عدنان عويدوإذ قال إبراهيم رَبِّ أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي). البقرة 260

الشك لغة:

جاء في معجمي الوسيط والمحيط: "الشَّكُّ: نقيض اليقين، وجمعه شُكُوك، وقد شَكَكْتُ في كذا وتَشَكَّكْتُ، وشَكَّ في الأَمر يَشُكُّ شَكّاً وشَكَّكَه فيه. وفي اللغة أيضاً مصدر الفعل شك يشك في الأمر، أي تردد في أمر بين شيئين، لذا فإن نقيض الشك هو اليقين الذي يعرف بالاعتقاد الجازم .

وعرف "الجرجانى" الشك بقوله: هو التردد بين النقيضين بلا ترجيح لأحدهما على الأخر عند الشاك.. وقيل إن الشك هو ما استوى طرفاه، وهو الوقوف بين الشيئين لا يميل القلب إلى أحدهما.. (1).

الشك اصطلاحاً:

وقد عرفه الفقهاء: بأنه عدم الاستيقان في الحكم على الشيء، وهذا المفهوم يتفق مع مفهوم أهل اللغة، حيث إنهم وقفوا بين الاستواء والرجحان . وفي هذا الباب ترد مصطلحات متقاربة أو متشابهة من حيث الغاية، مثل الاشتباه والظن والوهم، فكلها تعني الشك في الأمر وعدم اليقين.(2).

الفرق بين الشك والريبة:

الشك : كما بينا أعلاه، هو تردد الذهن بين أمرين على حد سواء.  وأما الريبة فهي شك مع تهمة.

أنواع الشك:

هناك نوعان من الشك، الشك السوىّ، والشك غير السوىّ وهو الشك المرضىّ.

1- الشك السويّ: ويتضمن الغيرة السويّة، أي الغيرة المحمودة مثل غيرة الزوج على زوجته من الأغراب والزوجة على زوجها، وهو حق مشروع وواجب وهى طبيعة متأصلة فى النفس البشريّة.

2- الشك المرضيّ: وفيه يعاني الفرد من أوهام اضطهاديّه يعتقد الشاك من خلالها أن الآخرين يريدون إيذاءه، وأن هناك مكائدَ ومؤامراتٍ تحاك ضده، وهذا الشك لا ينمو مع المرء منذ صغره ولا يشمل جميع الناس أو جميع جوانب الحياة، بل يركز على فكرة معينة تصل إلى درجه الاعتقاد الجازم، وهذه الفكرة أو الاعتقاد يسيطر على المريض إلى درجة تصبح شغله الشاغل ويصبح همه دعمها بالأدلة وجمع البراهين .

ويعتبر الشك وظيفة ذهنيّة، وظاهرة صحيّة، ودلالة على التمتع حتى بالصحة النفسيّة إذا مورس بغير إفراط، وعكسه هو التصديق. وكل شخص يحتاج إلى درجة بسيطة من الشك لحمايته من الوقوع فى بعض الأخطاء والتأكد والتيقن من الأمور، أي أنه لحظة مؤقتة ننتقل بعدها للحقيقة. (3).

كما أن للشك جانب إيجابي آخر، إذ يمكن للشك أن يقودك إلى آفاق جديدة عندما تشك في صحة مزاعم الآخرين إذا كانت تلك المزاعم تستند الى معلومات قديمة، ووجهات نظر بالية قائمة على الأسطورة والخيال والتخمين والظن، وهذه غالباً ما نجدها على سبيل المثال في الرؤى الدينيّة تجاه تشكل الكون وحركته على سبيل المثال لا الحصر. فشك كوبرنيك في رؤيته للكون وتأكيده على مركزية الشمس، وأن الأرض جرماً يدور في فلكها كما ورد في كتابه "حول دوران الأجرام السماويّة"، قد حطم التصورات التقليديّة لنظريّة مركزيّة الأرض. وهذا كولومبوس قد حطم أيضاً باكتشافاته الجغرافية العظيمة الاعتقاد التقليدي القائل بأن الأرض مسطحة وليست كرويّة. (4).

أهمية الشك في تأكيد المعرفة:

لقد تبين لنا من خلال تعريفنا للشك، على أنه حالة ذهنيّة يكون حكم العقل فيها تجاه قضية ما، مُعلّقًا بين افتراضين أو احتمالين متناقضين أو أكثر، بحيث يعجز التفكير عن قبول أي منها حتى تكتمل مقومات هذه المعرفة.

والشك باعتباره قلقًا، بين افتراضين متناقضين كما بينا أعلاه، فهو يغطي مجموعة من الظواهر تضم التالي:

المستوى العقلي: التفكير وفحص الحقائق والأدلة.

وعلى المستوى العاطفيّ: التصديق والإنكار.

وعلى المستوى الاجتماعيّ: يخلق الشك جوًا من انعدام الثقة، وربما يُصيّر الشخص الشاك اتهاميًا في طبيعته، أو في واقع الأمر مُدّعيًا، إما حماقة أو خداعًا من جانب آخَر.

وعلى مستوى علم النفس: "تعزو نظرية التحليل النفسيّ لـ"سيغموند فرويد" الشك إلى الطفولة،  حيث يُفسر (باعتباره عَرَضًا لإرهاب نابع عن الأنا). وأثناء تطور الأنا. تحتج نظريّة التحليل النفسيّ بأن تجارب الطفولة يمكنها زرع الشك في نفس الفرد حول إمكانياته، بل وحتى حول هويته الخاصة. (5).

وعلى المستوى اللاهوتيّ: قد يشكل الشك في وجود إله أساس "اللاأدرية"؛ أي الإيمان بعدم قدرة المرء على إقرار وجود إله من عدمه. وقد يشكل أيضًا أنواعًا أخرى من الشكوكيّة اللاهوتيّة، كأن يثير التساؤلات حول صدق معتقدات هذا الدين أو المذهب أو الطائفة أو تلك.

وعلى مستوى العلم: تقيس الطريقة العلميّة الشك بصورة منتظمة، وتستخدمه لتحديد ما إذا كانت هناك حاجة لبحث إضافي أم لا.

الشك فلسفيّاً:

بدأ الشك منهجيّاً وفلسفيّاً في الحضارة الغربيّة الحديثة مع "رينييه ديكارت"، ويعتبر ديكارت شأنه شأن "فرانسيس بيكون" أحد الذين آمنوا بالشك من أجل الوصول إلى اليقين، فهو يشك بيقينيّة المعارف السابقة التي تدعي بأنها تمتلك الحقيقة، فالمعرفة عنده لا تأتي عن طريق الحواس، ولا حتى عن طريق العقل، فالحواس كثيراً ما تخطئ. والاستنتاجات العقليّة المجردة كثيراً ما تخطئ أيضاً، لذلك من هنا يجب الانطلاق من الشك.. الشك المطلق الكلي.. الراديكالي. مع تأكيده بأن هذا الشك ليس لا أدريّاً وليس ريبيّاً كذلك. فعبر الشك تتم عملية انتقاد المعرفة الموجودة للوصول إلى المعرفة الأكثر يقينيّة.. إن الشك عنده وسيلة لامتحان قوانا العارفة ومنها الوصول إلى اليقين. فالشك هنا بتعبير آخر، هو وسيلة لإثبات الوجود : (أنا أفكر إذن أنا موجود). (6). فطالما أنا أشك فأنا أفكر،

من هذا المنطلق المنهجيّ في الشك، راح دعاة الشك يشكّون في كل شيء.. في المعايير الدينية.. وفي النُظم الأخلاقية.. وفي وجود الإله.. وفي المادة.. وحتى في الوجود ذاته.

إن التأسيس لمنهج الشك في حد ذاته، أثبت وجود الأنا المفكرة أو الواعية التي قامت بالشك في كل شيء، وأدت بالتالي إلى طرح سؤال الوجود، أي أصبحت تلك القدرة على الشك وطرح الأسئلة، هي إثبات وجود الأنا الواعية، لتكون بذلك مصدر اليقين الأول في العالم العلمانيّ العقلانيّ الحديث، وبالتبعيّة، يسبق وجودها – أي الأنا الواعية - وجود أي معايير دينية أو أخلاقية أو طبيعية سابقة عليها ومشكوكاً في أمرها ومصدرها بالأساس تبعا للتقليد الفلسفي الديكارتي.

إن التأسيس الديكارتي للفلسفة الحديثة القائمة عنده على الشك، كان في جوهره إعلاناً ثوريّاً بتشكيل رؤية جديدة كلياً للعالم، واليقين الأول فيها هو الإنسان كذات واعية عقلانيّة ومُفكرة وسيدة هذا الوجود، ودلالة حيّة ومستمرة عليه.

هكذا أصبح مبدأ (الذات العاقلة) المستقلة عن أيّة قوى دينيّة لاهوتيّة أو اسطوريّة أو غيرها، أساساً فلسفيّاً ومصدر شرعيّة لكل أشكال المؤسسات والأنشطة الإنسانيّة، وسمة أساسيّة لكل أشكال الثقافة الحديثة. فالحق والأخلاق أصبحا قائمين على الإرادة الحاليّة الحاضرة للإنسان، في حين أنـها كانت من قبلُ مُدونة ومُملاة على الفرد من خارج عالمه. كما أصبحت الذات أساس المعرفة العلميّة التي تكشف أسرار الطبيعة، بقدر ما تحرر الذات العقلانيّة الواعية من أوهامها ، فالطبيعة في تلك الرؤية العقلانيّة الجديدة للعالم لم تعد سراً غامضاً، تتحكم في آليّة سيرورتها وصيرورتها قوى من خارجها، بل هناك جُملة قوانين موضوعيّة شفافة تحكمها، وهي  قابلة للفحص والمعرفة من طرف الذات الإنسانيّة. وعلى وجه العموم فإن الحياة الدينيّة، والدولة، والمجتمع، وصولا إلى العلم والأخلاق والفن والأيديولوجيات السياسيّة، بدت جميعاً تجلٍّ للذات الإنسانيّة العاقلة وفاعليتها في التاريخ. هذا المبدأ الذي ظهر كمفهوم في "الكوجيتو الديكارتي"، أو الوعي الذاتي المُطلق لدى كانط،، أصبح هو الأساس لكل الثورات المعرفيّة الحديثة وسيّد العالم الحديث.

نقد منهج الشك عند ديكارت:

في النظرة الماديّة للتاريخ، يعتبر الشك في صيغته الديكارتيّة هذه، هو اتجاه نحو المثاليّة الذاتيّة، وذلك بسبب  تركيز قوة المعرفة في (الفكر) الذي جاء عنده أكثر يقينيّة وأصالة من وجود (المادة) أو الظاهرة التي يشكل الفكر انعكاساً لها.

إن الشك ينشأ بالضرورة عندما نفتقر إلى المعرفة والمعلومات حول أشياء معينة لم تكتمل سبل معرفتها بعد، أي لم نصل إلى اكتشاف قوانين آليّة عملها الداخليّة والخارجيّة المحيطة بها معاً، لأن فهمنا لها قد تأثر بشكل استسلاميّ بآراء من سبقنا من الذين اشتغلوا على هذه الظاهرة أو تلك، أو أن تكون موثوقيّة الحقائق مشكوكًا فيها وغير مؤكدة إلى حد ما، لأن التفسيرات قد تأثرت بالإدراك المباشر والعاطفة واللغة والمنطق وغيرها.  هذا مع تأكيدنا  بأنه، حتى لو امتلكنا كل الوسائل المتاحة للوصول إلى حقيقة الظاهرة المدروسة أو المشتغل عليها معرفيّاً، تبقى استحالة الوصول إلى الحقيقة المطلقة لأية ظاهرة، طالما أن هذه الظاهرة في حالة حركة وتطور وتبدل دائماً. أي نسبية في وجودها، وبالتالي سيظل الشك المعرفي العقلاني مرافقاً للباحث والمفكر والفيلسوف، طالما هو يسعى للوصول إلى الحقيقة.

 

كاتب وباحث من سوريّة.

.................................

المراجع:

1- (فى معجمه الفلسفى "التعريفات").

2- .(راجع موقع الخليج - مفهوم الشك في الفقه الإسلاميّ).

3- (موقع فلسفة وعلم.).

4-(موقع فلسفة وعلم).

5- . موقع ( areq.net).

6- (كتاب موجز تاريخ الفلسفة – أصدار دار التقدم موسكو – ودار الفكر دمشق 1971 ط3 ص231 وما بعد).

 

 

توجد إشارات قليلة في الروايات التاريخية تتحدث عن العلاقات بين اليهود وحكامها مما يدل إلي هدوء العلاقات بينهم، فنري أنه لم يقم اليهود طوال هذه المدة التي تزيد عن ثلاثة قرون بأي تمرد على السلطة الحاكمة في الأندلس، كما لم تثبت مشاركتهم في أيٍّ من التمردات العديدة، وحركات الخروج على الحاكم التي قام بها غيرهم، بل كانوا يتعاونون في بعض الأحيان مع السلطة ضد الخارجين عليها.

قصة اليهودي الكاهن

ويروي لنا المقري في نفح الطيب عن قصة اليهودي في بلاط حاكم المغرب عبد الرحمن ابن حبيب وكان يتكهن له ويخبره بتغلب قرشي مرواني واسمه عبد الرحمن ذو ضفيرتين وأنه سوف يملك الأندلس ويجعل الحكم في سبطه. فاتخذ عبد الرحمن عند ذلك ضفيرتين، فلما جيء بعبد الرحمن ونظر إلى ضفيرتيه قال لليهودي: ويحك هذا هو، وأني قاتله، فقال له اليهودي: إنك إن قتلته فما هو به، وإن غُلبت على تركه إنه لهو. فقام ابن حبيب بالتنكيل بكل من يأتي إليه من بني أميه حتي هرب منه عبد الرحمن الداخل إلي القيروان. وتوضح لنا هذه الرواية مكانة اليهودي داخل بلاط عبد الرحمن بن حبيب هذا بالإضافة إلى مساعدته لعبد الرحمن الداخل في النجاة بحياته.

يهودي يخبأ فقهيا مسلماً في بيته

عجب الحكم الأول (180-206هـ / 796- 822م) من تصرف اليهودي الذي أخفى في بيته لمدة سنة الفقيه طالوت، المطلوب للسلطة، بسبب مشاركته في ثورة الربض سنة (202هـ / 817م)، وقال للوزير الذي دله وحرضه عليه عندما لجأ إليه طالوت ليشفع له: "يا أبا البسام، رجل من اليهود حفظ فيه علة من العلم والدين، وخاطر معنا بنفسه وماله وأنت غدرته، وقد وثق بك، أردت أن تهلكه هو وأهله، اخرج عني، فو الله لا رأيت لي وجها أبدا "، وعفا عن طالوت وعن اليهودي وعقبه من بعده وعزل أبا البسام. ويتضح لنا بتصرف الحكم إزاء اليهودي والتعامل معه أنه لم يتخذ في نفسه رأياً مسبقاً بسبب كونه يهودي بل تصرف معه بتفهم وإحسان، وهذا دليل أيضاً علي متانة العلاقات بين اليهود والسلطة الحاكمة في هذا الوقت، وأيضاً ثقة اليهود في الفقهاء ودفاعهم عنهم وهذا يدل علي أن الفقهاء لم يكونوا يحرضون السلطة ضد اليهود.

لم يتم فرض زي معين علي اليهود، بل كانت لهم حرية الاختيار وكانوا يتحدثون العربية، وكانت لهم حريتهم في تيسير أمورهم كما يروا، وكانوا يتقاضون فيما بينهم إلا إذا طلب اليهودي أن يقاضي أمام قاضي مسلم.

تاجر يهودي يلجأ للقضاء ضد الأمير محمد بن عبد الرحمن الأوسط

ويحكي لنا ابن سعيد في كتابه حلي المغرب عن التاجر اليهودي الذي كان يعيش في ماردة وكان يريد أن يبيع جارية لديه لمحمد بن عبد الرحمن الوالي علي ماردة، فأخذها دون أن يدفع ثمنها. فلجأ اليهودي إلي القضاء وكان واليه أنداك سليمان بن أسود فهدده أن يذهب إلي قرطبة لوالده عبد الرحمن الأوسط (206 – 238 هـ / 822 – 852 م) إذا لم يعطي لليهودي حقه. وضحت لي هذه الوقعة شيئين، أولهما عدم خوف اليهودي من التظلم أمام القضاء وخصمه الوالي ابن الأمير ويبدو أنه قام بذلك لثقته في نزاهة القضاء وأنه لم يكن يوجد اضطهاد علي أساس الدين وأن الكل سواسية أمام القانون، ثاني شيء وهو موقف القاضي واتخاذه جانب اليهودي علي حساب الوالي بل وتهديده بتصعيد الأمر لأبيه الأمير.

يهود مدينة أليسانة وموالاتهم للأمويين

وعندما حدث التمرد الكبير للمولدين في الأندلس، والذي حرض عليه وقاده عمر بن حفصون في أواخر عهد الأمير محمد الأول (238-273هـ / 852-886 م)، خضعت الكثير من المناطق والمدن الواقعة جنوبي قرطبة لسيطرة ابن حفصون، وأعطاه الكثير من سكانها ولاءهم، بينما ظلت مدينة أليسانة يقطنها أغلبية من اليهود وهي قريبة من قرطبة وحصن بلاي حيث الموقعة التي دارت بين ابن حفصون و المنذر ابن الأمير محمد وتعرف بموقعة حصن بلاي، ولقد ظلت أليسانة موالية للسلطة في قرطبة. وأنني أعتقد أن الموقفين السابقين لليهود لم يصدرا عنهم، بدافع من الوفاء أو الالتزام بالعهود والمواثيق، بل لأن مصلحتهم أن تكون هناك حكومة قوية توفر لهم الأمن، وتعطيهم حقوقهم كأهل ذمة، وليس من مصلحتهم أن يخضعوا لمجموعة من المشاغبين والعصاة فيعتدوا على أموالهم ويضيعوا حقوقهم. وأيضاً لما رأوه من أعمال ابن حفصون في مدينة بيانة Baena  التي كان يسكن غالبيتها اليهود إذ يقول ابن عذاري أنه في سنة (276هـ / 889م): "نقض ابن حفصون، وقصد بيَّانة، فحارب أهلها، ثم أعطاهم العهد، فلما نزلوا إليه غدرهم وقتلهم، وأخذ أموالهم، وسبى ذراريهم".

حسداى بن شبروط

وكان من المقربين من الخليفة عبد الرحمن الناصر (300 – 350 هـ / 912 – 961 م) يهودي طبيب يدعي حسداي بن إسحق وهو أول من فتح لأهل الأندلس باباً لتعلم في الفقه والتاريخ وغير ذلك، وكانوا قبل ذلك يضطرون في دراسة فقه دينهم وتاريخهم إلي الاعتماد علي يهود بغداد، فلما اتصل حسداي بالحكم أدخل تواليف اليهود إلي الأندلس، فتعلم اليهود دينهم ولم يضطروا إلي الاعتماد علي يهود بغداد  وله ترجمة لكتاب " الحشائش والنباتات، أو هيولي علاج الطب، أو كتاب الأدوية المفردة " وهو كتاب لـ دياسقوريدوس والذي تم ترجمته في بغداد أيام الخليفة المتوكل العباسي ولم يتم ترجمته بالكامل لعدم المعرفة التامة بالترجمة اليونانية وما يقابلها بالعربية، وفي عام 337 هـ وصل الكتاب إلي الأندلس في زمن عبد الرحمن بن محمد مع هدايا أخري من أرمانيوس ملك القسطنطينية Romanus، والذي بعث له أيضاً عام 340 هـ براهب يدعي نيقولا، وقام بترجمة الكتاب مرة أخري بالاشتراك مع حسداي بن شبروط.

وقد ازداد تقدير الخليفة الناصر لدين الله لحسداي، وصار يعتمد عليه في بعض سفاراته إلى الممالك الفرنجية.

وفي (عام 329 هـ / 941 م) أرسله الخليفة الناصر إلي جليقية Galicia لعقد الصلح مع رذمير الثاني وإطلاق سراح محمد بن هاشم التجيبى قائده الذي أسر في وقعة الخندق قبل عامين وتم إطلاق سراحه عام 330 هـ (941 م) وجاء إلي قرطبة بصحبة حسداي بن إسحق الإسرائيلي.

ومن الدلائل علي ثقة الخليفة الناصر في حسداي أيضاً ما ذكره ابن عذاري حين أخبرنا أنه عام 345 هـ (956 م) " قدم محمد بن حسين رسولاً كان من الناصر إلي الطاغية أردون ابن ردمير ملك جليقية، ومعه حسداي بن شبروط اليهودي، بكتابه إلي الناصر راغباً منه في الصلح، فأسعفه الناصر في ذلك علي اختبار ولده الحكم، وأشتُرط علي الطاغية شروط وانصرفت رسله بذلك "

وقد أسهم حسداي بن شبروط بدور كبير في تشجيع اليهود وجذبهم إلى سفينة الفكر والأدب التي يقودها المسلمون، معتمداً في ذلك على علاقته الحسنة بالسلطة في عهدي الناصر والحكم الثاني (المستـنصر بالله) (350 – 366 هـ / 961 – 976 م)، فقد جعله الناصر رئيساً لكل اليهود

كان يأمنه على الأندلس، وظل كذلك إلى عهد الخليفة المستنصر بالله، ومكنته الدولة من جمع ثروة كبيرة من خلال وظيفته ومهماته الدبلوماسية، فاستطاع أن يوظف ما أعطي له من جاه ومال في دعم الثقافة اليهودية، حيث أخذ يقلد الأمراء المسلمين الذين دعوا العلماء والأدباء إلى مجالسهم، وجعلوها منتديات للعلم والفكر والأدب.

نستنبط مما سبق ما كانت له من مكانة عظيمة في بلاط الخليفة الناصر وكيف إجراء الاتفاقيات والمفاوضات، وأصبح له دور مؤثر في حياة يهود الأندلس فأصبحت الأندلس من أهم سماتها في هذا العصر التسامح مع اليهود، والدليل علي ذلك المكانة التي وصل إليها حسداي الإسرائيلي.

صارت عادة الحكام الأمويين اختيار أحد اليهود من كل مدينة يوجد بها يهود ويوكلونه لجمع الجزية من أهل بلدته وتسليمها إليهم، فيروي ابن حيان أنه في عهد الخليفة الحكم المستنصر (350 – 366 هـ / 961 – 976 م) في عام (363 هـ / 973 م) " سجل الحجاج بن متوكل اليهودي علي قسامة قومة يهود اليسانة " ويدل هذا علي الثقة التي كان يحظى بها اليهود داخل دولة الأمويين فلم يجنح الأمويون إلي اختيار مسلم أهل للثقة لديهم لجمع الجزية.

إبراهيم بن يعقوب الإسرائيلي

وينسب إلي طرطوشة، كان يهودياً أو مسلماً من أصل يهودي، رحل إلي كثير من الأقطار الأوربية وخاصة بلاد السلاف (الصقالبة)، وخلال رحلته قابل البابا يوحنا الثاني عشر في روما (350 هـ / 961 م)، وإمبراطور ألمانيا أوتو الكبير في مدينة ماذن برج، ثم عاد إلي الأندلس عام (356 هـ / 967 م)، حيث بدأ في كتابة رحلته في العام التالي وقدم رحلته هذه إلي الخليفة الحكم الثاني وكانت له سفارة ثانية إلي ألمانيا إلي مدينة ماذن برج حيث ألتقي بالعاهل الألماني عام (354 هـ / 965 م).

وفي نهاية عصر الخلافة قام المنصور ابن أبي عامر بتعيين صانع الحرير اليهودي يعقوب بن جاو رئيساً للطوائف اليهودية في الأندلس، ومنحه الصلاحيات التي مُنحت لحسداي بن شبروط في عهد الناصر، وهناك إشارة في كتاب ابن بسام إلي قيام يهودي بتأليف كتاب عن تربيب العسل وإهدائه للمنصور ابن أبي عامر وهذا يدل علي أن مثقفي الأندلس كانوا حريصين علي التقرب من السلطة السياسية في هذا الوقت.

لقد شهد اليهود هجرة واسعة إلي الأندلس حتي نهاية عهد الخلافة، قدرها عبد الله التل بأكثر من نصف مليون نسمة، ولم يكن لليهود أن يتركوا بلادهم ويهاجروا إلي الأندلس إلا بسبب أنهم رأوا كل رعاية وإحسان من الحكام فانتعشت تجارتهم ورأي اليهود في العالم ما آل إليه أحوال اليهود في هذه الأندلس فقرروا ترك بلادهم والهجرة.

 

هبه حافظ

.....................

المصادر

1- ابن الخطيب، أعمال الأعلام، تحقيق: سيد كسروي حسن، ط 1، دار الكتب العلمية ـ بيروت، 1424 هـ / 2003 م.

2- العذري (أحمد بن عمر بن أنس)، نصوص عن الأندلس، تحقيق: عبد العزيز الأهواني، منشورات معهد الدراسات الإسلامية بمدريد، د ت.

3- المقري،    نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر بيروت، 1388 هـ / 1968 م.، م 3.

4- ابن القوطية (أبو بكر محمد بن عمر)، تاريخ افتتاح الأندلس، تحقيق: إبراهيم الإبياري، ط2، دار الكتاب المصري – دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، 1410 هـ -1989 م.

5- ابن عذاري المراكشي (عبد الله بن محمد)، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق: ج . س كولان ـ ليفي بروفنسال، ط2،دار الثقافة ميريت –لبنان، 1400 هـ - 1980 م. ج 2 ؛

6- ابن خلدون (عبد الرحمن بن محمد)، مقدمة ابن خلدون و هي الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون المسمى العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر، ج 1، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان، 1421 هـ / 2001 م .ج 4

7- الإدريسي (أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله)، نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، مكتبة الثقافة الدينية 2002 م – 1422 هـ، م 2.

8- ابن سعيد المغربي، المغرب في حلي المغرب، تحقيق شوقي ضيف، ط 4، دار المعارف ـ القاهرة، د ت، ج 1.

9- ابن صاعد الأندلسي (ابي القاسم صاعد أحمد بن صاعد)، طبقات الأمم،نشره وذيله بالحواشي: الأب لويس شيخو اليسوعي، المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين / بيروت 1912

10- ابن جلجل (أبي داود سليمان بن حسان)، طبقات الأطباء والحكماء، تحقيق: فؤاد سيد،  ط 2، مؤسسة الرسالة، 1405 هـ / 1985 م، ص 21).

11- ابن حيان، المقتبس، جـ5، اعتنى بنشره ب.شالميتا، بالتعاون لضبطه وتحقيقه مع ف. كورنيطي و م.صبح وغيرهما، مدريد، المعهد الإسباني العربي للثقافة، 1979م.

12- ابن الحيان، المقتبس (السفر الثاني)، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط 1، 1424 هـ / 2003 م. 

13- ابن بسام الشنتريني (أبي الحسن علي)، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق: إحسان عباس، دار الثقافة بيروت لبنان،، 1417 هـ / 1997 م.

المراجع

1- خالد يونس عبد العزيز الخالدي، اليهود في الدولة العربية الإسلامية في الأندلس (92-897 هـ = 711 -1492 م)، رسالة دكتوراه من قسم التاريخ جامعة بغداد 1999، مطبعة دار الأرقم غزة –فلسطين.

2- عبد الله التل، خطر اليهودية العالمية علي الإسلام والمسيحية، دار القلم، 1384 هـ / 1964 م.

3- عبادة كحيلة،تاريخ النصارى في الأندلس، ط 1، المطبعة الإسلامية الحديثة، 1993 / 1414 هـ

4- محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس العصر الأول -القسم الأول من الفتح إلي بداية عصر الناصر، ط 4 , مكتبة الخانجي بالقاهرة، 1417– 1997 م

5- حسين مؤنس، تاريخ الجغرافية والجغرافيين، ط 2، مكتبة مدبولي، 1986.

6- محمد محمد مرسي الشيخ، دولة الفرنجة وعلاقاتها بالأمويين في الأندلس حتي أواخر القرن العاشر الميلادي، مؤسسة الثقافة الجامعيه، 1401 هـ / 1981 م، ص 281.

 

 

نبيل عودةسؤال هام يتكرر بأشكال مختلفة ومناسبات عديدة. وجدت ان الكثيرين يستعملون تعبير الثقافة دون المام بالمبنى الفلسفي للتعبير وماذا تعني الثقافة. وهل هي الابداع الأدبي مثلا بتعدد مدارسه وأشكاله؟

كثيرا ما وجه لي بالحوار او عبر المقابلات الثقافية عبر كتاباتي المختلفة سؤال عن فهمي للثقافة، اذ وجدت ان الكثيرين يستعملون تعبير الثقافة دون المام بالمبنى الفلسفي للتعبير وتفرعات مفهوم الثقافة. دون فهم ان الثقافة تشمل جميع أوجه النشاط الابداعي للإنسان، بما في ذلك الإنتاج المادي الذي لا غناء عنه للمجتمعات البشرية.

الأمر الاساسي ان تعبير الثقافة يطلق على مجمل النشاط الإبداعي للإنسان ونتائج هذا النشاط. وهنا لا بد من التمييز بين الثقافة المادية والثقافة الروحية، الثقافة المادية تشمل انتاج الخيرات المادية (أي نشاط الانسان المادي). اما الثقافة الروحية فتشمل الوعي الاجتماعي للإنسان، بكل تفاصيله، الابداع الأدبي بكل اشكاله، المسرح، الموسيقى، الرسم، النحت، العلم، الفلسفة وكل ما يصنف ضمن النشاط الذهني الإبداعي وعادة يسمى بالثقافة الروحية. طبعا لا يمكن تجاهل الرابط بين الثقافة المادية والثقافة الروحية، هناك تأثير متبادل ودائم بين الثقافتين.

اذن الثقافة هي شكل من أشكال النشاط الجمالي والإبداعي للإنسان، ليس من السهل فهم الدوافع الأولية لهذا النشاط الانساني، لست في باب تفسير الثقافة سوسيولوجيا، أي مجمل العلوم التي تدرس المجتمعات والقوانين التي تحكم تطور المجتمعات وتغيرها او البحث في مركباتها الأساسية، والتطور يشمل اشكال التعبير البشري والصياغات وتجسمها الفعلي مع نشوء اللغات البشرية، فنجد أن التعبير بالرسم بدأ مع إنسان الكهوف، بينما تطور اللغة قاد الى مرحلة أرقى من تبادل المعرفة ونقل الأخبار والتجارب والمخاطر وصولا الى مرحلة الكتابة ووضع اول أبجدية في تاريخ البشر، وقد وضعها جدودنا الكنعانيون، وهي هدية الكنعانيين العبقرية لشعوب الأرض .

الأدب هو جزء من الثقافة الاجتماعية ومصدرها الوعي الاجتماعي للإنسان وتطوير أساليب التعبير عن هذا الوعي. اذن الثقافة تشمل كل أشكال النشاط الإبداع البشري، من الإبداع المادي، أي المنتجات الاستهلاكية والخيرات المادية التي ينتجها الانسان، حتى الإبداع الروحي الذي نسميه "الأدب او الفنون بأشكالها المخلفة".

الأدب يتفرع الى أجناس عديدة أهمها الأدب النثري والشعري والفنون مختلفة الى جانب العلوم والفلسفة.

تفتقر لغتنا العربية لتعبير يميز بين الثقافة الروحية والثقافة المادية. نجد في اللغات الأجنبية تعبير "الحضارة" civilization للحديث عن الثقافة المادية، وتشمل الموارد الاقتصادية، النظم السياسية وترتكز الحضارة على البحث العلمي الذي يعبر عنه في الابتكارات التكنولوجية والعلمية في مختلف العلوم والأبحاث بكل تنوعاتها. اما الثقافة (culture) فتعني الثقافة الروحية أي كل ما يتعلق بالمفاهيم الأدبية والفنية الإبداعية.

وهي تشمل نمط متكامل من المعرفة البشرية، والقدرة على التفكير. ان عناصر الثقافة مرتبطة ببعضها البعض، يمكن القول بدون تردد ان الأدب هو شكل من أشكال الوعي الاجتماعي للواقع الذي يعيشه الانسان بكل امتداده معبرا عنه بالتخيل او بالدمج بين الخيال والواقع.

هذا أيضا لا يفي بالجواب الكامل، لأن الأدب تحول في مراحل متطورة من حياة المجتمعات البشرية الى أداة لها أهميتها في نشر الفكر والفلسفة والعلوم المختلفة. طبعا لا يمكن الفصل بين الثقافة بمفهومها الروحي والثقافة بمفهومها المادي، لأن الترابط الديالكتيكي بينها لا ينفصم ولا تطور لجانب بدون الجانب الأخر. من هنا نجد ان الثقافة في الدول المتطورة اقتصاديا هي بمكانة متقدمة اكثر من الثقافة في الدول ضعيفة التطور، هذا يبرز أيضا بمستوى التعليم والأبحاث، ويبرز أكثر بمستوى تسويق الكتاب. مثلا التقرير الصادر عن "مؤسسة الفكر العربي" يشير إلى أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً، بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً، وهذا يوضح لنا مدى الكارثة الثقافية والعلمية التي يعيشها المواطن العربي، مقارنة بمواطنين في الدول الأوروبية.

لعب الأدب دورا في عملية الرقي الحضاري، بل تحول الأدب في مرحلة الاستعمار مثلا الى اداة اعلامية لتبرير نشر السيطرة الاستعمارية على الشعوب المتخلفة كأداة إعلامية للاستعمار، يظهر بها رقيه على الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) ... ولم يتأخر الوقت لتستفيد الشعوب المغلوبة على أمرها من هذا الجهاز الأدبي الذي تطور مع الاستعمار، لتنشئ أدبها المضاد، ويعرف بالثقافة المضادة في مواجهة الثقافة السائدة. هذا الواقع عاشته الأقلية العربية داخل إسرائيل في مواجهة الثقافة الصهيونية التي تنكرت لحقوق الشعب الفلسطيني وتاريخه وعلاقته بوطنه، بما طرحته عن "ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" وعن نهج الفكر الاستيطاني الذي يعمل على السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية متنكرا لحقوق الشعب الفلسطيني.

ادوارد سعيد في كتابه الهام الثقافة والامبريالية، يطرح رؤيته الى ان تطور الرواية الانكليزية والفرنسية كان مع تطور الاستعمارين الإنكليزي والفرنسي، بينما الرواية الأمريكية تأخرت حتى بدايات القرن التاسع عشر مع بداية تطور الاستعمار الأمريكي.

من هنا نجد ان الثقافة ليست مجرد ابداع روحي بل هي موضوع شامل للحياة بكل مركباتها الفكرية والانتاجية.

 

نبيل عودة

 

 

مجدي ابراهيمماذا تبتغي من وراء العمل؟ حتى إذا ما فتشت مُخلصاً عما في دخائل نفسك، برقابة الضمير عليها، فلن تجد أعمالك كلها إلا "وسائل"، إذْ ذَاَكَ يجيء "البطر"؛ تصحبه قلة الرضى عن الأحوال الذاتية الخاصّة، من جرّاء اتخاذ العمل "وسيلة" لم تتحقق فيها بوحدة قصد. فإنّ التفتيش في بواعث الأعمال ليطلعنا على غياب عنصر الإخلاص منها في نقطة الانطلاق، في البواعث المحركة للعمل. أمّا النتيجة فمتوقعة على الفور، أقلّها : استبداد حالات البطر والقنوط بالأنفس التي اتخذت من الأعمال "وسائل" ولم تتخذها "مقاصد"؛ لتحضر فيها مع الله.

وسبب هذا؛ أن فقدان مبدأ الطمأنينة القلبية يقود بالضرورة إلى فقدان ملكة التعلق وهي ملكة راسخة في "ذات العارف" يستشعرها مع دوام الحضور، بمصدر الوجود نفسه ومنشئ القيم التي يتولاها هذا الوجود الإنساني المُكرّم سلفاً من عند الله. وبفقدان مبدأ الطمأنينة القلبية تفقد الذات الإنسانية وجودها الحقيقي المرهون بحضور العمل في الله ومع الله ومن أجل الله، وتستبدله بوجود آخر مزيف سرعان ما يحكم عليها بالتشيؤ والتشظي والنظر إليها كما لو كانت كمّاً مهملاً لا يستقر له قرار أمام طغيان المجموع الذي ينتسب إليه بسبب أن العمل كان "وسيلة" لإرضاء هذا المجموع أو إرضاء النفس المعزولة عن حركة الكون السرمديّة، ولم يكن بالمقصد الذي يحضر فيه العامل دوماً على اليقظة مع الله حضور حركة ورقابة باطنة لا وسيلة غفلة وجهالة عمياء.

الذي يحقق وجود "الذات العارفة" هو العمل من أجلها، وفي رحابها؛ بمقتضي الحضور. أقلُّ الأعمال إذا هى كانت "وسائل"، ولم تكن مقاصد حاضرة مع الله، أورثت بطراً وجلبت كزازة نفسانية، تتقدّم فيها المسخطة على الرضى، والضجر على الفرح والسرور. وإذا استولت على "الكينونة" على "الذات العارفة" عوامل الهدم مثل : قلة الرضى والإنهاك والتعب والإعراض عن الذكر والمعيشة الضنك، كان تأخرها من جرّاء اتخاذها الأعمال وسائل عارضة ومقاصد ساقطة، يلزم عنها فقدان الذات وتلاشيها في مقابل طغيان النفس أو طغيان المجموع.

إنمّا التفرقة بين وسائل الأعمال ومقاصدها أحكام سلوك، مصدرها توجُّهات، ترتد إلى ذوات عارفة؛ فالعمل راجع إلى ذات المرء التي قامت بإنجازه، فإذا كان "وسيلة" انعكس بالسلب عليها، وإذا كان مقصداً شريفاً لازمه الحضور مع الله، ارتد من فوره على صاحبه طمأنينة قلبية ورضى وفرح وحبور.

قِسْ على هذا القسطاس كل أعمالك ماذا عساها تكون : مقاصد هي أم وسائل؟ وسَاَئل نفسك قبل أن تقدْم على العمل، وعالج نيّتك قبل أن تمضي فيه، وتأمل جيداً في العمل قبل أن تواقعه، وفارق البطر ونكرات النعمة، وقدّم "المقصد" على "الوسيلة"؛ فإنّه قسطاس نافع بكل تأكيد. ليس أنقض حالاً ولا أدعى للشك ممّن يفقد "مقاصد الأعمال" فيعيش أكذوبة كبرى اسمها الحياة : أكذوبة في الوجود، وأكذوبة في التصورات، وأكذوبة في الآراء والمعتقدات، وأكذوبة في النتائج والثمرات، ولا يستطيع أن يتصور ما من شأنه أن يناقض الأكاذيب في هذا العالم  التافه الحيران. وليس من شك أن هذه الأكاذيب لا تبشر بطريق ناهض على الإطلاق، اللهم طريق التعسف والنكوص والاعتقاد بالقيم التراجعية البغيضة التي تملأ آفاق الحياة والواقع والوجود سلباً وترديّاً كما تملأ الأخلاق وسائر الحيوات التي لا معنى لها ولا قيمة من قيم البقاء من ورائها.

صحيح أن الوقائع والأحداث تجري في هذا الواقع، فيبدو أنه يتحرك بالتراجع للخلف بما لا يقاس بواقعية غيرنا، إذا نحن وصفنا الواقعية هذه بالمنطقية التي تشبع نهم العقلاء. هنالك يبدو الواقع كما لو كان لا يستطيع أن يسير بنهضة تُقدِّمه غير تلك الكبوة التي تلازمه وتحقق له النهوض من خلال الكبوات وتوالي العثرات. وها هنا يتحطم الواقع على من فيه وبمن فيه، وأول الذين يتحطم على رؤوسهم فيقضّ مضجعهم هم أولئك الذين اتخذوا أعمالهم وسائل، إذْ فكروا وقدّروا وأقاموا البناء على جرف هارٍ فانهار بهم. أخذهم التشاؤم بعيداً عن المقاصد الجليلة النافعة، فجعلوا الحياة والواقع والوجود مجرّد "أكاذيب"، لمّا استولى عليهم البطر طافحاً بمعالم الجحود وتقاذفتهم بشاعة من نكران الصنيع الإلهي الجميل وكفروا بالنعمة الإلهية.

على الوجه الآخر، في المقابل، ترى الفعل الإلهي ضامن في ذاته للفعل الإنساني إذا كان الأخير مقصداً سامياً وليس هو بالوسيلة العاجلة القريبة، إذ الأعمال حين تكون مقاصد يصبح الحضور مع الله تباعاً موفور الجزء من جميع الوجوه.

وأعلى هذا الجزاء مكنة النفس في أن تتلقى فيوضات القربة مع الجوار الإلهي في غير انقطاع. ولهذه الدلالة بلا شك ميدانٌ كبيرٌ هو ميدان التقديرات الإلهيّة، ينمو فيه العمل ويذكو ويزداد ويظل محفوظاً بأطيب الثمرات في عالم المثوبة والرضوان، تماماً كما تنمو في نفس العامل مقررات البطولة الروحيّة والفكريّة على التحقيق.

أمّا ميدان التقديرات الآدمية؛ فكل عمل يدور في فلكه، مَرَدَّهُ إلى "وسائل" يتخذها العامل قهراً أو نَصَبَاً ولا تفضي به في نهاية المطاف إلا إلى خذلان.

أذكر لأبي حيان التوحيدي (414هـ - 1023 م)، طيّب الله ثراه، من أعلام القرن الرابع الهجري، لمّا أصابه اليأس والفقر وضاق  صدره بالحياة والناس، وبلغت حياته كلها ضرباً حرجاً من الكآبة والنفور، واستولى على جوانبها البطر، قام آخر حياته بإحراق كتبه وتبديد بحوثه ومقالاته، ولما أستبد به اليأس عاش غريباً في وطنه وَهَوَ مَنْ هَوَ في سعةِ علمه وغزارة حكمته وقوة بيانه وجميل إشاراته.

ولشدَّ ما وصلت به الأحوال ضيقاً وألماً ونَصَبَاً وكآبة، وبطراً لا نكران فيه؛ أنه كان اتّخذ من أعماله "وسائل" فلم تسعفه في رغد العيش، ولم توفر له الطعام ولا الشراب ولا الحياة الكريمة، ولم تنقذه من مدقع الفقر الدائم والفاقة المتوالية. على أنه كان شريف الوسيلة يترآى له المجد بارزاً من بريق الخلود، ويتربع على سلطان البيان الأدبي والفكري بما لا يقاربه نظير؛ ومع ذلك سقطت في عينيه الحياة كل الحياة، لأن أعماله كانت "وسائل"؛ لتحقيق المجد وزيادة الشهرة واتساع الصيت وذيوعه بين العالمين.

ولم تكن "مقاصد" يحتسبها فضلاً حين يعز تحقيقه بين يدي المخلوق، ويجد العزاء وحده في رحاب الخالق، وإليك عبارته فيما قال :

"إنّي جمعتُ أكثرها للناس (أي أعماله الأدبيّة والفكريّة) ولطلب المُثالة منهم، ولعقد الرياسة فيهم، ولمدّ الجاه بينهم، فحرمت ذلك كله. ولقد اضطررتُ إلى التكفف الفاضح عند الخاصّة والعامة، وإلى بيع الدين والمروءة، وإلى تعاطي الرياء بالسمعة والنفاق، وإلى ما لا يُحسن بالحرِّ أن يرسمه بالقلم، ويطرح في قلب صاحبه بالألم"(أ. هـ).

هذه هى ثمرات "الأعمال" حين تكون "وسائل"، وتلك هى نهايتها المؤسفة الحزينة من عوامل الضعف والبطر والحرمان والاضطراب؛ بل والغربة عن هذا العالم في كافة الأحوال. لكن الذي يكتب هذا الكلام في زمنه كما كتب التوحيدي؛ ليخرق به أحجبة الزمن والتاريخ ولا يبالي بمن يقرأ له على النقد شماتة أو نكاية مزرية؛ لهو عارفٌ بصيرٌ وله من البصيرة والعرفان ما يعز وجوده لغيره، يواجه نفسه بالنقد والتطهير قبل أن ينتظر من الآخرين مواجهته.

ولم يكن قول الله تعالي في سورة العنكبوت:" والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبُلُنَا" إلا إشارة ضمنيّة تتوج العمل كله؛ ليكون مقصداً يحضر فيه المرء مع الله، فالجهاد في الله من شأنه أن يجعل العمل كله موكولاً على الله، وعلى الله وحده فيما تتوجّه إليه قلوب العارفين قصدُ السّبيل.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم  

 

زهرة خصخوصيتعرض الكتابة الحديثة نفسها على القارئ باعتبارها مفهوما مثقلا بالإشكاليّات المتعالقة ومفهوم التّلقّي، بناء على أنّ فعل الكتابة ينتج خطابا لا مشروعيّة لوجوده دون تعالق طرفيه مخاطِبا ومخاطَبا، وبناء على أنّ فعل التّلقّي قد أصبح جوهر فعل الكتابة وأُسّ وجوده، منذ بروز نظريّة التّلقّي ومفهوم الخطاب، وامتداد التّداوليّة اللّسانيّة إلى مجال الأدب والفكر، ودحر سلطة القارئ سلطةَ النّصّ مع إعلان النّقد الحديث "موت الكاتب"، وانفتاح النّصّ على التّعدّد الدّلاليّ، بعد انغلاقه على مقولات الشّكل وإملاءاته.

ماذا نكتب؟ كيف نكتب؟ لمن نكتب؟ ولماذا نكتب؟ هي إشكاليّات ترافق مفهوم النّصّ وفعل الكتابة، وتجيء متلازمة مع إشكاليّات أخرى هي إشكاليّات التّلقّي: ماذا نقرأ؟ كيف نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟

كما أنّ النّصّ لا ينبجس من فراغ، بل هو نتاج اختمار ذاكرة معرفيّة، وتفاعل سياقات تحفّ بالكاتب أو تسكنه، فإنّه يتشكّل مشحونا بمقصديّة تلقّيه من طرف قرّاء يتعدّدون ويختلفون زمانا ومكانا وثقافات وخلفيّات إيديولوجيّة واجتماعيّة ومعرفيّة...

هذا التّلازم بين فعليْ الكتابة والتّلقّي في العمليّة الإبداعيّة الحديثة يمثّل هاجس الفعل النّقديّ في البحث في شروط  هذا التّلازم وضوابطه، انطلاقا من تحديد خصائص الكتابة الحديثة وملامح فعل التّلقّي المتواشج مع تلك الخصائصن وما ينعكس عن تلك الوشائج الجامعة بينهما من توجيه لمسارات التّلقّي النّقديّ وغير النّقديّ.

الكتابة الحديثة وفتنة التّجريب:

الكتابة هي ضرب من ضروب رسم الإنسان الكاتب للوجود كما يتمثّله ويراه، منفعلا به، ومتفاعلا معه، وفاعلا فيه. لكنّ خصّيصة هذا الرّسم أنّه يتشكّل باللّغة "باعتبارها المشترك الثّقافيّ"(1)، وباعتبارها أداة التّواصل الأكثر قدرة على الاتّساع لتعدّد المعاني والدّلالات.

وتمثّل اللّغة في المسار الحداثيّ المتنامي للكتابة الأدبيّة العربيّة المجالَ الأكثر قدرة على تحقيق وجوه التّجريب الفنّيّ شعرا وسردا بشتّى صنوفه: ومضة، وقصيرا جدّا، وقصيرا ورواية، وذلك لما يمتحه الكاتب من الحقول المعجميّة الرّحبة من مفردات، وبما يتوسّل به من أساليب لغويّة متنوّعة وما ينسجه بتعالق المفردات ببعضها بلاغيّا، وبالمقام والسّياق دلاليّا من صور شعريّة ومشاهد سرديّة يحمّلها رؤاه الإبداعيّة التّجديديّة المفتونة بنزعة التّجريب الأدبيّ، حتّى صارت الكتابة الحديثة كتابة "الخلق" المتجدّد.

ورغم ما يسم الكتابة العربيّة الأدبيّة الحديثة من انصهار، في جدليّة القديم والحديث، بين أصالة راسخة تعي جذورها وتعتدّ بها، وحداثة ضاربة في خصوصيّة الذّات الكاتبة وعصرها والمتلقّي في آن، فإنّه لا يخفى على القارئ النّاقد ولع الكتّاب التّجربيّين بالجماليّة السّرديّة، هذه الجماليّة المستمدّة أسسها من شعريّة تودوروف، والتي يجيء النّصّ المسكون بها مكثّفا مختَزلا، عباراته يسكنها البيان، ومشهديّاته يوجّهها الرّمز والإيحاء، فتتحقّق في اكتمال بنائه "شموليّة المعنى وتعدّد المقصد"(2). وصار النّصّ السّرديّ مشحونا بإيقاع الكتابة وموسيقى الكلام  التي تشدّ القارئ وتؤثّر فيه وتيسّر بلوغ المعنى، ويغدو القارئ مفتونا بها ، يتقفّاها في النّصّ وهو ينشد "لذّة القراءة"(3).

ولعلّ افتتان الكتابة الأدبيّة السّرديّة خاصّة، بالتّجريب الحداثيّ المسكون بشعريّة السّرد، جعلها منفتحة باستمرار على تعدّد القراءات، خاصّة منذ بروز المنهج التّفكيكيّ الذي يعلي من قيمة القراءة وينتزع السّلطة من النّصّ بنيةً منغلقة على ذاتها، ليهبها إلى القارئ. فالتّطوّر الهامّ الذي عرفه تصوّر مفهمة النّصّ نقديّا ينتقل بالنّصّ من كونه مجرّد أنساق لغويّة مغلقة إلى اعتباره وحدة تواصليّة منفتحة على سياقات الكتابة ومرجعيّات الكاتب، ومرتهنة بثقافات المتلقّي وخلفيّاته. وهو ما يخرج بفعل القراءة من دائرة التّلقّي السّطحيّ الانطباعيّ الضّيّقة إلى دائرة محاورة النّصّ ومساءلته فتفسيره وتأويله من أجل بناء رؤية للنّصّ تتجاوز حدود القصّ إلى رحاب الاستقراء المنفتحة.

القراءة وفتنة التّأويل:

فعل القراءة هو فعل اختراقٌ لصمت الكتابة في النّصّ، وهو من منظور بول ريكور إنتاج المكتوب، نصّا يضاهي النّصّ الإبداعيّ إبداعا، يفلت من قيود قصد المؤلّف ومن إملاءات قراءات تسبقه. وهو تعريف يفتح باب الحرّيّة للقارئ على مصراعيه ليفسّر النّصّ كما يفهمه أو بصفة أدقّ كما تمكّنه زوايا النّصّ وآليّات مساءلتها من صياغة فهمه الخاصّ.

لذلك يرتبط فعل القراءة باختلاف الفهوم وتعدّدها، هذه الفهوم المرتهنة إلى اختلاف ثقافات القرّاء وإيديولوجيّاتهم وقدراتهم النّقديّة أو التّحليليّة أو التّأويليّة. وهي في تعدّدها هذا متفرّعة إلى قراءة استنطاقيّة منهجيّة، وقراءة تأويليّة منتجة، وقراءة سيميائيّة جامعة.

فلئن كانت القراءة الاستنطاقيّة المنهجيّة تنكبّ على تشخيص مفاتيح النّصّ " ضمن تدرّجات مستويات المعنى، فالوصول إلى المعنى الكامن في عمق النّصّ" (4)، متجاوزة سطح النّصّ إلى عمقه، فإنّ القراءة التّأويليّة المنتجة تستنطق النّصّ بحثا في دلالاته المحتملة استثمارا لمنتَجات القراءة الاستنطاقيّة وإفادة من آليّات التّأويل النّقديّة. أمّا القراءة السّيميائيّة الماتحة آليّاتها من المنهج السّيميائيّ فهي " نمط قرائيّ" يتوقّف عند الخصائص البنيويّة للنّصّ فيفكّكها ويستنطقها ويحلّلها ثمّ يأوّلها، خالقا بذلك "دورة معرفيّة تمثّل مجموعة صيرورات واستحالات لتؤدّي إلى إنتاج نصّ جديد يمكن تسميته بنصّ القراءة"(5)، وهي بذلك تنتقل بالنّصّ من وجود دلاليّ كامن خبيء في زوايا بنية فنّيّة، إلى وجود فعليّ هو نصّ على نصّ، يرافقه ويحاوره وينقل ما يفصح عنه، ويبوح بما يومئ إليه، وقد يقوّله ما لم يخطر ببال كاتبه أن يقوله.

في القراءة يلتقي النّصّ والقارئ، طرفين يمثّل النّصّ فيهما المكوّنَ التّاريخيّ الثّقافيّ الموجود، ويحضر القارئ فيهما باعتباره مكوّنا ثقافيّا اجتماعيّا منتظَرا ينتج معرفة بالنّصّ تفسح المجال لتملّك جديد لمقولات اللّغة التي تتشكّل أسلوبيّا وبلاغيّا ولسانيّا تداوليّا عرفانيّا أيضا.

ولعلّنا أمام هذا المفهوم الذي تقدّمه المناهج الحديثة لفعل القراءة، نلفي أنفسنا، قرّاء وكتّابا في آن، في مواجهة إشكاليّة كبرى جوهرها: أنّى ننتظر من القارئ خلق نصّه الاستقرائيّ المفكّك المسائل المستنبط المؤوّل، دون أن نوفّر له إبداعيّا شروط المساءلة؟

كيف يمكن للعمليّة الإبداعيّة الأدبيّة أن تفضي إلى عمليّات إبداعيّة نقديّة/ استقرائيّة، وهي تقدّم للقارئ نصّا لا يستفزّ دهشته ولا يستنفر ملكة السّؤال والتّفكيك وإعادة البناء فيه؟

إذا كانت قيمة الكتابة الأدبيّة التّجريبيّة الحديثة  تكمن في الإفضاء إلى  الخطاب النّقديّ التّجريبيّ، وإذا كان النّقد الحديث هو قراءة مغامرة إبداعيّة وإبداع مغامرة قراءة في آن، وإذا كان القارئ، منذ نشوء نظريّة التّلقّي أواخر القرن الماضي، الشّريك الأسّ في العمليّة الإبداعيّة، فكيف يمكن للكاتب أن يكتب نصّا تتحقّق فيه شروط تشكّل التّلقّي باعتباره فعلا إبداعيّا على درجة ما من النّقد؟

هي إشكاليّات جمّة يواجهها فعل الكتابة الأدبيّة المعاصرة، السّرديّ منها خاصّة، وهو يلتقي بفعل القراءة منذ آن الشّروع في التّشكّل، فعلا يسكنه ويوجّهه، ويرسم له آفاق وجود فعليّ ممكنة.

 

بقلم زهرة خصخوصي/ تونس

.................................

(1) عبد الحفيظ الزّواري، من وهم اللّغة إلى لغة الوهم، تأمّل في حقيقة اللّغة الشّعريّة، تونس، مجلّة الإتحاف، السّنة11، العدد70، جوان 1996.

(2) منصور قيسومة، الوجود والعبث في حدّث أبو هريرة قال، اللّصّ والكلاب، الأشجار واغتيال مرزوق، تونس، دار سحر للنّشر، ط1، 1999، ص61.

(3) العبارة مقتبسة من عنوان كتاب رولان بارت "لذّة القراءة"

(4) مرشد سحنون، مسارات القراءة والتّأويل ورهاناتها، رولان بارت ولذّة القراءة، تونس، مجلّة المسار، العدد107، مارس- أفريل 2017، ص20.

(5) المرجع نفسه، ص21.

 

صادق السامرائيالإشكالية الجوهرية التي يغفلها المفكرون والمهتمون بالتراث تتصل بالجانب النفسي للتراث، أي الطاقة المعنوية التي يضخها وعي التراث في أعماق الأجيال.

فالتراث ليس مفهوما ماديا وخياليا نستند عليه للتغطية على مثالب قائمة في واقعنا المعاصر، التراث آلية نفسية تساعدنا على فهم ذاتنا وموضوعنا، وتخرجنا من متاهات التبعية والصَدَوية والخنوع للآخر، لما رسّخه من وهم في وعي الأجيال على أن الأمة عاجزة.

الكثيرون يتحدثون عن السبق التكنولوجي ما بين المجتمعات، وكأن التكنولوجيا أصبحت من المستحيلات وهدف بعيد المنال، بينما الواقع يؤكد أنها من أسهل الغايات، فكل مجتمع يمكنه أن يمتلك التكنولوجيا ويحقق ما يريده بها، فمفرداتها وعناصرها متوفرة وكيفيات بنائها شائعة ومتداولة.

فمضوع التكنولوجيا ليس عائقا، والتطورات المادية ممكنة وتستطيعها أي المجتمعات إذا عزمت وتوثبت، والأمثلة متكررة في عدد من المجتمعات التي إنطلقت في هذه الميادين قبل بضعة عقود لا غير، دون إنجازات علمية تقنية مسبقة.

ومَن يدرس أحوال تلك المجتمعات التي تكونت من اللاشيئ، يكتشف أن الطاقة المعنوية والقدرات النفسية المحثوثة في أبنائها هي التي حققت الإنجازات الكبرى.

بينما في مجتمعاتنا نحصر موضوع التراث بزوايا خانقة وبمقارنات جامدة متمترسة ومتوارثة، إنطلق بها قادة النهضة الذين ما إستطاعوا أن ينهضوا بشيئ، ومعظمهم أعزى الموضوع للدين، وكأن أمة العرب لوحدها لديها دين.

ولانزال نتعامل مع التراث بذات الآليات التي تعاملنا بها معه منذ منتصف القرن التاسع عشر، والتي ما أوصلتنا إلى مسارات معاصرة.

التراث قوة لبناء النفس وطاقة معنوية لتأكيد الثقة والقدرة على الإنجاز، أما أن يتحول إلى وحل ندفن فيه رؤوس الأجيال فهذا تجني على التراث والأمة.

إن ما يتناوله المفكرون والمهتمون بالتراث، سلبي الدوافع والتطلعات، مما يترتب عليه نتائج تعويقية للإرادة الجمعية.

فهل لنا أن نستعيد كرامة وجودنا النفسي والمعنوي، ونبتعد عن المقارنات الجامدة وربط التقدم بالتكنولوجيا وحسب، والواقع يؤكد بأن أبناء الأمة مشاركون وبفعالية في التقدم المادي للبشرية، ولديهم حضور في ميادين العلوم والأبحاث في الدنيا.

الأمة قادرة تكنلوجيا وعاجزة نفسيا ومعطلة معنويا، والسبب يعود إلى المفكرين والمهتمين بالتراث من الذين يشيعون أوهام أدري المزيفة، ويصلون إلى إستنتاجات تمويتية تبريرية إقناطية وترسيخية للسكون والتأبد في ما مضى وما إنقضى!!

فالأمة بخير والعلة في مفكريها ونخبها!!

فهل من إيمان بأننا نكون؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

رحيم الساعديبقلم: ديريك بيريس - فبراير 2020

ترجمة: ا.د .رحيم الساعدي


يشير العلاج السلوكي المعرفي، وهو اختراع القرن العشرين، إلى الرواقية اليونانية كمصدر للإلهام، والرواقية والعلاج المعرفي السلوكي يشتركان في التركيز على استخدام المنطق والتفكير للتغلب على الصعوبات العاطفية.

وتكمن كيفية معرفة الاستجابة للتحديات من خلال ممارسات العلاج النفسي الحديث .

على الرغم من أننا طورنا فهمنا للأفعال الفسيولوجية التي تؤدي إلى التفكير فقد يرد سؤال، من أين تأتي الأفكار؟ ويعتقد فرويد أن الأفكار تعمل على مستوى اللاوعي. وتخلى علم النفس الحديث وعلم الأعصاب عن هذه الفكرة منذ عقود. فالتجارب تترك البصمات - ذكريات – التي تعمل كمخططات للتفكير.

لقد وضعت تطورات العلاج السلوكي والعلاج المعرفي في النصف الأول من القرن العشرين الأساس للعلاج السلوكي المعرفي، وهو شكل من أشكال التدريب على الصحة العقلية الهادف إلى تعطيل التشوهات المعرفية والسلوكيات والمساعدة في تنظيم العواطف. تم تطبيق هذا العلاج في البداية على الاكتئاب، وتشعب الآن للعديد من المشكلات الأخرى، بما في ذلك القلق الذي يصاحب الاكتئاب في وقت ما.

وبينما يمكن إرجاع جذور العلاج المعرفي السلوكي إلى العديد من المعالجين في العشرينات من القرن الماضي وحتى الستينيات، إلا أن ظهور "الموجة الثالثة" من العلاج المعرفي السلوكي بدأ في الثمانينيات. وتزامن هذا الاتجاه مع استخدام العلاج المعرفي السلوكي كوسيلة عامة لوصف عدد من الأساليب، بما في ذلك العلاج السلوكي الجدلي، والعلاج الانفعالي العقلاني، والمعالجة المعرفية. واليوم، يتضمن العلاج المعرفي السلوكي عمومًا أي علاج يهدف إلى تحسين المشكلات المعرفية والعاطفية.

وعندما كان تدخل القرن العشرين، كان العلاج المعرفي السلوكي نذيرًا في المدرسة الفلسفية للرواقية. ويتبنى العلاج المعرفي السلوكي نهجًا عقلانيًا للمرض النفسي والعاطفي، مما يجعلنا نتذكر كلمات سقراط وأبيقور، وكلاهما يعتقد أن الفلسفة علاجية. في الواقع،وقد كتب الأخير،  أن "مدرسة الفيلسوف هي عيادة طبيب".

لقد تأسست الرواقية من قبل زينون الرواقي في القرن الثالث قبل الميلاد. ويبدو ان الأساس الفلسفي كان بوذيًا: فلا يجب ان تسمح للمتعة أو الألم بتحفيز أفعالك؛ وعليك تقبل  كل لحظة كما هي. وعش حياة فاضلة من خلال معاملة الآخرين بإنصاف؛ فالعيش يكون وفقا للطبيعة. وتجدر الإشارة الى  انه في ذلك العصر هيمنت وسائل الإعلام عليه حيث اشتغل المنافقون بصوت عالٍ .

قال زينون إنه من أجل الازدهار، يجب أن تظهر الإرادة، حتى لا تغريك بالأشياء اللامعة أو الخوف من الموت. ويتم تحقيق ذلك من خلال اكتساب المعرفة جنبًا إلى جنب مع القدرة على تنفيذ الجانب الأخلاقي الذي تتطلب هذه المعرفة. وقد ازدهرت الرواقية الى ان هيمنت المسيحية على المنطقة في القرن الرابع الميلادي، على الرغم من أن الكثيرين قالوا بأن العلاج المعرفي السلوكي يمثل حضورا حديثا .

شارك دونالد جيه روبرتسون وترينت كود مؤخرًا في تأليف بحث عميق عن تاريخ العلاقة بين الرواقية والعلاج  السلوكي المعرفي في مجلة العلاج السلوكي . وكتبوا أن أفضل مثال حديث للرواقية، اذ  يمكن إرجاعه إلى صلاة العالم اللاهوتي رينهولد نيبور عام 1934:

"يا الله، أعطني الصفاء لقبول الأشياء التي لا أستطيع تغييرها؛ والشجاعة لتغيير الأشياء التي يمكنني تغييرها؛ والحكمة لمعرفة الاختلاف "

وينسب كتاب لعالم النفس ألبرت إليس، مؤسس العلاج السلوكي الانفعالي العقلاني  استلهامه النهضة الحديثة للرواقية بالإضافة إلى الإشارة إلى قابليتها للتطبيق في العلاج النفسي. يعتقد إيليس أن المشاكل العاطفية ليست ناجمة عن أحداث خارجية، بل انها "معتقداتنا غير العقلانية حول مثل هذه الأحداث". وقد تم استعارة هذه الفكرة مباشرة من قلم إبيكتيتوس، الفيلسوف الرواقي في القرن الأول الميلادي.

لقد فتح إليس الباب الواسع للرواقية في مجاله، على الرغم من أن المعالجين النفسيين يميلون إلى قراءة إليس بدلاً من استرجاع المصدر، كما يكتب كود وروبرتسون. ومع ذلك، فإن النسب واضح.

ويمكن القول ان آرون تي بيك، مؤسس العلاج المعرفي (والذي تأثر أيضًا بشدة بإيليس)، أحب الاقتباس من ماركوس أوريليوس عبارة :

"إذا كنت تتألم من أي شيء خارجي، فهذا ليس الشيء الذي يزعجك، بل حكمك عليه. ويمكنك أن تمحو هذا الحكم الآن "

وبنظرة شاملة، فنحن نتحكم في عواطفنا،وكما كتبت أستاذة علم النفس ليزا فيلدمان باريت في كتابها كيف تصنع العواطف، فانها ليست ردود أفعال بل إبداعات مستوحاة من تجارب الماضي. يتماشى هذا مع أوريليوس، الذي لا يتعلق اقتباسه أعلاه بقمع الاستجابة التلقائية، بل يتعلق باختيار المنطق على التفكير غير العقلاني. فالعواطف لا تأتي من الهاوية الغامضة. ولدينا رقابة في كيفية تصرفنا وشعورنا .

هذا هو المكان الذي يتم فيه تطبيق المنطق على العلاج النفسي: فلا ترجع ببساطة إلى أنماط السلوك القديمة لأنك معتاد عليها، خاصة عندما تصور نفسك كضحية عاجزة في عملية لا يمكن السيطرة عليها. كما يشير نيبور.

عرف الرواقيون أن الحياة لا تتعلق بالمتعة. والسعي وراء المشاعر الجيدة فقط لا يؤدي إلى التحرر من حقائق الوجود غير السارة. وقد بشر الفلاسفة القدامى بتطور وتميز الشخصية.

فاستخدموا الأسس الأربعة للفضيلة الأفلاطونية - الحكمة والعدالة والاعتدال والثبات - كأساس فلسفي لبناء تلك الشخصية. ومثل هذا التطور يتطلب ضبط النفس. لان أدمغتنا تسعى إلى الحصول على نتائج سريعة من الدوبامين الذي يبحث عن إشباع فوري. والروح المعتدلة ترى ان اللعبة طويلة وتتكيف وفقًا لذلك.

وتتوافق تقنيات العلاج المعرفي الحديثة مع الرواقية في فهم أن العواطف والمعتقدات ليست مشتقة من عمليات منفصلة. ويدعم علم الأعصاب هذا الأمر: فالعواطف هي مشاعر، لكن ما نشعر به يجب أن يترجم إلى مفاهيم.

 فيمكن أن يكون اضطراب المعدة ناتجًا عن تفكك أو حنين أو طعام فاسد. فكيف نختبر هذا الشعور الذي لا ينفصل عن مسببه. لكن على كل حال، لدينا قدرة التحكم في كيفية تعاملنا مع الأعراض.

واليوم يستمر السعي وراء هذا الاتجاه، ومن المرجح أن يستمر ما دمنا على قيد الحياة.

على اننا يجب أن نستمد بعض الراحة من حقيقة أن على البشر الحفاظ على الاتزان والتحكم في الأوقات الصعبة .

 

نبيل عودةتدرس فلسفة اللغة التفكير البشري ومناهج تطوير اللغات حسب التطور العلمي والتكنولوجي والثقافي التعبيري، ونشوء علوم وابحاث جديدة فرضت اصطلاحاتها الخاصة على المجتمعات البشرية.

لغتنا العربية ظلت على قديمها دون حركة وتطور. التغيير الوحيد الذي فرض على اللغة كان من تطور وسائل الاعلام. نشأت لغة عربية سهلة متدفقة ممتعة هي اللغة السائدة وانا اسميها لغة الصحافة، رغم انها مرفوضة بمعظم اصطلاحاتها وأسلوب صياغتها من حراس اللغة البعيدين قرونا عدة عن حركة التطور الإنساني. مهمتهم حراسة كل ما هو قديم وغير مستعمل واذا استعمل لا يفهمه أبناء الجيل الجديد. وما عدا ذلك مجرد صياغات لا يفهما أكثر من 5% من الجمهور العربي، واشك ان من يدبلجون خطاباتهم بلغة كلاسيكية، لا يفهمها عامة الشعب رغم ان الكثيرين يسحرهم أسلوب الخطابة دون فهم مضمون المعنى.

البعض يربطها بالدين. لكن اللغة ليست لها قداسة كالدين. وكم هي نسبة العرب اصلا الذين يفقهون لغة الدين، رغم انهم يحفظون الكثير من الصياغات الدينية.

 مثلا كم هي نسبة العرب القادرين على فهم لغة القرآن والصياغات الكلاسيكية؟ حتى لغة الجاحظ الأكثر تطورا عصية على أكثرية مطلقة من الجمهور العربي. بل لغة أكثر حداثة كلغة طه حسين نجد انها عصية عن فهم أوساط واسعة جدا من الجمهور العربي. لا تقولوا لي العربية لغة الدين. هذا لا يعني شيئا الا تغريدة خارج الموضوع. العربية كانت قبل الدين الاسلامي بالتحديد. وهي لهجات تختلف من قبيلة الى أخرى ومن منطقة الى أخرى. لدرجة تباين تبدو انها لغات متشابهة. وهذا ما جعل اللغة العربية تحمل أسماء كثيرة للسيف وللخيل مثلا وليس تحديدا.

اللغة هي ميزة إنسانية تصدر عن عقل يفكر، التفكير له قاعدة ثقافية وتنويرية. بمجتمعات تسودها نسبة أمية هائلة لا توجد قيمة للغة. بل للغات محلية محكية لا يفهمها الا أصحابها تقريبا. وهناك (حسب بعض المصادر) أكثر من 35 لهجة عربية محلية. وحتى داخل نفس اللهجة نجد فروقات شاسعة عصي بعضها عن فهم مجمل السكان.

الإنسان السليم يعي عادة ما يقول. لكننا نجد أحاديث وأقوال يطلقها بعض ذوي المراكز الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، لا تمت بعلاقة للغة المفهومة للمجتمع بكل مركباته، وهو بسبب المسافة التي تفصل المجتمعات ضعيفة التطور عن واقع الرقي العلمي والحضاري، المقياس ليس مقياسا ماليا. بل مقياسا يتعلق بنشوء علوم وأبحات متنوعة، وتطوير المرافق الاقتصادية الحديثة. أموال النفط ليس اقتصادا ،تسمى بالاقتصاد الريعي، ويعني اعتماد الدولة على مصدر واحد للريع، وهذا المصدر غالبا ما يكون مصدرا طبيعيا ليس بحاجة إلى آليات إنتاج معقدة سواء كانت فكرية أو مادية كمياه الأمطار والنفط والغاز، بحيث تستحوذ السلطة الحاكمة على هذا المصدر وتحتكر مشروعية امتلاكه وتوزيعه وبيعه، ولا تقود للرقي الحضاري، وتاثيره على الواقع العربي سلبي جدا. وقد تشد إليها جمهورا واسعا من مميزاته ان عقله نمى على التلقين والنقل وليس على التفكير والابداع. من هنا موقفي انه يجب تجديد النحو العربي القديم والمتناقض مع المناخ الثقافي والفكري والعلمي المتطور بسرعة تقترب من سرعة الضوء.

لا يمكن الطلب من متخصصين وعلماء وباحثين عرب بمجالات علمية او تكنولوجية ان يتقنوا لغتهم بمستوى سيبويه. او حتى بمستوى متوسط. لذا نجد ان الباحثين العرب والعلماء من مجالات مختلفة، يكتبون ابحاثهم بلغات أجنبية، وفيما بعد يترجم بعضها. السبب ان لغتنا غير طيعة للعلوم، وغير ميسرة لاستعمال علمي او تقني. والظاهرة المقلقة أكثر هي هجرة العقول العربية للدول المتطورة، التي تسبب خسائر يقدرها البعض بمئات المليارات من الدولارات سنويا.

بالمقارنة بين لغتنا ولغة شقيقة للغتنا جاءت من نفس المصدر، مثلا اللغة العبرية، نجد انها انتقلت من لغة ميتة قبل 100 سنة الى لغة حية، لغة علوم، لغة تقنيات، التعامل بها أسهل بما لا يقاس من اللغة العربية وتقريبا من الصعب الوقوع بأخطاء في الصياغة. وانا لا اطرح ذلك من زاويته السياسية، بل من زاوية المقارنة اللغوية!!

المترجمون في ثقافتنا، خاصة للمواد العلمة والتقنية، يواجهون مصاعب لا حل لها في الترجمة، أحد المترجمين قال ان القواميس العربية خالية من الاصطلاحات العلمية والتكنولوجية الضرورية فيضطرون بجهد كبير ان يلائموا اصطلاحات، ويسجلوا بين قوسين الاصطلاح الأجنبي، أي من لا يتقن لغة اجنبية لن يفهم الترجمة.  بينما في اللغة العبرية التي كانت ميتة، يجدون كل الاصطلاحات الضرورية والميسرة والمفهومة. وأنا واجهت شخصيا كمدير للإنتاج في الصناعات الثقيلة، الكثير من الإشكاليات اللغوية، بإيجاد تسميات للكثير من ماكينات العمل، ولتفسير عمليات الإنتاج بلغة عربية. بينما بالعبرية الأمر سهل جدا ومفهوم حتى للعمال العرب. حتى في الطب، جربوا استعمال اصطلاح طبي بالعربية وافحصوا من يفهم معناه حتى من الأطباء. وأيضا في نشاطي الثقافي، خاصة كباحث وكاتب في مجال الفلسفة مشاكل تعجيزية في فهم الاصطلاحات الفلسفية المترجمة، فاضطررت لتبسيط الاصطلاحات عبر كتابة نصوص فلسفية مبسطة صدر الجزء الأول في كتاب ولدي جزأين آخرين طرحت الاصطلاح وتفسيره السهل واضفت قصة تعبيرية ساخرة لتفسير الفكرة الفلسفية.

ما اتوقعه ان يتواصل غياب اللغة العربية عن النهضة العلمية والتكنولوجية. وبالتالي قد نجد أنفسنا بحاجة ماسة الى لغة أخرى لطرح المفاهيم المتطورة بكل المجالات، ولغة بتراجع دائم للتفاهم داخل الأطر الاجتماعية العربية.

وانهي باني ادعو لدق ناقوس الخطر اذا كنا حقا نغار على لغتنا وعلى تقدم مجتمعاتنا.

 

نبيل عودة

 

 

منى زيتونفي كتابي "مهارات التواصل الاجتماعي" كنت قد كتبت مقالًا بعنوان "أخطاء التفكير"، تناولت فيه بالشرح المبسط بعض الميكانيزمات العقلية (إلقاء اللوم على الآخرين،‏ وعدم التفريق بين الحقائق والآراء، والتعميم الزائد، وتشويه الحقائق) والتي تقف وراء تشكل كثير من الأفكار والاعتقادات الخاطئة في البنية المعرفية للأفراد، ومن ثم ظهور السلوكيات المُشكِلة التي تسبب الأذى للفرد أو لغيره من أفراد المجتمع.

وفي هذا المقال سأحاول إعطاء شرحًا مبسطًا لمجموعة أخرى من أخطاء التفكير التي ينتشر استخدام أغلبها بين العرب، وتحديدًا بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تجمعت لدي من خلال ملاحظات وتجارب اجتماعية قمت بها بنفسي في السنوات الأخيرة.

وبدايةً فإنني أعرف أخطاء التفكير بأنها الطريقة التي يُفكر بها الإنسان وتتسبب في تكون اعتقادات وأفكار خاطئة، تدفعه إلى التفاعل الاجتماعي بشكل خاطئ.

حوار البراغيث؛ عندما أحدثك عن (أ) فتقفز إلى (ب)!

حتى عهد قريب كان هناك نوعان من القرّاء؛ نوع يختار ما يقرأ من خلال اسم الكاتب، وقارئ مبتدئ يقرأ من المقالات ما يعجبه عناوينها، ولكن تدهور بنا الحال حتى وصلنا إلى قارئ يكتفي بقراءة العنوان!

كثير من العرب المعاصرين يكتفون بما يمكن وصفه بـ "ثقافة العناوين"، فيتصورون أنهم فهموا ما يريد الكاتب قوله في مقاله من خلال العنوان وحسب! ثم هم بعد ذلك -ولأنهم لا يقرأون ما كُتب- يكونون انطباعًا عمّا يتصوروه مكتوبًا بالمقال، ثم يعلقون -على وسائل التواصل الاجتماعي- بناءً على تصورهم وانطباعهم لا عن حقيقة ما في المقال!

وحُق لي أن أستغرب من رغبة كثيرين عن القراءة ورغبتهم المعاكسة في التعليق! فهم لا يفوتون منشورًا دون أن يعلقوا عليه، وكأن موقع الفيسبوك يعطيهم مالًا نظيرًا للتعليقات!

وبعض القراء يكتفي بقراءة جزء من المقال، وأحيانًا جزء من السلسلة، فهناك مقالات تكون مطولة بحيث تتم تجزئة كل منها للنشر في سلسلة، مع التنويه الدائم من الكاتب على أن الأجزاء التالية من المقال ستتناول كيت وكيت، ومع بداية كل جزء جديد ينوه على أنه سبق أن تحدثنا في الجزء (أ) عن كذا وفي الجزء (ب) عن كذا، ولكن هيهات أن يتفاعل هؤلاء القراء بالتعليق المناسب تحت المحتوى المنشور في كل جزء من السلسلة؛ فأجدني أتحدث عن (أ) لأُناقش في (ب) و (ج) و (د)! وهي الأجزاء التي لم تُنشر بعد، أو أجد تعليقًا تحت جزء (ج) يسأل عن محتوى جزء (أ) ومن الواضح أن من كتب التعليق لم يقرأ هذا الجزء القديم رغم التنويه عن الأجزاء السابقة في بداية المقال الجديد، وأحيانًا مع وضع رابطها!

وهذا أسلوب تفكير عجيب غير منظم يذكرني بنوع من الحلوى المصرية المعروفة بالمشبك، حيث يتم صب العجين بأسلوب عشوائي يجعل القطعة الواحدة تتشابك جميع أجزائها بطريقة معقدة متداخلة يستحيل فصلها إلا بتهشيمها!

وكمثال ليتضح الأمر، فمن الشائع بالنسبة لي عند مناقشة من يؤمنون بنظرية التطور أنني عندما أتحدث عن المغالطات المنطقية المستخدمة في شرح نظرية التطور يحولون الحديث إلى الحفريات، وعندما يأتي دور الحفريات يتركون ردي عليهم لينقلونا إلى الحديث عن نماذج تراكمية تطورية أو غيرها! ولهذا فقد عزفت منذ زمن عن النقاش معهم، وصرت أكتب فقط ردودًا على ما يطرحونه، لأنه ليس من المنطقي أن أكتب في (أ) لأتناقش في (غ)، وعندما يأتي دور هذه (غ) فجأة يصيرون مغرمين بنقاش (و)! كما أنه لا مانع من حشر دوران الأرض في النقاش! وإدخالنا في مغالطة عدم ترابط!

وفي أحد مقالاتي الفكرية ناقشت الأفكار الإلحادية المضمنة في نظرية التطور، تلك التي يدسها من ينتسبون للإسلام ويؤمنون بالتطور، ولهم رءوس معروفون، وهم يرددون الأفكار التي ذكرتها ورددت عليها في مقالي، وأراها أفكارًا إلحادية، مع عدم طعني في أصحابها وإحسان الظن بهم. وإذا بالتعليقات في وادٍ والمقال في وادٍ آخر، فاكتفيت بالتعليق قائلة: "إن كان هناك من يرى من المؤمنين أن تلك الأفكار ليست إلحادًا، ولديه إضافة في هذا الصدد، فهذا هو محتوى المقال المطروح للنقاش، وليس أي شيء آخر، وقطعًا لا علاقة للملحدين بأمثال هذا النقاش!".

وفي مقال عن "خصائص التعليم المختلط"، ولم يخل من ردود على النقاط التي طرحها معارضوه! أشرت في نهاية المقال إلى أنني في اليوم التالي مباشرة سأنشر مقالًا آخر عن "خصائص التعليم منفصل الجنس"، فجاءت جميع التعليقات تحت مقال الاختلاط -وبلا استثناء- عن خصائص التعليم المنفصل! فما كان مني إلا أن رددت بأن "إن أردت معرفة خصائص التعليم منفصل الجنس ومزاياه كما يسوق له أنصاره، فلتنتظر المقال التالي الذي أشرت إليه في نهاية هذا المقال!".

ويبدو أنها عادة عربية أصيلة في التعليق على المقالات، وهي حشر المعلقين لنقاط غير ذات صلة بمحتوى المقال في تعليقاتهم ‏لجرجرة الكاتب للرد عليهم بمحتوى مقال سابق أو لاحق له! وعدم مناقشة المحتوى ذاته الوارد في المقال، أو أن يسوقوا كلامًا مبهمًا لا معنى حقيقي له للاعتراض، كذلك التعبير الذي ذكره أحد المعلقين بأنني "أسوق للاختلاط" لأنني خصصت مقالًا لمناقشة خصائصه!

والأمر يكاد يكون تكرر بعينه في مقال آخر عن "عقيدة السلفية" نُشر على ثلاثة أجزاء، فالتعليقات على الجزء الثالث منها لو كلف أي معلق منهم نفسه عناء قراءة الجزء الأول ما كتبها!

وكذا في سلسلة مقالات عن "عقيدة المعتزلة"، فدائمًا يأتي التعليق تحت كل مقال في السلسلة التي تتكون من خمسة أجزاء بما لا يتناسب مطلقًا مع المحتوى في هذا الجزء، وكأن خطأً برمجيًا في الموقع خلط التعليقات على مقالات السلسلة كلها!

لذا فأحيانًا –ومهما كان طول المقال- فأنا أختار نشره كاملًا متكاملًا منعًا لهذا الهراء، وهو ما كان اختياري في مقال "فلسفة العلم عند كارل بوبر"، لذا لم يُكتب تحته أي تعليق!

العربة أمام الحصان

نواجه أثناء الحوارات بمن يرفض الإقرار بخسارة نقطة لأن الاستنتاج جاهز لديه سلفًا، وهو يُعاكس ما أوصله إليه المنطق.

بينما من المعروف أن الاستقراء كأسلوب استدلال عقلي يتم جزئيًا نقطة فنقطة وصولًا إلى نتيجة كلية، ولا يتم بأن يُصادَر على الملاحظات والمعلومات المتجمعة لصالح نتيجة بعينها قد تكون صحيحة أو خاطئة، ولكن المؤكد أن الأسلوب المُتبع خاطئ.

كذلك يمكن أن يُقال في الاستنباط كأسلوب استدلال عقلي آخر أن استخدام مقدمات دون فحصها، واعتبارها مسلمات ليست بحاجة إلى فحص وتحقق، ثم البناء عليها، حتمًا يقود إلى استنتاج خاطئ.

ودومًا أقول إنه عندما تجد استنتاجًا غير متسق مع المعلومات والمقدمات تأكد أن هناك عمليات وسيطة بينهما هي التي أدت إلى هذا القدر من عدم التطابق.

ولنأخذ على سبيل المثال قضية وجود أثر من الكحول في العصائر والمياه الغازية وعلاقتها بتحريم المشروبات والتي يدعيها بعضهم، فنجد هؤلاء لا يحرمون المشروبات وفقًا للقاعدة الفقهية "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، ولكنهم يفترضون معادلة -لا أصل لها في الدين- بأن عدم وجود كحول نهائيًا = ليس مسكرًا! وهو ما يستحيل تحقيقه لأن الخمائر توجد في البيئة من حولنا، وأي عصير فاكهة طبيعي أو محلول سكري سيحدث له ما يُعرف بالتخمر الكحولي بمجرد تحضيره، ولكن سيكون الكحول بنسبة تافهة لا يمكن أن تتسبب في سُكر إنسان وإن شرب ملء معدته، ولن يتحول إلى مُسكِر إلا عند تركه فترة طويلة في ظروف تسمح بالتخمر.

والحقيقة أن الأمر بالنسبة لمن قرر التحريم هنا لا يعدو أن الاستنتاج مقرر لديه سلفًا، وأن العملية الاستدلالية تتم بأثر رجعي لمحاولة التوصل إلى قدر من المواءمة بين الاستنتاج المراد وما لدينا من معلومات وبيانات.

فرض الرأي باسم حرية التعبير عن الرأي!

ذكرنا في مقالات سابقة أن المتطرف لا يدرك الفرق بين ‏الرأي والحقيقة، ولا يعي أن الأحمق وحده من يتعامل مع الأفكار والآراء على أنها حقائق، حتى وإن كان من ‏طرحها علماء، فنجد أن بعضهم عند نقاش نظرية علمية وضعت لتفسير ظاهرة ما يدعي أنها حقيقة علمية هكذا من رأسه، لمجرد ‏أنه لا يميز بين النموذج التفسيري وبين الحقيقة العلمية المثبتة التي تجاوزت التفسير إلى إمكانية الخروج ‏منها بتنبؤات وتطبيقات!‏

كما أن هناك فرقًا كبيرًا بين إبداء الرأي والإكراه على الجدل، فمن لا يكتفي بإبداء رأيه بإزاء رأيك ويصر على الجدل العقيم هو في حقيقة الأمر لا يتعامل مع رأيه باعتباره رأيًا، بل باعتباره حقيقة ينبغي إقناع الجميع بها ‏ورفض أي رأي آخر لك أو لغيرك!

فحقيقة الأمر أن الرغبة الملحة في الجدل والنقاش مع المخالفين علامة على عدم احترام حرية الرأي؛ لذا ‏نجد في القرآن الكريم نهي واضح عن الجدل إلا بالتي هي أحسن، وجدل عام عن الجدال مع أهل الكتاب إلا الذين ظلموا منهم. ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏‏﴾ [العنكبوت: 46]. ولكننا نجد أحدهم يبدأ ‏الجدل ثم يدعي أنه اضطر إليه!‏

ومن إضاعة الوقت –الذي سيُسأل عنه العبد يوم القيامة- أن يقضي الواحد منا الساعات الطوال يرد على سفيه يجادل بغير علم في التعليقات تحت أحد منشورات الفيسبوك، ولا يكتفي بأنه أبدى رأيه الذي لا يظهر ندفة من علم.

يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا ‏كِبْرٌ مَا هُمْ ‏بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: 56]‏

وقد اتفق علماء المسلمين على تفسير الآية على أنها أمر من الله تعالى لنبيه بالاستجارة بالله ‏من ‏شر هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله بغير حجة. ولطالما قلت وأقول: ‏إن الأمر بالاستعاذة من هؤلاء ‏المجادلين بغير علم دليل على أن من هذه صفتهم هم من شياطين ‏الإنس، فالأمر بالاستعاذة لا يكون إلا من ‏الشياطين، كما أن الكِبر يملأ صدورهم -بنص الآية- وهي أظهر صفات إبليس.

وكان كبار علماء الأمة لا يسمحون لأنفسهم بالجدل مع السفهاء. من ذلك ما ذكر المؤرخون كابن ‏كثير في "البداية والنهاية" والذهبي في "السير"، أن الحنابلة كانوا ‏يترصدون بجوار بيت الإمام ابن جرير الطبري ‏يتكلمون في حقه ليمنعوا طلبة العلم من الدخول ‏عليه. ‏لكن للسبكي رأي آخر في القصة أورده في ‏ترجمة ‏الطبري في "طبقات الشافعية" (ج3، ‏ص124-125) وهي أنه "لم يكن عدم ظهوره ناشئًا من أنه ‏مُنع، ولا كانت للحنابلة شوكة ‏تقتضي ذلك، ‏وكان مقدار ابن جرير أرفع من أن يقدروا على منعه، وإنما ‏ابن جرير نفسه كان ‏قد جمع نفسه عن مثل ‏الأراذل المتعرضين إلى عرضه، فلم يكن يأذن فى الاجتماع به ‏إلا لمن ‏يختاره، ويعرف أنه على السُنة، ‏وكان الوارد من البلاد لا يُدرى حقيقة حاله، فربما أصغى إلى ‏كلام ‏من يتكلم فيه ‏لجهله بأمره فامتنع عن الاجتماع به"أهـ.‏

وأقول: إن رأي السُبكي في قصة الطبري أكثر ‏مقبولية، وقد ذكرته كمثال واضح من حياة ‏عالم من ‏أكابر علماء المسلمين كان يرفض الجدال مع السفهاء، ولا يرى فيه خيرًا، فلا يعطيهم ‏الفرصة لمحاورته ‏باسم حرية التعبير عن الرأي. فماذا عساه يستفيد الإمام من تصديع رأسه مع ‏سفيه، هو أساسًا يجادل ‏بجهل، ولا يعرف كوعه من بوعه، وفوق ذلك يتفذلك على من هو أعلم ‏منه، آملًا في إقناعه، ظانًا في نفسه ‏حيازة العلم! ولنا في الطبري أسوة حسنة.‏

ومما اشتُهر عن الإمام علي بن أبي طالب أنه كان يقول: لو خاطبني ألف عالم لغلبتهم، ‏ولو ‏خاطبني جاهل واحد لغلبني. فقيل له: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: العلماء لو أتيت ‏لهم بالحجة ‏والبرهان اقتنعوا، أما الجاهل كلما أتيت له بحجة غالطني لجهله.‏

كما يُحكى عن الجاحظ أنه سُئل عن الإنسان العاقل فقال: هو الذي يعرف متى يتكلم، ‏وكيف يتكلم، ‏ومع من يتكلم!‏

ولعله من أجمل ما قرأت "النقاش مع العقول المستحمرة كالضغط على رأس زجاجة عطر فارغة، مهما ‏اجتهدت في ضغطه لا يخرج لك سوى الهواء ويؤلم إصبعك لا أكثر".

ومعلوم أن هذا النوع المحدث من الاتصال على مواقع التواصل الاجتماعي قد يتم رغم عدم تفاعل الطرفين، بمعنى أن يكون أحد ‏الطرفين غائبًا بينما الآخر يكتب أفكاره، ويأتي الآخر ليرد في وقت لاحق قد لا يكون الأول ‏فيه موجودًا، بل يقرأ الرد عندما يكون متوفرًا، وهذا أغرب ما في التواصل عبر هذه الوسائط.‏

ورغم أن وسائط الاتصال بين البشر في مواقف التفاعل الاجتماعي الحقيقية هي لفظية وغير لفظية ‏معًا، وعلماء النفس والاجتماع يعطون نسبة أكبر لقيمة الوسائط غير اللفظية في تحديد التواصل -وإن ‏كنت لا أتفق مع هذه الرؤية-، إلا أنه في العالم الافتراضي الذي نعيشه على شبكة الانترنت ‏يكون للاتصال اللفظي النسبة الأكبر من التأثير؛ كونه الوسيلة المستخدمة غالبًا بين الأفراد، ‏وكثيرًا ما يغيب ما عداها. ومن ثم فإنه غالبًا لا أثر لتعبيرات الوجه وطبقة الصوت والمسافات بين ‏الأشخاص وغيرها من الوسائط غير اللفظية في التأثير في الاتصال.‏

وهذه الملحوظة الأخيرة لها أهميتها وتأثيرها الخطير في التفاعل لأن الإنسان يمكنه من ‏خلال الوسائط غير اللفظية أن يضع حدودًا للشخص المتحاور معه يمنعه من تجاوزها، ولكن ‏في غياب تلك الوسائط كما هو الحادث على الشبكة العنكبوتية فإن كثيرين يتجاوزون حدودهم ‏وفقًا لما ينبغي أن تسمح به علاقتهم بالشخص المتحاور، والإجراء الوحيد المتاح لمنع التواصل مطلقًا هو الحظر.

وغني عن البيان أن من المهارات الاجتماعية الرئيسية التي يحتاج البشر اكتسابها معرفة حدودهم من الآخرين، فتوقف الآخرين عند حدهم فلا يتدخلوا في حياتك، وتقف أنت عند حدك فلا تتدخل في حيواتهم، لكن هناك من لا يراعون هذه الحدود على مواقع التواصل الاجتماعي مثلما هو الحال في الحياة.

وقد صارت وسائط التواصل الاجتماعي مسرحًا متجددًا للحوارات السخيفة، وهناك فئة يعطون لأنفسهم حق ‏التواصل مع غيرهم هكذا لمجرد أنه موجود معهم في العالم الافتراضي نفسه وغير محجوب ‏عنهم، فمن وجهة نظرهم فإن مشاركتك بالتعليق على منشور على أي صفحة من صفحات الفيسبوك تعني أنك قبلت الدعوة إلى تلك الحفلة الكونية، ومن يحضر الحفل عليه أن يكون مستعدًا للتعرف على الجميع. لكن انتبه فالأمر غالبًا يتجاوز حدود إبداء الرأي والرأي الآخر إلى الجدل العقيم، فهم في ‏الحقيقة لا يريدون أن يحاوروك بل يريدون أن يخضعوك لرأيهم! باعتباره الرأي الصواب من ‏وجهة نظر جماعتهم، ويرون أن من حقهم أن يخبروك ما الذي يجب أن تعتقده وما ‏الذي يجب أن تكتبه!‏

ولعل من عجائب الزمان ما حدث معي منذ سنوات عندما تطفل عليّ شخص أعلم من خلال مشاركاتي في المجموعات على موقع الفيسبوك أنه جاهل مكفر، فرفضت النقاش معه، ‏ورأى في رفضي التحاور معه إقصاءً للآخر! فمن حقهم أن يكفروا الناس وليس من حقك أن ‏تحتقرهم لهذا السبب، ويرونك ترفض الآخر لأنك ترفض تكفيرهم للبشر!!‏ ومن مساخر الأمور أن يتحدث متطرف عن إقصاء الآخر لأن هذا الآخر كره فيه ‏تطرفه وتكفيره!

من ثم فإن المشكلة أكبر من طرق المتطرفين الدينيين العجيبة في الاستدلالات الشرعية. المشكلة الأكبر ‏أنهم يعتبرون أنفسهم الشرطي الذي ينفذ القانون، وأنهم الوحيدون على حق، ويجب أن يقنعوا ‏باقي البشر بما يعتقدون حتى لو كانوا غير راغبين في التواصل والنقاش معهم بالأساس.‏ والأمر ذاته يُقال عن المتحزبين سياسيًا.

وأحيانًا تكون الرغبة في الجدل عن جهل لحداثة السن وليس تطرفًا، كذلك الطالب الذي كان لا زال لم ‏يكمل دراسته ‏الجامعية في تخصص لا علاقة له بتاتًا بالتاريخ الطبيعي، وأراد أن يتناظر معي ‏عن نظرية التطور ‏ككل! ومعرفته بنظرية التطور جاءته من خلال ‏محتوى ورقتين كانتا في كتاب مادة الأحياء في دراسته الثانوية!

وفي إطار محاولات فرض الرأي باسم حرية التعبير عن الرأي، فمن الأساليب المتبعة ‏لتحويل اتجاه القارئ عن أحد الموضوعات التي لا توافقهم، كتابة تعليقات منفرة عن الموضوع حتى لو ‏كانت لا تعبر عن حقيقة مضمونه، وأحيانًا كتابة ردودًا مستفزة على التعليقات المؤيدة للكاتب ‏وبشكل مستمر ومتعاقب قد تستمر شهرًا، لأن هذه النوعية من البشر التي لها اتجاه فكري ‏محدد تريد ألا تظهر أي معارضة لفكرها، وهم يوهمون أنفسهم بهذا قبل أن يوهموا الآخرين. وهم ‏يتساخفون على غيرهم لأن أغلب البشر الراقين على صفحات التواصل الاجتماعي يقومون بحذف ‏تعليقاتهم في حال كتابة ردود سيئة عليها، كما لا يكررون كثيرًا تجربة كتابة تعليقات مؤيدة لآراء معاكسة لآراء المتطرفين مكتفين بالمشاركة ‏أو إظهار الإعجاب، وكتابة ما شاءوا بعيدًا عن أعين السفهاء.‏

ونصيحتي لأصدقائي من مستخدمي وسائط التواصل الاجتماعي عدم التردد في استخدام الخيارات التي تتيحها المواقع والتي تتدرج من عدم المتابعة، ثم إلغاء الصداقة، ثم الحظر، للتخلص من كل من يوترونك. ومخطئ أنت إن ‏ظننت أنك ستغيرهم، لأنهم هم من سيستنزفونك عصبيًا وبدنيًا.‏

همج رعاع أتباع كل ناعق!

جاء في "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبد البر (ج2، ص984) (رقم 1878) قال ‏علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرّم وجهه لكميل بن زياد النخعي: "الناس ثلاثة: فعالم ‏رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم ‏يلجأوا إلى ركن وثيق"أهـ.‏

وهؤلاء الهمج الرعاع أتباع كل ناعق سبب كثير من البلاء في عالمنا المعاصر، فهم يتبنون كل ما يروج له الناعقون مما يفهمونه أو لا يفهمونه!

نجد هؤلاء حاضرين فيما يُعرف باسم الهاشتاجات الرائجة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويكفي أن يروج أي ناعق لأمر ويقنعهم أن فلانًا أو فلانة يسيئ إلى الدين أو خائن للوطن لتنطلق الجماهير!

وجميع الهمج ممن أعرفهم –وأحمد الله أنهم ليسوا أصدقائي- وقد شاركوا منذ فترة في حملة إساءة لأحدهم لأنه (قيل لهم) إنه أساء إلى صحيح الإمام البخاري، اكتشفت أن كلهم لا يمتلكون نسخة ورقية أو الكترونية من الصحيح، ولا يعرفون كيفية تبويبه أو ترقيمه، ولم يسبق لأي منهم أن خرّج حديثًا، ولا يفهمون من الأساس النقاش الذي كان دائرًا وقتها، ولا يعرفون ما هو الحديث الذي كان سبب الإشكالية وسبب الهجمة على من طعن فيه. وقاتل الله الجهل، وصدق من قال: لو سكت الجاهل لاستراح الناس!

ثم هم فوق ذلك ينقلون المنشورات التي تحوي فكرًا على صفحاتهم، فإن لم ينقلوا الكلام اكتفوا بنقل أفكار الكتاب ثم إعادة صياغتها، ولأجل هذا يصعب علينا فهم فكر كثير منهم، فهم ينقلون أي كلام مرتب أو أي فكرة ظريفة مرة من أقصى اليمين ومرة من أقصى الشمال، فتراهم مرة يساندون الشيوعية وتارة يمدحون الرأسمالية! ولعلها من البدهيات -التي لم يكن يلزم أن تُقال- إنه ينبغي أن يكون لكل شخص خط فكري واضح وليس أن يسير مع التيار، فيميل تارة إلى اليمين وتارة إلى اليسار لأن منشورًا أعجبه!

ولأستاذنا الدكتور سعيد إسماعيل علي تصنيف جميل عن منهجية المفكرين؛ فيقول إن منهم من يستخدم المنهج النملي؛ فيجمع الأشتات المتفقة ويضعها جانب بعضها فتتضح الرؤية، ومنهم من يستخدم المنهج النحلي فيكتب لتوليد أفكار جديدة إلى العالم وليس لاجترار ما سبق وإعادة لوكه مرارًا وتكرارًا دون إضافة، فيكون مثل النحلة التي تجمع رحيق الأزهار لتصنع منه العسل، وليس لأي زهرة منفردة أن تدعي إنها هي من صنعت هذا العسل.

ولكن هؤلاء النقلة الفيسبوكيين لا قاربوا النحل ولا حتى كانوا كالنمل، فيكتفون بأن يملأوا الأثير بكلام معاد مكرر نقلوه عن غيرهم، وليته يتجانس!

عدم التمييز بين إبداء الرأي والتقييم

وكما أن هناك فرقًا كبيرًا بين الرأي والحقيقة، فهناك فرق آخر كبير بين إبداء الرأي والتقييم.‏

إذ ينبغي التنويه إلى أن هناك ما يُعرف بالهرم المعرفي، فقاعدته التذكر، ثم يعلو درجة درجة فيأتي بعد التذكر الفهم ثم التطبيق ثم التحليل ثم الإبداع ثم التقييم؛ فالتقييم هو أعلى درجات الهرم المعرفي، وهو يختلف عن إبداء الرأي، فالتقييم لا يقوم به آحاد الناس.

فإن كنا نسمح للجميع في هذا العصر بأن يعبروا عن آرائهم –سواء كانت ذات قيمة أم لا-، فإن من السفاهة أن يتوهم من يفتقد المعرفة الأولية عن أحد العلوم أو المسائل في نفسه القدرة على التقييم!

التعصب والعور الفكري

سبق وخصصنا مقالًا عن الهوس بالتفرع الثنائي؛ بمعنى الحدية بين نعم ولا ، فكل شيء حكمه إما أن يكون صوابًا أو خطأ فقط، وكأن ليس هناك أي احتمال آخر كربما أو لا أعرف.

ومن مساوئ نسبة لا بأس بها من العرب المعاصرين المهووسين بالتفرع الثنائي أن من يسأل شخصًا عن آخر فيقول له: "لا أعرفه" يتصور غالبًا أن من سأل عنه شخص سيء، ما يدفع كثيرون للشهادة بالخير في حق أشخاص لا يعرفونهم عين المعرفة، وقد تكون النتيجة وبالًا إذا اعتمد السائل على هذا الرأي فقط، ولم يتحر مزيد تحرٍ عمن يسأل عنه، وتسوء الأمور أكثر إن كان يسأل لغرض تزويج أو شراكة من أي نوع، فالخسائر الحادثة قد تكون لها تبعات مستقبلية كثيرة في الحياة الشخصية والمهنية.

وكما أننا مبتلون بالهوس الحدي الثنائي فهناك ابتلاء آخر وهو العور الفكري، الذي يجعل أصحابه يرون بعين واحدة راضية، كائلين الاتهامات لمن لا يرون برأيهم؛ فمنظمة العفو الدولية إن انتقدت تركيا يفرح أنصار نظام السيسي في مصر كونهم يعادون نظام أردوغان، بينما يعلق الموالون لأردوغان مستنكرين  متهمين المنظمة أنها تغفل عن انتقاد نظام السيسي، والعكس يحدث عندما تنشر المنظمة نقدًا لنظام السيسي! ولا ينظر أي من الحزبين المعلقين في النقود ذاتها التي ساقتها المنظمة في المنشورين!

ومما يتصل بالعور الفكري ما لاحظته على أغلب أئمتنا من أهل السُنة أنه لا يأتي على سيرة سيدنا علي بن أبي طالب إلا وحشر معه سير غيره من الصحابة كساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان، وإن كان المقام لا علاقة له بذكرهم، وأن هذا يحدث مع علي فقط، بينما قد يأتي أحدهم على سيرة سيدنا أبي بكر أو سيدنا عمر أو غيرهما من الصحابة ولا يعبأ بذكر عليّ إن لم يتسع المقام لذكره! ذلك أن خوارج العصر يسارعون في إلقاء الاتهامات بالباطل على من لا يعجبهم شيئًا من رأيه بأنه شيعي ويسب الصحابة وغيرها من السخافات والبلاهات، فيحترز الناس لأنفسهم بذكر جماعة من الصحابة كلما جاء ذكر علي!

وبالنسبة للتعصب الديني تحديدًا فهناك افتقاد لدى كثير من بيننا لفهم أن احترام حرية الآخر في الاختلاف لا تعني الانقياد للآخر أو السماح له بإهانة أفكارك ومعتقداتك، أو أنك لست مؤمنًا بدينك أو أنك تركن إلى أهل الكتاب وتواليهم وإن خالفوا معتقد المسلمين، كما يظن أغلب المتطرفين دينيًا.

ومشكلة من يرون بعين واحدة –وإن كان خطهم الفكري واضح ومحدد- هي أنهم غالبًا ما يرفضون الصواب في الجانب الآخر، ويثبتون على مواقفهم الخاطئة ولا يتحلون بالشجاعة الكافية لتغييرها ما ثبت لهم أنها خطأ، ويدعي هؤلاء على الشجعان القادرين على الاعتراف بأخطائهم أنهم يتناقضون.

 

د. منى زيتون

الجمعة 27 أغسطس 2021

 

 

محمد العباسيمن يقرر الفرق بين ذكاء الشخص أو ما دون ذلك إلى بلوغ الجرأة بنعت شخص ما بالغباء؟ فبين ما هو متعارف عليه كمعيار للذكاء والغباء ألف درجة من التفاوت والظروف.. بل أن في حالات كثيرة تكون العملية نسبية وقد تعتمد بقدر كبير على الشخص الذي يقوم بالتقييم، أو مبنية على الاختبارات المعتمدة سواء كانت أكاديمية أو تشخيصية نفسية.  في حالات عديدة قد ينجح من نصفه بالذكاء في القيام بمهام معينة ويفشل تماماً في مهام أخرى.. فهل نوصمه بصفة "الذكي الغبي" مثلاً؟  وهكذا حالات مرت علينا في تجاربنا الطويلة في المجال الأكاديمي والمهني، حيث نجد البعض ممن ينجزون بعض الواجبات أو المهمات بكثير من مؤشرات الإبداع، يفشلون في مجالات أخرى بشكل يثير الكثير من درجات الشك والريبة في قدراتهم واستيعابهم البسيط والمتوقع من عامة البشر!

تقول الأستاذة "هبة بيضون" على موقع "(Linkedin):.. لم يتفق العلماء على تعريف الذكاء بصورة مطلقة، فمنهم من عرّفه بأنه القدرة على التكيف مع الظروف المختلفة ومنهم من قال إنه القدرة على الاستفادة من الخبرات السابقة، وآخر عرّفه بأنه القدرة على التفكير المجرد وغيره ربما عرّفه بأنه القدرة على التصرف الهادف والتفكير المنطقي.. كما أن البعض قد يربط الذكاء بالأداء والنشاطات العملية وليس فقط بنشاطات العقل المتعلقة بالتفكير، قد يقول عنه بأنه القدرة على القيام بنشاط فيه قدر من الصعوبة والتعقيد والتحدي والابتكار.

ففي حالات كثيرة يكون التقييم مبنياً على التحصيل العلمي، وعادة يكون الحكم مبنياً على الدرجات والشهادات.. أي أن المعيار هو بالأرقام والمسميات، وليس بالضرورة بالقدرات العقلية المتفتحة أو مدى الفهم الصحيح والاستخدام الأمثل للمعلومات في مناحي الحياة الأخرى.. فقد كان لنا زملاء أيام الدراسة ممن تعارفنا على وصفهم بالأذكياء بناءً على حصولهم على درجات عالية بالذات في مجال الرياضيات والمواد العلمية وتلك المواد المعتمدة على حفظ النظريات والنصوص، لكنهم لم يلمعوا في المجالات الإبداعية والتفكير الحر والقدرات الابتكارية.. بل أن كثير منهم بعد سنوات الدراسة المدرسية فشلوا في الدراسات الجامعية، بالذات ممن توجهوا للدراسة في الجامعات الغربية المرموقة.

أنا شخصياً لم أكن قط أيام المدرسة من ضمن الطلبة "الأذكياء" نظراً لضعفي الشديد في الحفظ، لكنني كنت أتميز عن غيري بقدراتي العالية في المواد الأدبية والكتابة الإبداعية والرسم والرياضة، ولاحقاً في اللغة الإنجليزية.. وكثيراً ما بت أيام العمل الأكاديمي أردد على مسامع طلبتي أنني كنت أتحصل على درجات مشرفة نتيجة لمقدرتي على الكتابة بشكل مقنع، مما كان يوحي للمدرسين بإلمامي الجيد بالمواد الدراسية.. غير أن هذا الإبداع لم يكن يجدي أبداً مع المحتويات العلمية وبالذات مع مادة الرياضيات والحاجة لحفظ النظريات.. لربما كان فشلي مع النظريات "الرياضية" أيام المدرسة سببه عدم رؤيتي الواضحة للعلاقة الوثيقة بين تحليل وربط النظريات بنتائجها المنطقية، حيث كان المطلوب منا الحفظ ثم الحفظ، والحفظ المجرد ملكة كنت ولم أزل ضعيفاً فيها.. بل أن عجزي الملحوظ في عملية الحفظ المجرد كان له الأثر الواضح في حفظي للقصائد الشعرية والآيات القرآنية والقواعد النحوية!

وهنا أتفق مع الأستاذة "هبة بيضون" في أن التعريفات المتعارف عليها في تقييم درجات الذكاء والغباء هي جميعها مجرد اجتهادات لا أكثر، وهي تعريفات مرنة ومطاطة وغير محددة وقابلة للتأويل والنقاش والجدل، مما يفقدها صفتها المطلقة لافتقارها للدقة في التحديد ولا حدود معينة تحكمها.  وقد نجد في مواقف عديدة بأن القدرة على التأقلم والتفكير المنطقي والبديهي أكثر منطقية في تفسير "الذكاء" الفطري لدي الأشخاص، مقارنة بتلك القدرات المبنية على الحفظ والتكرار والتخصص في مجالات محددة دون سواها.. أي أن بعض ممن نراهم أذكياء في مجالات معينة قد يفتقرون للقدرة على نفس درجات الأداء في مجالات أخرى لم يتمرسوا عليها، وتخونهم قدراتهم على التأقلم مع كل جديد قد يستجد عليهم سواء في المجال الأكاديمي أو المهني.

ربما يجب أن يعتمد تقييم الذكاء على المستوى الثقافي العام لكل فرد.. حيث تكون القدرة على الفهم والتقييم والمنطق هي المعيار الحقيقي والأمثل.. حيث أرى أن الثقافة تعكس المستوى الفكري أكثر من المستوى العلمي أو التخصصي.. وأرى أن الثقافة تعكس أمراً وجدانياً ورؤية منفتحة لشتى المعارف الإنسانية وقدرة إيجابية للتحليل المنطقي للأمور بعيداً عن التعصب لأفكار محددة، بالذات تلك المتعلقة بالمواضيع الدينية والمذهبية والطائفية والقبلية التي تحصر الفكر في أطر ضيقة قد تَحُّد من حرية التفكير وتقّبل الآخرين والاستئناس بالأفكار المختلفة..  فبينما يحدد البعض مفهوم الثقافة على مجال المعاني والقيم، ويعتبر أن الحضارة نتاجاً للتقدم العلمي والتقني وربما حتى العمراني، أرى أن المفهوم الثقافي هو عكس ذلك.. فهي المعاني والقيم والرؤية الإبداعية التي يضفيها الإنسان على الجانب المادي من مظاهر التطور والتعلم والعمل، أو أنها التأويل الإنساني في صورة معانٍ وقيم، في الفلسفة وحرية الفكر وعدم التقيد في الأطر الضيقة للقواعد المهنية والمجتمعية والعقائدية.. أو كما يقول المفكر الألماني "ماكس فيبر": "الثقافة هي عملية تراكمية تُعزى أساساً للطبيعة أكثر من عزوها للإنسان".

هل يحق لأي منا أن نحكم على الآخرين بصفة الغباء، من منظورنا الخاص أو بالمقارنة مع أحكامنا العامة على ماهية معايير الذكاء؟  هنالك من قد يقول ان الغباء قد يكون هو السبيل في الوصول إلى نقطه بداية النجاح..  فالتاريخ يشهد لكثير من العباقرة والمخترعين أنهم عانوا في مراحل أعمارهم الأولى بكونهم من "الأغبياء"، سواء من قبل مدرسيهم أو عوائلهم أو أقرانهم.. وثبت فيما لحق بأنهم أثبتوا درجات عالية جداً من العطاء والإنجازات والإبداع والقدرات العقلية المتميزة.. فلو وضعنا في الاعتبار حقيقة أن التوصيف بالغباء فيه الكثير من الإجحاف والدونية ومسببات الإحباط، لكم أن تتخيلوا كم من البشر الذين قد يكون هذا التقييم قد قيّدهم وحرمهم وحرمنا من نبوغهم فيما بعد.

صفتي الذكاء والغباء، وما بينهما من درجات التفاوت، ليستا مجردتين.. فكثير ممن حسبناهم في مراحل معينة وظروف معينة من الأذكياء أثبتوا عكس ذلك في مواقف أخرى.. وكذلك مع ممن في مواقف معينة ربما حكمنا عليهم بالغباء أثبتوا في مراحل لاحقة بأنهم عباقرة أزمانهم.. وكم من أبنائنا ربما ظلمناهم كلما فكروا خارج الأطر المتوقعة منهم، وبالتالي حصرناهم ضمن توقعاتنا المحدودة سلفاً وربما جهلاً منا، دون أن نعي أهمية التفكير "خارج الصندوق".  ومصطلح "خارج الصندوق" يعني حرية التفكير والقدرة على أن ندع كل تجاربنا وأفكارنا ومبادئنا جانباً لنأتي بحلول جديدة لا تعتمد على أي شيء موجود بداخل الصندوق الضيق.. أن نترك لعقولنا أن تختبر كل فكرة مهما كانت سخيفة أو غريبة دون ترشيح أو انتقاء، وهي مهارة بالأساس ترتكز على قدرتنا على الإبداع والابتكار والمنطق والنظر للأمور من جوانب جديدة.. وربما يكون هذا هو أنسب تقييم لمستوى الذكاء، حين نتمكن من رؤية الأمور من جوانب وزوايا مغايرة لتلك المتعارف عليها من قبل.. فالذي ينجح في إيجاد الحلول الإبداعية هو الذي يجب أن نصفه بالذكاء والمثقف والواعي والقادر على اجتياز المعضلات والعوائق في كافة مناحي الحياة.

وأنا هنا أود أن أركز على ربط مستوى الذكاء بمفهوم الثقافة المعرفية.. ولا أعني بذلك المستوى العلمي بالضرورة، وإن كان في أحيان كثيرة أثر واضح للتعلم ومستوى الاكتساب المعرفي على تكوين مستوى أرفع لدى عامة الناس ثقافياً.. فلا يمكننا أن ننكر أن المتعلم يكتسب الثقافة بشكل عام من خلال سنوات الدراسة والتجربة والاحتكاك بأقرانه من المتعلمين المثقفين، لذا يتبادلون في نقاشاتهم المتخصصة والعامة شتى النظريات والأفكار والتحليلات التي بطبيعة الحال تؤدي إلى المزيد من وجهات النظر وتفتح أطراً غنية من الأفكار لرؤية الأمور من زوايا جديدة شتى.. فالذكاء مصطلح يشمل القدرات العقلية المتعلقة بالقدرة على التحليل، والتخطيط، وحل المشاكل، وبناء الاستنتاجات، وسرعة التصرف، كما يشمل القدرة على التفكير المجرد، ورؤية الأمور من جوانب مغايرة، وجمع وتنسيق الأفكار، وكسب اللغات، وسرعة التعلم والتطور، كما يتضمن أيضا حسب بعض العلماء القدرة على الإحساس وإبداء المشاعر وفهم مشاعر الآخرين.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

سامي عبد العاليطرح الإسلاميون فكرةَ (العلمانية المؤمنة) كلما دعت الحاجة إليها دون وعي، في محاولةٍ لإضفاء طابع (الإيمان الساذج) على السياسيات التي لا توصف (ولا ينبغي أن توصف) أساساً بالإيمان ولا بالكفر. هم يريدون أخذ (اللقطة الحية) أمام الجماهير التي كانت ومازالت تنتظر في حيز الواقع: ماذا هم فاعلون بالسلطة؟! لأنَّ الممارسة رغم عوامل الإحباط والفشل التي تكتنفها لهي أكبر ميدان لإختبار الشعارات والأفكار. مما يعني أنَّ الواقع قد يصبح (معياراً كاشفاً) من حيث إنكاره الدائم في الخطابات الدينية المؤدلجة.

وليس هناك (شيء مُرعب) لدى الإسلام السياسي أكثر من (حضور الواقع) على أعتاب أفكارهم أو العكس. فالإيهام الأيديولوجي الذي أحدثُوه بشكل خرافي نتيجة عبارات(التكفير والتهويل والتفسيق والتبديع) إزاء الممارسات السياسية للأنظمة والدول قد تمَّ اختزاله في (واقع متوّهم) قابل للإنفجار. وكلُّ إيهام متضخمٍ لايذهب سُدى كأنّه مياه سائلة تتبخر مع ارتفاع حرارة الشمس، ولكنه ينقلب إلى(عثرةٍ كأداء) أول ضحاياها هم أصحاب الإيهام أنفسهم.

فإذا كان الإسلاميون يرون أنَّ المجتمعات عاصية لله ومنحرفة عن الشريعة، وبالتالي مرتدة تستحق الملاحقة والهداية، فلتتحين المجتمعاتُ بدورها: كيف سيتصرف هؤلاء لو جلسوا على سُدة الحكم. وبالطبع لن يجلسوا إلاَّ بآليات وظواهر وتراث المجتمعات ذاتها وكذلك تراث البشرية المتطور حتى اللحظة. وأنه من المستحيل شطب (محو) هذا التراث بجرة خطابٍ. ومن ثمَّ كان التوظيف السياسي لهذا التراث يتلبس المواقف ويتلاعب بالأصول ويحيل المؤدلجين إلى(أشباح) على مسرح بطول الدولة وعرضها. ونحن نعرف أنَّ استعمال العلمانية كأحد أُطر الدولة الحديثة يتطلب تراكُّماً من جنسها لا مجرد خلط بين تراثين لهما من الأشكاليات أكثر ما لهما من الحلول.

ومن أسفٍ أنَّ الإسلاميين دائماً يمتلكون (الأقفال المغلقة) فقط لجميع أبواب الحياة، تلك التي تربط المشكلات والقضايا برباط صارم. ولذلك هم يقعون فريسة مواتية لفقهاء التحليل والتحريم والتكفير والتفسيق، بينما لا يستطعون صناعة (أية مفاتيح) لأقفال صنعوها بأنفسهم. وفي حمأة الواقع (سرعان ما ينسون البحث) عن المفاتيح أو يبحثون عنها تائهين في أضابير التاريخ، ولا يسمحون لأحدٍ أن يقدمها ممسكين بإغلاق الأبواب حتى أمام ما يعتقدون. وهذه هي الكارثة الكبرى التي أحدثوها في العقول وأعلقوا بها جدارن الأمم والشعوب العربية الإسلامية.

النموذج المُهجّن

العلمانية المتدينة هي النموذج الإسلاموي المهجّن (المهندّس وراثياً وتاريخياً) نتيجة التلاقي بين (مرجعيتين مختلفتين). المرجعية الغربية التي تأتيها العلمانية secularism مشتقة من معنى (العالم(world  ولا شيء غير العالم ككيان (أنطولوجي وبيولوجي وطبيعي وكوني واحدٍ)، يحمل قوانينه وآليات تفسيره والأسباب الكافية لوجوده ويمكن للبشر فهمه ووضع النظريات العلمية له ونزع الأسطّرة عنه بما هو كذلك. وهذا يستند إلى كل تراث الحداثة الغربية في الفلسفة والفكر والعلوم، حيث كانت السياسة إمتداداً لهذا التراث.

ولذلك يستمد العلماني صوره الفكرية وأنماط حياته بحسب هذه المرجعية من جسد العالم وتحولاته النوعية، أي من طبيعة العالم (معرفة وفكراً وإنساناً وحياةً). وكان الأحرى أن تسمى العلمانية بـ (العالّمانية) world-ism ارتهاناً بــ(العالم كما هو) في وجوده وجوهره، لا أنْ تُسمى بــ(العِلْمَانيَّة - القول بالعلمية أو التعالمية) scientism من (الإهتمام بالعِلْم) كما يُشاع أحياناً شرقياً وعربياً.

والمرجعية الغربية تنطلق من مقولتي(الإنسان والإنسانية) كمصدر كافٍ لوجودهما كما أتيّا إلى الغرب الحديث والمعاصر، وكما تطورا في أسبابهما وتكوينهما الحي فردياً وجمعياً. وأنَّ هذا الإنسان يضع نظامه السياسي والفكري والإقتصادي الناتج عن إبداع عقله والمتسق مع منطقه الخاص، بدءاً من طرائق التفكير مروراً بأنظمة التعليم والمعرفة والتربية وانتهاءً بتأسيس الدولة وأسلوب العيش وممارسة اختياراته لنمط الخلاص الذي يريده تجاه حياته أو مماته.

ولا تعني تلك المرجعية بتنحية الدين إلاَّ بقدر ما يتحوّل إلى عائق تجاه هذه المعطيات أو حين يصبح بذاته (مرجعية مؤدلّجة) تلتهم ما يقابلها من مرجعياتٍ. أي أنَّ العلمانية في الغرب تترك الإمتلاء الروحي والديني للأفراد، بحسب إيمانهم الحُر الذي لا يفرضونه على الآخرين. فهؤلاء الآخرون غير معنيين بإيمان ذاك المؤمن مثلما أنه في المقابل غير معنٍ بإيمانهم. فالدين – من تلك الجهة- مرتبط بالاعتقاد الشخصي الحر، لا بالتفتيش في النفوس، ولا بأية سلطة مراقبة على الضمائر والأرواح.

استندت مرجعية العلمانية بهذا المعنى إلى ثقافة المجتمعات الغربية التي عاشت مفاهيم وتجارب الذات والحرية والفضاء العمومي والدولة والعدالة والتقدم واستيعاب التنوع والتعددية والتسامح والإندماج وأفرزت حقوق الإنسان والتشريعات التي تكفل الحفاظ عليها. واختفت تصورات اللاهوت حول محاصرة الآخر والغير وأتاحت حرية العمل والإنتاج وسيولة الحركة والانتقال والإندماج بين البشر، ذلك في ظل تقوية صورة القوانين تحت سلطة الدولة المحايدة التي لا تميز بين المواطنين وتتفهم مواقفهم في الحياة إلى درجاتها القصوى طالما لا تنتقص من حقوق الآخرين.

أمَّا من زاوبة المرجعية الدينية (الإسلامية أو غيرها)، فلا يكفي العالم في ذاته لتفسير الوجود الإنساني، فكلُّ العوالم والبشر والكائنات مخلوقات لله، وأنَّ كل شيء بالنسبة إليها لا ينفصل عن وجوده ورسالاته وستؤول إليه الكائنات حياةً وموتاً. وتباعاً ستتحدد مواقع الأشياء والمجتمعات والبشر من تلك المرجعية، لكونها تشكل جميع (العلاقات والمساحات) التي يتحركون فيها من الحياة المفردة أو المشتركة. وأنَّ ارتباط العالم بما هو خارجه في شكل الخالق كمصدر الوحي ليس ارتباطاً هامشياً ولا يمكن إرجاعه إلى مجرد (علاقة رأسية) في حالة إجتماع بشري(الله - العالم– الإنسان- المجتمع)، إنَّما يجب أنْ يكون الارتباط أفقيا كذلك حاكماً المجتمعات بصرف النظر عن إختلاف أفرادها وتنوع معتقداتهم وأديانهم.

ذلك أنَّ نمط الحياة والفكر يجعلها علاقة أساسية قبل أي شيء آخر، بل هي علاقة تقع بكل أهميةٍ من جوهر الأفعال الإنسانية قبل هذه العالم نفسه. وبالتالي سيكون طرف المرجعية الأول خارج العالم (الماوراء - الله - الوحي) والطرف الآخر داخل العالم(المابعد - الإنسان - المجتمع). فتصبح العلاقة مشدودة وعابرة للذوات لربط الطرفين(الخالق والمخلوق) ببعضهما البعض بما يحقق الغاية والمآل ويجيب عن أسئلة البشر. وبالطبع هناك تصورات ومعتقدات مكملة لهذه المرجعية أو بالأساس (تقع داخلها بهذا التكوين) مثل الحاكمية (مصدر الحكم والسيادة والتشريع في المجتمعات)، ومثل أسلمة الأنظمة السياسية (القوانين ونمط السلطة وشكل الحكم والإمامة)، ومثل نسق القيم العامة الذي يحكم نمط الاجتماع البشري (مكانة الآخرين والأديان الأخرى والتعايش والمشاركة في الحياة العامة).

مشكلة هذه المرجعية واردة في الفضاء العام، ليس لأنها ذات طابع خاص، من حيث كونها إسلامية أو غيرها، لكن لأنها تقدم تفسيراً جاهزاً وتاماً للحياة في العالم ولفاعليها ولآمالها وغاياتها القصوى دون النظر لكيفية تحقيقها ولا لمن يقوم بذلك ولا تضع في الحسبان الظروف الإنسانية الثقافية التي تفرزها أو تتعايش معها. وفوق هذه المعطيات جاءت مهمة المرجعية وسناريوهاتها مكتوبة سلفاً، فمن المعروف أن هناك خلافةً إسلاميةً بطابع ميتافيزيقي(الإمام العادل والمعصوم بحكم السلطة والغلبة) وهناك مسلمون بطابع ميتافيزيقي كذلك (العباد- أي درجة العبودية لله التي قد تنحرف في التفاصيل لتصبح عبودية للحاكم).

كلُّ ذلك مع اختفاء موضوعية(العقد الإجتماعي) الذي يحكم العلاقة بغير المسلمين، والمفترض أن يحكم العلاقة بغير المؤمنين إنْ وجدوا، فضلاً عن أنَّ امتداد المرجعية على هذه المساحة من (الماوراء إلى الما بعد) ومن (الزمان والمكان إلى الخيال والفكر) ومن (الدنيا إلى الآخرة) ومن (الحاكم إلى العباد) ومن (المعتقدات إلى الرغبات والأحاسيس)، جعل هناك إمكانية لظهور طبقات متواترة في الفضاء العام من(أصحاب الوصاية) فارضين رقابتهم الصارمة: على ماذا يعتقد الناس؟ وكيف يعتقدون؟ وإلى أيّة اتجاهات سيذهبون بهذا الإعتقاد أوذاك؟

التناقضات الحادة

ربما من أول وهلةٍ سيكون هؤلاء الأصياء(الأدعياء الجُدد في كل مرحلة) منصوصاً عليهم في صلب المرجعية الإسلامية ذاتها، وما فكرة (العلمانية المؤمنة) في مقابل (العلمانية الملحدة) إلاّ مثال على هذا المعنى. وسيكون ذلك في شكل فقهاء ورجال دين وجماعات وفرق ونحل ومذاهب وتنظيمات وأدعياء نبوة وخلفاء راشدين وأدعياء ألوهية بالمثل، نتيجة هذا الفراغ الميتافيزيقي(غير القابل للحسم)  بحكم التفسير اللاهوتي للعالم والإنسان، وهذا ما حدثَ فعلاً في تاريخ الإسلام السياسي ولاهوت السلطة التي جرت بإسمه.

1- إذا كانت المرجعية الغربية قد حيدّت الأصول (الخالق - المعتقدات – الأديان)، فالإسلاميون أعتبروها (خاصة ومحابيةً) لهم دون سواهم. وهذا الوضع (يدفع) الناس إلى التمايز والتناحر ويشكل خطوة سابقة الإقرار لقيام أي مجتمع على أساس الفرز اللاهوتي. على الرغم من أنَّ الإسلام لم يقُل ذلك من قريبٍ أو من بعيدٍ، لكنه دعا إلى قبول الآخر والتعايش معه وإعطائه كافة الحقوق، بل والسماح له دينياً بممارسة العبادة والطقوس المغايرة لشعائر الإسلام. أي أن المسلم بحكم مرجعيته الإسلامية التي يراها فارزة يجب عليه وجوباً شرعياً أنْ يساعد الآخر غير المسلم على ألَّا يؤمن بها وأنْ ينكرها ولا يسير وفقاً لأحكامها وأنْ يرفض الخضوع لها .. كيف يتم حلّ وتحقيق هذه المسألة المتناقضة؟!

إنَّ هذا التناقض في(أصل المرجعية) ومحاولة الهيمنة عليها قد أفشلا كلَّ محاولات أقامة نظام سياسي ديني قابل للتطور وأجهض إمكانية زحزحة مفاهيمه خارج التكوينات الرعوية لفكرة الخلافة والسياسات الشرعية. أي أحال دون تطويرها أو تحولها إلى شيء عام مختلف وبمكن أن يشترك الناس فيه بتباين توجهاتهم جميعاً.

2- هناك هذا الإبتعاد المقصود (بحكم المرجعية الشمولية) عن الحياة المتنوعة والقابلة للمشاركة من الآخرين، وهذا ما يعني تكوين أفكار وممارسات سياسية عازلة لمنطق التعايش بين البشر. وكم ظهر ذلك جلياً لدى الإخوان، حيث كانوا جماعة من العميان، لا العمي الطبيعي لمن لا يبصر ولا يرى، بل العمى الأيديولوجي. فالأيديولوجيا (حجاب وغطاء كثيف) بحكم ما يعتقد الإنسان ويمارس ويكرر طوال الوقت. إنه فقط سيرى ما يريد رؤيته تبعاً لأفكاره وانحيازاته، بينما لن يرى أبداً (الواقع كما هو).

والإسلاميون عندما يقولون بعلمانية مؤمنةٍ، فهم لا يعتقدون أنَّهم بذلك يعلنون غياب الواقع المتنوع والثري بلا نهاية. والحقيقة أنهم يغيبون الحياة نفسها، لا مساحة المجال العام فقط. وبينما تقول العلمانية: فليكن تعبيرنا السياسي عن الواقع بكل تكويناته وعناصره حراً وعقلانياً وطليقاً، يغفل التوجُه الاسلامي الأيديولوجي واقعاً حياً بهذا المعنى.. كيف سيكون الوضع عندئذ؟!

3- مرجعة العلمانية تسمح بتداول السلطة في ضوء ثقافة مفتوحةٍ تقبل المختلف والمتنوع والمغاير تماماً شريطة الالتزام بقواعد اللعبة والتحول، فهل ستقبل العلمانية المؤمنة تداول السلطة بهذا المعنى أم أنها ستكشر عن (أنيابها المؤدلجة) معتبرة أن الإمامة والخلافة لا يتولاهما غير المسلم؟! وهذه مشكلة حقيقية، فقد يرفع الإسلاميون شعارات الحوار والتسامح وقبول الآخر، ولكنهم لا يعطون أية مساحة سياسية حرة لو شعروا أن هناك قوى سواهم تقترب من السلطة. وهذا يخالف مضمون التعددية والتنوع في الفضاء العام، ويجعل من العلمانية المؤمنة (مجرد طريق) للوصول إلى كرسي الحُكم ليس أكثر.

4- تدعو العلمانية المؤمنة إلى إحتكار الحقيقة، لأنَّ الأوصياء التي ستفرزهم سيربطون الحقائق بتأصيلات (فقهية وسياسية) لا يتفق عليها كافة الناس أو  أغلبيتهم، لأنها ستكون عبارة عن إملاءات معينة. وسيتحول المجال العام إلى مجال وعظ وإرشاد ومراقبة باسم الدين عوداً على بدء. وسيكون كلُّ موقف سياسي نوعاً من الأختبار والتدقيق لمعرفة (الصحة من الخطأ) في الأقوال والأفعال، لتصبح المرجعية التي يفترض أنْ تكون موضوعية مرجعيةً خاصةً.

5- هناك انقسام كامن في لب (العلمانية المؤمنة) جعل كل جماعة دينية قابلة للتمرد ثم التشذر إلى عدد لا نهائي من الجماعات. أصل الإنقسام هو المرجعية التي تربط السياسة بالمعتقدات الدينية التي لها تأويلات وتخريجات متناحرة. فليس هناك من وسلية للتغيير الآمن والسلمي كما تفعل أنظمة الديمقراطيات المختلفة، لأن التغيير الوحيد يكون بحسب ما تريده المرجعية ذاتها في الجوانب التنظيمية وإعادة ترتيب الأولويات. ومن ثمَّ سيحدث هناك تكلس لمسارات السياسة وسيؤدي إلى مزيد من الصراع المكتوم والمقموع في الآن نفسه.

6- لا يخلو الأمر من إحالة دائمة إلى الجوانب المؤدلجة والمراوغة، فالأساس دائماً هو كيف يمكن استعمال (منتجات الحداثة) لصالح أيديولوجيا الإسلام السياسي بصورة من الصور. ولكن إذا كانت العلمانية في مرجعيتها الغربية ترفض تلوين المجال العام، فعملية تديينها تكشف أن هنالك نوعاً من السطحية في التعامل مع الثقافات العالمية التي أبدعت وطورت أدواتها ومجتمعاتها لتصل إلى مراحل متقدمةٍ في دائرة الحياة الإنسانية.

7- لن يحل مصطلح (العلمانية المؤمنة) ولا ممارساتها الوظيفية(مشكلة التبعية للغرب) التي كم إتهم بها الاسلاميون جميع الأنظمة السياسية الوطنية والقومية المتعاقبة. وهو مصطلح عام ينم عن عدم فهم (المسألة الحضارية) في العالم العربي والإسلامي التي إنتجتهم (كشخصيات وجماعات أزماتٍ وانحطاط ثقافي). وهي ذاتها المسألة الحضارية التي انتجت بالمثل الأنظمة الإستبدادية كأعراض لتخلف حضاري مزمن.

إذن تعد جماعات الإسلام السياسي والأنظمة الحاكمة (أشقاء من أم واحدة)، رضعوا تاريخياً من (ثدي ثقافي واحد) ونشأوا في الحاضنة الفكرية ذاتها. وعندما تتعارك (الجماعات والأنظمة السياسية)، فإنها تتعارك على المكاسب ذاتها وعلى احتلال المساحة التي يجب أن تتحرر في حياتنا وثقافتنا (مساحة الشعوب والتطور والحرية). وهذا ما جعل أهداف الطرفين رغم تراث الصراعات بينهما أهدافاً واحدة أيضا، وهي سلب ماهية البشر وقنص العقول وسرقة المنافع وتحقيق المآرب بإسم الدولة أحياناً وبإسم الله أحياناً أخرى.

8- تصنيف العلمانية إلى (علمانية ملحدة) وأخرى (علمانية مؤمنة) هو تصنيف نفعي برجماتي دون فهم لطبيعة العلمانية. لأنها ابتداء (ولو فقدت هذا لفقدت ماهيتها) ليست معنية بقضة الإيمان والكفر، لأن الدين يعود إلى مرجعية الفرد وحاجته الميتافيزيقية للإعتقاد والتدين، ولا تكرهه على ذلك ولا ترشح له ما يعتقد، غير أنها تهتم جُل الإهتمام بتساوى كل المعتقدات مهما تكن مصادرها من حيث الوجود والممارسة الخاصة لا التفضيل ولا المركزية ولا الانحياز الجمعي. ولو كانت هناك (علمانية مؤمنة)، فلن تكون هناك أيةٌ علمانيةٍ أصلاً، فقد تصبح أي شيء أخر إلّا أن تصبح رؤية حياتية وتواصلية للآخر والعيش الإنساني معه.

9- العلمانية نوع من (الإقرار والإعتراف) المطلقين بتنوع البشر فكرياً ودينياً وإنسانياً إلى أبعد مدى، وبالتالي فهي تحاول توفير وتهيئة الأجواء والظروف والقيم الداعمة لإنشاء (أنظمة سياسية) تكفل استمرارية التنوع والحفاظ على ثرائه. وتستعمل كافة الموارد الإنسانية من جهة العلوم والمعارف والفلسفات والفكر والآداب لجعل هذا الإعتراف ثقافة تجري من البشر مجرى الحقائق في حيواتهم العامة. ولو تدخلت فيما يؤمنون أو أقصتهم عن الفضاء العام لأي سبب من الأسباب التي تمت لهذا الفضاء بصلة، فإنها ستتحول إلى(أيديولوجيا قميئة) لا تختلف عن الإرهاب في شيء.

10-    تعامل الاسلاميين مع العلمانية كـ(عدو) يجب أسلمته هو تعامل أسطوري وخرافي، يحول الثقافي إلى مادي والجوهري إلى سطحي والماهوي إلى عرضي. ومع الزمن سيصبح هذا (الكائن المتحول) وثناً مثلما يتعاملون هم أنفسهم مع المرجعيات والنصوص السلفية وشيوخها. إن تاريخ الأيديولوجيات والممارسات المتراكمة للأفكار الدينية هو الوحش الكاسر الذي يقلب المفاهيم إلى أوثان تجسد الحقائق وتضعها في إناء الزمان والمكان. لأن العقل البشري قائم لا محالة على التجسد والوثنية.

إلى الآن لم يدرك الإسلاميون أنَّ أزمة خطابهم ليست في حسم الصراع مع العلمانية ولا مع التنوير ولا في نجاح تديين العلمانية من عدمه ولا في اعادة انتاج الثقافة الغربية ومؤسساتها السياسية بصيغة إسلامية، بل تكمن في (الهوة الحضارية) الكبيرة بين عصور وأمكنة ومفاهيم وتصورات تستند إلى (تراث ونصوص وأفكار) لم يتم (التصالح التأويلي) معها على نحو جذري، وأن ما يقدمونه مختلف تماماً عما استطاعت البشرية أنْ تسهم به لسكان الكوكب وإن كان الإسهام مجرد خطوات في عمر الحضارة الممتدة عبر التاريخ.

الأزمنة بالتقريب هي: كيف يمكن إبداع صورة متقدمة للحياة المختلفة بحسب معطيات العصر والإسهام في الثقافات الكونية التي مازلنا نعاصرها زماناً، دون أن أن نواكبها ولا أن نتفاعل معها. ومالم ينتج الإسلاميون هذا النمط الحر من الثقافة المتطورة معترفين بقيم التعددية والتنوع الخلاق، لن يستطيعوا رأب (صدع القطيعة) بينهم وبين حالة العالم المكتنزة بالإختلافات الثرية. هم لابد أن يفعلوا ذلك شريطة تقديم إسهامهم دون صراع ودون أن تزيح إحداها الأخرى عكس طبيعة العصر والحياة!!

لا يمكن للإسلاميين أنْ يقدموا هذه الثقافة المفتوحة، لسبب بسيط أنَّ مبتدأ شروطها هو تفكيك منظوماتهم الفكرية بالمقام الأول. وهذا بالطبع مثل (محاربة طواحين الهواء) التي لا تتوقف عن الدوران، ذلك نظراً لنقص الوعي والعيش طوال الوقت في (عباءة الأيديولوجيا) بما لها من إستحواذ  وهيمنةٍ.

 

د. سامي عبد العال

 

التفاعل الإنساني مع عناصرِ التاريخ وتراكيبِ البُنى الاجتماعية ليس له قانون ثابت، لأن شرعية التفاعل الإنساني مُستمدة مِن قُدرته على توليدِ قوانين جديدة، وكسرِ القوالب الجاهزة، والخُروجِ مِن الأُطُر المفروضة على أنظمة المجتمع التي تُعْتَبَر المُحرِّك الحقيقي لتاريخ الفرد والجماعة . والتوليدُ المُستمر للقوانين المعرفية يهدف إلى تكوين أنساق مجتمعية وظيفية تستطيع الربطَ بين حركة التاريخ والحراك الاجتماعي في الظواهر الثقافية، باعتبار أن الثقافة هي النسقُ الحاكم على انعكاسات الشعور في الواقع المادي، والسياقُ المُتحكِّم بفلسفة العلاقات الاجتماعية، التي تعتمد على المبادئ الأخلاقية، وتستند إلى المعايير الإبداعية .

2

أهمية المبادئ الأخلاقية تنبع من قُدرتها على تفكيك عناصر التاريخ، وإعادة تركيبها، من أجل تكوين منطق إنساني واقعي يُنظِّم التجاربَ الواعية التي يتفاعل معها الإنسانُ في رحلة بحثه عن المعنى . وكما أن الحقيقة التاريخية لا تنفصل عن الماهيَّة الأخلاقية، كذلك المنطق الإنساني لا ينفصل عن التجربة الواعية . واستحالةُ الفصل بين هذه المُكوِّنات المعرفية تُشير إلى أن وجود الفرد في التاريخ يُمثِّل مسارًا مُتَّصِلًا بلا فواصل زمنية، وأنَّ سُلطة التاريخ تُشكِّل وحدة وجودية لا تتجزَّأ، ولا تنفصل عن سلوك الإنسان ذهنيًّا ونَفْسِيًّا. وكُل المسارات التاريخية تلتقي في بؤرة إنسانية واحدة، تُجسِّد الوَعْيَ كنقطة مرجعية في السلوكيات الاجتماعية المنفتحة على إرادة التغيير، ونقل شخص الفرد إلى الشخصية، أي : نقل الفرد من الوصف الخارجي والعَرَض الظاهري إلى الجَوهر المُميَّز الذي يُثبِت قيمته بواسطة الفِعْل لا الشكل . وبالتالي، تُصبح قيمةُ الفرد ما يُتقنه، وما يُضيفه إلى الحضارة الإنسانية، وتتحدَّد كَينونةُ الفرد وَفق ما يَمنحه، ولَيس ما يَملكه. وهذه العمليةُ الوجودية ذات الطبيعة الفردية (إثبات وجود الفرد في صَيرورة التحولات الاجتماعية)، لا تنفصل عن عملية نقل المجتمع مِن الخِبرة الذاتية إلى التعبير عن الذات بشكل فعَّال، لأنَّ المُجتمع إذا لَم يَكشف هُويته الذاتية، ويُبرز سُلطته الاعتبارية، ويتحدَّث باسم نَفْسِه، فإنَّ الآخرين سيتحدَّثون باسمه، ويُحدِّدون هُويته، ويُجرِّدونه مِن سُلطته. ومَن عَجَزَ عن إيجاد مكان له في فضاء التحولات الاجتماعية، فإنَّ الآخرين سيفرضون عليه شُروطَهم، ويُحدِّدون مكانَه ومكانته وفق مصالحهم . ومَن لم يَقْدِر على صناعة رؤيته الشخصية، فسوفَ تتم مُحاصرته في زوايا الرؤية التي يُعدِّلها الآخرون لإثبات وجودهم، ونَفْيِ كُل الكِيانات الخارجة عن نطاق وجودهم.

3

المبادئ الأخلاقية تَملِك سَطْوَةً وُجوديةً على عناصر التاريخ، وتَمتلِك سُلطةً تحليليةً في جسد التاريخ . وهي أيضًا تَملِك تأثيرًا ثقافيًّا على أشكال التفاعل الاجتماعي اليومي، وتَمتلِك سِيادةً فكريةً في تراكيب البُنى الاجتماعية . والسِّياقُ الاجتماعي قد يتكرَّس على أرض الواقع بدون نسق أخلاقي، ولكنَّه سيظل سياقًا عابرًا بلا وجود حقيقي، لأنَّه يفتقر إلى الشرعية والمِصداقية، وليس كُلُّ مَوجود يَمتلك شرعيةَ الوجود . والبُنى الاجتماعية لا تكتسب أهميتها وشرعيتها من وجودها في الإفرازات اللغوية، واستقرارها في الأحداث اليومية، وتمركزها في الطبيعة الوظيفية للكِيان الفردي كنظام إنساني، والنظامِ الجماعي كَكِيان اعتباري، فَحَسْب، بل أيضًا تكتسب أهميتها وشرعيتها من قُدرتها على إنتاجِ خطاب أخلاقي يُؤَثِّر في فلسفة العلاقات الاجتماعية، ويتأثَّر بالشعور الفردي والطموحِ الجماعي، وإنتاجِ منظومة معرفية قادرة على التَّأمُّل في اللغة والشُّعور والتاريخ والمجتمع، تُوَازِن بين تأسيسِ الدَّلالات الجوهرية المعنوية في الحياة المادية، وتوليدِ الأبعاد الفكرية المركزية في المنظور الذهني .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي المؤمنينعكس تأثير السمات الشخصية السلبية المتعلقة بالتكوين النفسي للفقيه على ملكة التقوى والعدالة تلقائياً، وليس على توجيه مسار استنباط الفتوى وحسب، ولا سيما في القضايا المتعلقة بالنظام العام. فمن الصعوبة ـ مثلاً ـ اجتماع شرط العدالة وملكة التقوى مع صفات الجبن والاستبداد وضيق الصدر والبخل والحسد والتعصب، أو التسامح المفرط والسذاجة وقلة التدبير وضعف الشخصية؛ إذ ستكون العدالة والتقوى حينها مفهومان فضفاضان لا يكبحان جماح التأثيرات النفسية والشخصية للفقيه وانعكاساتها على «عدالة الفتوى» و«تقوى الحكم الشرعي». وبالتالي، فإنّ الفقاهة والأعلمية لا تخلقان ملكة التقوى ولا نزعة العدالة، كما أنّ الأعلمية والعدالة لا تمنحان الفقيه قوة الشخصية وحسن الإدارة والتدبير والحكمة.

ولذلك، تقود الحاجة إلى إضافة شرط أساس للمرجع الأعلى المتصدّي، هو شرط الكفاءة. هذا الشرط الترجيحي ربما هو الأهم إطلاقاً في ترجيح فقيه على آخر لتبوُّء منصب القيادة المرجعية؛ بل مرجحاً على الأعلمية النسبية، أو ما يمكن تسميته «شبهة عدم الأعلمية». فإذا كان هناك ـ مثلاً ـ خمسة مراجع متقاربين في المستوى العلمي، وكان أحدهم مشتهراً بأعلميته، والآخر مشتهراً بكفاءته؛ فمن الأولى هنا ترجيح الأكفأ للتصدّي وللمرجعية العليا، مع لحاظ الشرط الرابع: المقبولية العامة.

والكفاءة هنا تعني الصفات والمهارات والسمات الشخصية الذاتية التي مرّ ذكرها، والتي تجعل الفقيه أو المرجع المتصدّي يمتلك قدرة تشخيص المصالح والمفاسد، والقدرة العملية على الزعامة والتدبير في الشأن العام الاجتماعي والسياسي والثقافي والمعيشي، ومن بينها القضايا ذات العلاقة بالمجتمعات والدول التي يتواجد فيها الشيعة. ويمكن إجمال هذه السمات والصفات والمهارات بما يلي:

1ـ الحكمة ورجاحة العقل والاتزان المقترنة بالشجاعة.

2ـ الوعي الدقيق بالمحيط الاجتماعي والوطني والدولي، إلى مستوى القدرة العميقة على تشخيص المصالح والمفاسد على المستويين المحلي والعام.

3ـ قدرة الإدارة والقيادة والتدبير، بدءاً بالحاشية والمكتب الخاص ومؤسسة المرجعية والحوزة العلمية، وانتهاء بالمجتمع والشأن العام.

4ـ الثقافة العامة، ولا سيما في العلوم والمعارف المرتبطة بفتاوى الشأن العام وإدارته، كعلوم الاجتماع والنفس والأنثروبولوجيا والسياسة والقانون والاقتصاد.

5ـ نزعة استشارة أهل الاختصاص الحقيقيين في موضوعات الفتاوى والأحكام والشأن العام، سواء من علماء الحوزة أو غيرهم.

وتعقيباً على المهارة الخامسة السابقة، فإنّ جزءاً من مظاهر الحكمة وكفاءة الزعامة والتدبير؛ الاستعانة بأصحاب الاختصاص الحقيقي في تشخيص الموضوعات؛ كخبراء الاجتماع والسياسة والاقتصاد والنفس والإعلام والعلاقات الدولية والقانون والتعليم، فضلاً عن خبراء استحصال المعلومات وتحليلها، وليس الاقتصار على الخواص وأعضاء المكتب. وهنا تفرض آلية المشورة وجود مجلسين لأهل الخبرة في مؤسسة المرجعية، أحدهما ديني خاص بكبار علماء الحوزة، والمتمثل بمجلس أهل الخبرة الحوزوي الذي سبق أن تحدثنا عنه، والآخر مجلس مختلط يجمع بين علماء الحوزة والخبراء المدنيين في مختلف الاختصاصات. فضلاً عن وجود مراكز للدراسات وتحليل المعلومات فائقة التخصص خاصة بمنظومة المرجعية.

وأن يكون المجتهد أعلماً في العلوم الدينية؛ لا يعني أنّه كفوء في الجانب القيادي والإداري، أو أنّه يمتلك وعياً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً، أو أنّه حكيم؛ لأنّ العلم الديني والاجتهاد والفقاهة والأعلمية في الشريعة لا تخلق من صاحبها قائداً أو مثقفاً أو واعياً في المجالات الحياتية الاجتماعية أو شجاعاً وحكيماً. في حين أنّ الكفاءة القيادية وقابلية التدبير والوعي الاجتماعي والحكمة والشجاعة هي معايير القائد الحقيقي، أي أنّ هذه الشروط هي التي تجعل من الفقيه قائداً دينياً، وليس تبحره في قواعد الاستنباط وتطبيقها على موضوعاتها وحسب.

إنّ السمات والمواصفات الكاشفة عن الكفاءة، والتي تفرضها طبيعة وظائف المنصب، وإن كانت نسبية وليست مطلقة؛ هي سمات ترجيحية، ومن يكشفها هو مجلس أهل الخبرة الذي تمت الإشارة إليه سابقاً. وهذا الترجيح يشبه ما يقوم به مجلس خبراء القيادة في إيران، والذي يكشف عن توافر شروط العدالة والكفاءة المساوقين لوظائف الولي الفقيه. وهذا هو السبيل الواقعي الحسي الوحيد، أو ما يسمونه «الحكم الظاهري» (1) الذي يبذل البشر المتخصصون جهدهم من أجل الوصول إليه. أما حقيقة العدالة والتقوى والكفاءة والأعلمية، فلا يعلمها إلّا الله.

وتحتاج الإدارة التخصصية بكل أشكالها إلى كفاءة إدارية تنسجم مع طبيعة الوظيفة، إلى جانب الاختصاص، بدءاً بمدير المستشفى ومدير المشروع الهندسي وانتهاء برئيس الجامعة ووزير الصحة والولي الفقيه، وإن كان تطبيقها عملياً يتم بصورة نسبية؛ لكنها ـ في الحد الأدنى ـ مثبتة في القوانين الإدارية عادة. أما المنصب الوحيد الذي لم يوضع له شرط الكفاءة المساوقة لطبيعة الوظيفة، ولا يؤخذ بنظر الاعتبار؛ هو منصب مرجعية التقليد؛ في حين أنها كإدارة دينية اجتماعية؛ تعد أخطر أنواع الإدارة وأكثرها حاجة إلى الكفاءة الإدارية والقيادية.

وربما تتضاءل أهمية شرط الكفاءة في المرجعية الدينية في إيران؛ بالنظر لوجود الولي الفقيه الحاكم، والذي يقوم بالأدوار الاجتماعية والسياسية والرعوية للمرجعية. بينما يزداد هذا الشرط أهميةً في النجف؛ لأنّ مرجعية النجف تتفرد بقيادة الاجتماع الديني والثقافي والسياسي والشيعي، ليس في العراق وحسب؛ بل تشترك مع الولي الفقيه ومراجع آخرين في قيادة الواقع الشيعي في بلدان التواجد الشيعي الأُخر.

قد ينظوي مبدأ ولاية الفقيه العامة على مقومات النجاح بالأساس، إلّا أنّ عناصر نجاح تطبيق المبدأ في إيران، والتطور الشامل الذي حازه هذا البلد لا تقتصر على المقومات الخاصة بالمبدأ؛ بل يعود إلى مجموعة عناصر موضوعية متكاملة أُخر، أهمها:

1ـ شخصية الإمام الخميني وكفاءته القيادية المتفردة، ومن بعده الكفاءة القيادية للسيد الخامنئي.

2ـ وجود خبرة تراكمية سياسية اجتماعية عامة؛ أي توافر عنصر الحيوية والتفاعل بالأساس في الاجتماع السياسي الشيعي الإيراني.

3ـ وجود إيديولوجية شعبية موحدة تمثل الناظم الموحد للشعب، وهو المذهب الشيعي الذي يعتنقه ما يقرب من 85% من الشعب الإيراني.

وهي عناصر ربما يصعب توافرها في بلد آخر، وكأنّ مبدأ ولاية الفقيه العامة مفصّل على مقاس إيران وشعبها، وربما لو تم تطبيقه في بلد آخر يفتقر إلى الكفاءة القيادية المرجعية، والاجتماع الديني والسياسي المتفاعل، والناظم الإيديولوجي الموحد لأغلبية الشعب؛ لفشل المبدأ في التطبيق، كما فشلت ـ مثلاً ـ الديمقراطية الليبرالية فشلاً ذريعاً في عراق ما بعد 2003، بسبب عدم توافر الشروط الموضوعية لتطبيقها.

شرط المقبولية العامة في المرجع الأعلى

شرط المقبولية العامة في المرجع الأعلى من الشروط الأساسية المطلوبة، والتي يطمح إليها کل من يريد تسنّم موقع المرجعية، والتي تعمل بصورة مقننة على تحويل ولاية المرجع المتصدّي في الحسبة العامة أو الحكم، من ولاية بالقوة إلى ولاية بالفعل؛ أي من ولاية كامنة إلى ولاية ظاهرة فاعلة. ومن خلال قبول الجمهور الشيعي لهذا المرجع أو ذاك بأنّ يكون هو الراعي والمرشد والزعيم في قضاياه العامة؛ فإنّ الجمهور يعمل على تفعيل ولاية المرجع وزعامته ليكون هو المرجع الأعلى المتصدّي.

ويتحقق شرط المقبولية العامة من خلال ثلاث وسائل:

1ـ اختيار المرجع المتصدّي للولاية والزعامة والشأن العام من مجلس أهل الخبرة الحوزوي، وهو المجلس الذي يحظى أساساً بالمقبولية العامة وفق آليات تحدثنا عنها سابقاً، أو اختيار الفقيه المتصدّي من مجلس أهل الخبرة المنتخب شعبياً بالنسبة للولي الفقيه الحاكم، وهو المعروف في الجمهورية الإسلامية الإيرانية ـ مثالاً ـ بـ «مجلس خبراء القيادة» (2).

2ـ رجوع أغلبية المؤمنين في التقليد إلى مرجع بعينه. هذا الرجوع يمثل بذاته مقبولية عامة، على أن يكون هذا المرجع أحد مرشحي مجلس أهل الخبرة، أو المرجع الأعلى الذي اختاره مجلس أهل الخبرة.

3ـ التأييد الشعبي الذي يتمظهر في تنفيذ توجيهات المرجع وفتاويه في الشأن العام من الجمهور.

وفي كل واحدة من هذه الوسائل، وعلاقتها ببعضها، تفاصيل كثيرة، سنتناولها في بحوث تكميلية لاحقة. ويتوضح هنا وجود ثلاث حالات لتفعيل ولاية المجتهد:

1ـ الحالة العادية المتوارثة: وهي حالة عدم وجود دولة إسلامية شيعية قائمة على مبدأ ولاية الفقيه العامة. وهنا يختار أهل الخبرة المرجع المتصدّي، ويتبعهم توجه الجمهور نحو هذا المرجع تقليداً وولاءً وتنفيذاً لقراراته وتوجيهاته. وهذا هو الحاصل في النجف غالباً، وكذا في قم قبل تأسيس نظام الجمهورية الإسلامية.

2ـ حالة الحراك الجماهيري العام أو الثوري: وهي حالة استثنائية، وتتجسد في إعلان الفقيه أو المرجع عن حراك عام ضد حالة سياسية أو اجتماعية معينة، ومثالها أنظمة الحكم والاحتلال الأجنبي. وفي حال تبعته أغلبية الجمهور بمرور الوقت، ونفذت أوامره وتوجيهاته؛ فهذا يمثل بيعة عامة أو مقبولية عامة؛ على أن لا يتعارض ذلك مع قرار أهل الخبرة. وهو الذي حصل في إيران خلال ثورة المشروطة (1906 إلى 1910)، والثورة الإسلامية (1978 وما بعدها)، وثورة العشرين في العراق (1920)، والانتفاضة الإسلامية ضد النظام البعثي (1979 وما بعده).

3ـ حالة الدولة: ويقصد بها الدولة الإسلامية الشيعية، التي يقوم فيها مجلس أهل الخبرة المنتخب شعبياً بانتخاب الفقيه المتصدّي أو الولي الفقيه الحاكم. وهو الحاصل في إيران حالياً.

ولعل أول من طرح شرط المقبولية العامة في المرجع المتصدّي أو الولي الفقيه هو السيد محمدباقر الصدر، الذي يعبِّر عن هذه المقبولية بتكامل ولاية الأُمّة وولاية الفقيه، إذ أطلق على الولاية الأُولى تسمية «خلافة الأُمّة»؛ باعتبار الخلافة الممنوحة للإنسان على الأرض، وأسمى الولاية الثانية «شهادة الفقيه»؛ باعتبار نيابة الفقيه العامة عن الإمام المعصوم. ومن خلال اختيار الأُمّة لفقيه بعينه سيلتقي خط الخلافة بخط الشهادة، ويكون هذا الفقيه حينها مجسّداً للخطين. ويشترط الشهيد الصدر في الولي الفقيه أن يكون مرجعاً دينياً، ومرشحاً من قبل مجلس المرجعية (أهل الحل والعقد)، ومنتخَباً من قبل الأُمّة (في حال تعدد المرجعيات المتكافئة المرشحة) (3). وتقف هذه الأُطروحة على أربع قواعد شرعية:

1ـ لا ولاية بالأصل إلّا للَّه تعالى.

2ـ النيابة العامة عن الإمام المعصوم هي للمجتهد المطلق العادل الكفوء، وهو مصدر الولاية الممنوحة للفقيه، بمعنى القيمومة على تطبيق الشريعة، وحق الإشراف الكامل على المجتمع والدولة.

3ـ الخلافة العامة للأُمّة على أساس قاعدة الشورى، وهي التي تمنحها حق ممارسة أُمورها بنفسها ضمن إطار الإشراف والرقابة الدستورية من قبل نائب الإمام (المرجع المتصدّي أو الولي الفقيه).

4ـ فكرة أهل الحل والعقد، التي طبقت في الحياة الإسلامية، والتي تؤدي بتطويرها على النحو الذي ينسجم مع قاعدة الشورى وقاعدة الإشراف الدستوري من قبل نائب الإمام إلى افتراض مجلس يمثل الأُمّة (مجلس الشورى)، وينبثق عنه بالانتخاب (4).

وهنا يتحدث السيد محمدباقر الصدر عن الحالة الثالثة، أي حالة تفعيل ولاية المجتهد المتصدّي في ظل وجود الدولة الإسلامية القائمة على مبدأ ولاية الفقيه العامة. ولكن يمكن الاستفادة من هذه الأُطروحة أيضاً في الحالة العادية المتوارثة، أي حالة عدم وجود الدولة وعدم وجود حراك نهضوي عام. وهو ما أشار إليه السيد الصدر أيضاً في أُطروحته «المرجعية الرشيدة».

ويجمع فقهاء الإمامية على أنّ النصب المباشر للولاية هو من الله (تعالى)، كما في حالة النبي والأئمة الاثني عشر، ولا تنعقد الإمامة لغير المنصوب إلهياً مع وجوده والتمكن منه. أمّا في حال غياب المعصوم، فإنّ الفقيه يقوم مقام الإمام في قيادة الأُمّة، وفق النصوص الشرعية، أي أنّ الفقيه العادل منصوب بصفاته من الإمام المعصوم (5)، وأنّ ولايته شرّعها الحديث الشريف (6). وهنا نذكر الرأيين الفقهيين الأساسيين بشأن دور قبول الأُمّة في منح الشرعية للفقيه:

الأول: يقول بأنّ انتخاب الناس ليس له أثر في تعيين الفقيه للقيادة، ولا علاقة لجمهور المؤمنين بإنشاء هذه الولاية بالأصل. ولكن بما أنّ لكل الفقهاء العدول هذه الولاية، فلا بدّ من إيجاد صيغة تحدد الفقيه المتصدّي، أي المرجع الذي يقوم بمهام قيادة المجتمع أو الحكم، وتكون له الولاية الفعلية دون غيره من الفقهاء، وهو تدبير عقلائي؛ إذ لا بدّ للمجتمع أو الدولة من قائد أو مرشد أو مدير واحد، وإلّا سينهار المجتمع تلقائياً بوجود أكثر من قائد وولي ومدير. أي أنّ دور الجمهور أو الأُمّة ينحصر في اختيار أحد هؤلاء الفقهاء، سواء اختياراً مباشراً أو عبر مجلس أهل الخبرة، دون أن يكون لهذا الدور أثر في منح الشرعية للفقيه المتصدّي أو الحاكم. وبذلك تكون المقبولية العامة مجرد أداة لتفعيل الولاية والقيادة.

الثاني: يعتقد بأنّ للأُمّة حق اختيار ولي أمرها ورئيسها وقائدها الشرعي من بين من عينهم المعصوم تعييناً نوعياً في زمان غيبته. أي أنّ اختيار الأُمّة ليس اختياراً مفتوحاً ومطلقاً، بل تقوم الأُمّة باختيار قائدها ووليها الشرعي من بين الأشخاص الذين تتوافر فيهم شروط الولاية ومواصفاتها، وفي مقدمتها الاجتهاد والعدالة والفقاهة. وبهذا الاختيار تنعقد الولاية للفقيه الذي قبلت الأُمّة بقيادته. وهنا لا يكون دور الأُمّة مجرد تفعيل للولاية، بل إنّها تشارك في منح الشرعية للفقيه المتصدّي (7). فشرعية الولاية هنا مشتركة بين النص الشرعي الذي يمنح الولاية لكل الفقهاء وبين اختيار الأُمّة التي تمارس دورها في الخلافة، وتفوضه لواحد من هؤلاء الفقهاء.

وسواء كانت المقبولية العامة شريكة في منح الشرعية لولاية المرجع المتصدّي، أو أداةً لتفعيل الولاية من خلال ترجيح فقيه على آخر؛ فإنّ النتيجة واحدة، وتتمثل في ضرورة المقبولية العامة كشرط من شروط المرجعية المتصدّية، وأنّ قيادة الأُمّة الشرعية تتمثل في الفقيه الجامع لشروط المرجعية والولاية حصراً.

 

د. علي المؤمن

...........................

الإحالات

(1) محمد باقر الصدر، «دروس في علم الأُصول»، ج2، ص165 ـ 168.

(2) دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المواد: 99، 107، 108 و177.

(3) محمدباقر الصدر، لمحة فقهية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية، و«الإسلام يقود الحياة»، ص13و14.

(4) المصدر نفسه، ص16 ـ 17.

(5) أي ليس تعييناً شخصياً بالاسم، أُنظر: الشهيد محمدباقر الصدر، الإسلام يقود الحياة ص146.

(6) راجع الفصل الثالث من هذا الكتاب.

(7) أُنظر: علي المؤمن، «النظام السياسي الإسلامي الحديث»، ص147 ـ 152، و«الفقه والدستور»، ص289 ـ 305.

 

قَدْ يَسْتَغْرِبُ القارئُ العزيز من افتتاحِ مقالي بهذا العنوانِ المُثيرِ، وَيَتَساءَلُ هلْ هناكَ "أَنا إِيجابِيَّة"؟ والجواب: نعم ؛ فالمُشْكِلَةُ ليست بالأَنا وانما هي بالأنانِيَّةِ التي هي تضخمُ الانا وَجَعلُها محوراً وَمركَزَ استقطاب، وهذا هو مَنطقُ الطُغاةِ الذينَ قَصَّ لنا القُرآنُ حكايَتَهم، هذا هو منطقُ فرعون الذي تحدث بمنطقِ الانانيّة، منطق "الانا" المتضخمة بقوله كما حكى القُرآنُ الكريمُ عنهُ: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ). النازعات: الاية:(24)، وبذاتِ المنطق تحدث النمرودُ مع خليل الله ابراهيم عليه السلام: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). البقرة: الاية: (258).

 وبهذا المنطقِ ذاتِهِ تحدثَ صاحبُ الجنتينِ، تحدثَ بمنطق الانا المتضخمة المتعالية:

(وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ). الكهف:الاية:(34)

الانا اذا تحولت الى مركز استقطاب تدور حوله النفس بكل شهواتها وأَهوائِها فهذهِ تشكل حالة خطرة تنفلتُ النفسُ فيه من مركز استقطابِها الحقيقي "الله" لتكون مركزاً ومحوراً لتعيش في أَوهامِها وضلالاتها .

الانا الايجابية تتحدثُ عن مركز استقطاب، ومحور ارتباط، وهذا المنطقُ تحدث به المرسلون وأولياءُ اللهِ الصالحونَ، هكذا تحدثت مريمُ البتول الطاهرة:

( قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا).مريم:الاية: (18)، هذه الانا التي تحدثت بها مريمُ عليها السلامُ " إِني" هي انا ايجابِيَّة ؛ لانها مرتبطة بالمحور، بمركز الاستقطاب، هي ليست انا منفلتة عن المركز وفاقدة لتوازنها، هي انا مستعيذة بالمحور؛ فهي أَنا ايجابِيَّة . وبذات المنطقُ تحدثَ خليلُ الله ابراهيم عليه السلام كما حكى الله تعالى عنه:

(إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). الانعام: الاية:(79). فالمحورُ والوجهة هي الله تعالى .

وقوله تعالى:(لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ).المائدة: الاية: (28). الذي منع ابن آدم من ان يقتل اخاه قابيل هو ليس الانا المنفلتة وانما هي الانا المرتبطة بالمحور، الانا التي تخاف الله، ونفس قابيل المنفلتة من محورها سولت له قتل اخيه فقتله .وقولهُ تعالى:

(وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ).هود: الاية: (29)

وقوله تعالى على لسان يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عليه السلام:

(قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ). يوسف: الاية:(108).

وحتى الايثار الذي يقابل الاثرة والانانية ايضاً مرتبط بمحور الارتباط، بالله تعالى ومرضاته ووجهه الكريم، يقول الله تعالى:

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ). البقرة: (207)

فعلي عليه السلام وهو يقدم نفسه ايثاراً من اجل ان يبقى النبي (ص) وتبقى رسالتُهُ، كان يبغي مرضاة الله، هذه هي الانا الايجابية المرتبطة بمحور الوجود ومركز الاستقطاب في هذا الوجود . وقمة الايثار الذي قدمه علي عليه السلام والزهراء البتول عليها السلام والحسنان عليهما السلام والذي نزل فيه قرآنٌ يتلى:

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا). الانسان: الاية:(8)، هم قالوا: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلَا شُكُورًا). الانسان: الاية: 9، هم قالوا: لانريد منكم جزاءً ولاشكوراً، ولكن الله اعطاهم الجزاء الاوفى وقال لهم:

(إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا). الانسان:(22).

اذن: ليست الانا هي المذمومة، وانما الانانيّة هي المذمومةُ، تضخم الانا هو المذموم، والامام الحسين عليه السلام الذي نعيش ذكراه هذه الايام، فانه (ع) قدم كل هذه التضحيات من اجل الله ومن اجل مرضاته تعالى حيث قال عليه السلام: اللهم ان كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى .

 

زعيم الخيرالله

 

 

صلاح حزامفي عالمنا المعاصر هنالك شكل من اشكال الاستقطاب في التكنولوجيا polarization . حيث لا أحد يفكر في منافسة سويسرا في صناعة الساعات والاجهزة الدقيقة ولا منافسة المانيا في صناعة المحركات ولا بريطانيا في محركات الطائرات ولا ايطاليا او فرنسا في الملابس الخ ....

كثيرون يصنعون هذه المنتجات الآن ولكن الانطباع الراسخ هو ان الدولة الفلانية تصنع افضل تلك المنتجات..

والمنتجون الجُدد حتى لو حاولوا محاكاة تلك الدول الايقونية في بعض الصناعات، فان الدول الاصلية سوف تتجاوزهم بسرعة وتُبقي على الفجوة في النوعية والابتكار ..

ذلك يعود الى استمرارية عمليات البحث والتطوير ودأبها والإنفاق عليها بسخاء..

دائماً لديهم ابتكارات تجعلهم يسبقون منافسيهم او خصومهم .

براءات اختراعاتهم ملكٌ لهم ولايستطيع أحد استغلالها دون موافقتهم ومن دون دفع الأتاوات التي يجري الاتفاق عليها. بعض الاختراعات تبقى حصرية ولايحق لأحد استخدامها اطلاقاً.!!

اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، تضمنت اتفاقية تسمى: حماية حقوق الملكية الفكرية ، تضمن حقوق اصحاب براءات الاختراعات والابتكارات.

شركة ايرباس الاوربية اتفقت مع ايران بعد الاتفاق النووي، لبيعها مئات الطائرات المدنية، لكن ترامب الغى الصفقة لان الشركات الامريكية تجهّز ايرباس بقِطَعٍ من الطائرات لا يجوز استخدامها دون موافقة الامريكان ولايمكن انتاجها دون موافقتهم..

الدول النامية تستورد مصانع للنهوض بالصناعة وتتوقع منافسة الدول المصدّرة لتلك المصانع!!

كيف يمكن لذلك ان يتحقق والمصانع تصبح قديمة بعد سنة لان الدولة الأم تُنتِج نسخاً أحدث..

وحتى لو استطاعت دولة ما ان تنتج مُنتَجاً أفضل، فلن يقبل به أحد ويستمر الاصرار على منتج الدولة الايقونية ..

حتى في ميدان الفكر والفلسفة والعلوم، لاسيما العلوم الاجتماعية وكذلك الفنون ومدارس الفن كالرسم والموسيقى ..

كنت اتحدث مع صديق فنان موهوب وذو خبرة وانجازات معروفة ، قال لي:

من يتجرأ على انتقاد او مراجعة ماجاء به بيكاسو؟

ومن يتجرأ على انتقاد فرويد او ماكس فيبر؟

خاصة اذا كان من يريد توجيه النقد من دول العالم الثالث..

بطبيعة الحال ، هناك محاولات لانتقاد او مناقشة افكار هؤلاء الناس، ولكن من يأبه بها ؟ وهل تجد طريقها الى الاكاديميات باعتبارها افكار تستحق الدراسة لانها تحدّت هؤلاء الاشخاص الكبار المعروفين؟ ستكون موضع سخرية وتندّر من قبل الكثيرين باعتبار صاحبها نكرة يتحدّى العمالقة!!

الاكاديميات الكبرى هي نوع من الاستقطاب الفكري المسيطر والذي يمنح الأذن بالدخول لعالم الفكر .

بعض الأنجازات تستحق ان تكون على رأس القائمة حقاً ، لكن ليست كلها..

احد زملائي القدامى كتب ورقة اقتصادية وعرضها على مسؤول وقال له انها ورقة لاقتصادي امريكي.

قال له المسؤول: انظر كم هم مبدعون وعلماء حقيقيين. انها ورقة عظيمة..

يقول زميلي: قلت له انها ورقتي!؟

حينها غيّر المسؤول الموضوع واهمل الورقة تماماً..

 

د. صلاح حزام

 

 

مجدي ابراهيمذُقْ مَذَاقَ الآية.. ثم انظر.. ماذا عَسَاَكَ بالذوق ترى؟ للذوق صلة بالعاطفة التي ينشئها القرآن في قلب القارئ الحاضر دوماً مع الله، وله أوصَاله الباقية في منبع الشعور، وأنسابه الدائمة في منبت الوجدان. وبما أن الأذواق مواجيد صارخة في الشعور الإنساني كافية وراقية، صار الخطاب الإلهي يُذاق أولاً فيتحرّك بمذاقه الشعور، فيتولّد عن الشعور الفكر والعقل والفهم والتّدبُّر. والأصل في ذلك: قوةٌ في الشعور وحساسيةٌ في الوجدان ومذاقٌ باطن في أعمق طوايا الضمير.

ليت شعري .. ماذا عَسَانَا كنّا فاعلين فيما لو حرمتنا الأقدار نعمة التذوق في آي القرآن؟

من آراء الإمام محمد عبده - عليه رحمة الله - المأثورة في الدلالة على عمق الشعور باعتباره الأصل الأصيل لتفريعات الفكر والعاطفة؛ أن العاطفة هى المصدر الذي ينبثق عنه قوة الوجدان. وعن قوة الوجدان يصدُر التعقل والتأثر والفهم والتدبُّر كأصول أصيلة لفهم القرآن. وهذا الرأي كان تحدّث عنه الدكتور محمد إقبال (1877م - 1938م) أيضاً، فجعل من منبت الشعور قوة خلاقة مبدعة متميزة خالصة، يقوم عليها الفكر ويعتمد اعتماداً كلياً على أسسها ومقوماتها، وليست هى بالقوة السطحيّة السلبيّة العارضة  (تجديد التفكير الديني في الإسلام، وترجمة عباس محمود، ومراجعة عبد العزيز المراغي، ومهدي علام، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ط2 القاهرة 1968م؛ ص 30).

ليست العاطفة بالشيء الهيّن اليسير، ولكنها وقود الحركة لكل جميل في الإنسان وهى مصدر الذوق بغير جدال. وإذا كان الفكر يستند عليها ويعتمد؛ فليس ثمّة شيء أعلى منها ولا أرفع في الشعور بقيم الجلال والجمال.

قادت العاطفة القرآنية اللغة إلى مساق لم يعرفه العرب من قبل، وطبعت ألسنتهم بطابعه سواء من جهة البيان أو من جهة الشعور الديني. ولم تكن العاطفة الدينية بالشيء اليسير الهين في هذا كله يجئ عرضاً في غير تحقيق؛ بل كانت في البدء والمنتهى خاصّة ذاتية للقرآن ينشؤها في قلوب العاكفين، وينبتها نباتاً حسناً في أفئدة الذاكرين، ولا يزال يترقى بها مع التبتل في مدارج العرفان إلى أن تصبح ذاتية خاصّة يعول عليها ولا يعول على سواها من جهة الذوق والإحساس والترقي المعرفي.  

على أن اللغة العربية، إعراباً وبلاغة، كانت ملكة راسخة في نفوس العرب في الجزيرة العربية، فلمّا جاء القرآن وأخرجهم من هذه الجزيرة إلى هذا الملك العظيم، واختلطوا بالأعاجم وعاشوا عيشة مدنية وحضارة، ضعفت هذه الملكة ثم فسدت وصارت اللغة تكتسب بالتعلم والتعليم. والعرب أمة أكثرها ضارب في الصحراء، لم يتحضر منها إلا القليل، فلا جَرَمَ كان في لغتهم الخشن الجاف والحوشي الغريب، ولعلّ من يقرأ الأدب الجاهلي ويتدبّره، يزداد يقيناً بما للحضارة من أثر في ألفاظ اللغة (الباقوري: أثر القرآن الكريم في اللغة العربية؛ ومقدّمة طه حسين: ص 54). والقرآن الكريم فضلاً عن أنه نقل العرب من جفاء البداوة وخشونتها إلى لين الحضارة فنزلوا عن حوشيتهم، وتوخّوا العذوبة في ألفاظهم؛ قد تخير لألفاظه أجمل ما تخف به نطقاً في الألسن وقرعاً للأسماع (ولقد يسَّرْنَا القرآنَ للذِّكر) حتى كأنها الماء سلاسة، والنسيم رقة، والعسل حلاوة، وهو من بعدُ بالمكان الأسمى الذي أدهشهم وحير ألبابهم، وأفهمهم أن البلاغة (عمل روحي ووجد عاطفي)؛ شيءٌ آخر وراء التنقيب والتقعير، وتخير ما يكد الألسن ويرهقها من الألفاظ.

مع ملاحظة أن هنالك ألفاظاً خارجة عن لغة العرب لفتت أنظار العلماء مثل: كلمة "مشكاة" للكوة، و"الناشئة" للقيام من الليل، و"القسورة" للأسد، فإنها من لغة الحبشة، وكلمة "غساق" للبارد المنتن؛ فإنها من لسان الترك، و"القسطاس" للميزان في لغة الروم، و"السِّجِّيل" للحجارة والطين بلسان الفرس، و"الطور" للجبل، و"اليم" للبحر بالسريانية. وبحث العلماء في هذه الألفاظ واختلفوا بصدد البحث فيها، ولكن الراجح من أقوالهم هو أن الأصل في تلك الألفاظ العجمة أنها قد انتقلت إلى العرب من أثر التجاور والاختلاط، فاستعملها العرب بما خففها على ألسنتهم حتى لانت، وجرت عندهم مجرى العربي الأصيل، وعلى هذا نزل بها القرآن، مع أنها كلمات مخالفة في وزنها للأوزان العربية المعروفة ثم هى قليلة الاستعمال عند العرب. ولئن كان الحكم عليها أرجح في كونها غير عربية الأصل إلا أن العرب نقلوها من غيرهم بطريق المجاورة كما تقدّم واستعملوها حتى لانت فأصبحت مما يتكلمون به ويتخاطبون، وهى وإنْ لم تكن من أوضاعهم إلا أنهم هضموها فكانت من نسيج لغتهم الحية (محمود شلتوت: الإسلام .. عقيدة وشريعة، ص 409- 410).

وليس في هذا ما من شأنه أن يقدح في أن القرآن نزل بها، وهو موصوف بأنه عربي مبين، وهم مع ذلك عكفوا عليه يتدبرونه، وجروا إليه يستمعونه، حتى مَنْ بقى منهم على ضلالته لم يستطع أن يخدع نفسه؛ فكان يذهب في غفلة من قومه في جنح الظلام يستمع إلى النبي، صلوات الله وسلامه عليه، يردده ويتهجد به؛ وحتى أشفقوا أن يفتن حسنه نساءهم وبنيهم، فطلبوا إلى أبي بكر الصديق، رضوان الله عليه، أن يكف عن ترتيله بصوت مسموع.

ذلك شأن القوم، والدعوة يومئذ طفلٌ يحبو، فلما خضعت جمهرتهم لحكمه ونزلوا عن رغبته، زادَ حبهم له ورغبتهم فيه؛ فبعد أن كان إعجابهم به وحرصهم عليه، وتقديسهم له، من جهة ما فيه من جمال نظم وحسن أداء وروعة أسلوب، وما إلى ذلك ممّا يتصل بالناحية البيانية التي يهشون بطبعهم لها، ويستريحون بفطرتهم إليها؛ ظاهَر ذلك معنى آخر يعتمد "العاطفة الدينية" بما فيها من قوة وما لها من سلطان.

وهذا وذاك من شأنه أن يحملهم على تدبره والإكثار من تلاوته وحسن الاستماع له والإنصات إليه. أفليس في ذلك ما يحملهم على التهجم للغاتهم ومحاولة السير بها في طريقه، ويطبع ألسنتهم على توخي سهولة الألفاظ وعذوبتها؟ (راجع: أحمد حسن الباقوري: أثر القرآن الكريم في اللغة العربية؛ ومقدّمة طه حسين: ص 56، 57).

ثم أليس في ذلك كله ما يثبت أمامنا أن العاطفة، بهذا النحو وعلى هذا الوصف، خاصّة ذاتية للقرآن؟

بين العقل والعاطفة:

هذا، وقد أثيرت مسألة المفاضلة بين العقل المنطقي والعاطفة في ثقافتنا العربية، ودرات حولها ردودٌ وحدود بين المفكرين والأدباء من طلائع النهضة العامة إذْ ذاك. وكانت في ردود الأستاذ "العقاد" ( 1989م-1964م) على شاعر العراق "جميل صدقي الزهاوي" (1863م -1936م) سجالات جديرة بالنظر والاعتبار، وكان هذا الأخير علمانيّاً يأخذ بالعقل والعلم ويقصّي العاطفة جانباً.

مالَ "العقاد"، يومها ميلاً جارفاً إلى هذا الرأي الذي يحتكم فيه صاحبه إلى قوة الشعور، فيؤمن بالعاطفة والوجدان قبل إيمانه بالبحث والتفكير، أو يجعل من الشعور مصدراً لكل بحث ولكل تفكير، لكأنما كانت غزارة العاطفة وقوة الوجدان أشياءً علويّة مُلهمة لكل تفكير صائب ولكل بحث أمين.

ولم يكن هذا الرأي غريباً ولا هو بالرأي الذي يقصر عن الإحاطة بمصدر الإحساس الحيوي في الإنسان على التعميم، لأنه يستهدف التوسعة من نصيب الإنسان منه، وليس هو بالنصيب القليل.

ومن رأيه: أنّ الشاعر صاحب خيال وعاطفة. والفيلسوف صاحب بديهة وبصيرة وحسابٌ مع المجهول. والعالم صاحب منطق وتحليل وحساب مع هذه الأشياء التي يحسُّها ويدركها أو يمكن أن تحسّ وتدرك بالعيان أو ما يُشبه العيان؛ وذلك في معرض التفرقة الفارقة بين الملكة العلميّة والملكة الشعريّة، وبين بديهة الفيلسوف وبديهة العالم.

وعنده: أن "الزهاوي" صاحب ملكة منطقية لا حجاب عليها، وآراؤه في مواطن التحليل والتعليل ملموسة، ولكنك تضل فيها الخيال كثيراً والعاطفة أحياناً، وتلتفت إلى البديهة، فإذا هى محدودة في أعماقها وأعاليها بسدود الحسّ والمنطق لا تخلي لها مطالع الأفق ولا مسارب الأغوار(يراجع: ساعات بين الكتب، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الأولى 1404ه - 1984م، والمقالة نشرت في 28 أكتوبر 1927م بعنوان "العقل والعاطفة"، وجمعت ضمن ما جمع في كتابه النقدي الضخم "ساعات بين الكتب"؛ ص 365- 372).

من ذلك ترى؛ أن رأي "العقاد" وإنْ كان منصفاً للعاطفة لم يكن يجنح إلى الصرامة المنطقيّة التي يراها تقف حجرة عثرة أمام العاطفة والخيال والبديهة وهي بلا شك ملكات عليا ليست بالدنيا، ولن تكون. وفي ردود "العقاد" على "الزهاوي"، تغليبٌ ـ كما قلنا ـ للعاطفة على العقل والمنطق العقلي. لقد كانت أحلام العواطف دوماً ممّا يؤجج الرغبة ويُلهب الخيال، فجاء العقل كالخادم الأجير يُحقق ما تعلقت به الأخيلة واتجهت إليه الرغبات. ولا ريب في أن الحواس تتفاضل بقدر ما فيها من الشعور والاستمداد من باطن النفس لا من ظواهر الأشياء، وأن الحواس بلا ريب كذلك تستمد شعورها من القوة الحيّة التي خلقتها ونوّعتها وهى قادرة على تغيير الخلق والتنويع.

في هذه الردود تشديدٌ قويٌ على منبت الشعور كونه أساس العواطف ومصدر الأفكار وهو معتمد العقول الكبيرة بغير جدال. ومناسبة العاطفة للمنطق أنها هى شيء موجود لا يصحُّ للمنطق إلا إذا حسب له حسابه، فأي منطق يحق له أن يقول عن عمل من أعمال الناس ينبغي أن يكون هكذا أو لا ينبغي أن يكون كذلك إنْ لم يكن يحسُّ العاطفة الإنسانية ويستنكه مضامينها ويقيم لها وزنها؟ إنّ السعادة التي ينشدها الإنسان إنْ لم تكن "عاطفة"، فهى لا شيء، وإنْ لم يكن العلمُ علم إنسان "عاطف" فلا حاجة به لإنسان.

نودُ أن يتأكد هذا في العقول؛ لأننا على مرحلة يجهل فيها الشرقيون ما يعوزهم؛ فيجب أن يعلموا أن الذي يعوزهم هو "الإحساس القويم"، وأن سبيل خلاصهم هو سبيل العاطفة الحيّة والشعور الديني الصادق الجميل. وحيث يغيبُ الإحساس القويم من عاطفة الإنسان تغيب معه إنسانيته فلا يتسامى إليها، ولا يظفر بوسائل التسامي إليها من حيث هجر العواطف أو هجرته العواطف، فأقفرت شعوره وحجّرت مواجيده فنضبت حياته الحيّة على التعميم.

من هنا يصبح للعاطفة دورها الحيوي وغايتها المعرفية كذلك، ولا تخلو مطلقاً ممّا يؤجج الرغبة ويُلهب حماسة الخيال؛ لأنها تكون بمثابة المصدر للفكر تقف وراءه، ولا يخلو فكر منها بوجه من الوجوه، ناهيك عن أنها تعدّ أبرز الوسائل الدافعة إلى العمل بالفكرة العلوية في رحاب القرآن بمقدار ما تظهر أساليب خطابه على حسب مقتضيات أحوال هذا الخطاب المختلفة.

العاطفة الدينية وأساليب القرآن:

على أن العاطفة الدينية في مجملها لم تكن تتعارض مطلقاً مع الإقناع العقلي؛ لأن دورها يتصل بالوجدان الشعوري. ولما جاء القرآن نزل بأسلوب لم يضارعه أسلوب قبله مع أنه جمع بين الأسلوب الخطابي، والأسلوب الأدبي، والأسلوب العلمي المنطقي، وتوخي اعتبارات لا تخضع لحصر من تقديم وتأخير، وتعريف وتنكير، وحذف وإثبات، وفصل ووصل، إلى غير ذلك ممّا يسميه البلاغيون مقتضى الحال. (الباقوري: أثر القرآن الكريم في اللغة العربية، ومقدمة طه حسين: ص 126) .

وكان أظهر شيء فيه الإقناع بالقضايا العقلية المنطقية، ولفت النظر إلى ملكوت السموات والأرض، والإرشاد إلى النظر والتدبر، وما خلق الله من شيء، لتعرف أسرار الله في كونه، وإبداعه في خلقه، فتمتلئ القلوب إيماناً بعظمته، عن نظر واستدلال لا عن تقليد ومجاراة، وقد نعي القرآن كثيراً على الذين يقلدون الآباء والأجداد في عقائدهم ودينهم، وعاداتهم السيئة، كما أنه فتح للناس بهذا الإرشاد إلى ملكوت السموات والأرض باب البحث في خواص الأجسام فى أرضه، وسمائه، وهوائه، ومائه، لينتفعوا بها في حياتهم ويستخدموها في مقاصد التعمير والإنشاء. وعلى الرغم من الإرشادات المتكررة في هذه الناحية فقد أهمل المسلمون هذا الجانب ولم ينتفعوا بإيحاء القرآن فيه، بينما انتفع به غيرهم ممن غمار خاضوا هذا الكون، وعرفوا أسراره، واستخدموها في نواحي هذه الحياة بعد كانوا في عماية وضلالة (محمود شلتوت: الإسلام عقيدة وشريعة: ص 415). 

ثم قص القرآن القصص على أشكال مختلفة للتأمل والاعتبار: في إيجاز طوراً، وإطناب تارة، وتوسط أخرى؛ وضرَبَ الأمثال، وقاسَ الغائب على الشاهد، وكانت فيه معان جديدة وأغراض جديدة، فلا بدّ أن تكون فيه مجازات واستعارات وكنايات لم يعرفها العرب من قبل، ولا بدّ أن يكون ما عرفوه من ذلك قد نظم، وتصرف فيه على وجه آخر غير الذي ألفوه، حتى قويت دهشتهم وازداد تعجبهم من أنهم يرون ألفاظاً هي عين ألفاظهم ثم لا يجدون في أنفسهم من الشجاعة ما يتقدّم بهم إلى معارضته، وقد تحداهم تحدياً صارخاً فعجزوا أمامه عجزاً ذليلاً مستكيناً. كان أسلوب القرآن يشتد عليهم أحياناً فيقرعهم ويملأ قلوبهم رعباً ورهبة، وأحياناً يلين حتى يريهم الماء في سلاسته والنسيم في رقته ولطفه، وأحياناً يهداً ليدع لهم فرصة يتعلمون فيها منه أصول الدين ومكارم الأخلاق.

والذي يتدبّر القرآن الكريم يرى هذه الظواهر الثلاثة ظاهرة في أساليبه؛ فالأسلوب الخطابي مثلاً يظهر في المواضع التي يناظر فيها الجاحدين، والتي يظهر فيها أهوال اليوم الآخر، وما يتصل بذلك مما يستدعي شدة الروعة وقوة التأثير. أما الأسلوب الأدبي فيظهر في هذا القصص الرائع والوصف البديع والإرشاد الرحيم. ويجئ الأسلوب العلمي؛ فيتجلى حيث يُراد شرح الحقائق العلمية والامتنان على العباد وتوجيه نظرهم إلى نعم الله عليهم" (الباقوري: أثر القرآن الكريم في اللغة العربية، ومقدمة طه حسين: ص 127).

العاطفة والذوق:

ولننظر الآن إلى أقوال الإمام "محمد عبده"، وهو يتكلم في تفسير المفسّرين .. ما هو الشرط الذي يشترطونه ويراعون حضوره؛ ليكون تفسيرهم مقبولاً على منهج التذوق والعاطفة الدينية قبل قبوله على أي منهج كان كيفما اتفق؟

قال الإمام محمد عبده:"... وليت أهل العناية بالاطلاع على كتب التفسير يطلبون لأنفسهم "معنى" تستقر عليه أفهامهم في العلم بمعاني الكتاب ثم يبثونه في الناس ويحملونهم عليه. وأعني "بالفهم" ما يكون (صادراً) عن "ذوق" سليم تصيبه أساليب القرآن بعجائبها، وتملكه مواعظه فتشغله عمّا بين يديه ممّا سواه. لا أريد الفهم المأخوذ بالتسليم الأعمى من الكتب أخذاً جافاً لم يصحبه ذلك "الذوق" وما يتبعه من رقة الشعور ولطف الوجدان اللذين هما مدار "التعقل" والتأثر والفهم والتدبر..." (محمد عبده: رسالة التوحيد: ص 101- 104).

فهذه الكلمات النابهة هى أعلى ما قرأت من قرائح العقول التي تناولت فهم القرآن. وواضح أن الإمام محمد عبده يتحدّث هنا عن "الفهم" بالطريقة التي حدّد أصولها فيما ينبغي أن تكون صادرة عن ذوق سليم. فالفهم في رأي محمد عبده، وفي رأي كل من يصيب بتوفيق الله من الفهم نصيباً، هو أن يكون صاحبه ذَوّاقة، لا يعتمد على النقل أو التقليد بالتسليم الأعمى لما قيل من قبل في الكتب؛ لأن الكتب دالة مرشدة وكفى، وليست بالتي تصدر الإبداع الذاتي كما يُصدره الذوق الأصيل. وشرط التذوق أن يجيء سليماً مُعَافاً من الكزازة والمُعاظلة. وشرط السلامة أن يكون تعامله مع أساليب القرآن فهماً راقياً مَرَدَّهُ إلى إدراك المعنى المستقر من طريق التذوق:

التذوق لماذا؟ التذوق للقيمة، وللمعنى، وللأسلوب يفرضه التأمل الداخلي لأجواء الآية، ولكشف حكمتها بما عساه يفتح الله به عليه. وإنّ تأملاً يصاحب المتأمل في أجواء الآي الكريم لهو التأمل الذي يقود صاحبه - فيما لو صدق - إلى السّبح الهائل في ملكوت القرآن بمقتضى العاطفة الدينية؛ سبحاً يملك عليه أقطار نفسه، فلا يدع له نظراً فيما سواه.

ولا شرط لمثل هذا التأمل غير شرط الإخلاص، ولا شرط لورود الإخلاص غير مراقبة الله الدائمة في السّر والإعلان. ويوم أن يشعر الطالب لهذا المعنى شعور التفهيم والتذوق إلى حيث يستقر على فهمه "معنى"، وإلى حيث يكون العلم بمعاني الكتاب علماً قويّاً قائماً على الإحساس بسلامة المطلب، وبسلامة الطبيعة الداخلية، وسلامة الضمير الجوَّانيِّ من أمراض العلل والآفات التي تعترض الفاهم أو الباحث حين يريد أن يعتني بالاطلاع على كتب التفسير. يوم أن يشعر الطالب لهذا المعنى ذلك الشعور الذي يصاحبه في الطالب مواهب التذوق وقدراته، وهى مواهب وقدرات تنبع من رقة الشعور ولطف الوجدان، ولا جَرَمَ أن رقة الشعور ولطف الوجدان هما مدار التعقل ومدار التدبُّر ومدار الفهم ومدار التأثر.

أقول؛ يوم أن يشعر الطالب بكل هذا شعور التذوق والتفهيم؛ لهو هو اليوم الذي أصاب من ثمَّ فيه الفهم، وحقق منه نصيباً عالياً، بفضل الله، من أنصبَة اليقين الذي لا يقارنه شك إلا أن يكون الشك الذي يجيء مصاحباً للفقدان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

منير لطفيفي زمن تكالبت فيه المادّة وأصيب الناس بسعارها، حتى بات الولَع بالدنيا ومباهجها عنوانا لإنسان العصر اللاهث وراء الحاجيات والكماليات بشتّى صنوفها؛ بات الحديث عن مقامات السالكين ومنازل الترقِّي لازما لزوم المكابح لسيارة تندفع بعنفوان على الطريق السريع، ولزوم الدرع لمقاتل يتصدّر الصفوف في ميدان الجهاد، إذ بدونهما تحدث كوارث لا يعلمها إلّا الله، ونخسر الروح والجسد معا.

والحديث هنا عن ورَع نعته النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رواه البخاري في صحيحه الجامع بأنه خير الدين، ولكنّ الناس -وا أسفاه- نسوه أو تناسوه في جملة ما نسوه وتناسوه من شريف الشريعة وكلّ ما فيها شريف، حتى بات الحديث عنه أشبه بالأساطير والأعاجيب، وكأنّه ما خُلق لنا ولا خُلقنا له، في دلالة على سقوط الهمّة وخور الإيمان..

فما معنى هذا الورَع، وما الفرق بينه وبين الزهد، وما العلاقة بينهما، وما عاقبته؟

ليس بخافٍ أنّ المرء طوال رحلته المقدَّرة في الحياة، تعرض أمامه أمور ثلاث لا رابع لها، محرَّمات ومنكَرات حذّر منها الشرع الكريم بوحييْه القرآن والسنّة كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وحلال ومباحات لا ضير منها ولا ملامة فيها كالميراث والتحلّي بالذهب للنساء وارتداء ما دون الحرير للرجال، وشبهات تقع بين هذا وذاك كمنزلة بين المنزلتين ومرتبة بين المرتبتين ممّا اختلف العلماء حوله بين محلِّل ومحرِّم ومتوقِّف.. وإزاء هذه العوارض يتمايز الموحّدون المؤمنون إلى أقسام ثلاث: مؤمن صالح، يجتنب ما حرّمه الله ونهى عنه من منكَرات. ومؤمن ورِع، يجتنب الشبهات إضافة إلى المحرّمات. ومؤمن زاهد يحمل نفسه على اجتناب جزء قلّ أو كثُر من المباحات والحلال، إضافة إلى المحرَّم والمشبوه.

وقد اختصر إمام المالكية وتلميذ سلطان العلماء العزّ بن عبد السلام، وهو الإمام القَرافي، معنى الورع في اجتناب ما لا بأس به مخافة ممّا به البأس. وفرّق شيخ الإسلام الثاني، الإمام ابن القيّم، بينه وبينه الزهد بقوله: الزهد اجتناب ما لا ينفع في الآخرة والورع اجتناب ما يُخشى ضرره في الآخرة. بمعنى أنّ الورَع دون الزهد في المرتبة، وكلّ زاهد ورِع وليس كلّ ورِع زاهد، وكما قال الإمام الداراني في بيان العلاقة الوثيقة بينهما: الورع مقدّمة للزهد كما القناعة مقدّمة للرضا.

ولِتتّضح المنزلة السامقة لأهل الورع وأهل الزهد، يكفينا معرفة كونهما جلساء الله في الغد القريب، حين تقوم الساعة وتُنصب الموازين وتُوفَّى كلّ نفس بما كسبت، وذلك على حدّ قول الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه.

وإذا ذُكر الورع ذُكرت طُلَعَة من الصحابة والتابعين كانت التقوى منهجهم والورع سلوكهم وصفتهم، وفي القلب منهم الفاروق عمر بن الخطاب الذي أَتعب مَن بعده بما وصل إليه من رتبة عالية في هذا السبيل؛  فقد مرض يوما، ووصفوا له العسل دواء، ومع وجود العسل في بيت المال جرّاء جلبه من بعض البلاد المفتوحة، إلّا أنه تورّع عن التداوي به، حتى جمع الناس وصعد المنبر واستأذنهم فيه، فأذنوا له وبكوا إشفاقا عليه!

ومِن جملة ما نبّه عليه العلماء لكي يبقى للورع مشروعيته وكماله؛ ضرورة اقترانه بالعلم حتى لا يفسد، وحضوره في الخلَوات كما الجلَسات، ولا تفوته جارحة إلّا وتلبّس بها؛ على اعتبار أن الإيمان وما يتشعّب عنه من مقامات لا ينفك العلم فيه عن العمل ولا الحال عن المقال ولا الظاهر عن الباطن. مع لزوم الفصل التام بين الورع وبين والواجبات والمستحَبّات التي لا تمت بصلة إلى زهد أو ورع. ويمكن التمثيل لهكذا ورع فاسد فارغ، بما حدث من أهل العراق، حين سألوا الصحابي الجليل ابن عمر عن مُحرِم قتل بعوضة، هل في حقّه فدية أم لا؟ فأجاب: يسألوني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين! وبما كان من ذاك الفاسق الذى زنى بامرأة وأَحْبَلها، فلمّا قيل له: لِمَ لَمْ تعزل حتى لا تحمل المرأة؟ فقال: بلغني أنّ العزل مكروه!

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب - مصر

 

محمود محمد عليفي المقالات السابقة بينا كيف برهن أحمد زويل في كتابه عن حوار الحضارات علي أن الخلل في النظام العالمي المعاصر، إنما ناجم جزئياً عن الجهل بالحضارات، أو التذكر الانتقائي للماضي، والافتقار إلي رؤية الأشياء وفقاً لعلاقاتها الصحيحة، وجزئيا عن البؤس الاقتصادي والظلم السياسي الذين يعاني منهما " عالم الذين لا يملكون"، والذين يشكلون نحو 80 % من سكان العالم في كل القارات ومختلف الثقافات، وفيما يتعلق بالعلاقات الدولية مثلا، يقول زويل: "فإني لا أفهم جيداً، السبب الذي يدفع بحضارة معينة، إلى اكتساب قوتها على حساب حضارات أخري عبر الإمبريالية ؛ وذلك لأنه بعكسان الثقافات والحضارات، أن تصل إلى أوج الاكتمال، في إطار تعايش متناغم ومنسجم بين بعضها البعض، بل وفي إطار تكامل فيما بينها . وتشكل الولايات المتحدة واليابان والأمم الأوربية، أمثلة لهذا التعايش الصحي، الذي تم إرساؤه عن طريق مد جسور اقتصادية وثقافية ؛ ويتجسد الحل للوصول إلي هذا الوضع، في إرساء نظام حكامة governance عالمي، يمثل ويرعى حرية البشر والعدالة، وتفرض قراراته وتطبق بطريقة ملائمة . أكيد أن نظاما من هذا القبيل، صعب إرساؤه ؛ إلا أنه في اعتقادي، يمكن لزعيم متبصر أن ينجح في هذا المشروه علي امتداد مدة زمنية معينة" (24).

ثالثا: ماذا عن دينامية الثقافات؟ إن الثقافات لا تتسم بكونها متوازنة بل إنها تتغير جميعها مع الزمن ؛ ودرجة هذا التغيير تتحكم فيها، في جزئها الأكبر، قوى السياسة والعلوم الاقتصادية؛ ولنعتبر علي سبيل المثال بلدي الأصلي ؛ فالحضارة المصرية قد تطورت بشكل مبكر في ظل تاريخ البشرية، وهيمنت علي العالم لمدة آلاف السنين ؛ لكن مؤخرا، أضحت مصر بلدا سائرا في طريق النمو، وهذا لا يعني أنها فقدت حضارتها، بل يعني أنها، على غرار حضارات أخرى، قد تغيرت مع الزمن، وذلك بالنظر للعديد من القوى الداخلية والخارجية ؛ إذ أن وضعها الراهن، ليس مرده إلى عامل وراثي أو إلى قيم ثقافية أساسية (25).

وفيما يخص رؤية "أحمد زويل" لما حدث بين العالم العربي والغرب وبالتحديد الولايات المتحدة الأمريكية في عقب ما حدث في‏11‏ سبتمبر في نيويورك وواشنطن‏،‏ وزيادة التركيز علي تغبير صدام الحضارات وأن هناك ازمة بين العرب والغرب؟

يقول" زويل": في تقديري أن هناك نفعاً واحتياجا إلي رؤية أوسع وأكبر علي الجانبين‏..11‏ سبتمبر كان حادثا مهولاً أثر علي صورة أمريكا في العالم‏..‏ كما أثر علي فخرها باعتبارها القوة الأعظم في العالم‏..‏ كما ينبغي ان تعلم أن برجي مركز التجارة العالمي يمثلان هما ونيويورك بشكل عام - رمزاً للحضارة الأمريكية‏،‏ ومن ثم فإن الهجوم عليهما، مثل توابع الزلازل أدت إلي توليد شعور بأن هذا صراع حضارات، أو بتغبير آخر صراع مع الإسلام وهو الخطأ الكبير الذي حدث بعد‏11‏ سبتمبر‏،‏ وقد حاول الرئيس الأمريكي "جورج بوش" توضيح أكثر من مرة أن هذا ليس صراعا مع الإسلام‏ (26).

ويستطرد" زويل" قائلاً:" لكن رجل الشارع الأمريكي لا يعرف عن الإسلام إلا قليلا - حتي مع وجود حوالي ‏ست ملايين مسلم في الولايات المتحدة ـ ومن ثم عندما تظهر له وسائل الإعلام الأمريكية‏:‏ الصحف وقنوات التليفزيون‏،‏ صور المتهمين في حادث مركز التجارة العالمية وتكشف انهم مسلمون وعرب تحدث إدانة فورية من جانب الرأي العام الأمريكي للمسلمين والعرب‏،‏ ولكن يصبح هذا خطأ كبيرا عندما يشاع أن الإسلام والحضارة الإسلامية هما ارهاب‏،‏ وأضرب دائماً امثلة بالاستعانة بمصادر التنوير في الحضارة الغربية والتي هي الحضارة الإسلامية جذور الحضارة الإسلامية في أسبانيا واستمرارها حتي بزوغ عصر النهضة (الرينيسانس) في أوروبا‏ (27). ‏

هذا بالإضافة إلي أن القرآن والدين الإسلامي كما يري "زويل":" لا يدعوان إلي العنف علي الإطلاق وإنما إلي التسامح‏،‏ والدليل على أن التطرف ليس إسلامياً حادث "أوكلاهوما‏"،‏ وكان مرتكبه مسيحياًَ وليس مسلماً‏ًً،‏ كذلك ما فعله هتلر من تدمير في قلب أوروبا، وهو لم يكن مسلماً‏،‏ وما حدث في يوغسلافيا، وفي حرب البوسنة والهرسك، هي إذن نظر "زويل" خاطئة من الغرب إذا فهم ما حدث باعتباره إرهابا إسلاميا"‏ (28).

وفي نفس الوقت يؤكد "زويل" بأن العرب والمسلمين ركزوا علي هذه القضية باعتبارها حديث الساعة في مصر‏،‏ علي سبيل المثال إنني لا يتوقف فيها الجدل حول ما يسمي صراع الحضارات واعتمد الجدل علي كتاب "صمويل هنتنجتون" صراع الحضارات الذي قسم العالم إلي‏ خمس‏ حضارات، لكني أري خطأ أن يحدث هذا التقسيم لأنه مثلاً عند تطبيق هذه الفرضية علي شخص مثلي‏..‏ بماذا أسمي نفسي؟ مصرياً، فرعونياً، قبطياً‏،‏ مسلماً‏،‏ عربياً، إفريقيا، أم أمريكيا لقد عشت كل هذه الحضارات وتعاملت معها (29)‏.

وهنا يخلص قائلا: لذا لا أري سبباً أو مبرراً لهذه الضجة الإعلامية الكبيرة‏،‏ والأهم من ذلك أن تستبعد من العقل العربي الخضوع لهذا المفهوم صراع الحضارات، وأن نتحاور مع مثل هذه المفاهيم من منطلقات إيجابية من ناحية التفسيرات‏،‏ ومن ناحية توصيل المعلومة للعقل الغربي‏،‏ فليس كافياً علي الإطلاق استخدام منهج الاحالة إلي التاريخ‏،‏ وإلي ما قاله الرواة بشأن الإسلام‏..‏ لا بد من توصيل المعلومات للعقل الغربي بطريقة واضحة وسلسة (30) .

وحول موقف "زويل" من صراع حضارات، فيقول:" اعتقد لأني دائماً أسأل عدة أسئلة فيما يتعلق بهذه القضية وهي‏:‏ هل ولا بد أن تكون الحضارة القائمة في حالة تصادم مع حضارات أخري ليست بالضرورة القائمة فهناك‏:‏ اليابان‏:‏ قوة عظمي‏،‏ وأوروبا قوة عظمي‏،‏ والولايات المتحدة قوة عظمي، وليس هناك صراع فيما بينها‏،‏ بل بالعكس هناك ما يمكن أن نسميه حوار الحضارات وليس صراع الحضارات؛ فالثقافة اليابانية عن سبيل المثال تختلف تماما عن الثقافة الأمريكية، وبالرغم من ذلك، هناك تعاون فيما بينهما‏، ‏فهذا المفهوم صراع الحضارات غير واضح تماماً لأنك إذا نظرت للحضارة المصرية سوف تجد أنها حضارة سادت العالم‏،‏ وكذلك الحضارة الفينيقية‏..‏ وغيرهما‏ (31).

فمصر كما يري "زويل" قد ازدهرت في عصور الأسرات الفرعونية، وفي العصور الإسلامية‏،‏ لكنها تحولت من دولة متقدمة إلى دولة نامية حالياً،،‏ فهل هذا أدعى لإلغاء صفة الحضارة عن مصر‏،‏ والادعاء انها لا تمتلك لا ثقافة ولا حضارة‏!‏ بالطبع لا‏، لأن هناك أسباب سياسية عالمية وأسباباً سياسية داخلية‏، وظروفاً تاريخية قام فيها الاستعمار باستغلال موارد مصر ‏(32) .

ومن هذا المنطلق نزع زويل إلى القول بأن الحديث عن صدام الحضارات ما ذكره "هنتنجتون" من أنه إذا نزعت أمريكا صفة الانجلوساكسونية وصفة المسيحية عنها فسوف تصبح في خطر‏،‏ وزويل يرى العكس‏،‏ لأنه يري أن ما يجعل أمريكا قوية أنها تحصل على أفضل عقول في العالم‏،‏ ومن ثقافات مختلفة‏،‏ ومن حضارات مختلفة‏،‏ وتمزج فيما بينهما لكي يعيشوا في إطار نظام‏،‏ ومن ثم أمريكا أصبحت قوة عظمي نتيجة التفاعل مع الحضارات والثقافات والتسامح معها‏ (33).‏‏

ونعود إلي نفس السؤال فنسأل "زويل": هل هناك بالفعل صدام بين العرب والغرب؟

ويجيبنا زويل فيقول:" أي دولة في العالم تنظيف الشارع لا بد أن أقوم أنا أولاً بتنظيف البيت من الداخل‏،‏ وأنا أرى أن العالم العربي في حالة متدهورة‏،‏ واستخدام نظرية المؤامرة لن يخرجه من حالة التدهور الحالية التي يعيش فيه، وعلى المستوي الشخصي عندما حضرت للولايات المتحدة، كانت أمامي صعاب كثيرة‏:‏ صعاب سياسية‏،‏ صعاب خاصة بالثقافة‏:‏ اختلاف اللغة والعادات الغربية والأمريكية وعوائق علمية (34).

وماذا بعد حوار الحضارات في نظر زويل ؟

اعتقد أن هناك قضية هامة ومحورية تأتي بعد حوار الحضارات في "زويل" ؛ ألا وهي قضية الإصلاح، فهو في نظر "زويل" ضرورى في العالم العربى، وهذا الإصلاح ينبثق من الداخل، ولا يمكن أن يأتي من الخارج؛ وأول عمليات الإصلاح، هي حرية العقل وبناؤه فهما السبيل لصناعة شعوب متقدمة تغزو المستقبل في نظر زويل؛ يقول "زويل":" إن الاصلاح هو الاصلاح وعالمنا العربي يحتاج إلى إصلاح فعلي من داخلنا دون أن نعير الخارج أي اهتمام ".. موضحا أننا كعرب يجب أن نبدأ بالاصلاح بأنفسنا ونجعل العالم يرى كيفية اصلاحنا لذاتنا" (35).

وأوضح "زويل" أنه لا توجد دولة بالعالم تساعد دولة أخرى على الاصلاح وتعطي مساعدات مادية بلا غرض او هدف، واستعان بالآية القرآنية "ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"- صدق الله العظيم، .. مشيراً إلى أنه بالنظر إلى تاريخنا وحضارتنا كعرب وما وصلنا إليه الآن نشعر جميعاَ كعرب في الداخل والخارج بآسي شديد (36).

وقال " زويل" أن المجتمع الدولي يعاني حالياً من عدم وجود رؤية سياسية عادلة .. مشيراً إلى أنه لا يمكن أن تسيطر دولة واحدة على مقدرات العالم والشعوب، بل يجب إيجاد توازن وعدل، وإيجاد حل للمنظومة المختلة من دول عظمى ثرية ودول فقيرة، موضحاً أن ما يقال عن صراع الحضارات ليس له أساس من الصحة، لأن المشكلة في العدل والتوازن والحديث عن صراع الحضارات مضيعة للوقت ... مشيراً إلى أن اليهود حينما واجهوا العذاب في الماضي كانوا في أوروبا ولم يكونوا في الشرق الأوسط، أو عند العرب، بل على العكس كان العرب والمسلمون يعاملونهم بصورة جيدة جداً وفي تعاون واضح (37).

وأوضح "زويل" أننا سنستطيع عبر هذا المشروع القومي بناء شراكة مع ابنائنا لمساعدتهم بدون بيروقراطية أو روتين جامد يعوق مسيرة التقدم، والوصول معهم إلى نجاحات تعود بالإيجاب على مؤسساتهم العلمية وجامعاتهم (38).

وقال " زويل" أن المشروع القومي لنهضة مصر العلمية قادر على النجاح لما لدى الشعب المصري من استعداد للعمل بجهد بالإضافة إلى المساعدات الأولية التي ستقدم من المسؤولين بمصر، الأمر الذي يتماشى مع مسيرة الاصلاحات المصرية ليجعل مصر كعهدها دائماً في الريادة ويصل منها إلى باقي الدول العربية (39).

وحول المشكلات التي تواجه " زويل" في إنشاء الجامعة العلمية في مصر وإنشائها في قطر، قال زويل أن الأصل في هذا الموضوع هو مساعدة الدول العربية على النهوض مما هي فيه الآن ومجاراة العالم في تقدمه، والأمر لا يرتبط بدولة غنية ودولة فقيرة.. مشيرا إلى أنه من المقرر أن يقوم بزيارة اليوم إلى السودان، حيث يلتقي بالرئيس السوداني حسن البشير (المخلوع) لبحث امكانيات التنمية في السودان وهو الأمر الذي سيقوم به في العديد من الدول العربية الاخرى (40).

وتطرق " زويل" الى التحديات المستقبلية للعلم خلال الخمسين عاما المقبلة موضحا أن أي تقدم ثقافي وسياسي واقتصادي لا يأتي إلا عبر المعرفة ؛ خاصة وأن الإنسان بطبيعته يبحث عن المعرفة وتطور العقل الذى يؤدي إلى اكتشافات وثورة للمعلومات مما يؤثر على حياتنا ومستقبلنا في كافة المجالات (41)؛ وقال "زويل" أن التحدي الأول هو أن العلماء استطاعوا فك الشفرة الجينية للإنسان واستطاعوا أن يحللوا مواده واكتشفوا أن الانسان يتكون في أغلبه من مواد "كربونية"... موضحا أن هناك أبحاثاً حالياً لابتكار نوع من التناغم والالتحام بين الانسان بتكوينه الكربوني والإلكترونيات السليكونية التي تتكون منها أجهزة الكومبيوتر الحديثة، مما قد يوجد في اعتقادهم آلة قادرة على التفكير والإحساس والتفاعل والوعي والمحاكاة (42)؛ وأوضح أن هذه الثورة التكنولوجية لن تقف عند هذا التحدي، بل تحاول ايجاد حلول للأمراض المستعصية التي تصيب الانسان عبر إعادة ترتيب جزيئاته الجينية بواسطة تكنولوجيا الالتحام الكربونية السليكونية وابتكار ما يسمى "النانو روبرتس" أو إنسان آلي متناهي الصغر يدخل داخل الشفرة الجينية ويصلح ما بها من عطب (43).

وقال " زويل" أن التحدي الثاني هو قدرة الانسان على التحكم في جيناته عبر "الهندسة الجينية"، وضرب العديد من الامثلة، من خلال ذلك لعلاج بعض أعضاء الإنسان والتحكم في شكل وصفات المواليد، بالإضافة إلى التأثير في حجم ونوع الأطعمة والمحاصيل الزراعية (44)؛ وأشار إلى أن حرب المستقبل لن تكون باستخدام أعتى الاسلحة وحجم تدميرها، لكنها قد تستخدم هذا الاكتشاف بشكل سيىء وخطير، فعبر مجموعة من الفيروسات، أو البكتريا يمكن تغيير الصفات الجينية لشعوب وتحويلهم إلى ما أشبه "بالمسوخ" أو ضعفاء البنية والتفكير! (45)؛ وأضاف أن التحدي الثالث في "التعليم" والذي سيختلف تماماً عن المتعارف عليه .. موضحاً أن "الطفل خلال مرحلته العمرية المبكرة "خمس سنوات " تنمو خلالها خلايا مخه بصورة متكاملة ويستطيع وقتها استيعاب، وتعلم أي شيء لنهم هذه المرحلة العمرية بالمعلومات والمعرفة والتجربة" (46).

كما أشار زويل إلى أن 70 %  من "الأطفال الصغار الذين يصابون بالشلل يتم شفاؤهم من المرض بعد عدة سنوات لقدرة المخ وقتها على إعادة ترتيب الشبكة الداخلية على عكس المتقدمين في العمر الذين يصابون بالمرض ولا يمكن شفاؤهم" (47)؛ وقال أن:"التعليم الجيد يأتي عبر التفاعل والبيئة المناسبة، خاصة وأن العلماء وجدوا علاقة بين الحركة الذهنية المستمرة للانسان ونشاطه البدني، فمن يعمل بدون خمول ويستمع للموسيقى ويقرأ ويدرس باستمرار لا تصيبه أمراض الشيخوخة عكس الخامل السلبي الذي لا يؤدي أى نشاط" (48).

وشدد "زويل" على أن "وحدة الاسرة والترابط العائلي والتقليل من اعتماد الإنسان على الآلة وتكنولوجيا الحوائط المعلوماتية سيؤثر على تقدم الإنسان في عالمنا العربي، والحل يأتي عبر محادثة العقل وتنمية قدراته وترتيب أولوياته والتفاعل مع الغير بروح عمل الفريق" (49). وقال زويل أن "قوة العلم خلال الخمسين سنة القادمة ستكون بلا حدود ولم تراها البشرية من قبل وللمرة الأولى ينكمش الزمان والمكان أمام العلم من الفينتو ثانية إلى قدرة على معرفة المكان ورؤية المادة خلال هذا الزمن، وهو البحث الجديد الذي يجري عليه أبحاثه، والتي تتطلع بالأخص في مجال العلوم الطبية" (50).

 

الأستاذ الدكتور / محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط .

..........

مراجع المقال وهوامشه

(24) أحمد زويل: حوار الحضارات، المصدر نفسه، والصفحة نفسها.

(25) المصدر نفسه، ص 188.

(26) جمال زايدة: أحمد زويل لـ الأهرام‏:‏ الحوار مع الغرب بديلا عن صدام الحضارات.

(27) المرجع نفسه.

(28) المرجع نفسه.

(29) المرجع نفسه.

(30) المرجع نفسه.

(31) المرجع نفسه.

(32) المرجع نفسه.

(33) المرجع نفسه.

(34) أحمد زويل (حوار): الاصلاح ضروري في العالم العربي ولا يمكن أن يأتي من الخارج، جريدة الدستور، تم نشره في السبت 10 نيسان / أبريل 2004. 03:00 مـساءً.

(35) المرجع نفسه.

(36) المرجع نفسه.

(37) المرجع نفسه.

(38) المرجع نفسه.

(39) المرجع نفسه.

(40) المرجع نفسه.

(41) المرجع نفسه.

(42) المرجع نفسه.

(43) المرجع نفسه.

(44) المرجع نفسه.

(45) المرجع نفسه.

(46) المرجع نفسه.

(47) المرجع نفسه.

(48) المرجع نفسه.

(49) المرجع نفسه.

(50) المرجع نفسه.

 

 

عدنان عويدإن من يتابع السيرة الفكريّة والسياسيّة للأحزاب القوميّة العربيّة، يجد أنها قد اشتغلت براغماتيا على مستوى الخطاب الديني عندما ربطت برؤية توفيقيّة/ تلفيقيّه ما بين العروبة والإسلام، لاعتقادها بأنها قادرة بهذا الربط أن تُكسب مشروعها السياسيّ مشروعيته أمام الجماهير التي يغطي الوعي الدينيَّ حيزاً كبيراً من ذهنيتها أولاً، ولمنافسة الأحزاب الدينيّة، وبخاصة الإخوان الذين ربطوا الدين بالسياسة أيضاً عبر طرحهم مشروع الحاكميّة لله ثانياً، ثم منافسة الأحزاب اليساريّة (الشيوعيّة) التي تشاركها الشعارات النهضويّة والتقدميّة وإظهارها معادية للدين أمام الجماهير ثالثاً. هذا دون أخذها بالاعتبار أنها بربطها بين العروبة والإسلام كانت تعمل على تعميق أزمة خطابها السياسيّ كون الدين بشكل عام والإسلاميّ منه بشكل خاص في المحصلة هو حطاب أيديولوجيّ ذو بعد أمميّ يرفض الفكرة القوميّة، كما يرفض فكرة المواطنة وكل ما يتعلق بمفاهيم الحداثة والعلمانيّة التي تتبناها هذه الأحزاب في خطابها الأيديولوجي، وهو في المحصلة خطاب أيديولوجييّ غيبيّ لا يؤمن بوجود قوانين موضوعيّة تتحكم بأليّة عمل الظواهر الطبيعيّة والاجتماعيّة، كما لا يؤمن أيضاً بوجود أية قوى اجتماعيّة قادرة على التشريع لحل قضايا الناس بعيدا عن التشريع الذي وضعه الله وأقره السلف الصالح. وهذه المسألة يقرها خطاب الإخوان وكل القوى السلفيّة المعاصرة في خطابها السياسيّ، الذي يكفر كل من يخرج عن فكرة الحاكميّة كما جاء في كتاب سيد قطب (معالم في الطريق) امتكئ على رؤية أب الأعاى المودودي للحاكميّة، أو أدبيات الحركة الوهابيّة التي أسست لفكر القاعدة وفروعها مثل داعش والنصرة ومن يلتقي معها، وما تقوم به هذه القوى الأصوليّة اليوم في ثورات الربيع العربي يؤكد ذلك.

إن مسألة الاشتغال على الخطاب الديني لتحقيق مصالح سياسيّة لقوى اجتماعيّة أو سياسيّة محددة، يبقى لها مخاطرها ومحاذيرها إذا ما اشتغلت عليه الأحزاب التقدميّة، وذلك كون الدين إذا ما تجذر ايديولوجيا في عقل لإنسان لم يعد من السهل بمكان توجيه عقله وتفكيره خارج توجهات هذا الدين وبخاصة لفكرة الانتماء للمواطنة أو الوطن أو الانتماء القومي، هذه الانتماءات التي تتنافى مع مسألة الانتماء الأممي للدين، وهذا ما أكده الكثير من رجال لدين ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الشيخ الإمام "محمد عبده" حيث يقول: (لأن جرثومة الدين متأهلة في النفوس بالوراثة من أحقاب طويلة، والقلوب مطمئنة إليه... فلا يحتاج القائم بإحياء الأمّة (قصده الأمّة الإسلامية) إلا إلى نفحة واحدة يسري نفثها في جميع الأرواح... ومن طلب إصلاح أمّة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه، فقد ركب شططاً وجعل النهاية بداية.). (1). ثم يقول أيضاً: ( إن الأجناس قامت على العصبيّة القوميّة. لأن أفرادها تلاحموا حفاظاً لحقوقهم من جور حاكم من جنس آخر، أما الوضع فيختلف بين المسلمين. وأضاف: وهذا هو السر في إعراض المسلمين إلى اختلاف أقطارهم عن اعتبار الجنسيات، ورفضهم أي نوع من أنواع العصبيات ما عدا عصبتهم الإسلاميّة. فإن المتدين بالدين الإسلامي  متى رسخ فيه اعتقاده يلهو عن جنسه وشعبه ويلتفت عن الرابطة الخاصة إلى العلاقة العامة.) (2). ثم أن الأحزاب التي تربط بين العروبة والإسلام سيؤدي هذا الربط بها إلى تجاهل وجود وتاريخ ومكانة مكونات دينيّة أخرى في مجتمعات هذه الأحزاب ويعتبرها رعيّة، بل إن التجاهل سينال حتى بنية هذه الأحزاب التنظيميّة ذاتها، كالمكوّن المسيحي وغيره من المكونات الدينيّة التي لها انتماءاتها الدينيّة الخاصة بها من جهة، والتقليل من أهمية انتماءاتها القوميّة والوطنيّة وإيمانها بدولة القانون واعتبار نفسها جزءاً أساسيّاً من نسيج الوطن لها حقوق وعليها واجبات، وأن المواطنة بالنسبة لها هي المخرج الوحيد لخروجها من مازق الأقليات أو أهل الذمّة الذي يتبناه دعاة المشروع الإسلامي السياسي الرافض للآخر من جهة ثانية. وما جرى ويجري اليوم تحت مظلة ما سمي بثورات الربيع العربي من ممارسة مشينة من قبل الإسلاميين المتزمتين (السلفيين) بحق الأقليات الدينيّة يثبت ذلك.

وهذه الدعوة السياسية التي كانت تنادي بربط الدين بالسياسة (الدولة) مع نهاية القرن التاسع عشر، كان عبد الرحمن الكواكبي أكثر قدرة آنذاك على فهم مسألة الدين وخطورة اللعب على وتره، وخاصة في المجتمعات المتعددة الديانات والطوائف والمذاهب من فهم بعض النخب الإسلاميّة والقوميّة التي كانت تطالب بالربط ما بين العروبة والإسلام، متناسية مكوّن هام من مكونات المجتمع وهو الأقليات الدينيّة، حيث يقول عبد الرحمن الكواكبي عن خطورة اللعب على الدين، ومحاولة ربط الدين بالدولة (السياسة) في المجتمع السوري الذي ينتمي إليه: (دعونا يا هؤلاء ندبر شأننا بالفصحى ونتفاهم بالإخاء ونتواسى بالضراء ونتساوى في السراء، دعونا نتدبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط . دعونا نجتمع على كلمة سواء ألا وهي فلتحيا الأمّة، فليحيا الوطن، فلنحيا طلقاء. ).(3). . أما ساطع الحصري المفكر القوميّ الأصيل الذي يعتبر المنظر الأكثر اهتماماً وعمقاً في الفكر القومي على الساحة العربيّة في القرن العشرين فيقول حول مسألة ربط العروبة بالإسلام: ( إن الأبحاث التي نشرتها في مؤلفاتي المختلفة، أظهرت إلى العيان وبأجلى المظاهر وأجلها، الدور العظيم المنقطع النظير الذي قام به ظهور الدين الإسلامي في تكوين الأمّة العربيّة وتوسيع نطاق العروبة، وترسيخ كيان بنيانها، وتشديد مقاومتها للتجزئة التي عصفت بها، ومع ذلك لم تر تلك الأبحاث مجالاً ولا لزوماً لاعتبار الدين من المقومات الأساسيّة للقوميّة العربيّة.). (4). هذا في الوقت الذي نجد فيه مفكراً إسلاميّاً مرموقاً في سورية وله حضوته ومكانته في الدولة السوريّة، وهو الشيخ "محمد سعيد رمضان البوطي"، يقف ضد العلمانيّة بعد مئة عام من مقولة الكواكبي السوريّ حول هذه العلمانيّة في كتابه (العقيدة الإسلاميّة والفكر المعاصر)، وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق: حيث يقول البوطي: (أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد، والأحكام التي تضبط  شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها، فإن حجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته، ففي ذلك تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه...). (5). ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانيّة ضمناً، ويتقربون إلى الإسلام قولاً، قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين -  بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.) (6)، بل هو لم يتوان أمام اعتبار الإسلام بداية ونهاية كل شيء، ويدفعه هذا الاعتقاد إلى نزع الأخلاق عن العرب قبل الإسلام وعن العروبيين المعاصرين كما ذكر في إحدى حلقاته التي تبث على قنوات التلفاز السوري وهي بعنوان، (لا يغير الله بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)  حيث يقول: (إن العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام، وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.).

ملاحظة: تأتي برأيي أهمية الربط بين العروبة والإسلام كحالة حضاريّة في حالة واحدة وهي: الرد على بعض القوى الشعوبيّة التي تريد تجريد العرب من دورهم في الحضارة العربيّة الإسلاميّة بشكل عام، ومن أن الرسول وذريته لا ينتمون إلى العرب بشكل خاص.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

..................................

1- (أميل توما – الحركات الاجتماعية في الإسلام- ص154- مرجع سابق).

2- (المرجع نفسه- ص154).

3- ( المرجع ذاته ص 155).

4- (زهير توفيق- أديب اسحق مثقف نهضوي مختلف- المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت -2003 – ص153).

5- د. محمد سعيد رمضان البوطي.(العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر) . وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق. ص 248

6- د. محمد سعيد رمضان البوطي.(العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر) . المرجع نفسه. ص 248

 

سامي عبد العالكثيرةٌ هي الشعارات التي رفعتها الجماعات والتنظيمات الدينية وبعض الأحزاب والكتل السياسية ذات التوجهات الإسلامية، مثل (الإسلام هو الحل) و(تطبيق الشريعة) و(مجتمع الحرية والعدالة)، بل أطلقوا على بعض البرامج والأحزاب السياسية أحياناً (النهضة والتنمية). ولو نلاحظ بدقة، سنجد أن الأوصفات تستحضر أفاق الحداثة وتغازل عصرّنة الحياة السياسية وتغري بالانخراط في التطورات الراهنة للأنظمة والدول والمجتمعات. والشعار في إطار الأيديولوجيا اللاهوتية المسيّسة ليس عبارة لغوية، ولكنه (كيان حي بحسب اعتقاد أصحابه) ينمو ويسعى ويتوالد داخل الإحساس والوجدان والعقول خالعين عليه صفات القداسة والعلو.

ولذلك يأتي التساؤل الطافح بالمفاجأة: كيف يسير هذا الشعار الإسلامي المؤدلج أوذاك وسط معطيات حداثية حتى النخاع؟! فمفاهيم الدولة الراهنة وآلياتها ومؤسساتها التشريعية والضبطية والقضائية هي نتاج الحداثة، وتفترض بنيتها أنها لا تتعامل مع الإنسان إلاَّ بمعناه الحديث (ذات وجسد وإرادة حرة - أي مواطن)، ولذلك يصعب قبول هذا النتاج (محض قبول) دون قبول (تراثه التنويري الحديث) بالتبعية أوعلى الأقل مراوغته والاشتباك معه فكرياً وحياتياً. وأنَّ الإنسان لن يمر سياسياً ليكون مواطناً (في الدولة) إلاَّ بمروره سلفاً بهذا (الغربال الحديث) الذي سيجهزه وسيصقل وجوده الفاعل للمشاركة والعمل.

بمعنى أن الاسلاميين قد يدخلوا إلى مؤسسة سياسية معينة وقد يتعاملون مع آلياتها الخاصة، ولكنهم لن يدركون أنها تبتلع مواقفهم وتعاملهم على أساس (خلفياتها السياسية والفكرية هي) لا تمشياً مع (أفكارهم هم). وأنه من الصعوبة بمكان (أسلمتها Islamization) كأننا نتعامل مع كائن بشري سيغير قناعاته ومواقفه. وبالتالي لم يجد الإسلاميون بدا من التوفيق بين الحداثة وبين ما يعتقدون، وقد خاضوا معارك الفكر بين شد وجذب لإقامة نظام سياسي تحت عنوان (التنوير الاسلامي) كنوع من الموائمة مع العصر وتطوراته. أي الخروج (بنسخة معدَّلةmodified copy ) تقلل من غلواء العداء والكراهية تجاه منتجات الغرب الحديثة، لكنها في حقيقة الأمر هي نسخة غير واضحة المعالم (كائن غريب). كما أنها مفروضة عليهم بحكم الواقع الطاغي لسيادة الحضارة الغربية. ولذلك كانت تلك الفكرة بارزة الخلط بصدد (العلمانية) التي أرادوا (أسلمتها وإعادة تشغيلها) على صعيد الأيديولوجيا السياسية. فلم يعترفوا بالعلمانية كإطار عام ولم يعترفوا بكامل التنوير (لأنهما يتعارضان مع منطلقاتهم). ولكنهم  أخذوا (النصف من هنا والنصف من هناك) كما تظهر بعض الشعارات الدينية الحداثية، حتى جاء الوليد السياسي (كائناً مسخاً) تحت قهر الواقع.

العلمانية المؤمنة

زحف التنوير المزيّف إلى (عقول الإسلاميين) من باب السياسة والإقتصاد ومواقف الحياة العامة والتقنيات ووسائط التواصل في (شكل هجين ومشوّه). وبتنا نسمع مقولات أيديولوجية مرحليةً من قبيل: أننا نسعى إلى (دولة علمانيّة) أو (دولة مدنيّة) أو (دولة المواطنة) في إطار إسلامي. أي الجمع بين العلمانية بإحالتها إلى (الدنيا والحياة المشتركة وتجنب الإنتماء الديني) وبين التدين السياسي وإحياء المرجعية الأخلاقية العنيفة للإسلام السياسي. وهنا لا يعوزنا الفهم المباشر لرؤية الخلط بين المقدس والدنيوي، بين النسبي والمطلق، بين الكلي والجزئي، بين الثابت والمتحول دون أدنى مشكلةٍ. بل.. وكأنَّه لا توجد أيّة مشكلات فكرية أصلاً، فالعبارات اللغوية المؤدلجة ستحل الإحراج المنطقي بين الحدود، وستغطي فجوات السياسة التي توظف الشعارات النفعية مهما تكن واضحة التمزُق.

لأول وهلةٍ سترتدي العلمانية في شرقنا العربي الإسلامي (جلباباً وعباءة فضفاضة) وتطلق لحيتها وتلبس حذاءً شرقياً تخلعه عند كل صلاةٍ وتنظفه عند أية مناسبة مقدسةٍ وتحمل سبحة واضعةً سواكاً لتخليل الأسنان في نصف جيب الجلباب المخصص لهذا الغرض وتمشي غاضةَ البصرِ ومثقلةً بالأعباء الدعوية وكيف تصبح (سمةً برانيةً ظاهرية) مع حياة المسلمين وأحزابهم السياسية وشركاتهم المالية والتجارية وعلاقاتهم مع أهل الأديان الأخرى. وعندما تتحدث هذه (العلمانية المتدينة) أمام الجماهير، سترصّع كلماتها بعبارات ونصوص وآيات وأحاديث لتثبت ما تقول بحسب القرآن والسنة وسير السلف الصالح وما إتفق عليه إجماع الأمة.

والأغرب أنْ تأتي هذه (الخلطة العجيبة) من قبل الإسلاميين بمآرب الاستحواذ على الحكم والهيمنة اللاهوتية والعملية إزاء المجتمعات وإدعاء معرفة الرُشد والصلاح والهداية لكل البشر. إذن هو الزحف (التوظيفي) لصياغة العلمانية المتدينة أو كما يُفترض أنْ تكون هي  العلمانية الشرعية (المستأنسة والمؤدبة والخجُولة والمؤمنة) في ثوبٍ عصري قشيب. بكلمات واضحةٍ، يتم التعامل مع السياسة على قاعدة(أسلمة العلمانية Islamization of Secularism) هذه المرة، وإعادة تدويرها كأحد العناصر النشطة ضمن السرديات الدينية، وإدخالها – رغم ذلك- في طور من التكوين غير مأمون العواقب إزاء المنطلقات (الفكرية والثقافية للأديان والسياسة معاً).

المهم لدى الإسلاميين خلال هذه المرحلة الراهنة كان هو (الشعور شبه المريح) بكونهم يعيشوا بجميع الأقنعة مع (مظاهر العلمانية) دون كراهيةٍ، تمهيداً للإنقضاض عليها في مرحلة لاحقة. وأنه مهما بلغت درجات التطبيع معها ومع مرجعيتها، فهناك مرحلة لن تفلت العلمانية من (الأسلمة الجزئية وإعلان دولة الخلافة أو تديينها) كما حدث مع إخوان مصر في الكواليس ومع إخوان تونس في العلن، أو أن تدخل الدولة المعلمنة بيت الطاعة تحت عصمة أمير المؤمنين(داعش العراق والشام). وتصبح هي (العلمانية المنقبة كالمرأة المنقبة) التي تسمع فتعي وتؤمر فتطيع بعدما كانت شمطاءً لعوباً تغوي المؤمنين الغافلين (الوهابية السياسية). وبالإجمال من تلك الزاوية، ليس أمام العلمانية إلاّ أنْ تنصت لصوت الشرع (سواء بالمداهنة أم بالسمع والطاعة أم بالحروب والصراعات).

بالفعل لجأ الإسلاميون إلى ذلك (النموذج العلماني- الإسلامي) تحت ضغوط الحياة الكونية الراهنة التي أنتجها الغرب وباتت واسعة الإنتشار في أرجاء المعمورة وأمست مطبقة سياسياً خارج بيئتها الخاصة. وتم ذلك أيضا بفضل إخفاق الإسلاميين في التعايش مع الأحداث السياسية بمنطقها التاريخي، لا نتيجة تطور تلقائي للنموذج العلماني المتدين ولا بفضل جهود إبداعية ومنتجة في فهم العالم وتطوير المعارف والحياة والإنسان.

يمكن تأكيد أبرز الأفكار وراء هذا النموذج كالتالي:

أولاً: ظهر الإسلاميون متأخرين عن الحياة الراهنة منذ قرون (كأنهم قد حطوا رحالهم الآن من عصور ماضوية غابرة). وضُح ذلك جلياً عندما جلسوا على كراسي السلطة بعد أحداث الربيع العربي. كانوا غرباء إلى حد الوضوح، لا يدركون كيف تعمل أجهزة السلطة. ليس لقصور في المعرفة فقط، بل لأنَّ (جنس المعرفة نفسه) مختلف تماماً، وأنَّ السلطة التي وصلوا إليها تستند إلى آليات ومفاهيم علمانية لم يكن ليبلغوها دون تلك المفاهيم وكيفية إدارتها في الواقع.

ثانياً: عجز الإسلاميون عن فهم خطابات الجماهير الغفيرة والمتباينة أشد التباين. وهذا ليس راجعاً بالمثل لقلة الحيلة ولا إلى اختفاء اللغة المشتركة بينهم، ولكن لأنَّ نظام الجماهير الحُرة والقابلة للمواطنة ينتسب إلى نظام جذري (مختلف برمته) عن لاهوت السلطة لدى الإسلاميون. ولذلك عندما كانت الجماهير تطالب بحقوق سياسيةٍ، كانوا يستحضرون تراث السياسة المدنية وممارسة الثورة من باب سد الذرائع ليس أكثر. وذلك إجمالاً لا محل له من الإعراب في ذهنية الحاكم كأمير لهذه الجماعة أو تلك.

ثالثاً: أدرك الإسلاميون أنهم مكتوفو الأيدي أمام (ترسانة الدولة الوطنية) التي ورثوها مع تولي مقاليد الحكم (كما حدث مع إخوان مصر وأخوان تونس)، وأنها ترسانة عصية على الإحتواء والتفكك (أطلقوا على كيانها الغريب الدولة العميقة). وهي عميقة لكونها تحمل أفكاراً ومعطيات تاريخية لا تنقلب بين ليلة وضحاها (ويستحيل أسلمتها) بمجرد تولي السلطة.

رابعاً: فجأة إكتشف الإسلاميون وجود حالاتٍ من التعددية الدينية والتنوع الثقافي في المجتمعات العربية الإسلامية، ولم يعروفوا ماذا هم فاعلون بصددها؟ كيف يسمحون للآخر بالتعبير عن نفسه، في الوقت الذي ارتفعت فيه الأصوات للمطالبة بتحديد الموقف من أهل الأديان الأخرى وحقوق المواطنة والتعايش وتداول السلطة والديمقراطية.

خامساً: جاءت عبارة العلمانية المتدينة (دولة علمانية في إطار إسلامي) كنوعٍ من تهدئة الهواجس لدى الإسلاميين أنفسهم قبل غيرهم أحياناً. فهي عبارة من قبيل العبارات المعسولة (والمحلاة بمذاق العصر) لإبتلاع (الدواء السياسي المُر)، وهي كذلك محاولة للتعايش (على مضض) مع مفردات الحضارة والسياسات المدنية التي أنتجتها. وبالمثل قبلوا العلمانية، لكي يكونوا متسقين أمام أتباعهم على المقاعد الوثيرة وأمام القاعدة العامة من مواطني الدول.

سادساً: أُطلقت عبارة (العلمانية المؤمنة) لتحسين (لتجميل) صورة الإسلام السياسي أمام العالم الخارجي وأنَّ جماعاته تستطيع تولي السلطة (هذا الغول والبعبع التاريخي المخيف) في دول إقليميلة وبآليات الأنظمة السياسية الموجودة في العالم الحر. مع التأكيد على أنهم لا يعلمون تاريخ هذه السلطة ولا صورة العالم الخارجي وتطوراته. فهم غالباً ما يزجُّوا بأنفسهم في هكذا مواقع تاركين الأحوال تجري على أعنتها حتى ولو إلى غير مآل.

تراث الصراع

مع العلم بأنَّ الاسلاميين تاريخياً كانوا يميزون بين (العلمانية السياسية والحكم الإسلامي) بموجب أنهما طرفان متنافران تنافر الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية التي عبر عنها  كل طرف تجاه الآخر وأثبتتها الأيام والأحداث. تاريخياً، لم تكن هناك علاقة إبتداء بين (الدول العلمانية والأنظمة الإسلامية) قبل العصور الحديثة، لكونها كانت واضحة الصراع والتشوهات والحروب، سواء أكانت الحروب الصليبية أم حروب الدولة الإسلامية تجاه بعض القوى الغربية بشعارات الجهاد.

ولم يكن سؤال الإلتقاء بين الشرق والغرب مطروحاً من الأساس، نظراً لتمايز الثقافتين تمايزاً جغرافياً (الشرق – الغرب) وتاريخياً (التراث الاسلامي والتراث اليهودي المسيحي) وفكرياً في ظل وجود نظامين فكريين وثقافيين حول العالم والحياة (نمط الحياة الشرقية – نمط الحياة الغربية).  ولعل ذلك كان وراداً في المقولة الشهيرة للشاعر الإنجليزي روديارد كبلنج  Rudyard Kipling(الغرب غرب.. والشرق شرق.. ولن يلتقيا أبداً). وقد ثمّن الاسلاميون هذه المقولة البارزة في كل الأدبيات والخطابات الجماهيرية والخاصة تحت بند (وشهد شاهدٌ من أهلها)... ولسان حالهم يردد: أفلم نقل لكم أيها المسلمين ذلك مراراً وتكراراً؟! وألم يكن ذلك توجهنا منذ أمد بعيد وهاهي المقولة تثبت الفكرة؟!

وحالما تمَّ إعلان سقوط الخلافة العثمانية في بداية القرن العشرين، حضرت الثقافة الأوربية إلى معاقل الإسلام في الشرق عن طريق الإستعمار وتم اجتياح الدول الشرقية ونهب ثرواتها. ولقد حدثت صدمات حضارية كبيرة، ولأول سابقة تقريباً في العصر الراهن جرى رؤية العلمانيين الأوروبيين (الجنود والقيادات وعلماء الحملات العسكرية) مترجلين وجهاً لوجه وكيف يعيشون وما لديهم من تقنيات حربية وعلمية متقدمة في مقابل الأدوات البدائية للشرقيين أثناء مقاومة جيوش الدول الإستعمارية (انجلترا وفرنسا تحديداً) كما جرى بمصر شمال أفريقيا. ولذلك سعت الدول الغربية مثل فرنسا إلى فك الشفرات الحضارية للتاريخ المصري وتوغلت في دراسة الجوانب الاجتماعية والفنون والعادات والتقاليد (كتاب وصف مصر).

ثم كان تأسيس الدول الوطنية- بعد إجلاء الإستعمار- إيذانا بدخول الصراع بين الدول العلمانية والدولة الإسلامية حلبة الصراع القائم على (لعبة المؤامرات والإقصاء). بمعنى أنَّ الإسلاميين كانوا يؤرخوا لهذه المرحلة عن كثب، ليس بمنطق التحرر الوطني والدفاع عن الإنسان وبناء المجتمعات، بل لكون (كيان الدولة state entity) قد انحرف عن طريق الخلافة، وأنّها لم تكن دولة وطنية بالمرة طالما لم تعد إسلامية. فعلى الرغم من إجلاء الاستعمار إلاَّ أن أنظمة الدول الإسلامية باتت خاضعة لدول الغرب وأخذت تبحث عن موضع لأقدامها الحائرة تحت مظلتها في العالم. وأنَّ تحديث المجتمعات العربية التي رفعتها (الثورات الوطنية والقومية) إنما جلبت نماذج لأنظمة علمانية منحرفة عن جادة الشريعة ومنبتة الصلة عن تراث الخلافة الإسلامية.

ولذلك حرص الإسلاميون تباعاً على محاربة أنظمة الدول القومية باعتبارها (دولة إستعمار) من نوع آخر، الاستعمار المحلي الذي يمارس الألعاب والحاكمية المادية المنحرفة عن توحيد الربوبية والألوهية(أي الشريعة والدين). وليس هذا فقط، لكنهم أتهموا كيان الدولة نفسه بالمؤامرات على الإسلام معتبربن أنَّها جاءت لتنفذ أجندات أجنبية ولتحل محل الغرب في قيادة المسلمين إلى أهدافها الخبيثة. وتنامت لدى الإسلاميين كراهية كل ما يأتي من الغرب، سواء أكان من جهة العلوم والمعارف والتقنيات وبرامج المؤسسات أم حتى من زاوية خبراء العسكرية والحروب الذين تولوا تدريب وإعداد بعض الجيوش العربية (روسيا مع سوريا ومصر).

بالمقابل أخذت أنظمة الدول القومية في رفع (شعارات شعبوية) مثل نعرات التحرر والإنتاج والنهوض ونفي التبعية، وأخذت تلك الأنظمة تلاحق الإسلاميين  بوصفهم خطراً على كيان الدولة وباتت المؤامرات والمؤامرات المضادة هي اللغة السائدة، الأنظمة تتأمر على الإسلام بينما الإسلاميون يتأمرون على الأنظمة. وفي غير حالة حدث ملاحقات ومطاردات بين الطرفين في السجون وفي الساحات العامة. وكذلك باتت (العلمانية ومرجعياتها) هي ردهة الصراعات الخلفية والأمامية على السواء. وكان الإقصاء هو مصير الجماعات الدينية التي أخذت طريقها السياسي قرباً أو بعداً من الأنظمة المتعاقية على الدول العربية تبعاً للمواقف من العلمانية.

ونظراً لأنَّ الاسلاميين لم يجدوا مكاناً سياسيا لهم طوال القرن العشرين، فقد أوغلوا في لغة التكفير المعاصر وإراقة الدماء وأصدروا خطابات الأستحلال للدولة والآخر الديني، وبخاصة مع ظهور جماعات العنف الديني المادي (التكفير والهجرة والناجون من النار وجماعة الجهاد والقاعدة وداعش والسلفية الجهادية). وفي الأثناء أطلق منظرو الإسلام السياسي مصطلح (العلمانية الملحدة  atheistic secularism) على حالة السياسات المعاصرة. واعتبر تنظيم الدواعش والسلفية الجهادية أنَّ الدولة العربية(ناهيك عن الدولة الغربية) هي تجسيد للعلمانية غير المؤمنة الفاجرة. وليس هذا وحسب، بل أعلنت  تلك العلمانية الحرب الضروس على الإسلام. وبالتالي صدرت الفتاوي بمحاربة العلمانية المتدثرة بعباءة الدولة ووجودها المادي(الجيش والشرطة والمؤسات السيادية).

وهنا تمَّ خلط (مساحة الدولة) التي يجب أن تكون (هي المحايدة) بفكرة التكفير، وكان الأخيرُ هو السلاح الرمزي المشّهر إزاء كل الأنظمة السياسية. فالحل الوحيد من وجهة نظر هؤلاء الإسلاميين أو أولئك كان هو التخلص من العلمانية بالتكفير، كما طرحت جماعات الاسلام السياسي في منتصف القرن الماضي حتى وقت قريب. وانتشر الإرهاب والتفجيرات المدمرة في مجتمعات علمانية وإسلامية، وكذلك رأينا تخليق ظاهرة التكفير في هيئة دولة الدواعش معممة بالخلافة ومحصنة بالمجاهدين من كل حدب وصوب.

ولكن عندما نجح بعض الاسلاميين في الوصول إلى الحكم (إخوان مصر)، إنقلب التكفير إلى تطويق العلمانية وإعتبارها جزء من الحياة المكره عليها الإسلامي، وأن الضرورات (غلبة العلمانية مع الخوف من فشل الحكم الوليد لتوّه) تبيح المحظورات (التعايش مع الآخر اللاديني أو الآخر الديني: الملحد والكافر).

لقد تم غمس العلمانية في بئر التوظيف الأيديولوجي للإسلاميين، فخرجت من فورها علمانية طائعة تسمع الآذان في المؤسسات التشريعية (حالة السلفيين في البرلمان المصري) دون أدنى تذمر. وتقبل أن يرتدي المسئولون جلباباً شعبياً متخلين عن الزي الرسمي لإدارة المؤسسة أو لإدارة المنصب العمومي دون ململة. وحل الإسلاميون مكان العلمانيين في مواقع الحكم مستخدمين أدوات علمانية مثل البرلمان والديمقراطية والتصويت ودراسة الجدوى من غير الرجوع إلى أولى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتم رسم خطط مستقبلية دون حساسية من التحدث عن الغيب السياسي وماذا سيجري في الغد.

 

سامي عبد العال