حاتم حميد محسنحتى وقت متأخر لم يكن الاقتصاديون مهتمين بسؤال التنمية المستدامة، بينما نالت هذه القضية اهتمام الباحثين الجغرافيين والايكولوجيين وعلماء الفيزياء وخبراء البيئة. لايوجد هناك تعريف واحد للتنمية المستدامة، فعلماء الفيزياء يركزون على مظاهر تختلف عن تلك التي يهتم بها البيئيون غير ان مختلف الاتجاهات تناولت جميع او جزء من العناصر التالية:

1- النظام المستديم هو النظام الذي يمتد زمنيا الى ما لانهاية. فهو نظام لا يتغير او في حالة توازن.غير ان المجتمعات الطبيعية تتألف من كائنات حية، فالتغيير هو جزء من عمليات الولادة والنمو والذبول. والتغيير (بما في ذلك التنمية) يكون مستديما في المجتمعات الطبيعية اذا لم يكن هناك ضياع في الموارد.

2- ينصب مفهوم الاستدامة خصيصا على الحاجة للحفاظ على المصادر الغذائية. فالنظام الزراعي في الدول المتقدمة صناعيا هو نظام مسبب للتلف والضياع، فمثلا القمح يُستعمل لإنتاج البروتين الحيواني، وفي الولايات المتحدة 78% من القمح الامريكي يُوجّه لإنتاج البروتين الحيواني لغرض الاستهلاك الانساني. والنباتيون يرون من الخسارة تحويل البروتين النباتي الى بروتين حيواني اذا اريد للتنمية ان تستديم.

3- ان الانظمة الزراعية تُعتبر مستديمة فقط اذا تمكنت من الصمود امام الضغوط. والانظمة الزراعية في الدول المتطورة هي عالية الانتاجية ولكنها بنفس الوقت معرّضة الى مخاطر كبيرة، فهي تعتمد على اساس وراثي ضيق. وأي تهديد للانواع حتى لو كان صغيرا سوف يؤثر على النظام بالكامل. والانواع ربما تقاوم وسائل السيطرة الاصطناعية المستعملة في مكافحة الاعشاب والحشرات، ولايمكن الحصول على مردود عالي ما لم يتم استعمال كميات كبيرة من المخصبات الصناعية.

4- ان الدول النامية خصيصا بحاجة الى نظام انتاجي مستديم، فلابد من مراعاة حقيقة ان غالبية سكان الدول النامية يعتمدون على القطاعات الاولية (الزراعة والغابات والصيد). فاذا لم تكن هذه النشاطات مستديمة ضمن عملية التنمية فان المجتمع سيتعرض للتهديد. غالبية افراد هذه الدول يعيشون قريبين من حد الكفاف، ومع غياب أنظمة التأمين الاجتماعي ذلك يعني ان الناس يواجهون المجاعة، والزيادة السكانية تجعل المشكلة اكثر خطورة حينما لم يعد بالامكان الحفاظ على مستويات الدخل. وكذلك بالنسبة لحركة العمالة ورأس المال تكون بطيئة في الدول الفقيرة، واذا حصل اي تخريب في البيئة في منطقة معينة او اقليم معين فمن الصعب العثور على وسيلة للعمل في مكان آخر.

5- ان شعوب المجتمعات التقليدية لهم مفهومهم الخاص عن معنى الاستدامة والذي يتعارض مع مفاهيم السوق الحديث. فمثلا هم يعتقدون ان الارض والموارد الطبيعية يجب ان تبقى في وضعها الطبيعي، فالاجيال القادمة لها الاولوية بهذه المصادر. ان مجتمعات الغابات تتحفظ كثيرا في هذا الجانب، فمثلا بعض الجماعات في غرب الهند يعيشون في حالة توازن دقيق مع بيئتهم ، فهم يقطعون من الغابات فقط ما هو ضروري لتلبية حاجاتهم، ويدركون ان أي استغلال مفرط سيؤدي الى تحطيم البيئة. فهم يبنون مساكنهم من مواد متجددة مثل الطين والقش، وحينما سُمح للتركتورات بالدخول الى المنطقة جرى قطع الاخشاب وتصديرها للخارج لغرض استيراد بضائع لم يكن اولئك السكان بحاجة لها. فالتنمية المستدامة تتطلب ترك المصادر كما هي بدون استغلال.

الاقتصاديون ومفهوم الاستدامة

ينظر اقتصاديو التنمية الى مفهوم الاستدامة ضمن اطار الادارة الكلية. فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي يشيران الى النمو الدائم او التنمية المستدامة بالزيادة في الدخل الفردي والتي يمكن المحافظة عليها بعيدا عن آثار التضخم او مشاكل ميزان المدفوعات.

وهكذا يركز صندوق النقد الدولي ومعه البنك الدولي على اعتبارات جانب العرض اذا اريد المحافظة على النمو. والاقتصاد ربما يحتاج الى التحرير عن طريق رفع الدعم او تبنّي سياسة الخصخصة او خفض سعر الصرف والمزيد من استراتيجيات التنمية المنفتحة. اما السياسات التي تهدف فقط الى تنشيط الطلب عبر إرخاء السياسة النقدية وخفض سعر الفائدة فهي من غير المحتمل ان تحقق تنمية مستديمة. فالرخاء المادي سينكمش بفعل التضخم او المديونية او سعر الصرف المرتفع .

ان تعريف البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لمفهوم الاستدامة يبدو بعيدا عن اهتمامات المحافظين والبيئيين، بل وعلى العكس تماما يرى البعض ان سياسات البنك الدولي تفضل النشاطات التي تُعتبر غير مستديمة. فمثلا، الدول النامية شُجّعت من جانب الوكالات الدولية لكي تطبق تحليلات المنفعة – التكاليف في تقييم خطط الاستثمار العام، فالمحطة النووية تعطي فوائد وتتحمل تكاليف ضمن مدى زمني معين. واليوم يعترف المستثمرون بأن تقييم الاستثمار يتطلب احتساب التكاليف الاجتماعية الغير مباشرة مثل التلوث البيئي . ولكن حتى لو اُخذت هذه التكاليف في الاعتبار فلا يزال المخطط الاستثماري يستعمل سعر خصم للمردود في المستقبل لكي يجسد القيمة اليوم، وسعر الخصم هذا يفضل المردود الصافي المتحصل في السنوات الاولى للاستثمار على صافي المردود في السنوات البعيدة وهذا ربما يجعل من المفيد اقتصاديا الشروع بأعمال غير مستديمة. مع وجود سعر خصم عالي لا ترى المحطة النووية أي أهمية لما تحصل عليه من القليل من صافي المردود بعد 60 سنة من الان اذا كان صافي المردود الحالي كبير الى درجة يعوّض عن تلك الخسائر المستقبلية.

والمحافظون يجادلون بان خطأً جسيما سيحدث لو لم ندرك النتائج الطويلة الأجل للقرارات ذات الآثار غير المرتجعة . وهم يشيرون الى ان المجتمعات التي تتخذ قرارات تقوم على مبدأ المحافظة على الموارد لكي يستخدمها اطفالهم بنفس شكلها السابق (بمعنى استعمال سعر خصم صفر لخصم مردود المستقبل)، هي ربما قرارات غير رشيدة اقتصاديا ولكن تلك الجماعات ستبقى حية لأنها اعتمدت مبدأ التنمية المستدامة.

قياس نجاح التنمية المستدامة

ان الانتقادات التي يوجهها الاقتصاديون ضد جماعات الضغط المحافظة هي ان تلك الجماعات لم تتمكن من تحديد أهداف التنمية المستديمة وليست لديها معايير لقياس تلك الاستدامة. والمحافظون ربما يعتبرون هذه التنمية المستديمة هي اطالة قدرة الارض على خدمة الحياة الانسانية. غير ان الاقتصاديين يشيرون الى ان ذلك يعتمد على الطريقة التي نقيّم بها القناعة في الحاضر مقابل القناعة في المستقبل او بمعنى آخر يتعلق بالأرباح والخسائر للجيل الحالي والمستقبلي. فمثلا، كيف نقرر حجم العائلة الان وفي المستقبل؟ يجب ملاحظة عدم وجود سبب مجرد بذاته لنفضل الحاضر على المستقبل او العكس. الامر يعتمد على سعر الخصم (الفائدة) المُعتمد الذي يعكس بطريقة ما القيم الثقافية التي تُنسب الى قناعة الحاضر والمستقبل.

وفيما يتعلق بقياسات الاستدامة استطاع بعض الايكولوجيين ايجاد وسائل قياس كمية ملائمة للاستدامة. ومن القياسات الاحادية مثلا: انجراف التربة وفقدان غطاء الغابات وتلوث الماء والهواء. وهذه القياسات لابد ان تؤخذ مجتمعة اذا اريد التوصل الى معنى للتنمية المستدامة. والاقتصاديون طُلب اليهم ان يُعطوا مزيدا من الاهتمام للاندثار في رأس المال الصناعي والبشري. فلابد من طرح قيمة الاندثار من اجمالي الناتج القومي لغرض الوصول الى صافي الدخل القومي. فمثلا، سوء التغذية، خاصة لدى الاطفال والحوامل من النساء تقلل من رأس المال البشري في الدول النامية وهو ما يؤثر بالتالي على حسابات الدخل القومي. وبنفس الطريقة بالنسبة لتجريف التربة في المناطق الهشة من الدول النامية يمثل تخريب للارض والمصادر المرتبطة بها وتتطلب القياس عند حساب الاندثار.

واخيرا هناك مدرسة فكرية ترى ان الدول النامية وحيث الغالبية من السكان يعيشون عند حد الكفاف، يكون فيها الميل للاستهلاك قويا. وفي هذه المجتمعات يوجد القليل من الطلب على النظام الانتاجي المستديم، ومرونة الطلب على الحماية البيئية ستكون قليلة. وعكس ذلك في الدول الغنية حيث لديها مرونة طلب عالية بالنسبة للحماية البيئية ومرونة منخفضة للحاجات الاساسية.

ان هذه المسائل لها تأثير كبير على التنمية لأنها تكشف عن الميل المتزايد للدول الغنية لتصدير ملوثاتها البيئية الى العالم النامي. ان مواقف الدول النامية من الحماية البيئية ليست ثابتة، فهي تعتمد على الطريقة التي يضع قادة تلك البلدان اولوياتهم والخيارات المتوفرة لشعوبهم من حيث الموارد المتوفرة للخيارات المستديمة.

 

حاتم حميد محسن

 

إحساس الإنسان بالتغيرات الاجتماعية لَيس خيالاتٍ هُلامية، وإنَّما هُو نظام فكري مُتماسك يتكوَّن مِن الصُّوَر الذهنية الناتجة عن الواقع، ومَصادرِ تفسير هذا الواقع . ولا يُمكن فصل الصورة الذهنية التي تتشكَّل في وَعْي الإنسان عن إطارها الواقعي، لأنَّ الواقع هو المنظومة المعرفية المركزية التي تُقدِّم التفسيرَ المنطقي للأحداث، كما أن الواقع هو المرجعية لتحليل العناصر المثالية والمادية في العلاقات الاجتماعية، وهذا يستلزم بالضرورة تفكيك عناصر التاريخ كما هو على أرض الواقع، وليس كما نُحِبُّ أن يَكون، وليس كما نتخيَّله في الأذهان.والتاريخُ الحقيقيُّ هو الذي حدث على أرض الواقع، وليس الذي تَمَّت أدلجته وتَسييسه في الأذهان تحت ضغط السُّلطات الأبوية، التي تَخترع المُسلَّمات الافتراضية لتحقيق مصالح شخصية ومنافع ذاتية .

2

مَن أُصِيب بالعطش في الصحراء، عليه أن يَبحث عن المياه الجوفية داخل الأرض، ولا يُضيِّع وقته في مُطاردة السراب فوق الأرض . ومَن أرادَ التفسيرَ المنطقي للأحداث، عليه أن يَبحث عن العلاقات الاجتماعية داخل تاريخ الأمم والشعوب، ولا يُضيِّع وقته في مُطاردة التفسيرات الجاهزة، والتأويلات المُعَدَّة مُسْبَقًا، والمُسلَّمات المُكرَّسة بفِعل التَّكرار الخاضع لمنطق القُوَّة لا قُوَّة المنطق .

3

التفسيرُ الحقيقي للتاريخ يُشبِه الطعامَ الثقيل الذي يُطبَخ على نار هادئة، ويَستغرق وقتًا طويلًا للنُّضج، ولا يُمكن أن يكون وجبةً سريعةً، لأن عملية التفسير فِعل تراكمي تحليلي يقوم على تفكيك العناصر ثُمَّ تجميعها، وترتيبها بشكل منطقي تسلسلي، وهذا يستغرق وقتًا طويلًا، ويتطلَّب مجهودًا فكريًّا كبيرًا . وبما أن أغلب الناس يَميلون إلى الاستسهلال، ويَتعبون مِن التفكير العميق، ولا يُريدون إرهاق أنفسهم في عمليات عقلية مُعقَّدة، فإنَّهُم يَقبَلون بالشيء المُتَدَاوَل دُون فَحْصه، ويتمسَّكون بالحُلول الجاهزة دُون اختبارها، ويَقبَلون بالأمر الواقع دُون النظر إلى ما وراء الواقع، ويَلتزمون بالتفسيرات الشائعة دُون عرضها على قواعد المنهج العِلمي في البحث والاستدلال . إنَّهُم مُعجَبون بجَمَال الشَّجرة التي تُغطِّي الغابة، ولا يُريدون اقتحامَ الغابة، ومعرفة أشجارها. وهُم بذلك يُشبِهون الأشخاصَ الذين يتناولون الوجبات السريعة، ويذهبون إلى النوم،  ولا يُريدون إضاعة وقتهم في المطبخ لتحضير الطعام .

4

التعاملُ مع التاريخ يعني التعامل مع ثلاثة سِياقات معرفية متشابكة: أ - التاريخ في الواقع (التاريخ الحقيقي) . ب- التاريخ في الذهن (التاريخ المُتَخَيَّل). ج - تفسير التاريخ (التاريخ المُختبئ وراء التاريخ). ومِن أجل السيطرة على هذه السِّياقات الثلاثة، وكشفِ أبعادها، وتحليلِ مضامينها، ينبغي إجراء عملية تَنقيب في الأنساق الاجتماعية، وهذه العملية هي الضمانة الأكيدة للوصول إلى حقيقةِ المشاعر الإنسانية، وماهيةِ السلوكيات الفكرية ضِمن الزمانِ والمكانِ. ولا معنى للتاريخ إلا مِن خلال إجراء حفريات واسعة في المُكوِّنات المعرفية للحضارة بشكل عام، والمُكوِّناتِ الإنسانية للمجتمع بشكل خاص . ولا شرعية لتفسير التاريخ إذا لم يتم التفتيش عن الإنسان داخل الإنسان، والبحث عن التاريخ السِّري للأحداث المَوجود خَلف الكواليس . وإذا لم يتم الوصول إلى الوجه، فلا فائدة مِن معرفة الأقنعة .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

محمود محمد علييهدف هذه المقال إلى الكشف عن قضية إنسانية شائكة للغاية وخلافية إلى أقصى حد، ألا وهى قضية "الأبعاد الحقيقة لنشأة العلم عند اليونان"، وقد أصبحت مثل هذه الدراسة ضرورية وملحة، بسبب الخلط والفوضى الفكرية والأخلاقية التى تحيط بهذه القضية. فمعظم المؤرخين والعلماء والفلاسفة الغربيين يحاولون تعتيم هذه القضية، من خلال الغرس فى الأذهان، أن اليونانى هو مبدع الفكر والعلم والأخلاق والاجتماع والسياسة والفن والرياضيات والفلك والطب والمنطق والفلسفة…وغيرها. وكأن الحضارة اليونانية خلق عبقرى أصيل جاء على غير منوال، لم تسبقها حضارات أخرى، ولم تتصل بها مصر القديمة ولا كنعان ولا بابل ولا أشور ولا فارس ولا الهند ولا الصين….بل هى فى زعمهم ـ أوربية النشأة والتطور.

أصحاب هذا الرأى هم دعاة " المعجزة العلمية اليونانية " الذين يسعون بكل ما أوتوا من قوة إلى أن يمجدوا الحضارة اليونانية - حضارة أجدادهم، فتحدثوا طويلاً عن ذلك الإنجاز الهائل الذى حققه اليونانيون فجأة دون أى مقدمات تذكر، ودون أن يكونوا مدينين لأى شعب أو حضارة سابقة عليهم.

وهؤلاء هم أكثر الناس إيماناً بأن أقدم الحضارات كانت مزدهرة وناضجة كل النضج بالقياس إلى عصرها، ومن ثم فقد كان من الضروري أن ترتكز فى نهضتها على أساس من العلم.

إلا أن هذا العلم فى نظر دعاة المعجزة العلمية اليونانية كان يعتمد على الخبرة والتجربة المتوارثة؛ وأن تلك الحضارات كانت تكتفى بالبحث عن الفائدة العملية أو التصرف الناجح دون سعى إلى حب الاستطلاع الهادف إلى معرفة أسباب الظواهر، كما أن تلك الحضارات لم تملك نفس القدر من البراعة فى التحليل العقلي " النظري" لهذه المعارف .

أما الحضارة التى توصلت إلى هذه المعرفة النظرية، والتى توافرت للإنسان فيها القدرة التحليلية التى تتيح له كشف المبدأ العام من وراء كل تطبيق عملى فهى الحضارة اليونانية (2).

فمثلاً قالوا أن المصريين القدماء قد استخدموا الرياضيات فى مسح الأرض وشق الترع وغيرها من أغراض عملية، استعانوا بها وبالميكانيكا على إقامة الأهرمات التى مازالت تتحدى الزمن، أقاموها لحفظ الجثث المحنطة، اعتقادا منهم فى خلود النفس وحساب اليوم الآخر، وتوسلوا بعلم الكيمياء فى تحنيط الجثث واستخراج العطور والألوان، وغير هذا من أغراض دينية. ولكن اليونان هم الذين أنشأوا هذه العلوم فى صورتها النظرية الخالصة، وتجاوزوا فى الرياضيات مرحلة الأمثلة الفردية المحسوسة إلى مرحلة التعاريف والبراهين، فتوصلوا إلى القوانين والنظريات التى تستند إلى البرهان العقلى .

وكذلك كان الحال فى علم الميكانيكا، كان اليونان فيما يقول دعاة المعجزة العلمية اليونانية – أول من عالج دراساته بروح علمية؛ إذ كان لأرسطو الفضل فى إنشاء هذا العلم النظرى ، وإن جانبه التوفيق فى صيغة عبارته ؛ وأكمل الاسكندريون من أمثال " أرشميدس" (ت212ق.م) ممن قننوا المعلومات الميكانيكية لأول مرة فى تاريخ العلم .

وكان البابليون والكلدانيون قد سبقوا إلى مشاهدة الكواكب ورصدها، فأنشأوا بهذا علم الفلك العملى، ولكنهم كانوا مسوقين بأغراض تنجيمية أو عملية (كمعرفة فصول الزراعة ومواسم التجارة ونحوها).

أما اليونانيون فهم الذين أقاموا علم الفلك النظرى فى رصد الكواكب لمعرفة " القوانين " ووضع " النظريات " التى تفسر سيرها وتعلل ظهورها واختفائها. ويرجع الفضل الأكبر فى هذا إلى " بطليموس" الاسكندرى (فى القرن الثانى) بكتابه" المجسطى" الذى ظل المرجع الرئيسى حتى مطلع العصر الحديث .

ومثل هذا يقال فى العلوم التى أدت إليها فى الشرق بواعث دينية أو أغراض عملية؛ عالجها اليونان بروح علمية، حتى نشأت علوماً نظرية تستند إلى البرهان العقلى وتقوم على" تقنين " المعلومات بغير باعث دينى أو عملى .

ولم يكتف دعاة " المعجزة العلمية اليونانية " بذلك؛ بل خرج منهم فريق يرى أن التنقيب في أطلال الماضى للتوصل إلى حضارات مزدهرة قبل اليونان ليس سوى مضيعة للوقت إزاء الطابع الملح للمشاكل القائمة، وهو موقف عفا عليه الزمن، وعلينا أن نقطع صلتنا بكل هذا الماضي المشوش والهمجى واللحاق بالعالم الحديث الذى تندفع تقنياته بسرعة الالكترونات، والعالم في طريقه إلى التوحد. وعلينا أن نكون فى طليعة التقدم، وسيحل العلم في القريب العاجل كافة المشاكل الكبرى، بحيث تصبح تلك المشاكل المحلية والثانوية غير ذات موضوع. ولا مجال لأن تكون هناك لغات تعبر عن ثقافة ما سوى غير ثقافة أوربا التى أثبتت أصلاً قدرتها على ذلك، مما يعنى أنها قادرة على نقل الفكر العلمي الحديث، وأنها عالمية فعلاً.

وفي الوقت الذي كان فيه دعاة المعجزة العلمية اليونانية يصولون ويجولون لإثبات أن نشأة العلم يونانية خالصة، وأن اليونانيين قد توصلوا إلى اكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل، كانت هناك طائفة من المؤرخين والفلاسفة أمناء مع أنفسهم ومع الحقيقة ومع التاريخ، فقالوا بما أملته عليهم ضمائرهم الحية وروحهم العلمية الموضوعية؛ ومن ثم قرروا أن الكلام عن معجزة يونانية ليس من العلم في شئ؛ فالقول بأن اليونانيين قد أبدعوا فجأة ودون سوابق أو مؤثرات خارجية حضارة عبقرية في مختلف الميادين ومنها العلم هو قول يتنافى مع المبادىء العلمية التي تؤكد اتصال الحضارات وتأثيرها بعضها ببعض، بحيث تؤثر الحضارة السابقة في الحضارة اللاحقة وتتأثر هذه بتلك تأثراً تتعدد أبعاده تارة وتختلف مجالاته وتتفاوت درجاته تارة أخرى.

فمن المستحيل مثلاً تجاهل شهادات اليونانيين القدماء أنفسهم، فقد شهد أفلاطون بفضل الحضارة المصرية القديمة، وأكد أن اليونانيين إنما هم أطفال بالقياس إلى تلك الحضارة القديمة العظيمة، وذلك فى الحوار الذى أورده فى محاورة " طيماوس" بين سولون وأحد الكهنة المصريين الذى قال للمشرع الأثينى " إن اليونانيين لا زالوا أطفال فى مضمار الحضارة " . وهناك روايات تاريخية تحكي عن اتصال فلاسفة اليونانيين وعلمائهم ومنهم " أفلاطون " ذاته بالمصريين القدماء وسفرهم إلى مصر وإقامتهم فيها طويلاً لتلقي العلم .

فلم تكن نشأة العلم يونانية خالصة ولم يبدأ اليونانيون باكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل، بل إن الأرض كانت ممهدة لهم من بلاد الشرق التي كانت تجمعهم بها صلات تجارية وحربية وثقافية، والتي كانت أقرب البلاد جغرافيا إليهم .

على أن هذا لا يعني على الإطلاق أننا ممن ينكر فضل اليونانيين في ظهور العلم. والحق أن الاعتقاد بضرورة أصل واحد من للمعرفة، ربما كان عادة أوربية سيئة ينبغي التخلص منها، فإصرارنا على تأكيد الدور أسهمت به حضارات الشرق القديم لا يعني أننا ممن ينكرون على اليونانيين أصالتهم العلمية، ولا نشك لحظة في أنهم يمثلون مرحلة علمية ناضجة.

ولكننا لا نوافق على ادعاء أن تلك الأصالة وهذا التمايز، قد أتيا من فراغ؛ فقد كانت عظمة اليونانيين أنهم استطاعوا أن ينقلوا بشغف كل ما وقعت عليه أعينهم وعقولهم من التراث السابق عليهم، وأن يهضموه هضماً يتلاءم مع بيئتهم الخاصة، وأن يحولوا هذه المؤثرات الوافدة إلى شئ شبيه بتراثهم هم، وأن ينتقدوا هذا وذاك شيئاً فشيئاً، حتى استطاعوا في النهاية أن يتجاوزوا المرحلة الشرقية فى العلم ، وأن يبدأوا مرحلة جديدة متميزة .

إلا أن هذه الجدة وهذا التمايز كما ذهب الدكتور " مصطفى النشار" في كتابه المصادر الشرقية للفلسفة اليونانية قد بهرهم لدرجة أن بعضهم؛ بل معظمهم قد تنكروا لأجدادهم الذين علموهم ألف باء الحضارة بدءا بالزراعة وانتهاء بحروف الكتابة التي كانت سبباً فى تمكنهم من صياغة أفكارهم وتسجيلها. وتضخمت إنجازاتهم أمام أنفسهم فظنوا خطأ أنهم أصل البشرية كلها، وأنهم مبتدعو العلم والفلسفة والعلم، ولو أنهم (دعاة المعجزة العلمية اليونانية) قد تخلوا عن عنصريتهم التى ورثوها عن أجدادهم – الذين اعتبروا كل من عداهم برابرة لا يصلحون للرق والعبودية – ونظروا بموضوعية فى فكر "طاليس " و"فيثاغورس" و"ديموقريطس" و"أفلاطون" لوجدوا أنهم قد استلهموا معظم أفكارهم من الشرق وليس من اليونان .

ولست أنكر ان ثمة صعوبات قد واجهتنى فى هذا المقال، وهو أننى لم أعثر على مؤلف أو كتاب مصنف لأحد العلماء الشرقيين يتضمن آرائهم العلمية بأصولها ومبادئها وتوجهاتها تفصيلاً أو إجمالاً. ولم يكن ذلك نتيجة اقتصادا منا فى الجهد ، ولا توخياً للراحة والدعة ، ولا تقاعساًعن البحث عن مؤلفات تنسب إليهم ، وإنما السبب فى ذلك كما قال الدكتور" فؤاد زكريا " ، أن الفئة التى كانت تمارس العلم فى حضارات الشرق القديم ؛ وبالذات فى الحضارة المصرية ، كانت فئة الكهنة التى حرصت على أن تحتفظ بمعلوماتها العلمية سراً دفيناً تتناقله هذه الفئة جيلاً بعد جيل دون أن تبوح به إلى غيرها ، حتى تظل محتفظة لنفسها بالقوة والنفوذ والمهابة التي تولدها المعرفة العلمية،  وحتى تضفى على نفسها وعلى الآلهة التى تخدمها هالة من القدسية أمام عامة الناس الذين لا يعرفون من العلم إلا قليله.

ومن ناحية أخرى، فلم يكن مقصدى من هذا المقال أى دوافع دينية أو عرقية، وإنما كان لدى دافعان علميان رئيسيان إلى القيام بهذا البحث لا يختلف أحدهما عن الآخر في درجة الأهمية والأعتبار، كما أنهما فى نفس الوقت هدفان أساسيان. أما أحدهما فهو أن نجلو للقارئ العربى غوامض المعجزة العلمية اليونانية، وهى بدون شك أكثر الجوانب إحكاماً فى العلم عند اليونان- موضحين له الأبعاد الحقيقة لهذه المعجزة، بعد أن قد قدمها لنا التاريخ وكأنها أقرب إلى المعجزات الدينية. ووسيلتنا في هذا هي الكشف عن إرهاصات التقدم العلمي عند قدماء الشرقيين، وذلك من خلال علوم الطب والرياضيات والفلك. والهدف الثاني هو أن نثبت للقارئ أن نشأة العلم لم تكن يونانية خالصة، فلم يبدأ اليونانيون فى اكتشاف ميادين العلم من فراغ كامل، بل إن الأرض كانت ممهدة لهم في الشرق التي كانت تجمعهم بها صلات تجارية وحربية وثقافية.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

 

بليغ حمدي اسماعيلإن الإنسان لم يواجه محنة في تاريخه أشد مما يواجهها اليوم، ولا يظن البعض أننا نرمي إلى خطر أسلحة الدمار الشامل وملحقاتها، ولكننا نقصد ما هو أفدح من أسلحة الدمار والفتك التي باتت تهدده ألا وهي محنة العقيدة، محنة الروح من خطر الفلسفات المادية التي أصبحت تسود وتزحف وتحتل كل يوم موقعاً جديداً . لقد تجاهلت الفلسفة المادية كل القوى المعنوية، والقيم الإنسانية، وحصرت المشكلة كلها في لقمة العيش أو الجنس، ونسيت أو تناست أن عمل المعدة وشهوة الجنس تتساوى فيه مع الحيوان تمام المساواة، وأنهما ليسا أشد عراقة من المشكلات الإنسانية العليا ونفاذا إلى الصميم.

ومما يضاعف خطرها أنها لا تقف وحدها في الميدان ولكن تساندها قوتان لا نقلل من أهميتهما هما: الإيمان المغرور بالعلم، والاستغلال بنوعيه؛المادي والمعنوي، والخطة الحصرية لمواجهة هذا التيار الجمعي الجارف شئ واحد هو المسئولية الفردية، هذه هي بداية الطريق في معركتنا الإنسانية القادمة، فليس الوعي الإنساني فرض كفاية، وإنما على كل فرد أن يحمل عبئه من الواجبات الإنسانية قدر جهده.

وما أحوجنا في ظل هذه الظروف المادية التي تكبل إنسانية الإنسان أن نقدم ملامح  منهج ذي أسس إسلامية راسخة لمجتمع أفضل وما أحوجنا هذه الأيام لمنهج كهذه في ظل ظروف سياسية محمومة يسعى البعض بيننا لتقويض الوطن ومحاربة مؤسساته ومعارضة الرئيس بغير حجة أو دليل تحت دعاوى الديموقراطية والتعددية السياسية في الوقت ذاته الذي نرى فيه بعض رجال الدين يهرعون باتجاه السياسة متغافلين جل شأوهم وشأنهم الجليل وهو تبصير المسلمين بمعالم دينهم وشريعتهم السمحة.

ولعل أبرز مشكلات العصر الراهن مشكلة الجيل الحائر الذي فقد المثل الأعلى والهدف الصالح والغذاء الروحي والقدوة الحسنة والفكرة السليمة التي يمكن أن يجتمع عندها الشمل وتأتلف الكلمة وهو ما نفتقده بوضوح هذه الأيام بعدما تفرقت الكلمة بين تيارات إسلامية وجبهة إنقاذ وتيار شعبي وحركات ثورية تأتي من كل فج عميق وتهوي بنا إلى مستقر سحيق. و طالما يتعرض هذا الجيل إلى هزات عنيفة من اليأس والأمل والمفارقات الطريفة من الإقدام والتردد والصراع الأليم بين الواقع المر والحلم الذي نعيش فيه، ومن ثم فالواجب على رجال الدين أن يستنهضوا عزائم الشباب لتشخيص دائهم وتقديم العلاج الصحيح لهم، و ضياع الجيل الحالي مفاده أن المعنيين بعلاج الشباب روحياً يخطئون في تشخيص الداء ثم يضعون حلولاً غير عملية لمشكلات وهمية لم تقم على أسس من الدراسة الواعية والفحص الصادق العميق، وتكون النتيجة في تلك الحالة أن تذهب جهودهم سدى ويستسلمون لليأس بعد أن يبلوا البلاء الصادق في كدهم وجهدهم، وينفقون الأعوام الطوال في الجهاد والكفاح.

يمثل الشيخ الإمام محمد عبده نموذجاً خالصاً للشيخ المستنير والمحيط بتفاصيل فقهه، والمستنير في تحليله وتأويله لقضايا مجتمعه. وهذا ما يعكسه فهمه لصول الإسلام الحنيف من خلال استقراء الإشارات والتنبيهات حول هذه الأصول . وهذا الفهم يشكر خارطة إصلاح استشرافية للخطاب الديني الذي بات مضطرباً ومضطرماً بعض الشئ بفضل اللغط الراهن في هذا الخطاب ورؤيته وتعدد رسالاته .

وليس من العجب والدهشة ما نطالعه في كتابات الإمام عن رؤى تربوية إصلاحية رائدة، فالشيخ الإمام مثلاً يرى أن أهمية تدريس الكتب الأدبية تكمن في تنوير الأفكار وتهذيب الأخلاق، وهذه الفكرة ـ أقصد التنوير ـ ظلت محور اهتمام الإمام، فكم من مرة أشار إلى ضرورة الإلمام بالكتب الأدبية التي توضح أحوال الأمم، والتي تحث على الفضائل وتنفر من الرذائل وارتكابها .

بل يدهشنا الإمام إلى أكثر من ذلك، ويكاد يسبق كل الصيحات والأصوات العالية المعاصرة التي تنادي بضرورة تطوير وإصلاح التعليم في مصر، ولا أشك لحظة أن القائمين على عمليات التطوير الشكلية مهتمون بما كتبه وسطره الشيخ الإمام في ذلك الصدد. ولقد أشار أشار الشيخ الإمام رغم بُعد المسافة الزمنية إلى أن مشكلاتنا الحضارية تكمن في هذا القصور في التعليم الديني؛ إما بإهماله جملة كما هو في بعض البلاد، وإما بالسلوك إليه من غير طريقه القويمة كما في بعض آخر .

والإمام محمد عبده في صراعه الشريف لمواجهة القصور في الخطاب الديني بوجه عام والتعليم الديني بوجه خاص، يحدد عدة أصول رئيسة للإسلام والتي من شأنها كفيلة بمعالجة هذا القصور والخلل سواء في الخطاب أو التعليم أو كلاهما معاً . فعلى سبيل المثال يرى الإمام محمد عبده أن النظر العقلي هو أول أساس وضع عليه الإسلام، حيث إن النظر السليم عنده وسيلة الإيمان الصحيح، ولا ريب في ذلك حيث إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدعو إلى النظر في ما حولنا من موجودات وظواهر وأحداث كونية متعددة ومختلفة على أن يكون هذا النظر مصحوباً بالتأمل العقلي والتفكر، فهي دعوة إلى النظر الحسي والعقلي في نفس الوقت، يقول الله تعالى في سورة الأنعام: (قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون  ) (الأنعام ـ50)، ولا ريب أن قوة الملاحظة والوقوف على ما يحدث حول الإنسان،وفهمه وتأمله ودراسته واستخلاص النتائج منه يؤدي إلى اليقظة العقلية وهي من أهم سمات التفكير العلمي السليم. وللإسلام الحنيف دور بارز في تنمية القدرات العقلية للإنسان مثل القدرة على الاستنتاج، والتأمل، والتفسير، وإدراك العلاقات....

ويكمل الشيخ الإمام محمد عبده الحديث عن أصول الإسلام، بقوله إن تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض لهو من أبرز أصوله، حيث يقول: " اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلا ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول، مع الاعتراف بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، والطريق الثانية: تأويل النقل، مع المحافظة على قوانين اللغة، حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل .

والمستقرئ لتعاليم الإسلام وآيات القرآن الكريم يدرك على الفور أن الدين الإسلامي أعطى مساحة كبيرة للعقل وبيان أهميته ودوره في إدراك الحقائق والظواهر الكونية، والقرآن الكريم يحث الإنسان على استعمال العقل إلى أقصى حد مستطاع، ويشيد بمن يستعمله، ويعمل فكره في النظر والتدبر، واستخلاص البراهين والنتائج من المعلومات التي تتوافر لديه من الأمور الدينية والدنيوية. يقول الله تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب )  (ص: 29)، ويقول تعالى: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)  (العنكبوت: 43) .

ومن الأصول التي اعتبرها الإمام محمد عبدة رئيسة وأساسية في الإسلام بل وأعده حكماً رئيساً من أحكامه وهو البعد عن التكفير، ويقول في ذلك " إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر " . و هناك قاعدة تقتضي بأن التكفير حكم شرعي من أحكام الدين له أسبابه، وضوابطه، وشروطه، وموانعه، وآثاره. وهذه القاعدة لا ترتبط بدين معين، أو مله بعينها، والتكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره اتلله الله المطلع على ما في الصدور، والشهيد على أعمال عباده من البشر، وثبوت الكفر على المرء أمر لا يثبت إلا بدليل شرعي متفق عليه، سواء من النص، أو بإجماع العلماء والفقهاء كافة، وليس القلة منهم.

وما أخطر التحديات التي تواجهنا هذه الآونة من باقة الأنفلونزا، والتيفوئيد، والحمى القلاعية، والكليبات الفاضحة، وعلاوة على ذلك استباق البعض في إلقاء تهم التفكير على الآخر، وكنت قديماً أسمع تهم التفكير تلصق بكبار المفكرين والأدباء والشعراء، أما اليوم فعلى العامة، والأدهش أن من يلقي هذه التهم ليس عالماً بالأدلة الشرعية الثابتة.

ولعل أبلغ تشبيه للغلو في التكفير هو " الورطة"، ولقد توعد رسول الله (عليه الصلاة والسلام) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله: " لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك" . أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والرسائل الإليكترونية، والفيس بوك.

وأؤكد أن الإسلام في صورته الحقيقية قد دعا إلى احترام المرء لهوية أخيه المسلم، ليس هذا فقط بل ذهب بعيداً إلى الاحترام والإيمان بهوية الآخر، وفي ذلك نجد قوله تعالى: (مَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: 285) .

وإذا سألت أحد رجال الدين المستنيرين عن الغلو في التكفير لذكر لك أن المجازفة بالتكفير شر عظيم وخطر جسيم، وقد ذاقت الأمم كثيراً من ويلاتها ووبيل عواقبها، وليدرك هؤلاء قول الله تعالى في تحذير عباده من الغلو في التكفير (فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة).

والمتأمل لهذا الأمر ـ الغلو في التكفير ـ يرى عواقبه التي تتمثل في استحلال الدم ومنع التوارث وفسخ عقد الزواج وتحريم إقامة الفرائض. ويدهشني كثيراً حينما أقرأ لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي يتخذه معظم السلفيون إماماً لهم حينما يقول: فليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة ويبين له المحجة وإزالة الشبهة.

ويرى الشيخ الإمام أن قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من الأساس هو من أجل أصول الإسلام، ويؤكد الإمام محمد عبده أن الإسلام عمل على هدم بناء تلك السلطة، بل ومحا أثرها، ويشير إلى ذلك بقوله: " لم يدع الإسلام لأحد لأحد بعد الله ورسوله سلطاناً على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) كان مبلغاً ومذكراً لا مهيمناً ولا مسيطراً " . يقول الله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ)(الغاشية:21ـ23)،  .

 ويدخل الشيخ الإمام وهو بصدد تحديد أصول الإسلام في معركة لا تبدو قديمة فقط بل هي معركة لا تزال مستمرة في وقتنا الراهن، ألا وهي ضرورة أن يفهم كل مسلم عن كتاب الله وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف، وإنما يجب عليه قبل ذلك .

ولكن نجد بعد تصاعد الشهود السياسي للتيارات الدينية أن منهم من يصر على أن يصبح مرجعية دينية فقهية أشبه بالمرجعيات الموجودة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أو بجنوب لبنان من المرجعيات الشيعية التي تنتزع الحقيقة والبرهان بغير منازع، وهو ما يجعلها تفرض على المجتمع الانصياع التام لمقدمات ومعلومات وفتاوى لا تسير في اتجاهين ولا تقبل التفكير فيها مرتين. 

وهذا ما يؤكد عليه الشيخ الإمام بصورة أخرى، حيث يرى أن الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم، ولا هو مهبط الوحي، وهو لا يقصد بذلك الخلفاء الراشدين الأربعة، إنما هو يشير إلى منتزعي السلطان بدعوى الدين، حيث إن هؤلاء ليس من حقهم الاستئثار بتفسير القرآن والسنة دون العلماء، ولا أن ينفرد وحده بتلقي معالم وأحكام الشريعة، وهذا ما نجده في بعض التيارات الدينية المتشددة، حيث ترى أن لها حق الأثرة بالتشريع، ولهم في رقاب الناس والعامة حق الطاعة . ووفقاً لهذا المنطق فإن الحاكم ذا السلطان الإلهي هو مقرر الدين، وواضع أحكامه ومنفذها أيضاً .

ونجد الإمام يقررها صراحة بقوله " إن الإسلام لم يجعل لهؤلاء أدنى سلطة على العقائد وتقرير الأحكام، وكل سلطة تناولها أحد من هؤلاء فهي سلطة مدنية قررها الشرع الإسلامي ولا يسوغ لواحد منهم أن يدعي حق السيطرة على إيمان أحد أو عبادته لربه، أو ينازعه في طريق نظره " .

وتصل بنا القراءة في فكر الشيخ الإمام محمد عبده إلى الوصول لحديثه عن أصل راسخ ورئيس أيضاً في الإسلام وهو مودة المخالفين في العقيدة، وقد اقتصر الإمام في الحديث عن هذا الأصل بالإشارة فقط إلى المصاهرة أي إباحة الإسلام للمسلم بأن يتزوج امرأة كتابية مسيحية أو يهودية، وكيف جعل الإسلام من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها والقيام بفروض عبادتها، ونضيف على ذلك أن الإسلام الحنيف يسعى إلى تربية النشء والمسلمين على  عدم احتقار الآخرين، ويدعوهم إلى احترام غيرهم وتقدير عقائدهم دون إكراه أو تدخل، يقول تعالى:  (لا إكراه في الدين) (البقرة، 256).

 وكان الإسلام بذلك من الأديان النادرة التي منحت أهل الديانات الأخرى ذمة الله ورسوله، لقوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا غليهم إن الله يحب المقسطين) (الممتحنة،8).  ومن هنا فإن المسلمين طوال تاريخهم الطويل لم يظلموا ذمياً أو كتابياً، بل إن الأمر كان يوجه لجيوش المسلمين وعدم هدمها أو الإساءة إليها كما أن أصحاب الملل الأخرى ارتقوا مناصب مهمة في كثير من الدول والإمارات الإسلامية دون تعصب ضدهم أو إساءة إليهم، وأن المؤسسات التعليمية والمكتبات الخاصة لهذه الملل استمرت تؤدي عملها في ظل الحضارة الإسلامية دون مصادرة لها أو تعطيل لعملها.

والفهم الصحيح لركائز الإسلام يدرك أنه حدد بعض الملامح الرئيسة في التعامل مع المخالفين في العقيدة مثل حريتهم في اختيار عقيدتهم، حيث يرفض الإسلام أن يكره الناس على الدخول في عقيدة لا يرتضونها، فالإنسان بعقله الذي وهبه الله إياه، عليه أن ينظر أي طريق يسلكه من طريقي الهدى والضلال، وعلى المسلمين أن يبلغوا رسالة الإسلام إلى من عداهم، فإما أن يهتدوا ويختاروا طريق الخير وهو طريق الإسلام، وإما أن يختاروا الطريق الآخر.

وأنه لا يجوز الاعتداء على أنفسهم، يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم)" من قتل نفساً معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاماً" .وكذلك لا يجوز الاعتداء على أموالهم، أو أعراضهم.

وكذلك وجوب الدفاع عنهم ضد كل من يعتدي عليهم، سواء أكان هذا المعتدي من مواطني دولة أخرى، وهم ما يسمون في الفقه الإسلامي بالحربيين، أم كان من أهل الذمة، أم كان من المسلمين. ويجوز الأكل من ذبائحهم لقول الله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم. والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) (المائدة،5)  خضوع أهل الذمة وانقيادهم لأحكام الشريعة الإسلامية في ضمان الأنفس والأموال والأعراض، وأن تقام عليهم الحدود فيما يعتقدون تحريمه عليهم، ومما يعتقدون تحريمه الزنا والسرقة والقتل والقذف، فهذه الأمور وأمثالها يجب خضوعهم لأحكام الإسلام فيها.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

قاسم حسين صالحتوطئة: تعود علاقتي بمظفر النواب الى ستينيات القرن الماضي يوم (استضفته) في سجن بغداد المركزي قادما من (نقرة السلمان) وشاركني فراشي في مخزن بطول (3ْْ في 4م) كان يضم مكرم الطالباني والمقدم عبد النبي قائد قوات المظليين ومدير الخطوط الجوية العراقية.. وأنا الذي كنت أصغرهم بكثير.. وكنّا نسهر ويغني ويعزف على العود بلسانه!.. لدرجة أن العريف (ابو سكينه) حارس السجن كان يأتي ويشاركنا الغناء بطور داخل حسن.. وكانت تلك من اجمل ليالي العمر.. وان كانت في أقسى سجن!.

أحببت مظفر في مراهقتي وكنت اكتب مقاطع من اجمل أشعاره في الغزل بقصاصات ورق وابعث بها الى (حبيبتي).. التي بعثت لي يوما بقصاصة ورق فيها سطر واحد: (حبيبي قاسم.. هذا الشعر مو ألك.. لمظفر النواب!).. فقلت: يا آلهي.. وصل مظفر حتى الى بنات الشطرة!.

وحين ذهبت الى دمشق عام 2008 في مؤتمر للطب النفسي رجوت طالبتي هديل كامل ان تؤمن لي اللقاء بمظفر فحصل بمسعى من الصديق كوكب حمزة والتقيته في مقهى (هافانا).. وكان حوارا فيه اعترفات جميلة.. في الحب.

ومن حبي له.. اسميت ابني (مظفر) الذي صار دكتورا ويعمل حاليا في قناة الشرقية.

*

دلالات الضد واضده النوعي

لا يكون الانسان شاعرا مبدعا الا اذا عانى حالة تناقض الضد وضده النوعي في داخله.. تلك هي نظريتنا السيكولوجية الخاصة.. وانموذجها التطبيقي هو مظفر النواب.. نوجز دلالاتها في خمسة:

الأولى: ثراء وعز.. فقر وذل

هاجرت العائلة الى الهند، ولسمعتها العلمية والشرفية في انتسابها للأمام موسى بن جعفر الذي اغتيل بالسم زمن هارون الرشيد.. اصبحوا حكاما لمقاطعات في بنجاب ، كشمير في الهند.ولأن العائلة وقفت ضد الاحتلال البريطاني للهند فانه تم نفيها الى العراق بحسب رغبتها، وعادت ومعها ثروات كبيرة من المجوهرات والذهب والتحف.وحصل ان تعرض والده الثري الارستقراطي الى خسارة مالية كبيرة افقدته ليس ثروته فقط بل سلبت منه حتى قصره الانيق الذي كانت تقام فيه ندوات ثقافية وفنية واحتفالات دينية.. وهذا هو التضاد الحاد الذي عاشه مظفر يوم كان طالبا في كلية الآداب بجامعة بغداد.. من ابن ارستقراطي الى فقر موجع .. من حالة عز الى الشعور بالذل.. وكان هذا اول تضاد بين حياتين متناقضتين بحدّة اثار موهبته المبكرة في الشعر.

الثانية: ابن عائلة دينية الى شيوعي

تنتمي عائلة مظفر الى سلالة موسى بن جعفر الكاظم.. عائلة دينية قائدة، مشرفة على عائلات اخرى، عاشت عصرا زاهيا مفعما بالمجد والعزة والكرامة، ولها اعتبارها الاجتماعي بين جماهير الشيعة تحديدا.. تحول الى الضد الأديولوجي بانتمائه للحزب الشيوعي.. وغير مسار حياته من ان يصبح رجل دين الى مناضل سياسي.ومع انه ليس شرطا ان يكون الشيوعي ملحدا، لكن الفكر الشيوعي يتبنى الألحاد فيما الفكر الديني يكّفّر من يكون ملحدا.

وبالمناسبة، وهذه ظاهرة تستحق الدراسة، أن الكثير من قادة الشيوعيين هم أبناء رجال دين!. فحسين محمد الشبيبي عضو اللجنة المركزية للحزب الذي أعدم مع فهد عام 949، نجفي شيعي، والده رجل دين " معزّي". وسكرتير الحزب الشيوعي العراقي حسين أحمد الرضي " سلام عادل "، الذي مات تحت التعذيب عام 63، نجفي شيعي، والده "سيد " ورجل تقي.وعامر عبد الله، عضو المكتب السياسي للحزب، سنّي، أبوه مؤذن للصلاة في جامع بمدينة عنه. ووالد عزيز شريف وعبد الرحيم شريف خطيبا في الجامع نفسه.وجمال الحيدري، كردي من عائلة الحيدريين، عائلة أسياد.ومحمد حسين أبو العيس، مسؤول مكتب الفلاحين بالحزب، شيعي "كظماوي " من عائلة أسياد.وكثير من كوادر الحزب وقياداته المحلية هم ابناء رجال دين، بمن فيهم (أنا!) الذي كنت ابن عائلة دينية تقيم مجالس عزاء حسينية وصرت شيوعيا ومسؤول خط الفلاحين في الشطرة.. لكن الحالة عند مظفر لها فعل أخر.. كونه يمتلك موهبة الشعر.

الثالثة: بين حب الحياة.. والاعدام

لدى مظفر تعلّق بالحياة.. وخبرتجاربها في الكثير من مدن العالم، من بيروت ودمشق الى باريس وأثينا.. وأخريات له فيها في الحب حكايات. وخبر ايضا حالة الحرمان من الحياة بأبشع الطرق.. الاعدام، ولمرتين.. وكان محظوظا، بل كنا والوطن محظوظين به ان نجا في الأولى بتدخل اهله واقاربه تم فيها تخفيف الأعدام الى السجن المؤبد، ونجا في الثانية بتدخل شخصي من علي صالح السعدي لاطلاق سراحه حين اعتقل ثانية.

ومظفر اكتشف مبّكرا (معنى الحياة) الذي يعني بالمفهوم النفسي قدرة الفرد على ان يكتشف وبشكل مسؤول المعاني الحياتية المتاصلة في سلوكه ومواقفه ودرجة دافعيته نحو الحياة واستيعابه الواضح لغرض الحياة واحساسه بان الحياة ذات هدف، ووجد في سعيه لأن يكون لحياته معنى.. المتعة حتى في شدة قساوتها عليه لأنه اراد ان يكون لوجوده معنى في عالم خال من المعنى.. وكان لهذه التناقضات الحادة بين التعلق بالحياة وزنزانة الأعدام، وبين المعنى واللامعنى من الحياة.. ان جري توظيفها لاشعوريا في ابداعه الشعري.. ليس فقط في المضمون بل وفي انتقاء مفردات غير مألوفة مثل:(نهنهني السعف – لوثني عسل الليل – نطنط العصفور- ربما يأتي الحزن يمشّط.. )

الرابعة: ثقافة الجمال وثقافة القبح

مظفر النواب.. جميل من الداخل كمعزوفه لبتهوفن او رقصة على بحيرة البجع.. او دبكة يذوب فيها الوجع.. بالهجع.يحب الأرض والناس والأنثى وزهرة اللوز، ويهوى زوايا العيون..

(من تشتريني بقليل من زوايا عينيها.. تعرف تنويني وشدّاتي وضمي وجموعي).

ويذوب في الجمال.. يعزف على اوتار قلبه فينشد شعرا مدوزنا على ايقاع الريل حاملا حمد لحبيبة تناديه:

روحي ولا تكَلها: شبيج

وانت الماي

مكَطوعة مثل خيط السمج روحي

حلاوة ليل محروكَة حرك روحي

حمرية كَصب مهزومة بالفالة ولك روحي

وعتبها هواي.. .

لا مرّيت.. .لا نشديت.. .لا حنيت

وكَالولي عليك هواي

وعودان العمر كلهن كَضن ويّاك

يا ثلج الي ما وجيت

تعال بحلم.. أحسبها إلك جيّه واكَولن جيت

يلي شوفتك شبّاج للقاسم.. ودخول السنة من الكَاك

يا فيّ النبع واطعم.. عطش صبّير ولا فركاك

يلرهميت.. .يا مفتاح فضة ولا رهم غيرك عليّ مفتاح.

واكَلك: ليش وازيت العمر يفلان

يفلان العمر.. يشكَر ولك يفلان

ولا طارش جذب ودّيت

ولا مرّة شلت عينك تعرف البيت

وكَالولي عليك هواي.. ورحت ابراي وجيت ابراي

حسبالي سنة وسنتين وتلاثة

واشوفك ذاك البكَلبي.. واضوكَك ماي

حسبالي اشوفك ابن اوادم.. .يا شكَلك.. .موش اشوفك هاي

وكَالولي عليك هواي.. كَالولي.. .

كَالولي.. .

كَالولي.

في الضد المقابل لهذا الجمال الروحي.. كانت هنالك ثقافة القبح في واقع العرب ونفوس الحكّام، فهجى القبح بداخلهم بأقبح مفردات البذاءة.. من (يا اولاد القحبة ) الى:

(الان اعريكم

قتلتم فرحي.. .

ياجيفا.. يا نتانات : اين دياناتكم؟ اين عقائدكم؟

يابهائم؟ ان البهائم ما نهبت بعضها.. .

اعترف الان امام الصحراء

بأني مبتذل وبذيء وحزين

كهزيمتكم ياشرفاء مهزومين

وياحكاما مهزومين

وياجمهورا مهزوما

ما اوسخنا.. ما اوسخنا.. ما اوسخنا

ونكابر

ما اوسخنا

لا استثني احدا).

والخامسة: عشق للعراق ونفي منه

لم يتزوج مظفر، لأنه دخل في علاقة حب مع وطنه تطورت الى حالة عشق.وسيكولوجيا، يحصل في حالة العشق ان يتوحّد العاشق بالمعشوق في شخص واحد.. فعزف مظفر عن الزواج كي لايشغله عن حبيبته.. الوطن.. وظل وفيا لمعشوقته العراق التي أظنته وقست عليه غربة ومنافي.. وكانت هذه القسوة قد استفزت موهبته فصار يناجيها عن بعد باشعار تتوهج نارا من قلب ملتهب..

(الام انا وطن في العزلة ؟

ياغرباء الناس

أغصّ لأن الدمع يجرح اجفاني

.. .حتى الطير لها أوطان.. وتعود اليها

وأنا ما زلت اطير.. فهذا الوطن الممتد

من البحر الى البحر

سجون متلاصقة.. سجان يمسك سجان)

وكما يعتبر من يتخلى عن حبيبته جبنا وعارا.. فأن مظفر كان يكابر على قساوة ووجع وفجع وخذلانات(عمر وتعدى الثلاثين.. لا يفلان ، لم يعد يذكرني منذ اختلفنا احد غير الطريق) ويتباهى بالاخلاص لحبيبته العراق والتضحية لتخليصه من مغتصبين وطغاة وفاسقين.

اخيرا..

كان بلند الحيدري، الذي زاملته يوم كنا نعمل معا في مجلة آفاق عربية، قد كتب رسالة الى مظفر قال له فيها:

يا مظفر لم اكن أعلم يوما أن حظي قد تعثّر

ضاع عمري في سجلات ودفتر

(ياحمد والريل فارغ.. والكصب بردان حيل.. ومستحي اهوايه تأخر)

علمي لم يبق احمر

كان حلمي وسط تراب.. وقناعاتي خيالا في سراب

كان للوهم يغني من جديد.. لا وطن حر ولا شعب سعيد)

ولمظفر نقول :

يا مظفر.. أصحيح ان شعبا انجبك، صار من احزاب تدعي الأسلام.. يقهر

ولنا جيش يتامى وارامل، سرقوا خبزها اليومي وبنى منها معمم لأبيه ضريحا،

كان قد افتى ابوه.. قتل من نادى.. (وطن حر وشعب سعيد)

أو تعلم يامظفر.. أن شعبا كان من عهد جلجامش يوصف بالعنيد

صار من تغريدة (زعطوط ) بالسياسة، يهتفوله بالقداسة

ويبوسون ترابا قد مشى يوما عليه.. وان كان نجاسه

كل هذا يامظفر قد حصل

وما كنت تمنينا بيوم يفطر الناس به: كيمر عماره وعسل

افطر شعبك يامظفر.. خبزة نخاله وبصل!.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

* القيت في ملتقى مظفر النواب الذي أقامه مركز كلاويز في السليمانية بعنوان (مظفر النواب يتلألأ في ضمائرنا)-(22 /2/2020)

*

 

عدنان عويدفي المفهوم: يُعرف الانتماء لغةً: بأنه الانتساب إلى شيء ما أو ظاهرة ما، كانتماء الفرد إلى والده أو عشيرته او طائفته أو بلده أو وطنه أو امته أو منظمته او حزبه .. الخ.

أمّا اصطلاحاً: فهو الارتباط الحقيقي، والاتصال المباشر مع أمرٍ ما أو قضية مُعيّنة تختلف طبيعتها بناءً على الطريقة التي يتعامل فيها الفرد معها.

ويعرف أيضاً بأنه التمسك، والثقة بعنصر من عناصر البيئة المحيطة بالأفراد، والمحافظة على الارتباط به وجدانياً، وفكرياً، ومعنوياً، وواقعياً، مما يدلّ على قوة الصلة التي تربط بين الفرد، والشيء الذي ينتمي له، سواءً أكان انتماؤه لوطنهِ، أو عائلتهِ، أو عمله، أو غيرهم.

أنواع الانتماء:

أولاً: الانتماء الوطني:

وهو من أهم أنواع الانتماء، على  اعتبار أنه مرتبط بالوجود التاريخي والاجتماعي  والنفسي والقيمي والاقتصادي والسياسي والثقافي للفرد، فبحفاظ الإنسان على انتمائه لوطنه، وأرضه وتاريخه والقيمي، يتمكن عندها من تحقيق مفهوم ومعنى الانتماء الذي يرتبط بالمواطنة، التي تعني التجسيد القانوني  لكافة المبادئ والحقوق والواجبات التي يشعر بها المواطن بوجوده وكرامته داخل الدولة التي يعيش فيها، ويعتبر جزءاً من أجزاء مكوناتها الاجتماعية.

ويأتي اعتزاز الأفراد بهذا الانتماء وتعزيزه، عن طريق الالتزام والثبات والتفاعل مع احتياجات الوطن، ويتجلّى هذه التفاعل من خلال بروز الاعتزاز بالوطن والعمل على نموه وتطوره والمحبة العميقة له. والانغماس في حمايته والتضحية من أجله.

إن البداية الفعليّة لمفهوم الانتماء للوطن تأتي من ارتبط الإنسان تاريخياً في المكان والزمان الذين ينتمي إليهما:

فالارتباط الفرد بالمكان: يأتي من خلال وجوده ذاته وجسده فيه.

والارتباط  بالزمن: يحدّد مدى وكميّة هذا الوجود التاريخي الذي يمتد فيه. وعلى هذا المكان يطلق اسم وطن. ويعتبر مفهوم الانتماء للوطن من المفاهيم المتوارثة التي تولد مع الإنسان، وذلك عن طريق الارتباط بوالديه وذويه والأرض التي ولد عليها وأهله وأجداده. إضافةً لهذا فهو يعتبر مفهوماً مكتسباً ينمو بشكلٍ أكبر من خلال المؤسسات المختلفة في المجتمع كالمدارس والجامعات ودور العبادة والإعلام والأسرة وغيرها من المؤسسات التي تغذي روح وقيم المواطنة. وعل هذا الأساس، تناول الأدباء والكتاب والفنانون مضامين المواطنة عن طريق كتاباتهم، والتي يهدفون بها شحن عقل ووجدان الأفراد للانتماء الفعلي للوطن والتمسك به والتضحية من أجله.

تجليات الانتماء:

لا شك ان هذا الانتماء سيظهر في الأفعال والمواقف والأعمال المختلفة التي تهدف إلى حماية هذا الوطن ورفعته وتقدمه. وتتجسد تلك المواقف والأفعال والأعمال، في العديد من السلوكيّات المختلفة الصادرة من الأفراد، بحيث تعبر عن موقف ورؤية الفرد والمجتمع تجاه ما يحدث على أرض الوطن ومجتمعه. كما يعتبر الانتماء من الاحتياجات الهامة التي تشعر الفرد بالرابط المشترك الذي يربطه بأرضه وبأبناء وطنه. وسيؤدّي هذا الشعور إلى صقل توجهاته بحيث تتحول إلى توجهات تهدف إلى خدمة الوطن والمجتمع والتفاني والتضحية من أجله، والمشاركة في إعماره التي ستشعره بقيمته الحياتيّة التي ستنمو مع الأيام والسنين،.

ومن القيم المهمة للانتماء للوطن والتي يجب العمل بها وعدم التغاضي عنها، إبراز قيمة الوحدة الوطنيّة، وتحويلها لهدف يعمل الجميع من أجل تحقيقه على أرض الواقع، والمحافظة على استمراريته، فالوحدة الوطنيّة تعتبر من المسلمات في كل الأوطان والتي من شأنها العمل على تقوية المجتمعات والمحافظة على أمنها ورخائها.

إن الانتماء للوطن بشكل عقلاني، يذيب بالضرورة كل الانتماءات الأخرى الضيقة من أسرة أو عشيرة او قبيلة أو طائفة او مذهب أو أيديولوجيا أو حزب.

الانتماء الديني:

هو من أنواع الانتماء المهمة، التي ترتبط الإنسان بدين ما من الأديان، وذلك من خلال المعرفة الشاملة، والكافية بقواعدهِ، وأحكامه، والمبادئ الخاصة بهِ، والأهم مقاصده الإنسانية والحرص على تطبيقها تطبيقاً صحيحاً وسليماً ممّا يؤدّي إلى عكس صورةٍ إيجابية عن الإنسان المتدين، وهذا ما يدعو له الإسلام على سبيل المثال لا الحصر، الذي يعتمد في جوهره على احترام حقوق كافة الناس من الديانات الأخرى، مثلما يحرِص على تطبيق التعايش، والتفاهم بين كافة مكونات المجتمع الواحد. بيد أن هذا الانتماء غالباً ما يتحول إلى تعصب، وخاصة في تفريعات الدين الواحد كالطائفة والمذهبية، وهنا تكمن كارثة الدين حيث تسعى كل طائفة أو مذهب إلى اعتبار نفسها هي الفرقة الناجية ومن حقها أن تحوز على كل شيء والوقوف بوجه الاخر المختلف واقصائه، والتعامل معه بدونيّة، خاصة إذا وصلت هذه الطائفة أو المذهب إلى السلطة، وأصبحت بيدها مقدرات الآخرين.

الانتماء الفكري أو الأيديولوجي:

هو الانتماء الذي يرتبط أو يتقيد بفكرة ما، أو أيديولوجيا ما، ويسعى الإنسان المنتمي هنا إلى إثبات مصداقية، وصحة هذه الفكرة أو الأيديولوجيا، بالاعتماد على كافة الأسباب، والعوامل، والظروف التي أدت إلى حدوثها، ومن الأمثلة على الانتماء الفكري: الانتماء إلى تيار سياسي ما، أو فلسفة ما أو مدرسة  أدبية معينة. وخطورة هذا الانتماء في حالة التعصب، أنه يفقد التوجه العقلاني أيضا شأنه شأن الانتماء الطائفي او المذهبي في تعامله مع المختلف.

الانتماء الحضاري:

يشير مفهوم الانتماء الحضاري إلى انتساب الفرد لحضارة معينة بإظهار تأييده وتبعيته لها بكافة جوانبها، سواء كان ذلك ثقافياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً، ويلعب الانتماء الحضاري دوراً فعالاً في تحديد هوية الفرد والمجتمع بتأطيرهما بصورة ثقافية مستوحاة من البعد التاريخي والتوجه المستقبلي لهذه الحضارة، وبالتالي تحديد الموقف العام لهما فيها.

يعتبر الانتماء الحضاري بمثابة وسيلة فعالة تحافظ على شخصية أمة بأسرها، وتصونها من الطمس والاندثار في ظل الاختلاط غير الممنهج بين الشعوب.

الانتماء في علم النفس:

يذكر في علم النفس بأن الحاجة إلى الانتماء كانت ضرورة ملحة لإثبات ذات الانسان وارتباطه بجذوره أو القيم والمبادى التي ينتمي إليها، فالانتماء علاقة إيجابية ضرورية فيها معنى للحياة التي تحقق منفعةً مجدية للإنسان، فيصبح الإنسان راقياً إلى حد العطاء بلا حدود، فيتصف بالإيثار والتضحية، وبذلك تطغى على الأمة أعلى صور الانتماء عند أي محاولة للنيل من وجودها من قبل الخارج.

الانتماء والمواطنة والهوية:

هناك عدد من المفاهيم التي يقترن بعضها بالآخر، وبالتالي تحيل إلى بعضها وهي: الانتماء، والمواطنة، والهوية، فهي مصطلحات تكمل بعضها البعض في صقل شخصية الإنسان وتقويمها ليتمكن من مواجهة الحياة، وتأدية ما يترتب عليه من واجبات وحقوق اتجاه ما ينتمي إليه من حضارة أو وطن.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

بليغ حمدي اسماعيللا أعرف مسبقاً إذا كان القارئ العزيز سيتقبل عذري واعتذاري عن ارتكاب السطور المقبلة، ولعلها المرة الوحيدة التي استأذن فيها القارئ بأن يغفر لي حماقة الكتابة عن الدولة المدنية والدولة الدينية،،  فهو حديث ذو جدل وجدال وشرك كبير ـ بفتح الشين أي الفخ ـ وهاوية تغوي المقترب منها. وكلما فكرت في مسألة العلاقة بين إقامة دولة مدنية ودولة دينية أحمد الله وأشكر نعمته بأن الأديان السماوية لم تنتشر بفعل المطابع وحدها، بل بحيوية وسر خاص من عند الله.

وإذا حاولنا أن نرصد بعض مخاطر إقامة الدولتين معاً المدنية والدينية فنحن دونما شك سنقع في هذا الشرك أو الفخ الكبير، فإذا كان المد السلفي المتطرف إسلامياً كان أو مسيحياً بعض الوقت يسعى إلى استقطاب عدد لا بأس به من الأنصار فإن ذلك سيؤدي بالضرورة إلى تفكيك بنية المجتمع، بل سيؤدي إلى مغبة مهلكة من خلال تحريض الطبقات المعدمة، ناهيك عن إثارة الخلاف حول القضايا الفقهية وعلى رأسها مسالة تجديد الخطاب الديني الذي لا أملك آملا في تحقيقه على المدى القريب نتيجة الهوس الإعلامي لبعض الشخصيات التي اعتادت احتراف إطلاق العنان للفتاوى غير المضبوطة فقهيا.

هذا بالنسبة للدولة الدينية التي ربما تقام دون تخطيط أو معاناة في التنفيذ ومتابعتها ومراقبتها ومن ثم تحقيق أهدافها المنشودة، أما بالنسبة للداعين إلى إقامة دولة مدنية وترسيخ أعمدتها وأركانها فهم أيضاً سيذهبون بغير وعي نحو هذا الشرك المنصوب لهم . فربط الدين مثلاً بالعلم بصورة مستدامة يوقعنا في إشكال خطير، نظراً لاتسام العلم نفسه بالتغير والتقدم الدائم، بل إن دعوة هؤلاء المناصرين لإقامة الدولة المدنية دون ضوابط ثابتة ستجعلهم يقدمون العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، وهذا بدوره يؤدي إلى تحريك الطائفية من جديد.

ولاشك أن فكرة الحوار بين أنصار كل اتجاه مدني وديني يتحرك نحو الصراع والعداء، فكلاهما يرى الآخر على باطل، إلا أن أنصار الدولة المدنية أخف وطأة في الحكم على الآخر، فهم يبتعدون تماماً عن التكفير الذي طال معظم من اشتغل بالتفكير والتأويل والتحليل وإعمال العقل، وربما سندهش أقراني حينما أخبرهم بأن الشيخ الإمام محمد عبده أحد مستنيري القرن التاسع عشر بأنه أشار إلى أن الأصل الخامس للإسلام هو قلب السلطة الدينية والإتيان عليها من أساسها، بل يقر الشيخ الإمام المجدد محمد عبده أن الإسلام هدم بناء تلك السلطة ومحا أثرها، وأن الإسلام لم يعد لأحد بعد الله سبحانه وتعالى ومحمد علية الصلاة والسلام سلطاناً على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه، على أن الرسول عليه السلام كان مبلغاً ومذكراً، لا مهيمناً ومسيطراً . يقول الله تعالى (فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمسيطر) .

ولعل سبب كراهية معظم السلفيين لفكر الإمام ما صرح به بأن الإيمان يعتق المؤمن من كل رقيب عليه، فما بينه وبين الله سوى الله وحده، ولكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف.

وفي صدد تجديد الخطاب، تجدر الإشارة إلى ما أثير منذ سنوات ليست بالبعيدة بشأن صدور الحكم القضائي الخاص بإلزام الكنيسة المصرية بمنح الترخيص للمطلق بحق الزواج الثاني و الذي بغير شك ترك، ولا يزال يترك حالة مستمرة من الجدل بين ما هو سياسي مدني وما هو ديني، والمسألة المصرية إن جاز لي وصفها مسألة معقدة نظراً لتشابك علاقاتها وتعدد الاتجاهات والتيارات فيها. وهذا الحكم يترك لدي انطباعاً مفاده الحيرة والدهشة، فهل صدور مثل هذا الحكم في هذا الوقت المحموم بصيحات التغيير والتعديل والتطوير كان انعكاساً لهذا التيار غير الواضح ملامحه، أم أن أكثر من رجل مسيحي مطلق قاموا بما اشتهر تسميته بتجمع الهموم المشتركة فقاموا برفع قضية ضد الكنيسة المصرية يطالبون فيها بحقهم في إقامة حياة زوجية وأسرية جديدة وسط مرأى ومسمع ذويهم وأقرانهم وعشيرتهم.

وعليك أن تكتفي بمطالعة عناوين الصحف والمجلات وموضوعات برامج التوك شو التي أصبحت تشبه القنوات الدينية الفراغية والتي تناولت هذه القضية آنذاك لتدرك على الفور هوس الجميع بالقضايا الدينية الخلافية، ومدى صعوبة الحالة المصرية في الفصل بين الأمور الدينية والأمور الدنيوية . فالبابا شنودة الثالث أصر مطلقاً على رفض التصريح بالزواج، مضيفاً إلى أن من يريد أن يتزوج فعليه ذلك بعيداً عن الكنيسة الأرثوذكسية.

وتشير الإحصائيات الرقمية أن أكثر من مائة وأربعين ألفاً هم ضحايا الطلاق مما يزيد من الحالة المصرية تعقيداً وحيرة. فعلى هؤلاء طبقاً لإعلان البابا من رفضه لقرار المحكمة أن يغيروا ملتهم أو دينهم أو أن يفعلوا ما يريدون دون الرجوع إلى مرجعية دينية . ولأنني رجل مسلم من الطبيعي أولاً ألا أدخل في هذا الجدال المحموم بين الكنيسة المصرية وأحكام الدولة المدنية، ثانياً إن معالجتي لمثل هذه القضايا الخلافية الجدلية تثير مسألة الفتنة الطائفية التي أسعى وغيري دون كلل أو تعب إلى القضاء عليها في مهدها وإقامة علاقات اجتماعية ورسمية دون تفرقة أو تمييز على أساس العرق أو الجنس أو الدين إذا كنا نرغب حقاً في البقاء.

لكن ما يثير دهشتي حقاً أننا نسقط دائماً في أول اختبار حقيقي نحو المواطنة التي لا تعني مطلقاً قهر النص الديني، ولا تعني إلغاء الفوارق والملامح الرئيسة والفاصلة بين الأديان، بل تشير إلى ضرورة الإذعان للقرار السياسي والالتزام بالأعراف المدنية التي تسعى الدولة إلى ترسيخها .

وأيضاً ما يحدث من مشاحنات ومساجلات ذات صوت عال حينما تصطدم المؤسسات الدينية بالقرارات المدنية رغم حرص كل طرف منهما على إظهار روح التعاون والمشاركة من أجل رفعة هذا الوطن الذي لا ولن يرتفع أمره إلا بارتفاع حقوق أصحابه، وأؤمن كما يؤمن غيري بأن النص الديني المقدس لن يتغير ولا يليق به ذلك لرفعته وقدسيته وثباته، لكن من المفجع أن العقول التي تعالج هذا النص وتتعامل معه لا تتغير بل تريد حيناً  أن تفرض سطوتها وحيناً آخر سياطها المغموس في الزيت المغلي لقهر وقمع النص الديني.

والأخطر في تفاصيل هذه القضية التي ستظل معلقة حيناً من الدهر حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً، أنني أستشعر خطراً قادماً من بين ثنايا هذه المسألة المثيرة للجدل، هذا الخطر قد يكمن في زيادة نبرة الاحتقان نحو القرارات المدنية السياسية تجاه الأمور الخاصة بالعقيدة، وقد يدفع هذا الاحتقان إلى ثورة بعض النساء المسلمات المقبلات على الزواج بأن يقمن دعوى قضائية ضد أي جهة أو مؤسسة أو حتى منظمة حقوقية يطالبن فيها بحقهن في إضافة بند أو شرط خاص في وثيقة الزواج تقر بعدم زواج زوجها بأية امرأة ما دامت على ذمته.

ونظراً لأننا نعيش ونحياً في ظل شعارات مسعورة تنادي بالتغيير والتطوير لأي شئ وبأي صورة، ونعاني من حالات فشل وسقوط ندعو الله تعالى بأنها لا تدوم  مثل انتحار شاب لظروف نفسية مبهمة، وانتشار موجات عشوائية من الأغاني، وسلوكات رياضية لا علاقة لها بالأخلاق والقيم، والأزمة الطارئة بين بعض النقابات والهيئات والجمعيات الأهلية، مروراً بالمحاولات الخبيثة للنيل من الدولة المصرية رئيسا وجيشا وشعبا أيضا، وآخرها هذا التهكم البغيض والسخرية المريضة بين جماهير الكرة في مصر، بينما هذا الجمهور نفسه لا يدرك ويفطن أن فريقه الوطني بات مهزوماً وهو يلعب مكشوف الساقين والمهارة أيضاً، ويجري وراء كرة مستديرة وسط جمهور مهووس قام بتلوين وجهه وذراعه وجبهته وربما قدمه بألوان علم بلاده حباً في لاعبيه، إلا أننا نأمل وسط كل حالات السقوط تلك أن نحيا ونستمر في إخراج العقول من حيز البساطة إلى ملكة التميز.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

ميثم الجنابينوادر "منهجية"

قبل الدخول العلمي والمنهجي في تحليل أهمية وقيمة المصطلح والمفهوم بالنسبة للوعي النظري والعملي، أود ايراد وسرد بعض الحوادث "النموذجية" التي عشتها شخصيا، قبل عقود من الزمن، والتي دعتني آنذاك للتفكير بمشروع مقالات عديدة يمكن جمعها لاحقا في كتاب أقرب الى "قاموس" المصطلحات والمفاهيم. بحيث يشمل أغلب ما هو متداول منها في كتابات الكثير من الكتاب المشهورين والمغمورين، بما في ذلك من يطلق عليهم كلمة "مفكر" وما شابه ذلك من ألقاب فارغة لا علاقة لها بالكلمة ولا بصاحبها!

وهذه في الوقع قضية غاية في الأهمية بالنسبة للقيم العلمية والتقييم العلمي. لكي لا يجري الإسراف في امور لا معنى لها، مع ما يترتب عليه من ابتذال صارخ بحيث يجرى مساواة الجهلة وأنصاف المتعلمين برجال افذاذ. وهذا ينطبق على عشرات بل مئات من المصطلحات والمفاهيم الخاطئة والشائعة الانتشار في المقالات والدراسات والأبحاث والكتب. الأمر الذي يترتب عليه بالضرورة ضعف الوعي وانعدام الدقة المنهجية ومن ثم انهيار منظومة الرؤية العلمية والثقافية. فكلمة "مفكر" الواسعة الانتشار والتي يمكن رؤيتها ملصقة على اسماء آلاف الكتاب بما في ذلك من الدرجة السابعة هو دليل على ابتذال الكلمة والمعنى والمصطلح والمفهوم وقيمته العلمية والثقافية. وعموما، إن هذه الكلمة هي خاطئة بحد ذاتها من حيث توظيفها في العربية. إنها مجرد ترجمة سقيمة ومباشرة لما في اللغات الأوربية. بينما في العربية فإن كلمة مفكر تطلق على كل انسان لأنه "كائن يفكر". واشتقت الثقافة العربية الإسلامية وأبدعت اصطلاحاتها الخاصة في تقييم الشخصيات العلمية التي جرى اهمالها والاستعاضة عنها بكل ما هو "غريب" لا لشيء إلا بأثر حالة الانحطاط الثقافي الذي واجهت به الثقافة العربية في القرن التاسع والعشرين مقابلها الأوربي. من هنا كساد الاصطلاحات العربية الدقيقة والعميقة والجميلة أمام ركام الحضارة الأوربية. ولكل منها تاريخه وإبداعه الخاص. بمعنى إن وراء المصطلحات ليست فقط تقاليد العلم والمعرفة، بل وتقاليد الرؤية الثقافية.

في احدى المرات هاجمني احد الأشخاص، لأنه وجد الى جانب اسمي كلمة "بروفيسور". ومع انني لا استعمل الألقاب العلمية حالما انشر ما انشره، بما في ذلك كتبي الكبيرة، إلا أن الكثير من المجلات والصحف والمواقع الالكترونية هم من يأخذون على عاتقهم هذه "المبادرة". وهو امر لا خطأ فيه. ففي "الغرب الأوربي" لا ينشرون في المجلات العلمية المحترفة والرصينة لمن لا يمتلك درجات علمية وألقابا تناسبها. وكلمة "بروفيسور" لا تطلق على كل من هب ودب. والحصول عليها، على سبيلا المثال في روسيا، يفترض أن يكون المرء قد دافع عن رسالة دكتوراه علوم، أي ما بعد الدكتوراه العادية. وعادة ما يجري السماح لكتابتها والدفاع عنها لمن حصل على درجة الدكتوراه بعد عشرين أو ثلاثين سنة! وبعد ذلك العمل خمس سنوات كحد أدنى في التدريس الجامعي والبحث العلمي لكل تعطى له. بمعنى إنها نتاج "شقاء" علمي شديد ومعقد. على عكس ما هو سائد في اغلب البلدان العربية حيث تعطى على اساس السنوات والعمر بما في ذلك الإداري. وليس غريبا أن نرى "مقالات" لأساتذة لا ترتقى في حالات عديدة إلى مستوى طلبة الصفوف الأولى الجامعية! وهذه قضية اخرى، لكنها في الوقت نفسه هي نتاج غياب وانعدام التقاليد العلمية الدقيقة بما في ذلك في المصطلح والمفاهيم.

وعودا إلى كلمة برفيسور والتي تقابل معنى "الاستاذ" في العربية المعاصرة، والتي تفتقد بدورها إلى دقة الحدود في ما يتعلق بمضمونها. فهي تطلق ليس فقط على من يحمل هذا اللقب العلمي، بل وعلى بياع الطماطم والخيار والحلاق والاسكافي والحوذي! والغريب في الأمر، هو أن من اثارته كلمة "بروفيسور" قابل بكل اريحية بكلمة "البكالوريوس" و"الليسانس" و"الماجستير" و"الدكتوراه". بينما هي جميعها اجنبية أوربية! وكلمة استاذ هي الأخرى ليس عربية بل فارسية معرّبة. وهي تعادل معنى البروفيسور، أي الحرفي أو المحترف. من هنا يستعمل اهل العراق كلمة "أسطة" وفي سوريا "المعَّلِم". وهي تعادل أو تعني معنى الاستاذ والبروفيسور!

والكلمات الأوربية هي نتاج تاريخ ثقافي وعلمي بقدر واحد. ولا جمالية فيها، فهي مرتبطة بمفاهيم الحرفة مثل سائس الخيل والكبير والأسطة وما شابه ذلك. بينما ابدعت الثقافة العربية الإسلامية اصطلاحاتها الدقيقة في ما يتعلق بالأسماء والألقاب من خلال الفنون العلمية والمعرفة والحرفة العلمية، مثل الطالب والمعلم والعالم والإمام واختصاصاتها الملموسة من فقيه ولغوي ومتكلم وطبيب ومئات غيرها. كما أن لكل مستوى القابه الخاصة مثل الجهبذ والنحرير والفحل ويتيم عصره وكثير غيرها. ولا مفاضلة هنا بين الاثنين، بقدر ما انوي الاشارة والتدقيق في ماهية المصطلح وجذوره الثقافية.

فالاصطلاحات والمفاهيم هي نتاج تجارب تاريخية ثقافية. ومن ثم ينبغي التعامل معها ضمن هذا السياق. والعمل ضمن هذه الرؤية يؤدي إلى انفتاح القريحة العلمية والتحرر من استلاب غبي لا معنى له ولا قيمة. فالاستلاب هنا يدفع الشخص بما في ذلك "المثقف" للسقوط في أوحال التقليد!

وأعود هنا للنادرة التي أثارت في أعماقي الرغبة بمواجهة هذه القضية الشائكة والمعقدة بسبب انتشارها وليس بسبب تعقيدها بحد ذاتها. إذ لا تعقيد فيها. بمعنى انه يمكن تأسيسها وغرسها في الوعي من الصغر، شأن تعليم التلامذة ابجدية النطق والكتابة. فبدونها لا يمكننا سماع ولا قراءة ما يمكن فهمه واستساغته. وهو واقع واسع الانتشار في الثقافة العربية الحالية، ليس "الجماهيرية" بل وبين المثقفين، دعك عن رؤساء الدول والملوك والأمراء. فهذه فضيحة من نوع آخر.

إن النادرة التي اتحدث عنها تقوم في ما يلي: كنت اتمشى قبل اكثر من عقدين من الزمن في دمشق صباحا باتجاه دمشق القديمة ومناطقها الخلابة والهادئة بما في ذلك في صخبها، وبالأخص حول محيط الجامع الأموي. وإذ بأحد الأشخاص ممن كنت اعرفهم، يهتف علي من بعد. والتقينا وسرنا سوية صوب المدينة القديمة. وحدثني عما يقوم به من كتابة عن الثقافة والدولة وأمور اخرى سياسية. وكان كثير الاستعمال لبعض الاصطلاحات الفلسفية، وبالأخص كلمة "ابستيمولوجي" الواسعة الانتشار حد القرف في ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي. وكان يتلذذ بلفظها على الطريقة الفرنسية (التي لم يكن يعرفها) ويعيدها بأشكال مختلفة (ابستيمولوجي، ابيستيمولوجيا، ابستيمي وغيرها). وجميع ما كان يستعمله ليس في محله. الأمر الذي دفعني للمزاح العلمي معه، بأنني لا افهم ولا اعرف مضمون هذه المصطلحات، وحبذا لو شرحها لي بطريقة مفهومة. وقد اندهش من قولي هذا، وأجاب مستفسرا عما إذا امزح معه، لاسيما وأنا "رب الفلسفة"، حسب عبارته. وأكدت له بأنني ارغب فعلا بفهم مضمونها كما يفهمها هو. وهلم انني اعرف ذلك، فماذا لو استفسر منك شخص لا يعرف معناها. عندها اجاب بأن معنى ابستيمولوجي هو ابستيمولوجي وابستيمولوجيا. وعندما مازحته بأن هذا مجرد تكرار مثير للسخرية، ولا يكشف المعنى بل يزيده انغلاقا. عندها اخذت بشرح هذا المصطلح، اصوله وجذوره ومعناه ووظيفته المعرفية وتغير مضمونها التاريخي وأبعاده الثقافية وأمور أخرى عديدة على امتداد أكثر من نصف ساعة. عندها نظر الي بشكله الوديع والمبتسم والجازم شأنه في كل مواقفه قائلا: والله والله والله، أنا وكل المثقفين حمير لا نفقه شيئا في هذه الأمور. نكررها للأبهة السخيفة. عزيزي ميثم! هلا تكتب لنا مقالات أو كراس مختصر تشرح فيه كل ما يجري تداوله من مصطلحات، لأنه لا احد يفهم فيها شيئا على الإطلاق!

ولم تكن هذه الحالة غريبة بالنسبة لي. وقد خططت فعلا لسلسلة مقالات قصيرة مستمرة بحيث لا تشمل الاصطلاحات فقط، بل والمفاهيم والأحكام والصيغ المنتشرة لمختلف الانماط الجامدة في الكتابة والأحكام والتقييم المتعلقة بالحياة الفكرية والسياسية والتاريخية والثقافية والتراثية وغيرها. وقد كتبت العشرات منها بأوقات متفاوتة تناولت فيها بعض المفاهيم والشخصيات (تحت عنوان "شخصية ومصير"). ومن ثم كنت أهملها بسبب عدم رسوخها بهيئة مهمة أولية وضرورية بالنسبة لي. مع إدراكي الجازم بأهميتها الجوهرية بالنسبة للمعرفة العلمية والثقافية. إذ لا يمكن تأسيس المعرفة العلمية الرصينة دون رصانة الإدراك والاستعمال الدقيق والسليم للاصطلاح والمفاهيم. فبدونهما تنهار أسس المعرفة المنطقية والتأسيس العلمي للعقل النظري والعملي.

وقد طلب مني أحد الأصدقاء قبل يومين أن اتناول بالشرح والتدقيق مفهوم "الليبرالية"، بسبب اثارته الجدل وسوء الفهم أو انعدام الرؤية الدقيقة عنه. ووعدته بالقيام بذلك. وسوف اقوم به قريبا، واستكمله، كل ما ساعد الوقت والحال، على تدقيق مختلف المفاهيم والاصطلاحات بشكل عام والإشكالية منها بشكل خاص.  

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

عبد الحسين شعبانلم يكن المسرحي والكاتب الألماني برتولت بريخت واهماً أو حتى حالماً حين قال: «أيها الجائع تناول كتاباً، فالكتاب سلاح»، وهل يشبع الكتاب البطون الخاوية؟ لكن بريخت برؤية استراتيجية للمستقبل يُدرك الترابط الوثيق بين الثقافة والتنمية والمواطنة؛ بل إنه يجعل من هذه الثلاثية محوراً مركزياً وعقلانياً للتقدم، فلا تقدم حقيقياً دون التعليم، وفي التعليم تكمن فلسفة الدولة التربوية للنهوض بالمجتمع، وحسب أفلاطون وأرسطو وابن خلدون، فالإنسان مدني بطبعه، وبالتالي ما يحكم علاقاته وسلوكه وتربيته هو مدني أيضاً.

وبدعوة من مؤسسة هانز سايدل الألمانية والمعهد العربي للديمقراطية، التأم مؤخراً في تونس، مؤتمر فكري شارك فيه خبراء ومفكرون وتربويون عرب وأجانب لمناقشة تجارب تاريخية في البلدان العربية والأوروبية، في ما يتعلق بمدنية الدولة، ارتباطاً باليوم العالمي للتعليم (24 يناير/‏كانون الثاني) الذي قررته الجمعية العامة للأمم المتحدة، احتفاء بدوره في صنع السلام والتعايش والتنمية، إضافة إلى كونه حقاً من حقوق الإنسان وصالحاً عاماً ومسؤولية عامة.

وتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في المادة 26 منه، الدعوة إلى التعليم الابتدائي المجاني والإلزامي. وكانت اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، قد نصت على ضرورة توفير التعليم العام للجميع، كما ذهب إعلان مبادئ التسامح الصادر عن المؤتمر العام لليونيسكو 1995 إلى تأكيد مناهضة التمييز في مجال التربية (الديباجة)، وأكّد في المادة 4 على أن «التعليم هو أنجع الوسائل لمنع اللاتسامح، وهو ضرورة ملحة، ويحتاج الأمر إلى أساليب منهجية وعقلانية لتعليم التسامح (التربية عليه) من خلال سياسات وبرامج، وهدفه مقاومة تأثير العوامل المؤدية إلى الخوف من الآخرين واستبعادهم، وتربية النشء على تنمية قدراتهم»؛ أي نبذ التعصب والتطرف.

وتقتضي التربية على الثقافة المدنية، محاربة التعصب ووليده التطرف، وإذا ما انتقل هذا الأخير إلى التنفيذ وأصبح سلوكاً سيتحول إلى عنف، وحين يضرب هذا العنف عشوائياً يصير إرهاباً، ولعل غياب التعليم وتفشي الأمية يجعل البيئة مهيأة لتفقيس بيض العنف والإرهاب، وستكون الأرقام صادمة إذا ما عرفنا أن 258 مليون طفل وشاب لا يزالون اليوم غير ملتحقين بالمدارس، وهناك 617 مليون طفل ومراهق يعانون الأمية «الأبجدية»، فما بالك بالأمية المعرفية والتكنولوجية، ومن ضمنهم ما يزيد على 70 مليون أمي عربي «أبجدي»، وهؤلاء الأكثر عرضة للتأثيرات الماضوية، تارة باسم الدين وتارة أخرى باسم التقاليد، ناهيك عن كوابح عديدة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية ودينية، ومذهبية وإثنية وعنصرية وغير ذلك.

وبالعودة إلى حكمة بريخيت، فقد أثبتت التجربة أن التعليم والتربية السليمة هما طريق التنمية للخلاص من الفقر وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتطويق عوامل وأسباب التمييز والتعصب والحروب والنزاعات والعنف والهجرة، وأساساً للعيش المشترك والاعتراف بالآخر وبحقوقه وبالسلام وقيمه.

وتزداد الحاجة إلى التربية والتعليم على جميع المستويات خصوصاً في البلدان النامية ومنها بلداننا العربية لأهمية تأمين الحق وتعميم المعرفة وجعل الثقافة في متناول الجميع، ومثلما هي حق إنساني فهي حق قانوني، وقد ورد ذلك في العهدين الدوليين الأول الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والثاني الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ الصادرين عام 1966 واللذين دخلا حيز التنفيذ عام 1976، علماً بأن 82% من دساتير العالم تحفظ الحق في التعليم، وأن 55% منها تمكّن المواطن من اللجوء إلى القضاء في حالة انتهاك هذا الحق.

وقد جرت في السنوات الثلاثين الأخيرة عمليات خصخصة للتعليم لقيت معارضة من جانب أوساط غير قليلة من الطبقات الكادحة ومحدودي الدخل، خصوصاً أنها جعلت العديد من أبنائها خارج العملية التعليمية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وأجور الدراسة.

وعلى الرغم من أن بعض البلدان العربية حققت بعض النجاحات، فإنها تحتاج إلى مزيد من التخصيصات المالية، ناهيك عن الارتقاء بالعملية التربوية لتنسجم مع روح العصر، بحيث يكون التعليم شاملاً ومدنياً ووفق منهج موحد وعصري.

ولكي تكون العملية التربوية مدنية لا بد من الوعي بأهميتها وإقرار ذلك قانوناً للوصول إلى أهدافها، واتخاذ طائفة من التدابير والإجراءات لضمان تأمين الحق للجميع (للإناث ولسكان الريف والبادية وللفئات الضعيفة ولذوي الاحتياجات الخاصة)، فالتربية هي المدماك الأساسي لكل تقدم وتنمية ومواطنة، وتلك من أسس الدولة المدنية، خصوصاً في ظل بيئة مناسبة لتأكيد قيم السلام والتسامح والمساواة، وإقرار التعددية والتنوع والاعتراف بالآخر.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

محمد عمر غرس اللهتعرف المنطقة العربية - منذ عشر سنوات تقريباً - سجال حول وصف (ثورة) على غير ما عُرفت به الثورة ووقعها على المجتمع العربي، هذا الأمر يحتاج البحث والقراءة لما ألت اليه أوضاع منطقتنا من ماسي سُجلت تحت عنوان ثورة الربيع العربي، الأمر الذي تم سحبه حتى على التاريخ في إختلاف الأراء حول محطات تاريخية: هل هي ثورة أم إنقلاب ام إنتفاضة ..الخ، وراح كل تيار يصف حدث ما بما يعزز رأيه وموقفه، وإتسق في ذلك موقف بعض العرب مع ما يراه وتقدمه الدول الغرببية حيال ما يحدث، إذاً ماذا وراء ذلك؟ كيف، ولماذا؟، دعونا ترى

ظهر من بين العلوم الإنسانية علم الثورة الذي يفصل ويحلل ويحدد تعريف منهجي لوصف الحدث، إرتبط بحركة المجتمعات وحدوث التغيير فيها كأحد تجليات ما يُعرف بالتغير الإجتماعي (Social change) في حدث فاصل تخرج فيه الناس للشارع وتمارس فيه الجموع سطوتها وتحدث - بقيادة من بينها - التغيير المطلوب، ومع تطور البشرية عرف الخروج الثائر للشارع تاثيراً من أطراف خارجية تحصد نتائج وفق أهدافها، وتدفع هيجان الناس لتحقيق مأرب محددة فتجني نتائج تصب في مصلحتها، غير أن ثمة تعريف أخر للثورة يرتبط بالنتائج أكثر منه بالمقدمات، فيحدد: هل الحدث تعبير عن صوابية الفعل أم لا؟ وعموماً تبقى الأسباب المحلية والعربية والدولية مهمة في تحديد وصف الحدث هل هو ثورة أم مؤامرة، فكلما إرتفع منسوب الأسباب الخارجية قل منسوب الإيجابية في الوصف وصار في خانة التدخل الدولي، ومع هذا كله ومن خلال جرد تاريخي نجد أن وصف وتفسير الثورة في المنطقة العربية ظل متأثراً بثلاثة ثورات:

الاول: ثورة 23 يوليو 1952م: والتي أخذ فيها وصف الثورة إرتباطاً بما تم تحقيقه للمجتمع والشعب تباعاً من تأميم قناة السويس وطرد القواعد الأجنبية، وتاميم الموارد وتوزيع الأراضي على الفقراء وإتباع سياسة عربية تمثل إرادة الاستقلال والتحرر العربي في مواجهة العدوان الثلاثي (فرنسا - بريطانيا - الكيان الصهيوني) وطرد الإستعمار الفرنسي من الجزائر بدعم الثورة الجزائرية 1954 – 1962م، هذه الثورة تُعد متسق او هي في شيئاً منها مرجعية لما حدث في اليمن 1962/ 1967م، والعراق وسوريا، وليبيا في الفاتح من سبتمبر 1969م، وتعبيرها عن إرادة الأمة العربية كوحدة واحدة، وكتطور عن حركة التحرر العربي من المحيط للخليج.

الثاني: الثورة الإيرانية 1979م: والتي كانت تعتبرها تيارات الإسلام السياسي عربياً مثالاً للحركات الإسلامية في تحقيق مطالب الشعب بما فيها موقف قادتها من الإمبريالية الغربية وإغلاق سفارة الكيان الصهيوني وتسليم مقرها لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومنع الهيمنة الأمريكية والبريطانية على الشعب الإيراني الشقيق، والعمل على الإستقلال الوطني وبناء مصادر إقتصادية وعسكرية ذاتية، هذه الثورة التي عمل الغرب - في مراحل لاحقة ولأسباب إستراتيجية - على تصويرها ثورة شيعية موجهة ضد السنة العرب، في إطار صنع قومية سُنية متحالفة معة الكيان الصهيوني عبر خلق وتصنيع وتوهيم عداء بين إيران والعرب وتطويره مع الزمن بما يخدم الهيمنة الغربية ويحقق لها جندي إقليمي يحارب إيران نيابة عنها، ويمنع توافق الإرادة الإسلامية في الإقليم لمواجهة الهيمنة الغربية.

الثالث: الثورة الفرنسية، والتي يتم تقديمها عربياً في إطار مناهج الأورومركزية (الليبرالية)، عبر خلط الأوصاف والمصطلحات فيما يتعلق بالفصل بين السلطات، والتحلل من القيم الدينية، ومن ناحي أخرى وضع وصف الثورة الفرنسية في أفواه العامة الذين لا يفقهون كنه ما يرددون في الإعتقاد بتماثل ما حصل في فرنسا مع ما يجري في منطقتنا وإسقاطه عليها، وترديد ذلك بدون أدنى وعي.

هذا ويبدو تلبيس الأحداث التي إندلعت مع بداية عام 2011م وصف (ثورة الربيع العربي) تم فيه الخلط بين أسبابها بالمزج بين واقع الدول العربية التي شهدت ما جرى (تونس - مصر - اليمن - ليبيا - سوريا)، وهو ما خدم تحقيق الأهداف من الأطراف الدولية التي إن لم تكن قدم خططت فهي كانت جاهزة لإستغلال ماحدث، وفي هذا تم تعميم وصف (ثورة) وجعله في أفواه العامة وبصخب، ورغم ذلك لم يقبل - العقل الباطن عربياً - أن توصف الأحداث بأنها ثورة، خاصة تلك التي شارك فيها برنار ليفي والسيناتور الأمريكي جون ماكين وتثمين من رؤساء الدول الأوروبية، وبمشاركة قوات وقصف طائرات حلف الشمال الأطلسي، وهو ما إنتهى بتسليم الأوطان للتنظيم العالمي للأخوان المسلمين والجماعات الإرهابية المسلحة من داعش وأخواتها وبناتها بإشراف ضباط أوروبيين ومبعوث الأمم المتحدة وسفراء الدول الغربية.

وفي هذا كله يتم عمل مقصود لإعطاء مفهوم بعيد عما تعنيه (الثورة) في المجتمع العربي وقطع إرتباط الوصف ومدلوله بما سارت عليه ثورة 23 يوليو ومن نسج على منوالها في المنطقة العربية، وتم في هذا عمل كبير جداً بمنظومة عمل مركزة ومنسقة لم تترك شيئاً لم تستغله في سبيل محاربة ومعاداة وتشويه وتحقيق الحرق والإغتيال المعنوي لمدلول الثورة الناصري (نسبة للزعيم جمال عبد الناصر) وحرق وإغنيال معنوي لكل القادة والشخصيات الذين قاوموا الهيمنة الغربية وحاولوا تحقيق إرادة وطنية وعربية مستقلة وواحدة، وتم ذلك عبر تظهير أعداء ووكلاء محليين لسياقها شاركت فيه أحزاب وتنطيمات ودول عربية، لمنع تكرار ما أحدثته ثورة 23 يوليو وما أحدثه الذين نسجوا - على منوالها العربي - خطواتهم التي كان سياقها التاريخي طرد القواعد وتاميم النفط وإستعادة السيادة والدعوة للوحدة العربية والعدالة الإجتماعية ومحاولات بناء إقتصاد وطني وإقليمي مستقل.

أن الإلتباس في وصف الأحداث بوصف (ثورة)، يحتاج تأصيل معرفي في إيجابية النتائج أكثر منه في (شرارة الفعل كثورة بركان يدمر ما في طريقه)، غير أن التأصيل الإيديولوجي يذهب إلى مسار أخر، ويحول موضوع المفاهيم إلى صراع تنافسي فيمن يسحب على نفسه إيجابية الفعل بغض النظر عن مأساوية المسار والنتائج، وفي هذا ليس ثمة عامل داخلي يمكن الإحتكام له، فالرأي العام اليوم بفعل العولمة يقع تحت تأثير وسائل الإتصال القوية (السمعي بصري) التي تصنع الإنطباع الشعبي العام عبر نظريات التحكم في (المتلقي والمشاهد والمتصفح) والتأثير عليه وقيادته وتوجيهه، فالمعرفة لم تعد بنت القراءة وحدها، والحمائية الوطنية التي كانت توفر للكتاب والثقافة الوطنية والراديو وحتى التلفزيون الوطني فرصة بناء التصورات الفكرية والثقافية وتعبر عن المجتمع - إنتهت أمام العولمة التي صار فيها تأثير من خارج الحدود اكثر وأمضى وأقوى حتى على الجتمعات المحلية بل والأُسرة نفسها، فالسمعي بصري اليوم خطف كل شي، خطف الأبناء من أبائهم، والتلاميذ من تأثير مدارسهم، كما خطف الشعوب من تخبهم المحلية، وحول هذه القطاعات العريضة إلى جنود وسيل هادر بل وتسونامي يجرف ويدمر أوطانه ويذبح أهله ويحول المدن والقرى إلى مسارح للدم والخطف والتدمير وهو يهتف بالثورة كما رأينا في ليبيا وسوريا، بدلأ من فعل ذلك لمواجهة الهيمنة والتدخل الخارجي، إنها بوضوح إشكالية الثورة فهل ثمة تعريف واحد للثورة في كل العصور والمراحل.

في الحقيقة أن جملة من المصطلحات والأوصاف تم الإستيلاء عليها من واقع وتاريخ شعوبنا ووضعت على طريق أذرع النهب الدولي تخدمه، فــ(الجهاد) لم يعد جهاد الليبيين ضد الطليان، فلم يعد جهاد عمر المختار وسلطان باشا الأطرش وجهاد الشيخ ماء العينين وجهاد الدغباجي وعلي الشنطة، وجهاد الأمير عبد القادر الجزائري والشيخ بوعمامة وجهاد جبهة التحرير الوطني الجزائري في  مواجهة الإستعمار الفرنسي والإيطالي والبريطاني،  بل صار جهاد عبد الله عزام وأُسامة بن لادن والزرقاوي وأبوقتادة والجولاني والقرضاوي والعريفي والصلابي وسلمان العودة بمعية أجهزة المخابرات الأمريكية والبريطانية، وبمعية برنار ليفي ومخابرات أميركا وبريطانيا وبمعية قاذفات حلف شمال الأطلسي، لقد صار الجهاد هو أن يُهجر السوريين من بلادهم وتقتلهم الجماعات الإرهابية في قراهم وتذبحهم وتدمر منازلهم وأن يبيع جماعات داعش نسائهم وبناتهم، والجهاد لم يعد الشرف بل صار جهاد النكاح جهاراً نهاراً وعلى الأشهاد، والجهاد صار في طرابلس الغرب ودرنة وبنغازي وأدلب وحلب وعين العرب يغطيه مبعوث الأمم المتحدة ويدعو له الرئيس التركي وتبرره البي بي سي وقناة الجزيرة وتموله إمارة قطر وتحمل الطائرات والسًفن التركية جماعاته من بلد لأخر وبمجاهرة وتبجح من ألرئيس التركي أردوغان أمام سمع وبصر العالم.

وفي هذا فإن (الثورة)لم تعد بنا وتعمير مشاريع زراعية وإسكان وتأميم للنفط وإستعادة السيادة الوطنية، بل صارت الجلوس أمام الجنرال الإيطالي ديليسيرا يدير طرابلس الغرب وتدمير مطار طرابلس العالمي بطائراته وتمكين داعش من درنة وسرت وتمكين التنظيم العالمي للأخوان المسلمين من السيطرة على البنك المركزي الليبي، وصارت الثورة تعني تجميع أكثر من 150 ألف مرتزق من كل أنحاء العالم وإدخالهم لسوريا عبر تركيا والأردن لقتل السوريين في ديارهم ونهب وسرقة أكثر من 25 ألف مصنع ومعمل من مدينة حلب السورية، بتمويل خليجي يفوق عشرات المليارات، فالثورة صارت وفق ترتيبات هذه المرحلة عمل وفق إستارتيجيات الدول الغربية وأهدافها.

و(الحرية) لم تعد قيمة (الحر) الشهم العفيف البعيد عن الموبقات، بل صارت تعبير عن الشذوذ الجنسي والمثلية، وتعبير عن الإنجاب خارج المؤسسة الزوجية والمجاهرة بالإفطار في شهر رمضان علناً، وصارت تعني التحلل من نفوذ الأوامر والنواهي القرأنية، وصارت ايضا معاداة للغة العربية لغة القرأن، وصارت تعبير عن التحلل من القيم  الإجتماعية،  كما أن التقدم والعصرنة صار في الإنتظام في منظمات تابعة للمخابرات الدولية تحت عنوان منظمات المجتمع المدني، وصارت الثورة والديموقراطية هي تقديم الوثائق والمعلومات الوطنية والإرشيف الوطني للمخابرات الدولية، وتدخل الدول الأوروبية حتى في خصومات القبائل في بلداننا.

إنه صارع المصطلحات والأوصاف والمنهجيات، التي تجعل المواطن البسيط في حالة هيجان حاد لا تعرف مالذي أصابه، حتى أصبح يرى إيجابية إدخاله لضباط المخابرات الدولية لبلاده يقود بهم السيارة ويأويهم في قريته ويقدم لهم الأكل من  يد زوجته وأوخواته، ويفاخر أمامهم بتدمير بلاده وفتح أبوابها لهم وتمكينهم من كل شيء.

أن الأمر يحتاج الباحثين المتخصصين ليقدموا في هذا جهودهم البحثية لمعرفة تفاصيل ماحدث وكيف حدث ولماذا حدث ويعملوا على التأثير على الشارع العام فكرياً وثقافياً، فمشارط السوسيولوجيا الكولونيالية أخطر بكثير من قصف القاذفات والبوارج، حيث أن تأثير القنابل يمكن تحديده وإعادة بناء ما تم تدميره بالإعمار، بينما ما تفعله المنهجيات يضرب العقول ويخربها ويحول الإنسان في وطنه إلى تابع بل وأداة ولسان ويد لأولئك الذي صنعوا وبرمجوا تلك المنهجيات - وتحدد الأوصاف وتطرق عليها - التي تصنع أنسان تابع غريب مطية وبردعة للأجانب، لا تعرف مالذي أصابه ومالذي حوله إلى هذا الوحش الذي يأكل لحم ذراعه - كما يقال - ويضرم النار في دياره بالطريق التي نرى.

والله من وراء القصد

 

بقلم: محمد عمر غرس الله

 

 

قاسم حسين صالحالركن الثالث في أشكالية السلطة في العالم العربي هو الحاكم. ولدى تمعننا في تاريخه توصلنا الى انه لا احد يدخل السياسة الا وعنده ميول عدوانية.. وأنه يكون امصاب بواحدة أو اكثر من الآتي:

أولا: البارانويا. في اليوم الذي يجلس فيه الحاكم العربي على كرسي الحكم، فان البارانويا تجلس معه، ونعني بها الشك المرضي بالآخر المتمثل بسرعة الاتهام للاخرين بالكذب والتآمر عليه، والخوف من الاستيلاء على الكرسي حتى من اقرب الناس اليه بمن فيهم أخوته، ومن يومها ينشغل فكره باوهام واضطهاد وتآمر عليه تتحول لدى بعضهم الى هذيان نفسي يكون موضوعه كرسي الحكم.

ثانيا: الهوس السلطوي

المؤسف، أن معظم القادة العرب ورثوا عن أسلافهم القادة هوسهم بالسلطة أكثر مما ورثوا عنهم فضائلهم وترّفع الندرة منهم عن ملذاتها. ويعدّ الحكّام الذين استلموا السلطة في العراق يعد (2003) أقبح نماذجهم في العصر الحديث بهوس (الثروة)...والمفارقة، ان معظم الذين انتخبوهم يعيشون في جحيم الفقر!.. وان ابناءهم يشاركون في تظاهرات واحد تشرين/اكتوبر وبينهم من استشهد برصاص سلطة الحكّام الذين انتخبهم آباؤهم!.

ثالثا:غريزة السطوة

في متابعتنا للمشهد السياسي العراقي من عام (2005) وجدنا قادة سياسيين يبدون في ظاهرهم ديمقراطيين فيما تعمل بداخلهم نزعة السطوة. ولأن السطوة والديمقراطية لا يمكن ان يجتمعا فأنهم عاشوا حالة تناقض وجداني وسلوكي وامتلكوا اهم مصادرالسطوة:الثروة بحيازة القاعدة الذهبية (من يملك الذهب هو القادر على وضع القواعد)، كانت آخرها قتل اكثر من ستمائة واصابة اكثر من عشرين الفا، في انتفاضة تشرين/اكتوبر، وكأن هؤلاء المتظاهرين قوم غزاة وليسوا شبابا صروا ستة عشر عاما وانفجروا يطالبون بحقوق مشروعة.

رابعا: الغطرسة والسلطة

تتجسد ملازمة الغطرسة في الحاكم العربي بثلاثة اعراض: (استعمال لقب نحن) و(الاعتقاد الراسخ بتبرئته امام الله والتاريخ) و (الاقتناع بالاستقامه)..غير ان أخطرها أنه يصبح متوحّدا بالسلطة، مختزلا الناس والوطن في شخصه. والمفارقة ان الحاكم العربي لا يدرك ان الغطرسة هي احد الأسباب التي تسقط الحاكم من الكرسي. مثال ذلك، جاء ضابط رفيع الى الأمير عبد الأله والباشا نوري السعيد يخبرهما بحركة انقلاب عسكري(14 تموز 1958) فلم يكترثا، وكذلك سخر معمر القذافي من المتظاهرين.. وقتل ببشاعة، وعاند صدام ولم ينسحب من الكويت..فأعدم. ويبدو ان الغطرسة علّة كل الحكام المستبدين، فحين حذروا الدكتاتور نيقولاي شاوسشيكو من التظاهرات، اجابهم ساخرا:لن يحدث تغيير في رومانيا الا اذا تحولت أشجار البلوط الى تين!..وانتهى به الأمر الى اعدامه.

خامسا: الحول العقلي

اثبتت احداث ما بعد 2003 ان العقل السياسي العراقي ادمن على انتاج الأزمات وغير قادر على حل المشكلات، لأن الادمان على الازمات كالادمان على المخدرات. .ففي الحالتين يحدث للعمليات العقلية في الدماغ برمجة ثابتة تجعله يعتاد على تفكير نمطي محدد يجبره على تكراره. وانهم لن يستطيعوا ان يتحرروا فكريا من معتقدات ثبت خطؤها، ولن يستطيعوا ان يجدوا حلّا او مخرجا لما هم فيه، بل انهم سيعرّضون ملايين الناس الى مزيد من الأذي، لأن عقلهم مصاب بخلل ادراكي نحتنا له مصطلحا سيكولوجيا جديدا هو (الحول العقلي).. الذي يرى أن معتقداته هي الصح والأصلح وأنه على حق مطلق وما عداها وعداه خطأ وباطل.

وأخيرا، يبقى لدينا الركن الرابع في فهم هذه الأشكالية والمتمثل بالمحكوم..المواطن العربي.. نوجزها بأننا اذا استثنينا المناضلين من رجال الدين الى الشيوعيين والقوميين الذين ثاروا ضد الحكام الطغاة، فان الغالبية المطلقة من الشعوب العربية تعودت الخضوع والخنوع والتملق للحاكم ، لسببين، الأول.. تبريري، بتخريج ديني (وأطيعوا اولو الأمر..)، والحاكم هو ولّي الأمر المطلق، والثاني..الشعور بالعجز المصحوب بالخوف من بطش الحاكم.. ما يعني ان (الشعب) شريك في جعل الحاكم يحب الكرسي، بل انه قام بتأليه كثيرين، ووصف حكاما طغاة بأنهم هبة السماء للأرض.وكان للدين الأسلامي دوره في صتاعة سيكولوجيا المحكوم ايضا، لكونه يعاني من اشكالية خطيرة تتحدد بتعدد مذاهبه:اربعة في السنة ومذهبان في الشيعة، فضلا عن مذهبي الأباضية والظاهرية.

استنتاج

ان هذا التحليل يقود الى انه لا توجد الآن في العالم العربي دولة مدنية بمفهومها الحديث الذي يعني الدولة التي تحمي جميع أعضاء المجتمع وتحافظ عليهم بغض النظر عن اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والفكرية، وتعمل على اتحاد وتعاون الأفراد وفقاً لنظام تسوده علاقات قائمة على: قبول الآخر، التسامح، السلام، المساواة في الواجبات والحقوق، وقضاء عادل في تطبيق القوانين، فضلا عن سلطة عليا تُعرف بسلطة الدولة، يلجأ إليها الأفراد حين تهدد حقوقهم بالانتهاك..واننا بعيدون زمنيا في الوصول اليها بما فيها الأنظمة العربية التي تقر دساتيرها بأنها ديمقراطية.. للعلل التي شخصناها من منظور علم النفس والأجتماع السياسي في اركان هذه الأشكالية الأربعة:السلطة والدين والحاكم والمحكوم.

توصيات

- دعوة اساتذة الجامعات في العالم الى تقديم مذكرات او التماسات الى الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي ومنظمات حقوق الأنسان والجامعة العربية بالضغط على الحكومة العراقية والزامها باحترام حق التظاهر والتعبير عن الرأي، ومحاسبة كل من ارتكب جرائم قتل ضد المتظاهرين السلميين في العراق..اعتبارا من تاريخ 1 اكتوبر 2019.

- دعوة المؤتمر الى تفعيل دور العلوم التربوية والنفسية والاجتماعية في مجالات الحياة كافة لاسيما المجال السياسي المأزوم بالعنف والفوضى وخوف الناس من المستقبل.

- التنسيق بين علماء النفس والأطباء النفسيين والمرشدين التربويين وعلماء الاجتماع لدراسة ومعالجة الظواهر السلبية التي ازدادت مؤخرا والمتمثلة بالطلاق والمخدرات والألحاد والأنحرافات الجنسية، وتأمين متطلباتها المادية والبحثية.

- عقد مؤتمرات تهدف الى تفعيل الوظيفة الأساسية للجامعات في بناء الأنسان ودوره في صنع الحاضر والمستقبل.. والكف عن اشغال المواطن في التباهي بأمجاد الماضي، الا بما يعزز دوره في التفكير بتغيير الحاضر.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

..............................

* نص المحاضرة التي القيت في المؤتمر الدولي للعلوم الانسانية (جامعة جيهان 12-13 شباط 2020)

 

 

منى زيتونسبق أن ناقشت أمر التعاطف في مقال سابق، ذكرت فيه أن هناك خللًا ما في بوصلة كثيرين من أفراد مجتمعاتنا العربية في توجيه تعاطفهم في كل قضية اجتماعية، وكثيرًا ما نجد من يتعاطفون مع الطرف غير المستحق له؛ ذلك أنه كثيرًا ما يبعد السلوك التعاطفي عن المنطق بل ويجافيه، ويقوم على الهوى وآفة الرأي الهوى!

والتعاطف كما أعنيه هو إظهار التقدير بقول أو فعل لشعور الآخرين؛ فأنا أتعاطف معك عندما أظهر لك أنني أقدر تقديرًا حقيقيًا ما تمر به، وليس بأن أسمعك أو أضع نفسي محلك أو أظهر استجابة انفعالية -حتى لو كانت ودودة- لمشاعرك.

في هذا المقال أحاول تصنيف أحوال البشر فيما يخص التعاطف، فللتعاطف مستويات وحالات عديدة، وأشهرها من خلال خبراتي الميدانية الأصناف الخمسة التالية.

التعاطف الإنساني

هو أول أنواع التعاطف وأعمها وأندرها في الوقت ذاته. إنه نوع التعاطف الذي يكون مع جميع البشر والمخلوقات دون تمييز، ولا يتذكر صاحبه سوى أنه إنسان فلا يتنبه لديانة أو لجنسية أو لأي انتماء كان.

وهذا تعاطف من بلغوا درجة عالية من النمو والسمو الروحي، تجعلهم يتعاطفون مع الخُطاة كما يتعاطفون مع الصالحين، وتبلغ بهم الرحمة بالحيوان وسائر المخلوقات أشدها.

اللا تعاطف

على العكس من النوع الأول للتعاطف الذي يتصف به الرحماء نجد نقيضه الذي يميز قُساة القلوب، وهؤلاء لا يكاد يعنيهم سوى أنفسهم وأقرب الأقربين منهم، وكأن الأرض خُلقت لهم وحدهم.

ولا يتوقف الأمر لدى أغلبهم عند حال اللامبالاة بل قد يتعدى معهم إلى الشنآن والشماتة في المكروبين. هؤلاء هم الشانئون لكل البشر صالحهم وطالحهم، أصحاب نظرية "لا دخان دون نار".

وأمثال هؤلاء لا تاريخ لأحد عندهم، فلو عاشروك سنينًا وأحسنت إليهم فيها أشد الإحسان ثم وجدوا من يطعن فيك لظنوا فيك ما يقول بلا روية ولا دليل! وربما ساهموا في الإشاعة عنك!

واللا تعاطف كسمة يختلف عنه كحال، ففي بعض القضايا لا يلزم أن تتعاطف فيها مع أحد الطرفين في القضية عندما يكون كلاهما مخطئًا ونال عقابه؛ كما في أزمة المدعو محمد رمضان والطيار الذي تم فصله لسماحه له بدخول قُمرة قيادة الطائرة واللعب في أزرارها في استهتار بالغ بأرواح البشر.

التعاطف مع صاحب الحق

وهذا هو صنف التعاطف الوحيد الذي لا ينافي ويجافي العقل بتاتًا، بل يماهيه ويتماشى معه دائمًا. هو تعاطف العقلاء والحكماء، وهو أيضًا التعاطف الذي وصف الله سبحانه وتعالى به المؤمنين ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29].

وقد كان هذا هو صنف التعاطف السائد بين المسلمين في عصرهم الذهبي، حتى أن الخليفة قد يجد قاضيه يحكم عليه، وابن الوالي يجد الخليفة يقتص منه، ويجعل الحق عليه، ويقف مع ابن واحد من أهل الذمة ضده.

وهؤلاء المتعاطفون مع إقامة الحق يدركون أثر العقاب في استقامة المجتمع وزجر الملتوين ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، فلا تأخذهم شفقة بالمخطئ أيًا كان، ويضربون على يده وإن كان ذا قربى. بشر كالسيف لا يخرجهم عن الحق لومة لائم، وإن غضب منهم الجميع. وصدق سيدنا علي بن أبي طالب عندما قال: لم يُبق لي الحق صاحبًا.

التعاطف الفئوي

وهذا النوع كسابقه يكون لجماعة دون أخرى، لكن مع الفارق الكبير، فالتعاطف مع الحق تعاطف الحكماء العادلين، الذي يدور مع الحق ولا يثبت على طائفة محددة دومًا سواء كان الحق معها أو عليها، وأما التعاطف الفئوي فتعاطف المتعصبين المتطرفين. وسبق أن تحدثت عن التعصب تفصيلًا في مقالات عديدة، والأمر أوضح من أن يحتاج لتكرار.

ولا يختلف الأمر كثيرًا باختلاف موضوع التعصب؛ فالتعصب اتجاه عام في الشخصية يظهر لدى الشخص ويطبقه في شتى الميادين سواء كان الحق مع طائفته أو عليها؛ فليست النقطة المحورية هي محتوى اعتقاده؛ فنجده يتعصب رياضيًا لناديه، ويتعصب لدينه أو لطائفته الدينية، ويتعصب للجماعة التي ينتمي إليها سياسيًا، وكل منهم يفرح في مصاب من ينتمي لفئة أخرى بينما يذوب إنسانية زائفة عندما يتعلق الأمر بأفراد جماعته، ولا يمانع في الكذب لتبرير تعصبه الأعور ذاك عندما تكون طائفته وجماعته على باطل.

ينظر الواحد منهم إلى انتماء صاحب الرأي قبل أن ينظر في الرأي ذاته، ويفرق تمامًا معه بين إن كان من يُقيّمه أهلاويًا أم زملكاويًا، مسلمًا أم مسيحيًا، سنيًا أم شيعيًا، إخوانيًا أم سيساويًا أم ثوريًا.

التعاطف المرآوي

وهذا هو الصنف الذي يَخفى أمره على كثيرين، والذي دفعني لكتابة المقال، ويختلف عن الصنف السابق الفئوي، فهنا يكون التعاطف مع من يشبهك كفرد وليس من ينتمي لجماعتك.

ولنفهم هذا الصنف من التعاطف أكثر لا بد من وضع بعض المسلمات عن اقتراف الخطأ والاعتذار عنه أمام أعيننا، وأولها أن كل البشر يرتكبون أخطاء ولكن ليس كلهم يرتكبون خطايا.

ومن يخطئ خطأ كبيرًا في حق نفسه وحق مجتمعه، ويرغب في إعادة الانخراط في المجتمع، وأن يتقبله المجتمع دون إعادة تذكير بما اقترفه عليه أن يعلن اعترافه بخطئه، ويعد بأنه سيكون إنسانًا نظيفًا، وسيغير من نفسه.

لكن المشكلة إننا شعب لم يعتد أفراده الاعتذار، وإن اعتذروا فغالبًا يكون اعتذارهم مشروطًا؛ فيقدمونه عندما يتأكدون أنه سيُقبل! بمعنى تفضل أو تفضلي بالاعتذار فقد سامحناكم!

وقد يصدر الاعتذار عن المخطئين عندما تضيق في وجوههم ويكتشفون أن مرور الزمان لم يجعل ما اقترفوه يمر مرور الكرام وإنهم مضطرون للاعتذار!

وأحيانًا يكون الاعتذار مقرونًا بإسقاط؛ فمن يظهر التأسف يرفض الإقرار أنه هو المخطئ الوحيد، ويحاول أن يرمي الخطأ على غيره أو يقول إن الجميع يخطئون لكن ستر الله يغطيهم؛ والمعنى الدفين الموجه لباقي أفراد المجتمع أنكم أنتم أيضًا غالطون، وهي حالة من التبجح عالية بدلًا من إبداء الندم.

وكل ما سبق هي أشكال من الاعتذار الزائف عديم القيمة! فالاعتذار هو اعتراف بالذنب، ويجب أن يتم كمبادرة من المخطئ وإلا فقد معناه، كما يجب ألا يتم التلكؤ في تقديمه، ولصاحب الحق قبوله أو عدم قبوله، وإن كان أصحاب النفوس الكريمة لا يتأخرون عن العفو في حال صدق الاعتذار والمبادرة به وعدم التلكؤ أو محاولة جعله مشروطًا.

وعودة إلى التعاطف مع الخُطاة والمعتذرين، لنجد انتشارًا مزعجًا وكثيفًا لفئة ينتهزون أي إشاعة تُطلق عن شخصية محترمة بالمجتمع للسخرية منه وإطلاق النكات والفكاهات الماسخة عنه؛ وكأن ما قيل عن هذا الشخص حقيقة رغم عدم وجود أي دليل على صحة ما أُطلق من إشاعات، ورغم وضوح كيديتها في أحايين كثيرة. والعكس تمامًا يكون حالهم إن كان التطاول على خاطئين متلبسين بالجُرم، خاصة إن قدموا اعتذارًا من نوعية الاعتذارات الزائفة أعلاه!

وكثيرًا ما تساءلت لماذا يتلقى الخاطئون خطأ واضحًا غير قابل للبس، تعاطفًا كبيرًا من تلك الفئة ذاتها التي تسارع في جلد من لا يستحقون الجلد؟! ولا يكتفون بالسكوت عن الإشاعات التي تطلق على أي أحد كما المحترمون من أبناء المجتمع؟!

إنه التعاطف المرآوي، تعاطفك مع من يشبهك، مقترنًا بحسد من يختلف عنك ويعلوك قيمة.

وهنا أوضح أن التعاطف مع صاحب الحق الذي لا يصدر إلا عن العادلين، هو أيضًا شكل من التعاطف المرآوي، فكأن الحق بداخلهم مرآتهم التي يرون فيها. دمتم عادلين.

 

د/ منى زيتون

 

 

جواد بشارةمقدمة نظرية: إن الاختلافات الموجودة بين عالم الواقع وعالم الشاشة لا تكمن فقط في مجال المكان وأبعاده الثلاث، الطول والعرض والارتفاع وما يوحيه بالعمق كتجسيد ثلاثي لإحداثيات المكان وهندسته وتكويناته، فحسب، بل يتعين علينا أن نضيف بعداً رابعاً لا يقل أهمية كما في فيزياء آينشتاين، وهو الزمن، ولكن في السينما، حيث يمتلك المخرج خاصية التلاعب بالزمن وخلقه وتحويله أو تجميده. تجري أحداث الفيلم في نظام زمني مستقل عن مفهوم التتابع والتعاقب الذي يحكم عملية تعاقب الحركات والأفعال والأحداث في حياتنا اليومية. من هنا يمكننا القول بوجود " زمن سينمائي" يتميز تماماً عن " الزمن التعاقبي للوقائع الموجود في أي نظام زماني مألوف ومتعارف عليه. فالزمن التعاقبي أو الواقعي هو الزمن الشمسي أو المرتبط بالشمس وحركة الأرض أو دورانها حول الشمس خلال 24 ساعة، حيث اختار الإنسان أن يربط وينظم إيقاع حياته ووجوده مع الطبيعة مانحاً إياه سمة الثبات وتعذر الانعكاس والارتداد إلى الوراء، وهو أمر مفيد لعمليات الإدراك والاستيعاب والتقدير وترتيب الأحداث والظواهر وتقعيد حركاته ضمن إيقاع محدد. فالزمن الشمسي هو النموذج الوحيد كأداة قياس زمني، الذي كان معروفاً لدى البشر طيلة قرون طويلة، إلا أن الفن، في بعض مناحيه ومظاهره وتجلياته، كالموسيقى والمسرح والرواية والسينما الخ ... والفلسفة والسيكولوجيا والعلم والتكنولوجيا جعلتنا نتآلف مع أنظمة زمنية أخرى ذات طبيعة مختلفة غير الطابع التعاقبي الشمسي والتاريخي، وكشفت لنا تلك الوسائل التعبيرية الميزة الأساسية المركبة والمعقدة المتعلقة بمفهوم الزمن. فتعرفنا على الزمن الفيزيولوجي الذي يتحكم بالإيقاع الخاص للأعضاء الداخلية للجسم البشري كالقلب والعضلات الخ.. وتعرفنا على الزمن النفسي أو السيكولوجي الذي ينظم ويتحكم بمشاعرنا وتفكيرنا. واطلعنا على الزمن الرياضياتي الذي يواكب وينظم الظواهر العلمية دون التقيد بضوابط الزمن الأرضي. فبدلاً من الزمن الوحيد غير القابل للانعكاس والارتداد والمتجه بسهمه من الماضي إلى المستقبل، ها نحن نتعامل مع زمن متعدد الأوجه ومتغير، وهو الذي أدى إلى ولادة المفهوم الفلسفي " للمدة" وإلى النظرية العلمية الفيزيائية المعروفة باسم النسبية.

ظهرت السينما قبل أكثر من قرن ووفرت لنا، باعتبارها آلة ميكانيكية، إمكانية قنص وتفكيك وإعادة بناء وتشكيل الحركة الظاهرة للحياة وتحويلها والتلاعب بها من خلال عمليات تكنيكية بصرية وخدع سينمائية كالتسريع والتباطؤ والانعكاس والارتداد إلى الخلف أو العودة إلى الوراء الخ... أي السيطرة تماماً على النظام الزمني الشمسي.  واستطاعت السينما بإمكانيتها، كأداة سردية أو كأداة تعبيرية معبرة، أن تترجم الحركة الداخلية للحياة الفكرية أو نزعة التفكير العقلي، العاطفي أو السيكولوجي، أو تعديله في الإرادة بواسطة كافة أنواع الإجراءات والطرق التعليمية أو الدرامية الجديدة، بتعبير آخر، السيطرة الكلية على النظام الزمني السيكولوجي. وبالتالي، وبفضل العملية التوليفية أو تكنيك المونتاج السينمائي، امتلاك القدرة على أن تخلق السينما بنفسها، في إطار سياق الأحداث المعروضة، إيقاعاً جديداً خاصاً بها، والذي هو العمود الفقري لما نسميه بالزمن السينمائي.  لذلك، تقدم السينما هذه الخصوصية المتمثلة في القدرة على الجمع بين عدة أنظمة زمنية معروفة بالفعل لتعديل هيكلها وإدخال مفهوم أصلي ومستقل للوقت. أي ليس مجرد الاستنساخ المحض والبسيط للواقع الخارجي.

تستنسخ السينما بشكل غير كامل للغاية وبطريقة تقليدية، مظهر العالم المحسوس أو المعاش، أي المساحة المادية أو المكان الفيزيائي، ومع ذلك فهي قادرة على أن تقدم لنا بأمانة شديدة على الشاشة وبمعدل 24 صورة في الثانية الواحدة جريان الزمن المادي الواقعي، وهو الذي نراه في الواقع اليومي وتجعلنا السينما نراه يمر على الشاشة في عرض عادي طبيعي وواقعي حيث تقدم لنا تجليات ومظاهر الحياة وتطور الأشكال وتنقل الأشخاص والأشياء والتعاقب المنطقي للحوادث والمسار الطبيعي للأحداث. ومع ذلك، فإن تحليل واقع عملية استنساخ مظاهر الواقع من خلال أداة التصوير السينمائي لا يخلو من بعض الملاحظات. يتكون الفيلم من سلسلة مستمرة من الصور الثابتة، كل منها يمثل لحظة مقتطعة من الواقع يتم فصل كل صورة عن الصورة السابقة وعن الصورة التالية بفاصل زمني قصير للفضاء والوقت أو الزمن ـــ المكان على شريط السلليلويد والزمن أثناء العرض ـــ، خلال ذلك يتغير الواقع ويكون التغيير بعيد المنال. إنها حقيقة إذ أن السينما تقدم لنا في الفيلم فقط سلسلة من اللقطات الثابتة غير المتحركة. ولكن بعد تجميعها مع بعضها البعض وعرضها على الشاشة بسرعة 24 لقطة في الثانية الواحدة، ستعيد هذه الصور في أعيننا الحركة الظاهرة للحياة.

إن خط الحركة في الفيلم هو الخط الزمني. ومن صفات الفيلم هي وجود الحركة فيه فهو فن الصور المتحركة ومعنى الحركة هو انتقال الشيء في زمن ما من مكان على آخر أو بعيارة أخرى أن الحركة في جوهرها هي الانتقال نفسه من حالة إلى أخرى ويتم تنظيم الحركة في الفيلم وتحديدها بمقدار السرعة والبطء في المجرى العام للأحداث بالتوافق مع الخط العام للتطور الدرامي لموضوع الفيلم لأننا نرى الزمن في السينما ضمن ثلاث مقاربات، مادية ونفسية ودرامية. فالزمن المادي هو الزمن الذي يستغرقه حدث ما عند تصويره وعند عرضه على الشاشة. أما الزمن النفسي فهو انطباع ذاتي يشعر به المتفرج عند مشاهدة الفيلم أما الزمن الدرامي فهو الزمن السينمائي المضغوط الذي تستغرقه الأحداث المصورة عند تحويلها إلى فيلم. في الحقيقة أن السينما تستغل عيب أو نقيصة في نظامنا البصري وحواسنا خاصة حاسة الرؤية أو البصر لأننا لا نستطيع أن نميز بين الصور الساكنة المتتابعة بسرعة معينة وبين الحركة المتواصلة. فالسينما تصور سلسلة من الصور الساكنة وتقوم بعرضها على الشاشة بسرعة 24 كادر في الثانية لتعيد انتاج وهم الحركة في الواقع الذي تم تصويره بواسطة كاميرا سينمائية تصور بإيقاع 24 صورة ساكنة في الثانية، ويتولد انطباع في عصبنا البصري يبقى ثابتاً نشعر به في حين أن هناك فترة ظلام قصيرة حيث يعقبه انطباع جديد يتولد من عرض الصورة الساكنة الثانية قبل أن يتلاشى أو يختفي انطباع الصورة السابقة وهكذا دواليك، وهو الأمر المعروف بالوهم البصري. وبالتالي فإن أهم إنجاز حققته السينما وتفوقت فيه على باقي الفنون البصرية كالتصوير الفوتوغرافي والرسم هو إعادة إنتاج الحركة والتحكم بالزمن من خلال إعادة تقديم الحركة في الزمن المحدد بعد أن تمكنت التقنية من تثبيت الزمن على مادة قابلة للتكيف والمعالجة كالشريط الفيلمي وإخضاعه لمعالجة تقنية بحرية بغية تسجيل المدلولات الزمنية المنشودة والفصل بين الفترات الزمنية ثم إعادة تجميعها في وحات متكاملة.

يتبع

 

د. جواد بشارة ـــ باريس

 

خيرة بورزيقالملاحظ أن هناك خلط بين مفهوم المسؤولية الاجتماعية ومفهوم المسؤولية المجتمعية، حيث نجد أن جل الباحثين والدارسين لا يهمهم أي من المصطلحين عليهم أن يستعملوا حسب كل ظرف وحالة. وبرأيي أنه علينا أن نضبط جيدا وبشكل جدي المصطلحين لفهم فحوى كل منهما:

المسؤولية الاجتماعية: يقصد بها أن تراعي المؤسسات الجوانب الاجتماعية والإنسانية والأخلاقية في كافة أعمالها المرتبطة بنشاطها ارتباطا مباشرا وذلك سواء على المستوى الاقتصادي (تجاري وخدماتي) أو البيئي (بيئة وصحة) أو القانوني (تشريع ومدونات)، وحسب الجوانب المرتبطة وإن تعددت، وتتعهد في قوانينها الداخلية ومدوناتها وكذا في تعاملاتها الطوعية بأن تلتزم بذلك مراعاة الرجل الحريص، ولا تكتفي فقط بتطبيق القوانين في حدها الأدنى والبحث عن ثغراته والنصوص غير المواكبة للتطور.

من أمثلة ذلك: رعاية العاملين والمتقاعدين منهم، توظيف المعاقين واستيعابهم، تنظيف مخلفات نشاطاتها الماسة بالبيئة ولو كان ضررها بعيد التحقق أو محتمل، توافق المنتجات مع معايير التقييس توافقا لا لبس فيه، الالتزام بإصلاح الخطأ التزاما طوعيا حتى في غياب نص عقابي أو دليل قاطع.. في حين أن:

المسؤولية المجتمعية: أشمل، حيث تعني أن تأخذ المؤسسات على عاتقها –إلى جانب المفهوم الأول- مراعاة مختلف جوانب الحياة في المجتمع والعمل على إبراز دورها فيه بشكل فعال وإيجابي، وأن تتحد مع مختلف المؤسسات سواء في القطاع العام أو الخاص لترقية المجتمع ورفاهيته، وتتعاون معها لتبادل التجارب الناجحة حول برامج المسؤولية الاجتماعية مع المنافسة المشروعة وتحقيق التكامل، وتساعد الدولة في تحمل أعبائها، المساهمة في تحقيق التنمية المستدامة وبناء إستراتيجيات هادفة لخدمة الفرد والمجتمع .

ومن أمثلتها: إيجاد آليات مشتركة لتطوير اقتصاد البلد، الاهتمام بالفئات الهشة ومساعدتهم على إيجاد مصدر رزق، تقديم تبرعات وإعانات لبناء مدارس ومستشفيات، مساندة الطلاب على البحث العلمي والتدريب وتقديم التسهيلات، المشاركة في الجوانب الثقافية والسياحية والإعلامية والتربوية..

 ملاحظة: لا يجب فهم هذه التفرقة على أن دور المسؤولية الاجتماعية لا يتجه نحو المجتمع، بل وكما هو موضح في المثال فالمجتمع في المسؤولية الاجتماعية هو أيضا أحد أصحاب المصلحة الخارجيين أو غير المباشرين، غير أن المجتمع في المسؤولية الاجتماعية يجب أن يتحقق رضاه عن وسائل عمل منظمات الأعمال وقبوله لأهدافها، والاعتراف بحقه في مراقبتها. وتتوسع مصلحته أكثر في المسؤولية المجتمعية.

- وعليه؛ نستنتج في الأخير بأن المسؤولية المجتمعية لا يمكن أن تتحقق في غنى عن المسؤولية الاجتماعية، في حين أنه يمكن الاكتفاء بالمسؤولية الاجتماعية كضمان حد أدنى من المسؤولية المجتمعية، حيث أن الأولى هو تبني المسؤولية الاجتماعية كونها أكثر إلزاما.

 

ومع هذا وإن كان من المستحسن التفرقة بين المفهومين إلا أن الجدل لا يقع حول وجود مبادئ مشتركة يمكن جمعها تحت مسمى واحد ومتفق عليه وهو المسؤولية الاجتماعية، وهذا ما نصبو إلى توضيحه في الوقت الراهن كدارسين وناشطين في هذا المجال.

 

تحليل شخصي: أ. بورزيق خيرة

أستاذة جامعية مؤقتة، محامية، وباحثة في طور الدكتوراه حول المسؤولية الاجتماعية /الجزائر

24/02/2020

 

بليغ حمدي اسماعيلإصرار الكثيرين في الوطن العربي تحديدا مصر المحروسة على أن السلاح الأول والأخير لمواجهة طغيان الفوضى والعبث والعشوائية هو العلم والمعرفة، ورغم أن المعرفة في حد ذاتها هي الغواية الأولى للإنسان، فبعيدا عن التفسيرات الدينية والتأويلات الفلسفية التي دفعت آدم (عليه السلام) وزوجه حواء لتناول التفاحة من الشجرة المحرمة التي أدت بهما إلى التعري والخروج المطلق من الجنة هبوطا إلى الأرض، وكيف وسوس لهما الشيطان بمكره وغروره ودهائه وما ساعده من فطرة آدم وزوجه في الاستجابة، فإن المعرفة ودافعيتها جعلتا آدم وزوجه رهن إجابة طلب إبليس لاسيما وأن باب دخوله كان الغرور، ثم طمعا في جنة الخلد، الأمر الذي دفع كليهما ـ آدم وزوجه ـ إلى اقتناص المعرفة ومن ثم الفوز بنتيجتها . فالمعرفة ليست كما يظن ويدعي رواد ريادة الأعمال المعاصرون اليوم بأن البوابة الرئيسة التي ينبغي أن نصل إليها، لأنها بالفعل كانت منذ بدء شرارة الغواية الأولى صوب شجرة الخلد الحلم الذي يسعى يظل هاجسا ومحركا دون توقف أو خمود .

وانطلاقا من المعرفة التي ظلت منذ العهد البشري الأول غواية أولى تستحيل بمرور الزمن وتطور الأدوات والأساليب سهلة القنص و في أثناء البحث عن النواتج الفعلية لطرح العالمي الدكتور أحمد زويل العلمية والبحثية، توقفت طويلا أمام بعض الأقوال الرصينة التي من شأنها أن تدفع بها وزارة التربية والتعليم على أغلفة الكتب المدرسية لأنها بحق خير دافع لنهل المعرفة ولتمكين العقل البشري، ومن هذه الأقوال : عندي أمل كبير أن هذه الجائزة الأولى سوف تلهم الأجيال الشابة في الدول النامية وتحثهم على الأخذ بأسباب العلم والاعتقاد بإمكانية الإسهام في دنيا العلوم والتكنولوجيا على المستوى العالمي "، وهو هنا يتحدث عن فوزه بجائزة نوبل في الكيمياء .

ومن أقواله المتميزة أيضا : " إن المجتمع العلمي له ثلاث دعامات رئيسة وهي العلم، التكنولوجيا والمجتمع فمن العلم تنشأ التكنولوجيا والتي بالتالي تساعد .علي تطويره والإثنان لا يتواجدان إلا إذا كان المجتمع يقدر ويدرك أهمية العلم"  . 

ودوما ما نجد أحمد زويل يعتز بالتاريخ العلمي العلمي الذي له فضل كبير على نهضة وتطور العلم في الغرب وقتما كان الغرب في غرق كبير وطويل في غياهب الجهل وفقر المعرفة، فنجده يؤكد على حقيقة مفادها : " الأوروبيين ليسوا أذكى منا ولكنهم يقفون ويدعمون الفاشل حتى ينجح ... أما نحن فنحارب في الناجح حتى يفشل " . ويعطينا الدكتور أحمد زويل روشتة إنسانية تدعم حق التخييل وقوة الخيال في تغيير الواقع للأفضل بل وجعله أكثر إنسانية لخدمة البشرية عموما، وهذا ما وجده في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يقول : الجميل في أمريكا وهو ما جعلها تتقدم على العالم علميا، أن الخيال لا يقتل وليست له حدود وكل المؤسسات تشجعه، والعالم الحقيقي المحب لعلمه لا بد أن يحلم، واذا لم يتخيل العالم ويحلم، سيفعل ما فعله السابقون ولن يضيف شيئا.

 وفي ظل الحديث عن العلم والعلماء تجدر الإشارة إلى سؤال يفرض نفسه بقوة على عالمنا العلمي العربي وهو هل يختلف العلماء حول حقيقة مطلقة وهي أن الحجج والإحداثيات الداعمة التي تستخدم في تأييد العلم لا تستند إلى التعصب؟ ورغم أن الإجابة التي تفيد بالنفي تأتي بأن هناك ثمة اختلافات بين أهل العلم كونه يمثل أحد منطلقات بناء الإنسان المعاصر، وهذه الاختلافات لا تأتي من باب ما يحدثه العلم في صناعة العقل البشري وتأسيسه لمواجهة التحديات المعاصرة، بل من حيث تعصب أهل التخصص الواحد . فعلى سبيل المثال نجد اتفاقا بارزا بين المتخصصين في الفيزياء على إطلاقها العام، لكن نرى في نفس الوقت التصارع وليس التسارع العلمي بين الفيزياء كأحد العلوم الأساسية وبين تدريسه في مدارسنا العربية وهذا الاختلاف لا ينشأ إلا في ظل حضارات في طريقها إلى التقويض وليس التشييد.

هذا باختصار ما سعيت لتقدمة آخر كتب العالم الفيزيائي الأميركي ذي الأصول اليابانية الدكتور ميشيو كاكو Michio Kaku  الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء لمشاركته الفعالة في نظرية الأوتار الفائقة والتي تعد بحق إحدى النظريات الاستثنائية الموحدة للطاقات في الكون . والكتاب هو ( مستقبل العقل .. الاجتهاد العلمي لفهم العقل وتطويره وتقويته )  والذي قام بترجمته هذا العام 2017 الدكتور سعد الدين خرفان أستاذ الهندسة الكيميائية بسورية التي لا تزال تل أبيب تسعى وتحاول وتهرول جاهدة إلى تقويض أركانها وتفتيت دعائمها مدعمة بالمد والرفد الأميركي .

فباستخدام تقنية MRI  أمكن للعلماء قراءة الأفكار التي تدور بعقولنا، هذا حقاً، بل ربما يندهش المهمومون بتجديد الخطاب الديني ـ وأنا من هؤلاء ـ بأن علماء شركة IBM  حاليا مغرورقون بإمكانية التواصل بالعقل مع الحاسبات الإلكترونية كبديل عن استخدام الفأرة أو الصوت، ليس هذا فحسب، بل دفع الفواتير ببطاقة الائتمان عن طريق قراءة الأفكار وتأليف أعمال موسيقية باهرة . وربما سيقص أحفادي بعد قرون قصصهم عن ما تناوله ميشيو كاكو في كتابه من أن العقل سيتحرر يوما ما في المستقبل البعيد من قيود الجسد، ليتجول بين النجوم، وربما سيكون بإمكان المرء أن يضع مخططاته العصبية بالكامل على أشعة الليزر وإرسالها بعد ذلك إلى أعماق الفضاء .

وفي نفس الصدد العبثي لواقع مجتمعي مترهل معرفيا تستحضرني المقولة البليغة لأكثم بن صيفي في خطبته لكسرى ملك الفرس : سوء الظن عصمة، وحسن الظن ورطة . ومن منطلق هذه العبارة لا يمكن الجزم بأن الإعلام المرئي والمقروء ليس في مجمله بل في حالاته ومشاهده الاستثنائية يحاول تشويه الجوانب الإيجابية التي تحدث في بر مصر المحروسة، رغم أن هناك محاولات إعلامية تتمثل في بعض البرامج الفضائية المملة وبعض الأقلام التي تبحث عن شهرة او تسعى لتطبيق نظرية إمساك العصا من المنتصف فأخذت تنقد كل مظهر خبيث ومشوه، دون أية إشارة لأي ملمح إيجابي يحدث في بر مصر المحروسة .

لكن رغم أن الإعلام أصبح  يتسيد مشهد الهجوم على كل شئ وفي نفس الوقت يدافع عن الملمح مثار الدهشة أيضا،إلا أن هناك تيارات أخرى وفصائل متعددة تسعى أيضا لتقويض وطن بدأ في التشييد والتعافي من جديد بل هو وطن تعافى بحق، ولن أسير في فلك اللاهثين وراء إلصاق تنظيم حسن البنا في كل مشكلة أو حادثة تحدث في شتى بقاع المحروسة، ليس دفاعاً عنهم بالتأكيد، وليس من قبيل التعاطف السياسي لأنني لازلت مصر على رأيي أن الجماعة رغم تاريخها في عمق مصر منذ عشرينيات القرن الماضي إلا أنها لم تتمتع بالمهارة السياسية الكافية التي تؤهلها لحكم البلاد والعباد لاسيما شعب محترف كالمصريين، لكن لأنها بالفعل قوة غير فاعلة ولا تمتلك لية مهارات أو آليات تجعلها في بؤرة الاهتمام، لكن البيئة الخصبة للجهل هي التي أظهرت هذا التنظيم، وهي نفسها التي تطل علينا بظواهر رياضية وفنية وسلوكية تضرب بجسد المجتمع المصري الضارب في تاريخ القيم والتقاليد الرصينة.

إلا أن هناك أياديَ أخرى تسعى لإفشال برنامج التعافي الاقتصادي والمجتمعي الذي ينادي به السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في إعادة بناء الوطن فضلا عن الدعوات المتجددة لتجديد الخطاب الديني الذي من وجهة نظري بدا خطابا عصيا على التطوير أو التجديد لعقود قادمة، من هذه الأيادي على سبيل المثال وليس الحصر الترهات والتفاهات الفراغية نسبة إلى الفراغ وملله والتي تتعلق بالمناقشات الدينية والفقهية التي تتناولها الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي لدرجة تدعو أحيانا إلى السخرية بل والعبث بالعقول المتفجرة علما ومعرفة .

والدعوات العبثية من أجل جذب المشاهد وإلهاء المواطن عن قضاياه المصيرية الراهنة مثل أغاني المهرجانات وهذا التراشق العبثي غير الممنهج بين أنصار ومؤيدين وبين رافضي لهذا الملمح الغنائي الذي ربما لا أستطيع الحكم عليه بصورة فنية لكن من المنظور الاجتماعي فهو ملمح مستهجن وربما لا يستحق كل هذا الاهتمام المدهش من قبل الفضائيات الرصينة أو التي بدت لفترة ما رصينة حقا، وكم استاءت الأسر المصرية حلقات الإعلام الفارغ التي تحدثت عن الصراع الظاهر العلني بين رواد المهرجانات العشوائية الشعبية بامتياز والنقيب الفنان أمير الغناء العربي هاني شاكر من على صواب ومن المخطئ حقا في حق فنه ووطنه، كل هذا العبث الممنهج  يجعلنا نؤكد أن ثمة مؤامرة تحاك علانية ضد الوطن من خلال تفريغ طاقاته الإدراكية وحالاته الواعية صوب ترهات فارغة، وقضايا غامضة بحق حو ظهر الفنانة العارية والنقوش التي عليها، أو بطن الممثلة المعتزلة بعد أن ترهل فصار كرشاً رجاليا، أو جورب المذيعة الذي انقطع فجأة وهي على الهواء .

وأعتقد أن فصائل سياسية أكثر غموضا تعبث بالداخل من شأنها أن ينهار الوطن، ولا أدعي العلم ببواطن الأمور لكنني أستشعر أن رجالا بعينهم هم في حالة خصومة مزمنة مع الوطن القوي تجتهد بخبث في إعادة إنتاج ماضيها لكن هذه المرة ليس عن طريق إعطاء الهدايا الثمينة، أو التوغل في المؤسسات الربحية الاستثمارية عن طريق الشراكة الوهمية، إنما من خلال تعطيل وإبطاء الحراك المجتمعي والاقتصادي لأي مشروع أو فكرة أو طرح استثماري تطرحه الدولة المصرية الرشيدة

وتجئ هذه السطور بعد تكرار المحاولات القصدية التي سعت إلى إحراج صورة مصر بالخارج، منها ما حدث في أثناء وبعد مباراة السوبر المصري بين فريقي الذهبي النادي الملكي الزمالك وبين النادي الأهلي العريق بتاريخه وقيمه، هذه الصورة وإن اختلف الناس حولها بين مؤيد ومعارض أيضا إلا أنني ذهبت إلى دولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من مرة ورايتهم وشاهدتهم كيف يعشقون مصر وأهلها وزعيمها الوطني الرئيس عبد الفتاح السيسي وهم شعب طيب مهب لا ولم يعرف مثل هذه التصرفات غير المسئولة، وأنا لست بصدد محاكمة من تسبب في إحراج صورة مصر بالقدر الذي أقدم فيه الاعتذار إلى الدولة الطيبة التي شاهدتها ورأيتها بعيني ووجدت كرما لا يوصف.

لكنها الفوضى التي اشتعلت منذ تلك الانتفاضة البيضاء التي قادها الشباب غير السياسي في يناير 2011، وازداد اشتعالها لأنها كانت بغير رقيب أو منظم أو حتى تحت قيادة متعهد مظاهرات غير محترف، ومنذ ذلك الحين كل صباح نفاجأ على صيحات وموضات وقفزات عجيبة غريبة تطرأ على المجتمع الشرقي المحافظ .

مثل هذه المحاولات القصدية والمتعمدة، ربما لم تفلح في تغيير الواقع الأفضل تاريخيا، أعني وأقصد ظواهر إيجابية في مجالات متعددة، تكريم العالم الطبيب العالمي الدكتور مجدي يعقوب سفير الإنسانية في القرن العشرين والواحد والعشرين الذي نفتخر بذكر اسمه والذي تجاوز بمجهوداته كل الحدود والتخوم والبقاع الجغرافية ليحتل المكانة الأسمى في تاريخ الإنسانية والذي تم تكريمه في نهاية الشهر الماضي على يد سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والذي يضرب كل يوم مثالا رائعا للحاكم المثقف المستنير الذي يدرك أبعاد دوره في هذه الدنيا .

أيضا من مظاهر الإيجابية استمرار احتلال الهضبة عمرو دياب لهضبة الغناء والذي أكد بألبومه الأخير سهران بأن الشغلانة لسه ليها كبير على حد وصف أحد زملائه، وبأنه لا يزال التريند الذي لا يختفي أبدا، لقد راهن عمرو دياب على تاريخه وتاريخ عشاقه الذي أنا منهم وأفتخر إنها مصر الرائدة دوما باستثناء عجيب.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

بكر السباتينالوهم هو شكل معين من أشكال التشوه الحسي (تشوه سلوكي) المحفز، وهو من أشكال البرمجة اللغوية والعصبية سلبياً كانت أو إيجابية، أي أن المصاب بالوهم يتعامل مع خليط من الحقيقة والخيال. وهو يختلف عن الهلوسة التي هي تَشوُّه مرضي بسبب غياب الحافز وفقدان البوصلة ما يؤدي بصاحبه إلى اقتفاء أثر المجهول دون هدف.

وإذا أردنا أن نفهم كيف يُصنع الوهم حتى يسيطر على سلوكنا! علينا قبل كل شيء أن نقتفي أثره في عملية التفكير حتى نحلل كيف يشوه أحد أركانها المتمثل بالذهن (الحواس) عن طريق برمجة العقل لغوياً وعصبياً، وسبل معالجتها.. ويحدث ذلك على النحو التالي:

أولاً- مداهمة الوهم للعقل الباطن من خلال الرسائل الخيالية المخادعة حتى يستحوذ على مخرجات التفكير غير المتوازنة ويشوه السلوك محدثاً اختلالات بين الوهم المخادع والحقيقة في العقل الباطن.. حيث أن عملية التفكير التي تقوم على (العقل والدماغ والذهن) تحدث من خلال العقل الباطن الذي يشكل مع العقل الظاهر ما يصطلح عليه بالعقل الكلي.. وفي الظروف المثالية فإنه يتم تطويع العنصر الثاني المتمثل بالدماغ والذي بدوره يقوم بإرسال الأوامر إلى العضو المعني في الجسم استجابة لتفاعل عنصر الذهن (الحواس الخمس) مع المؤثرات الواقعية المختلفة الموجودة في المحيط الملموس، إضافة لتلك الرسائل الناجمة عمّا يرسله العقل الباطن إلى الدماغ والناجمة عن تكرار الرغبة الإيجابية في التغيير، التي يوجهها الإنسان إلى العقل الباطن فيصدقها، ويتعامل معها كرسائل حسية يستجيب لها الدماغ، وهنا تتم عملية البرمجة العصبية بنجاح. أما إذا كانت المؤثرات الخارجية مجرد خيالات تسيطر على الرسائل التي تمر عبر الذهن (الحواس) إلى الدماغ فإن الأوامر الصادرة ستكون غير واقعية أي أن سلوك الإنسان سيبدو مشوهاً.. أي أنها خادعة ومن هنا يولد الوهم. ومعالجة مثل هذه السلوكيات تتم من خلال إعادة توجيه الرسائل المحفزة والواقعية إلى العقل الباطن لتعديل النتائج حتى تتفق مع الصفات الإيجابية المستهدفة.. وهذا يعني أن الإنسان يهيئ نفسه للتطور واكتساب معرفة جديدة والتدرب على ما يستجد عليه من معرفة وخاصة في المبادرات والعمل.

* (الإنسان عبارة عن حقل طاقة تتفاعل مع العقل الممتد بما يعرف بالطاقة الكونية الممتدة، لأن الدماغ يحتوي على موجات دلتا كطاقة كهرومغناطيسية والسيال العصبي كطاقة كهرو كيماوية).

وللتعمق أكثر في آلية التفكير دعونا نتعرف على مهام العقل الكلي بجزئيه (الباطن والظاهر)..

فلدى العقل الكلي مهمتان، تناط الأولى بالعقل الظاهر (الواعي) الذي يفكر بحرية ويكوّن أفكارَ جديدة فهو المسئول عن المنطق والحساب، ويعمل بسرعة 40 بت بالثانية، والبت هي أصغر وحدة قياس للمعلومات الرقمية في الحاسوب والاتصالات.

أما الثانية فتناط بالعقل الباطن وهو مجموعة من العناصر التي تتألف منها "الشخصية"، وقلنا بأنه يحتوي على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك أو أنه مقر الطاقة الغريزية النفسية والجنسية، إضافة إلى الخبرات والتجارب السابقة في جميع مراحل أعمارنا، ويمثل أيضاً مركز العواطف والانفعالات ومخزن الذاكرة، ويعتبر أيضاً الجزء الأرشيفي للعقل حيث يحفظ المعلومات القديمة منذ كان الإنسان طفلاً حتى تلك التي يعتبرها العقل الظاهر عابرة وغير نافعة.

فالعقل الباطن لا يستطيع أن يخرج عن برمجته المحددة، آلياً وتلقائياً، بناءً على ردود الأفعال السلوكية المخزنة مسبقاً، ويعمل بدون علم أو سيطرة العقل الظاهر بطاقة عالية ومؤثرة. فمن بين 96% إلى 98% من القرارات يقررها العقل الباطن دون إرادة الإنسان؛ لذلك يمكن أن نفهم لماذا لا نستطيع الامتناع عن ممارسة ما نحبه حتى لو تضارب الأمر مع مصالحنا أحياناً، أو كان وهمياً لا ينسجم مع البيئة التي ينتمي إليها الشخص المعني فيبدو مشوهاً سلوكياً مؤذياً أحياناً كأن يفترض الإنسان لنفسه عدواً بمعطيات خيالية مخادعة فيتركز هدفه على الانتقام، لذلك فالعقل الباطن هو الأقوى والأسرع بكثير من العقل الواعي، فهو الذي يشكل وينظم طريقة حياتنا. فتَعَلُّمْ قيادة الحاسوب على سبيل المثال، وخاصة الطباعة بداية الأمر يلزمها التركيز التام لأنها عملياً تكون في عهدة العقل الظاهر، ولكن بعد مدة من التدريب تصبح القيادة عادة يتحكم بها العقل الباطن فيصير بوسع المستخدم الطباعة أحياناً بمهارة فائقة دون النظر إلى مفاتيح الأحرف، كذلك الحال بالنسبة للمحاسب الذي يطبع قوائم الحسابات دون النظر إلى الآلة الحاسبة بمهارة مذهلة، وهو الحال نفسه بالنسبة لقائد المركبة الذي سيتمكن بعد الخبرة الطويلة في قيادة المركبة، من التحدث إلى جاره أو استعمال الهاتف أثناء القيادة لأن القيادة بعد التمرين وفي حالات التعب والسرحان تكون في عهدة العقل الباطن الآمنة، وهذا يحدث كثيراً، وكانت تثير لدينا الأسئلة المبهمة التي لا نجد لها تفسيرا منطقياً. وعلاوة على ذلك يمكننا فهم السر الذي يجعل المشرفين على الموت من الكبار يعيشون في الماضي السحيق ويقومون بنبش الذاكرة العميقة في العقل الباطن؛ هذا بالطبع لأن أحد عناصر التفكير المتمثل بالدماغ يكون معطوباً وبما أنه مرتبط من خلال الجهاز العصبي بمكونات الذهن الحسية، فمن البديهي أن يتعطل العقل الظاهر المرتبط بالواقع المنطقي المحسوس؛ لهذا يسيطر العقل الباطن كلياً على أولئك المشرفين على الموت، فيعيشون الماضي بتفاصيله وكأنه واقع محسوس. لذلك وفي التنجيم حينما تقيد العرافة عقل المتلقي الظاهر بالاستلاب فإنه سيصدق عقله الباطن كل تنبؤاتها، وهذا أصبح مألوفاً عند قراءة الأبراج. علماً أن الأبراج تؤثر على بنية الدماغ فيما يتعلق بإصدار موجات دلتا فيه ما سينعكس بالتالي في سلوك الفرد ومزاجه، ويعتمد ذلك على الاختلاف في تركيز الطاقة الكهرومغناطيسية لكل برج، مما سيختلف تأثيره على الدماغ من خلال اختراقها لحقل الطاقة لجسم المولود في هذا البرج.

علماً بأن الأبراج لا تساعد على قراءة المستقبل، كما سنثبت ذلك في سياق هذا المقال. وقياساً على ذلك فالوهم حينما يتاح له السيطرة على العقل الباطن بالمعطيات المخادعة القائمة على الخيال المريض فإن السلوكيات ستكون مؤذية، ولكن يمكن معالجتها عن طريق البرمجة مثل الانتقام القائم على الوهم أو التعامل مع المشاكل من خلال نافذة الوهم المخادعة.

ثانياً: انتخاب الصفات الإيجابية والتخلص من السلوكيات التي يشوهها الوهم.. والاعتماد على قاعدة طبيعة تقول بأن المدخلات في عملية التفكير هي من تحدد صفات المخرجات.. فاستبدال المدخلات السلبية والوهمية بأخرى إيجابية وواقعية تؤدي إلى نتائج سلوكية مقبولة.. وباستخدام نفس التقنيات ولكن بمدخلات معاكسة.. ومن أهم هذه التقنيات:

1: الخداع البصري: مثل المسرح الإمائي والدراما والسينما ثم أخطر هذه التقنيات المتمثلة ب الهلوغرام والنيروفون.

والهولوغرام عبارة عن جهاز حديث يبث موجات ضوئية لِتُكَوّنَ صوراً خيالية في الفراغ دون وجود عاكسات، فتنتشر في الفضاء وفق مسافة محددة. والخطير في الأمر هو ما يرافق الصور المتحركة ذات الأبعاد الثلاثية من بث صوتي خفي منخفض الموجات يتضمن عبارات توجيهية عن طريق جهاز النيوروفون الذي يرسل موجات لاسلكية تخترق الهالة الكهرومغناطيسية المحيطة بالإنسان عن غير طريق القنوات السمعية في الأذن، متجاوزة في تسللها العصب السمعي، فتدخل هذه الموجات مسامات جسم الإنسان وتتصل بالنهايات العصبية؛ لتتحول إلى نبضات كهربائية، فتنتقل إلى الدماغ والذي بدوره يستقبل الإشارة كما لو كان اتصالاً سمعياً، فيعمد إلى إصدار أوامره للعقل الباطن على شكل موجات دلتا بالمستوى المناسب وبالتالي سيستجيب العقل الظاهر للأوامر، وتدخل العملية (المخادعة) برمتها حيز المنطق، وهذا يعني أن الرسائل المبثوثة ستتحول إلى حقائق كأنها مُسَلَّماتٌ لا يجوز البحث في تفاصيلها، لتؤثر بالتالي في سلوك الإنسان المتلقي.. فتترسب آخر المطاف في الذاكرة العميقة الموجودة في العقل الباطن لدى المتلقي وتُسْتَحْضَرْ بالتالي من الذاكرة العميقة حين اللزوم كقناعات راسخة وحقائق بديهية.

2: التضليل الإعلامي (البروبغاندا) واغتيال الشخصية:

وهي نشر المعلومات بطريقة موجهة أحادية المنظور وتوجيه مجموعة مركزة من الرسائل بهدف التأثير على آراء أو سلوك أكبر عدد من الأشخاص. وهي مضادة للموضوعية في تقديم المعلومات الناقصة بغية التأثير العاطفي على المتلقي.. ويمكن إدراج الرسم الكاريكاتوري في هذا السياق.. ويتضمن ذلك ما يلي:

أ - بث الأكاذيب وخلط الأوراق لتعميم فوضى البيانات وخاصة في مواقع التواصل الاجتماعي الذي ينتشر في فضائه الافتراضي طنين الذباب الإلكتروني من أجل قلب الحقائق وإدخال المتلقي في دائرة الشك وعدم اليقين وإرباك عملية التفكير المنطقي.

ب - الدعاية والإعلان والعلاقات العامة ما بين إظهار الميزات الإيجابية للسلع أو الأشخاص أو توظيف التقنيات الإعلامية المختلفة لقتل شخصية الآخر وصرف نظر الجماهير المستهدفة عنه.. حيث تستغل التقنيات الحديثة والسيكولوجية للتأثير في الرأي العام وتوجيه أفكار وقرارات الناس السياسية والاجتماعية وحتى الدينية، من أهمها: القولبة من خلال تسويق الأشخاص أو السلع في قالب معين ما بين السلبي والإيجابي حسب الغرض، والتنميط وتسمية الأشياء بغير مسمياتها، وأيضاً إطلاق الشعارات والاعتماد على الأرقام والإحصائيات ونتائج الاستفتاء والإيهام بمنح فرص الحوار والتعبير عن الرأي لجميع الاتجاهات.

من هنا استحدثت الحكومات وزارة الإعلام أو المجلس الأعلى للإعلام ليقوم بمهمة الدفاع عن سياساتها في السلم والحرب سواء من خلال تبرير الإخفاقات مثل تعثر التنمية أو تراكم الديون واللجوء إلى صندوق النقد الدولي ثم الخضوع لشروطه وانعكاس ذلك على معيشة المواطنين.

وبعض الدول العربية التي تسعى للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي تقوم بإيهام شعوبها بأن العدو بات صديقاً ويجب التطبيع معه.. بالمقابل فإن الدعاية المضادة تعيد الحقائق إلى مجراها الطبيعي.

ج - قتل الشخصية من خلال بث الدعاية الكاذبة، بالإضافة إلى الدعاية الدينية التحريضية القائمة على إثارة الفتن الدينية والطائفية في كل الأديان والأيدولوجيات من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

د - تزوير الحقائق التاريخية من أجل منح الشرعية للحروب ولتحقيق الاطماع التوسعية وإقامة الإمبراطوريات، فالهيمنة والاحتلال والانقلابات السياسية جميعها تبحث عن الشرعية وعن التمويل ولا يمكن ذلك بدون الدعاية، وهذا ما فعلته الصهيونية توطئة لاحتلال فلسطين.

هـ - الاستلاب وفقدان القدوة ويتحقق ذلك من خلال عرض أفلام الرسوم المتحركة والتركيز على شخصيات مسيطرة على عقول الصغار وتعزز فيهم الشعور بالنقص أمامها لتستلب إرادياً من قبلها بحيث يلجأ إليها الصغار عند الملمات فتباء جهودهم بالفشل ليصابوا بالإحباط مثل شخصية سوبرمان وغيرها.. وهي شخصيات غير ملهمة إيجابياً بل تمثل المنقذ الذي يخلق في الإنسان روح التبعية والاستلاب.

ومواجهة هذه التقنية تتم من خلال توجيه أسئلة مضادة إلى العقل الباطن من أجل عكس النتائج.

ومن أشكال الاستلاب ما يعرف بتنبؤ المنجمين اعتمادً على الأبراج.

فكثيرة هي البرامج الاجتماعية الصباحية التي يطل من بعض فقراتها كل حين خبير للأبراج يملأ الوقت بالتنبؤات وقراءة المستقبل للمتصلين به وخاصة اليائسين من الجنسين.. وبالطبع فمعظم هذه الاتصالات تخرج من الاستديو لتوحي بأن البرنامج تفاعلي بامتياز على نطاق واسع.. يحصل هذا وكأن الإنسان يميل إلى أن يُخْدَعُ بسهولة.. فقد كذب المنجمون ولو صدقوا. إذ لا بد من توفر أربعة عناصر لوقوع أي"حدث" كوني في الزمكان، وهي:

- الدوافع النفسية والمقدمات الفيزيائية (في الحوادث الكونية).

- الإنسان وما يشارك به من فعل مباشر أو حدث يتزامن مع وجوده مع الأخذ بعين الاعتبار مبدأ عدم اليقين الذي تخضع له معايير الرصد الكونية وفق نسبية أينشتاين والكون الأحدب.

- الزمان.

- المكان.

وهي عناصر لا بد وأن تتوفر لأي "حدث" وقع في الماضي، أو يقع الآن في الزمن الحاضر؛ وقد يحدث مستقبلاً. وعليه فإنه من غير الممكن التنبؤ بوقوع أي "حدث" في المستقبل؛ لاستحالة اجتماع العناصر أعلاه في وقت واحد ما دام عنصر الإنسان موجود في الزمن الحاضر.. أي أنه لا يمكن للإنسان القفز عبر الزمن إلى المستقبل حتى تكتمل عناصر الحدث فيتم التنبؤ بوقوعه، لذلك هو خاضع للاحتمالات.. إن اجتماع وجود عنصر إنسان معين في الزمانين: الحاضر والمستقبل، شيء لا يتقبله العقل؛ لأنه يخالف المنطق الفيزيائي.. الذي يتحكم بالزمكان وفق النظرية النسبية.. مما يثبت أن عمليات قراءة المستقبل هي وهم يسوّقه المنجمون النصّابون لفاقدي الأمل. ويمكن إدراج ما يقوم به المنجمون من تنبؤات في خانة البرمجة اللغوية والعصبية السلبية التي من شأنها إيهام العقل الباطن بحدوث المستحيل فيصدق الإنسان ذلك دون أن يعطي الذهنْ (الحواسْ)،صورة حسية ملموسة الأبعاد حتى يصدقها العقل الظاهر.

المستقبل قد يقع في دائرة الاحتمالات بناءً على ما يتوفر من معطيات فيزيائية مثل التنبؤ بالطقس باستخدام الخرائط، أما إدخال الحدث المستقبلي في دائرة اليقين من باب التنبؤ وأنت في الحاضر فهذا مستحيل

والخلاصة أن إعادة البرمجة الإيجابية والتخلص من المدخلات السلبية والوهمية لا تتم دون تضافر الجهود التنموية الشاملة بدءاً من المؤسسات التربوية والتثقيفية وصولاً إلى الإعلامية لصناعة إنسان إيجابي ومواطن صالح مبادر خلّاق.. وذلك باستبدال تقنيات التَعْليم والتبعية الفكرية والسلوكية التي تؤدي إلى سلوكيات مشوهة تسيطر عليها الأوهام غالباً، واللجوء إلى تقنيات التعلّم والتدرب والتحفيز التي تبعث في الإنسان روح المبادرة والابتكار القائم على الخيال الواقعي بعيداُ عن الخيال المريض المليء بالأكاذيب.. حتى يقترب هذا الإنسان من الواقع ويؤثر فيه كعنصر بشري فاعل في التنمية.. ويؤمن بثقافة الحوار بعيداً عن وسائل المواجهة السلبية وقتل شخصية الآخر من أجل تحقيق الذات عبر صفقات تحريضية غير عادلة.

 

بقلم بكر السباتين

.....................

* محاضرة ألقاها بكر السباتين في نادي صديقات الكتاب في الشميساني بعمان.. يوم السبت الموافق 22 فبراير 2020

 

محمد فتحي عبدالعالقصة الطوفان أنموذجا

تمهيد: لقد كان العالم الآثري صموئيل نوح كريمر محقا حينما أطلق على كتابه : التاريخ يبدأ من سومر فلقد ضربت أمواج الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين شطآن العالم المعاصر بما حملته من أساطير أحتلت المكانة الأولى بين أساطير الشعوب الإغريقية والآسيوية ولقد لعب الأدب الدور الرئيسي في نقل هذه الحكايات الشعبية وخاصة الطابع الشعري الذي أجاد في توصيف هذه الأساطير.

تمخض عن هذه القصص التي غالبا ما تقوم على أساس ديني بحت عن مصطلح الميثولوجيا وتعني قصة مقدسة أو قصة عن الآلهة وما يصاحبها من حكايات شعبية حول ما مارسته هذه الشعوب من تقاليد وطقوس سعيا لاسترضاء آلهتها ومع تغلغل الطابع الشعري في نقل هذه القصص يتجلى لنا عمق التداخل بين الميثولوجيا والأدب.

الطوفان:

لا يوجد في التاريخ الإنساني وتاريخ الأديان والعلم الحديث نقطة التقاء كان الإجماع عليها مثلما حدث مع قصة  الطوفان وإن اختلفت بعض التفاصيل وتباينت مسميات صاحب هذا الحدث الكبير الذي غير مجري الكون بأسره...

لقد أحصى الباحث النمساوي (هانز شيندلر بيلامي) أكثر من خمسمائة أسطورة عبر العالم خلدت ذكرى الطوفان. قد يكون للخيال نصيب كبير في هذه القصص الشعبية وهو ما جعلها مصدر إلهام دائم في حركة الفن والأدب فالحقيقة مهما بلغت من روعة تبقى مقيدة ومحدودة بمكانها من التاريخ الثابت فيما تتمرد الأسطورة على هذه القيود فلا حدود لها في معطيات الأحساس والخيال  ومنها قصة الطوفان والتي داعبت مخيلة السينمائين فكان فيلم (نوح- 2014 Noah)، وهو فيلم  كتبه دارين أرنوفسكي وآري هاندل، وأخرجه أرنوفسكي، شارك في بطولته: النجم راسل كرو في دور “نوح”، أنطوني هوبكنز في دور متشولح جد نوح، إيما واتسون، جينيفر كونلي، لوجان ليرمان، دوغلاس بوث وراي وينستون. وقد تم تصوير الفيلم في أيسلندا ونيويورك مستخدما أحدث برامج المونتاج والجرافيك

كما كتب عنها الروائي الأمريكي (إدوارد بيدج ميتشل) قصة الطوفان وقد قدمت القصة حسا دراميا طريفا في تقديم قدرة كل هذه المخلوقات في التعايش على السفينة فلم يهنأ احد في نومه بسبب وجود نمر بنغالي يحدق فيهم أو قنفد يقبع بجوار أرجلهم العارية مع تململ الفيل وشعور الدب القطبي بالإهانة!! إضافة إلى تخيل منافسة في القدرة على الابحار بين نوح وبقال مرتد يدعى بريث والذي بنى سفينة (العلجوم) على غرار سفينة نوح ولم يكن لديه مهارة نوح في توفير المؤن وتحديد الاتجاه.

الطوفان في الأديان:

تعتبر التوراة أقدم الكتب الدينية التي تحدثت عن الطوفان وقصة نوح عليه السلام وتبدو شخصية نوح متناقضة في القصص التوراتي فتارة زاهد عابد وتارة أخرى أول فلاح في البشرية وصانع للنبيذ وتروي الرواية التوراتية حزن الإله حينما رأي مساوئ البشر تعم الأرض فقرر انتخاب الجزء الصالح من كائنات الكون واهلاك الفاسدين فأمر عبده الصالح نوح ببناء فلكا من شجر الجوفر وتذهب الفرضيات إلى كونه خشب الساج أو الصنوبر أو الأرز ليحمل عليه امرأته وبنيه وكل من أمن بدعوته ومن كل حي من الطيور والبهائم والوحوش اثنين حيث جعل منها ثلاثة طوابق جعل الأرض منها للحيوانات والوحوش وثانيها للبشر وأعلاها للطيور وقد اهتمت رواية العهد القديم ومن حذا حذوها من الكتاب المسلمين القدامى بالتفاصيل الدقيقة فقيل أن طول السفينة بلغ 300ذراعا وهي أكبر سفينة في العالم بحسب هذا الوصف وأن نوح كان يزرع الشجر وينتظر نموه مئة سنة وينشره مئة أخرى أو أربعين..

وردت هذه القصة في الإصحاحات من السادس إلى التاسع من سفر التكوين وتجري أحداثها على النحو التالي: (رأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، فحزن أنه عمل الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، وعزم على أن يمحو الإنسان والبهائم والدواب والطيور عن وجه الأرض، وأن يستثني من ذلك نوحًا لأنه كان رجلًا بارًا كاملًا في أجياله، وسار نوح مع الله.. وتزداد شرور الناس، وتمتليء الأرض ظلمًا، ويقرر الرب نهاية البشرية، ويحيط نوحًا علمًا بما نواه، آمرًا إياه بأن يصنع تابوتا ضخمًا، وأن يكون طلاؤها بالقار (القطران) من داخل ومن خارج، حتى لا يتسرب إليها الماء، وأن يدخل فيها اثنين من كل ذي جسد حي، ذكرًا وأنثى، فضلًا عن امرأته وبنيه ونساء بيته، هذا إلى جانب طعام يكفي من في التابوت وما فيه.. تكوين 6: 1 ـ 22.

 واستمر الطوفان أربعين يومًا على الأرض.

وتكاثرت المياه ورفع التابوت عن الأرض وتغطت المياه، ومات كل جد كان يدب على الأرض، من الناس والطيور والبهائم والوحوش وبقي نوح والذين معه في التابوت حتى استقر على جبل أرارات بحسب العهد القديم. أو جبل الجودي بحسب القرآن وأقدم اسم مدون له هو الجبل الأبيض بحسب المؤرخ اليوناني زينفون في كتابه (الاناباسيس) عام 401 ق. م ويقال أن النبي نوح بنى هناك قرية الثمانين نسبة إلى عدد من رافقوه في السفينة.

 أما في القرآن فكانت قصة نوح من أكثر القصص تكررا في القرآن وقد انفرد القرآن بحقيقة هامة وهي محلية واقعة الفيضان والذي لم يغرق الأرض كلها فالقرآنَ يُؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أنَّ سيدنا نوح أُرسل إلى قوم بعينِهم، ولم يُرسل للناس كافة. «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ» [العنكبوت 14]، «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ» [المؤمنون 23] «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ» [هود 25]، «إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ*قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ» [نوح 2،1].لذا ففرضية كون نوح الأب الثاني للبشرية بحكم عالمية الطوفان وشموليته للكون كله أمر يحتاج لمراجعة في ضوء حقائق العلم وغياب الدليل الديني المعزز لهذه النظرية.

  ولما طالت الدعوة لقرون، ويئس نوح من قومه يأسًا باتًّا، وأشفق على الناس من بعدهم أن يأخذوا طريقتهم في الضلال والإلحاد، فدعا إلى الله تعالى قائلًا: ﴿رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾[10]، وكذلك ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ * فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[11]. فاستجاب الله له، ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾[12].

وتختلف الرواية القرآنية عن التوراتية في مسألة كفر زوجة نوح ففي الرواية التوراتية صاحبت نوح في سفينته أما الرواية القرآنية فتتحدث عن مخالفتها زوجها وكونها من المغرقين وتنفرد التوراة بالإشارة إلى قيام نوح بإطلاق الطيور مع انتهاء الطوفان ليستكشفوا الأرض فعادت له الحمامة حاملة غصن الزيتون الأخضر والذي تحول إلى رمز عالمي للسلام.

الطوفان في أساطير الحضارات القديمة:

كان ذكر قصة الطوفان في الحضارة السومرية والبابلية هو الأقدم في التاريخ والأسبق أيضا على الرواية التوراتية وكانت ملحمة جلجامش أول نص أدبي تاريخي يشار فيه للطوفان إضافة إلى ملحمة بروميثيوس.

المدهش أن الحضارة المصرية القديمة خلت من أي ذكر لهذا الحدث الجلل مما يرجح أن الطوفان كان حدثا محليا وليس عالميا وهو ما يعضده بعض أقوال المفسرين القدامى مثل ابن عباس من أن نوحا عليه السلام دعا لمصر بالبركة وما ذكره السيوطى من أن سفينة نوح طافت بمصر وأرضها فبارك نوح عليه السلام فيها.

1- ملحمة جلجامش:

تصيغ الملاحم  إبداعات الشعوب، وتحفظ ذخائر تراثه وتأتي ملحمة جلجامش كدرة فريدة في حضارة بلاد الرافدين وكأول نص أدبي كامل في التاريخ وتحكي هذه الملحمة  المزجاة بالحكمة والمزخرفةبالرمزية، والمكتوبة بخط مسماري على 11 لوحًا طينيًّا عن أحد الملوك، ويدعى جلجامش، وهو ملك أوروك، وكان ثلثي إله؛ إذ كانت والدته إلهة، أما أبوه فكان بشرًا، مما جعله عرضة للفناء شأنه شأن سائر البشر، تتضمن اللوحة الأولى كون جلجامش ملكًا ظالمًا مستبدًا، لا يترك امرأة تزف إلى زوجها حتى يدخل عليها أولاً، كما كلف رعيته بتحصين مدينتهم أوروك بأسوار من الآجر المحروق، ولما ضج الشعب من ظلم جلجامش وجبروته ابتهلوا إلى الآلهة أن تكف أذاه عنهم فخلصتهم الآلهة عبر خلق ند له في البرية، إنه أنكيدو، وهو من البشر الخالص قوي البنية، ويغطي جسده الشعر الكثيف، مستوطن الغابات، كثير الصراع مع الوحوش، ومخلص للحيوانات من شباك الصيادين، مما حدا بالصيادين إلى أن شكوه إلى جلجامش؛ فلجأ جلجامش إلى الحيلة لاستدراج أنكيدو والتخلص منه عبر إغوائه بحب شمخات، إحدى خادمات المعبد، وهو ما يتناوله اللوح الثاني، إذ استطاعت شمخات ترويض أنكيدو، و نقله من طور المارد المتوحش إلى طور الإنسان المتحضر المالك لبواطن الحكمة؛ فعلمته كيف يأكل، وكيف يشرب ويلبس، حتى أصبح كالبشر العاديين، ثم راحت تقص عليه مفاسد جلجامش، وكيف أنه يدخل بأي فتاة قبل زوجها؛ فعزم أنكيدو على التصدي لظلم جلجامش.

فحدثت مواجهة عنيفة بينهما، وكلاهما كان من القوة بما يكفي للقضاء على الآخر، لكن الصراع انتهى بانتصار جلجامش، واعتراف أنكيدو بهذا الانتصار، ثم توطدت الصداقة بينهما، إلى هنا يتضح ملمح مهم، هو أن المعارضة تتولد من رحم الاستبداد، وأنه حتى وإن علت يد الاستبداد وانتصرت يبقى لا مناص للاستبداد من إعادة حساباته، والمصالحة مع المعارضة مهما طال الزمن.

في اللوح الثالث قرر الصديقان أن يعملا لصالح شعب أوروك؛ فقررا أن يقطعا أشجار الأرز الموجودة في الغابة، فصنعا الفؤوس والسيوف العظيمة، ولكن هذه المهمة لم تكن بالسهلة في ظل وجود حارس ضخم مثل خومبابا؛ فبمجرد شروعهما في تنفيذ خطتهما وتقليم الأشجار تصدى لهما حارس الغابة غاضبًا؛ فتعاون أنكيدو وجلجامش على قتله، بالرغم من توسلاته، لم يمر مقتل خومبابا مرور الكرام؛ إذ أثار مقتله حفيظة إلهة الماء أنليل، وكانت الغابة في حوزتها، وهو ما يتضمنه اللوح الرابع والخامس.

في اللوح السادس وقد عاد جلجامش إلى عرشه منتصرًا فأعجبت الإلهة «عشتار» بجماله، وطلبت الزواج منه، لكنه رفض بشكل قطعي، مذكرًا إياها بماضيها مع أزواجها السابقين وما آلت إليه مصائرهم، غضبت عشتار من هذا الرفض، وعزمت على قتل جلجامش، وفي سبيل ذلك استعطفت أبيها «أنو» وأمها «أنتم»، وبكت لهما؛ فقدم لها أبوها الثور السماوي القادر على قتل جلجامش، وبنزول الثور السماوي أثار الهلع الشديد في أوساط المدينة؛ فتجهز له جلجامش وأنكيدو وذبحاه فاستشاطت الآلهة غضبًا.

في اللوحة السابعة يرى أنكيدو رؤيا يقصها على جلجامش مجملها أن الآلهة اجتمعت للثأر لقتل خمبايا والثور السماوي، وقررت معاقبة أحدهما، ولأن الروح الإلهية كانت تسري في جسد جلجامش؛ فقد وقع الاختيار على أنكيدو، فصدر القرار بموته عقابًا على ما حدث؛ فمرض أنكيدو حتى مات، وقد كانت أمنيته أن يموت في ساحات القتال حتى يخلد اسمه مع الأبطال، وهي الأمنية التي لم يدركها.

اللوح الثامن: يتضمن حزن جلجامش الشديد على رفيق دربه أنكيدو، وقد جلس إلى جوار جثمانه المسجى يناجيه قبل أن يواري جسده الثرى.

اللوح التاسع: يبدأ جلجامش رحلة جديدة، ولكن هذه المرة بحثًا عن الخلود؛ فقد كان شبح الموت يخيم على مخيلته، فانطلق هائمًا على وجهه قاطعًا الجبال والفيافي متوجسًا من الموت، وباحثًا عن الخلود، وفي سبيل الحصول على هذا الخلود كان عليه أن يجد «أوتنابشتم»؛ لأنه الوحيد العالم بهذا السر، وفي الطريق يجد الإلهة سيدروي، والتي راحت تجاهد رغبته في الخلود دون جدوى، ولكن مع إصراره أرسلته إلى الطواف «أورشني» ليساعده على عبور بحر الأموات ليصل إلى الشخص المطلوب، وفي النهاية يعثر جلجامش على أوتنابشتم وزوجته، وهما الناجيان الوحيدان من الطوفان، ولذلك منحتهما الآلهة الخلود؛ إذ غضبت الآلهة على البشر فقررت إغراقهم، ولكن أحد الآلهة أوعز إلى أوتنابشتم صناعة سفينة كبيرة يجمع فيها عدد من البشر والحيوانات للنجاة من الطوفان، وتعد هذه أقدم إشارة إلى طوفان نوح الوارد في الكتب السماوية كما ذكرنا آنفا.

مع توسلات جلجامش قررت زوجة أوتنابشتم أن تساعده في النهاية، وأرشدته إلى نبتة الخلود، والتي تنبت في المياه وتمنحه الشباب الدائم وتجرح البشر مثل الشوك؛ فيشعر جلجامش بالسعادة الغامرة لامتلاكه العشب أخيرًا، عازمًا على أخذه معه وتجربته على المسنين بأوروك أولاً، ثم زراعتها لينال خيرها جميع أهل مدينته، ولكنه في طريق العودة وبينما هو يستحم في بركة المياه من عناء الرحلة استطاعت حية سرقة النبتة نازعة جلدها القديم ومتحلية بنشاط وشباب متجدد «وهي الشعار الذي يشير إلى مهنة الصيدلة»، هنا يدرك جلجامش أن لا حظ له في هذا الخلود؛ فقرر أن يخلد اسمه بطريقة أخرى، وهي أن يعود إلى بلاده مرسيًا قواعد العدل، وناشرًا للعلم والمعرفة؛ فهما السبيل نحو الحياة المتجددة والبقاء الأبدي، وهنا رمزية رائعة؛ فمن يستثمر في موارد بلاده البشرية وينميها هو الحاكم القادر على الخلود؛ لأنه الأثر الباقي على مر التاريخ.

2- أسطورة بروميثيوس:

بروميثيوس أو بعيد النظر كما يعني اسمه كان من حكماء التايتن فقد امتلك القدرة على التنبؤ بالمستقبل -وقد أهلته خصاله لاختيار زيوس ملك آلهة اليونان له ولاخيه ابيمثيوس لتزويد الكائنات الحية بالادوات التي تكفل لهم البقاء والحركة والحياة …لم يكن ابيمثيوس عادلا حينما منح الحيوانات كل الهبات كالفراء الذي يغطي أجسادهم ليقيهم من البرد وحاسة السمع الكبيره التي تمكنهم من التقاط وتمييز الاصوات البعيدة بالاضافة إلى سرعة العدو والرؤية عن بعد فضلا عن أسلحة طبيعية كالانياب والقرون تأمن لهم الزود عن أنفسهم ..أنهى ابيمثيوس تشكيل الحيوانات بكل سرعة بينما أستغرق بروميثيوس المزيد من الوقت في تشكيل البشر مما افقدهم الكثير من الصفات التي فازت بها الحيوانات …

حزن بروميثيوس لرؤية البشر يقاسون برد الشتاء ولا يملكون الادوات التي تمكنهم من التصدي للمخاطر على عكس الحيوانات من حولهم فقرر ان يجلب لهم النار التي تساعدهم في الدفء وفي صنع الادوات لقطع الاشجار والصيد أضافة إلى العديد من مواهب آلهة الاوليمب وأثينا مثل فنون العمارة واستخراج المعادن وعلم الفلك والارقام والحروف الهجائية والتداوي وذلك على غير رغبه زيوس الذي لم يشأ امتلاك البشر للمعرفه وهو السلاح الذي يمكنهم من مجابهته في يوم من الايام ..

كانت الهبات التي منحها بروميثيوس للبشر على غير رغبة زيوس وكانت البداية لتصدع العلاقة بينهما فحذره من مغبة الاستمرار في هذا الفعل ومما اجهز على هذه العلاقة خداع بروميثيوس لزيوس حتى يحتفظ بالنار للبشر فقدم قربانين اهداهما لزيوس والالهة كان أحدهما قطع من اللحم مخبأة داخل امعاء ثور أي شيء طاهر في غلاف كريه والقربان الاخر كان عظام ثور مغلفة في شحم ودهن أي شيء خبيث في تغليف مبهر فأختار زيوس والالهة القربان الثاني مما أمن للبشر الاحتفاظ باللحم …غضب زيوس وحرمهم من النار مما افقد أبناء اثينا من البشر الكثير من المميزات فعادوا للحياة البدائية كالعيش في الكهوف والبرد والظلام …

شق على بروميثيوس ذلك وقرر مناشدة زيوس العفو والسماح بالنار دون جدوى فقرر بروميثيوس تحدي ارادة زيوس والدخول في مواجهة معه وسرقة النار من جبل اولمب فأستطاع التسلل إلى مدخل سري لمكان النار المقدسة في جبل اولمب وسرقة شعلة العلم والمعرفة ليخرج ابناء اثينا من الكهوف المظلمة إلى الحياة المدنية مرة أخري..

فثارت ثائرة زيوس وحكم على بروميثيوس بالعذاب الأبدي فأمر بتقييده بالسلاسل إلى صخرة ثم أطلق عليه نسرا عملاقا متوحشا يسمي اثون ناهشا كبده ..كان بروميثيوس يقاسي من اجل البشر مقدما أول فكرة في التاريخ الانساني للفداء وكان عزاءه الوحيد هو الحياة السعيدة التي كفلها للبشر وأمله في أن يخرج من نسل زيوس من يقتل النسر ويخلصه من عذابه..

قرر زيوس ان يعاقب البشر وأن يفسد عليهم حياتهم الجديدة بخلق المرأة فأعطاها هيفاستوس الجسد وأثينا قوة التحمل وافروديت السحر فيما منحها هيرميس العقل وبعض الصفات السلبية كالكذب والمخادعة ومن هذه الهبات الالهية المتنوعه تشكلت المخلوقه الحسناء باندورا اي التي منحت كل شيء.

اهدي زيوس المخلوقه الجديدة باندورا إلى ابيمثيوس شقيق بروميثيوس برفقه صندوق حافل بالشرور والأمراض مكتوب عليه لا تفتحه حاول بروميثيوس إثناء اخيه عن قبول هدية زيوس متوقعا ما تحمله من شرور لكن ابيمثيوس أحبها وملكت فؤاده …فضول باندورا ورفض ابيمثيوس لفتح الصندوق دفعها إلى فتحه في غيابه لينطلق منه كل الشرور كالفقر والنفاق والمرض والجوع فحاولت اغلاقه ولكن كان قد فات الأوان انها الصورة المصغرة لادم وحواء عبر الحضارات وتحميل المرأة مغبة خروج البشر من النعيم إلى الشقاء والمكابدة ..

تحققت نبوءة بروميثيوس فقد خرج من نسل زيوس بعد ثلاثة عشر جيلا البطل هرقل الذي يحرر بروميثيوس ويقتل النسر ..

انزعج زيوس من افلات بروميثيوس من العقاب فقرر اغراق البشر بطوفان كبير لكن بروميثيوس تنبأ بالطوفان وافضي بأمره إلى احد الصالحين وهو ديكاليون وبيرها زوجته واللذين قدر لهما النجاة من الطوفان وانجبا ولدا سمياه هيلين ومنه انتسب اليونانيين الهيلينيين …في نهاية الاسطورة يغفر زيوس لبروميثيوس إلا انه يشترط عليه ان يصنع خاتما من الحديد يذكره دوما بعقابه ومن يومها إلى الآن  والبشر يصنعون الخواتم لهذه الذكرى ..

قصة الفيضان والايدلوجيات العرقية:

استخدم البعض قصة نوح والفيضان لإكساب التمييز العنصري ثوبا شرعيا من الدين معتبرين هذا الحدث أول تقسيم عنصري في التاريخ ومن الطريف أن السيناتور الأمريكي اليميني (روبرت بيرد) دافع عن سياسات التمييز العنصري ضد الزنوج في بلاده مستندا على قصة الطوفان وظل على اصراره هذا وهو من أكبر المعمرين في مجلس الشيوخ وطال رفضه ترشيح كونداليزا رايس لمنصب وزيرة الخارجية السابقة ! !

وهي انحرافات فكرية بعيدة كل البعد عن الصراع الذي تدور الأرض في كنفه بين خير وشر وقرب من الله وبعد عنه.

الطوفان والعلم:

لقد مر التاريخ البشري بثلاثة مراحل فيما يتعلق بالميثيولوجيا: الأولى منها كانت للاساطير فيها الكلمة الوحيدة فقد  كانت تحاول أن تقدم للبشرية تفسيرا لما يجهل من أسرار الكون ومع تطور المجتمع البشري وظهور الحضارات كانت مرحلة العقائد الدينية وهي صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في كل العصور فمصدرها الإلهي هو الشاهد وهو الفيصل في هذه القضايا ومع التطور العلمي والاكتشافات العلمية وظهور اتجاهات لا تصدق إلا العلم كان للعلم رأيا قد يجافي الميثولوجيا أحيانا ولكن يبقى مصاحبا للدين وفي قصة الطوفان تحظى فرضية طوفان البحر الأسود بانتشار واسع وقد نشراها عالمان من جامعة كولومبيا هما وليام ريان والتر بيتمان في كتابهما وعنوانه :طوفان نوح: (الاكتشافات العلمية عن الحدث التي غيرت التاريخ) حيث أخذا عينات ترسبات من شواطئ البحر الأسود ومن مضيق البسفور مما يثبت أن ارتفاع كارثي لمئات الأقدام حدث في منطقة البحر الأسود والسبب هو طوفان من مياه البحر الأبيض المتوسط ناتج عن ذوبان القمم الجليدية  اكتسح مضيق البسفور بقوة مائتي ضعف شلال نياجارا وفي غضون سنتين ارتفع مستوى البحر الأسود ليغمر السواحل المحيطة مما اضطر سكان هذه المنطقة إلى الفرار  وكانت بعض الصدفيات التي اكتشفت في الأراضي المغمورة لكائنات من البحر المتوسط قد ماتت قبل 7600 سنة.... مما يدعم قصة الطوفان ويرجح محليتها في الوقت ذاته ....

 

د. محمد فتحي عبد العال

 

الحقائق الاجتماعية لا تتجذر في بنية العلاقات الإنسانية، إلا إذا كانت اللغة هي الحاضنة لأحلام الفرد وطُموحاتِ الجماعة. واللغةُ لَيست آليةً ميكانيكيةً عابرةً، أو عمليةَ تجميع روتينية للحروف والكلمات، إن اللغة هي الشرعية الرمزية الدائمة للوجود الإنساني المُؤقَّت. وبعد مَوت الإنسان، تظل لُغته حَيَّةً، وشاهدةً على وُجوده وأفكاره وأسلوب حياته، لذلك ينبغي الاستثمار في اللغة، لأنَّها البصمةُ المُؤثِّرة التي لا تُزوَّر، والوجودُ الحقيقي الفَعَّال في عَالَم الأقنعة والزَّيف والرِّياء، وكُل فلسفة اجتماعية لا تُبنَى في قلب اللغة، ستسقط في الفراغ، وتُؤَسِّس للعدم .

2

التعامل مع اللغة هو تعامل مع وجود الإنسان وعناصرِ الطبيعة، لأنَّ اللغة هي العَالَم السِّحْري القادر على اختزالِ المشاعر، وتكثيفِ المضامين الاجتماعية، وتأطيرِ الزمكان (الزمان - المكان)، وصَهْرِ عناصر الطبيعة ومُكوِّنات البيئة في بَوتقة معرفية واحدة، وربطِ النُّظم العقلانية المُجرَّدة بالرُّوحانية الحالمة . وهذا يعني أن اللغة هي المنظومة الشمولية التي لا تتفكَّك، والكُل الذي لا يتجزَّأ .

3

إذا أردنا معرفةَ أهمية الشَّيء، ينبغي تصوُّر الحياة بدونه . وإذا أردنا معرفةَ أهمية اللغة، ينبغي أن نتصوَّر وجود الإنسان في هذا العَالَم بدونها . سيكون العَالَمُ كئيبًا مُتَوَحِّشًا، ويَكون قلبُ الإنسان مُوحِشًا، وكيانه فارغًا، وأحلامه ضائعة . سيُولَد الإنسانُ، ويَعيش، ويَموت، ويذهب إلى النسيان، ضِمن دائرة استهلاكية مُغلَقة تقوم على الأكل والشُّرب والنَّوم . وهذا دليل واضح على أن اللغة هي التي تَمنح المعنى للوجود والجَدوى للحياة . وإذا أدركَ الإنسانُ أن حياته لها معنى، سيُدافع عنها، ويعيشها بكل تفاصيلها، رُوحيًّا وماديًّا . أمَّا إذا أدركَ الإنسانُ أن حياته بلا معنى، فإنَّه سينسحب منها، ويتراجع إلى داخل نفْسه، ويَهرب مِن الزمانِ والمكانِ، وعندئذ سيشعر أن سِجنه في داخله، وأنَّه مُحاصر من كل الجهات . وهذا هو المَوت في الحياة، والانتحار التدريجي .

4

اللغة تَحْمي الإنسانَ مَن الانتحار المعنويِّ والماديِّ، لأنَّها تَصنع له حياةً ذات مَعنى على الصعيدَيْن الرمزي والشُّعوري، وتُوجِد في المجتمع منظومةً فكرية قادرة على تفسيرِ المشاعر، واحتضانِ الأشواق الروحية، والعنايةِ بالنزعات المادية، فَيَصِل الإنسانُ إلى التوازن الداخلي، الأمر الذي يَجعله ذا شخصية سَوِيَّة قادرة على التعامل مع عناصر الطبيعة بحُب واحترام، وهكذا تزول العداوة بين الإنسان ومُحيطه الخارجي، وتختفي دوافع الانتقام والثأر من المجتمع، التي تُسيطر على مشاعر بعض الناس، نتيجة شُعورهم بأنهم مَنبوذون ومُضْطَهَدُون ومَظلومون، وأنَّ المجتمع يتآمر ضِدَّهم، ويتحرَّك باتجاه مُناوئ لمصالحهم .

5

اللغة مشروع خلاص جماعي، يُشارك جميعُ الناس فيه بدافع المحبة والإحساس بالواجب، بدون ضغط ولا إكراه . والسبب في هذا الأمر يَرجع إلى كَوْن اللغة عَصِيَّة على التَّدجين، ولا تَخضع للاحتكار . ولا يُوجد إنسان _ مهما علا شأنه _ يَستطيع أن يدَّعي امتلاكَ اللغة، أو يَزعم أن اللغة مِلك شخصي له، أو سُلطة خاصَّة ورثها عن أسلافه . إنَّ اللغة هي السُّلطة العُليا التي تَفرض قواعدَها على الجميع، ولا تتلقَّى الأوامرَ مِن أحد، وهذه السيادة الفَوقية، تَجعل اللغةَ هي الأُم الحاضنة لأبنائها، الراعية لهم، حيث يَعودون إلى حِضنها، ويَحتكمون إلَيها، وهذا يُشعِرهم بالعدالة والمُساواة والأمان، حيث إن لهم مرجعيةً شرعيةً، وحِضنًا دافئًا .

6

صِفة الجماعية في اللغة هي القادرة على تفسير مصادر المعرفة، وربط المشاعر غَير المحسوسة بالوجود المحسوس، وإنهاء الصراع بين الإنسان ونفْسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان وعناصر الطبيعة، لأنَّ الصراع نار مُتأجِّجة في صدر الإنسان، انتقلت إلى الواقع، وانتشرت بشكل كارثي، وأحرقت الأخضرَ واليابسَ، لأنها لم تجد مَن يُطفِئها في مَهْدها . وَلَوْ فرَّغ الإنسانُ أحزانَه في اللغة، وأطفأ نارَ حِقده بالكلام المنطقي العقلاني الهادئ، واعتبرَ اللغةَ هي طبيبه النفسي الذي لا يَخدعه، ولا يَخونه، ولا يُجامله، لاختفى الصراعُ، وزالَ الصِّدام . فاللغةُ قائمة على القواعد المنطقية، والحُجَج العقلانية، والأدلة المعرفية، والبراهين الفكرية، أمَّا الإنسان فهو كُتلة مِن المشاعر المُتغيِّرة، والأحاسيس المُتقلِّبة، وهو كائن خاضع لضغط العناصر الحياتية، وهذا يُفَسِّر مِزاجية الإنسان، واختلاف سُلوكه حسب الوقائع والأحداث . وهذا الفرق الجوهري بين اللغة والإنسان، يَجعل اللغةَ هي الكائن الحَي صاحب السِّيادة المُطْلَقَة على الإنسان (الكائن الحَي المِزاجي النِّسبي الذي لا يُمكن أن يَصدُر عنه قِيَم مُطْلَقَة) .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

عصمت نصارسألني الكثيرون من القراء والأصدقاء عن دلالة مصطلح «فلسفة الكذب». لذا اجتهدتُ فى البحث عن تأصيل ذلك المصطلح، فاهتديُت إلى أن ذلك المصطلح قد وَرد فى شذرات عديدة من تعاليم حكماء الشرق فى مصر وبابل وفارس والهند. بالدلالة والمعنى وليس اللفظ.

وجاء فيما رويَ عن فلاسفة اليونان ومحاوراتهم ولاسيّما في مساجلات (السفسطائيين، حوارات سقراط، أفلاطون، وكتابات أرسطو). وكان مصطلح الكذب يعنى نقيض الحق والصدق والمنطقي والموجود، الأمر الذى جعلهم يخرجون الفن وعلم الجمال من دائرة التعبير عن الحقيقة. أما فلاسفة العصر الوسيط ولاسيّما «القديس أوغسطين (٣٥٤م-٤٣٠م)» فقد ذكر الكذب في إحدى رسائلِه بيّن فيها أنه من أبشع الرذائل وهو ضد الإيمان، وذلك لأن من يردد الأكاذيب دون تحقق يصبح مضللًا وخائنًا لأمانة الصدق.

وفى الفكر الفلسفي الحديث ربط الفلاسفة بين مصطلحيِ التجديف والكذب، فكلاهما ادعاء مخالف للحقيقة والواقع، سواءٍ في دائرة المقدس أو ميدان العلم، كما ذهب «كانط (١٧٢٤م-١٨٠٤م)» إلى اعتبار الكذب أسوأ الموبِقات التي يتجاوز شرها الرذائل الخُلقية إلى الجنايات والجرائم الإنسانية، ووضح ذلك في مقولتِه «إن أبشع أنواع الكذب هو الذى تمارسه الذات مع الآخرين، والأبشع منه هو الذى تُقنِع به ذاتها، لأن الكذب الممنهج يغتال الضمير».

ولم يُفرق «كانط» بين ما نُطلق عليه الكذب الأبيض مثل المجاملة والمداهنة، أو الكذب الأسود المُتعَمد.

أما في الثقافة العربية فقد تناول متكلمو الإسلام وفلاسفة المشرق والمغرب الكذب بمعنيين، أولهما أخلاقي يستند إلى قائمة المَنهِى عنه في القول والسلوك، والثاني فلسفى وهو ضد المعقول والمتسق والمنطقي والمُثبت بالتجريب والبرهان. وقد استثنوا الفن، وخالفوا بذلك نظرية المُحاكاة. وذلك كله بمنائ تمامًا عما يحدث في ميدان الشعر والأدب والقصص الخيالي.

وفى الثقافة العربية الحديثة لا نكاد نجد أشهر من كتاب «فلسفة الكذب» لمحمد مهدى علام (١٩٠٠م-١٩٩١م)، ذلك المفكر التربوي واللغوي المخضرم. الذى ناقش فيه معنى مصطلح «فلسفة الكذب» وعلتِه ومقَاصدِه وأشكالِه وأثارِه وتباعِته وبنيتِه ولغتِه.

والطريف أن «فلسفة الكذب» قد أضَحى من المصطلحات الشائعة فى كتابات الفلاسفة وعلماء النفس والتربية والاجتماع والتاريخ في الفكر المعاصر. وذلك منذ أخريات الستينيات من القرن الماضي (نحو ١٩٦٥م)، في الثقافتين العربية والأوروبية.

ها هو الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» (١٨٤٤م-١٩٠٠م) يقول «الحق إنه لا يسيرني اكتشافي أنك كذوب، ولكن كل أسفى على عدم استطاعتي تصديقك بعد ذلك».

وهنا يُشير «نيتشه» إلى انعدام الثقة، الذى يحدثه الكذب المُمنهج. فما أبشع الشك والارتياب إذا ما وقع بين الرأي العام القائد والرأي العام التابع، فذلك يؤدى حتمًا إلى تفكيك المجتمع وانقسامه.

بينما ذهبت الفيلسوفة الأمريكية «حنة آرندت» (١٩٠٦م-١٩٧٥م) إلى اعتبار الأخبار المغلوطة (Fake News) في ميدان العلم والسياسة والإعلام والتاريخ والأخلاق كيانًا واحدًا يحوى الزيّف والخداع.

وبالجملة «ففلسفة الكذب» عندها هى ذلك الخطاب والنسق والسياق الذى يُنقل من المتكلم إلى المُتلقي بُغية تضليله عن قصد أو غير قصد، إذا كان مُخالفًا للحقيقة.

أما «جاك دريدا» (١٩٣٠م-٢٠٠٤م) فقد ربط بين الكذب باعتباره فعلاً مخادعًا ومضللاً للآخرين وألاعيب الساسة والمزيفين للوقائع، وهو فى كل صورة يحمل بين طياته الشر، وهو بطبيعة الحال نقيض الخير المصاحب دومًا للصدق والحقيقة.

ويؤكد «دريدا» أن أخطر أشكال الكذب ودروبِه وأنواعِه، هو الذى يسلكه الساسة وتجار الكلمة فى خطابتهم ومبرراتهم وحججهم ووعودهم، وذلك لأنه فى مقدورهم تزيِّيف الواقع وطَمس الحقائق إذا حاول المُتلقى البحث عن مصداقية أقوالهم بالطرق التحليلية التقليدية. وعليه فهو يدعو إلى استخدام ضروب (التفكير الناقد) لكشف زيّف أكاذيب الساسة، أولئك الذين نجحوا إلى حد كبير فى ابتداع وتطوير نسقية للكذب حتى تبدو في عيون وأذهان ومسامع المُتلقين على أنها الحقيقة.

وقد أسعدني كثيرًا تلبية العديد من الجامعات المصرية والمنابر الثقافية، لدعوتي لعقد حلقات نقاشية تجمع بين أكابر المتخصصين والمعنيين بحروب الجيل الثالث والرابع. التي اتخذت من الشائعات والاخبار المضللة أسلحة لها، لتفكيك المجتمعات وتدمير الدول وتبديد الأمن فيها - وذلك لتثقيف الطلاب والرأى العام بأقوى المضادات لهذه الحرب الشرسة.

فلبيت دعوة جامعة أسيوط وذلك في الندوة التي عقدتها بتاريخ (١٠\١٠\٢٠١٩). تلك التي تحدثت فيها عن فلسفة الكذب وكيفية تحليل أنساقها، والكشف عن المغالطات التى يتعمد مبتدعوها وضعها على نحو حرفي وتقنى عالِ المستوى لخداع العقل الجمعي، الأمر الذى يستوجب التدريب على التفكير الناقد لفضح المستور وكشف التدليس وتبيّان الحقيقة.

وقد سُعدت أيضًا بالدعوة الكريمة التي أرسلت إلى من قِبل المفكر السياسي المخضرم «الأستاذ الدكتور مصطفى الفقي، مدير مكتبة الإسكندرية»، وذلك لحضور إحدى الحلقات البحثية الراقية التي عُقدت يوم الخميس الموافق (٧\١١\٢٠١٩) وذلك فى صورة ندوة ثقافية بعنوان «مواجهة الشائعات وتماسك الدولة»، لإيجاد السُبل لدعم وطننا لمواجهة حرب الشائعات الممنهجة التي يقودها العديد من الجهات المعادية.

وفى الندوة التقيت بكوكبة من المتخصصين في محاربة الشائعات والأفكار الجانحة والحملات الرانيّة لتزييّف الوعي. (إعلاميين، دبلوماسيين، أدباء ومؤرخين، علماء نفس واجتماع وسياسة، ومتحدثين رسميين عن مؤسسات الدولة ولم يكن هناك غيرى من المعنيين بالدراسات الفلسفية وتحليل الخطابات).

وقد استهلها «الدكتور مصطفى الفقي» - بمفاده - يخطئ من يعتقد بأن رسالة المكتبة التثقفية التنويرية بمعزل عن قضايا الرأي العام، فرسالة المكتبة وبرامجها التي ترمى إلى: إحياء النفيس وإبرازه وتجديد الخطابات وتفعيلها، وتطوير المشروعات وتحديثها ولا يمكن أن ينسيها أو يبعدها عن مقصدها وغايتها الرئيسية، ألا وهى تثقيف العقل الجمعي وتوعيته ونقض كل الآراء الجانحة والجامحة، التى تهدد أو تضلل أو تزيّف مشخصاتنا وهويتنا، وفى هذا السبيل دأبت المكتبة على عقد الندوات الفكرية مع صفوة الخبراء والعلماء والمفكرين والمعنيين بالقضايا المطروحة. وها نحن اليوم نناقش قضية الشائعات التي أضحت سلاحًا تستخدمه أعداء البلاد للنيّل منا ومن استقرارنا وأمان أمتنا وتحول بيننا واستكمال السير إلى الأمام نحو الإصلاح، وإعادة البناء والنهوض بالمجتمع ورقيه. علمًا بأن الكذب الممنهج أضحى نهجًا له أسس وقواعد، يجب التعرف عليه ودراسته، الأمر الذى يمكننا من التصدى إليه ومجابهته، وهذا ما سوف يُستمع إليه بشيء من الإيجاز في كلمات الأساتذة الحضور.

والحق أنى استفدت الكثير من الكلمات التي تناولت حرب الشائعات والأكاذيب الدائرة.

*   *   *

قلت إن الندوة كانت ثرية بمتحدثيها ومعارفهم وتعقيباتهم، فحَدثنا أحد الحضور عن مدى خطورة الأكاذيب التي تُحَاك لتبديد استقرار وأمن وتماسك المجتمع المصري، وذكر أن قوتها تفوق الحرب التقليدية بعشرات المرات، وذلك لسرعة الوصول إلى مراميها بخطوات علمية وتقنية ممنهجة، قد تدربت عليها أجهزة المخابرات المعادية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وطالما استخدمها ساسة الغرب في منافستهم الانتخابية، فقد قيل على «باراك أوباما(١٩٦١م- إلى الآن)» من قبِل خصومه السياسيين أنه ليس أمريكي المولد، وبالتالي لا يحق له الترشح لمنصب الرئاسة الأمريكية، وأشُيع أن الطائر الغارق في لُجة من البترول الذى ظهر على شاشات القنوات التليفزيونية وصفحات الجرائد والمجلات أثناء حرب الخليج -غزو العراق للكويت-، تلك الصورة التي علق عليها المحررون أنها من جراء إشعال «صدام حسين (١٩٣٧م-٢٠٠٦م)» لآبار البترول في الكويت.

(وقد ثُبت بالبرهان أنها مجرد Fake News) شأنها شأن الصور والتسجيلات المزيفة التي طالما أذاعتها القنوات المغرضة لتهييج الرأي العام وإحداث الفوضى، وذلك بتقنيات (الفيديولوجيا) والناطق الآلي.

ثم تَفضّل عالمٌ آخر فبيّن لنا الفارق بين الكذب النسقي الممنهج، والشائعة والأحداث المفتعلة والوثائق المزورة والصحف الصفراء والأخبار الموجهة المُصاغة على نحوٍ مثير للريبة والشك. فلم يعد الكذب رذيلة أو جريمة أخلاقية، بل أضحى جناية معرفية ترمى إلى طَمس الحقائق وتزيّيف الواقعات، وإيهام الذهن وخداع الحواس، متخذةً من المنطق سبيل لوضع المغالطات (مقدمة صحيحة يحمل عليها أخبار مغلوطة وإجراء عملية إخراج سينمائي مصحوب بقراءة، خاصة للخبر أو الحدث أو الواقعة)، وبيّن بأن نحو ٥٠٪ من هذه الأكاذيب تَنتشر على صفحات قنوات ومواقع التواصل الاجتماعي، وأن أيّسَر السُبل للتصدي لها هو إعداد فريق متخصص لتحليلها وفضحِها فيما لا يزيد على ثلاثين دقيقة من نشرها، وإلا فقدت مصداقية الرد أو التصدي، أما تجاهلها أو ارتجال الرد عليها سوف يُزيد من انتشارها ويؤكد حدوثها.

وأكد عالم ثالث، أن الإعلام في إمكانه أن يُبادر لتحصين الرأي العام ضد هذه الحرب، وذلك عن طريق المصارحة والإعلان عن كل ما يدور من مشروعات وقرارات وأزمات وإخفاقات وأحداث وواقعات ونجاحات واحتياجات، وذلك في مُتَنفس من الصدق والحرية، الأمر الذى يَسِد كل المنافذ أمام هذه المخططات. ذلك فضلًا عن تطهير أجهزة الدولة ذات الصلة للأمور الحياتية للرأي العام من الأبواق التي تردد الشائعات أو تُسهم في صناعة الأحداث الكاذبة أو الوقائع المُلفقة. والتزام الحكومة بالنهج العلمي في الرد على الأخبار الكاذبة، وليس مصادرة الصحيفة أو إقصاء المتحدث، فمثل ذلك القمع أو الحل الأمني يشكك الرأي العام في مصداقية أصحاب القرار.

وأخيرًا، قَدمت العديد من الخبيرات المعنيات بالتخطيط والمتابعة، وإدارة الأزمات أكثر من تصور لمخاطبة الرأي العام التابع بمختلف طبقاته لمحاربة الشائعات والتصدي لفلسفة الكذب الممنهج، بداية من الخطابات المباشرة من المسئولين، إلى القوة الناعمة التي يلعبها الفن بكل أشكاله، أضف إلى ذلك الاهتمام بإصلاح أحوال الأسرة باعتبارها اللَبنة الأولى للمجتمع تلك التي لا يستقيم البناء دون سلامتها ورفع المعاناة عن كاهل المعوزين، كما أكد أن ذلك الغزو الثقافي لا يمكن محاربتِه بالمنع أو الحجر؛ فإن كل من يفكر في ذلك يدعم هذه الأكاذيب والشائعات، بل ويؤكدها شأنه في ذلك شأن الذى يُهمل أو يتقاعس في الرد عليها. واجتمع الحضور على أن توعية الرأي العام السبيل الأرشد لإحباطها، وأن ذلك لن يتحقق إلا بتعاون كل أصحاب الرأي والمثقفين الغيورين على بلدنا، وذلك بإعادة حبل الثقة، وتنقية نهر الحب المتدفق بين الرأي العام القائد والرأي العام التابع.

ولا يؤخذ على هذا الملتقى سوىَ أمرين: أولهما غيبة الحديث عن الكتائب الإلكترونية ودورها والتشريعات المزمعة لعقوباتٍ رادعة لكل من يسهم بطريق مباشر أو غير مباشر للترويج لهذه الشائعات أو اصطناعها.

وثانيها خلط بعض المعلقين بين الخطاب الديني الذى لا يخلو من الاجتهادات الخاطئة والخطاب الإلهى الذى نطق به الوحى، وأخطأ بعض المجتهدين في تفسيره أو تأويله أو استنباط الأحكام منه، شأن الذين ادعوا «بأن الخليفة أو الحاكم هو ظل الله على الأرض وأن طاعته مطلقة وفرضٍ على العباد وأن المسلمين المعاصرين يحتاجون للفرقة الناجية التي تقوّم سلوكهم».

والجدير بالذكر، في هذا السياق أن جميع تلك الرؤى والمعلومات والبيانات كانت تُلقى على الحضور باللغة التي طالما افتقدنها في مؤتمراتنا وندواتنا، أعنى الدقة والوضوح في العرض والحرية والصدق في شرح وجهات النظر والرؤي.

ما أتمناه، أن تَكثر هذه اللقاءات فى شتى أنحاء مؤسستنا المعنية بالتثقيف والتوجيه

 

د. عصمت نصار

 

مجدي ابراهيممن الضمير لا من شيء غيره يحلو كلام العقلاء عن الله. ومن منافذ القلوب إلى سلطان الحق يكون الأنس بكلام العشَّاق فيصيب شغاف القلوب. وهو هو طريق البصيرة، فإذا كان "ابن سينا" في، إشاراته وتنبيهاته، حدّد طريق البصيرة بإرادة ورياضة، فهو نفسه الذي وصف طريق العرفان بصفة العارف حين يكون شجاعاَ، لأنه بمعزل عن تقية الموت. ويكون جواداً لأنه بمعزل عن محبّة الباطل، وصَفّاحاً لأن نفسه أكبر من أن يجرحها زلة بشر، ونسَّاءً للأحقاد وكيف لا؟ وذكره مشغول على الدوام بالحق.

هؤلاء الذين لم ييأسوا قط من روح الله :" إنّه لا ييئس من رَّوْحِ الله إلا القوم الكافرون". كلامهم - وأيمَ الله - ينادي وَجيب القلوب، هو هو الصدق بعينه، تعلّموه في رحاب الحق والأنس به، والتوكل عليه أحسن التوكل وأصدقه وأنقاه؛ فلن تجد كلاماً أبدع ولا أخلص من كلام العُشَّاق الذين جاوزا المحبّة إلى درجة الفناء في المحبوب : قلوبهم على يقين موصولُ بالجناب الأعلى، وضمائرهم خالية تماماً من كل شيء إلا ذكر الله ومَنْ والاه؛ فبذكره فقط تطمئن القلوب، وهل كانت الطمأنينة شيئاً غير هذه الصفة التي يكون فيها القلبُ على الثقة والأنس الدائم بالمحبوب الأعظم؟

كان الواحد منهم إذا هو سمع آية خَرَّ مغشياً عليه، ولربما لفظ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة هذا الشعور.

الضميرُ لديهم قوة علويّة من قوى الغيب المجهول، يزكيها الفهم النافذ لقول الحق تبارك اسمه، ويقوّيها العمل الصادق بمقتضى الفهم ويرفعهما إلى مستوى القوة العالية ذلك التبتُّل العميق لمحبة الله، يتولّد منها الشوق. والشوق، كما قال القشيري، اهتياج القلوب إلى لقاء المحبوب، وعلى قدر المحبّة يكون الشوق؛ لأن الشوق ثمرة المحبّة مع الوضع في الاعتبار بأن الله تعالى لا يُوصف بالشوق، وإنْ وُصِفَ بالمحبّة. من هذه الجهة تجئ خطابات التأنيس : ذوقاً خالصاً وأريحيّة عالية، ولن تكون خطاباً برانيّاً خاوياً لا يؤثر ولا يثمر ولا يفيد.

جمال كلام العرفاء في المحبّة وفي غيرها من مقامات وأحوال ممزوجٌ بعصارة النفس المطمئنة، باليقين، مبطنٌ بأغلفة الانوار الكثيفة لا يفضها وهم واهم، ولا يستطيع أن يفضضها أحد؛ إلا ذلك الذي ذَاقَ مذاقهم، وكرعَ من معينهم، ولم يزل يكرع من هذا المعين الدَّفّاق الذي لا ينضب ولا يجف. إنّ أحداً لا يقدر، من بعدُ، على فض بكورة معنى من المعاني الباطنة لإشارات العارفين ما لم يكن مُوَفَقاً من عند الله موهوباً هذه القدرة، وهذا الاستعداد، وهذا التوفيق.

تجارب العارفين إنّما هى حصون منيعة أقوى وأمنع من أن يتصدّى لها ضعيفٌ مهزول. وإشاراتهم أعلى وأرقى من أن يفسرها متعالم جهول. هذه التجارب العنيفة الشاقة في قهر النفوس على الالتزام لا يمكن أن تؤخذ هكذا مأخذ التقرير السّلبي أو التفسير العلمي الذي يقبل ما يراه جديراً من وجهة نظره، ويرفض ما لا يرى فيه - من وجهة نظره كذلك - جدارة القبول.

إشارات الأولياء رمزية، والرمز إشارة مغلقة لا يفتحها إلا عارف بمجريات ما أغلقت عليه؛ فأفرض مثلاً إنك سمعتَ كلاماً عن "الشوق" "والمحبة" "والعشق" "والوصال" "وتلهب القلوب" "واحتراق الأحشاء" "وتقطع الأكباد" ممّا يجري به كلامهم بالعادة وأخذته على عُلّاتِه، وفهمتَ منه أنه يشير إلى دلالة حسيّة قريبة، فاعلم من فورك أنك لم تتدَرَّب، بعدُ، على الغوص في عالم المعاني، كيف تفتح مغاليقه؟ ولا على تذوق العبارة كيف تستخرج منها لغة الإشارة؟

فالأصلُ في العبارة الرمزية أنها تنطوي على مجموعة من القيم مخزونة داخل العبارة كما تنطوي القيم الرياضية على الحروف، كل حرف منها يشير إلى دلالة خاصّة وإلى معنى خاص. وهكذا الرمز في إشارات الأولياء كأن يقول قائلهم :"علامة الشوق حُبّ الموت مع الراحة"، افتح هذا الرمز لو استطعت. أو يقول قائلهم :"المحبةُ استهلاكٌ في لذة، والمعرفةُ شهودٌ في حيرة، وفناء في هيبة".

وهكذا إلى كثير من الإشارات الرمزية في جميع المقامات والأحوال عند العارفين، لا بد في معرفتها، على وعي، من عقل بصير.

*    *     *

وإذا كانت هذه هى خَاصَّة المحبّة عرفانية في الأساس؛ فإنها لتندرجُ في المعرفة، فيجيء بمقتضاها نطق العارف مخبراً عن كل شيء، فقد سُئل عبد الرحمن الفارسي عن كمال المعرفة فقال :"إذا اجتمعت المُتفرقات، واستوت الأحوال والأماكن، وسقطت رؤية التمييز"؛ وعلق  السرَّاج الطوسي على تلك الإشارة حيث قال :"ومعنى ذلك أن يكون وقت العبد وقتاً واحداً بلا تغيير، ويكون العبد في جميع أحواله بالله ولله مأخوذاً عمَّا سوى الله، فعند ذلك يكون هذا حاله"؛ بمعنى أن تصير جميع الهموم هماً واحداً بلا تغيير، وتسقط جميع الشواغل إلا شاغل الحق واحد هو تحقيق العبودية لله، وهى التي عبر عنها ذو النون المصري بعدم الالتفات إلى الخلق فقال :"إنْ التفت العارف إلى الخلق عن معروفه بغير إذنه، فهو مخذول بين خلقه "، مخذول؛ لأنه مادام قد أختار طريق العرفان ثم ألتفت فقد خَان. والخيانة خُذلان؛ ولأنه في هذه الحالة لن يكون مشغولاً بالتحقيق في مقام العبودية، وسيكون في الغالب موزّع القوى مشتت الهَمِّ غير مجموع بالعين ولا هو بالمأخوذ كلية، وستكون فيه بقيّة من اختيار لا توصله إلى درجة العارف كصفة خاصة مخصوصة به.

وهنا قد نصل بالعرفان إلى مذهب "إسقاط التدبير" في تصوف السَّادة الشاذلية عامة، وتصوف أبي العباس المرسي وابن عطاء الله السكندري خَاصَّة؛ فلن يكون اختيار العارف في تلك الحالة القصوى من العرفان إلا بُمراد الله لا بمراده، وقد قال يحيي بن معاذ الرازي (ت 258 هـ) مادام العبد يتعرَّف (أي لم يبلغ درجة العرفان بَعْدُ) فيُقال له : لا تختر شيئاً، ولا تكن مع اختيارك حتى تعرف (أي حتى تبلغ من العرفان مبلغه)؛ فإذا عرف وصار عارفاً بمعنى أنه تحقق من العرفان؛ فيُقال له إذْ ذَاك : إنْ شئت اختر وإنْ شئت لا تختر؛ لأنك إنْ اخترت فباختيارنا اخترت، وإنْ تركت الاختيار، فباختيارنا تركت، فإنك بنا في الاختيار وفي ترك الاختيار".

وبعدُ؛ أَفَكَثيرٌ على العارف - وهذه حالته على هذا الوصف - إذا هو نطق، نطق عنك وأنت ساكت؟ كلا! إنّ حركته وسكونه بالله، فمن نطقه ينطق بالله، وكذلك في سكونه يخبر عن المسكوت عنه فيما لو كان مأذوناً له بالنطق فيه وبالإخبار عنه، وذلك لأنه في الحركة والسكون ليست له إرادة وليس له حظ فيهما.

هذه الصفة، "صفة العارف" هى التي عبر عنها الإمام الشاذلي أيضاً لما أن قال : من انقطع عن تدبيره إلى تدبير الله، وعن اختياره إلى اختيار الله، وعن نظره إلى نظر الله، وعن مصالحه إلى علم الله لملازمة التسلم والرضا، والتفويض والتوكل على الله؛ فقد آتاه الله حُسْن اللب وعليه يترتب الذكر والفكر وما وراء ذلك من الخصائص".

لكأنما الذكر والفكر من المراحل التالية لصفاء اللُّب بترك الاختيار النفسي وإسقاط شواغله إلى حيث اختيار الله تعالى وموالاته على الصفاء، فهما العلامتان اللتان يدلان على معقول النظر واستقامة العمل كما وصفهما بحُسْن اللُّبّ. غير أن هذه الصفة في المطلق لا تتأتى أبداً بغير تحقيق الإيمان ولا تأسس إلا عليه في أول مقام.

ليت شعري: ما الذي يُقدّمُه الإنسان على أسمى جزء موجود فيه، إذا انعزلت عنده مَدَارك الذَّوْق وراح يدرك كل ما يناله ببصر المحسوس والملموس، ويكتفي بذلك فقط، وينكر ما دونه من مدارك وأذواق؟ إنه ليبدو مخلوقاً تافهاً حقيراً إذا لم تكن المعرفة منذ البداية قد وَقَرَتْ فيه، وإنّه لينقلب من فوره إلى وضاعة ما بعدها وضاعة إذا هو لم يقدر وجوده الروحي، ولم يعرف أن هذا الوجود هو في الأصل مُقَدَّمَاً - وينبغي أن يكون مُقَدَّمَاً عنده - على كل وجود سواه، وأن وضاعته لتزداد، وشرهه المادي ليتفاقم إذا هو لم يعد يمتلك قدرة التحقق بأسس العرفان.

إنما قصدتُ هنا تحديداً ذلك العرفان الذوقي بهذا الوجود الروحي أو بتلك الطبيعة الموجودة فيه : طبيعة الروح السامية المتعالية التي تستقر في محيط الإيمان.

إنها من غير شك لطبيعة روحانية تسمو على كل طبيعة سواها، ترتفع ما ارتفع الإيمان في معدن الذات المؤمنة، وأزدان. وللحديث بقية مع خطابات التأنيس.

 

د. مجدي إبراهيم