنت المؤسسة الفقهية على المسلمين حين حولت مبادىء الدين الى مذاهب،فجعلتهم اشتاتا غير متحدين.. وبمرو الزمن ورغبة السلطة السياسية في التفريق أصبح المذهب مذاهب وفي الاسلام مختلفين كل يؤدي شعائره الدينية بأختلاف الأخرين حتى آذانهم اختلف لكل منهم غير الاخرين.. فهذا بمآذنته يصيح علي ولي الله..  والأخر يصرخ الصلاة خير من النوم في الفضاء الفسيح زيادة في الحرص على الفُرقة والتفريق.. ولا ندري ما الصحيح؟.. كما قال الشاعر: بلدي عمائم كله أرأيت مزرعة البصل.. هذا بناقوس يدق وذاك بمآذنة يصيح..  ولا ندري ما الصحيح ؟.

نعم.. أستطاع الفقيه ان  يجزأ  الأعتقاد  فأفرز لنا هذه الفرقة القاتلة بين المسلمين.. حتى تحول دينهم  بمرور الزمن الى أديان كل منها يناصب الأخر الحقد والكراهية  للأخرين.. فهذا ناصبي.والثاني شعوبي.والكل يرفع الراية"لا آله الا الله محمد رسول الله" وفي اليد الاخرى الخنجر يجز رقاب  الآدميين المسالمين.. هذا هو اسلامهم الذي يريدوننا ان نؤمن به بعد ان فرقوا بيننا في الحقوق والواجبات.. اما كان الأفضل لنا لو كنا بلادين على طريقة اليابان والصين وأحتفظنا بوطن واحد لا أوطان كل منها يعادي الأخر فأصبحنا لعب يَنظر الينا العالم بنظرة أحتقار التاريخ...  نعود لنقول:

ابتداءً يجب علينا التفريق بين مصطلحات المذهب والعلمانية والايديولوجيا في المنهج الدراسي ليتعلمها الطالب منذ البداية في بلد تجري فيه انهار الذهب والطالب لا زال يجلس على الحصير.. فكيف نطلب من المعلم العلم الصحيح ؟ وهو يؤمن ب: أطيعوا آلوا الامر منكم بلا معارضة ولا تجريح.. أهذا هو دين محمد(ص) الرصين..  يا اجلاف الزمن الغريب..

اعلموا ان المذهب  يعني،الرأي الاجتهادي لشخص او جماعة في قضية دينية او سياسية معينة وليس للكلمة من اصل في القرآن والسُنة النبوية وانما دُست دَسًا من قبل فقها ء السلطة  للتفريق بين مؤيدي أهل العدل ومعارضيهم في العهدين الاموي والعباسي من الظالمين.. وبمرور الزمن تجسد المعنى فأصبح اعتقادا دينا مخالفا للأخرين.. كما ثبته فقهاءالقرنين الثالث والرابع الهجريين..  بينما قواميس اللغة العربية تخبرنا ان المذهب  لغة جاء برمزية فلسفية معينة وخاصة في الشعروالآدب.. ولا علاقة له بالدين قط.. فأعلموا ان الزمن تغير والناس فهمت حقيقة التغيير.

.اما الايديولوجيا : فتعني، العلم الذي يعالج تقويم الافكار وما يتصل بالقيم والمعتقدات السياسية والاجتماعية.وهو مكون من كلمتين (idea ) وتعني فكرة  و(logos) وتعني علم او دراسة، وعند دمج الكلمتين يصبح المصطلح (علم الأفكار). أي الوعي الاجتماعي والسياسي للمفكر والتقدم المعرفي له.. ويقصد به تحرير الانسان من ربقة الجهل واثارة عقله بالعلوم والمعارف،تمهيداً لايقاظه من سباته وبعثه على التامل في الكون وما يتخلله من انظمة ونواميس  لينتهي الى نظرة معرفية شمولية في الكون والحياة. وهذا ما هدف اليه منهج القرآن  المغيب من قبل مؤسسات الدين عن المنهج الدراسي اليوم.. حين أستعيض عنه بمذاهب فقهاء يجهلون المعنى حتى عمرهم ما فسروا الايات الحدية  بقانون ادراك المشخص في وقت  لم تكن ان التسميات الحسية  قد استكملت  بعد تركيزها في تجريدات فراحوا يفسرون الايات على طريقة الترادف اللغوي الخاطئة فأهملوا حتى الحروف في اول السورالقرآنية التي وردت مثل(ن والقلم) وغيرها، وانما قالوا عنها حروف زائدة لأن ما أدركوا ان اللغة نشأت في اوقات معينة وهي قابلة للتغييربمرور الزمن  في المعنى وهي نظام لربط الكلمات في كل عصر جديد حتى وقعوا في وهم الخطأ.فحملوا الدين والاجيال وزرخطئهم ولا زالوا الى اليوم مصرين.

اما العلمانية : فيقصد بها نظام الدولة التي لا تخضع قوانينها للتشريعات الدينية للحد من تدخل المؤسسة الدينية في القوانين المدنية.. هذا التدخل الذي اربك النظريات الاصولية لتخليص الفكر الانساني الحضاري من المطلقية الغير قابلة لنقاش الفكر الأخرالذي يؤمن بالأقصائية الفكرية التي لا تتناسب وحركة التطور الحضاري الانساني.كما في افكار الغزالي(ت505 للهجرة ) في كتابه تهافت التهافت للفلاسفة وابن تيمية.. وصراعاتهم لم تكن صراعات دينية بل صراعات سياسية   لخدمة أولياء السلطة ولا غير.. بينما نادى الفيلسوف ابن رشد (ت 595 للهجرة -1126 للميلاد) ان لاسلطان على العقل الا العقل نفسه.. وقد سبقه في هذا التوجه العلمي الرصين الامام علي (ع) (ت40 للهجرة) حين قال : في نهج البلاغة الحجة العقلية لا تقابلها الا الحجة الأكثر منها  مدعومة بالبرهان العقلي.. كما قال في الفَرق بين القتال والجهاد.. القتال رد الاعتداء والجهاد تطهير النفس من الخرافات والشوائب. فلاجهاد كفائي ولا فرض عين كما يدعون..

 

هذه المؤسسات الفقهية  التي قضت أكثر من 1000 سنة في نشر المخترع منهم والابتعاد عن مفاهيم الاسلام الحقيقية.. لذا فالزواج والأرث والوصية يجب ان يخضع للقانون المدني لا التشريعي لحفظ الحقوق وليتوحد الرأي في الحقوق أنظر الآية 180 من سورة البقرة التي عتموا عليها.. ولا مذاهب في الاسلام، وانما هي فرية الفقهاء لخدمة "الوا الامر" في السلطة التي لم يفهموا النص او فهموه خطئاً في التطبيق..

والدراسات الحديثة على كثرتها  لم تعطينا تعريفا ثابتا للمصطلحات الى اليوم بالتحديد ،فظلت ضائعة بين التعريفات الغربية والشرقية والعربية القديمة منها والحديثة. لدرجة ان الكثير من الكُتاب يسعون للحصول على مساعدة الاخرين لتكوين رأي جماعي لتعريف المصطلح تعريفا علمياً ثابتاً. وكل ما توصلت اليه المعالجات المختلفة،فقد أجمعت على ان الايديولوجيا هي منظومة الافكار عند المؤلفين الخاصة باحوال المجتمع وما يحيط به من مدركات وغير مدركات.. وهذا ما طرحته المعتزلة من زمن بعيد.. بينما لم نرَ لكلمة المذهب الديني من اصل قديم.

مصطلحات كثيرة لا زالت بلا تحديد منها الايديولوجيا والعلمانية التي يعتبرها البعض توجها مقصودا ضد الافكار الدينية السائدة في المجتمعات الانسانية.هذا المفهوم لازال مطروحاً للنقاش، وعلى علماء الافكار ان يتفقوا في رأي موحد لنعرف ما ذا يعني الاصطلاح الذي طرحته الافكار الفلسفية الحديثة في الجامعات العالمية الغربية والشرقية على حدٍ سواء.لكن الذي يهمنا هل ان هذا المصطلح لم يكن معروفا عند علمائنا ومفكرينا بعد ظهور الحركة الفكرية الكبرى على عهدي المعتزلة واخوان الصفاء في العصر العباسي، لذا ظل الفكر الاسلامي بعيدا عنها حتى تلقفها أخيراً من الافكار الغربية.. وطبقها حسب رأيه الخاطىء.

 وعندي ان اول من نبه اليها وثبت معناها دون تسميتها الحديثة هو كتاب نهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضي وسماه "نهج البلاغة"،لكن مؤيديه الذين نسبوا انفسهم اليه دون عقيدة من فكره العظيم ولم يتنبهوا له فراحوا يحشرون فكره الآيديولوجي بالمذهب الشيعي الطارىء على الدين على غرار المذاهب الاجتهادية الطارئة الاخرى لجهلهم بمعنى كلمة مذهب ولتعصبهم ضد المسلمين الأخرين، وكأن فكر الامام وطروحاته الفكرية جاءت من أجل الفُرقة والأنتقام من المسلم الأخر، لا لوضع قواعد مقارنة  لأفكار أصحاب المذاهب الوضعية التي لاعلاقة لها بالدين،علاوة عن ان اصحابهم لم يعدوه مذهباً مساويا لمذاهبهم،وانا اعتقد من حقهم ما دام مفكري المذهب من مراجعهم الكبار قد اهملو ايديولوجية فكر الامام وعدوه مذهباً على طريقة الاخرين.. وفكره يتناقض مع مفهوم الفقه الأخر.

 مفارقة كبيرة هذا الذي تطرحه التسمية اليوم وما يسمى بفقهاء الشيعة ومفكريهم لاهين بالشعارات الوهمية الميته كولاية الفقيه والمهدي المنتظر والايغال في احزان عاشوراء والشعائر اليومية التي لم نقرأ عنها في فقه أهل البيت ابداً ولم يأتِ لها ذكرا في فقه الامام الصادق (ع).، بل هذا فكر بويهي سلجوقي مستحدث الصق بأهل ابيت لصقا..  كما جاء مخترعاً عند الكليني  وابن بابويه والشيخ المفيد وغيرهم.. حتى أكرهوا الناس بفكرهم وفكر أهل البيت معاً.

أما المعتزلة فقد نادت بضرورة الاعتراف بهذه الايديولوجية وبأن القرآن نظرية تتعامل مع الواقع ولا تتعامل مع الفروض،وأتفقت مع الامام علي (ع) في نظرية العقل حين يقول : (ان العقل هو الحجة) اي هو الدليل والثبات وهذه هي الايديولوجيا التي تتفاخر بها الشيوعية والرأسمالية. لقد كانت بداية للنقلة العلمية العربية لولا وقوف الفقهاء والدولة العباسية بثقلها الكبير متمثلة بالمتوكل العباسي (ت232للهجرة)لافشالها،ومن ساعتها ماتت الحركة الفكرية العلمية عندنا.،وهذا اكبر خطأ ارتكب  حين ضُيعوا أيديولوجية الفكر االعربي وجعلوه  محصورا بالمذهب الشيعي المختلق كما يدعون.

لقد جسد الامام علي (ع)  فكرة الايديولوجيا في التوحيد والعدل والتربية ومهام السلطة في الدولة وفي القضاء:

 وفي هذا المجال كتب الدكتور قاسم حبيب جابر كتابه القيم (الفلسفة والاعتزال في نهج البلاغة).واليوم سنحاول ان نذكر بعض هذه الافكار التي طرحها الكاتب لنثبت ان فكر الامام ليس مذهبا، بل نظرية آيديولوجية مكونة من حزمة من الافكار التي تصلح منهجا متكاملا في نظرية المعرفة الاسلامية والمغيبة الان عنا بقصد.. وهذا ما قال فيه الامام جعفر الصادق (ع).. الذي حولوا فكره الآيديولوجي الى المذهب الجعفري خطئاً.

ففي التوحيد يطرح الامام في نهج البلاغة ما يتماشى مع فكرهم الذي استمدوه منه حين قال :التوحيد هو الذي اقام الحجة وايقظ العقل  حين دعاهم الى نبذ التقليد والتزام مبادىء الحق مستشهدا بالاية الكريمة :(قل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا).فالقرآن اعتمد على هذا التوجه وادار الدعوة على اساسها وهي الفطرة الانسانية التي يستدل في الدعوة  الى التوحيد بوحدة النظام ووحدة الخلق،فالقرأن ليس نظرية تتعامل مع الفروض،انه منهج يتعامل مع الواقع  فمبدأ التوحيد يقصد به الامام توحيد الفكر والعقيدة عند معتنقيها، وليس تفريقا لها. ومن هنا نرى ان الامام كان بداية للتفكير الكلامي المنطقي المرتبط بالعقيدة"أي آلايديولوجي وليس المذهب".لا سيما وان القرآن بقي يقرأ على التفسير الفقهي الجامد لا التأويل العلمي المتحرك حين أخترعوا له قراءات عشرة مختلفات.. وقوله في الظاهر والباطن والسكون والحركة والزمان نظرية علمية وليس مذهبية كما يعتقدون..

 أما المكان فله اراء لم يعرفها علماء الفلسفة القدامى والمحدثين بألدقة التي صورها كتاب نهج البلاغة..

ويقول الامام اذا كان الله منزهاً عن الزمان،فهو ايضاً منزه عن المكان،فلا تحده العقول في الامكنة لبراءته عن التحيز. حين يقول ان الله قال: (وهو معكم أينما كنتم، سورة الحديد،آية 4). والمقصود ان العناية الالهية تشمل الجميع وليس البعض،وهنا يتفوق على الايديولوجيات الضيقة التي تلتصق بها المذهبية الدينية اليوم.. لكن اين لنا من يفهمون من فقهاء الطائفية والعنصرية.

وفي العدل الذي بنظره لا يقابله الا الظلم الذي هو اصل الشقاء في البلاد كما نراه اليوم، والعقل كما يقول لا يقاس الا بالعدل، ومكانة الحاكم لاقيمة لها في نفوس المحكومين الا اذا كان عادلا بين الرعية (أعدلوا ولو كان ذا قربى).. منطقاً فلسفياً يرقى الى اعلى مراحل درجات الايديولوجية الحديثة التي تنحو نحو الانحياز.. وهذا ما كتبه جفرسون في الدستور الامريكي.. بينما نحن ربطناه بالاوهام.

ولقد تجاوزت الآيديولوجية العلوية  الكثير من الايديولوجيات الحديثة في نظرية المصلحة،  ونظرية الحسن والقبح،  ونظرية حرية الارادة الانسانية.ففي الاولى يركز على مبدأ الحق والباطل بالمفهوم المطلق،وفي الثانية يؤكد ان كل حق حَسن، وكل باطل قبيح، مما يدفعنا الى التأكيد بان الحكم على حُسن الاشياء وقبحها ممكن بالعقل وسابق على ورود الشرائع الدنيوية. وفي مسألة حرية الارادة،يناقش مسألة نظرية الجبر والتفويض، أو القضاء والقدر التي احتار فيها فلاسفة الدين والعقيدة، وحين نادت المعتزلة بمبدا حرية الارادة الانسانية، فأ نهم اخذوها من قول الامام حين ذكر:( لو كنت مجبورا ًما كنت محموداًعلى احسان ولا مذموماً،على أساءة،وكان المحسن أولى باللائمة من المسييء).. ولكن أين لنا من الطائفيين والجهلة.. اليوم؟

ويقول الامام جعفرالصادق(ع)، في وصبته لابنه الامام الكاظم (ع):يابني كن للقرآن تالياً، وللسلام فاشياً، وعن المنكر ناهياً، ولمن قطعك واصلاً، ولمن سكت عنك مبتدئاً، فلا تلزم السلطان من غير ضرورة والا اصبحت لصا مثله، ولا تنحاز عن الحق، فموت عالم  أحب الى أبليس من موت  سبعين عابدا.. بينما نحن الذين ندعي الحقوق واسلامية المعرفة نقتل العلماء والمفكرين دون ذنب.كما قتل الرشيد موسى بن جعفر الصادق الذي لم يقبل منه ما اراد لسلطته من ظلم.. يا رشيد "الظلم فاشٍ ببابك".

 

وفي رسائلة كلها يشير الى عالمية الرأي لا الى محدوديته (أنظر فقه الصادق)..  ولا ادري كيف يدعي بعض الغلاة ان فكر الصادق كان مذهباً احاديا، في الوقت الذي تتلمذ على يده الامام ابي حنيفة النعمان (رض)  صاحب نظرية القياس والامام مالك بن آنس(رض)،واخذ من فكره وعلمه  أبنه الامام موسى الكاظم(ع) الكثير،فأين من يدعون بالشيعة والسُنة (التسميات البائسة)والاختلاف بينهما،فالفكر لا يُولد الا فكراً مثله وأن أختلفا في الرأي والقياس..  ومن تتلمذ على آيديهم هم نواة الفكر الاسلامي الصحيح وليس مرجعيات الدين الصامتة صمت القبور من اجل مصالحها لا الناس.. فهل رأيتموهم يوما خرجوا الى الناس وحدثوهم سوى الغطرسة والتقديس وما علموا ان ثورة الاحرار  أسقطت المقدس، ولكن أين اصحابهم الظلمة اليوم الذين بأسمهم ظلموا الناس والعباد وأكلوا الحقوق، وسرقوا بيت مال المسلمين وغيرهم،وأستأثروا بالسلطة بالحديد والنار..  ولم يراعوا دينا او قانونا او عرفا أو أخلاقا.. من اجل نفوسهم التي لا تؤمن بدين..  ولا بأنسانية الأنسان.. حين فرقت بين الحقوق..؟.

ورغم البحوث الكثيرة في نهج البلاغة ورسائل الامام الصادق في الاصول ووصاياه المُحكمة،وأبو حنيفة ونظرية القياس  تجدها كلها فكراً عالميا لم يقصد به جماعة المسلمين،بقدر ما يقصد به كل الناس دون تمييز.،فأن شرح ابن ابي الحديد يبقى يحتل الافضلية،لما فيه من وقائع تاريخية،وبحوث ادبية،ومناقشات فلسفية،فهو بحق منجم لكنوز دفينة لاتقدر بثمن. فهل سنجد من يدرس فكر الامام ليعطيه حقه في العلم والمعرفة، لا فقهاء الحقد والتخريف ؟.ناهيك عن المصادر الاخرى الكثيرة التي اتجهت بهذا الاتجاه العلمي والمعرفي لفكر أهل البيت والفقهاء المعتدولون والذي لازال لم يُحقق الا في بعض جوانبه الفقهية بعد ان تبناه غير العرب فأماتوا فيه ما يقصد ويريد.

اقترح تنظيم جمعية علمية في العراق محايدة يمثل فيها الجميع ممن أختلفوا خطئاً على طريقة اخوان الصفاء وخلان الوفاء لنزع الفكر المذهبي  الضيق من سلطة مرجعيات الدين وولاية الفقيه والجامعات الاهلية -ناقصة الآهلية - وتخليص الآيديولوجية الدينية الاسلامية من الافكار الوهمية بكل أتجاهاتها  والتي اماتت الفكرالمتطور والامل وصيرورة الزمن في التغيير.. أملا بألغاء المذاهب وتكوين الفكر الديني الآيديولوجي الواحد.. تمهيداً لفصل السياسة عن الدين.. وبهذا التوجه سنلحق بالامم المتقدمة بعد ان ننزع السلطة من ايدي المتخلفين في حكم الدولة.. الذي لا يؤمنون الا بمصالحهم الخاصة  والتفريق.

وتبقى المذهبية من صنع الأمبراطورية  العثمانية والايرانية الصفوية والقاجارية  الذين الصقوها لصقا بالشريعة الاسلامية وليس للدين من علاقة بها.. والتي اضافوا اليها الشعائر الصوفية العثمانية، والشعائر الحسينية الصفوية تحقيقا لمصالحهم لا الدين بدليل ان ايران تمنع الشعائر الحسينية في عاشوراء في بلادها الى اليوم لكن  تزجها عند الأخرين.. ومن هنا تمت العلاقة العضوية مركزة بين السياسة والدين، وبين الدعوة  والسلطة الفقهية..  كما عند أبن خلدون والماوردي وابن تيمية  وغيرهم.. وعند الكليني  وابن بابويه  والشيخ المفيد.

هذا هو الذي أجج الأختلاف والتنوع والتعدد والصراع المذهبي الذي تحول بفعلهم القصدي الى منهج موضوعي في منظور مستقبلي  فأحل بنا هذه النكبة الماضوية التي مزقت الدين والناس معاً.. فأين لنا من حاكم يعي حقيقة القصد والتدمير,

 

د. عبد الجبار العبيدي

................................

- أنظر قاسم حبيب جابر، الفلسفة والاعنزال في  نهج البلاغة.

 

 

منى زيتوننتابع في مقالنا اليوم الحديث الذي بدأناه في مقالات سابقة عن فلسفة "الطباع الأربعة" عند القدماء؛ حيث افترضوا عناصرَ أربعة أساسية هي النار والتراب والهواء والماء، لكل منها طاقة مختلفة الأثر في الكون وفي طباع البشر.

العناصر والطباع الأربعة

كان لكل عنصر رمز عُرف به عند القدماء؛ فرمز النار الصولجان أو العصا الغليظة (النبوت)، والسيف القاطع هو رمز الهواء، والقلب أو وعاء الماء هو رمز الماء، بينما رمَز الدرهم إلى التراب.

وعلى الأرض نجد كثيرًا من الماء، وكثيرًا من التربة المتماسكة التي يمكن أن نعيش عليها، وكثيرًا من الهواء، ولكن مع قليل من النار ومصادر الحرارة! فالماء والتراب يفرشان سطح الأرض وأعلى منهما الهواء، والقريب منه لسطح الأرض فقط صالح أن نتنفسه، وهذه إشارة إلى محدودية الفكر النافع! وأعلى وأبعد منه النار (الشمس)؛ نستشعر أثرها كالروح ولا نلمسها، كما أن باطن (لب) الأرض نار. وأثر النار في كوكبنا كأثر الروح في الجسد، كمها قليل، ولكن دونها لا تكون حياة.

وهذه الطباع تتفاوت كثيرًا؛ فمن حيث القوة الجسمية يترتبون من الأعلى للأقل: النار، ثم التراب، ثم الماء، ثم الهواء، وكذلك من حيث القوة النفسية، فالناريون كسهام النار لا يعرفون اللف والدوران ولا يخشون أحدًا من الأساس ليكذبوا عليه، وهم أعلى جاذبية وحضورًا وظهورًا؛ فالنار تُرى ولو كانت فوق جبل، أما العنصر الهوائي فهو الأكثر خداعًا والأقل جاذبية؛ فالهواء فأمامك ولا تلحظه! أما من حيث السرعة فالنار والهواء أسرع العناصر، والتراب أبطأها.

ولسيادة طبع ما أثره في شخصية صاحبه؛ ولكل طبع جانبه الإيجابي وجانبه السلبي، والإنسان يمكن أن يكون صالحًا بأن يُسير الطبع الغالب عليه في الاتجاه الإيجابي، ويمكن أن يكون طالحًا بأن يستسلم للجانب السلبي من الطبع.

فلأن الهواء هو العنصر الذي يستحيل امتلاكه، وهو رمز الفكر، قالوا بتوارد الأفكار بين البشر، وأن للأفكار أجنحة! لذا فإن أصحاب الطبع الهوائي هم الأعلى إنسانية والأكثر تشاركية بين باقي البشر، والأكثر تفكيرًا، ولكنهم أيضًا قد يكونون الأكثر ثرثرة ونشرًا للإشاعات! والهوائي قد يكون مفكرًا وحقوقيًا وقد يكون مخادعًا وربما جاسوسًا!

ولأن الأرض هي أكثر ما يتملكه البشر، يظهر الانكباب على الذات والأهل والشئون الخاصة للفرد في أجلى وأوضح حالاته لدى أصحاب الطبع الترابي الأرضي، فهؤلاء الترابيون هم الأكثر استقرارًا وهم أيضًا شديدو البطء في اتخاذ القرارات.

بينما من يسود لديهم الطبع الناري هم الأكثر قوة والأقدر على القيادة والأجدر بها، والأسرع في اتخاذ القرارات، والناري قد يكون مسئولًا وقد يكون مستبدًا. وأصحاب الطبع المائي هم الأكثر حنانًا ولطفًا، وهم أيضًا الأكثر تلاعبًا وتحايلًا! والأكثر قدرة على بث أفكارهم في أدمغة غيرهم حتى يستشعروا أنها أفكارهم الخاصة! وأصحاب كلا الطبعين أقل اهتمامًا بأحوال البشر عامة من هوائيي الطبع، ولكنهم لا يبلغون في ذلك مبلغ الترابيين المنكبين على شئونهم، فيتوسطون بين هؤلاء وأولئك؛ ذلك أن النار (الطاقة) والماء جزء منهما مشترك وعام بين البشر، وجزء آخر منهما قد يكون ملكية خاصة.

امتزاج الطباع

دائمًا ما يكون البرج الذي يتفق طبعه مع الطبع العام للفصل الذي يوجد فيه، هو الأعلى في هذا الطبع من البرجين الآخرين الذين على شاكلته؛ ومن خلال الطبع الرئيسي والطبع الفرعي لكل برج يمكن فهم الكثير عن طاقته، ويمكن وصف طباع الأبراج وفقًا لامتزاج الطاقة الرئيسية لها مع طاقة فصل السنة التي توجد فيها على النحو:

الأسد: ناري، والحمل: ناري ترابي، والقوس: ناري هوائي.

الثور: ترابي، والعذراء: ترابي ناري، والجدي: ترابي مائي.

الحوت: مائي، والسرطان: مائي ناري، والعقرب: مائي هوائي.

الميزان: هوائي، والجوزاء: هوائي ترابي، والدلو: هوائي مائي.

وعليه فالأسد برج ناري الطبع مرتين؛ مرة لأن النارية طبعه الخاص، ومرة لأنها طبع فصل الصيف الذي يحل فيه، ما يجعله أقوى الأبراج ومواليده أكثرهم شجاعة وجسارة، وهو لذلك طالع القادة العسكريين العظام عبر التاريخ كنابليون وخالد بن الوليد، ويليه الحمل في الدرجة الثانية من النارية، حيث يوجد في فصل ترابي، والتراب يلي النار من حيث قوة الطبع، فالحمل ناري ترابي، وهو أكثر الأبراج النارية مادية، وامتزاج طاقة النار التي تمثل القوة مع طاقة التراب التي تمثل الثبات والاستقرار هي أفضل طاقة لتأسيس ‏كيان قوي وثابت، فالخيمة تُقام على أربعة عصي –والعصا هي القوة وهي رمز طاقة النار- وهذه العصي ‏تثبت في التراب، ولذا فالحمل هو طالع الأباطرة الكبار الذين أسسوا دولًا كبرى، كالإسكندر وقورش وغيرهما، وكان أصحاب طالع الحمل من الأباطرة يفتخرون به ويلقبون بذي القرنين، بينما القوس هو أقل أبراج المثلث الناري نارية، حيث هو البرج التاسع في دائرة البروج وهو آخر أبراج فصل الخريف، وتمتزج ناريته بهوائية الخريف، تعبيرًا عن تقدم الإنسان في العمر والعقل، فالقوس هو مزيج من القوة (النار) والعقل والفكر (الهواء)؛ لذا فهو طالع الكتاب والمفكرين الكبار على مستوى العالم.

وكذلك الثور هو الأعلى ترابية من العذراء والجدي، لأنه البرج الترابي الذي يقع في الربيع، وهو الفصل الترابي، وهو لذلك بطئ ثابت يحب جمع المال، والميزان هو الأشد هوائية من الجوزاء والدلو، لذا فهو يفكر ويفكر ويصعب عليه اتخاذ قرار! فلا تتوازن كفتاه بسهولة، والحوت هو الأعلى مائية من السرطان والعقرب، لأنه برج مائي يقع في الشتاء، وهو الفصل المائي، وهو لذلك الأكثر عاطفية، والأبعد نوعًا عن التفكير المنطقي.

والسرطان ماء ساخن مشاعره متدفقة، ويستحيل عليه ضبطها؛ لذا فهو كثير ‏الشكاية. والجوزاء منفصم بين العقل والمادة! وطريقة تفكيره ساذجة نوعًا رغم كونه برج ‏هوائي بالأساس، ربما لأنه البرج الثالث في ترتيب البروج ويعبر عن مرحلة تفكير الأطفال ‏الصغار، ويمكن القول إنه كالأطفال يعتمد على مهارات تواصله العالية في تفاعله الاجتماعي أكثر مما يعتمد على التفكير الناضج. والعذراء تمتزج لديه الطاقتين النارية والترابية كالحمل، ولكن طاقته ترابية في ‏الأساس، وهو لذلك الأكثر مثابرة في العمل والتزامًا بالقوانين والنظم، كما شغالة النحل.‏

والعقرب والدلو هما مزيج من طبعين شديدي التنافر؛ وأعني الماء والهواء، فكيف ‏للعاطفة والعقل أن يجتمعا! فهما في صراع دائم داخليهما، لكن العقل أغلب عند العقرب ‏فهو الأكثر قدرة على التحكم في مشاعره من بين جميع الأبراج، وهذا عجيب بالنسبة لبرج ‏طبعه الأساسي مائي، أما الدلو فهو ثائر بدرجة أعلى وعقله قد يضعف أمام عاطفته، لكن ‏امتزاج الطبعين المائي والهوائي يجعلهما الأعلى قدرة بين سائر الأبراج على التخلي؛ فهما الأكثر ‏قدرة على إحداث تدمير للوضع القائم لبناء غيره، رغم أن كل منهما يقع في منتصف الفصل ‏الذي يوجد به، والمفترض أن تكون طاقته أكثر ثباتًا!‏

وهذا الامتزاج الطاقي يتزايد في مناطق خاصة من السماء، مثل المجموعات النجمية التي تقع بين درجات برجين، وأغلبها تكون منازلًا ممتزجة الطاقة للقمر، ومثل منطقة الامتزاج الطاقي الواسعة بين الجدي والدلو حيث يكون الجدي في الطالع، ولكن تعلوه جزء من المجموعة النجمية للدلو، وتمثل كف الدالي المبسوط، وتعرفها العرب باسم سعد بُلع، ثم تأتي مجموعة نجمية أخرى هي كتف الدالي الأيسر وتُعرف بسعد السعود، والأخيرة تقع بين درجات طالعي الجدي والدلو. وطاقة الدلو هوائية مائية، فهو مفكر ثائر وقادر على التخلي عن أي شيء لا يفيد، والجدي ترابي مائي، فهو قادر على تأسيس كيان مادي وريه حتى يثمر، ومن تكون هذه المنطقة الممتزجة مفعلة في خريطته الفلكية يكون إداريًا عظيمًا بالفطرة.

فمما ينبغي لفت النظر إليه أيضًا أن طاقة أي إنسان لا تتحدد ببرجه الطالع فقط، والذي يُعرف من تواجد المجموعة النجمية للبرج عند الأفق الشرقي في اللحظة التي وُلد فيها، ولا حتى برجه الشمسي فقط، والذي يُحدده تواجد الشمس في درجات هذا البرج يوم ميلاده، ولا برجه القمري فقط، والذي يُحدده تواجد القمر في درجات هذا البرج وقت ميلاده، ولا المنزلة القمرية داخل البرج القمري فقط، ولا غيرها من السمات الفلكية وحدها، فلكل إنسان منا خريطة فلكية شديدة التعقيد، وينبغي فحصها بالكامل، وهي تختلف لكل فرد منا عن الآخر، وحتى بين التوائم، فهي كبصمة الأصابع، كما أنه يستحيل أن يولد إنسان وطاقته كلها متركزة في برج واحد، أو في بروج ذات طاقة واحدة نارية كانت أو ترابية أو مائية أو هوائية. وما شرحته هي طاقة كل برج على حدة، ولكن كل فرد منا تتوزع طاقته بدرجات مختلفة وبأشكال مختلفة ما بين مجموعة من البروج.

كما أن هذه الطباع هي إمكانيات فطرية كخامات الجواهر، وما لم يعمل الإنسان عليها لتطويرها بشكل إيجابي ستبقى دون صقل، وعلى سبيل المثال فإنه ليس كل من تكتلت طاقته في برج الأسد سيكون قائدًا حربيًا كنابليون، ولا كل من تركزت في الحمل سيبلغ مبلغ الإسكندر، ولا قدرة القوس الفائقة على التعلم كل الأقواس يستغلونها ويستثمرونها فيصيرون كتابًا ومفكرين وأساتذة جامعات.

يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ

يقول تعالى عن الريح الصرصر العاتية التي أصابت قوم عاد: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا ‏بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:6-7].‏

ولي رؤية فلكية أود عرضها عن توقيت الزمن الذي أصاب قوم عاد فيه ‏العذاب، ووصفه في آية أخرى -غير آيتي الحاقة- بأنه كان يوم نحس مستمر ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا ‏عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: 19] رغم أنه استمر ما يزيد على الأسبوع، ‏والذي قيل إنه كان الأسبوع الأخير من الشهر العربي، وأنه بدأ يوم أربعاء وانتهى يوم ‏أربعاء، ويوم الأربعاء هو يوم كارمي لتسديد الديون وتلقي الجزاءات.‏

واللافت لي أن الآية وردت في سورة القمر، وتُذَّكِر في أولها بالآيات والنُذر، وبعدها ورد ذكر عذاب قوم نوح، والذي يحكي الفلكيون العرب القدامى عنه أن كواكبًا عديدة اجتمعت مع القمر في الحوت وهو أعلى الأبراج مائية، فهطلت الأمطار الغزيرة، وأضيف أنه ربما اقترب القمر من الأرض بشدة فجذب الماء من باطنها حتى تفجرت منها العيون؛ بسبب طاقته المائية التي نرى أثرها في ظاهرة المد في البحار.

 أما بالنسبة لقوم عاد، والذين ورد ذكر عقابهم بعدهم في السورة، فلمن لا يعلم فإن القمر في رحلته الشهرية حول الأرض يكون في وضع تربيع لزحل مرتين، إحداهما يكون فيها متزايدًا لم يصل للبدر بعد، والأخرى يكون فيها متناقصًا، وتقول العرب عن كلا اليومين الذين يحدث فيهما التربيع بين القمر وزحل إنهما يوما نحس، وخاصة عندما يكون القمر متناقصًا. أما ما أراه في تفسير "يوم النحس المستمر" فهو أن التربيع بين القمر وزحل قد استمر، فثبت القمر ولم يتنقل في المنازل، رغم أن الأرض بقيت تدور حول الشمس، ومن ثم كانت الشمس تشرق وتغرب، فبحساب الشروق والغروب فقد دارت الأيام والليالي، وبحساب ثبات القمر في وضعه واستمرار تربيعه لزحل كان يوم نحس مستمر.

وبالنسبة لما لقينا في سنتنا الكبيسة النحيسة 2020، فقد كان القدماء لا يحبون السنة الكبيسة وسنوات النسيء لأنها سنة تسوية كسور مستحقة، كما كانوا يتخوفون من السنة التي تبدأ يوم أربعاء، ويقولون إنها سنة كارمية؛ سنة سداد ديون، وسترتد فيها على كل إنسان أي إساءة فعلها في آخر يومًا ما، كما كانوا يقولون إن السنة التي تبدأ والقمر في الحوت هي سنة مرض وموت؛ لأن الحوت هو آخر دائرة البروج. وقد اجتمعت في سنة 2020 كل هذه العلامات!

رحلتنا للتعلم قاربت أن تنتهي

ولأننا قد تحدثنا عن هلاك قوم عاد فقد خطر لي أن أنهي المقال بأسطورة تتعلق بنهاية الكون، لا يكاد يعرفها أحد. تحدثنا عن طاقة التجمعات النجمية التي تُعرف ببروج أو كوكبات السماء، ولكن ما لم أذكره أن البروج الإثني عشر تتوزع على ستة محاور، كل محور منها له طرفان هما البرج والبرج الرقيب له؛ فهناك محور (1، 7) وهو محور الحمل/الميزان، ويمثل الأنا والآخر، ومحور (2، 8) وهو محور الثور/العقرب، ويمثل المال الخاص والمال المشترك، ومحور (3، 9) وهو محور الجوزاء/القوس، ويمثل السفر القريب والتعليم الأولي في الجوزاء والسفر البعيد والتعليم العالي في القوس، وهكذا.

ولمن لا يعلم فإن مدار دوران القمر حول الأرض ومدار دوران الأرض حول الشمس يتقاطعان كأي دائرتين في نقطتين وهميتين، تُعرفان بالرأس والذنب، وعند درجاتهما يحدث الكسوف والخسوف، ويكون هذان الرأس والذنب متقابلين تمامًا على أحد المحاور الستة للبروج. والرأس يمثل البدايات بينما الذنب يمثل النهايات.

وتقول الأسطورة إنه عند لحظة بدء الكون كان الرأس في الجوزاء، والذنب في القوس، وبما أن محور الجوزاء/القوس هو محور السفر والتعلم، فالبشر في هذا الكون في رحلة للتعلم، وأنه عندما تقارب الرحلة على نهايتها وتقترب نهاية العالم فإن اتجاه الرحلة سينعكس، وسيبدأ الكون في التحرك تجاه القوس.

واللافت أن العلماء منذ سبعينات القرن الماضي رصدوا بالفعل أن مجرتنا بالكامل وكذلك باقي المجرات التي تنتمي إليها مجرتنا تتحرك في اتجاه مركز المجرة التي تقع خلف المجموعة النجمية لبرج القوس، وقدروا هذه الحركة بسرعة 600 كم في الثانية، ولا يعلمون يقينًا مصدر هذا الجذب، فهو مجهول الهوية، وإن كانوا يسمونه بالجاذب العظيم!

وإلى تأملات أخرى إن شاء الله تعالى.

 

د. منى زيتون

........................

* مُستل من كتابي "نحو مجتمع عربي متحضر"

 

 

وعلي حبطيشالفكر الجزائري جزء لا يتجزأ من الفكر العالمي له مقوماته وخصائصه التي ينفرد بها عن بقية النماذج الفكرية الاخرى. ضف إلى ذلك فإننا نجد أن الفكر الجزائري يعود إلى الفترة التاريخية القديمة إذ أن البدايات الأولى لهذه الفكرة كانت مع الفترة الرومانية والأمازيغية  مرورا بالفترة  الأخرى مثل  العثمانية،الاستعمارية وما بعد الاستعمار. هذا ما يؤكده المشتغلون بالتاريخ الفكري والثقافي للجزائر أمثال شيخ المؤرخين " أبو قاسم سعد الله" في كتابه " التاريخ الثقافي للجزائر".وهنالك فكرة أساسية في المنتوج الفكري والفلسفي الذي أبدعه العقل الجزائري تتمثل أن كل طائفة فكرية في حقبة تاريخية معينة تعبر مرآة عاكسة للظروف والأحوال التي تعيشها. وكان جهاد القلم أداة نافعة قد سخرتها العقول الجزائرية من أجل المساهمة في العديد من المجالات. نذكر على سبيل المثال في الدفاع عن الهوية الجزائرية في ظل الاحتلال الفرنسي، إلى جانب ذلك بناء الوعي الجزائري خاصة بعد الفترة الاستعمارية – فترة الاستقلال- التي نجد أن الساحة الفكرية عرفت حيوية وخصوبة لا نظير لها مقارنة بالفترات الأخرى وذلك بظهور العديد من الشخصيات والأسماء التي جندت الفكر والفلسفة من أجل المساهمة في بناء الوعي الوطني ومحاربة الظواهر الفكرية والدينية الشاذة  والدعوة إلى ثورة نهضوية على جميع الأصعدة التي تكون نابعة من أصالة المجتمع الجزائري. ومن بين هذه الشخصيات التي كانت قد بدأت مسيرة الإصلاح والتقويم الفكري والثقافي "نوردين بوكروح " حيث نجده كانت انطلاقته في فترة الاستقلال وهي مستمرة إلى يومنا الحالي. وفي هذا البحث المتواضع سنحاول أن نتعرف على الأفكار والرؤى التي قدمها هذا المفكر الجزائري " نوردين بوكروح " وهذا ما يحيلنا إلى طرح الإشكالية التالية: ماهي أهم الأبعاد الفكرية التي حملها المشروع الإصلاحي "لنوردين بكروح"؟ أو بعبارة أخرى ماهي أهم التصورات التي تحملها النظرية الإصلاحية عند "نوردين بوكروح"؟ .

وتحت هذا الإشكالية العامة نجد هنالك مجموعة من الأسئلة الفرعية التي لها علاقة مباشرة بالإستشكال الأساسي وهي:

- من هي شخصية "نوردين بوكروح"؟ من هي أهم المحطات الفكرية التي مر بها في حياته؟

- ماهي الأعمال والمؤلفات التي كتبها " نوردين بوكروح"؟

- ماهي المراجع الفكرية التي استلهم منها " نوردين بوكروح " أفكاره؟

- ماهي طبيعة العلاقة الموجودة بين نوردين بوكروح و"مالك بين نبي"؟

- ماهي أهم الآراء التي قدمه "وردين بوكروح " في مبحث الاقتصاد، السياسة، المجتمع، الدين والحضارة؟

وذلك بالتطرق في المبحث الأول إلى المحطات الأساسية في حياته الفكرية والتي أثرت على نزعته الفلسفية. ثم في المبحث الثاني نعرج على أهم القضايا الفكرية  التي عالجها هذا المفكر وهي ثلاثة محاور جوهرية : السياسة، المجتمع، الدين والحضارة.

ومن أجل معالجة هذه المباحث اعتمدنا في المبحث الأول على المنهج التاريخي في سرد مختلف المحطات التي مر بها المفكر " نوردين بوكروح" واستعننا أيضا بالمنهج التحليلي والمقارنة وذلك في المصادر عنما نتحدث عن الفرق بينه وبن مالك بن نبي. أما في المبحث الثاني فالاستعمال الواسع كان للمنهج التحليلي وهذا يبرر بأن العملية هي تفكيك وتوضيح للآراء المختلفة التي قدمها "نوردين بوكروح " في إطار مشروعه الإصلاحي.

1- أسباب اختيار هذا الموضوع:

- الغياب التام للدراسات والأعمال الأكاديمية التي تعالج أفكار هذا المفكر. ونقص الدراسات في مجال الفكر الجزائري.

- الميل والنزعة الفكرية إلى هكذا أفكار والتأثر الكبير بالتيار الفكري الذي يدافع عليه هذا المفكر الجزائري.

- حضور البعد الهوياتي الأصيل في النظرية الإصلاحية التي أبدعها قلم " نوردين بوكروح".

2- أهمية هذا الموضوع:

- التعريف بالفكر" نوردين بوكروح" بصورة عامة وبمشروعه الاصلاحي بالصورة خاصة وأهم خصائصه.

- تبيان أصاله المشروع الاصلاحي الذي طرحه " نوردين بوكروح". وأنه امتداد للفلسفة الاصلاح التي بدأها المفكر والفيلسوف "مالك بن نبي".

3- العوائق:

- ندرة المادة المعرفية ( المصادر والمراجع).

- أغلبية المعارف باللغة الفرنسية.

المبحث الأول: نوردين بوكروح سيرة وفكر.

- السيرة الذاتية والفكرية "لنوردين بوكروح":

ولد نور الدين بوكروح في مارس 1950 بالميليه بولاية جيجل، وتخصص في الاقتصاد فنال دبلوم الدراسات العليا في باريس (CNAM, Paris) كما مارس الكتابة في بداية السبعينيات في مجلة "الجيش" الصادرة عن مفوضية الجيش السياسية.يتبنى نور الدين بوكروح توجهات ليبرالية حيث يميل إلى الاقتصاد الحر وإلى خصخصة المؤسسات حتى يتسنى للجزائر من وجهة نظره أن تنطلق في تنميتها الاقتصادية والاجتماعية الواسعة. ويعلن موقفه ضد الحزب الواحد وضد مركزية السلطة. أصبح بوكروح عام 1973 موظفا في وزارة المالية مكلفا بالدراسات ليصبح فيما بعد مديرا مركزيا. وبعد ذلك عين مديرا لصندوق التوفير الجزائري (Caisse d’Epargne Algerienne). وقد ترك بوكروح إدارة هذه المؤسسة بعد خلاف مع وزير الوصاية عبد الحق بن حمودة.

بعد إعلان الرئيس الشاذلي بن جديد مبدأ التعددية السياسية، أسس نور الدين بوكروح حزب التجديد الجزائري عام 1989. ويتبنى هذا الحزب أفكار مالك بن نبي الليبرالية، ومع ذلك فأفكار الحزب وخطابات نور الدين بوكروح لا تستثير الجماهير الجزائرية.

ترشح نور الدين بوكروح لانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 1995 إلى جانب اليامين زروال ومحفوظ نحناح وسعيد سعدي، وقد حصل على المرتبة الرابعة بمجموع 443144 صوتا.

تولى بوكروح وزارة المؤسسات والصناعات الصغيرة والمتوسطة من عام 1999 إلى عام 2001. ثم نقل منها إلى وزارة المساهمة وتنسيق الإصلاحات من عام 2001 إلى الآن.

- المنتوج الفكري " لنوردين بوكروح":

- أول مقال كتبه في نوفمبر 1970 في صحيفة المجاهد وعنوان المقال (الإسلام والتقدمية) كما مارس الكتابة في بداية السبعينيات في مجلة "الجيش" الصادرة عن مفوضية الجيش السياسية ثم أنشأ بوكروح دارا صغيرة للنشر باسم شركة النشر والإتصال. وقد نشرت هذه الدار بعض أعمال المفكر الجزائري مالك بن نبي. ومن بين ما نشرت دار النشر كتاب"تحيا الجزائر" وكتاب"الجزائر بين السيئ والأسوأ" وكلاهما بالفرنسية. كما استمر نشر بوكروح في أواسط الثمانينيات سلسلة من المقالات الصحفية. حزب التجديد الجزائري.

- "Vivre l'Algérie" (1989),

- "L'Algérie entre le mauvais et le pire" (1997),

- "L'islam sans l'islamisme" (2006),

- "Réformer peuple et pouvoir" (2012),

- "Que faire de l'islam ? (2013),

- "La nécessaire rénovation de l'islam" (2016)

- المصادر الفكرية" لنوردين بوكورح "

يعتبر "نوردين بوكروح" من بين الفلاسفة المخضرمين، إذ نجده قد قرأ العديد من النظريات الفلسفية التي كتبها المفكرين والفلاسفة الغربين والمسلمين. كل هذا قدم له المبادئ الأولى من أجل بناء قاعدة فكرية لمشروعه الإصلاحي.

- المصادر الاسلامية:

هنالك العديد من المقالات والكتب التي كانت تعالج القضايا الفكرية ذات الطابع الديني هذا من جهة. ومن جهة اخرى نجد أن " بوكروح" يستند على النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة من أجل إعطاء قوة برهانية للأفكاره. ومن بين مقالته:" الاسلام والتقدمية " ." الاسلام والشعب الالماني" . ومنه أيضا الكتب التي ألفها:" الاسلام بدون الاسلاموية " و" ضرورة الثورة في الاسلام" .

ونحد أن مالك بن نبي مرجعية أساسية "لبوكروح" وهذا ما يؤكده في العديد من الكتب واللقاءات التلفزيونية وكانت له شهادة عظيمة اتجاه مالك نبي. علاوة على ذلك يعبره انه الأب الروحي والنموذج الفكري الذي يحمل مشروع من أجل تحقيق النهضة الشاملة. لقد كتب "نوردين بكروح" العديد من المقالات التي تشرح أفكار بن نبي ونذكر على سبيل الاستئناس: "فكر بني نبي الحضارة ". ومالك بن نبي السنوات الأخيرة".

- المصادر الغربية:

"نوردين بوكروح" هو من بين المفكرين الجزائريين الفرنكفوني الذي عبر عن أغلب أفكاره باللغة الفرنسية وإلى ضف إلى ذلك فإن تكوينه كان في فرنسا. وكان التأثير الغربي ظاهر جلي في فلسفته بصورة عامة وهذا يتجسد في كتابته ومختلف الاستشهاديات التي نجده في مقالاته مثل خاصة في مقاله الأول: " الاسلام والتقدمية " وأيضا في الآراء التي كان يدافع عليها عندما أنشئ حزبه السياسي: الدفاع على الرأسمالية، الليبرالية، الاقتصاد الحر، الخصخصة،انتقاد الحزب الواحد....و هذه الأفكار هي من المجتمع الغربي.

المبحث الثاني: الفكر الإصلاحي عند "نوردين بوكروح".

- المجال الاقتصادي:

كان "نوردين بوكروح" صاحب نظرة اقتصادية لبرالية رأسمالية وهذا يظهر عند انقداه للفلسفة الاقتصادة التي كانت في عهد الحزب الوحد عبر مقاله الذي كتبه سنة 1970 بعنوان " الاسلام والتقدمية " في جريدة " المجاهد" الناطقة باللغة الفرنسية.  أين انتقد السياسية الاقتصادية التي كانت أنا ذلك القائمة على الاشتراكية. ثم أتبعها بالمقال الثاني " بعنوان " البقر الحالوب".  أين عرج إلى أن الفلسفة الاشتراكية تولد نوع من الاتكالية السلبية وتزرع الخمول والفشل الذهني في المجتمع. كانت "نودين بوكروح" يدعو الى المبادئ الاقتصادية التالية:

- تحرير الاقتصاد الوطني من سلطة الفلسفة الاشتراكية

- الدعوة الى الرأسمالية والاقتصاد اللبرالي

- خلق جو المنافسة والحيوية الاقتصادية في القطاع الخاص.

- إعطاء حرية اكبر للقطاع الخاص.

- المجال السياسي:

لقد عرف بوكروح منذ عهد النظام الواحد بالكابة في الحقل السياسي. فكانت البداية بإنتقاد سياسية الحزب الواحد الشمولية التي ترفض الأفكار المعارضة. وكان هو من أصحاب الدعوة إلى التعدديةالحزية  والحرية السياسة والتعبربية وهذا كله في عهد هواري بومدين ثم عندما جاءت  فترة  حكم الشالي أين كان الصراع السياسي بينه وبين المؤسسة العسكرة شديد جدا إذ أنه كان قد إنتقد الرجل الثاني في النظام الجزائري أنا ذلك وهو الجنرال " بتشين" حيث إتهم هذا الأخير بالفساد واستغلال المنصب للتحقيق المصالح الشخصية. وهذا ما أدى باوزارة الدفاع الوطني برفع دعوة ضذ " نوردين بوكروح ". وكانت أيضا كتابته تهاجم السياسة الاقتصادية التي كانت تطبق في تلك الفترة والتي خلفت مديونية كبيرة. تعتبر السبب الأساسي في الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . ثم بعد دخول الجزائر في العشرية السوداء برز كالشخصية وطنية بارزة تحاول أن تقدم حلل للازمة السياسية والأمنية التي كانت الجزائر تتخبط فيها وذلك عبر تقديم مشروع نهضوي متكامل الجوانب، حاول تجسيده عبر تأسيس حزب سياسي. لقد كان موقف "بوكروح" معارض لفكرة توقيف المسار الانتخابي. وبعد اعلان "اليمين زروال"  عن تاريخ الانتخابات الرئاسية كان من المترشحين لكن انسحب وكان الرئيس "عبد العزيز بوتفليفة" من بين المترشحين. وبعد إعلان النتائج  وفوز هذا الاخير استدعاه للمشاركة في الحكومة سنة 1999 باستلام حقيبة التجارة وبعد خروجه 2005.  عاد إلى مجال الكتابة والنقد السياسي "النظام البوتفليفي". وتتلخص أرائه ما يلي:

- غياب الاستراتيجية في جميع السياسات المتبعة من طرف الدولة.

-  الاعتماد على مبدأ سياسة الاستغلال اللاعقلاني للأموال العمومية.

- استعمال الدستور كورقة ضغط من أجل استمرارية حكمه.

- غياب الكفاءة والاطارات السامية في مختلف هياكل الدولة.

- المجال الاجتماعي والديني:

أما في المجال الاجتماعي فإن" نوردين بوكروح" من بين الذين لهم طريقة نوع ما خاصة في عرضه لأرائه الاجتماعية وهو يعتمد نوع ما الاسلوب التهكمي الهزلي في تناول المواضيع الاجتماعية. "نوردين بوكروح" يرى أن النقد هي  المرحلة الاولي في عملية النهضة والاصلاح في المجتمع. البداية عنده كانت بالاكتشاف المشاكل المختلفة التي كان يتخبط فيها المجتمع الجزائري والمتمثل:

- ذهنية الفرد الجزائري القائمة التي استقبال كل المفاهيم الشاذة مثل الجهوية، الكسل،  غياب الضمير الوطني، عدم احترام القانون بكل أشكاله......

- سيطرة الفهم الخاطئ لدين والذي ولد كوارث فكرية أدت بالمجتمع مثل الشعوذة، الدجل الديني.....

- قبول العقل الجزائري لكل فكرة يقولها شخص ليس له مؤهلات ويعمد في ذلك على العاطفة الدينية والعادات القديمة. والعرقية والعصبية.

- تغلغل ظاهرة الفساد في جميع قطاعات الدولة والمجتمع وأصبح الفرد الجزائري يمارسه كسلوك عادي يرى فيه أنه يأخذ حقه من هذه الدولة التي سلبته.

- أصبح الفرد الجزائري ينتقد الدولة من أجل سببين هما لا انه لم يستفد منها أو لأنه أستفاد لكن ليس بالمقدار الذي أراده. وهنا غياب الروح الوطنية في ذهنية الفرد الجزائري.

- استعمال العقل في قراءة المجتمع والدين. ومحاولة التوفيق بينهما

ثم بعد عرض المشاكل التي يعاني منها المجتمع الجزائري قدم لنا مجموعة من الحلول:

- لابد من مشروع فرد متكامل الجوانب. وهنا دعوة إلى الاستثمار في العنصر البشري والمادي في نفس الوقت.

- الدعوة إلى مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب. وهذا بالاعتماد على مبدأ الكفاءة بمعنى أن لابد من رجل ذو رؤية استراتيجية.

-  الدولة والمجتمع مفاهيم تقوم على تخطيط ممنهج من طرف أشخاص ذوي كفاءة.

- تصحيح الخطاب الديني واخراجه من الشعوذة  والدجل. إلى خطاب أكثر عقلانية ومنطقية.

- المشروع الاصلاحي عند بوكروح  يقوم على فكرة الفهم المتحضر والعقلاني للمفاهيم التالية: " الدين"، " المجتمع" و" الدولة".

- الخطاب الديني حسب التصور البوكروحي يقوم على الفهم العقلاني المنطقي وهو يدعو إلى تجاوز الفهم السطحي الذي كان سبب في ظهور الأفكار الشاذة مثل الشعوذة.

- الكفاءة والتخطيط الاستراتيجي هي المبادئ الأساسية التي بها نبني الدولة والمجتمع.

- الاستثمار في الفرد هو من بين العوامل التي تجعل تدفع بحركة التنمية.

- هو يدعو إلى مشروع المؤسسات الدائمة. لأن المؤسسات تبقى والأشخاص يموتون.

- الدعوة إلى تطهير المجتمع من الأفكار الشاذة فكريا وزرع الوعي والروح الوطنية بين الأفراد.

 

حبطيش وعلي

أستاذ مرسم في التعليم الثانوي - الجزائر

......................

المصادر والمراجع:

1- https://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/25616a5c-870e-4ba0-844a-f6088a5fbe93

2- https://fr.wikipedia.org/wiki/Noureddine_Boukrouh

3-

https://books.google.fr/books?ei=GOTVVP2TNJPB7Aai_oHYDg&hl=fr&id=f9NyAAAAMAAJ&dq=Noureddine+Boukrouh+1950+Milia&focus=searchwithinvolume&q

4- https://ar.wikipedia.org/wiki/نور_الدين_بوكروح

5- https://www.capalgerie.dz/video-noureddine-boukrouh-revolution-citoyenne-perenne-ou-hirak-passager/

6-    https://www.aljazairalyoum.com/الأخلاق-و-الأمــــم-2/

7- https://www.aljazairalyoum.com/هذا-حال-امتنا/ )

8- https://www.tsa-algerie.com/ar/مساهمة-بوكروح-الزدّام-بوتفليقة-الع/

9- https://www.tsa-algerie.com/ar/الجيش-أتعبته-السياسة-ولذلك-أقلقه-بوكر/

10- https://www.aljazairalyoum.com/ردا-على-تصريحات-الناطق-باسمه-نور-الدين/ )

11- https://www.aljazairalyoum.com/حتمية-تجديد-الاسلام-لـ-نورالدين-بوكروح

 

 

سناء عبدالقادر مصطفىيعرف كل دارس للاقتصاد السياسي الماركسي هناك أسلوبان لزيادة فائض القيمة الذي يحصل عليه في عملية الإنتاج:

1- إطالة وقت العمل المطلق أو مضاعفة تكثيف العمل “فائض القيمة المطلق”.

2- خفض وقت العمل الضروري “فائض القيمة النسبي”. ويتعلق كلا الأسلوبان بمسألة أجر الكادحين.

اطالة وقت العمل

لقد قُلص وقت العمل في البداية بعد ثورة أكتوبر ثم أصبح يطول بالتدريج. وأتذكر حين كنا تلامذة في المدرسة قمنا بتبديل قيادات فرق منظمة الطلائع دون إرادة، ووقتها رددنا عن ظهر قلب وطبّلنا بأن وطننا هو البلد الذي يوجد فيه أقصر يوم عمل في العالم ولكن لم يكن هكذا في الواقع . إذ أصبح يزداد عدد أيام العمل؛ فبدلاً من الخمسة أيام كان قد أدخل نظام الستة أيام وفي سنة 1940 أدخل نظام السبعة أيام عمل في الأسبوع بثمانية ساعات عمل (يعمل العامل سبعة أيام ويرتاح يوم واحد وسمي ببرنامج العمل المنزلق. المترجم). كما انقضت إجازات العمل التي أمدها شهر واحد والتي وُعد بها بعد الثورة إلى 12 يوم عمل. وأنقص عدد أيام الأعياد، فقد ألغيت في البداية الأعياد الدينية- عيد الفصح وعيد ميلاد المسيح وأخذوا بعد ذاك بشطب الأعياد الثورية، إذ اصبح يوم 22 كانون الثاني (يناير)- الذي كان ذكرى “الأحد الدامي” في 1905 يوم عمل(ألحق به فيما بعد 21 كانون الثاني- ذكرى وفاة لينين)، 18 آذار(مارس)- يوم كومونة باريس، كما توقفوا عن الاحتفال بذكرى ثورة شباط(فبراير) 1917 ويوم الشباب العالمي. وأختصر بهذا الشكل عدد أيام العطل الرسمية في الاتحاد السوفيتي بالإضافة إلى الإقلال من تنظيم أيام العمل التطوعية في أيام السبت والأحد لأنها أيام عمل دون أجر. ومن أجل هذا المقرر أو المدخل بشكل أعوج عن طريق إطالة وقت العمل الذي أعطى بحق الزيادة المناسبة للمنتج الفائض فقد أدخلت النومينكلاتورا انضباطاً صارماً في العمل. وهنا بدأ لينين الذي رفع كما نذكر الحملة ضد العمال الذين أرادوا خطف الكثير لأنفسهم وإعطاء الدولة أقل.

كانت المهمة التي أحدثت من قبل الطبقة الحاكمة بالضد تماماً: الخطف للنفس أكثر وإعطاء الكادحين أقل ما ممكن. قام ستالين بإدخال مثل هذه الشرعية القاسية والمعادية للعمال التي لم تعرفها أوروبا منذ زمن بعيد. فقد كان يقدم للمحاكمة حسب مرسوم رئاسة مجلس السوفيت الأعلى في الاتحاد السوفيتي الصادر في 26 حزيران (يونيو) سنة 1940 كل من تغيب عن العمل وكذلك يوضع في نفس المستوى معه كل من تأخر عن العمل 20 دقيقة، إذ يحكم عليهم بالعمل الإجباري. كما أدخلت مراقبة صارمة على إعطاء الأطباء استمارة مرض في حالات المرض الجدية فقط كما هو الحال في معسكرات الاعتقال، فقد وضع معدل لإعطاء راحة عن العمل بسبب المرض من قبل الأطباء في المستوصفات .

يظهر تأثير الانضباط الهام على شغيلة الاتحاد السوفيتي بواسطة دفاتر العمل ووثيقة وصف الشخصية الذائعة الصيت في الاتحاد السوفيتي. أدخل استعمال دفاتر العمل لجميع العاملين في الاتحاد السوفيتي، إذ يسجل فيها جميع تنقلاته أثناء الخدمة ، فبدون دفتر العمل لا يقبل المواطن السوفيتي في العمل وبدون إظهاره لا تجري معاملة التقاعد. كما يجب أن توقع وثيقة وصف الشخصية بـ “مثلث التواقيع” (ويقصد بمثلث التواقيع- توقيع رئيس العمل ولجنتي النقابة والحزب في مكان العمل أيضاً. المترجم) التي بقيت مطلوبة لوقت طويل أثناء التقديم للعمل وألغيت هذه القاعدة شكلياً بعد ذلك لأنهم أخذوا بنظر الاعتبار طلب المعلومات بشكل أكثر خدمة للغرض وغير رسمي من مكان العمل السابق إثناء التقديم لعمل جديد. مع أنهم لحد الآن يطلبون وثيقة وصف الشخصية لأسباب مختلفة جداً، إذ تستخدم كالسوط الذي يحث العامل على العمل.

تكثيف وقت العمل

إن مشاكل تكثيف العمل بعد انتصار الثورة البروليتارية من وجهة نظر ماركس وأنجلس يجب أن لا توجد عموماً لأن جميع الشغيلة سوف يعملون بجميع قواهم كي يصبحوا مالكي كل شئ وسوف يعملون لأنفسهم. فهذا لم يحدث بعد انتصار الاشتراكية الحقيقية بالضبط. وبما أنه سقطت الفرضية، فقد سقطت النتيجة أيضاً.ولم تخفِ قيادة النومينكلاتورا منذ زمن بعيد أن رفع إنتاجية العمل لدى العمال والكولخوزيين هي مسألة من الدرجة الأولى في ظل الاشتراكية. وأول من قال هذه الفكرة هو لينين عشية ثورة أكتوبر حيث فكر بجدل حول ماذا يجب العمل في حالة القدوم للسلطة . لقد أعلن في كتابه “الدولة والثورة” أن الشغيلة السوفيت “لا يمكنهم الاستثناء عن المرؤوسية والمراقبة والمراقبين والمحاسبين”. فقد نبه لينين بمعنى خفي بأنه في ظل الاشتراكية “إن التنحي عن هذا الحساب الشعبي العام والمراقبة يجعل منه بالضرورة صعب بحيث لا يصدق ومع هذا الاستثناء النادر سوف يصاحبه على الأرجح عقاب سريع وجدي، كما يجب ملاحظة القواعد البسيطة والأساسية لكل حياة اجتماعية بشرية التي تصبح مثل العادة بسرعة جداً”. يفهم من قواعد الحياة الاجتماعية البشرية هنا ، ليست ثقافة السلوك في الاماكن العامة وإنما الانضباط في العمل غير القابل للإعتراض في ظل وجود “العمال المسلحون الذين هم عبارة عن الهيئآت التأديبية الحكومية (العمال الحقيقيون- أناس آخرون لأنهم بدون أسلحة ، فمن الذي يخضع للمراقبة ويشرف على المحاسبين ويَتَعَرض “للعقاب الصارم” بسبب العمل المتهاون) . إن سياق أفكار لينين مفهوم ، لأن تعويد العمال على المراقبة والعقاب القاسي هما اللذان يعودان العمال على الإنتاجية العالية لصالح الدولة السوفيتية ، فلم يكن هناك أي شئ جديد في هذه الأفكار .

تميزت السنوات العشر الأخيرة التي جرت فيها الحرب العالمية الأولى باهتمام كبير في صناعة روسيا القيصرية بنظام تكثيف العمل الذي أعد في الغرب الرأسمالي وبالأخص نظام تايلور. فقد ترجمت إلى اللغة الروسية ونشرت الكتب المهمة لتايلور، كما قام المؤلفون الروس بنشر الأفكار التايلورية بين الجماهير مقدمين اقتراحاتهم بإدخالها في مصانع البلاد. وكما كان متوقعاً فقد انتقد لينين بشدة هذه الأفكار وشتم التايلورية ووصفها بـ “النظام العلمي لعصر العَرَقْ”. والحقيقة هي أنه قبل الثورة في سنة 1914، لاحظ لينين الثاقب الذهن في غموض، أن النظرية التايلورية “بلا معرفة وضد إرادة مؤلفيها، لأنهم يهيئون ذلك الزمن حين تأخذ البروليتاريا بيدها جميع عناصر الإنتاج”. وهذا صحيح فبمجرد أن حل هذا الزمن بعد الانتصار في الحرب الأهلية ، إكتشف لينين فجأة في نظام تايلور الرذيل جملة من الفضائل، فَتَحَّت إسم “تنظيم العمل العلمي” أصبح هذا النظام يدخل بنجاح في الاقتصاد الوطني السوفيتي.

إنتهت الحرب الأهلية في القسم الغربي لروسيا في تشرين الثاني سنة 1920 وافتتح مجلس النقابات المركز في شهر آب (أغسطس) سنة 1920 معهد العمل المركزي في موسكو . وبادرنا التعبير الستاليني عن أن الشغيلة السوفيت هم لوالب، وأعلن مُنظمو المعهد بأنهم ينظرون للعمال “كاللوالب ... كالماكينات”. وفي شهر كانون الثاني (يناير) من العام 1921 عقد في موسكو المؤتمر الأول لعموم روسيا حول مسائل التنظيم العلمي للعمل. لقد طرح السؤال بشكل علمي حول كيفية الحصول من العامل السوفيتي على إنتاجية عمل قصوى. فقد ألقى الفسيولوجي ف. م. بيختيروف Bekhteroff محاضرة عن الاستخدام الرشيد لقوى العمل البشرية. ولقد بلغ معهد العمل في غضون ذلك نجاح علمي جدي بوضعه جميع حركات العامل تحت “الضربة” و “الضغط” وبعد ذلك أعد “ميكانيكية الحياة للضربة والضغط”. وقد نظر التايلوريون السوفيت الجدد بتعالي على رائدهم معلنين أنه بالرغم من أن تايلور قد تناول مختلف مشاكل التنظيم العلمي للعمل ولكنه لم يبحثها حتى النهاية وتمكن من إعطاء مجرد إسمه لـ “المصطلح الكرية”.

وأصبحت مؤسسات التايلوريين الجدد تنتشر في الاتحاد السوفيتي . فقد سجل في العام 1925 ما يقارب 60 معهد علمي للعمل في البلاد، ولتنسيق عمل هذه المعاهد اضطر لتشكيل المجلس المركزي لتنظيم العمل العلمي (سوف نوت)؛ فجميع هذه المعاهد الموقّرة انشغلت بضغط وقت العمليات الإنتاجية. إذ درست كل حركة للعامل وسعت إلى تكثيف وقت عمله إلى أقصر حد. وقد رَوَّج المنظرون السوفيت للتنظيم العلمي للعمل ذو المظهر العلمي بأن روّاد العمل أنفسهم سوف يقترحون بإطالة يوم العمل واختصار عدد الأعياد حتى تصبح هذه الخطوط الناقلة أكثر ملائمة لتصور ماركس عن تنظيم العمل التقدمي. غير أنه لدقة كلمة “الخط الناقل” فقد أبدلت في الصناعة بتعبير “الخط التجميعي”.

وقد أعلن لينين قبل هذا أن رفع إنتاجية العمل هو الشرط الحاسم لانتصار الاشتراكية على الرأسمالية . ومنذ ذلك الحين يبقى المطلب العالمي لتكثيف العمل الشعار الخالد لطبقة النومينكلاتورا . ولضمان تكثيف العمل تستخدم النومينكلاتورا نظام ضبط العمل . على الرغم من أن الحديث عنه ليس “بالعصا” ولكن “بالوعي”، وفي الحقيقة فإنه مقام على إرتعاب الشغيلة أمام العقاب، أمام عصا المراقبون النومينكلاتوريون ، ولم يعلن لينين فكرة تشديد نظام العمل فقط ولكن بدأ بإستخدام إجراءات ضبط العمال فوراً بعد أن بان إنتصار البلاشفة في الحرب الأهلية . وفي 27 نيسان(أبريل) 1920 وَقَّع لينين مرسوم قوميسارية الشعب “حول النضال ضد التغيب عن العمل” الذي أخذ بنظر الإعتبار واجب إكمال عمل الساعات التي تغيب فيها العامل عن العمل بوقت إضافي وحتى في أيام الأعياد وقد تبع الخطوة الأولى لشرعية الدولة السوفيتية المضادة للعامل قوانين أخرى تكلمنا عنها آنفاً . ولكن كيف تحدد النومينكلاتورا جوهر نظام العمل في ظل الاشتراكية الحقيقية؟

نستشهد بمجلة ل م ح ش ا س “الشيوعي”: “يشمل نظام العمل الإشتراكي واجب الإدارة بتنظيم العمل الرشيد من جهة ومن جهة ثانية واجب العمال والموظفين والعمل بقوة عطاء كاملة”. إذن يتطلب من الشغيلة الشئ القليل وهو قوة العطاء الكامل. فماذا يتطلب من الإدراة؟ وماذا يعني أن واجبها “تنظيم العمل بشكل رشيد”؟ و “معرفة تنظيم سير النشاط العلمي الذي تشرحه مجلة “الشيوعي”بأن الاستخدام الأقصى لوقت العمل وإقامة الأجواء العملية والمحاسبة والمراقبة”. الحقيقة هي اكتساب فائض القيمة. ومن وجهة نظر النومينكلاتورا فإنها ترى أن قضيتها عادلة جداً في الرفع الأقصى لمعدل إنتاج كل عامل . وبعد أن تشدقت في الصحف عن حماسة الشعب السوفيتي في العمل التي لا نظير لها ، تعتقد النومينكلاتورا في الصميم بأن هؤلاء الحثالة الكسولة يعملون بنصف قوتهم ولا يرغبون بعناد من إعطاء الدولة مثل هذا المقدار من المنتجات بقدر ما يتمكنون من الإنتاج ، فيجب بطريقة ما كسر مثل هذا الاضراب الإيطالي. وفي البحث عن الشتريكبريخوروف (وهم العمال الذين يعملون بغض النظر عن الإضراب الذي يقوم به رفاقهم في العمل ويسمون بكاسرو الإضراب. المترجم) عثرت النومينكلاتورا على مقولة ماركسية عن أن البرجوازية بهدف شق الطبقة العاملة تُنشأ إرستقراطية عمالية تطعمها بفضلات من أرباحها . لقد بدأوا في الاتحاد السوفيتي بإتخاذ إجراءات سريعة لإنشاء فئة إرستقراطية عمالية .

هل تعرفون متى وضع لينين لأول مرة أمام القيادة مسألة تنظيم المباراة الاشتراكية للعمال؟ كان ذلك في كانون الأول (ديسمبر) سنة 1917. وفي نيسان(أبريل) سنة 1919 حدثت “المبادرة الكبرى” التي مجَّدها لينين في أول يوم عمل طوعي (سِبوتنك) يوم السبت لأعضاء الخلايا الحزبية في محطة قطار موسكو لفرز البضائع وهناك جرت أيام العمل الطوعي حيث إلتقط لينين صورة لنفسه في يوم عمل طوعي في الكرملين في سترة مرفوعة الياقة ووضع كتفه تحت جذع شجرة يحملونها فتيان أقوياء البنية من حمايته الخاصة. تظهر المنافسة وكأنها طبيعية ولا يوجد شئ، ولذلك فإن الوثيقة اللينينية المهمة “المبادرة الكبرى” نشرت خلال عشرسنوات فقط من بعد المبادرة الكبرى. وعلى أساس أفكار المبادرة الاشتراكية نظمت النومينكلاتورا في البداية حركة روّاد العمل وبعد ذلك حركة الستخانوفيون ومن ثم فرقة العمل الشيوعي. وقد نشرت في الصحف واحدة بعد الأخرى كما استحسنت من قبل ل م أو اللجان المنطقية في ح ش ا س مختلف “المبادرات” والأساليب. إن مغزى هذه التهويشات تألف ويتألف على الدوام من شئ واحد هو ربط الشغيلة بمعايير إنتاج أكثر ارتفاعاً التي تبدو مع غيرها ليست وليدة خيالات موظفين من مكاتب النومينكلاتورا ولكن كالمعايير الواقعية التي يمكن تنفيذها في الحقيقة وحتى يمكن تنفيذها قبل الموعد المحدد من قبل روّاد الشغيلة. أي خدع استخدمت في هذا من قبل النومينكلاتورا ، يمكن إيضاح ذلك على سبيل المثال بالحركة الستخانوفية. وكما هو معروف بدأت الحركة ليلة 31 آب(أغسطس) سنة 1935 كأن قام عامل منجم “إيرمينو المركزي” في الدونباس ألكسي ستاخانوف Stakhanoff فجأة بتنفيذ ليس معيار عمل واحد ولكن 14 معيار لدفعة واحدة فجأة. حدثني بعد ذلك عامل من ذلك المنجم بأن ستاخانوف لم يتميز بأي تفان بالعمل؛ فقد أحب شرب الخمر ولكنه كان وديع الأخلاق وذا مظهر لطيف وصورته الجميلة أدت إلى أن يكلفوه بأن يصبح بطلاً. ومن ثم انهالت الأرقام القياسية لعمال المناجم كسقوط البَرَدْ. لقد وصلت إلى حد السخافة، إذ أعلن أن نيكيتا إيزوتوف Izotoff استخرج في وجبة عمل واحدة 240 طن فحم، منفذاً بهذا الشكل 33 معيار عمل. فهل تصدق أيها القارئ أنه بدون أية تحسينات تقنية يتمكن عامل واحد من تنفيذ عمل 33 عامل منجم مثله؟ من الواضح أن عمال المنجم أما تكاسلوا أو أن الخبر عن الرقم القياسي كان كذباً . ولكن الكتاب المدرسي السوفيتي للمعاهد العليا والجامعات عَلَّق على الموضوع بتفاهة : “لكن حتى هذا الرقم القياسي كان فيما بعد مرتفع جداً”. في الواقع فإن تنفيذ المعيار قبل الموعد المحدد له بـ 1000% لم يحدث ولم يعزموا على رفعه بهذا الشكل. ولكنه كان مرتفع في الجوهر. حصل روّاد الحركة الستخانوفية على أوسمة وانتخبوا إلى مجلس السوفيت الأعلى وانتقلوا إلى المراكز القيادية متمنين سلامة البقاء وأحسن الأمنيات لرفاقهم السابقين في العمل.

لم تعط محاولات النومينكلاتورا في تنظيم الحركة الستخانوفية بين الكولخوزيين بنفس الأساليب الديماغوغية النتائج المطلوبة. فبالإضافة إلى فقدان الثقة في وعود القيادة الحزبية لم يرض الكولخوزيون الإنزلاق في ضرب الأرقام القياسية من أجل آفاق غير واضحة في إنتظار مكرمة النومينكلاتورا. ولذلك اضطروا لإستحداث أوسمة مكافأة لا سابق لها في التاريخ للكولخوزيون حسب التسعيرة: إذ يمنح الكولخوزي وسام مناسب نتيجة لإنتاجية محددة، ولأكثر من هذه النتيجة يمنح وسام بطل العمل الاشتراكي وظهر أن مثل هذا النظام الفطن قادر على الإيتاء بشئ ما من النتائج الملموسة. لقد ضاربت النومينكلاتورا ليس على غرور الناس فقط، ولكن على الشباب غير المجرب. لقد نظموا من الشباب مجموعات سميت لسبب ما بـ “الفارس الفتى” بهدف مراقبة العمل وإظهار النقص فيه. ورؤساء (الفرسان) هي اللجان الحزبية بالطبع ، لذا فإن دور الخيول خصص للشباب أنفسهم وليس دور الفرسان. كما أنشأت فرق الشباب لبناء المشاريع المختلفة ، ولكن لا تطابق النتائج رغبات النومينكلاتورا دائماً لأن مدينة كومسومولسك على الآموراضطروا في نهاية المطاف إلى بناءها بمساعدة المساجين، ومع ذلك فقد حاولوا عصر الحماس من عندهم ، فقد وصف هذا جيداً سولجينستين في روايته “أرخبيل الغولاك” التي نشرت خارج الاتحاد السوفيتي بعيداً عن عيون الرقابة ، وكذلك في نفس الرواية التي حملت اسم “يوم واحد لإيفان دينيسوفيج” سمحت لها الرقابة بالنشرداخل الاتحاد السوفيتي ، ولكن بعد أن اضطر للتغني بمثل هذا الحماس المزيف. تتوخى جميع هذه الأساليب المختلفة بوعي وأكثر من هذا علانية غاية واحدة: هي رفع كثافة العمل بجميع الوسائل.

الأجر المنخفض

دخلت العلاقة بين مقدار أجور الشغيلة وأسيادها المستغليين منذ زمن بعيد في أبجدية الاقتصاد السياسي فقد صاغ دافيد ريكاردو (1772-1823) القانون الاقتصادي التالي: كلما كانت الأجور مرتفعة ؛ كلما انخفض ربح صاحب المشروع وبالعكس. تتصف أجور الشغيلة في جميع البلدان الاشتراكية بالانخفاض ، وفي نفس الوقت مستوى عال من الأرباح المعبر عنه في عدم تناسب الحصة العالية للتراكم مع أجور الشغيلة (تشكل هذه النسبة في الاتحاد السوفيتي ما يقارب 25% من الدخل القومي). معروف من الاحصاء مفهوم “معدل عدد أعضاء العائلة” الذي يتكون من زوج وزرجه وطفلين. ويحسب الحد الأدنى للمعيشة لمثل هذه العائلة بالحد الأدنى للموجود إذا كان رب العائلة يتمكن من إعالة الأربعة أشخاص جميعهم. ويغيب في الإحصاء السوفيتي مفهوم الحد الأدنى للمعيشة ، إذ يصطدم الشخص السوفيتي معه مجرد أن يقرأ في الصحف أنه في إحدى الدول الرأسمالية توجد نسبة ما من الشغيلة يحصلون على أجور أقل من الحد الأدنى للمعيشة ، فيذهل المواطن من أن هؤلاء العمال لم يموتوا من الجوع؟

فلم يخطر على باله بأنه هو وجميع هؤلاء الذين يحيطون به ، ومن يرى في الشارع -باستثناء أشخاص متغطرسين يركبون سيارات الليموزين- يحصلون جميعهم على أقل من الحد الأدنى للمعيشة ، لأن أي مواطن سوفيتي اعتيادي يمكن أن يعيل براتبه عائلة تتألف من أربعة أشخاص؟ إن معدل أجر العامل والموظف في الاتحاد السوفيتي حسب الإحصائيات الرسمية يساوي 182 روبل في الشهر قبل خصم الضرائب. يساوي هذا حسب سعر الصرف الرسمي السوفيتي (100 مارك ألماني يساوي 28,8 روبل) ما يقارب 630 مارك ألماني غربي. ومن هذا سوف تخصم الضرائب واشتراكات النقابة فيبقى ما يقارب 550 مارك. أما في ألمانيا فيستلم العامل بمعدل 5 مرات أكثر من ذلك.

يعيش ربع سكان الاتحاد السوفيتي في مناطق زراعية. ويتكون أجر الكولخوزي من 138 روبل شهراً وفي الحياة السوفيتية الواقعية فإن الأجر المتكون من 182 روبلاً في الشهر يعتبر راتباً جيداً. ومن الواضح أن معدل الأجر الحقيقي يشكل على سبيل المثال 100-120 روبلاً في الشهر. ولا يمكن أن يقال أنه رقم مضبوط لأن إحصائيات الأجور تعتبر سراً حكومياً لا يمكن البوح به. إن سبب هذه السرية أصبح مفهوماً من الواضح أيها القارئ.

وكيف يكون الأمر من رفع الأجور؟

تؤكد النومينكلاتورا أن زيادة إنتاجية العمل يجب أن تسبق زيادة الأجور. وتشرح الدعاية السوفيتية بشكل بليد وعن طيب خاطر بأنه في البداية يجب أن يكون الإنتاج أكثر ومن ثم حصول نقود أكثر وخلافاً لذلك ممنوع لأنه لا يوجد مكان تتقاضى منه النقود، وإنما يحصل عليها بعد أن يُصرّف الإنتاج فقط. يظهر البديل لأول وهلة كأنه مقنع ولكنه غير مفهوم؛ لماذا بهذا المقدار من البديهية لم يفهمها البلاشفة أنفسهم؟! وهكذا في مقررات المؤتمر الثاني عشر للحزب (سنة 1923) ثُبّت أن رفع أجور العمال يجر خلفه بالذات رفع إنتاجية العمل وليس بالعكس. أما في سنة 1926 فقد حدث نقاش في المؤتمر الحزبي الخامس عشر بين النومينكلاتوريين الستالينيون والمعارضة، وفي ظل هذا أعلنت المعارضة: “إن مسألة الأجوز يجب أن تطرح ليس بهذا الشكل، بأن العامل في البداية بجب أن يعمل بإنتاجية عالية ونتيجة لذلك يحصل على أجور مرتفعة، ولكن القاعدة يجب أن تكون العكس: إن رفع الأجور يجب أن يصبح مقدمة لرفع إنتاجية العمل”. فمن الواضح أن الدليل المزعوم لم يكن مقنع بهذا الشكل على الأرجح ونقول ببساطة: هو متكلف بالضبط. نفرض أنك عامل في بناء مصنع. هل تحصل على أجر بعد أن يصبح المصنع جاهز ويبدأ بإنتاج المنتجات وترد النقود من بيع دفعات المنتجات الأولى؟ إذا كان هكذا يمكن أن تموت من الجوع حتى إنجاز البناء. سوف تحصل على الأجر كل أسبوعين وبكلمات أخرى سوف يدفعون إليك مقدماً. والسؤال ليس من أين تأخذ السلفة (يأخذونها من هناك حيث تأخذ الدولة السوفيتيية النقود من مطبعة النقود الحكومية). السؤال حول شئ آخر: لماذا تستطيع الدولة دفعها لك؟ هي تستطيع عمل ذلك لأن الإنتاج في البلد لا يبدأ من المصنع الذي تعمل فيه. يجرى الإنتاج على قدم وساق بالإدخار والإكتساب مستمر لفائض القيمة الضخم. لا يجري الحديث عن أن النومينكلاتورا المعدمة يجب عليها في البداية أن تقوم بتصريف المنتج الذي أنتج من قبلك كي تسوي حساباً معك. يجري الحديث عن فائض القيمة هذه بالذات.

تعيش النومينكلاتورا على حساب رفع أحور الشغيلة ولكنها لا تريد التخلي عن الجزء المتواضع الذي إكتسبته من فائض القيمة. وهي لا تريد أن تعمل هذا حتى في توقعات رفع إنتاجية العمل اللاحقة، إذ تعي النومينكلاتورا شدة المشكلة كلها التي توجد بينها وبين الكادحين ولا تصدق أن الشغيلة سوف يكونوا مستعدين للرد على رفع إنتاجية العمل برفع الأجور، إذ تفضل النومينكلاتورا أسلوب الإكراه كحافز مادي للشغيلة وهو في نفس الوقت السوط المنظم والدعائي وليس كعكة العسل التي يمكن تقديمها للشغيلة. إن هذا ما يميزها عن الرأسماليين ويضعها في صف واحد مع الإقطاعيين ومالكي العبيد. ولكن تقتبس النومينكلاتورا في هذه الحدود أساليب الإستغلال المنتشرة في الرأسمالية، إذ يفصل خط دقيق في الاقتصاد السياسي الماركسي للرأسمالية بين شكل دفع الأجور حسب الوقت كأقل استغلالا وشكل الدفع حسب القطعة الذي يرمي إلى إمكانية عصر فائض القيمة بشدة أكثر .

هذا ما كتب في كتاب الاقتصاد السياسي المدرسي الذي أستشهد به آنفا : “يؤدي نظام العمل حسب القطعة إلى التشديد الدائم لكثافة العمل . ومع ذلك فهو يخفف من مراقبة صاحب المشروع للعمال . إن درجة شدة العمل تراقب هنا من قبل كمية ونوعية المنتجات التي يجب على العامل إنتاجها كي يقتني الوسائل الضرورية للمعيشة . ويضطر العامل لمضاعفة إنتاجيتة حسب القطعة فيكدح أكثر . لكنه حالما يبلغ قسم كبير أو قليل من العمال مستوى جديد وعال من كثافة العمل ، يخفض الرأسمالي من تسعيرة القطعة الواحدة”. و“يحاول العامل من الحفاظ على الكمية العامة من أجره بأن يكدح أكثر: العمل ساعات كثيرة أو إنتاج ... في حدود ساعة واحدة والنتيجة هكذا: كلما يعمل أكثر، كلما يحصل على أجر أقل . ومن هذا تتألف الخاصية الخطيرة للعمل حسب القطعة في ظل الرأسمالية”. ولكنه في ظل الاشتراكية الحقيقية لا يستخدم بالطبع أسلوب الإستدعاء هذا، المفضوح من قبل ماركس والماركسيين السوفيت؟ الجواب هو أنهم يستخدمونه وبشكل واسع. فحسب البيانات الإحصائية المنشورة من قبل الجهاز المركزي للإحصاء في الاتحاد السوفيتي في العام 1975 أن 56,2% من العمال الصناعيين والبنائين حصلوا على أجور حسب القطعة و 43,8% فقط حصلوا على أجور حسب الوقت. وعند ذلك أعلن أن طريقة العمل حسب القطعة في الاتحاد السوفيتي هي “الشكل التقدمي للأجور”.

ولكن كيف يكون الحال مع إستنكار الماركسية لهذا الشكل من دفع الأجور؟ تنسلخ الماركسية عنه بإستشهاد قياسي على أنه في ظل الاشتراكية يعمل العمال لصالح أنفسهم. حين تتقدم النومينكلاتورا بطلب رفع إنتاجية العمل في الاتحاد السوفيتي كي يسبق رفع الأجور، فهي تنطلق على الأرجح من أنه في الأسلوب البيروقراطي للتثقيف، يسجلون جميعهم كدارسين لـ “رأس المال“، أما واقع الحال فهم حتى لم يفتحوه. وفي الواقع ، نأتي بصيغة قالها ماركس بلسانه . إذ يستنتج أنه في ظل الاشتراكية يجب أن تزداد علاقة العمال بقيمة ما ينتجوه، معنى هذا علاقة فائض القيمة بالأجور التي يحصلون عليها. ولكن هذا هو ما يوجد حسب ماركس، إذ يعبر عن العدد الذي حصلنا عليه في نسب مئوية ومعدل فائض القيمة الذي هو معيار الإستغلال. هذا هو ذلك المعيار الذي تطلب النومينكلاتورا مضاعفته! وقد قلنا أن حساب الجهاز المركزي للإحصاء في الاتحاد السوفيتي لمعدل أجور العمال والموظفين أقل بأربعة مرات من أجور العمال المحسوبة من قبل إدارة الإحصاء الفيدرالية . لكن حتى هذا الرقم لم يشمل أكثر الفئات السكانية الميسورة: أصحاب المشاريع وملاكين الأراضي وقد شمل مقابل هذا العاطلين عن العمل وطلاب المدارس الصناعية في الإنتاج. وعلى العكس من هذا شمل الرقم السوفيتي النومينكلاتورا- وزراء ومارشالات ... الخ ولكن لم يشمل الكولخوزيين والمتقاعدين والطلاب . معنى هذا أن الفرق الحقيقي أكبر من هذا .

 

أ.د. سناء عبد القادر مصطفى