محمد تقي جونسبق نشر حلقة بهذا العنوان في صحيفة المثقف الغراء، وأعيد نشرها مدققة بعد ورود أخطاء فيها، وذلك احقاقا للحق وتثبيتا للحقيقة.


 التنقل وليس الهجرة

لا نقول (هاجر) الفيليون إلى العراق، بل نقول (وُجد) الفيليون في العراق أصلاً؛ لأن مناطقهم قبل الترسيم هي نفسها مناطقهم قبل التاريخ. وهذه الحقيقة يجب أن تكون مسلَّماً بها من قبل الدولة العراقية، وعموم الشعب العراقي، ولدى الباحثين في القضية الفيلية.

وعلى هذا الأساس عاشوا ملوكاً في الدولة الميدية التي استمرت قروناً، وعاشوا سُوقة بمعية الدول الدائلة منهم قبل التاريخ وبعده، وبعد الفتح، وفي الدول الإسلامية المتعاقبة. ولم يخلُ منهم مكان بارز في تلك الدول في الجيش أو الإدارة أو في أعمال حياتية مختلفة؛ لأن الشخصية الفيلية القوية والمفكرة تحتم أن تكون لهم أهمية سواء في المركز الأول أو المراكز التالية.

وفي كلتا الحالتين لا يعدّ انتقال الكرد الفيليين في مناطقهم (هجرة)؛ لأن الهجرة: (ترك الوطن)(2)، فليس من الدقة القول: إنهم هاجروا من؟ شتكو إلى حوض دجلة، بل يقال (تنقلوا) لأنهم في مناطقهم وليسوا خارجها.

انحصر تنقل الفيليين من؟شتكو إلى المدن الحدودية التابعة لها والمدن العراقية في المدة قبل 1929م وهو العام الذي سقطت فيه ولاية؟شتكو بيد الشاه، وفي هذا العام شطرت اراضي هذه الولاية فأخرجت منها بدرة وزرباطية وعلي الغربي وباكساية وغيرها، وكانت باكسايا من أملاك حاكم؟شتكو غلام رضا خان الشخصية! وعلى هذا الأساس كان تنقل الفيليين ضمن أراضيهم التي ورثوها جيلا عن جيل. وجاء في الوثائق أن الدولة العراقية الى عام 1929 لم تمنح سكان المناطق الحدودية كبدرة وزرباطية جناسي عراقية. وهذا يؤكد ان هذه المناطق الى حد هذا التاريخ لم تكن ضمن اراضي العراق بل ضمن اراضي ولاية پشت؟و. ويزيد في التأكيد ان الحكومة الايرانية أخذت تبعث مسجلين الى هذه المناطق لمنحهم الجنسية الايرانية، الا ان اقرار ترسيم الحدود وضم هذه المدن الحدودية الى العراق أوقف هذا الاجراء.

أما بعد عام 1929م فلم يحدث غير حالات تسلل بهدف العمل أو الزيارة، وهذه الحالات لا تسمى انتقالا بعد أن أقيم فاصل دولي، فالفيلي الذي يعبر هذا الفاصل الدولي سيعد مهاجراً بالفعل..ولذا فان تهجير الفيليين الذين سكنوا العراق منذ مئات السنين الى قبل عام 1929 يعدّ جريمة دولية لأنهم مواطنون ولا يحق للدولة طرد مواطنيها أو إسقاط الجنسية عنهم. ويجب أن يعدّ الفيليون عراقيين بلا تشكيك أو تقليل في العراقية والعراقة.

أسباب التنقل

أول العوامل التي وقفت وراء تنقل الفيليين (العوامل الاقتصادية). ويعدّ الرعي فالزراعة المهنتين الرئيستين للكرد في پشتكو، ورعي الأغنام عندهم منظم – كغالبية الكرد-على أساس الاستقرار(3)، وهذا يعني وجود (علوات) كبيرة للأغنام يزودها الرعاة المستقرون والجوالون بما يحتاجونه من الأغنام. وكان الفيليون العراقيون (الغنامة) في الربع الأول من القرن الماضي يذهبون إلى مناطقهم الجبلية في (؟شتكو) لشراء كميات كبيرة من الأغنام بسعر الجملة وبيعها في الكوت والعمارة وغيرها من المدن العراقية مستفيدين من الفارق الجيد في السعر. وبمرور الوقت استقر في المدن العراقية القريبة فيليون يبيعون ويشترون بالحلال.

وكان الفيلي النازح الكثير الأغنام والأبقار ينزل على الأحياء العربية فيتلقاه العرب بالاحترام والتقدير لرفده إياهم بثرائه المادي. وكانت قرية (الغْرَيبه) في شيخ سعد قد احتضنت فيليين أثرياء (أصحاب حلال) وأعطتهم مكانة بارزة بين رجالها وشيوخها مثل (سعد الله) و(قيرمان) من عشيرة (گه‌له‌ي) وحظيت عائلتهما بمنزلة عالية واحترام كبير من الشيخ والناس على السواء.

أما بالنسبة للزراعة فأراضي الفيليين خصبه تدر الخير الوفير، وقد اتخذها العباسيون مصيفاً لخلفائهم وأمرائهم، ولاسيما؟شتكو (ماسبذان). إلا أن قسوة البرد وتغطية مساحات واسعة منها بالثلوج شتاءً، جعل الفيليين يتخذون من الأراضي العراقية المتاخمة مشاتي موسمية لهم يزرعون فيها أو يرعون أو يبحثون عن أبواب رزق أخرى، وبمرور الوقت استوطن الكثير من النازحين في المدن الحدودية وداخل المدن العراقية الكبيرة. فضلا عن أن الكثيرين في پشتكو تركوا أراضيهم أو استأجروها واشتغلوا في بيع وشراء المواشي.

إلا أن الفقر يعدّ سمة عامة للشعب الفيلي في؟شتكو، وهذا جعلهم يتطلعون باستمرار إلى مناطق حوض دجلة الأكثر دفئاً ورفاهية عيش. وبالفعل كان الفيليون يتداولون اسم العراق قليلا واسم (گه‌رمسير) كثيراً. و(گه‌رمسير) تعني (گه‌رم) و(سير) (گه‌رم: دفء/ سِير: شبع)(4) أي: أرض الدفء والشبع. وإذ كانت مناطقهم الجبلية محدودة الرزق فبالمقابل كانت المدن العراقية تهيئ فرص رزق كثيرة وكبيرة، ولاسيما أن الدولة العراقية تفتح مشاريع تحتاج إلى عملة كبناء السدود والمؤسسات والمعامل وغيرها، والفيليون أقرب إلى مدن العراق منهم إلى مدن إيران الكبيرة ولاسيما طهران العاصمة فضلا عن الاضطرابات الكثيرة فيها، لذا كانوا ينخرطون في العمل بها.

وفضلا عن استثمارات الدولة هناك استثمارات يهيئها العمل الحر ولاسيما لدى الشيوخ والمتنفذين مثل الشيخ بلاسم الياسين وأخيه عبد الله، اذ كانت أراضي الشيوخ تستعمل الفيليين بوصفهم حمالين أو مهرة أو مهنيين أو سقاة وكان لهؤلاء ماطورات لنقل الماء من النهر إلى الأراضي الزراعية وهي الطريقة الأكثر شهرة. كما عملوا لدى التجار الكبار وأصحاب المعامل، وبعض هؤلاء فيليون مثل (شانه) التي كانت تملك معملا ضخماً لغزل الصوف ونسج البسط (السياييد) وبيوت الشعر (الفلي) وكذلك مصبغة كبيرة، ويعمل عندها العرب والفيليون، وكانت بحكم كونها فيلية تبرُّ الفيليين وتحتضنهم.

ويقوم الفيليون بمهن كثيرة يحصرها بعضهم بكل المهن عدا الزراعة للعرب. ومن المهن التي اشتهروا بها الوزانة اذ يوزن المحصول النهائي قبل نقله إلى السوق واشتهرت عائلة ولقب (الوزان) بين الفيليين. واشتهروا بنسج البسط في بيوتهم، وبمهن أخرى كانت في محصلتها تستقطب الفيليين وتهيئ لهم الرزق الجيد وتمنحهم الرغبة في البقاء.

والى جنب الحاصلين على الإقامة، كان يفد إلى العراق بحثاً عن الرزق وفرص عيش أفضل فيليون متسللون لهم أقارب أو أصدقاء في العراق للأسباب نفسها. وهؤلاء يدخلون ويخرجون بطريقة غير مشروعة (قـجق)، وكانت توجد فئة تعمل دليلا للمتسللين عبر الحدود بين الأراضي الإيرانية والعراقية؛ لأنهم يعرفون الطرق الأمينة والمختصرة عبر الجبال والوهاد والسهول، ويحملون بنادق لحماية العابرين من الحيوانات الكاسرة. وهذه الفئة التي لم ترد الاستقرار في العراق ولم تأبه لحقيقة ترسيم الحدود وقيام دولة عراقية وإصدار جنسية تحدد المواطنة والمواطنين، صارت عبئاً على حق الفيليين العراقيين في قضية اعتراف الدولة العراقية بولائهم، وبهؤلاء يتحمل الفيليون جزءاً من المشكلة وتعقيد حلها.

وليس هؤلاء الفيليون وحدهم كانوا يأتون إلى العراق، بل الفرس أيضاً كانوا يأتون لزيارة أضرحة أهل البيت ودفن موتاهم في مقبرة النجف والعمل ايضاً، ومنهم من استوطن هذه المدن المقدسة وهو سبب شيوع اللغة الفارسية فيها. كما استوطنوا مدناً أخرى كالكوت والعمارة وعلي الغربي. وأشهر مدينة نزحوا منها (ديزفول) والنسبة إليها (ديزفولي) والعراقيون ينطقونها (دسپولي) والجمع (دسابلة). وقد عانى هؤلاء معاناة الفيليين نفسها وهي محنة الانتماء إذ عدوا من التبعية ومنحوا الجنسية نفسها، وجُندوا كالفيليين في لواء الأفاعي الثلاث (444). ومؤهلات الفيلي وعقليته الكبيرة جعلته لا يبقى على حاله بل يتطور ليجلس في قمة الهرم الاقتصادي للبلد، ومثلما اشتهر الحمال الفيلي مؤشراً تميزه بالقوة الجسدية، اشتهر التاجر الفيلي مؤشراً تميزه بالقوة العقلية، وهكذا اخذوا مواقع الصدارة في جميلة والشورجة وفي النجف وكربلاء والموصل والبصرة فكانوا التجار والأثرياء في أماكنهم تلك، وقد طال هؤلاء التهجير قبل غيرهم وكانوا احد أسبابه لان مصير البلد الاقتصادي صار بأيديهم.

كما أنَّ إحساسهم بعراقيتهم وميراث التحدي والبطولة دفعهم إلى الوصول إلى مهن علمية حضارية شريفة، فانخرطوا في الدراسة وأثبتوا تفوقهم ليتخرجوا مهندسين وأطباء ومحامين وشعراء ومفكرين وفي كل مجال علمي.

السبب الثاني الذي لا يقلُّ قوة، وربما وازى الأول أو تفوق عليه، هو رغبتهم الشديدة في مجاورة الإمام علي () أحياءً وأمواتاً، وهم يطلقون عليه اسم (أ؟غـ؟) التي تقابل (آغا) الفارسية وتعني: السيد، إلا أن أ؟غـ؟ بالإطلاق تعني الإمام علي، وتعني أيضاً (قرب الإمام) و(مقبرة النجف). وقد نقل عن أحدهم قوله (نيلم صخولام بميني؟ير؟ردلا.. بچم؟ لاي أ؟غـ؟ = لا أترك عظامي تدفن تحت الصخور بل أذهب إلى النجف قرب الإمام علي).

ويجب أن يؤخذ بنظر الاعتبار جداً أنهم متميزون باعتقادهم بالإمام علي، وخير دليل على ذلك أنهم لا يكتفون بالتسمية باسمه: (علي)، (عبد علي)، (ولي)، بل يضيفونه إلى كل شيء (سه‌وزه‌لي= أخضر علي)، (گه‌نجلي= شباب علي)، السبب الثالث ظلم الولاة في؟شتكو وإثقال الفيليين بالضرائب، ولاسيما حسين قلي خان الذي عرف بقسوته وثقل ضرائبه، وقد لقب بألقاب كثيرة تبين ذلك منها: أبو قداره لخشونته، وأمير التومان لجمعه الضرائب العالية من الناس وإرسالها إلى خزينة الحكومة(6). وقد ذكر المرحوم (راضي الطباطبائي) في كتابه المخطوط (تاريخ الكوت وعشائره في الغابر والحاضر)، في أحداث عام 1273هـ/ 1857م: " نزح عدد غير قليل من جبل؟شتكو العائد لحسين قلي خان، وأخص بالذكر عشيرة نو؟ه‌ر نازر، وكلهر، وكاور، وباوات. ويقال: إن سبب نزوحهم هو فرارهم من حاشية حسين قلي خان. واهم العشائر التي اتخذت الكوت وطناً لها عشيرتا (نو؟ه‌ر نازر) و(قدبي= قطبي). ويضيف الطباطبائي: " وقد ازدهرت الكوت بهم في ذلك العصر إذ كانت لهم مهن يحسنونها مثل: الحياكة والحدادة وهما أهم طرق العيش؛ لأن أهل الكوت لا يفهمون طرق الصناعة فأكثرهم في حالة بداوة، فقام الفيليون بنشر مصنوعاتهم وباعوها بأبخس الأثمان. وأهم مصنوعاتهم: صناعة البسط، والعباءات، والأغطية والمنسوجات الأخرى للفرش، كما كانوا يحسنون صنع الآلات الزراعية كالمحراث والمنجل، والمسحاة وغيرها. وبعد مضي مدة من الزمن أصبحوا يزاحمون أهلها في التجارة فكانوا من الوجاهة بمكان(7).

ويضيف شاميليون على ذلك أن التجار عقَّدوا الوضع إذ كانوا يجبرون الحرفيين الماهرين في المدن الصغيرة على العمل من أجلهم، مما جعلهم يفرون من أراضيهم إلى أراض وبلدان بديلة(8)، وقد كان أكثر الفارين إلى المدن العراقية من فيليي الجبل أصحاب الحرف.

والسبب الرابع سياسي يعود إلى مرحلة ما بعد الولاة الفيليين، ففي عام 1929 استحوذ الشاه رضا بهلوي على أراضي الفيليين وجعلها تحت سلطة جباة وعمال فاسدين فأضافوا إلى الضرائب الباهظة الظلم السافر للرعية، مما دفع الفيليين الى القيام بسلسلة من الثورات ضدهم كثورة قدم خير في لرستان وشامحمد ياري المعروف بـ(شامگه) في پشتكو (ايلام) عام 1929. وقد أعقب ذلك حملة تنكيل وقتل وتشريد وإطلاق يد، وبالتالي هرب الكثيرون إلى أقربائهم في مناطق حوض دجلة.

ولمَّا كانت الأرض مفتوحة، فليس يشغل بال الكردي الفيلي سوى عناء المسافة المقطوعة؛ أي انه لا يضع في باله ممنوعات وسيطرات. وفي الفلكلور الكردي أغنية تحكي قصة زواج لفيلي في الكوت من فيلية في؟شتكو. وتشير الأغنية إلى انتظار الزوج موكب زوجته القادم من إيران عبر (بدرة = بـ؟ر؟ي) وهو ما كان يحدث دائماً في الماضي القريب(9).

وبهذا يتوضَّح عدم صحة مصطلح (الهجرة) وصدق مصطلح (الانتقال) عليهم؛ لأنه سفر في أراضيهم المفتوحة، وان بقيت؟شتكو الأرض الأولى أو الوطن الرمزي للفيليين الذي يزداد حبا لقلوبهم كلما ضيقوا عليهم الخناق واضطهدوهم في العراق.

 العشائر الفيلية

مرَّ في الدراسة أن لفظة الفيليين لها دلالتان: دلالة قديمة تعني المجتمع الكبير سليل الماديين الفهلويين، وهو يشمل عموم كرد جنوب غربي إيران (منطقة فهلة) والعراق العجمي، ودلالة حديثة متدرجة في تقلصها إلى كرد (پشتكو)، وقد وصلت الخصوصية درجة أن علاقة الفيليين (الپشتكويين) باللريين صارت محط جدل، وقد أكد لي الدكتور (طيِّب أفشار) نائب محافظ إيلام: أن الفيليين لا يمتون بصلة إلى اللر على الرغم من الجامع الكردي بينهما، وان التقسيم على (لر كبير) و(لر صغير = پشتكو) تقسيم سياسي لا أصولي ونحن نرفضه رفضاً قاطعاً، وترجاني أن أوضح هذا الأمر في كتابي. وبهذا سيكون عندنا ازدواج أو ازدواجان في دلالة الفيلية وهو: إن الأمة أو الدوحة الفيلية تشمل (لر، لك، كلهر، كوران)، بينما تعني الفيلية في إيران (اليوم) سكنة إيلام وكرمنشاه فقط. ودلالة الفيلي في العراق تجمع الفروع الأربعة كلها؛ فكل منتم إلى أي قبيلة أو عشيرة أو فخذ منها هو (فيلي) وهذا جوهر الخلاف بين فيليي إيران والعراق.

وعلى هذا الأساس فالدوحة الفيلية تتفرع إلى أربعة فروع رئيسة هي: (لر، لك، كلهر، كوران) ومنها تتوالد القبائل الفيلية، ومن القبائل تخرج الأفخاذ. وليس من اليسير ذكر أو حصر العشائر الفيلية كلها لكثرتها وصعوبة ضبطها، ولكننا نذكر الكثرة الكاثرة منها والتي توجد في العراق.

قانون الجنسية وعراقية الفيليين

عاش الكرد الفيليون في العراق منذ قبل التاريخ بوافر عراقيتهم حتى سنَّ قانون الجنسية الشاذ رقم (42) لسنة (1924). ومن المفارقات أن مناطق حدودية عراقية كانت ضمن؟شتكو آنذاك! وكان حاكم؟شتكو الفيلي (غلام رضا) - بوصفه عراقياً- أحد المرشحين الثلاثة لمملكة العراق (غلام رضا، الشيخ خزعل، فيصل بن الحسين)!!

وتتفق الآراء على أن الجاسوسة البريطانية (المس بل) تقف وراء جوهر فكرة قانون الجنسية هذا، أو بمعنى أدق تقف بريطانيا وراءه؛ فالقانون الذي أطلقته حكومة عبد الرحمن النقيب لم تقم الحكومة بسوى ترجمته من الانكليزية إلى العربية، وحاله في هذا كحال الحكومة العراقية التي صنعتها بريطانية عراقية الشكل بريطانية المضمون(13)، أو هو موروث من العهد العثماني ومطور من بريطانية المحتلة، ليكون في مصلحة الأقلية من المجتمع العراقي التي تعاونت معها وضد مصالح الأغلبية، وكان الكرد الفيلية من بين أكثر العراقيين تضررا من هذا القانون(14).

وطبقاً لقانون الجنسية البريطاني الجوهر والفكرة العراقي العرَض والتنفيذ، كانت إحصاءات السكان في العهد الملكي تسمِّي الفيليين في المدن العراقية (إيرانيين) وهي تجعلهم ضمن السكان فتعترف بأنهم ساكنون دائميون(15)! ومن عجيب الخلط، بل من خسيس الزيف أن صدام حسين عدَّ الفيليين في المناطق الحدودية كبدرة وزرباطية عراقيين أصليين، ليرسم حدوداً بشرية عراقية، وهكذا صار الفيلي (البدراوي والزرباطي) عراقيا والفيلي في الكوت وبغداد والعمارة وغيرها ايرانياً، وهي مفارقة تظهر ضحالة صدام وحقيقة وزيفه. وإمعاناً في الظلم والاضطهاد والتمييز العنصري والطائفي، كانوا يثبتون في شهادة الجنسية الممنوحة للكرد الفيليين أن والد حاملها من ولادة منطقة (پشتكو) حتى لو كان من مواليد العراق.

في دراسة ملمة ودقيقة يعرض الأستاذ (زهير كاظم عبود) لقانون الجنسية الملكي وظروفه وملابساته القانونية. ونورد اختصاراً لأهم ما كتبه في موضوع الجنسية:

من المفارقات أن قانون الجنسية صدر قبل أن يصدر القانون الأساسي للبلاد (الدستور الدائم لعام 1925)، وقد انطلق من الإدارة البريطانية ممثلة بالمندوب السامي (برسي كوكس) وممثل الإدارة البريطانية في العراق (أدمونز). وحال صدوره اعتمدته العقليات المتطرفة قوميا ومذهبياً. ووفق هذا القانون الذي تم بناء نصوصه وفقاً للتمايز المذهبي والطائفي تم أهدار نص دستوري وارد في القانون الأساس الصادر بتاريخ 6 آب  1925 حين أكد في المادة السادسة منه أنه لا فرق بين العراقيين في الحقوق أمام القانون، وإن اختلفوا في القومية والدين واللغة، إلا أنه احتاط لهذا الالتفاف حين ذكر في نص المادة الخامسة أن الجنسية العراقية تعين وتكتسب وتفقد وفقاً لأحكام قانون خاص، ويقصد به قانون الجنسية الذي بيت بقصد أن يتم استعماله خلافاً لمبدأ المساواة بين العراقيين الذين أصبحوا تحت وطأة نصوص قانون الجنسية عراقيين من التبعية العثمانية، وعراقيين من التبعية الفارسية.

و(شهادة الجنسية العراقية) صارت في العديد من الأحوال أهم وأكثر أهمية من الجنسية العراقية نفسها، وهي وثيقة لا تشابهها وثيقة أخرى في المنطقة العربية ولا في الدول الأوربية والأجنبية ، فالجنسية هي التي تحدد مواطنة الفرد وتابعيته لتلك الدولة، ولا يمكن القبول بدرجات في المواطنة ما دام المواطنون متساوين في الحقوق والواجبات في نصوص الدستور، كما لا يمكن أن تكون رابطة قانونية متعددة الدرجات لتمايز بين المواطنين في الدولة الواحدة.

وقد أورد قانون الجنسية نصاً في المادة الثالثة يحول العثمانيين إلى عراقيين: (كل من كان في يوم 6 آب 1924 من الجنسية العثمانية وساكناً في العراق عادة، تزول عنه الجنسية العثمانية، ويعد حائزاً على الجنسية العراقية في التأريخ المذكور). وفي العام 1932 تم تعديل نص المادة الثامنة من قانون الجنسية فأصبح (كل من ولد في العراق وبلغ سن الرشد، إن كان والده مولوداً في العراق وكان مقيماً فيه عادة حين ولادة ابنه على أن لا تطبق هذه الفقرة على الشخص الذي ولد قبل 6 آب 1924 وكان تأريخ بلوغه سن الرشد من رعايا تركيا، أو دولة انسلخت عن تركيا بموجب معاهدة لوزان المؤرخة في 24 تموز 1924).

وفي عام 1963 أصدر البعثيون قانوناً جديداً للجنسية برقم 43 لسنة 63، تم فيه إدخال قيود أخرى على منح الجنسية وسحبها مع تأكيد شهادة الجنسية العراقية واعتبارها الفيصل في مدى وطنية ومواطنة العراقي، بل صارت شهادة الجنسية شرطاً أساسيا من شروط التعيين والعمل والدراسة والسفر والعديد من الحقوق والمعاملات التي تهم المواطن العراقي. وذكر الاستاذ صالح الطائي أن في زمن عبد السلام عارف شاعت قصيدة تدعو المواطنين الى الحصول على الشهادة العثمانية بكل الوسائل لضمان العيش بسلام واطمئنان، يقول أحد مقاطعها:

واسمعْ بعد هذا الخبر         أصل العرب عثماني

عدنان بلبل لو رطن            يحسن التركستاني

دور وثيقة تأيدك تركي        الأصل عثماني

تصبح من أقطاب العرب       وتصيح يا قوميتي

مستاهل وحيل وياي           ما عدلت جنسيتي

 ولحق القانون المذكور تعديلات عديدة من السلطات التي تعاقبت على حكم العراق والمتسمة بالشمولية والشوفينية تؤكد حرصها على تكريس مبدأ استعمال شهادة الجنسية على العراقي، ومنحَ القانون السلطة التنفيذية صلاحية إسقاط الجنسية العراقية عن كل عراقي لم تكن عائلته ساكنة العراق بشكل اعتيادي قبل الحرب العالمية الأولى، إذا صدر عنه أو حاول أن يأتي عملاً تعتبره السلطة خطراً على أمنها وسلامتها، كما سلب القانون المذكور سلطة القضاء العراقي في ولايته العامة ورقابته على قرارات وأوامر وتعليمات السلطة التنفيذية، كما جاءت المادة (20) لتفضح الرغبة العارمة والدفينة في خرق حقوق الإنسان وما تبيته السلطات الحاقدة بحق العراقيين، من إسقاط جميع الحقوق القانونية عن المشمولين بالقانون، فضلا عن سحب جميع الوثائق التي تثبت عراقيتهم(16).

ولم يقم عبد الكريم قاسم، المحبوب جداً من الفيليين، بإبدال الجنسية العوراء بجنسية مبصرة سوى نيته الطيبة والنوايا الطيبة لا تبني روما. بل انه أكد تبعية الفيليين الأجنبية بصورة غير مباشرة بمنحه إياهم (شهادة التجنس) فمعروف ببداهة أن التجنس يعني منح الجنسية للأجنبي وهو غير منح الجنسية للمواطن الاعتيادي فأشرهم لمن يأتي بعده!! وحين جاء عبد السلام استمرَّ في التهجير.

وبعد سقوط صدام أعيدت الجنسية إلى الفيليين المسقطة عنهم، وصاروا يعطونهم شهادة جنسية صنف (3/أ)، وعلى الرغم من رفع الموانع أمام الفيليين في نيل الحقوق التي تخولها إياهم الجنسية العراقية مساواة بباقي العراقيين، إلا أن الكثيرين صاروا يشككون بجنسيتهم المعطاة لهم، ولاسيما مع صدور كتاب رسمي من الجنسية العامة بشأن منح الجنسية للفيليين يؤكد تأشيرهم فيليين ويسميهم (عشيرة الكرد الفيليين)، ومنح الفيليين شهادة الجنسية من شعبة الأجانب. وقد أكد التشكيك الأستاذ رياض جاسم في بحثه الموسوم (إشكالية الهوية الوطنية في الدولة العراقية الحديثة) إذ دعا إلى إلغاء نظام شهادة الجنسية، ومبدأ الرعوية على أساس التبعية، وتحديد مهام شعبة الأجانب، وترقين القيد والتجميد في مديرية الجنسية وسحب أضابير الكرد الفيليين منها ودمجها مع السجلات المدنية الأخرى، وإلغاء تعليمات وزارة الداخلية بشأن منح الجنسية للفيليين وشروطها لمخالفتها الدستور، واعتماد نظام موحد للجنسية مع استحداث البطاقة الوطنية دون ترميز عنصري أو قومي أو مذهبي(17).

وهذه صورة كتاب وزارة الداخلية/ المديرية العامة للسفر والجنسية – مديرية شؤون الجنسية إلى/ مديريات السفر والجنسية في المحافظات، بشأن منح شهادة الجنسية للكرد الفيليين:

 التهجير: بين الأسباب المحلية والدولية

يمكن ردّ جذور مشكلة التهجير القسري الذي تعرض له الكرد الفيليون إلى (المس بل) أو السياسة البريطانية، بشكل مباشر وغير مباشر حيث التقت محتمات سياسية بقضية الفيليين فكانوا قربان فداء لها. فان المجتهدين من رجال الدين الشيعة رفضوا الانتخابات التي دعا إليها الملك (فيصل الأول)، فلم يجد هذا بدَّاً من تحريك قضية (القومية العربية) فصرح بأن الذي يقاطع الانتخابات هو ضد القومية العربية(18). وقد التقى موضوع إصدار قانون الجنسية العراقية بموضوع التهجير، وكلاهما استقى من بئر الطائفية، ومن المفارقات أن العراقيين كانوا وقتها يرددون حكاية عن الملك فيصل الأول تقول إن الانكليز عندما طلبوا منه تهجير الأجانب من العراق قال باستغراب وسخرية: اذاً سأوقع على تهجيري بنفسي!! لكونه غير عراقي. وقد دشن التهجير بأول من عناهم التهجير وهم الشيعة؛ فقد هجِّر محمد مهدي الخالصي وعدد من العلماء الشيعة(19).

ويذهب الأستاذ زهير كاظم عبود إلى أن السياسة البريطانية أوجدت مشروع الجنسية لجعل التفرقة بين العراقيين قانوناً، فضلا عن انه يحد من مطالبة الكرد الفيلية والعرب من أتباع المذهب الجعفري، والذين نازلوا الاستعمار البريطاني ووقفوا بوجهه مع قياداتهم الدينية(20). وذكر الأستاذ زهير كاظم انه التقى أثناء عمله القضائي بطبيب عراقي لم يكن يحمل شهادة الجنسية العراقية، وهو من أبناء التبعية الباكستانية، ولما استوضح منه عن أسباب عدم شموله بالتهجير، أسرَّه بأنه من مذهب لا يمت للجعفرية بصلة، وقد تثبتت الجهات الأمنية من تلك المعلومات وأعفته من التهجيرات وسمحت له بممارسة عمله الوظيفي والمهني(21)!

إلا أن قانون الجنسية المسخ هذا وجد أضحيته في الكرد الفيليين، فهم شيعة وهم خط يربط إيران بالعراق، لذا قرروا إعمال سيف التهجير فيهم وتأشيرهم بعدم منحهم الجنسية الأصلية، وهجِّروا في العهد الملكي. وفي زمن المجرمين العميلين البكر وصدام تمت اكبر عمليات القلع العرقي لهم، أريد بهما التخلص الحقيقي منهم وكسر وجودهم في العراق، فمن بقي منهم بقي بلا وجود بل كالشبح لا ظل له ولا صورة. وعن منظمة السلام للكرد الفيليين انه هجَّر في عام 1970 (1.300) عائلة، وفي عام 1980 (200.000) عائلة. وتم حجز (17.000) شاب فيلي، تم إعدامهم بثلاث طرق: عمل تجارب في الطاقة النووية عليهم، وفتح طرق للألغام بهم في حرب الخليج، وإعدامهم إعداماً تقليدياً في نقرة السلمان.

ولنا أن نسأل هل التهجير قضية محلية ام دولية؟ وهل هي تعود إلى شكل الحكومة وأسلوب الحاكم؟

اذا كان التهجير قضية محلية فلماذا تكررت التهجيرات من أغلب الحكومات العراقية؟ وإذا كان صدام أبشع الرؤساء فهو رقم من الأرقام التي هَجَّرت وان كان رقماً كبيراً. كما أن أسباب التهجير التي أذاعها صدام نفسه فيها مغالطة كبيرة فلا يركن إليها حين جعل القضية تخص الاقتصاد العراقي فقط، وبالتالي أراد تقديم إغراءات للعراقيين ليقفوا معه او يسكتوا عن تهجير عراقيين تربطهم بهم روابط مصيرية وقد تقبلها للأسف عديمو العقل منهم؛ فقد سئل صدام حسين في عام 1970 عن سبب التهجير فأجاب: أهم الأسباب هو أن العراقي سيعيش بنصف راتبه! وقال قبل تهجير 1980: يجب تحرير الاقتصاد العراقي الذي يهيمن عليه (كم لحية عثة) يقصد (الفيليين)، لذا صادروا محلاتهم ومنعوهم من أن يستأجروا محلات في الشورجة. وإذا لم يكن التهجير قضية محلية فهل هو من القضايا الدولية التي يقف وراءها دول كبرى وليس الحكومات العراقية وحدها؟

إن قانون الجنسية العراقية الذي أسس للتهجير هو قانون انكليزي وليس قانوناً محلياً، أو هو قانون عالمي اتخذته بريطانيا وحلفاؤها ليظلَّ محترماً من القوى العالمية وهو ما حدث فعلاً، فلو كان قانوناً عراقياً لما قسم العراقيين على أساس (التبعية): إما عثمانية وإما إيرانية فأين العراقية اذاً؟ إنها ببساطة غير موجودة؛ لانَّ بريطانيا اشترت أو تسلمت من العثمانيين رعاياها العراقيين فاحترمت الانتماء لهم، بل إنها منحت الثقة لأتراك عثمانيين أعطتهم اكبر المناصب المهمة في حكوماتها المسخرة، مثل: نوري السعيد وساطع الحصري... وان الواقع المدروس يبين أن قانون الجنسية كان تحت تأثير الانتداب البريطاني وإدارة الضباط العثمانيين السابقين من ذوي النزعة الطورانية وسياسة التتريك العنصرية، ولكون غالبيتهم من أصول أجنبية فتطلب الأمر سن تشريع بمقاسهم، وقد رسخ بالفعل التفرقة بين مكونات الشعب العراقي مثل (التبعية الأجنبية، أو الأصل الأجنبي، أو العثماني الجنسية، أو الرعوية(22)

وكان الفيليون ضحايا قانون الجنسية هذا، ولكن ليسوا الضحايا الوحيدين؛ فقد وضع التهجير أولاً لخلق فتنة طائفية قدروا لها أن تستمر طيلة حياة العراق السياسية، فان (المس بل) أرادت أن تذيع قناعة هي أن الشيعة فرس وأن السنة عرب، وبالتالي تقوم بتهجير علماء الشيعة غير المرغوب فيهم باعتبار أن التشيع فارسي، والشيعة رعايا إيران غير المخلصين للعراق. وقد هجر في التهجيرين الكبيرين عرب إلى جنب الكرد الفيليين.

وإذا فهمنا الدواعي الحقيقية وراء سن قانون (42) وفكرة التهجير على الولاء، فان تهجير الفيليين يجب أن ينظر إليه من زواياه كلها. إن النظرة العلمية لما تم من (تهجيرات) تقول إن حكومات: العهد الملكي، عبد السلام عارف، احمد حسن البكر، وصدام حسين قامت بالتهجير، أي اغلب الحكومات. وان تهجير البكر عام (1970) كان لضرب ايران بعد ان اصبحت العلاقة بين البلدين على درجة عالية من التوتر عقب بيان 11 آذار 1970 حين ثبتت الحكومة العراقية حقوقا للكرد ازعجت ايران وحملتها على الغاء معاهدة 1937 بخصوص تنظيم الحدود، وهكذا قام البكر بتهجير الفيليين ليضرب بهم ايران!

وتهجير (1979- 1980) كان لتوجيه ضربة إلى إيران الخارجة تواً من ثورة عارمة، فألقي على كاهلها نحو مليون شخص، صار عليها أن توفر لهم أسباب الحياة، وهذا يعني أن التهجير لم يكن الغرض منه ضرب الفيليين فقط بل الضرب بهم أيضاً، فهم ضحايا مثل أي ضحايا لا يؤبه لهم يسقطون لتنفيذ خطة سياسية معينة. ونحن لا نرى صداما ولا البكر أصحاب قرار شخصي بل هما منفذان لسياسة عالمية. وهذا يجعل الفيليين في قلق دائم مخافة ان يستغلوا مستقبلا، ويجعلهم يطالبون بقوة بالحل الجذري لدرء أي شكوك وظنون، وذلك بدمجهم مع العراقيين بشكل تام وعدم تأشيرهم لكي لا يتم استغلالهم من جهة سياسية ولأي خطوة مستقبلية. ويمحو كل شك ويغلق الظنون كلها إذا ألغيت التدابير الماضية للجنسية (المؤشرة) والغي أي فصل بين الفيليين وباقي العراقيين الأصلاء، عندها سيستقر بالفيليين القرار ويعيشون الفرحة العراقية الكاملة.

وان إعادة المواطنة الكاملة للفيليين مسؤولية الدولة والشعب، وان تُدرَك حقيقة أن الفيليين لا يسببون خلخلة في ميزان القوى، بل هم خليط متجانس مع باقي شرائح الشعب العراقي لأن انتماءهم للعراق وحده وليس لقوى خارجية أخرى. وقد شغل المجتمع الفيلي المنطقة بين پشتكو وحوض دجلة منذ مئات السنين، كما اندس زرافات ووحداناً في الداخل ليعيش في محافظات العراق غير الحدودية المختلفة فأسسوا لأنفسهم وجوداً في لحمة الشعب العراقي. وقد وقع في يدي كتيب من استخبارات صدام فيه إحصائيات للكرد الفيليين إجمالا وحسب المحافظات؛ فكانت الموصل أوفرها من الفيليين وهو ما أكده كتاب (الكرد الفيليون بين حملات التهجير وسياسات التعريب) ، وفي الإحصائية نجد الفيليين يسكنون بنسبة مؤشرة في محافظات هي غير مناطقهم الحدودية ومنها: بغداد، الانبار، النجف، كربلاء، السليمانية، المثنى، البصرة وغيرها(23). ويجزم  قدمهم في المنطقة ان لهجة الفيليين في العراق ألفاظها كردية وأغلب نحوها عربي (كما مرَّ).

وقد حصل بعضهم على مكانة كبيرة ودرجة عالية لدى العرب؛ فقد كان المرحوم (حسين داري) من البرامسي فريضة لدى شيخ عشيرة (بني لام) وغيرها؛ والفريضة يقابل القاضي أو الحاكم، فكانت العشائر تخوله النظر في قضايا الخصوم وتعطيه صلاحية إصدار الحكم كما يراه مناسباً. وبعد مقتله على الحدود من الجندرمة الإيرانية في الثلاثينات بسبب منع العبور، تم نقله إلى النجف الأشرف، وأقيمت له ثلاثة مآتم من: أهله، وشيخ بني لام، وأقاربه في پشتكو. وهذا يؤكد قوة مكانته ومكانة الفيليين لدى المجتمع العربي.

وكانت الحكومة الإيرانية تبعث لجاناً إلى داخل العراق لتسجيل الفيليين في سجلاتها وتمنحهم الجنسية الإيرانية ليكونوا من رعاياها، فكان بعضهم يسجل اسمه وبعضهم لا يسجل اسمه. وقد استفاد من سجل اسمه عندما قام صدام بتهجير الفيليين إلى إيران، فمن سجل اسمه مسبقاً حصل على الجنسية الإيرانية، ومن لم يسجل لم يمنح الجنسية وبقي يحتفظ بالكارت الأخضر الذي لا يخوله شراء عقار، أو التعيين في الدوائر بصفة دائمة، ولا يجعله مواطناً إيرانياً مهما طال به الزمان..

 الاندثار الفيلي

دخل الفيلون الاسلام بوصفهم (موالي). وكثيراً ما خلط الباحثون حتى القدماء منهم بين جنسية الموالي في هذه الحقبة، فموالي ما بعد الفتح الاسلامي كرد فيليون غالباً، وموالي العصر العباسي فرس غالباً، وذلك لان الفتح الاسلامي وقع في مناطق الفيليين وليس في مناطق الفرس.

و(المولاة) هو مبدأ التعارف وليس التخالف الذي أتاحه الإسلام لغير العرب للعيش مع العرب تأسيساً على قول الله (تعالى) (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)(24)، وحين وصل العرب المسلمون إلى العراق وغيره من البلدان طبقوا هذا المبدأ مع الشعوب. وكانت الدولة الإسلامية قائمة على إعطاء العرب الأولوية في قيادة المسلمين بوصفهم (مادة الإسلام) ولوصية الرسول الكريم بذلك في أحاديث كثيرة؛ فعن سلمان (رض) انه قال: "قال لي رسول الله (ص): يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، قلت يا رسول الله: كيف أبغضك وبك هدانا الله، قال: تبغض العرب فتبغضني"(25)، وعن الإمام علي (ع) " لا يبغض العرب إلا منافق"(26)، لذلك أعطى الإسلام الأمم الأخرى  حق التعايش مع العرب تعايشاً انتمائياً بمبدأ (الولاء) فيدخلون في عشائرهم ويلتحقون بأنسابهم برابطة لا تقل عن رابطة الدم العربية لضمان حقوقهم وتساويهم بأبناء العرب، أي جعلهم الانتماء بدرجة الأصلاء كما يوضح ذلك قول الرسول محمد (ص): " الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب"(27)، فسموا بـ(الموالي).

ومصطلح الموالي أطلق أولا على الكرد الفيليين عند الفتح، ربما دخل بعض الفرس تحت هذا العنوان إلا أن ظهور موالي الفرس بالشكل الواضح كان في العصر العباسي بعد أن قامت دولة العباسيين. وربما حصر أبو عبيدة مصطلح الموالي بالكرد لأنه يرى مصطلح (الحمراء) يجمع الموالي والعجم(28)، ويرى آخرون كابن عبد ربه أن المصطلحين واحد(29). وجعل القرطبي الموالي (سكان الجبل) وهم الكرد الفيليون؛ اذ تتكون إيران من: الديلم (الفرس) والكرد (كردستان ايران) وسكان الجبل (الفيليين)(30).

وقد أخطأ عباس الزيدي بقوله ان مصطلح الحمراء أطلق على النبط(31). ففكرة التاريخ عن الأنباط أنهم فلاحو العجم(32) لا مقاتلوهم، والنبط  مستعربون(33)، وجاء وصفهم في أسد الغابة بالضافطة (مكارية أو عمال) حيث كانوا يحملون الدقيق والزيت وغيرها الى المدينة(34). ومما يقلل فرصة انضمامهم إلى المجتمع الإسلامي أنهم أو جلهم على دين النصارى وان كانوا أميل إلى المسلمين ويعملون فيوجاً (جواسيس) لهم(35). وهم يسكنون بين العراقين (الكوفة والبصرة) كما يسكنون الشام وشمالي الجزيرة، وليسوا في مناطق الكرد الحدودية. ولا ينكر انضمام بعضهم ممن أسلم إلى الموالي وظهور شخصيات مثل: ميثم التمار وخباب بن الارت، إلا أن مصطلح الموالي في اصح معانيه يخص الكرد وأخصهم الفيليون المتماسون مع الفتح والداخلون أولا في الإسلام.

وقد حقق الموالي الفيليون حضوراً مبهراً في عصر صدر الإسلام والعصر الأموي قبل أن يشاركهم الموالي الفرس في العصر العباسي، ويورد ابن عبد ربه نصاً يبين بروز موال أفذاذ غالبوا العرب فغلبوهم أحيانا في نواحي الحياة الجديدة كلها الفكرية والدينية " قال ابن شهاب الزّهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال لي: من أين قدمت يا زهريّ؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلّفت يسودها؟ قلت عطاء بن أبي رباح، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بالديانة، قال: إنّ أهل الديانة والرّواية لينبغي أن يسودوا. قال: فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فبم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء، قال: فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: أفمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، قال: فمن يسود أهل الشام؟ قلت: مكحول، قال: أمن العرب هو أم من الموالي؟ قلت: من الموالي، عبدٌ نوبيٌّ أعتقته امرأةٌ من هذيل، قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت: ميمون بن مهران، قال: أمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضّحّاك بن مزاحم، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن البصري، قال: أفمن العرب هو؟ قلت: بل من الموالي، قال: ويلك فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النّخعيّ، قال: أفمن العرب؟ قلت: من العرب، قال: ويلك فرّجت عنّي، والله ليسودنّ الموالي العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها، قال، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّما هو دينٌ، من حفظه ساد، ومن ضيّعه سقط"(36). ونرى أنهم في تلك الحقبة احتفظوا بخصوصياتهم إلا الدين أبدلوه بالإسلام. فكانوا متأثرين ومؤثرين إذ ادخلوا العجمة إلى العرب الأصلاء بفضل زواج العرب منهم.

ويقابل ما حققه الكرد الفيليون في المجتمع الإسلامي، فقدانهم فيما بعد هويتهم الكردية وتحولهم إلى جزء ذائب في فسيفساء هذا المجتمع. وإذا أشر بقية الكرد (كرديتهم) لسكناهم في مناطقهم الجبلية ككرد كردستان، فان الفيليين عاشوا في دشت المجتمع العربي وصاروا مستعربين. وقد حفظ لنا التاريخ هويات كردية فيلية لأشخاص مشهورين فقط، وهؤلاء لم يتركوا نتاجاً فيلياً، ومن خلال هؤلاء المشهورين تتأكد رغبة الكرد الفيليين في الذوبان في المجتمع العربي. وقد ذابت عشائر كردية ساكنت العرب كعشيرة (جاوان) في الحلة وهي من (اللور)، فهذه العشيرة التي كانت لها صولات وجولات ورجالات بمختلف الاختصاصات، يقول عنها الدكتور مصطفى جواد: " انقطعت إمارة جاوان بانقطاع الخلافة العباسية...ولم يقع اليَّ فيما قرأت من تواريخ اسم أمير ظهر بعد ذلك الزمان، والظاهر انهم استعربوا استعراباً تاماً، واندمجوا في عرب الفرات الأوسط"(37). وجاء في سيرة تاج العارفين الشيخ أبو الوفاء محمد الزاهد المتوفي في القرن السادس الهجري، انه كان نرجسي الأصل، وعشيرة جاوان تتفرع إلى النرجسية والبشيرية، وانه قال: أمسيت عجمياً وأصبحتُ عربياً(38).

وبهذا نعدّ الكرد الفيليين العراقيين ابتداء من الفتح الإسلامي والى نهاية العصر القديم مندثرين في المجتمع العراقي وهذا هو (الاندثار الفيلي الأول).

والفيليون اليوم يمثلون انتماءً لرحلات جديدة إلى العراق في العصر الحديث وان كانوا على علاقة معينة بالموجات الفيلية المندثرة، وقد جاءت الموجات الجديدة في زمن الصفويين الذين احتلوا العراق اذ كانوا يجندون الكرد في معاركهم، كما أتاح حكم (ذي الفقار نخود الكلهري الفيلي) (1524- 1530م) فرصة نادرة للنزوح من لرستان وپشتكو والانتشار في محافظات العراق في الوسط والجنوب. وفي بغداد سكنوا أماكن عدة مثل محلة (عـ؟د الأكراد) في باب الشيخ ومحلة (خان اللاوند)(39). وقد اكتسبت هذه المناطق أسماءها بعد النزوح الفيلي، حيث تشير إلى سكناهم وحالتهم في التجنيد غير النظامي وهو ما تعنيه كلمة (لاوند) التركية، مما يشي بأن العثمانيين كانوا يشرفون على تجنيد وتدريب الفيليين في الحكومة النخودية المسنودة من الدولة العثمانية. ويذكر عباس العزاوي أن مدينة العمارة أنشئت عام 1278هـ/1860م، وكانت تسكنها عشيرة (دوزاده) من اللر الفيلية، وجملة عشائر بدوية(40)، وهذا يعني انتقالا جماعيا لهذه العشيرة إلى العمارة.

وقد مرَّ  ما ذكره راضي الطباطبائي انه في عام 1273هـ/ 1857م نزح عدد غير قليل من جبل؟شتكو بسبب ظلم حاشية حسين قلي خان. ولما كان ظلم الولاة متصلاً فحتماً ليس فقط في هذه السنة نزحوا ولا في زمن هذا الوالي، سوى ان انتقالات ممائلة لم تدوَّن. كما أن فشل الثوار في الالوار وپشتكو وتنكيل الشاه رضا؟هلوي بالفيليين عقب ذلك، أدى إلى هرب عائلات كثيرة إلى داخل العراق. ودفع إلى الهجرة أيضاً انتقال آخر ولاة؟شتكو (غلام رضا) إلى بغداد بعد تهديد الشاه رضا إياه، إذ انتقلت عائلته الكبيرة ومعها الحاشية وكثيرون معهم، ولا يزال أقاربه موجودين في الكوت وغيرها. وسبَّب ترك غلام رضا؟شتكو نزوح أعداد غفيرة من الفيليين إلى زرباطية اذ كان لمعظمهم بساتين وأملاك في هذه الناحية(41).

ودليلنا على قرب العهد بالجيل الثاني من الفيليين تشابه لهجات الفيليين في العراق اليوم مع لهجات فيليي إيران لان الألفاظ والدلالة تتغير بسبب الزمن الطويل، فاللهجة الفهلوية اختلفت عن الفيلية في العصر العباسي، وتلك اللهجة لا تشبه الفيلية الحديثة، كما ان عشائر الفيلية في العراق كلها لها أصل في إيران ولا توجد عشيرة فيلية واحدة في العراق بلا مقابل في إيران.

والفيليون الذين اختاروا الطريق الذي سلكه أسلافهم في العيش مع عرب العراق يمرون بمحنة الاستعراب نفسها، وهم اليوم يتعرضون إلى اندثار ثان وإذا وقع فهو الأخير بعدما استقرت الدول وحددت الهجرة، وهذا الاندثار أبشع وأشنع من الأول؛ لان فيليي العهود الإسلامية استعربوا عن طيب خاطر حباً بالإسلام والمجتمع الذي منحهم الأمن والطمأنينة والمستقبل، أما فيليو اليوم فعن غير طيب خاطر استعربوا خوفاً ورعباً، والأولى بالمجتمع العراقي العربي أن يؤمِّنهم على كرديتهم ويتقبل ولاءهم فليس ثمة كرد سيأتون بعد هؤلاء اذا اندثروا. وقد أعرض عباس العزاوي عن ذكر عشائرهم في كتابه (عشائر العراق) لعدم انطباق الوضع العشائري عليهم قائلا:" إن قبائل الفيلية وفروعها منتشرة في مختلف الأنحاء العراقية في ألوية: ديالى وبغداد والكوت والعمارة والبصرة.. إلا أنها لم تكن بوضع قبائل متشخصة، وإنما مالت إلى المدن والقرى أفراداً، وفي بعض المواطن تكونت منها كثرة ولم تكن بوضع قبائلي(42).

وقد صار اسم الفيليين يقتصر على فيليي العراق فقط، ذلك لان الفيليين الإيرانيين يلقبون بعشائرهم: شوهاني، زر؟وشي، ملكشاهي وليس باللقب العام (فيلي)(43).. ولاحقاً طلبت الحكومة الإيرانية منهم ذكر ألقاب شخصية بدل العشائرية، وقد اخبرني أحد الراجعين أن ألقاب أخوته الثلاثة لا يشبه أحدها الآخر؛ فقد اتخذ احدهم لقب (أغاي واسطي زاده) والآخر (قربان علي) والثالث (دعاء طلب)، ولعل اسم فيلي صار جامعاً لفيليي العراق وكأنهم من عشيرة أو أسرة واحدة.

 

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

......................................

الهوامش

(1) صنعت جارتنا البدراوية من هذه الحالة أغنية هي: فوتي وفاطمه بيه، خجَّه وخديجه بيه، أي: فوتي صارت فاطمة وخجة صارت خديجة.

(2) المعجم الوسيط، أحمد حسن الزيات وآخرون ص973.

(3) ينظر: حول مسألة الإقطاع بين الكرد، أ. شاميلون، ص36.

(4) گه‌رمسير تعني أيضاً المشتى، لذا نجد في أكثر المدن مشتى يلتحق بها فيقال مثلا (گه‌رمسير  شيراز)، كما تستعمل (سير) لاحقة للنسبة فـ(گه‌رمسير) تعني الأرض الدافئة ومثله النسبة لـ(بَسا) فيقال (بساسيري) ولـ(كسنا) (كسناسيري). (ينظر: معجم البلدان، ج4، ص261).

(5) مذكرات مأمون بك، س48 (الهامش).

(6) الفيليون، ص39.

(7) الكوت في التاريخ، ج1، ص52.

(8) حول مسألة الإقطاع بين الكرد، ص73.

(9) ينظر الوردة السادسة.

(10) الفيليون، ص151.

(11) لم نرد لكتابنا أن يكون كتاب عشائر فغرضه أشمل وغايته أبعد، لذا اكتفينا بهذه القائمة التي تتضمن أشهر القبائل والعشائر التي لها وجود في العراق، وقد زودنا بها الأستاذ عبد الواحد فيلي الذي يعمل على إصدار كتاب شامل بالعشائر الكردية، وقد أضفنا إليها عشائر أخرى زودتنا بها المنظمات الفيلية، كما استفدنا في هذا الأمر من كتاب (الفيليون) لنجم سلمان.

(12) كلمة (باوه) ذات مدلول ديني تقابلها (بابا) عند الديانة المسيحية. واللقب مستعمل لدى كرد كردستان فيوجد باوات في مناطقهم مثل (باوه نور) في بيباز التابعة لقضاء كلار، و(باوه محميد) في خانقين، وهو اسم عشائر فيلية ترجع لسادات بعينهم، وهو يطلق ايضاً على قديسي الكاكائية، وقد اتفق جميل الروژبياني مترجم شرفنامه والأستاذ توفيق وهبي على أن كلمة (ببه) ناشئة من (باوه)، وهذا يعني أن أمراء بابان كانوا في الأصل من قديسي الكاكائية. (ينظر: مذكرات مأمون بيگ بن بيگه‌بگ، ص16). وجاء عن الباوات في تقرير القنصل الروسي : أصلهم من ربيعة من قبائل المحيسن الكبيرة ورئاستها في بطن يدعى آل حرب، ويسكنون شرق نهر كارون ممتهنين الزراعة. وهو قوم معروفون بالبأس والشجاعة ولديهم خمسة آلاف فارس، ومنهم من سكن العراق مع شمر طوقة. وقد تزوج الشيخ جابر من ابنة شيخ الباوية فأجب منها (الشيخ خزعل) وبذلك حصلت حصلت معاهدة بين الباوية وامارة كعب فكانت المعاهدة عوناً كبيراً لهذه الامارة. (ينظر: تقرير القنصل الروسي في ميناء بوشهر حول عربستان، بقلم: ميلر، ترجمة: د.نوري عبد البخيت السامرائي (مجلة آفاق عربية، السنة السادسة، العدد الثامن لسنة 1981، ص123، 153). وعليه فان الباوات قسم منهم سادة (لديهم شجرات نسب ثبوتية)، وقسم عرب، وقسم كرد فيليون.

(13) الكورد والأحداث الوطنية في العراق خلال العهد الملكي 1921- 1958، أ.د غانم محمد الحفوو أ.د عبد الفتاح البوتاني، ص17.

(14) المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيليين، زهير كاظم عبود، ص33.

(15) ينظر  في إحصائيات سكان لواء الكوت ومدنه وأقضيته ونسب الفيليين كتاب (تاريخ الكوت وعشائرها ومناطقها، محمد علي الصوري، ص129).

(16) المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيليين، زهير كاظم عبود ص94- 98.

(17) إشكالية الهوية الوطنية، رياض جاسم فيلي، انترنت.

(18) حكم الأزمة، ص199 .

(19) حكم الأزمة، ص198.

(20) المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيليين، ص98.

(21) المسؤولية القانونية في قضية الكرد الفيليين. ص100.

(22) إشكالية الهوية الوطنية في الدولة العراقية الحديثة، رياض جاسم الفيلي (انترنت).

(23) ينظر: الكرد الفيليون بين حملات التهجير وسياسات التعريب، الدكتور خليل إسماعيل محمد، ص8- 9.

(24) سورة الحجرات: الآية: 13.

(25) سنن الترمذي، الترمذي، ج5، ص380؛ مسند أبي دواد الطيالسي، سليمان بن داود الطيالسي ص91؛ المعجم الكبير، الطبراني، ج6، ص238؛ تفسير ابن كثير، ج2، ص180.

(26) السيرة الحلبية، الحلبي، ج1، ص45.

(27) المبسوط، الشيخ الطوسي ،ج4، ص93.

(28) أعيان الشيعة، السيد محسن الامين، ج1، ص61؛ شرح نهج البلاغة، ابن ابي الحديد، ج19، ص124.

(29) العقد الفريد، ج3، ص363.

(30) تفسير القرطبي، ج3، ص154.

(31) ينظر: التاريخ المستباح، ص73.

(32) شرح مسلم، النووي ج16، ص167؛ الديباج على مسلم، جلال الدين السيوطي، (ج5، ص539.

(33) بحار الأنوار، المقدسي، ج46، ص172.

(34) أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير، ج4، ص263.

(35) ينظر: كتاب الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، ج1، ص114.

(36) معرفة علوم الحديث، الحاكم النيسابوري، ص198.

(37) جاوان القبيلة الكردية المنسية ومشاهير الجاوانيين، الدكتور مصطفى جواد، ص44.

(38) جاوان القبيلة الكردية المنسية، ص24.

(39) المسيرة الدامية للكورد الفيلية، ص97.

(40) العراق بين احتلالين، عباس العزاوي، ج2، ص17.

(41) تاريخ الكوت وعشائرها ومناطقها، ص198.

(42) عشائر العراق، عباس العزاوي، ج2، ص186.

(43) الكورد الفيليون بين الماضي والحاضر، ص21.

 

 

علي طاهر الحمودتستفزني -دوماً- مفردة "الوعي" بوصفها فاروق النخبة عن غيرهم، والمثقف عمّن سواه، وقدِ اعتاد كثيرٌ من نخبِ الخمسينية والستينية نثر "الوعي" في نصوصهم وأديباتهم وخطابهم الموجّه إلى الآخرين، وإذا ما كان "الوعي" مفهوماً فلسفياً و (سايكولوجياً) عميقاً في الأساس، إلا أنَّه يستبطن تمييزاً (على غرار التوجُّهات النظرية العنصرية) بين الجهلة والعلماء، والفراغ والامتلاء، وعدم القدرة وحيازتها، وعدم المعرفة وامتلاكها، والصحيح عن غيره، والحق عن الباطل.

وما يصح عن الوعي، قد يشبه مصطلحات أخرى نقيضة نحو: (البَلَه والبلادة)، فهي أيضاً نتاج نظرة التعالي الطبقي (من نوعه الفكري) إذ جاءت من تفاعل عميق للإنسان مع الطبيعة، وتوضيح ذلك أنَّ البشر ومنذ نحو سبعة آلاف عام بدَؤُوا ثورتهم الزراعية في بلاد ما بين النهرين، ليَتْبَع ذلك تقدُّماً في الآلات والبناء اللغوي والذهني لا لشيءٍ إلا من أجل التحرُّر من قيد الطبيعة وطغيانها، فالمنتجات البشرية مذاك أخرجت الإنسان من عبودية الطبيعة وذلِّها، والتي كانت توحي له بالعظمة والتحكُّم، قبل أن يُخضعها العلم إلى سيطرة الإنسان، وهنا أخلى تقابل الإنسان مع الطبيعة مكانه إلى تقابل الإنسان مع نظيره، منتجاً بلادة المكانة الاجتماعية ووهم تعالي بعضهم على بعضهم الآخر. أنتج الإنسان المفكِّر عن طريق أدوات السلطة والسيطرة والهيمنة، طبقات وامتيازات مادية وغير مادية، ووزَّعها بِلا عدالة، منتجاً الوعي مقابل "اللاوعي"، والبلادة مقابل الذكاء، بطريقة غير مباشرة.

الوعي والبلادة بهذا المعنى نتاج التنشئة الاجتماعية قبل أن يكونا قَدَراً بيولوجياً، وهما وجه آخر للاستغلال الطبقي ذي الأهداف الاقتصادية التي تريد الإبقاء على "اللاعدالة"، والربح على حساب مجاميع البشر.

ويمكن تتبع ذلك لاحقاً وفي القرن السادس عشر إذ كانت ملكة الكتابة والقراءة، وحتى إنجازات الفنون، جزءاً من تلك الامتيازات الحصرية للنخبة، فيما شهدت المرحلة التي تلتها "دمقرطة" القراءة والكتابة. وعمدتِ الدولة الوطنية إلى إنهاء الأمية المتفشية، ما جعل القراءة والكتابة والفن طريقاً لتحرر الأمم بعدما كانت أسلوباً لاستعباد الجمهور.

لكنَّ "المعرفة" بوصفها امتيازاً لم تغب عن بال النخبة التي فقدت كثيراً من السلطة الرمزية، فإحدى الطرائق في التغلُّب على هذا النقص هو ما يمكن تسميته بإنتاج "الوهم الملمَّع"، فالمثقَّف الموهوم بنفسه والمطعون بجرحٍ نرجسيٍّ بدأ بالتعكُّز على شهرة مواقع التواصل الاجتماعي، وتجميع المريدين المصفِّقين، والركض خلف الجوائز والظهور الإعلامي، والتباهي بالشهادة الأكاديمية التي أضحت كلها جزءاً من ماكنة تصنع الوهم الملمَّع، والبلادة المجليِّة! -وفي كلِّ الأحوال- كان يفترض بالنخبة والمثقفين الذين حظوا برأس المال المعرفيّ أن يركِّزوا على تفكيك السلطة، ونقد المجتمع وأساطينه سياسياً واجتماعياً ودينياً، وأن يجدوا الحلول لمشكلات الإنسان، إلا أنَّ النهج الغالب هو في الاعتراض على الناس وتقريعهم بالجهالة وعدم الوعي والمعرفة، متناسينَ بأنَّ هذا النتاج ليس سوى وهمٍ ملمَّعٍ!

***

وبالمنطق نفسه يمكن تتبع جذور مفهوم "النخبة"، ففي الجذر اللاتيني electus تعني المنتخَب، وهي بالجذر العربيّ نفسها، والمنتخَب هنا تعني امتلاك نوع من العلو في المرتبة، إلا أنَّ هذا المعنى المنتج في اليونان قديماً، قابل للنقد من زاويته أيضاً، إذ إنَّ معايير العلو في الجسد تتمثَّل في الشباب والرياضة (وليس كما يبدو على أجسام العبيد بفعل قساوة العمل)، وفي الفكر يتمثَّل بالفلسفة (لا تجربة الأفراد وحكمة الحياة)، وفي النظام الاجتماعي عن طريق الانتماء إلى الأقلية "الأوليغارشية الأرستقراطية" (وليس ببذل الجهد في الوصول إلى المراتب العليا).

يُعيدُ التفكير بالنخبة المثقفة التذكيرَ بأساسيات "السوسيولوجيا" الذي أنتجه أول مرة (كارل ماركس) حينما سعى إلى فهم طبيعة الصراع في المجتمع، وفي ثنايا التنظير الماركسيّ عن الطبقتين "البرجوازية، والبروليتارية" يُشير ماركس إلى فئة (وليس طبقة) قلَّما حظيت بما يكفي من اهتمام من قبل الباحثين، يُسمِّيها ماركس بـ(Lumpen)، وتترجم في العربية أحياناً بـ"البروليتاريا الرثة". إلا أنَّ لصقها بالبروليتاريا أضاع جزءاً مهماً من خصوصيتها المميزة التي تساعد على فهم كثير عن هذه الفئة في التحليل السياسي والاجتماعي. ولعل مصطلح "الابتذال" هو الأقرب لشرح مغزى هذا المفهوم. لكن بعد الاستعانة بهذا المفهوم مَن يا تُرى "النخبة المبتذلة"؟!

إنَّهم فئة من الناس ابتعدوا عن النخبة المثقفة الحقيقية، يَحسبون أنفسهم منها، لكن لا يرون أنفسهم في نسيج متجانس معها. ما بين النخبة المبتذلة أنفسهم من التقاطعات تمنعهم ضرورةً من العمل الجمعي، فهم لا يجتمعون إلا عبر آليات "التخادم"، فالنخبة المبتذلة طيف بِلا جذورٍ من الناس، بمعنى أنَّهم يحتقرون الناس، ولا يرون تأثيراً لخطابهم على هؤلاء.

النخبة المبتذلة الصانعة للوهم الملمَّع نخبة تهرب من النقد. يُصدِّرون ذوقاً خاصاً للناس. قد لا تكون روايةً ما ... يُصدرونها، أو نصاً شعرياً ما ... أو حتى خطاباً سياسياً معيناً قائماً على فكرة أصيلة أو منطلق أيديولوجي أو علمي رصين. استدعاء التاريخ والسكون فيه، والتخويف من التغيير، مناهضة الأحزاب -كل الأحزاب-، ورفض التعامل مع الدول (جارة كانت أم غيرها)، من أمثال رثاثة النخبة وابتذالها. السقوط في وحل الشعبويات وتسويق السلع الثقافية عديمة النوعية والقيمة هي نماذج من أفعال هؤلاء. قوالبهم تنويرية، طريقتهم إقصائية، سلوكهم فردي متعالٍ نرجسي، لا ينتظمون بعمل جمعي، ينشقون عن الآخرين على الرغم من حرصهم الظاهر على التودُّد لأقرانِهم. ينشقُّون أحياناً حتى عن أنفسهم ضمن فلتات اللسان والأفعال، مُذكِّرين النابهين إلى "شيزوفرينيا" نفسية واجتماعية يعانون منها. يحرصون على التعريف بأسمائِهم مسبوقة بالألقاب والعناوين. يُقيمون النتاجات الفكرية للآخرين بالانتقاد لا النقد، يميلون لتصنيف الباحثين والنخبة ووصفهم أشخاصاً وانتماءاتٍ، مُسقِطِين هذا التصنيف على تقييمهم للنتاجات الفكرية. قلَّما يمدحون نظرائهم من دون مديح مقابل، في صفقة غير معلنة لكنَّها معتادة في هذا الوسط. يلوكون المصطلحات الغامضة، وأسماء أجنبية. عينهم على المنتج الثقافي لخارج الحدود، مزدرين مبتعدين لما يُنتَج داخل الحدود.

منهم الأستاذ والشاعر والباحث، والمترجم، والفنان، والناشط، والمتحزِّب. يَظهرون في الصالونات ومقاهٍ وأماكن محدَّدة، يضيعون في غيرها! مثقفو صالونات. يبحثون عن العناوين والألقاب والمريدين أيضاً. سلوكهم مُعدٍ للمجتمع؛ لأنَّ ما يفعلونه يصدِّرونه على أنَّه قيم بديلة. يجتهدون من أجل حصد المتابعات في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، فوجودهم هناك، وفي غيرها لا أثرَ لهم. يُمنطقون الابتذال على الرغم من رثاثته. يُشيعون اليأس والقنوط. يثبِّطون عزائم الناشطين من النخبة، مشوشينَ على فعلهم الإصلاحي وإيجابيتهم التغييرية. لا بديلَ واضح عندهم للانحطاط الذي يُرثُونه، على الرغم من أنَّهم مساهمونَ فيه!

***

حين الحديث عن المثقِّف النخبة من الصعوبة تجاوز ما أنتجه المفكِّر الإيطاليّ "أنطونيو غرامشي" في هذا الصدد. لقد رمَّم "غرامشي" النظرية الماركسية التي لم تبالِ بدور المثقِّف في الحياة الاجتماعية، ولكن في الوقت نفسه رفض "غرامشي" ميل المثقَّف "العضويّ" إلى الثورة، إذ إنَّه أكثر الناس حرصاً على احترام القانون، لكنَّه ناقد دوماً وأبداً لهيمنة الدولة التي تسعى إلى استغلال مقدرات المواطنين وهدر ثرواتهم وإبعاد الحياة الكريمة عنهم. ويرى "غرامشي" أنَّ كلَّ إنسانٍ هو مثقَّف، إلا أنَّه ليس كل مثقف عنده وظيفة المثقَّف. والوظيفة هنا مسلك أخلاقي عن طريق العلاقات الاجتماعية التي تهدف إلى نشر الأفكار إلى العالم.

***

لا يمكن الحديث عن شكل النخبة ووظيفتهم من دون الحديث عن عالم الذكاء الاصطناعي، وتضاؤل الزمان والمكان في عالَم اليوم. لا شيء ولا مؤسسة ولا حتى دولة ستكون بمأمنٍ من التغيير. مَن يقاوم التغيير سيحكم على نفسه بالفناء. النخبة في عالَم اليوم لا تشبه نخبة مطلع القرن. فالسؤال أمام النخبة المثقفة هي في كيفية التعامل مع البيانات العملاقة التي تنتج في كل ثانية. ما عاد امتلاك المعرفة امتيازاً، بعدما أصبحت المعلومة مبذولة في الفضاء الافتراضي. وما عاد إنتاج المعلومة منتجة للمكانة، إذ أضحت الآلة بذكائها الاصطناعي منتجة لها. وما عاد الفن مقتصراً على موهوبين محدَّدين بعدما أمست الآلةُ أداةً بيد الصغار والكبار لإنتاج فنون لم تكن في الحسبان.

المثقَّف بــ(نظَّارته السميكة، وسيجارته واستكان الشاي المثخن بالبخار) بات صورةً رومانسيةً من المثقَّف التغييري القديم الذي ودَّعه العالم. إلا أنَّ هذه الرومانسية هي أفيون النخبة صانعة الوهم الملمَّع في مجتمعات اليوم!

المثقف التقليدي (على حدِّ تعبير غرامشي) مثقَّف مُقبِل على الموت تدريجياً. إنَّه شاهد على مرحلة تاريخية مضت، وهو مرتبط بطبقة زائلة لبقايا حطام تاريخي واجتماعي سابق، ومنتج لأيديولوجيا تتخيَّل تمثيل الأفكار إلى الأبد.

وحقيقةً لا يمكن الحديث عن مثقَّف واعٍ إلا حينما يكون عارفاً بالتيارات الصانعة لمعنى المفاهيم، ملاحِقاً لتغيِّرات المعنى، وتحوُّلات المجتمع. وهذا الأمر بحاجة إلى أدواته الخاصة، حدّاً أدنى من المعرفة بالتسويق والإعلام، واللغة الأجنبية، ورأس المال الثقافي الكافي، فضلاً عن رأس المال الاجتماعي بمعنى شبكة العلاقات التي تؤمِّن لمنتجه الفكري النفاذ والتأثير. المثقَّف غير الصانع للوهم الأكاديمي والمعرفي مثقَّفٌ مهموم بالمجال العام حاضرٌ فيه، منتِجٌ للمعرفة لا مالك لها فقط. إنَّه عاملٌ من أجل تنمية المجتمع، ناظرٌ للتغيير اليسير والمستدام، غير حالمٍ بالانقلاب والثورة. يحرصُ المثقَّف المناهض للبَلادَة على العمل الجماعي، وهو ناقدٌ لنفسه وطبقته قبل أن يكون ناقداً لسلطة السياسة والدين والمجتمع. إنتاج المثقَّف الواعي موجَّه للناس بالفعل لا بالخُطَب، بالممارسة لا بالتقريع، بالمتابعة والعمل الدؤوب لا بالنصيحة والإرشاد فحسب.

وعلى العكس فإنَّ مثقَّف النخبة الصانع للوهم الملمَّع هو صانع لـ(أرستقراطية) الفكر والسلطة. فهو في النظم الرأسمالية يحصر نظراءَه بمَن يمتلك الوثائق والشهادات، وفي النظم الاشتراكية بمدى تعلُّقِهم بالأيديولوجيا السائدة. وفي الحالتين شعار هؤلاء تقسيم الناس إلى مَن هم "معنا" وآخرون "ضدنا". فهؤلاء صانعو أكثر الأنظمة فساداً وأكثرها ابتعاداً عن الأنظمة الرشيدة، فالأنظمة "الكليبتوقراطية" (حكم اللصوص) بيئتهم المفضَّلة لإنتاج الوهم الملمَّع!

 

د. علي طاهر الحمود - باحث

 

 

محمد عمارة تقي الدينمنظمة جبل الهيكل نموذجاً

"اصعدوا إلى جبل الهيكل واهدموا المسجد الأقصى وكنيسة القيامة"، هكذا يدعو المتطرف الصهيوني جيرشون سلومون زعيم منظمة أمناء جبل الهيكل أتباعه لهدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل الثالث مكانه لتهيئة الظروف لقدوم مسيحهم المُخلِّص وفقًا لقناعاتهم الدينية.

لذا تتبنى تلك المنظمة أقصى أطروحات العنف ضد الفلسطينيين وضرورة الخلاص منهم تهجيرًا أو إبادة فوجودهم هو أمر من شأنه الحيلولة دون اكتمال هذا المشروع الخلاصي.

جدير بالذكر أن هناك أكثر من عشرين منظمة إرهابية صهيونية تستهدف تدمير المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم مكانه.

وقد تأسست منظمة أمناء جبل الهيكل (Temple Mount Faithful) تلك المنظمة الدينية اليهودية المتطرفة بالقدس، وقد قام بتأسيسها جيرشون سلمون (Gershon Salomon) الضابط السابق في الجيش الإسرائيلي.

كان سلمون عضوًا في رابطة الدفاع اليهودية وهي منظمة يهودية متطرفة أنشأها الإرهابي مئير كاهانا، وكانت قد تورطت في عدد من العمليات الإجرامية ضد الفلسطينيين، إذ تؤمن بالعنف باعتباره الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافها.

وشعار الحركة والذي يظهر به يد تمسك بالتوراة، ويد أخرى تمسك بالسيف، ومكتوب تحته كلمة"كاخ"، أي أنه هكذا وبهذا الطريق وحده والذي يجمع بين التوراة والسيف، أي بالعنف المتأسس على قناعات دينية ستتحقق الآمال في إقامة دولة إسرائيل الكبرى، والتي تمتد لديهم من النيل إلى الفرات.

ويفصح برنامج الرابطة عن مجمل فكرها إذ يرتكز على ثلاثة محاور هي: الحدود الطبيعية لدولة إسرائيل هي من النيل إلى الفرات، ضرورة طرد العرب من كامل إسرائيل والتوسع في عمليات الاستيطان، القدس ملك خاص لليهود ويجب تدمير المُقدَّسات الإسلامية بها وعلى رأسها المسجد الأقصى.

ومن ثم يدعو كاهانا إلى ضرورة الترحيل الفوري للعرب من أرض إسرائيل لأنه ليس هناك إمكانية للتعايش السلمي بين الطرفين, فهم في نظره"قنبلة موقوتة" وسوف تنفجر في الدولة اليهودية في أية لحظة، كذلك فهو يؤكد على أن طرد العرب هو عمل مقدس وواجب ديني، فيقول:"إن فكرة إبعاد العرب من إسرائيل ليست مجرد نظره شخصية، وبالطبع ليست نظرة سياسية، بل نظرة يهودية تعتمد على تعاليم دين التوراة.. إن طرد كل عربي هو واجب ديني".

ويقول أيضا:"بدلًا من أن نخشى ردود فعل الغرباء إذا فعلنا ذلك، يجب أن نرتعد خوفًا من غضب الله إذا لم نفعل ذلك ونطرد العرب"، وهي أفكار عنصرية موغلة في عنصريتها ولا تحتاج لشرح أو تعليق.

وبالعودة لسلمون مؤسس منظمة جبل الهيكل والمتشبِّع بهذه الأفكار المتطرفة، فقد تم اكتشاف مخزون هائل من الأسلحة والمتفجرات في حوزته والتي كان مزمعًا استخدامها ضد الفلسطينيين، فهو مدرب جيدًا على تلك العمليات الإجرامية، إذ كان في شبابه عضوًا في منظمة الإرجون الإرهابية التي كونتها العصابات الصهيونية وارتكبت المذابح والمجازر ضد الفلسطينيين قبيل تأسيس الكيان الصهيوني.

وتتحدث المصادر عن علاقة أمناء جبل الهيكل بجماعات المسيحيين الصهاينة في الولايات المتحدة وأوروبا والتي تقدم الدعم المادي الهائل لأمناء جبل الهيكل من أجل هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث، فتلك الجماعات المسيحية لديها قناعات دينية بأن مسيحها المُخلِّص لن يأتي من دون مساعدة اليهود في هدم المسجد الأقصى ليتسنى بناء الهيكل مكانه.

في تلك الحالة سيعود المسيح لتندلع معركة كبرى بين قوى الخير وقوى الشر ينتصر فيها المسيح وأتباعه من المسيحيين باعتبارهم ممثلين لقوى الخير، ومن ثم يتم الإعلان عن بدء فردوس أرضي يستمر لألف عام.

في عام 1989م وفي أحد الاجتماعات مع أعضاء منظمة جبل الهيكل قال سلمون مفصحًا عن توجهاته الإرهابية:"واجبنا هو طرد الغرباء(يقصد الفلسطينيين) من القدس....  اصعدوا إلى جبل الهيكل واهدموا المسجد الأقصى وكنيسة القيامة... لا نرغب في سماع نداءات المؤذن أو طقوس لصلوات غير يهودية في أرض اليهود"،  ثم طالب اليهود بالتضحية بالنفس والمال من أجل تحرير القدس وتطهيرها ممن يسكنوها فهم على حد قوله (قاذورات)، وفي ذات الاجتماع  أقسم عدد كبير من الحضور على العمل بكل ما أوتوا من قوة من أجل هدم المسجد الأقصى.

ثم قرأ سلومون على الحضور رسالة قال إنها من بنيامين نتنياهو، جاء فيها:"نحن نؤيد دعوتكم لبناء الهيكل لكن في ظل الظروف الدولية من المفضل التريث في تنفيذ أهدافنا العظيمة لكي لا نثير العالم ضدنا".

لقد أقسم أعضاء هذه المنظمة الإرهابية على ما يزعمونه تحرير جبل الهيكل وبناء الهيكل الثالث مكان قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وتضع الحركة ثلاثة شروط لمجيء المسيح المُخلِّص وهي:الأول: عودة يهود العالم إلى الأرض المُقدَّسة واستيطانها بشكل كامل، الثاني: قيام دولة إسرائيل، الثالث: إعادة بناء الهيكل بعد هدم المسجد الأقصى.

كما دعا أتباعها لإزالة كافة المُقدَّسات الإسلامية واقترحوا إعادة بنائها في مكة المكرمة، وتقوم المنظمة بما تسميه حملات توعية تقول أنها لتوعية شعب إسرائيل بحقيقة خطة الله لخلاص اليهود واشتراطات هذا الخلاص، وكذلك  تُنظِّم المؤتمرات لدراسة قضايا التعامل مع جبل الهيكل وسبل بناء الهيكل الثالث، وعلى غرار الشعار الأمريكي (In God We Trust)(بالله نثق) تردد المنظمة شعار (In God of Israel We Trust)(برب إسرائيل نثق) ، ودائمًا ما يردد زعيمها جرشون سلومون أنه يرى نهاية العرب في أرض إسرائيل قريبة جدًا.

ولك أن تعلم أن منظمة أمناء جبل الهيكل كانت السبب المباشر في حدوث مجزرة الأقصى الأولى عام 1990م حينما اقتحموا المسجد الأقصى بقيادة زعيمهم جيرشون سلومون وحاولوا وضع حجر الأساس للهيكل المزعوم هناك، فتصدى لهم الفلسطينيون وكانت المواجهات التي ارتكبت على إثرها القوات الصهيونية تلك المجزرة بحق الفلسطينيين والتي راح ضحيتها أكثر من عشرين شهيداً  فلسطينياً وأصيب أكثر من مئتين أخرين.

وهناك تزايد ملحوظ في أعداد المنتمين لمنظمة جبل الهيكل وتزايد في تشددهم، والجدير بالذكر أن كل الحكومات الإسرائيلية كانت تمنعهم من دخول جبل الهيكل وقت التوتر خوفًا من تفاقم الأمور وخروجها عن السيطرة بإثارة حفيظة العرب.

والجدير بالذكر أن الحاخامية الرئيسية (السلطة الدينية الأعلى في إسرائيل) ترفض دخول أتباع الحركة منطقة المسجد الأقصى(جبل الهيكل )وذلك وفق اعتقاد ديني لديها بأنه يحرم على اليهود دخول هذا المكان  قبل قدوم المسيح بحجة أن اليهود ليسوا بالطهارة الكافية لدخول هذا المكان المُقدَّس، غير أنه وكعادة العقلية الفقهية اليهودية تم إيجاد تبريرات دينية فيما بعد لهذا العمل المجرم.

وفي أغسطس من عام 2016م قامت حركة أمناء جبل الهيكل بالصوم والحداد إحياء لذكرى تدمير الهيكل الأول، وأقسمت الحركة بالقسم التالي:"باسم الله المُقدَّس سنواصل حملتنا تحت كل الظروف وبدون خوف حتى يتحرر جبل الهيكل من الاحتلال العربي والإسلامي له،  ثم بناء الهيكل الثالث، لهذا الهدف الإلهي الكبير سنعمل ليل نهار حتى يتحقق ومهما كانت العقبات التي نواجهها من قبل أعداء إسرائيل، فمم نخاف إذا كان الله معنا.. نحن نصلي وندعو من أعماق قلوبنا لإزالة الأوثان الإسلامية في الأماكن المُقدَّسة ونعمل على إقناع الحكومة الإسرائيلية ببناء الهيكل الثالث... إن التطورات العالمية التي تحدث الآن هي دليل على اقتراب موعد الخلاص والذي لن يتأتى من دون إقامة الهيكل، في حين يسعى المسلمون لإقامة خلافة إسلامية جديدة تضم العالم كله رغم أنهم يعلمون أن عودة المُخلِّص اليهودي من شأنها إقرار السلام على الأرض".

وحول قرار اليونسكو في أكتوبر 2016م باعتبار منطقة المسجد الأقصى من  المُقدَّسات الإسلامية قالت الحركة منددة بهذا القرار:"قريبًا جدًا فإن كراهيتكم وقراركم الزائف ضد شعب إسرائيل سيُلقى في مزبلة التاريخ، فالخلاص الإلهي قد اقترب موعده".

وفي  ديسمبر 2017م أصدرت الحركة بيانًا قدمت فيه التحية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعلانه الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل مؤكدة أنه مؤيد في هذا القرار من الله وشعب إسرائيل، كما طالبت الحكومة الإسرائيلية بالإسراع فيما أسمته تطهير مكان جبل الهيكل من الفلسطينيين وإزالة المُقدَّسات الإسلامية ومن ثم بناء الهيكل الثالث.

وفي التحليل الأخير، فتلك المنظمة وما تعلنه من أهداف، وما تقوم به من ممارسات تكشف جليًا عن الوجه القبيح للكيان الصهيوني، وحقيقة النمط الإدراكي المُسيطر على كثير من المتدينين داخله نحو العرب، باعتبارهم نفايات بشرية يجب التخلُّص منها بأسرع وقت إبادة أو تهجيرًا.

فوجودهم وفقًا لقناعات هؤلاء المتطرفين من شأنه أن يحول دون تحقق حلم الخلاص، ومن ثم منع إقامة مملكة الرب وفردوسه الأرضي الذي سيحيا فيه اليهود وحدهم بحسب زعمهم.

فأكثرهم يُجمع على ضرورة الذهاب في الاستيطان إلى حده الأقصى، وهدم المسجد الأقصى من أجل بناء الهيكل، غير أن الخلاف الوحيد بين المتشددين والأقل تشددًا داخل الكيان الصهيوني هو في الدرجة والكيفية، فإذا كانت منظمة أمناء جبل الهيكل تؤمن بالتغيير الجذري والسريع والحاسم، فإن باقي الصهاينة يؤمنون به لكن وفق إستراتيجية وخطة زمنية ممتدة لتحاشي إثارة الرأي العام العالمي ضد الكيان الصهيوني.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

 

عصمت نصاريعتقد الفيلسوف الفرنسي "فرانسيس بيكون" (1561-1626م) وبعض الفينومينولوجيين والتحليليين المعاصرين ومؤرخي الفلسفة وعلى رأسهم الفيلسوف الإنجليزي "برتراند راسل" (1872-1970م) والفيلسوف الأمريكي "لويس ممفورد" (1895-1990م) أن المرآة الحقيقة لثقافة الشعوب تبدو بوضوح في فلسفاتهم التي تجمع بين أصولهم وأعراقهم وأخلاقياتهم ومعتقداتهم وآدابهم وفنونهم. ومن ثمّ يجب علينا التسليم بأمرين يتوقف عليهما صحة وسلامة مشاهدات الرائي والصور التي تظهر له في المرآة، وذلك بعد استبعادنا عنصري الإيهام والخداع اللذين تعكسهما المرايا المُقعرة أو المحدبة أو المتسخة. أولهما عطب أو ضعف عين المشاهد، الأمر الذي لا يمكّن بصره من إمعان النظر ليدرك ما يراه من صور على سطح المرآة.

أمّا الأمر الثاني الذي يحول بين الناظر والمرآة وإدراك ما فيها هو عيب في المرايا يوهم الناظر بوجوده في الحقيقة؛ الأمر الذي يستوجب التأكد من سلامة البصر والمرآه معاً؛ وبناءً على ذلك كله بات لزاماً على المعنيين بدراسة تاريخ الفلسفة تحليل شتى الثقافات بمنهج علمي دقيق؛ للتعرّف على هويّة كل منها ومواطن التشابه والاختلاف بينها، ثم قراءة ما أنتجته تلك الثقافات قبل إصدار الحكم على مدى اتساقها أو تقدّمها أو تخلفها أو التنبؤ بانهيارها.

والغريب أننا نجد تلك الأفكار قد ولج المفكر الأزهري "أمين الخولي’’ (1895-1966م) بواباتها وساح في دروبها ولم تمنعه عمامته الأزهرية أو عبائته التليدة عن اقتحام دورها ومحارمها ومعابدها قبل المتفلسفين المحدثين في حديثهم عن الفلسفة والتفلسف وتاريخ الأفكار. وها هو يعترف لقارئه بأنه من أشدّ المناصرين لهويته الثقافية وانتماءاته للفلسفة التي أنتجها منتجو تلك الثقافة الشرقية العربية الإسلامية، وذلك في مقالته المعنونة "الشرق مهد الحكمة" التي كتبها مُلبياً دعوة القائمين على العدد التذكاري للمجلة السياسة الأسبوعية احتفالا بيوم الفلسفة.

والمعروف عن مفكرنا أنه من أوائل الأزهريين المجددين الذين تتلمذوا على أفكار "محمد عبده" وقد جمع في ثقافته بين العلوم الشرعية للأزهر والأدب والفلسفة الغربية، وانتهى من سياحاته في أوروبا إلى رئاسة قسم اللغة العربية في جامعة فؤاد الأول في هذه الحقبة. وقد أسرع في تلبية الدعوة للمشاركة في تبصير الرأي العام بأهمية الفلسفة ودورها في الحفاظ على الهوية المصرية والمشخصات الشرقية والانتماءات العقدية الإسلامية. مؤكداً انضوائه تحت لواء المحافظين المجدّدين الراغبين في توعية العقل الجمعي وتحريره من قيد الجمود وسجن التعصب، ومرغب شبيبة المصريين في الحوار والتساجل والتواصل مع الأغيار والإخلاص في حبهم وانتماءهم وولائهم لمصر.

وها هو يؤكد وجهته النقدية في قراءة تاريخ الفلسفة ودحضه لرأي عشرات المتعصبين من المؤرخين الذين بالغوا في حكمهم على نصيب فلاسفة اليونان من الفلسفة وبخسوا حظ حكماء الشرق وإسهامهم في بنيتها. ويقول في ذلك (لقد أفضيتُ إلى قارئي بدخيلة نفسي على كتابة هذا المقال ونشره؛ ليكون على بينة في تقدير ما يقرأ، ولعلى باعترافي هذا أكون أبر بالحقيقة وأكثر ولاء لقارئي ممّن يخفي هواه ويعلن حكمه).

فنألفه ـ إذ ذاك - يؤكد أن من التعصب رد الفلسفة إلى شعب بعينه وجنس دون آخر؛ بل الأصوب القول بأن لكل شعب ثقافته وأفكاره وميوله وطموحاته أي خصوصية التعبير عن هويته المنتجة للفلسفة، وعليه فكل فلسفة لا تكون مرآة لصاحبها تعد تقليداً وسخفاً أو خيانة تضر ولا تنفع.

وإذا كان للتعصب وجهٌ من وجوه الخير فهو الإخلاص للهوية والصدق مع الأنا وكليهما يظهر في مرآة الحكمة التي نطلق عليها الفلسفة. ويرى مفكرنا أن لكل جيل أعين ونظرة وبصيرة تستمد قوتها ويُرد ضعفها إلى الثقافة السائدة والتربية المتغلغلة في بنية المتأمل والرائي معاً؛ بل والمبدع أيضاً، وينعكس سلوكه العملي بالتالي على مشاهداته واعتقاداته ورُآه.

ويخطأ من يعتقد في رأي "أمين الخولي" أن السؤال الفلسفي عن الوجود وما فيه، والإنسان ومعارفه، قد انفردت أمة واحدة بالإجابة عنه؛ بل هو ميراث الأجيال المتتابعة تأثرت به فلسفة اللاحق على السابق ويقول (فما يتركه السلف في ذلك الميدان - مهما هان أمره - أساساً يبنى عليه من يخلفه من قومه أو من جيرانه الذين ينتهي إليهم ما عرفه، وبذلك يكون خطوة راح السابق للاحق من أن يخطوها، وأدناه بها من صورة للحقيقة أوضح وأبين مما قبلها، وإذا كان الأمر كذلك، ليس فيه مشاحة، فإن مؤرخ الحكمة يجب أن يعرف لكل شعب فلسفته، ويقر لها بتنسيبها في التدرج الإنساني؛ ودفع ما بعدها إلى التقدم المؤسس على ما قبله حتماً، وليس التغافل عن ذلك إلا مجاوزة للأسلوب العلمي الصحيح ومخالفة له ... إذا كانت الفلسفة - بالمعنى الخاص- تقوم على أساس من التفكير المنظم، وأساليب ربط المعلومات، وهو "المنطق" فإن أمم الشرق القديم ذوات الحضارة المعروفة، قد أوت من ذلك إلى أساس تهذيب أبناءها وتنظيم تفكيرهم، سواء أكانت لها في ذلك قواعد لم تدون، أم كانت لها قواعد دونت وضاعت فيما ضاع من آثار حضارتها العلميّة، وهو أكثرها، فإن الزمن قد حفظ أثره من المنطق الهندي منطق "جوتاما").

 ويضيف مفكرنا أن فلاسفة الشرق كان لهم السبق في تصوّر العالم الإلهي، وإذا كان أرسطو قد وضع تصوراً لرب الأرباب، فإن ابن سينا قد ربط بين مفهوم الإلهيّة والخلق وجعل العالم الإلهي والعناية الربانية علة وجود الوجود المحسوس وما فيه من موجودات. أي أن الفلسفة العربية الإسلامية قد استفادت من التراث الفلسفي السابق، وأضافت ما يعين الجيل اللاحق من الفلاسفة على استنباط إجابات أعمق عن الإلهية وأصل العالم. ناهيك عن أبحاث المصريين والسومريين والهنود عن الروح والغيبيات التي تأثر بها فلاسفة الغرب في مختلف العصور، ولا يُقالُ إن ما جاء به المصريون والهنود والفرس والبابليون مجرد نقوّل دينية ترد إلى موروثات عقدية لا نصيب للعقل أو التخيل أو الإبداع الإنساني فيها، فلو كان هذا الادعاء صحيحاً ما ظهرت الفلسفات المادية والثانوية وهي بطبيعة الحال تختلف عن الديانات السماوية أو الوحي الإلهي الذي جاء به الأنبياء؛ الأمر الذي يبطل الزعم القائل: "إن الشرق أمتاز بالأنبياء؛ حين أمتاز الغرب اليوناني بالحكماء". أضف إلى ذلك؛ أن الصور الأسطورية والأخلاق والعادات المستنبطة من تلك الأديان التي ذاعت في بلاد الشرق، لم تكن سوى إضافات قام بها الكهنة الذين كانوا يمثلون الفلسفة وقت ذاك.

وينتقل مفكرنا إلى الجانب العلمي من الفلسفة الشرقية؛ فيشيد مع الفارابي بعبقرية حكماء الشرق الذين جمعوا المعارف الإنسانية السابقة على أيامهم فدرسوها واستوعبوها وهضموها، ثم نقدوها وأعادوا بنائها، وأضافوا عليها بالقدر الذي لا يستطيع فلاسفة الغرب على مر الدهور اللاحقة أنكاره.

وإذا قيل إن بعض تلك العلوم الشرقية قد أختلط بالسحر والخرافة؛ فإن مفكرنا يرى أن هذا النقد في محله، ورغم ذلك لا يمكننا إنكار أثر علم النجوم البابلي على ما خلفه اليونان في ذلك، كما أن جهود العرب لا تُجحد أيضاً في تطوير وتحديث المعارف الفلكية. ويمضي "أمين الخولي" في سرد مناهج حكماء الشرق في العلوم التجريبية والأخلاق العمليّة والأصول التربوية التي نجحت في تهذيب الأنفس وتقويم الشهوات وتنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية بالآداب والأعراف ثم الدساتير؛ مستشهداً بشرائع حمورابي ونصائح كونفوشيوس ومن قبلهما تعاليم حكماء مصر القديمة وأحاديثهم عن الصفات التي يجب أن يتحلى بها الحاكم لتحقيق العدالة والإنصاف. ويضيف على ذلك، أنه من الظلم الاعتقاد بأن الشرقيين قد استملحوا الخنوع والاستبداد واستسلموا لما نطلق عليه الحكم الإلهي؛ فإن حديث الفراعين وحكماء الصين عن الحرية والضمير وحقوق المستضعفين واحتيال الكهنة وكذبهم على الآلهة لتدبير استبدادهم خير دليل على رفض بعض حكماء الشرق لذلك الفكر السياسي السائد القائم على العصبية والعنف والقمع والاستغلال والاضطهاد. ويقول مفكرنا في ذلك (وما نريد أن نوازن بين مذاهب الحكمة القديمة في الغرب، وسابقتها في الشرق ونقابل مذهباً بمذهب، وإنما مدار ما ندّعيه - بأنصاف - هو أن للشرق، الأقدم حضارة والأسبق تمديناً، حكمة غذت ما تلاها، وقرّبت ما بعدها أو سببته، ومن الطبيعي أن تكون للجديدة صورة أخرى).

ويكرر مفكرنا أسفه على مؤرخي الفلسفة الذين أعياهم التعصب فاستباحوا تضليل قراءهم بزعمهم أن فلسفة اليونان من ابتداع أهلها وأنها لم تستفد من الحضارات السابقة عليها؛ مبيناً أن مثل هذا الادعاء مجافياً لقوانين التطور والحقائق التاريخية التي أثبتت تأثر اللاحق بالسابق، كما أنها تتناقض مع الدراسات الجادة التي تقطع بتتلمذ اليونانيين في شتى المعارف على حكماء الشرق وتنقض نظرية الطفرة التي تحول الحديد إلى ذهب والهمج إلى علماء ومخترعين.

وعليه فإن النظرة الفاحصة إلى المرآة سوف تأكد وجود مئات المؤثرات العلميّة الشرقية التي صوّرت لأعين الرائي أن الحضارة اليونانية في المركز الذي بنيت عليه المدنية الأوروبية الحديثة.

 ويختم ‘‘أمين الخولي’’ حديثه بقوله (وأخيراً؛ اذا كانت الحكمة في الغرب عند يونان. قد خطت خطى واسعة في سبيل التجدد والدقة، أو العمق في التأمل فنعم، وإذا كانت الحكمة عند يونان قد أتيح لها التخلص من التأثير الديني والتحرُّر من قيوده على نحو لم يتح لها كثيراً في الشرق فنعم، واذا كانت حكمة يونان ذات مذاهب ومدارس واضحة وهو ما لا يظهر كثيراً في حكمة الشرق القديم فنعم، واذا كان وكان بين الحكمتين فروق متعددة أو عظيمة فربما قلنا نعم. أمّا أن الحكمة الغربية لا تعرف الحكمة الشرقية؛ وأنها لم تكن صورة من صور التدرج الفكري الإنساني؛ بل شذوذاً فذاً، لم تستفد من خطوات الإنسانية السابقة عليها، فنقول .. لا... فالشرق مهد الحكمة).

ولا ريب في أن قراءتنا لمقال "أمين الخولي" يقودنا إلى التنبيه على أنه لم يكن على شاكلت معظم رفقائه من المفكرين المحافظين الأزهريين بل كان مجدداً من طراز خاص، فقد نجح في تطبيق نظرية المرآة في دفاعه عن أصالة الفكر الشرقي وإثباته بالمنهج العلمي مغالطات العديد من المستشرقين التي أنكرت أو جهلت أو جحدت جهود حكماء الشرق ودور فلسفتهم في مرآة الحضارة العاكسة لمدنية الغرب وثقافته وحضارته. وجديرٌ بنا أن نتسأل هل العلة في أعيننا وأبصارنا أم في بصائرنا لعدم تمكننا من إدراك الحقيقة؟ وهل مرايانا مسحورة، أو مكسورة، أو انتهت صلاحيتها؟

ونتسأل أيضاً هل فلسفتنا غائبة لحبها في التخفي أم طمسها جهلنا بها (أنا لا أعرفني) أم تراها مرآه كاذبة قد استملحت الخداع أم تحسبنا كلنا عميان نتأمل لوحاً أسود من الرخام؟ هل نصدق أن العيب في نظارتنا السوداء أم في مرايانا الشاغلة بالفيروسات؟ وهل في مقدورنا شراء مرآة "سقراط"، أم صناعة مرآة ‘‘ممفورد’’، أم المرآة الغائبة التي نطمع في عودتها؟

وللحديث بقيّة مع حديث آخر في عيد الفلسفة الذي نشرته مجلة السياسة الأسبوعية.

 

بقلم: د. عصمت نَصَّار

 

رحيم الساعديبقلم الوسترادو..

عن موقع (مدونة ورقية) الأسباني

ترجمه عن الأسبانية د. رحيم محمد الساعدي


 يعد ابن مسرة،من أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام في ثقافة الأندلس وفكره؛ حيث كان لفلسفته في الزهد التأثيرالكبير على علماء العصور اللاحقة. وفي الواقع، يعد ابن مسرة رائد الفلسفة الإسلامية في أوروبا، فقد وصل إلى توليف أعلى مستويات الروحانية في الشرق والغرب على حد سواء.

ابن مسرة

ولد ابن مسرة، في قرطبة، عام 883، ضمن البيئة التي ورثها عن والده. وقد حمل والده المسلم من بغداد مذاهبمدرسة فلسفية شهيرة. وجمع ابنه، ابن مسرة الحكمة المبتكرة الواسعة والناضجة.

تأثر فكره الفلسفي الاصيل بالنزعة البيريسيلية (العقيدة المسيحية لبريسيليان أفيلا). وجوهر هذا الفكر هوعقيدة منبثقة من الأفلاطونية الجديدة. ومفادها انه يرأس الكون من قبل واحد، وهو إنسان إلهي بسيط جدا منهينبثق كل شيء تدريجيا بشكل مذهل وبخمس مواد هن أصل الكائنات التي تم إنشاؤها من المادة الخام، والتيتنبع مباشرة مرة واحد في شكل ضباب فوضوي .

إن اشعاع ضوء الواحد في المادة ينبع من الكائنات السماوية، وكان أولها هو من غرس فيه الواحد علم الكياناتالمستقبلية؛ ثم تأتي الروح، ثم الطبيعة، التي تنشأ من الجسم، والتي تنشأ منها الكائنات من العالم المرئي، وتتألفمن المادة والشكل.

لان ابن مسرة متصوفا فقد أعطى أهمية كبيرة لمحاسبة النفس والضمير في اشارة الى تنقية الإنسان، معتبرا أنهمساعد للزهد.

ان كل هذه الأفكار لم تستغل بذلك الوقت من قبل الشعب، وتم تدريسها بشكل سري خوفا من عدم قبولها من قبلعقيدة الفقهاء الدينية . وعلى الرغم من كل شيء، فقد أصبح ابن مسرة مشكوكا به في ممارسة (الهرطقة) فاتخذقرارا حكيما بالحج إلى المدينة المنورة ومكة المكرمة في عام 912، لحلحلة الشكوك والابتعاد عن التهديداتالمحتملة، بالتزامن مع وصول عبد الرحمان الثالث إلى عرش قرطبة .

في رحلته إلى مكة المكرمة، وجد برحلته من الإسكندرية إلى بغداد ثقافة إسلامية في منتصف تلك الفترة الإبداعية،والتي استوعبت فكر اليونانيين والهندوس والفرس والسوريين. واحتل الفيلسوف والطبيب الرازي،المعروف باسمرازيس، مساحة مهيمنة. فقد عرف هذا الإيراني كيف يجدد روح الفلسفة ما قبل السقراطية لفيثاغورسوإمبيدوكليس، في معارضة واضحة لتفكير أرسطو.

خلال إقامته في البصرة، أصبح ابن مسرة مهتما بعقلانية المعتزلة ، والتي انتهى بها المطاف إلى التطور بعدبضع سنوات لإخوان الصفا، وهم مؤلفو موسوعة شعبية تم تعريف غرضها بانها:" توليفة من جميع العلوم والدين". وكانت المعتزلة حركة إسلامية تتميز بروح الانفتاح والعالمية، التي كانت تنمو في شبه الجزيرة الأيبيرية، وخاصة منابن مسرة إلى ابن عربي.

من خلال رهبنة الزهد الصوفي

وعرف ابن مسرة تيار الغنوصية الأفلاطونية الجديدة،التي أثرت على الأديان العقائدية لكل من اليهودية معفيلو، والمسيحية من خلال بلوتينوس، والإسلام بالصوفية.

ففي الإسكندرية، عرف ابن مسرة الفلسفة اليونانية بفضل عمل بلوتينوس اليهودي،الذي حاول أن يؤلف بينالفلسفة اليهودية واليونانية، كونه واحدا من مؤسسي التصوف حيث تم الجمع بين تأثير الهند وأفلاطون والمسيحية.

ومن التأثيرات الفلسفية التي تلقاها، بنى ابن مسرة فكرته الخاصة: بالزهد.

كان عبد الرحمن الثالث خليفة متسامحا ملما بالقراءة والكتابة من سلفه، وسمح لابن مسرة بإعادة تدريسالنظرياته الفلسفية بعد عودته. وعلى الرغم من أنه كان قادرا على القيام بذلك لبعض الأقليات، لكنه كان بالفعلضمن بيئة جديدة، من العلماء الذين شملتهم حماية الخليفة. كان ذلك خلال خلافة عبد الرحمن الثالث، بين عامي912 و961، حينها أصبحت قرطبة مدينة رائعة، وازادت مكتباتها ومدارسها فكانت المركز الاقتصادي والسياسيوالثقافي لشبه الجزيرة الأيبيرية.

قام ابن مسرة في الغرب، وتحديدا في قرطبة، بأول توليف فلسفي لأعلى التقاليد الروحية في آسيا وأفريقيا .

وقد أحيت قراءته الرمزية للقرآن: ظواهر الطبيعة أو الأحداث التاريخية، كما كانت ذات يوم قراءة اليهودي فيلوللتوراة، أو ظاهرة البريسيليان المسيحيين للأناجيل.

ووفقا لمفهومه للحرية الإنسانية، فان الإنسان هو المسؤول عن أفعاله، لأن الله لم يحدده، لذلك فهو حر فيالرضوخ لخطاياه أو السعي، من خلال "علامات" الله،إلى "الطريقة الحقيقية"التي تسمح لنا بتحقيق الغايات التييدعونا الله من اجلها . إن مفتاح فكر ابن مسرة هو تجاوز الأفعال، التي تحدد بوضوح معنى وغايات وجودنا.

لقد حدد ابن مسرة أربعة مستويات من الاهداف للوصول إلى كمال الإنسان:1. هناك سعادة نسبية،تقابل نية الإنسان المتقلبة واللحظية. 2. مستوى آخر أعلى هو انسجام العمل مع طبيعة الفرد ككل. 3. بالاضافة لماسبق فهناك تحقيق لمطالب الكمال الأساسية. 4. السعادة العليا، وهي الاستجابة غير المشروطة لنداء القانونالإلهي.

هذه النظرة للعالم تعني حرية الإنسان، وتمجيد العقل الذي يجعله قادرا على السيطرة على رغباته الجسدية وغرائزجسده.

كما قدم ابن مسرة تفسيرا رمزيا للكتاب المقدس، ويعترف بقيمة كل الوحي بنفس الروح التي يكشف بها القرآن عنوحدة جميع الأديان ويعتبر الخضوع لله("الإسلام") هو العامل المشترك: ويقدم هذا الدين أنه تتويج لجميعالإنجازات الدينية القديمة.

لقد حاول ابن مسرة أن يفهم كل العلوم مثل (دراسة "علامات الله")، والحكمة (والتأمل في الغايات)، والإيمان،بالاضافة لفلسفته التي رأت في النور رمز الله.

ومن بين أطروحاته حول الفلسفة كانت (نقد الأديان)، وطب الروح (في الطب الروحاني)، وكتاب خصائصالحروف، ورسالة التأمل.

وفي قرطبة أسس مع مجموعة من التلاميذ مدرسة فلسفية هامة: ودرس بشكل رئيسي مذاهب إمبيدوكليس حولأصل الكون وعناصره. وكان لها مظاهرها في قرطبة و (ألميريا).

استمر نفوذ ابن مسرة لأكثر من قرن، وذلك بفضل سياسة التفاهم والتسامح التي كانت قائمة في عهد الخليفة عبدالرحمن الثالث ( 912 إلى 961) وحكيم الثاني (961 إلى 976) الذين حموا الفلاسفة والحكماء. ولكن بعد ذلك،قام رجال الدين من الفقهاء الإسلاميين بمعارضة ابن مسرة، بسلسلة من الاضطهادات ضد الفلاسفة والعلماءالذين لا يتوافق تفكيرهم مع العقيدة التقليدية في الإسلام.

أجبرت مدرسة ابن مسرة على العمل في السر إمام طائفة تلاميذه، وقد تحولت مدرسة ابن مسرة من مفهوم الزهدإلى السياسة. فهو يرى أنه لا توجد ممتلكات مشروعة عندما لا تكرس لخدمة الله. وكانت هذه الشيوعية الصوفية تنتشر بين الطبقات الأقل قدرا في قرطبة، في وقت انتشر فيه الطاعون والمجاعة. وقام المسريون بتجنيد الاتباع بينأفقر الناس.

وفي القرن الحادي عشر، دخل مذهب ابن مسرة في انحدار تدريجي. وكان اخر تلاميذه، (صوفيو الميريا)، الوحيدون الذين احتجوا عندما أمر متعصبو الفقهاء بحرق أعمال الغزالي، مما تسبب في الاضطهاد بموجبمرسوم رسمي من السلطان المرابط يوسف بن طشقين، في عام 1106.

كان لفلسفة ابن مسرة تأثيرا ملحوظا على الأندلس، حيث جمع ابن حزم تعاليمه وتجلى إرثه في كتابات يهوداهاليفي؛ وفي فيزياء أفيروي، وفي "الفلسفة الشرقية لابن سينا وفي ابن عربي. وفي العالم المسيحي، ونجد فكرابن مسرة وإلهامه لعلماء لهم مكانتهم مثل ريمون لوليوس ودانتي وبيكون.

وقد فقدت كتب ابن مسرة، فاليوم لا تعرف فلسفته إلا من خلال الشهادات التي كتبها ابن عربي، وابن حازم والمؤرخابن سعيد. ولخص الفيلسوف والشاعر اليهودي العظيم ابن جبرول، من ملقة، فكرته في كتابه "فونس فيتاي" (ينبوعالحياة).

وقد درست حياة وأعمال ابن مسرة بعمق من قبل المستشرق الإسباني ميغيل أسين بالاسيوس،الذي نشر فيعام 1914 السيرة الذاتية لابن مسرة ومدرسته .

 

 

 

سارة طالب السهيلشيء غريب جدا من طفولتنا تقريبا كل شيء تغير، حيث غادرنا معاني الرقي والوقار، ومعاني جمال الروح، فكنا نتذوق الجمال في كل شئ خلقه المولى عز وجل بفطرة ذكية نقية وعذبة المشارب الوجدانية والروحية والعقلية ايضا عندما نرى لوحة لفنان ابدع لوحة الطفل الباكي او الفلاحة وهي تحمل فوق رأسها غذاء زوجها الى الحقل.

هذا الجمال الخلاب والطبيعي استبدل بما هو مزيف وأصبح التركيز على شيء واحد هو المرأة.

وابراز جمالها ومفاتنها الأنثوية بشكل صارخ عاري تماما عن الاحتشام. فصانعو الدراما ومنتجو الاعلانات ومعدو البرامج التلفيزيونية ومنتجو الافلام والمسلسلات الدرامية، وحتى معدو الندوات السياسية الاقتصادية، كلهم جميعا بلا استنثاء يتعمدون في الترويج لبضاعتهم ونشر افكارهم وجذب الجمهور المستهدف لهذه البضاعة الفكرية او الفنية او السياسية على تعرية المرأة. لاشك انها ظاهرة تحتاج دراسة لفهم لماذا يزج بالمرأة على هذا النحو من الابتذال

فمثلا نرى فيلما او مسلسلا مصحوبا بدعاية او اغنية، أو دعاية لسمنة، فما هو دخل دخل السمنة بعري المراة ما ربط الطعام والمطبخ بمحاكاة الغرائز الغير نظيفة؟ وما دخل السيارة بسيقان المراة فما الداعي لترويج منتج صناعي بأقدام إنسانة؟ وما الرابط بين اكاديمية تعليمية وبعدسات زرقاء لعارضة أزياء؟ لماذا تجري محاولات تأنيث بل تعرية كل شي، حتى لو في بلاد الغرب او بلاد متفتحه؟

والحقيقة أنا لا استفسر عن هذه النقطة فقط من باب ديني واخلاقي، بل اريد فهمه من باب المنطق والفلسفه. ولماذا أصبحت المراة رخيصة هكذا بقبول مجرد ترويج واثارة انظار التجار في شتى صنوف التجارة، وكيف لها قبول هذا المنطق؟

وبعيدا عن هذه النقطة اريد ان افهم السبب ما الرابط بين مؤتمر سياسي وفتيات تستقبل الناس بفساتين السهرة العارية؟أو مشهد حزين مثلا في مسلسل لازم نرى ملابس قصيرة والكاميرة تاخذ لقطة الملابس !مطربات ومطربين مشاهد الاغنية احداهن تتدحرج على الرمال بملابس الحمام وأخرى يتم تصويرها بما لا يليق ولا يمكنني التوسع بالكلام فهمكم كفاية

أمور كثيرة جدا غير مفهومة بربط كل شي بسيقان النساء، فمنذ القت العولمة بظلالها على شعوب العالم، وعملت على تغيير ثقافتها وعاداتها التاريخية، عمدت بعض الدول الغربية الى توظيف المرأة الاجنبية والعربية في الاعلانات التجارية تحقيقا لمكاسب اقتصادية وتسويقية، عبر الاستغلال الجسدي للمراة. ولأن كل شئ بات يباع ويشترى الفكر والسياسة والقانون وحقوق الشعوب، فلا أسهل من استخدام خدعة قديمة وهي المرأة وانوثتها في تحقيق مآرب ابليس التجارية.

فتقديم المرأة كسلعة للإغراء والترويج دون التركيز على جوهرها وانسانيتها يتنافى مع حقوق الانسان بالكلية، ويجر المرأة من عفافها واحترامها لنفسها، بل انها بتعريتها بهذه الملابس الصارخة تدفع المراهقات الى تقليدها وبالضرورة يفسد المجتمع وتنتشر فيه أمراض التحرش والاغتصاب وغياب الامن والأمان وفقد قيمة الاسرة والزواج وانتشار الامراض النفسية .

فاستغلال جسد المرأة كإغراء لشد الانتباه هدف الى تحريك نزعة الاستهلاك وخاصة في منتجات التجميل. ولعل قولبة صورة المرأة كوسيلة دعائية تجارية للمواد الغذائية أو مواد التجميل وآخر صيحات الموضة وأفلام ودراما الإثارة عمل على تشويه صورة المرأة وتعزز من دونيتها للاسف الشديد.

انني اناشد وزراء الثقافة والاعلام والتربية والتعليم والاوقاف ووزارات الشباب لكسر تلك الايدي التي تجبر او تروج لأصحاب الرايات البيضاء في اعلامنا المرئي والالكتروني والمسموع وحتى المقروء ، ونزع تلك الرايات البيضاء من ايدي الاعلام والفن والثقافة والسياسة والادب والتجارة وكل المجالات واستبدالها برايات نصر المرأة على تسفيهها وتحجيمها وترخيصها بهذا الشكل المعين فأين دور الرقابة والنقاد؟

فالامر ليس اختياري لان لا جمالية في هذا الامر المضر نفسيا وسلوكيا وصحيا واخلاقيا اضافة الى تدمير نصف المجتمع الذي هو المراة بعدم اعطائها قيمتها الحقيقية البعيدة عن هويتها الوحيدة المستخدمة في وسائل الاعلام والاتصال حاليا الا وهي الهوية الانثوية

فأين هويتها الثقافية والفكرية والعلمية والتربوية؟ودورها الحقيقي كالملكة زنوبيا والسيدة مريم العذراء والسيدة خديجة وحتشبسوت وبلقيس وكيلوبترا ونفرتيتي والملكة سميراميس والملكة زكوتو

انني لا أملك سوى التوجه الى المرأة ذاتها كي تصون كرامتها وتحفظ قيمتها من غوايات ابليس فقيمتك عالية لا ترخصيه بدافع من جلب المال او تحقيق شهرة زائفة.

انا لست متزمته بالعكس فأنا وسطية وأؤمن بحرية المرأة بالفكر والعمل والمشاركة العامة وارتداء ملابس وسطية كما رأيناها في افلام ابيض واسود شياكة واناقة ورقي وفي ذات الوقت دون ابتذال

فحرية المرأة ليست ملابس مبتذلة ودعايات رخيصة ، حرية المرأة في انها تكون متساوية مع الرجل في الحقوق والواجبات ، صاحبة رأي وفكر وتأثير

و ليست دمية استعراض واكرر انني لست ضد تزين المرأة فهذه فطرة وانما ضد استخدامها كتجارة وسلعة وانزالها من عرش الملكة الى مروج لسلعه يملكها رجل لماذا لا تكون المرأة هي صاحبة وكالة السيارات فلماذا تكون هي دعاية للسيارة

لماذا لا تكون المرأة صاحبة مصنع السمنة والزيت والسكر؟ لماذا تكون مجرد مروج لسلعة ومنتجات؟

نداء الى جماعة حقوق الانسان وخاصة حقوق المراة بعضكم دافع عن حقوق هامه للمراة وبعضكم لم ينسى حتى المطالبة بأمور اخرى غير طبيعية مثل الترويج لانواع الشذوذ والخروج عن المألوف مما دمر النسيج الاجتماعي وفكك الاسرة لكنكم نسيتم اهم نقطه من الاجدر ان تدافعوا عنها وهي قيمة المرأة وكيانها وحثها على معرفة قيمتها الحقيقية بأن ترفض ان تكون مجرد اداة او وسيلة لكسب المال من الاجساد الغير ثمينة

فأنت ياحواء اغلى من ان تكوني مروج للسلع ، بتعليمك وخروجك لسوق العمل الى جانب الرجل فليكن طموحك ان تكوني صاحبة اعمال ومشاريع اقتصادية وتجارية وفكرية وتربوية وسياسية وتطوعية وانسانية كل واحدة في مجالها وموهبتها

اخرجي من هذا الاطار الضيق المظلم الذي هو سجن لطموحاتك الكبيرة فالحرية ليست بالابتذال

فكم كانت جميلة فاتن حمامه وهي راقية ومحتشمة وأم كلثوم ونازك الملائكة وفدوى طوقان وهدى شعراوي وصبيحة الشيخ داؤد القاضية العراقية صاحبة كتاب (أول الطريق الى النهضة النسوية الحديثة)و

نزيهة الدليمي أول وزيرة في العراق الحديث والتشكيلية وداد الأورفلي والجزائرية جميلة بوحيرد

والمغربيه فاطمة الفهرية التي أسست أول جامعة في العالم

وفيروز اللبنانية التي غنت بحنجرتها لا بفستانها واميلي بشارات رئيسة اول اتحاد نسائي في الاردن 1945

كونوا ملكات ورائدات وصانعات امجاد و(اتركوا الرجل هو يعمل الدعايات ونقلب الكفة عليهم)

 

سارة طالب السهيل

 

سناء ابوشرارهل يمكن أن يكون لكل امرأة حضارة خاصة بها؟ بكل ما تتطلبه الحضارة من إلتزامات وواجبات وجدية وعمل دؤوب . هل  يمكن أن تكون المرأة كيان حضاري قائم بذاته حتى بصورتها الفردية، أي أن تكون أمة شاملة لنواحي عديدة بهذه الحياة؟ أم هي مجرد اسم ورقم بين ملايين النساء في قرنٍ ما مضى أو سيمضي؟

وإن كان لكل امرأة حضارة خاصة بها، فما هي ميزات حضارة المرأة في زمننا المعاصر؟

لقد أخبرتها وسائل الإعلام والمجلات والصحف والروايات بأنها كيان تابع نفسياً ومعنوياً وعاطفياً للرجل ولكن لابد أن تكون كيان مستقل مادياً، أن يكون طموحها المهني أعلى طموحاتها حتى أنه قد يكون قبل زوجها وأولادها في سلم أولولياتها .

لقد أخبرها العالم المعاصر بأنها لابد أن تكون جميلة جذابه ومثيرة، ففي الستينيات كان لابد أن تكون ممتلئة الجسد، وفي الثمانينيات كان لابد أن تكون نحيفة ورشيقة وفي التسعينيات كان لابد أن تكون أكثر نحافة وحالياً لابد أن تكون شديدة النحافة ولابد بأس ببعض من ال "أنوروكسيا نرفوزا"* فهو مرض يمنحها صفة حضارية؛ وحالياً أخبرها بأنها لابد أن تُجري العشرات من عمليات التجميل لتكون أجمل وأن تنفخ بعض مناطق جسدها أو العكس. أخبرها العالم المعاصر بأنها كي تكون متحضرة متطورة لابد أن تجوب المحلات للتسوق لتشتري أفضل الماركات العالمية، لابد أن تشتري أفضل أصناف المكياج، لابد أن تلتحق بنوادي اللياقة، لابد أن تكون لها مجموعة من الصديقات حيث يتشاركن القصص، والمعاناة والأفراح ولا يهم أن يتواجد الصدق .

أخبرها العالم المعاصر بأنها لا يجب أن تفني عمرها لأجل أولادها وتربيتهم، لابد أن يكون لها حياة خاصة بها، لابد أن تكون جميلة وشابة في جميع مراحل عمرها وأن عمليات التجميل ضرورة لابد منها كي تقبل ذاتها وكي يقبلها المجتمع، أخبرها العالم المعاصر بأن تحذر من الرجل المخادع الغادر الأناني وأنه إن إخطأ معها  لابد أن تدمر بيته وأن يتحولوا أولاده لأعداء له حتى ولو مارس حقه الشرعي بالزواج مرة ثانية فهو يكون مجرم لابد من معاقبته وأول من ينفذ العقاب قد يكونوا أولاده بتخطيط مُسبق منها، وربما تكون متدينة ومحجبة تحترم كل ما سمح الله تعالى به من حقوق ما عدا حقه بالزواج مرة أخرى، أخبرها العالم المعاصر بأنها لابد أن تكون سعيدة الآن هنا، في هذه الحياة، وإنها إن لم تحصل على هذه السعادة الآن هنا لابد أن يتحول من حولها إلى مجموعة من التعساء لأنها ببساطة أتعسهم حتى ولو لم يرى من حولها سبب لهذه التعاسة .

أخبرها العالم المعاصر بأنه حتى ولو كانت امرأة مرفهه ولديها ما تحلم به ملايين النساء، لابد أن تكون تعيسة لأن زوجها لا يهتم بها مثلما يهتم زوج صديقتها بها أو حتى مثلما يهتم ممثل ما في مسلسل ما بزوجته، أخبرها العالم المعاصر أن قيمة الرجل بما يملك وأنها لابد أن تتزوج من لديه المال حتى ولو كان ينقصه الدين أو الرجولة، أخبرها العالم المعاصر أن على المرأة ألا تخجل من التصريح باحتياجاتها النفسية والعاطفية فأصبحت أكثر جرأة بل بأحيان كثيرة أكثر وقاحة لدرجة جعلت الرجل يرغب بالإختفاء عوضاً عن الإنجذاب لها.

أخبرها العالم المعاصر بأن قيمتها في قوة شخصيتها وأن هذه القوة لابد أن تمارسها في كل الأحوال وكل الظروف، وأن الرجل لابد أن يحترم ويقبل هذه الشخصية وإلا سيكون انسان متسلط ومتخلف، ولابد أن تكون قوية الشخصية حتى ولو لم تمتلك الثقافة أو الوعي اللازم لتفهم ما هي قوة الشخصية .

يمكن أن تطول قائمة ما قدمه العالم المعاصر على طبق الحضارة للمرأة في زمننا الحالي، بالطبع هناك حقوق تمتعت بها، وحقوق أعادت لها الكثير من ثقتها بذاتها ومنحت المجال للمرأة أن تُبدع وتُثبت قدراتها في مجال لا حصر لها، هذا المقال لا ينتقد مُكتسبات المرأة ولكن ينتقد تخلي المرأة عن دورها الأساسي في المجتمع وهو الأمومة وأن تكون الداعم النفسي والعاطفي للرجل .

الجانب الأشد إغراءً في حضارة المرأة المعاصرة هو منحها كل الحرية والإختيار بأن تغير جميع أولوياتها، ألا يكون أولادها في قائمة أولوياتها ولا زوجها ولا قيم المجتمع، أن تكون كيان مستقل عن أسرتها، تمارس دور الأم لأنها لابد أم تكون أم أمام المجتمع ولكنها منسحبة أمام مسؤولياتها، بل قد تعتبر ان الأمومة قيد لطموحها ولحياة ترغب أن تحياها فتستبدل أمومتها بخادمة تلبي احتياجات اولادها .

أن يتحول زوجها لمجرد ممول لاحتياجاتها، وألا تستطيع أن تقوم بدور الداعم المعنوي له، لأن الرجل مهما بلغت قوته النفسية أو حتى المادية يحتاج لامرأة يلجأ إليها بعد يوم متعب من العمل، امرأة تقدر مجهوداته مهما كان وضعه المادي ومهما كانت قيمته الإجتماعية، فإذا أصبح جل إهتمام المرأة ذاتها وسعادتها الخاصة لن توفر للرجل هذا الدعم الذي يحتاج له بحكم تركيبته النفسية والسيكولوجية مما ينتج عنه أسر هشة تستمر بدافع الضرورة والواجهه الإجتماعية ولكنها لا تُنتج ابناء أصحاب شخصيات مميزة ومؤثرة .

حضارة المرأة هي أن تكون ذاتها كأنثى وأن تعي دورها كداعم للرجل، وأن تحقق ذاتها بأي مجال ترغب به دون أن يكون أولادها من يدفعوا ثمن هذا الطموح، فما الجدوى من نجاح امرأة وقد قدمت للمجتمع ابناء يعانون الفشل النفسي والمعنوي وإنعدام الثقة بالنفس لأنها لم تدعم بهم هذه الثقة منذ البداية. حضارة المرأة هي أن تعي بأن فترة نمو الانسان هي الأطول من بين كل المخلوقات وبذلك فهي المسؤولة عن إعداد انسان وتقديمه للمجتمع بقيم صحيحة وبشخصية متوازنة وبعقلية نيرة وذلك لا يكون دون أم تدرك مدى أهمية دورها وخطورته. حضارة المرأة هي أن تكون لزوجها الداعم المعنوي، المشجع المساند مهما كانت قيمة هذا الرجل، فقيمته الأولى بالنسبة لها هي أنه زوجها وأي قيمة أخرى تأتي في مرتبة تالية . حضارة المرأة هي أن تدرك أنها حاملة رسالة عظيمة سواء كانت تعمل أم لا، أن تحرص على أن تكون أسرتها أسرة متماسكه نفسياً ومعنوياً في زمن معاصر يبدو أكبر تحدي به هو التماسك النفسي والمعنوي . حضارة المرأة ليست هذه الإعلانات والموديلات والكريمات وعمليات التجميل وكل ما يجعل الجسد أجمل على حساب روح منطفأة لا تعلم هدف وجودها بهذه الحياة أو عقل يعمل لأجل رغبات مادية تاركاً خلفه كل معاني الحياة الحقيقية والعميقة.

لقد وصف الله تعالى سيدنا إبراهيم عليه السلام بأنه أمه لإجتماع كمال الصفات به، وكل امرأة يمكنها أن تكون حضارة قائمة بذاتها بكمال صفاتها أو بسعيها لهذا الكمال، وهذه الحضارة الحقيقية لم توجد في زمننا الحالي فقط بل كانت على مدار كل العصور وأجمل النماذج لحضارة امرأة هي أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، فلتتوقف كل امرأة منا للحظات ولتنظر حولها ثم تراقب ذاتها وتتأمل ما وضعته لنفسها من قيمة عليا لتدرك أي حضارة قد اختارت. وهذه الحضارة لابد أن تسعى لها المرأة حتى ولو تفلت الرجل من مسؤولياته لأنها حين تربي ابنها لابد أن تدرك بأنها لا تربي ابنها فقط بل رجل قد يكون ذا شأن وذا قيمة بغض النظر عن تخلي الأب عن دوره أوإنسلاخه عن رجولته.

 

د.سناء أبو شرار

............................

- مرض سببه الامتناع عن الأكل خوفاً من زيادة الوزن ويسبب مشكل صحية معقدة وقد يؤدي للوفاه.

 

مصعب قاسم عزاويفي سياق التفكر بمسألة التفاؤل بقدرات الأجيال الشابة في العالم العربي على القيام بالمهمات التاريخية التي تأخر القيام بها في العالم العربي، وخاصة فيما يتعلق بالانعتاق من نير الاستبداد ومصارعه؛ فلا بد دائماً من التفاؤل بالأجيال العربية الشابة، وكل الأجيال الشابة في كل أرجاء الأرضين، فهم الحاصل الطبيعي لطموح البشرية الفطري بمستقبل أفضل، بالإضافة إلى أن الأجيال الشابة في عصرنا الراهن مناط بها مسؤولية وإشكالية كونية كبرى لا بد من تشارك جميع بني البشر في مقاربتها والسعي لحلها ودون أي تسويف في ذلك، وأعني هنا الكارثة البيئية الكونية التي تنتظر بني البشرية وكوكب الأرض في حال استمرار مستوى انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون على مستواها الحالي، والتي سوف تحول جل أرجاء الأرض إلى مناطق لا يعاش بها سواء بسبب الفيضانات، أو الأعاصير، أو الجفاف، أو الحرائق، أو زيادة معدلات الحرارة و الرطوبة إلى مستوى يفوق قدرات أبدان البشر على إطاقتها فزيولوجياً، أو غيرها من مفاعيل ظاهرة الاحتباس الحراري وزيادة حرارة الغلاف الجوي.

ومن ناحية أخرى فإن الأجيال العربية الشابة أثبتت بجدارة قدرتها على الإبداع والنضال والتنظيم والحشد بشكل استثنائي في سياق الربيع العربي الموؤود بقوة الاستبداد العربي، وأولياء نعمته من المستعمرين القدماء لأرض الناطقين بلسان الضاد، والذين لم يرحلوا إلا شكلياً وتركوا مفوضيهم الساميين من الطغاة للقيام بالدور المناط بهم فساداً وإفساداً بكل الأشكال والتلاوين.

ولكن القلق الأكبر يمكن في تلك الحملة الشعواء التي تشنها الرأسمالية على عقول بني البشر باستخدام أسلحتها وتقاناتها التكنولوجية المستحدثة، مشخصة بمفاعيل ثورة الاتصالات وتدفق المعلومات، لحرف تلك المفاعيل عن دورها الطبيعي في تسهيل التواصل بين البشر، وتيسير سبل الحصول على المعرفة لكل الراغبين بذلك، لتصبح وسيلة لاختراق عقولهم، والتغول على كل خصوصياتهم، لأجل تحوير وتعديل وتوجيه سلوكاتهم وميولاتهم بالاستناد إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي، و هي التي أصبحت فائقة في قدرتها الاختراقية والإيحائية للتلاعب بميولات البشر، كما تجلى في الورقة البحثية التي نشرها فيسبوك في العام 2014 متبجحاً بقدرة منصة فيسبوك على تخليق سعادة وبهجة مصطنعة لدى مستخدمي المنصة، أو تخليق حالة من الإحباط والاكتئاب لديهم حسب ما يروق لإدارة المنصة. والأرجح أن قدرات الذكاء الاصطناعي الوحشي في التلاعب بميول واتجاهات وأمزجة بني البشر قد تعملقت وتضخمت منذ تاريخ تلك الورقة البحثية التي مضى على نشر فيسبوك لها بضع سنين.

وبالتوازي مع ذلك فإن هناك خطراً وجودياً على مستقبل الأجيال الشابة، وقدرتها على القيام بالمهمات التاريخية المطلوبة منها لحفظ الجنس البشري من الانقراض، تتمثل في الهجمة الشرسة من كل وسائل الإعلام المتسيدة مدعومة بكل النواطير على الاقتصادات المنهوبة، لإيهام تلك الأجيال الشابة بتعريف جديد للحرية الخلبية مشخصاً في «حرية شراء ما يحلو للمستهلك في اقتصاد السوق»، وبحيث يتم اختزال الإنسان إلى «محض مستهلك»، وتقزيم معنى وجوده في حياته وأهدافه فيها إلى «تعظيم الاستهلاك» والارتقاء في درجات سلمه.

وذلك واقع مهول يحاول تخليص بني البشر من وعيهم الفطري بضرورة التفاعل والتآثر والتعاون وحتى التضحية لأجل مصلحة الكل الجمعي، وهي الميولات البنيوية الفطرية التي أثبتت بحوث فيزيولوجيا الدماغ البشري الحديثة تأصلها لدى كل بني البشر؛ وهي الميول التي لولاها لما كان لأسلافنا من أهل الكهوف في مرحلة الجمع والصيد الصمود في وجه عسف شروط الطبيعة التي واجهت الجنس البشري على امتداد مرحلته التطورية التي امتدت على سبعة ملايين من السنين. وذلك جهد شيطاني تقوم به الرأسمالية البربرية المتوحشة كنمط اقتصادي يكرس هيمنة الأقوياء الأثرياء على المستضعفين المفقرين، لا بد للأجيال الشابة من تفكيكه وتشكيل مناعة معرفية فائقة لوقاية أنفسها من عقابيله الخطيرة نفسياً وجسدياً على كل من أفرادها بأقل المقاييس، والتي قد تفوت الفرصة الأخيرة لإنقاذ الجنس البشري من الانقراض في حال إفلاحه في تخريب عقول ووجدان تلك الأجيال الشابة التي يعول عليها للقيام بالكثير من المهمات الجللة التي تقاعس أسلافهم عن مقاربتها.

وبشكل أكثر تشخيصاً وتبئيراً فإن أفضل نهج في نظم علاقة التفاؤل بالتشاؤم في الحيز المعرفي والاجتماعي قد يكون ذلك الذي وضعه غرامشي في تلخيصه لنهجه الفكري بمقولة «تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة»، وهي مقولة لا بد أن تشكل منارة هادية لكل المجتهدين في الحقل الاجتماعي، ولكل إنسان يريد أن يحظى بفرصة النظر إلى نفسه بالمرآة دون الشعور بالخطيئة والذنب وعدم احترام الذات التي أدمنت التملص من واجبها الضروري والطبيعي في حفظ نوعها من الفناء، وتمهيد الأرضية لحماية ذريتها من بعدها، والعمل الدؤوب لتحسين شروط وظروف حيواتها في المستقبل، وهي فطرة كل الكائنات الحية ومن ضمنهم بنو البشر، والتي قد يستقيم وصم كل هارب منها بأنه فاقد لبوصلته الفكرية، وهو ما سوف يؤول إلى ضياعه واندثار مورثاته من الحوض المورثي للجنس البشري كحد أدنى، إن لم يفض ذلك لاندثار الجنس البشري بأكمله، والذي يبدو أن تحققه المرعب المهول صار قاب قوسين أو أدنى.

 

د. مصعب قاسم عزاوي

 

فارس حامد عبدالكريمالضمير، او الوجدان كما يوصف بلغة الأدب، هو معيار عقلي لتقويم الأداء الشخصي والتمييز بين الخطأ والصواب والحسن والقبح من الأفعال، وما هو حق وما هو باطل، وبشكل أعم هو معيار للتمييز بين الخير والشر.

واذا رجعنا الى المصادر البعيدة للقوانين والتشريعات والشرائع الدينية بمختلف انواعها ومصادرها السماوية وغيرالسماوية، وجميع القيم الخلقية والآداب العامة لدى مختلف الشعوب سنجد ولاشك ان صوت الضمير واضحاً ومسموعاً بقوة بين ثناياها.

وهكذا قيل ان الضمير الانساني، لو لا تعارض المصالح والأنانية الفردية، يستطيع التمييز بوضوح بين الخير والشر دون حاجة الى قاضي يقضي بالتمييز بينهما.

ذلك ان الضمير الشخصي يأبى بطبيعته وينفر من جرائم مثل القتل والسرقة والإغتصاب والخطف والرشوة والمخدرات  وغيرها من الجرائم التقليدية والحديثة كمخالفات المرور.

ومما يدلل على ذلك مايعرف في الفقه الإسلامي بحديث وابصة ابن معبد الذي سأل الرسول(ص) عن البر والإثم فقال له: "يا وابصة، استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإنأفتاك المفتون".

وصف ظريف للضمير 

يوصف بعض الكُتاب الضمير بحق بأنه الشرطي الكامن في عقل ونفس كل منا، حيث يحاسبنا ويوخزنا ويؤنبنا حينمانخرج على قواعد الآدب والأخلاق المتعارف عليها في البيئة التي نحيا فيها.

التعريف العلمي للضمير

فسر علماء العصر الحديث في مجال العلوم الإنسانية وعلم النفس والأعصاب الضمير على أنه  وظيفة من وظائف الدماغ التي تطورت لدي الإنسان لتسهيل الإيثار المتبادل (Altruism).

أو السلوك الموجه من قبل الفرد لمساعدة الآخرين في أداء وظائفهم أو احتياجاتهم دون توقع أي مكافأة وذلك داخلمجتمعاتهم.

الضمير من وجهة نظر الفلسفة

ينظر للضمير هنا على انه مركب من الخبرات العاطفية القائمة على أساس فهم الإنسان للمسؤولية الأخلاقية لسلوكه فيالمجتمع، وتقدير الفرد الخاص لأفعاله وسلوكه.

الضمير وعلم النفس

الضمير هنا هو جهاز نفسي تقييمي يتعلق بالأنا، يتصف بشمولية الانحاء فالمرء يهتم بتقييم نفسه بنفسه كما إنه يتلقى تقييمات الآخرين لما صدر أو يصدر منه من أفعال في الماضي والحاضر والمستقبل، فالضمير يقوم بمعاتبة الشخص إذا تبين أن نتيجة تقييمه لنفسه أو تقييم الآخرين له ليست جيدة.

والضمير قد يبالغ في التراخي وقد يبالغ في القسوة؛ فالضمير قد يكون سويا أو قد يتعرض للانحراف أو البلادة والخمول أو إلى المبالغة في تقدير الأخطاء.

اقسام الضمير

الضمير الفردي؛ الضمير قد يكون فرديا وقد يكون جماعيا: فالمرء في حياته الشخصية وعلاقاته بغيره وبنفسه يكونصاحب ضمير فردي، الضمير المهني؛ اما الضَّمير المِهني فهو ما يُبديه الإنسان من استقامة وعناية وحرص ودقة فى قيامه بواجبات مهنته.

ضمير الشعب؛ ولكن الضمير قد يتسع ليشمل مجموعة من الناس قد تكون محدودة أو قد يمتد ليشمل شعب بأكمله، فمثلا عندما ينهزم جيش شعب أمام جيش أخر فإن ضمير الشعب قد يثور وقد يقوم بانقلاب على حكام طغاة أو  فاسدين.

الضمير الإنساني؛ ويشار الى الضمير الإنسانىّ" بأنه: مشاعر فى نُفوس البشرية عامة، تهتدى إلى القيم الخلقية الإنسانية المشتركة بعفوية وتِلقائية، وتقف إلى جانب المظلومين وذوي العاهات والفقراء وتبتغي العدالة الإنسانية.

منشأ الضمير

يتشكل الضمير عند الإنسان من خلال القيم والمبادئ الخلقية والصراع بين الخير والشر وقيم الحق والعدالة ومكافحةالظلم المتداولة على مدار التاريخ البشري، ويمكن لهذه القيم أن تتشكل من خلال بيئة الإنسان التي يعيش بها؛ حيثيتأثر ضمير الإنسان بالبيئة التي يحيا فيها ويتأثر بقيمها وثقافتها.

الضمير والقانون

لاشك ان تنمية الضمير وتهذيبه لدى الفرد والمجتمع تعطي نتائج قد لاتدركها القوانين والانظمة والتشريعات ومايلحقهامن جزاء بدني ومادي وإنضباطي عند مخالفتها علانية أو خفية، ولكن للضرورات الواقعية والإجتماعية إذا خيرنا بينالضمير والقانون، فإن الأفضلية تكون للقانون.

واذا تمت الموائمة بين القانون والضمير  الفردي والإجتماعي فأننا في الواقع سنُحي أمة عظيمة، وهذه الموائمة لا تكون إلافي ظل نظام  ديمقراطي حقيقي وتشريعات عادلة تضعها نخبة إحتماعية مخلصة لشعبها لا لمصالحها الأنانية يطبقها قضاء يحترم هيبته وحقوق مجتمعه ويكافح الظلم اينما وجد.

الضمير والنزاهة

يحدد الضمير درجة نزاهة الفرد، وهو أعلى سلطة في الفرد؛ فهو يقيّم السلوكيات التي يقوم بها الإنسان، ليحدد في ذاتالوقت طبيعة التصرف إن كان خيراً أو شر.

الضمير والواجب

يرتبط الضمير ارتباطا وثيقا بالواجب، وحينما يشعر المرء بأنه انجز واجبه فيكون صافي الضمير، أما انتهاك الواجب فيكون مصحوبا بوخزات التأنيب.

الضمير والتهذيب

يعد الضمير عند استجابته للقيم الخلقية القائمة في مكان وزمان معينيين ؛ دافعاً قوياً للتهذيب الأخلاقي للفرد.

انعدام الضمير في المؤسسات العامة والخاصة

لاشك ان أهم مظاهر انعدام الضمير هنا تتلخص بالفساد السياسي والمالي والإداري؛ ويتطابق انعدام الضمير هنا مع مفهوم خيانة الأمانة الملقاة على عاتق الموظف الذي وجد في منصبه أصلاً لخدمة الناس وتيسير اعمالهم ومعاملاتهم ويتقاضى راتبه من اموالهم العامة فإذا به يبتزهم ويحاول اذلالهم تحقيقاً لمأرب شخصيةتعبر عن نفسية وضيعة منعدمة الضمير تغذي نفسها ومتعلقاتها بالمال الحرام متشبثة بحجج واعذار واهية شتى.

الضمير في الفلسفة والأدب:

احتل الضمير مكاناً مميزاً فب الفسلفة والأدب والشعر، نختار في هذا المقام نبذة عنها.

الضمير عند جان جاك روسو

حسب روسو ان الضمير يتقدم على  العقل وهو ما يصنع إنسانية الإنسان فهو قوة مضمرة تنبع من أعمق أعمال الإنسانلأنها قوة خفية تسكنه وتوجِّه حياته.

ويناجي روسو هذا الضمير قائلاً: “أيها الضمير، أيها الضمير.. أيها الدليل الوطيد لموجود جاهل محدود.. لولا أنت، ماشعرت بشيء في نفسي يرفعني فوق البهائم، لولا أنت ما شعرت بغير امتياز كئيب من الضلال بين خطأ وخطأ”.

. “إن كلّ ما أحسّه خيراً فهو خير. وكلّ ما أحسّه شرَّاً فهو شرّ.

وخير الفقهاء إطلاقاً  حسب روسو هو الضمير.

الضمير عند إيمانويل كانت

أسس الفيلسوف الألماني كانت فلسفته في الأخلاق والضمير على ثلاثة أسس كبرى هي: وجود الخالق، وخلود الروح والحرية، واعتبر أنه لا يمكن للإنسان أن يؤسِّس للواجب الأخلاقي من دونها، لأن الواجب الذي يدفع الإنسان أخلاقياً يسمى بالقانون الأخلاقي الذي يسكن الضمير فعلاً، وهذا القانون ليس فطرياً في الضمير وإنما هو نتاج العقل العمليالذي شرّعه. .

بين روسو وكانت

نستنتج  أن الضمير الذي أرجعه روسو إلى العاطفة الفطرية في الإنسان أرجعه كانت إلى أفعال العقل العملي ومبادئه. وعلى الرغم من هذا الاختلاف في الأصـل، فإن الضمير في الحالتين يبقى القوة الموجهة للسلوك الإنساني سـواءاعتبرناه فعلاً عاطفياً فطرياً أو اعتبرناه فعلاً عقلياً مريداً وحراً.

عالم الإجتماع إميل دوركايم والضمير

يرى عالِم الاجتماع الفرنسي دوركايم، أنه كلما أعملنا الفكر لنعرف ما علينا أن نفعل كلّمنا صوت من داخلنا وقال: هذاواجبك. وإذا ما أخللنا بهذا الواجب الذي قُدّم لنا على ذلك الشكل، قام الصوت نفسه فكلمنا واحتجّ على ما فعلنا. ويرىدوركايم أن هذا الصوت العميق فينا هو ضميرنا.

ضمير سيگموند فرويد

يرى فرويد ان الضمير قوة تمارس فعل الكبت وتصنع الثقافة والحضارة.

ولكن السؤال هنا؛ كيف يستقـر صوت المجتمع فينا، ويصنع هذه القوة العميقــة في باطننا التي نسميها الضمير؟

حسب فرويد ومدرسته؛ إن الإنسان في علم النفس التحليلي يحمل في كيانه منظمة نفسية مركَّبة من ثلاث قوى كبرى،هي: الهو والأنا والأنا الأعلى.  والطفل بعدما يولد يبقى خاضعاً لسلطة الهو أي قوى الغرائز، ويبدأ الدخول في علاقةخارجية مع الأبوين، وخاصة الأم أولاً من خلال الرضاعة وإشباع الغريزة الضامنة للبقاء والحياة. إلا أن هذه الاستجابةستمارس على الطفل نوعاً من القمع لتنظيم سلوكه بدءاً من سن الثالثة، فلا تستجيب لمطلب غريزته في الحال، وإنماتوجه الغريزة وتؤجل الاستجابة والإشباع كتنظيم وقت الطعام وتحديد مكان إلقاء الفضلات.. وهكذا يبدأ الواقع عنطريق الأم والأب في التسلط وتنظيم قوى الغريزة أي الهو، وإذ بالأنا تبدأ في الوعي بضغوط الواقع وأوامره ونواهيهلتتعلّم الاستجابة له والخضوع إليه. وبتراكم الأوامر والنواهي التي تأتي من خلال الأب، تتكوّن في النفس منظمة ثالثةهي الأنا الأعلى وتستبطن كل القانون الأخلاقي، وتصبح في ذاتها قوة الضمير الموجِّه للسلوك والفعل وعدم الفعل. وهذاالضمير هو قوة نفسية عميقة تمارس فعل الكبت، فتوجه السلوك الإنساني توجهاً إنسانياً بإضعاف الطابع الحيوانيفيه.

الادب والضمير

“وأحسنُ ما فيك أن الضميرَ يصيحُ من القلب أني هنا”

محمد مهدي الجواهري

كثير من الروايات العالمية جعلت الضمير الإنساني يتتبع الشخصية ويوقظها، الذي بدوره يوقظ القارئ.

فيودور دوستويفسكي؛

تُعد رواية “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي درساً مهماً في تقديم الضمير. وكذلك الحال بالنسبة ل “الأخوةكارامازوف” التي تقدّم بأكملها مجموعة مبادئ الضمير الإنساني. فشخصية إيفان يسمح لنفسه بحجة إغواء الشيطانبأن يقول ما يفكر فيه، حيث يحدث أليوشا عنه: “لقد سخر مني وذلك ببراعة، ببراعة شديدة قائلاً: الضمير! ما الضمير؟إنني اختلقه بنفسي، فلِمَ أعاني إذاً؟ بحكم العادة، بحكم العادة الإنسانية على مدار سبعة آلاف سنة. دعنا إذاً نتخلصمن العادة، وسوف نصبح آلهة؛ لقد قال ذلك، لقد قال ذلك.

يقول دستويفسكي (ليس الذكاء هو الشئ الهام بل ما يوجه الذكاء ، أي الطبع ، القلب ، النبل ، التقدم).

البير كامو

ألبير كامو في روايته “السقطة”، التي تدور أحداثها في أمستردام وتعتمد على حوار نفسي حميم على لسان شخصيةقاضٍ تائب، يروي للقارئ سيرة حياته بين مدينتي، باريس وأمستردام، مبيناً كيف يشعر بالمتعة والرضا عندما يقدّمنصائحه الودية للغرباء في الطرقات، ويهب الصدقات للفقراء، ويترك مقعده للآخرين في الحافلة، ويمد يده للمكفوفينكي يعبروا الشارع، هذا الرجل النبيل الذي نذر حياته لأجل الآخرين، ولكن مالمه وآرقه هو كيف انه تجاهل امرأة ترتديملابس سوداء، وتنحني على حافة الجسر، ومضى في طريقه بعدما تردَّد لوهلة، ولم يكد يخطو بضع خطوات حتى ضجصوت عنيف في الماء، حيث المرأة قفزت منتحرة، التفت وأراد أن يجري هارباً، لكن قدميه خذلتاه، فتوقف ينصت لصراخغريقة، ثم مضى يمشي تحت المطر ببطء،يعلق أحد النقاد على ذلك بالقول؛ (.... وبالطبع لم يخبر أحداً بذلك، لكنه أخبرنانحن القرّاء بذلك، وصرنا نلاحقه على مدى عقود بجرمه هذا، تماماً كما يلاحقه ويؤنبه ضميره حتى يومنا هذا.

فرجينيا وولف

فرجينيا وولف التي وصفت بانها سيدة الضمير الإنساني العميق تلك التي ربما قادها ضميرها الحيّ ذات ليلٍ إلىضفة النهر، ومضت بعيداً في رحلة أبدية؟

تركت الكاتبة الإنجليزية فرجينيا وولف (1882- 1941) بصمة عميقة في عالم الأدب، بأن رسخت لتيار الوعي وارتادت آفاق الرواية بعيدًا عن أساليب السرد التقليدية في العصر الفيكتوري، فركزت على الحياة الداخلية للشخصيات، حيث يتحقق التأثير النفسي عبر الصور والرموز والاستعارات. ومن أهم أعمالها “مسز دالوي (1925)، و”إلى الفنار (1927)،و”الأمواج” (1931)،  ولكن مع التميز الإبداعي  هذا عانت فرجينيا وولف، على مدى حياتها، من نوبات انهيار عصبيوجنون، وبعد أن تركت رسالة إلى أختها فانيسا بيل، وأخرى لزوجها ليونارد وولف. تشير الرسالتين إلى أنها في طريقهالقتل نفسها.

ارتدت فرجينيا وولف حذاءها عالي الكعب، ماركة ولنغتون، ومعطفها الفرو، وغادرت منزلها من الباب الأمامي، وعلىضفة نهر أوس أثقلت جيوبها بالحجارة "في مواجهتك أيها الموت، ألقي بنفسي، غير مهزومة ولا مستسلمة".

فيكتور هوگو

فيكتور هوگو، صاحب “أحدب نوتردام” الذي يشد الضمير من ياقته، وينتصر دوماً للضعفاء والمحرومين والمقهورين.

وهو الذي جعل مسيو مادلين في “البؤساء” يتبع ضميره، ليسلّم نفسه للشرطة بصفته جان فالجان، السارق القديم، كيينقذ رجلاً بريئاً متهماً.

رواية البؤساء

تصف البؤساء حياة عدد من الشخصيات الفرنسية على طول القرن التاسع عشر الذى يتضمن حروب نابليون، مركزةعلى شخصية السجين السابق جان فالجان Jean Valjean، ومعاناته بعد خروجه من السجن، حيث تدور أحداث الروايةحول الظلم المُجتمعي الذي تعرض له جان فالجان والذي حُبِسَ ظلمًا لمدة 19 عام لسرقته رغيفًا من الخبز. كما تعرضالرواية طبيعة الخير والشر والقانون فى قصة أخاذة تظهر فيها معالم باريس، الأخلاق، الفلسفة، القانون، العدالة، الدينوطبيعة الرومانسية والحب العائلى.

يقول هوگو (هناك مشهد أعظم من البحار، وهو السماء. وهناك مشهد أعظم من السماء، وهو باطن الروح).

الضمير وعلي الوردي

يقول علي الوردي في وعاظ السلاطين؛

الضمير لايردع الإنسان في عمل ضد عدوه؛ فهو يعتدي عليه ويسفك دمه وينتهك حرمته وينهب أمواله وهو مرتاح الضمير كأنه لم يفعل شيئاً.

ويثير الوردي مسألة ضمير الأمة بالقول (غريب أمر هذه الأمة فالفرد فيها مزدوج الشخصية ، والمجتمع منشق الضمير).

وعن تكوين الضمير يقول الوردي في مؤلفه القيم (لمحات أجتماعية من تاريخ العراق الحديث) ج2؛

("أن (الضمير) في الواقع أمر نسبي وهو نتاج القيم الأجتماعية التي ينشأ عليها الأنسان أو يؤمن بها بعدئذ. ولهذارأينا الكثير من الأخيار والزهاد والصالحين يرتكبون أفدح الجرائم تجاه من يخالفهم في العقيدة وهم يحسبون أنهميحسنون صنعا").

 

فارس حامد عبد الكريم

استاذ جامعي - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

 

 

صلاح حزامالخطط حتى مع وفرة الموارد المالية

الطاقة الاستيعابية للاقتصاد absorptive capacity تعني: قدرة الاقتصاد الوطني على استيعاب قدر معين من الاستثمارات بشكل كفوء وتنفيذ المشاريع الاستثمارية دون تلكؤ او اختناقات او ارتفاع في تكاليف التنفيذ او خلق شحة في مختلف المجالات.

والطاقة الاستيعابية هي دالة او متغيّر تابع للعديد من العوامل وليست معتمدة على توفر الموارد المالية فقط.

فوفرة الاموال، كما حصل في العراق عند تنفيذ خطة التنمية الانفجارية اواسط السبعينيات، لاتكفي لتنفيذ المشارع بدون توفر عدة عوامل  مثل :

- توفر البنية التحتية اللازمة لعمل الشركات والمقاولين

كالطرق والجسور وطرق الاتصالات والكهرباء والموانيء والمطارات والسكك ..

- توفر الايدي العاملة الماهرة وغير الماهرة.

- توفر مستلزمات التشييد والبناء لاسيما غير المتاجر بها non tradable، اي التي لايمكن استيرادها من الخارج،من وجهة نظر اقتصادية، كالطابوق والاسمنت وماشابه من مواد. اذ ان تكاليف نقلها تفوق اسعارها من الناحية الواقعية.

- توفر البنية القانونية والادارية التي تسهل الاعمال بدون عراقيل قانونية وادارية تجعل عمل شركات التنفيذ صعباً وبالتالي ارتفاع التكاليف التي تضعها لغرض قبولها بتنفيذ المشاريع.

-توفر نظام مصرفي كفوء يساعد في تسهيل اعمال المقاولين في تحويل الاموال التي يحتاجون اليها في تعاملاتهم مع الخارج.

-هنالك العديد من المستلزمات التي ينبغي توفرها في البلد والتي تسهّل عمل الشركات الاجنبية، خاصة في بلد يحتاج الى الشركات الاجنبية التي يتعاقد معها لتوريد ونصب المصانع والمعدات المختلفة .

ومن بين هذه المستلزمات، الفنادق والمطاعم وخدمات الترفيه بحدود معينة، وخدمات البريد الخ.....

علاقة توفر تلك المستلزمات بالطاقة الاستيعابية، تأتي من رفض الخبراء والمهندسين العمل في بلد لاحياة فيه . ولذلك فأنهم اما أن يرفضون العمل في ذلك البلد، او يطلبون أجوراً عاليةً تجعل الشركة ترفع كلفة تنفيذها لتلك المشاريع.

وقد يؤدي ارتفاع كلفة التنفيذ الى جعل المشروع غير اقتصادي ولن يعمل بكفاءة ولن يخلق فائضاً حقيقياً للاقتصاد الوطني.

وفي إحدى المناسبات العلمية التي حضرتها خارج العراق،

تم طرح دراسة حول الموضوع تم وضعها على ضوء نتائج استبيان واستطلاع رأي الشركات في مختلف دول العالم.

وقد اتضح ان تلك الشركات تدرس اوضاع البلد قبل تقديم عطاءاتها، وتتأكد من توفر خمسين فقرة تجعل العاملين فيها يرغبون بالعمل في ذلك البلد.

من بين تلك الفقرات، توفر انواع من المواد الغذائية واماكن السهر ومناطق الرياضة والسينمات والمسارح والأمان الخ.....

في اواسط السبعينيات وعندما ارادت الدولة في العراق الشروع بتنفيذ خطة التنمية الانفجارية ولاحظت عزوف بعض الشركات عن التعاقد لتنفيذ المشاريع، اعلن الرجل الثاني في الدولة والذي كان مسؤولاً عن ملف التخطيط والتنمية، انه أمر بمضاعفة مبالغ العقود لتلك الشركات من اجل تشجيعها على القدوم الى العراق!!

وبذلك ولدت المشاريع ميتة واصبحت بمثابة ديكور تنموي واصبحت عبئاً على الموازنة الحكومية بسبب حاجتها الى الدعم المستمر.

وبذلك ضاع القسم الاول من دولارات النفط، قبل ان يضيع القسم الثاني في الحروب والمعارك الكبرى.

اضافة الى المفهوم اعلاه للطاقة الاستيعابية، هنالك تعاريف اقل شمولية، منها قدرة المنشأة على استيعاب المعلومات وتحويلها الى مصادر لتحسين أداء تلك المنشأة.

كذلك، تستخدم احياناً للدلالة على قدرة النظام الاجتماعي على استيعاب الصدمات مثل الكوارث والعوامل المناخية الطارئة والعنيفة.

 

د. صلاح حزام

 

 

حاتم حميد محسنعُقد مؤخرا مؤتمر قمة المناخ العالمي لتوحيد العالم في مواجهة التقلبات المناخية. ومع ان النقاشات العلمية والسياسية في هذه الاجتماعات استهدفت معالجة صلاحية نماذج المناخ، تكاليف ومنافع مختلف الاقتراحات ومشاكل المبدأ الوقائي، لكن رؤية تاريخية  يمكنها تسليط المزيد من الضوء على مشاكل المناخ الحالية.

ونظرا لأن العوامل الطبيعية مثل التغيرات في الميل المحوري لدوران الارض حول الشمس، وكمية الإشعاع الكوني القادم، والنشاطات الجيولوجية مثل انفجارات بركانية واسعة النطاق، الصفائح التكتونية،تغيرات في دوران المحيط، وكيمياء الغلاف الجوي، وتأثيرات ردود الافعال الفيزيائية والكيميائية والحرارية الهائلة، فان مناخ الارض والطقس الموسمي كان دائما وسيبقى في حالة من التدفق المستمر مع او بدون نشاطات الانسان.

وكما لاحظ ارسطو قبل اكثر من الفي سنة: "احيانا هناك الكثير من الجفاف او المطر، يسود فوق امتداد كبير ومستمر ضمن البلد. في اوقات اخرى يكون محليا، البلد المجاور عادة يحصل على مطر موسمي وربما غزير  بينما يسود الجفاف في جزء معين، او عكس ذلك، كل البلد المجاور يحصل على القليل او بلا مطر بينما جزء معين يحصل على مطر وبغزارة".

في كتابه (ملاحظات عن فرجينيا) عام 1785 وفي الفصل السابع أعلن توماس جيفرسون (1) ان "التغير في مناخنا" كان يحدث بشكل معقول جدا" لأن كلا الحرارة والبرودة يصبحان اكثر اعتدالا " وان الثلج أقل تساقطا وأقل عمقا، لايسقط لأكثر من يوم او يومان او ثلاثة ايام. بينما في السابق كما ذكر متوسطي العمر كان مستمرا وعميقا ولفترات طويلة. اما كبار السن ابلغوه ان الارض من المألوف ان تكون مغطاة بالثلج لمدة ثلاثة اشهر كل سنة. هذا التغيير خلق تقلبات سيئة بين الحر والبرد. احدى المشاكل في ميل الحرارة في الربيع كانت انها عادة تؤدي الى موجات من الصقيع المتأخر الـ "قاتل للفواكه".

في الأوقات التي لم تتوفر فيها الوسائل للوصول الى الفائض الزراعي للمناطق التي استفادت من ظروف النمو الجيدة، ادّى الطقس السيء ليس فقط الى اسعار طعام محلية عالية، وانما الى نتائج اكثر قسوة. المؤرخ البريطاني جورج دود لاحظ في عام 1856 وعندما كانت السكك الحديدية والسفن البخارية تأخذ بنظر الاعتبار هذه المشكلة  كان نقص الغلات " مروعا في نتائجه، لم يكن لدى الناس شيئا يحتفظون به، هم كانوا معتمدين على المزارعين الذين يعيشون في منطقة قريبة ، واذا كان اولئك المزارعون لديهم القليل للبيع، فان المجاعة ستكون مؤلمة جدا" .

من غير المدهش في هذا السياق، ان البايوغرافي فيليب ستوت لاحظ بانه منذ جلجامش في الزمن البابلي، نظر كل عصر الى تغيرات المناخ الكارثية كعقاب لطمع الانسان وآثامه". تساقط الامطار وما ينتج عنها من فيضانات، والجفاف والأعاصير والدفأ والبرد في غير اوانهما الى جانب المظاهر المناخية الملحوظة مثل العصر الجليدي القصير (في القرن الرابع عشر و القرن التاسع عشر) كانت تُعزى الى نطاق واسع من التغيرات البيئية الناتجة عن أفعال بشرية . فمثلا، اليوناني ثيوفراستوس "أب علم النبات"، كتب قبل الفي سنة بأن الري والزراعة غيّرا المناخات المحلية. في العصور الوسطى، جرى تفسير كل من فترات الرطوبة الطويلة والجفاف الى جانب الانجماد الطويل والمتكرر للأنهار عادة كرد سماوي للتسامح مع الشعوذة. في أعقاب العاصفة الكبرى عام 1703 (2) التي ضربت انجلترا والتي هي أشد كارثة طبيعية حتى اليوم ، جرى الإعلان عن صوم وطني في شهر جنوري عام 1704 للطلب من الله العفو والرحمة للامة. حتى دانيال ديفو في وصفه للعاصفة شعر مجبرا للكتابة:

نحن لانسأل بعد الله ابدا عن افعال الطبيعة تلك والتي هي واضحة : الطبيعة من الواضح تحيلنا الى ما وراء ذاتها، الى يد القوة اللامتناهية، مؤلف الطبيعة، وأصل جميع الأسباب .. عندما تكون آثام الامة هي السائدة وكبيرة جدا، فهي طريقة الله غير العادية للإعلان عن تدمير الامة.

في مقاله الواسع حول تاريخ إزالة الغابات، يوثّق الجغرافي والمؤرخ ميشيل وليمس اعتقاد العديد من الكتّاب ان ازالة الغابات كان السبب الرئيسي للجفاف (او قلة الامطار) والاحتباس الحراري. احدهم كان الفيلسوف الاسكتلندي ديفد هيوم الذي افترض ان الاحتباس الحراري الأخير يمكن تعقّبه رجوعا الى ازالة الغابات من جانب الانسان وهو ما سمح لأشعة الشمس بالوصول الى سطح الارض. وطبقا للعقيدة بان  زراعة الاشجار تزيد من سقوط الامطار، منح قانون ثقافة الأخشاب الامريكي لعام 1873 المستوطنين في السهول الامريكية مساحة 160 فدان مجانا شريطة ان يزرعوا الأشجار. الجفاف الطويل الذي حدث في العقود اللاحقة أبطل بالنهاية هذه العقيدة. في عام 1890 كتب الجغرافي النمساوي ادوارد بروكنر انه لاحظ ان العديد من المسؤولين الاوربيين عزوا ازالة الغابات الى قلة الامطار، والجفاف الطويل ومستويات قليلة للمياه. وفي نفس الوقت، اتّهم بعض علماء النبات الفرنسيين الفلاحين الافريقيين اللامبالين بمفاقمة التدهور المناخي المحلي عبر الاستخدام الجائر للغابات. وفي العقود الاخيرة، نُظر الى ازالة الغابات الاستوائية وخاصة الأمزون كتهديد لإستقرار مناخ العالم.

ان التقدم التكنلوجي الأخير اعتُبر ايضا كسبب في التغير المناخي. الصيف الاوربي المطير جدا عام 1816 يعود سببه حسب العديد من الناس الى الموصلات المانعة للصواعق وحتى ان هذه الوسائل اعتُبرت سببا للجفاف. في عام 1881 حذر الخبراء الامريكيون بان خطوط التلغراف ربما تغيّر من حركة الارض حول محورها، مسببة الزلازل وذوبان القطبين وفيضانات جليدية قد تمحو الجنس البشري. الأخبار الاخيرة حول هذه الفرضية تنتهي باقتراح انه "سواء أثبتت هذه النظرية صحتها ام لا ، لا وجود للشك بان شيء ما في الأونة الاخيرة حدث في التكوينات الجوية وربما أسلاك التلغراف هي السبب في هذه المسألة". اطلاق النار المكثف اثناء الحرب العالمية الاولى وتطوير اتصالات الراديو ذو الموجة القصيرة عبر الاطلسي اعتُبر سببا للرطوبة الصيفية غير العادية في العقد الاول والثاني من القرن العشرين. تكنلوجيات اخرى ساهمت لاحقا في اضطرابات المناخ بما في ذلك الانفجارات النووية في الخمسينات والنقل الفائق لسرعة الصوت في الستينات والسبعينات.

حاليا، يُعزى تغير المناخ الى الانبعاثات الغازية الكبيرة للبيوت الزجاجية الذي يعود سببه الى الاتساع الهائل لـحجم "الطبقة الوسطى العالمية" مع حبها الشديد للّحوم والسيارات ومستويات المعيشة العالية. النشطاء، في حماسهم لإعادة البناء و تقليل أثر الكوارث البيئية، يتجاهلون التكاليف الاقتصادية الهائلة لكراهتهم للوقود الكاربوني. مع ذلك، فان السجلات التاريخية تبيّن ان تعاظم الثروات وتوفر الطاقة جعل من الممكن للناس العيش افضل في مواقع متنوعة المناخ مثل مونتريال وغلاسكو وكالوفيتش وبالي ونيودلهي وهي الأماكن التي يجتمع بها ممثلو تلك البلدان في الامم المتحدة وهم ربما سعداء.

 

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) كتاب ملاحظات عن ولاية فرجينيا للكاتب رجل الدولة والفيلسوف الامريكي توماس جيفرسون، يصف في الكتاب الاقتصاد والمصادر الطبيعية للولاية ويعرض حججه حول طبيعة المجتمع الجيد. هو عبّر عن عقيدته في فصل الدولة عن الكنيسة وتوازن السلطات وحرية الفرد. كما كتب بكثافة عن العبودية،واعتقد ان البيض والسود الامريكيين لايمكنهم التعايش جنبا الى جنب في مجتمع يكون فيه العبيد احرارا.

(2) العاصفة الكبرى هي اعصار موجي مدمر ضرب وسط وجنوب انجلترا في 26 نوفمبر 1703. الرياح القوية والعالية تسببت بانهيار 2000 من الممرات الدخانية للمباني في لندن ودمرت الغابات التي فقدت ما يقرب من 4000 شجرة بلوط. السفن قُذف بها لمئات الاميال وتوفي اكثر من 1000 بحار في منطقة واحدة. كنيسة انجلترا أعلنت ان العاصفة كانت عقابا من الله لآثام الامة.

 

 

عزيز اشيباننتوق في المنطقة العربية إلى رؤية اقتصاد وطني متين  يصون كرامة المواطنين ويواكب طموحاتهم ويضمن لهم سبل العيش الكريم للتخلص من قرف الفقر ومعرة الحاجة والتبعية والخنوع. من المؤكد أن عملية تشييد اقتصاد محلي قوي تتأسس على منظومة ركائز مترابطة ومتكاملة يتداخل فيها الاجتماعي بالثقافي والاقتصادي والنفسي.

يتموقع القطاع الخاص في قلب أنساق عملية البناء وتشكل المقاولات الصغرى والمتوسطة  حجر الزاوية في هيكل البنيان الاقتصادي لاعتبارات مفصلية. قد يزدري البعض وزن المقاولات الصغرى لكن مع التدبر العميق يظهر بجلاء دورها المحوري الغير قابل للحصر أو الاختزال في الدفع بقاطرة الاقتصاد الوطني.

نفسيا

تمثل هذه العينة من المقاولات وعاء احتضان وتقنين  للمبادرة الفردية والأفكار الخلاقة للتمرد على  أنماط الدخل السائدة والبحث عن إحداث وإجراء القطيعة مع هوس البحث عن الاستقرار من خلال الوظيفة الحكومية أو الاستفادة من الريع والجمود عوض الميل إلى الحركية والإنتاج.

تجسد المقاولات الصغرى قوة نفسية للمواطنين ومنبع أمل بما تكتنفه من دفعة تحفيزية للإقبال على الخوض في تجربة المقاولة بتقديم القدوة وفتح الآفاق و بناء طموح الارتقاء عند المقاولين من مستوى المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى مستوى المقاولات الكبرى.

على مستوى سيادة البلد

قد يتوفر البلد على الثروات الطبيعية المدرة للدخل القادرة على ضمان نمط عيش معين للمواطنين، بالقدر الذي قد ينجح فيه في استمالة الاستثمارات الخارجية، لكن في غياب قطاع خاص محلي طموح يبقى الاقتصاد المحلي هشا ورهينا لتقلبات الأحداث الدولية وتضارب مصالح القوى الإستراتيجية الكبرى، لذلك تفتقد السيادة ومعها الاستقرار الذهني والمعنوي واحترام الآخرين ويسود الشك وعدم الثقة في النفس ويسود الظرفي الآني عوض المستدام المخطط له.

اقتصاديا واجتماعيا

تتموقع المقاولة الصغرى في قلب  منظومة الأمن الاقتصادي والاجتماعي وترقى إلى مرتبة النواة الصلبة في النسيج الاقتصادي للبلد وتحدد نوعية مستقبله.

على المستوى الماكرو اقتصادي تساهم هذه الوحدات الاقتصادية في خلق الثروة، دب الحركية في الاقتصاد المحلي من خلال توسيع وعاء الاستثمار وتنشيط الدورة الاقتصادية، المساهمة في رفع نسبة النمو الاقتصادي، التخفيف من حدة العجز التجاري، الرفع من احتياطي  العملة الصعبة، خلق مناصب الشغل من خلال عملية التشغيل الذاتي، تنويع مصادر الدخل في الاقتصاد المحلي، توسيع مجال اشتغال القطاع الخاص وتقوية قاعدته، المساهمة في تأمين الاكتفاء الذاتي والتخفيف من حدة هشاشة الاقتصاد الوطني وبالتالي تثبيت أسس سيادته.

على مستوى القيم

تقوم المقاولة الصغرى بتوطيد قيم الاجتهاد والكد والمثابرة والتوكل وإحداث القطيعة مع التواكل ومعرة الريع وترسخ لفكر المبادرة الفردية الحرة ومبدأ التنافس الشريف بين جميع الفاعلين الاقتصاديين وتمكن من صون الكرامة وعزة النفس.

يشبه مسار المقاولة الصغرى مسار نمو البذرة التي تتحول إلى نبتة تؤتي أكلها إذا تمت زراعتها في بيئة مناسبة وحظيت بالعناية اللازمة خصوصا خلال الفترة الأولى من تطورها. لذلك من المستبعد أن يعيش هذا الكائن الاقتصادي إذا ظل في غيابات اللامفكر فيه وغابت الإرادة السياسية الصادقة ولم تتم القطيعة مع منطق الغنيمة والريع والاحتكار وغابت ثوابت المنافسة الحرة الشريفة واستمر الفساد بمؤسساته وآلياته الدفينة.

 

عزيز أشيبان (كاتب مغربي)

 

 

نبيل عبدالامير الربيعيلا حصر لمفهوم الزمن، ولا شك أنّ الذهن البشري لا يستطع أن يقدم تفسيرات منذُ انبثاق الوعي ال"إنساني. فالوجود مرادفاً للزمن، والوعي مرادفة للوجود، لذلك يعتبر وعي البذرة التي تضم مفهوم العلاقة الجدلية بين الزمن والوعي. وإذاً الزمن والوجود والفضاء والمكان والحركة والسكون هي ما مثلته الفلسفة المادية، التي تؤكد على موضوعية الزمان والمكان وترفض أية حقيقة خارجهما، وهما لا ينفصلان عن المادة، فهي تجلٍّ لكليتيهما. إلا أن نيوتن يعد الزمان والمكان منفصلين الواحد عن الآخر، وأنهما شيء مستقل بذاته وكلٌ منهما يوجد باستقلال عن المادة والحركة، لكن انشتاين قد قلب موازين العلم الحديث بنظريته التي أكدت نسبية الزمن وأسفرت التغيير التام لمفهوم الزمن، وعلاقته بالمكان والفضاء، فالزمن المطلق الذي قال به نيوتن لم يعد له وجود في نظرية انشتاين، وقد ارتبطت نسبية الزمن لدى الأخير بمجموعة عوامها منها (الحركة وحجم الكتلة) فالزمن يتباطأ مع كبر حجم الكتلة، مثال ذلك (في المريخ السرعة أقل من الأرض، والزمن أكثر تباطؤاً كذلك). فالسائر بسرعة الضوء لا زمن له، أي يكون صفراً، والمكان له أبعاد أربعة هي (الطول والعرض والارتفاع والزمان).

وقد أكد انشتاين من خلال تمخض نظريته بنسبة تأكيد إن الزمان والمكان لا ينفصلان ولا يوجدان بنفسيهما معزولين عن المادة، أي عكس ما يراه نيوتن. وقد بنت المادية الديالكتيكية المفهوم الموضوعي للزمان بوجود المادة.

وقد اهتم بالتأمل في الوجود ومعاينة الزمن من خلال ارتباطه بالحركة افلاطون الذي كانت له الريادة في ذلك التنوير البشري، وأن فلاطون يتكلم عن الزمان بمعنى محدد إنه الوجود في الحركة، أو هو مدة المتحركات، ولا وجود له بدون العلم المتحرك ويبدأ معه، وقد عرفت نظريته بـ(المثل الافلاطونية).

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

علي محمد اليوسف1- الخاصية الفلسفية

الفلسفة ضرب من ضروب المعرفة البشرية، او منهج في التفكير، مايطلق عليه الانساق الفلسفية والمنظومة الفكرية التي عنت بالوجود الانساني كوجود في الطبيعة وعلاقته بها وبالكوني والآخر والمجهول والميتافيزيقيا.

وافهمها انا كتعريف انها منهج تجريدي منطقي بالتفكير يحاول فهم الحياة وتغييرها حسب ماركس، او فهم الحياة فقط وعدم رغبة تغييرها حسب رغبة ورؤية براتراند رسل.

هذا على الاقل السائد في تأكيد ان الفلسفة لم تكن (علما طبيعيا) يوما ما وليس بمقدورها مستقبلا، حتى وان اعتبرها بعض الباحثين (أم العلوم)، وانما هي تبق، نسقا لغويا منطقيا تجريديا متعاليا نخبويا. كما ولا تلتقي الفلسفة بالايديولوجيا السياسية ولا تلعب دور البديل لها.

وقد تداخلت الفلسفة من جهتها، والعلم الانساني غير التجريبي الطبيعي من جهته في تعالقهما مع كل ضروب وانساق المعرفة البشرية والعلوم الاخرى، فأخذنا ندرس علم الانثروبولوجيا، وفلسفة الانثروبولوجيا، ومثل ذلك علم الدين وفلسفة الدين وفلسفة وعلم التاريخ وكذا مع فلسفة وعلم الاجتماع والنفس وهكذا بما لا يحضرنا حصره.

علما ان صفة العلم الملتصقة بهذه الضروب المعرفية والانساق الفكرية والمنظومات الثقافية هي غيرها علوم التجريب المختبرية والرياضية الطبيعية، العلوم الطبيعية التي تحكمها رياضيات التفكير والمعادلات التي تنسحب على التجربة العلمية في اثبات واقعية وعقلانية صحة الافكار او النظريات من عدمها او ضحالتها وعدم الاخذ بها.

امثلة ذلك ان المعادلات الرمزية التجريدية في الرياضيات و الفلك والفيزياء والكيمياء والطب والهندسة وغيرها في العلوم الطبيعية كافة ليست منطقا فلسفيا. ويرى براتراند رسل ان الفلسفة تمثل وسطا موضوعيا بين اللاهوت من جهة كونها تأملات غير تجريبية، وهي كالعلم من جهة استنادها الى منطق العقل.

ثمة جملة مواصفات طبعت التفكير الفلسفي الانساني منذ عصور ما قبل التاريخ الميلادي اليوناني القديم، وصولا الى مجيء سقراط وافلاطون وارسطو و فلاسفة عديدين غيرهم يتمايزون بالاهمية في تاريخ الفلسفة.

اهم تلك الصفات ان النص الفلسفي(بنية)انشائية (ذاتية)تأملية تجريدية وليست موضوعا مستقلا، بمعنى انها خاصية انسانية فكرية وجهد ابداعي منفرد لمؤلف منشيء، وان الفلسفة بهذا المعنى تلتقي كثيرا مع فكرة انها شكل من اشكال التعبير الثقافي او حتى الادبي - الفني. وذاتية المعرفة الفلسفية تلتقي بضروب الفكر الابداعي اللغوي الاخرى، وتتشابه معها من حيث مصدر الخلق والمنشأ والمتلقي، كما هي في النص الاسطوري او الميثولوجي او القصص الديني اوالسرد التاريخي او الادبي والفني. فهذه جميعها انتاجية ابداعية (ذاتية) تنتسب لمؤلفها او منشئها، وبهذا المعنى يكون النص الفلسفي بنية معرفية فكرية انسانية، مولّدة للافكار الشارحة والناقدة والمضيفة. شأنها شأن اي نص ابداعي كتب ويكتب في مجالات السرد المعرفي والجمالي والثقافي الخاضع لسلطة التناول النقدي بالشرح والتفسير والتأويل والقراءات المتعددة له. من هنا تكون البنية الفلسفية الانشائية تمتلك ذاتيتها(الآنية) في تناولها وتداولها الحاضر والماضي. بمعنى ان جميع المحاولات والمعالجات الفلسفية حاضرا لم ولن يكن بمقدورها اوبمستطاعها دفع الفعالية الفلسفية ان تشكل لها حضورا مستقبليا دائميا كحقائق فكرية لا يمكن دحضها وتفنيدها. او حقائق تمتلك حيوية التواجد عبر العصوركفعالية دائمة التأثير حاضرا وفي المستقبل. مؤلفات فلسفية هامة شغلت التفكير الفلسفي طويلا على مدى قرون لم يعد لها اي حضور او اهتمام في الوقت الحاضر. ومن الطبيعي جدا ان تتجه الفلسفة المعاصرة دوما في محاولتها سحب التفلسف الماضوي الى رقعة الحاضر والاعتياش على تفسيره بنوع من التكرار والاجترار والاعادة باكثر مما يحتمل(النص)، الذي يحكمه منحيين، :

منحى احتفاظ النص الفلسفي بحيوية الماضي و نقد الحاضر له وغياب حضور المستقبل فيه، وان ما تسحبه الفلسفة اليوم وتناقشه على انه مفاهيم فلسفية من الماضي هو في حقيقة الامر يمثل (مستقبلا) للنص الفلسفي نتداوله حاضرا في ترسيمنا له..

والمنحى الثاني ان النص الفلسفي متعين مكتف (بذاتيته) ولا يصلح ان يكون تفسيرا دائميا لعالم متغير بوتيرة عالية سريعة جدا، يقودها العلم بجدارة واستحقاق لا ينازعه احد تلك السلطة، تلكم هي تطورات العلوم الطبيعية في كل مجالات الحياة الطب والذرة والتكنولوجيا والفيزياء والبيئة والهندسة الوراثية والفلك وهكذا. بعبارة موجزة لا يمكننا تخليص الفلسفة من ذاتيتها، لان الفلسفة لا تمتلك موضوعا من غير ذات لها.

2- نخبوية التفلسف:

هل ننساق مع الآراء التي تذهب ان التفلسف بنية و قيمة منظومية مفارقة، وان الفلسفة انفصلت منذ نشأتها عن الحياة الواقعية التي تسير الامور بها (علميا) في غير ما حاجة الى الفلسفة والانسانيات، وان الفلسفة لم يعد لها ذلك التأثير والاهتمام في حياة اليوم وتشكيل ملامح العصر؟! وان ما قيل في الفلسفة عن الانسان والوجود والماهية والجوهر والموت والميتافيزيقيا. والظواهر الطبيعية المؤثرة والفاعلة في ذلك الوجود استنفدت نفسها ولا مجال في مكابرتها ومزاحمتها العلم الطبيعي التجريبي، وان ما استهلكته الفلسفة مفهوميا عن الوجود والماهية والحياة والموت والانسان لم يعد يشكل اهتماما في عالم المعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة الفكرية والمعرفية وفي عصر العولمة، مقارنة و قياسا مع اي منجز علمي نقل البشرية طفرات نوعية مطردة ونامية متطورة على الدوام متجددة بالافعال وليس بالافكار المجردة في تفسيرها الواقع كما فعلت كلاسيكيات الفلسفة في الميتافيزيقا على امتداد عصور طويلة.

اذا توخينا الدقّة اكثر فأن الفلسفة كضرب معرفي نخبوي، لم يعد يلق اهتماما سوى في المنتديات و الصالونات والمؤسسات الثقافية التخصصية الجامعية ومراكز البحوث والمجلات محدودة التداول المنعزلة في غالبيتها تماما عن مؤثرات المسار الحيوي الحضاري العصري وانعدام قدرة الفلسفة الاسهام بصنعه وتشكيله. ونخبوية البحوث الفلسفية تلتقي مع الانسانيات البحثية والسردية التي لم تعد لها اهمية اكثر من اهتمامات صالونات مغلقة ومؤسسات جامعية تمنح وتصدّر شهادات واطاريح دراسية اكاديمية لا تغني ولا تسمن من جوع واكثرها قيمة دالة لها هي في اضفاء المكانة التدريسية للاستاذ. واغلب تلك الاطاريح والدراسات لا قيمة لها في دراسة هذا الفيلسوف او ذاك، في جنبة او اكثرلا مجال الاضافة لها، استنفدت نفسها، وكذا الحال في الدراسات الادبية والتاريخية والتراثية واللغوية والانسانية في تراكمها الكمي الذي تختزنه المكتبات والارشيفات والمتاحف، ولا يمتلك قيمة علمية تطبيقية في حياة المجتمعات اليوم، او اية اسهامة في تغييره. ويجري تمويله من المؤسسات الجامعية ومراكز البحوث وكذلك مؤسسات حكومية وغير حكومية متخصصة.

نخبوية التفلسف والمفاهيم الفلسفية خلال ما يزيد على الفي عام واكثر، بقيت السمة الذاتية تحسب للفلسفة على انها افكار متعالية على الفهم والاستيعاب الجمعي، لكن المفارقة اليوم هي ان تلك النخبوية المتعالية اصبحت مثلبة في تعطيلها الاستيعاب الجمعي والتوظيف العملاني في تقدم الحياة.

بخلاف ما تنجزه العلوم الطبيعية في تقدم الانسان المعاصر والتقليل من معاناته وتذليل صعوبات الحياة امامه.

وبالمعنى المشار له يذهب ليفيناز 1925 – 1995 انه ينبغي ان نشجب مستقبل الفلسفة فقط لانه ليس مستقبلا بالقدر الكافي، فالفلسفة التي تقوم على الاعتراف والاقرار بما هو غير قابل للامساك به او البديل المطلق او الاخرين سوف تظل هي الفلسفة.

من الملاحظ جيدا ان جميع ضروب المعارف الانسانية او مايطلق عليها للتفخيم العلوم الإنسانية وسرديات التاريخ، بضمنها الفلسفة وانساق الفكر المعرفي التجريدية وغير التجريدية الاخرى، تلجأ الى نوع من التعاضد الانتشالي المسعف احدهما للآخر، سواء بالتبعية او بالانضمام اوبالتمازج بين بعضها البعض في الاشتراك بمعالجة قضية او اكثر.

فاخذت الفلسفة تزاحم ما يطلق عليه(علوم) الانسانيات والمنهجيات، في دراسة التاريخ او الاجتماع اوالسياسة والدين بما يسمي اليوم الفلسفة السياسية، او فلسفة او علم الاقتصاد او فلسفة او علم التاريخ (لاحظ التداخل المتعالق بين كلمة فلسفة وكلمة علم)، وهكذا مع الهوية الثقافية، وفلسفة وعلوم الاديان الى آخر القائمة من امثلة التداخل التوظيفي والدراسي على صعيد المنجز الاكاديمي المعرفي الصرف. فلسفة اوعلم كمنهج في اعادة دراسة ضرب معرفي او اكثر.

هذا التداخل التوظيفي بين الفلسفة وعلوم الانسانيات، هو بخلاف ما تحضره العلوم الطبيعية على نفسها وترفضه، كفيل بافقاد الفلسفة اية قدرة على النزوع المستقبلي وفي ادامة حياتها المعاصرة، بفاعلية التأثيرفي ان تكون لها فعالية فلسفية مستقبلية مكتسبة تشير الى حضورها الحيوي الدائم في مصنع الحيوية البشرية التي يتسيّدها ويقودها العلم التطبيقي التجريبي الطبيعي منفردا ومتقدما كل ضروب المعرفة الاخرى واهتماماتها.

بهذا الفهم الذي المحنا له، هل يحق لنا الجزم ان مفاهيم الفلسفة العظيمة، انتهت مكتفية بذاتها على ايدي عظام الفلاسفة هيراقليطس، سقراط، افلاطون، ارسطو، ديكارت، كانط، نيتشة، هيدجر، وسارتر، وآخرين؟! في تناولهم الوجود الانساني فلسفيا من كافة جوانبه واشكالياته التي استولدت شروحات واضافات تراكمية ونوعية على مدار عصور طويلة من التناول والتداول الفلسفي المعرفي. وحتى مفاهيم الميتافيزيقيا المرتبطة بالفلسفة تم السخرية منها والهزء بها في وجوب مجاوزتها ومغادرتها لانها اصبحت شغل نخبة لا تجد في التعبير عن الحياة الا بمنظور يقاطع المجموع متفردا بذاته .

يقول جاك دريدا ان اي تجاوز للفلسفة لا يعني طوي صفحتها، بل ذلك يستلزم قراءة الفلاسفة بطرق اخرى غير مسبوقة، وقريبا منه في تأكيد حضور وحيوية بقاء الفلسفة، يشير براتراندرسل ان الفلسفة منهج لفهم الحياة وليس لتغييرها، وبذلك يدين مفهوم ماركس الذي يذهب الى ان مهمة الفلسفة ليس تفسير الحياة وانما تغييرها لكنه اصطدم بحقيقة الفلسفة لا تصلح كايديولوجيا سياسية ما اضطره تكريس معظم حياته في دراسة الاقتصاد السياسي في تعويضه عجز الفلسفة تغييرها الحياة..

هل بامكان الفلسفة ان تصبح علما طبيعيا من غير ان تفقد كل امتيازاتها عبر العصور؟

ان انتفاضة عصري النهضة والتنوير في القرن الثامن عشر الميلادي، وعلمنة الحياة في اوربا، لم يكن بتأثير (فلاسفة )عصر التنوير وجهودهم (وحدهم)، وانما كانت الانتقالة الحقيقية الواقعية بفضل (علماء) عصر التنويروالنهضة امثال كوبرنيكوس و نيوتن وغاليلو وبرونو وكبلر ومن على شاكلتهم من علماء الطبيعة والفلك والرياضيات وصولا الى داروين وفرويد وليس انتهاءا بانشتاين وهوكنج.وبجهود هؤلاء العلماء الصفوة كان الفضل الاكبر في التقدم وفي السبق وتحقيق التقدم العلمي والحضاري لعموم البشرية وليس في اوربا وحدها.

ان عظمة هؤلاء العلماء غير الفلاسفة ليس فقط انهم قلبوا مفاهيم علوم الفلك والفيزياء والرياضيات والانثربولوجيا والطب والنفس وغيرها التي كانت سائدة، بل عظمتهم في وضعهم حدا لوصاية اللاهوت الكنسي الديني على واقع الحياة كل الحياة وتحريرها اجتماعيا واقتصاديا وفكريا وخلاصها بحرية الاجتهاد والابداع.

وعبرة تخلفنا في الماضي وعجزنا والى يومنا هذا ان فلاسفتنا العرب المسلمين اخفقوا قديما في تحقيق ما استطاع قدامى الاوربيين تحقيقه، حيث كانت ولا تزال وصاية الفكر الديني السياسي عندنا، وسيلة الحاكم الغاشمة في القمع والهيمنة الوحشية، على حملة افكار التنوير والتقدم، ورميهم بتهمة الزندقة والكفر الجاهزة في وجه من يجرؤ تشخيص العلّة والداء.بما يشبه محاكم التفتيش التي سادت اوربا القرون الوسطى وربما اقسى.. مفارقة هذه الحقيقة التاريخية نجدها عندنا ولدى غيرنا من الشعوب التي ظهر فيها فلاسفة عقلانيون كبار لكنهم اخفقوا من تحقيق نهضة حضارية لشعوبهم او لغيرهم من امم وشعوب الارض.

ظهر عندنا نحن العرب المسلمون فلاسفة تنوير عظام بدءا من الكندي والفارابي وابن سينا والرازي وجابر بن حيان والبيروني وابن الهيثم وابن رشد وغيرهم نتنّطع اليوم بانهم كانوا(عقلانيين) مؤثرين وسطاء نقلوا الفلسفة اليونانية والرومانية وكانوا سببا في نهضة اوربا، لكنهم اخفقوا تحقيق نهضة امتهم. متناسين في مكابرة عقيمة اننا لم نكن نمتلك علماء امثال كوبرنيكوس او نيوتن او غاليلو او برونو او كبلروامثالهم الى جانب هؤلاء الفلاسفة التنويريين.

الفرق الذي حصل في اوربا ان عمل الفيلسوف اكمله عمل العالم، في حين لم يستطع فلاسفتنا تحقيق نهضة تنويرية تقدمية عندنا متكاملة عمادها مزاوجة الفلسفة والعلم.لان كل جهود الفلاسفة العرب المسلمين كانت منصّبة على ايجاد توافق تلفيقي افتعالي بين الفلسفة والدين وتزكية هيمنة الدين على الفلسفة وقيادته لها، وليس الربط بين الفلسفة والعلم في تكامل تنويري نهضوي يشاكل ما حققته اوربا في ترابط العلم والفلسفة.

ثم اذا كان تقاطع الفلسفة والعلم مازال قائما في المجتمعات الغربية منذ ديكارت وبيكون في القرن السابع عشر، فان اشكاليتنا مع الفلسفة المعاصرة هو في تقاطعها مع التفكير الديني السياسي الذي يحاول اما ربط الفلسفة بالتفكير الديني بافتعال مبتذل، او بالاقرار باستحالة الربط بينهما، ويلخص المفكر الكبير الجابري هذه الاشكالية بالعودة الى جذور المشكلة قائلا: (ان الفلسفة العربية بدأت بداية جديدة في المغرب والاندلس مع مشروع بن باجة الفلسفي، وكانت الفلسفة العربية الاسلامية في المشرق العربي لاهوتية المعرفة، بسبب استغراقها التوفيق بين الدين والفلسفة، اما الفلسفة في المغرب والاندلس ومع بن باجة فكانت علمانية الاتجاه وعقلانية بفعل تحررها من تلك الاشكالية، اشكالية الدين مع الفلسفة.) وقبلها كانت عقلية مع ابن رشد.

المهم ان اوربا اليوم لا تحتفي بالفلسفة احتفائها بالعلم في معترك الحياة، وتراجعت المفاهيم الفلسفية القديمة لنستلم نحن الراية في المعارف والعلوم الانسانية فقط من غير العلوم الطبيعية التطبيقية، في الاطاريح والمنتديات والجامعات والبحوث، بما غادرته ليس اوربا وحسب ولكن اليونان المعاصرة مبتدأ ومنتهى الفلسفة القديمة ومستودع الارث الفلسفي العالمي، التي تستجدي العالم اليوم في ضائقتها المعيشية والمالية والاقتصادية ولا يشفع لها كل ارث الفلسفة الذي امتلكته وتمتلكه. ..من المؤكد الواضح اني لا ادين الفلسفة كمنهج في التفكير المعرفي ان يفقد معناه وحاجة الانسان له، ولكن تحّفظي اننا ربما نعتمد المفاهيم الفلسفية والانسانيات عوضا عن ميادين العلم التطبيقي في نشدان وتحقيق نهضتنا المرجوة وفي ذلك عقم المسعى والهدف، في تصورنا القاصر ان بحوث الانسانيات كفيلة بتحقيق نهضة حضارية وهو مالم تشهده البشرية في اي بقعة او عصر ولا في اوربا لا قديمها ولا حاضرها.

امام عجز الفلسفة الكلاسيكية القديمة ان تضيف جديدا متطورا للحياة، لجأت المفاهيم الفلسفية الحديثة والمعاصرة تنحى منحى الاعتياش التكاملي مع اللغة والالسنيات، والحفر المعرفي الاركيولوجي، وانثروبولوجيا الحضارات والاديان وغيرها. ولجأت الفلسفة الحديثة الى مغادرة الاهتمامات الفلسفية الكلاسيكية القديمة التي اصبح اجترارها مؤونة الاطاريح والبحوث الجامعية والدراسات في تناولها مواضيع لم يكن في وارد عناية واهتمام الفلسفة الكلاسيكية القديمة بها كالجنس والهوية والتواصل والمهمّشين بالحياة كالمجانين والمصّحات والسلطة. ومن مواضيع اهتمامات الفلسفة اليوم مفهوم حقوق الانسان، صدام الحضارات وحرب الثقافات، ظاهرة الارهاب، نهاية التاريخ التواصل بين المجتمعات، الحاسوب والانترنيت، والفضاء العمومي للنقاش(هابرماس)، نظرية العدالة والدول المارقة (جون راولز)، البيئة المعاصرة والعدالة المناخية وغيرها. كل هذه المواضيع وغيرها العديد التي تشغل الفلسفة المعاصرة لا يربطها مع كلاسيكيات الفلسفة القديمة اي رابط يعتد الاخذ به، وغريبة جدا على اهتمامات الفلسفة القديمة بشكل قاطع.

قبل مغادرتنا هذه الجزئية من البحث نشير الى ان بيكون شن حملة شعواء على الفلسفة باسم وجوب افشاء قيم العقل والعلم التجريبي، ويعتبر بيكون رائد الفلسفة التحليلية الإنكليزية التي تطورت على ايدي ديفيد هيوم وجورج مور وجون لوك وأخيرا برتراندرسل، كما ان الفيلسوف كلود برنار هو الاخر اراد انشاء فلسفة تطبيقية جديدة لا نظرية، وامكن له استبعاد الميتافيزيقيا عن العلم.

في الختام يمكننا القول ان الفلسفة من ارقى المظاهر الحضارية الانسانية ومستقبلها سيدوم مادام الانسان تسكنه تساؤلات لم يتمكن الى اليوم اعطاء اجوبة شافية عنها وتحاول الفلسفة وليس العلم القيام بالمهمة..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

صلاح حزامتعليقاً على حديث السيد وزير المالية العراقي في منتدى الطاقة

يبدو ان هناك سلوكاً مقصوداً تتبعه وسائل الاعلام وبعض الوكالات والمؤسسات الدولية عندما تتحدث عن مستقبل سوق الطاقة وموقع النفط في خارطة استهلاك الطاقة العالمية مستقبلاً.

يهدف ذلك التناول المُغرض والذي يستخدم اسلو : كلمة حق أُريدَ بها باطل، الى إشاعة نوع من الارهاب النفسي والتخويف والإحباط لدى الدول المنتجة للنفط، كحكومات وكأفراد.

فهم يرددون ان مستقبل الطلب على النفط سيء وان التخلي عن النفط قريب ولا يتجاوز عشرة الى عشرين سنة.

(بل ان السيد وزير المالية قال ان التراجع يبدأ بعد خمس سنوات).

الحجة الاساسية التي يستخدمها هؤلاء، ورددها السيد وزير المالية، ان قطاع النقل في الدول الصناعية سوف يتحول الى استخدام السيارة الكهربائية ويترك الوقود التقليدي.

النقاط التي يتعمدون إخفاءها والتي اغفلها السيد الوزير ايضاً او انه لايعرفها :

- لماذا تسعى الدول الصناعية الى ايقاف استخدام سيارات الوقود التقليدي بحلول ٢٠٤٠؟

- كم هي حصة النفط من اجمالي مصادر الطاقة في العالم وكم هي حصة الفحم؟

-هل ان استبدال الوقود التقليدي بالكهرباء لشحن السيارات سوف يأتي من العدم ام انه يحتاج الى زيادة طاقات التوليد الكهربائية؟

أجوبة تلك الاسئلة هي:

السعي الى ايقاف او الحد من استخدام سيارات الوقود التقليدي (الأحفوري)، يهدف الى خفض انبعاثات الغازات الضارة للبيئة. لذلك فأن المفروض ايقاف استخدام اكثر مصادر الطاقة تلويثاً للبيئة وهو الفحم. وحالياً يشكل استهلاك الفحم نسبة ٢٥% من اجمالي استهلاك الطاقة في العالم في حين ان النفط يشكل ٣٧% والغاز ٢٣%. أي ان الفحم يشارك بقوة في تزويد العالم بالطاقة، لكنهم يتحدثون عنه بحياء لأن الدول الكبرى هي ابرز المستخدمين للفحم وعلى رأسها الصين وأوروبا والولايات المتحدة التي يساهم الفحم في توليد ٢٦% من الكهرباء فيها

اضافة الى ذلك فان استهلاك الفحم في تصاعد سنوي لاسيما في الصين والهند التي اعلنت انها سوف تستمر بزيادة استهلاك الفحم لغاية العام ٢٠٤٠..

الدول التي اعلنت انها ستوقف او تحدد استخدام السيارات ذات الوقود التقليدي/ الاحفوري، هي في معظمها دول صغيرة كالسويد وفنلندا والدنمارك التي هي اصلاً كانت

تتبع سياسات بيئية محافظة وتقلّص استخدامها للنفط منذ سنوات. واغلب البيانات والاعلانات عن التحول الى الطاقة المتجددة تصدر عن دول الاتحاد الاوربي وليس عن كل العالم حتى يأخذها المسؤول كحقيقة ومصير لا فرار منه.

ثم ان معظم الطاقة المتجددة التي يتحدثون عنها هي من الاخشاب وسيقان نباتات كالحنطة، حيث تحول الى حبيبات وتستخدم في التدفئة بعض الاستخدامات الاخرى.

وهي بذلك ليست نظيفة، بل متجددة٠ اضافة الى نسب متواضعة لطاقة الرياح والشمس.

لكن الدول ذوات الاستهلاك العالي من النفط لم تعلن ذلك ابداً، كالصين والولايات المتحدة والهند وغيرها من الاقتصاديات الناشئة !!

النقطة المهمة هي، من اين ستأتي الكهرباء التي سوف تستخدمها السيارات الكهربائية؟

الا يقتضي ذلك زيادة قدرات التوليد؟ وماذا سوف يستخدمون من وقود لأجل ذلك؟ هل سيكون الفحم الحجري؟ اذن اين هي المصلحة البيئية اذا استخدمنا الفحم بدل النفط؟؟

هل سوف يستخدمون الطاقة المتجددة والنظيفة؟ كالرياح والشمس والماء؟

حصة المصادر المتجددة حالياً متواضعة ومن المتوقع ازدياد حصتها على المدى القادم، ولكن كم سوف تبلغ؟ وعلى حساب اي مصدر آخر ستكون تلك الزيادة؟

استهلاك الوقود الأحفوري لم يتناقص ابداً ككميات مطلقة، بل يتزايد استهلاكه باضطراد، ولكن حصته النسبية في اجمالي استهلاك الطاقة تتناقص حيث تستحوذ مصادر الطاقة المتجددة على جزء مهم من الزيادة في الاستهلاك العالمي.

واود ان اوضح بأني لا اعترض على معظم ما قاله السيد وزير المالية، لاسيما دعوته الى تنويع مصادر الناتج المحلي وموارد الموازنة الحكومية وتقليص أعداد موظفي الدولة وضرورة إصلاح قطاع الكهرباء.

لكن توقعاته بخصوص مستقبل النفط وحصول الازمة بعد خمس سنوات، تدعو الى التوقف عندها ومناقشتها.

الخطر ليس ناجماً بالضرورة عن تراجع الطلب على النفط، بل عن التقلبات الدورية التي تشهدها سوق النفط ولأسباب مختلفة. ولقد شهدنا مثل تلك التقلبات كما حصل خلال السنتين الماضيتين عند تفشي فايروس كورونا.

لكن الملاحظ ان الاعلام العالمي الذي ليس مستقلاً اطلاقاَ، يركز على تراجع الطلب على النفط قريباً وانه قد يصبح بلا فائدة.

ذلك اشاع جواً من الارهاب النفسي لدى الكثير من المسؤولين والناس العاديين في دولنا.

النفط سلعة ناضبة حتماً ولا يمكن الاستعاضة بايرادات النفط المتقلبة عن بناء التنمية الحقيقية واستخدام ايرادات النفط لغرض التكوين الرأسمالي في مشاريع منتجة وناجحة تضمن مستقبل الاجيال القادمة، بدلاً عن هدرها على استيراد كل شيء.

 

د. صلاح حزام

 

اكرم سامي فايزتعرف الانسان على النقود واستخدمها كوسيلة للتبادل منذ عدة قرون، ويعود ذلك الى تعدد حاجاته ورغابته الناتجة عن التطور الاقتصادي والاجتماعي في الحياة، في البداية كان الاقتصاد السلعي هو السائد عالميا، الا ان التطور الاقتصادي والاجتماعي للمجتمعات البشرية اوجد النقود المعدنية التي تستخدم للتبادل السلعي، وبعدها تم ابتكار العملة الورقية.

العملة الورقية تنبع قيمتها ليس من القدرة على تحويلها الى نقود معدنية (الذهب والفظة) وانما من ضمان الحكومة المصدرة لها، بينما قيمة النقود المعدنية تأتي من المواد نفسها التي تصنع منها مثل معدن الذهب أو الفضة اللذين كانت قيمتهما التبادلية مماثلة لقيمتهما الأصلية.

قيمة العملة تشير الى سعر الصرف الخاص بكل دولة والذي يحدد وفقا لعملتها الخاصة، تحدد قيمته العملة سابقا وفقا لما تمتلكه الدولة من ذهب، لكن في عام 1971 أوقفت أمريكا ارتباط عملتها بالدولار مستغلة سيطرتها الاقتصادية على العالم، ومنذ تلك اللحظة أصبحت معظم العملات العالمية مقيمة بالدولار الأمريكي بدلا من الذهب، وتقوم المصارف بتحديد كمية العملة المتداولة وحسب حاجة السوق، أي اذا زادة كمية العملة المطبوعة في السوق دون زيادة في حجم الخدمات والإنتاج في البلد انخفضت قيمة العملة وهذا ما يسمى بالتضخم، اما اذا كمية الخدمات والسلع ازدادت ولم تتغير كمية العملة المطروحة في السوق زادة قيمة العملة او زادت قوتها الشرائية .

يعرف سعر الصرف بانه عدد الوحدات من عملة معينة الواجب دفعها للحصول على وحدة واحدة من عملة أخرى، او هو عدد وحدات النقد الأجنبي التي تساوي وحدة واحدة من النقد الوطني، بعبارة أخرى ان نسبة مبادلة عملتين فأحد العملتين تعتبر سلعة والعملة الأخرى تعتبر ثمن لها.

تتمثل أهمية سعر الصرف من كونه يمثل حلقة وصل بين الاقتصاد المحلي والاقتصاد الدولي، أيضا هو محدد لقدرة الاقتصاد المحلي التنافسية.

هنالك أساليب عديدة تتبعها الدول لتحديد سعر عملتها وهي سعر الصرف الثابت وسعر الصرف المرن، ففي ضل اسلوب سعر الصرف الثابت تقوم الحكومة بتحديد سعر الصرف لعملتها من خلال البنك المركزي، ويحدد السعر بشكل ثابت، وذلك بربط عملة البلد بعملة بلد اخر (الدولار او اليورو او الين)، على سبيل المثال تقوم بعض دول الخليج العربي بربط سعر صرف عملتها بالدولار الأمريكي، وبعض الدول الأخرى تقوم بربط عملتها بسلة من العملات مثل دولة الكويت، وبالتالي فان قيمة العملة تتحدد من خلال البنك المركزي ولا تتأثر بالعرض والطلب عليها.

اما سعر الصرف المرن (تعويم العملة) في ضل هذا الأسلوب تحدد سعر العملات في سوق العملات من خلال العرض والطلب، بمعنى اذا كان الطلب على العملة مرتفعا فستزداد قيمة العملة، وبالعكس اذا كان الطلب منخفض فتنخفض قيمة العملة، على سبيل المثال اذا زادت صادرات العراق الى العالم الخارجي ستدفع تلك الدول قيمة تلك الصادرات بالدينار العراقي مما يؤدي الى ارتفاع الطلب عليه والامر الذي يؤدي الى ارتفاع قيمته والعكس صحيح، وهذا ما نجده في الدول الصناعية منها أمريكا والاتحاد الأوربي حيث ان ارتفاع قيمة عملتها ناتج عن زيادة الطلب على منتجاتها بينما في الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد فتنخفض قيمة عملتها.

وتجدر الإشارة الى أن قيمة العملة لا تُعبّر بالضرورة عن قوة الاقتصاد، فقد تكون عملة بلد ما ضعيفة ولكن الاقتصاد قوي، مثال الين الياباني (قيمته العملة اليابانية منخفضة وذلك من اجل ان تكون الصادرات الى الأسواق العالمية بسعر منخفض وذلك يؤدي الى زيادة الطلب عليها بالإضافة الى انخفاض تكاليف الإنتاج وهذا يؤدي الى جذب الاستثمارات الأجنبية داخل اليابان)، وقد تكون قيمة العملة في بلد ما مرتفعة والاقتصاد متواضع مثل الدينار الأردني، أي ان الدول التي تعتمد على التصدير تخدمها القيمة المنخفضة لعملاتها، اما الدول المستوردة تكون القيمة المرتفعة لعملتها هي الانسب لها، وبشكل عام تسعى الدول من خلال البنك المركزي الى إبقاء سعر عملتها مناسبا للتجارة الدولية.

بالإضافة الى ما تقدم ان سعر صرف العملات له ثلاثة وظائف رئيسة:

 أ - الوظيفة القياسية، حيث يعتمد المنتجين المحليين على سعر الصرف من اجل قياس ومقارنة الأسعار المحلية لسعلة معينة مع اسعار السوق العالمية.

ب -  الوظيفة التطويرية، سعر الصرف يستخدم في تطوير صادرات معينة إلى مناطق معينة من خلال تشجيع الصادرات.

ج - الوظيفة التوزيعية، وتتم هذه الوظيفة عن طريق ممارسة الأنشطة التجارية الدولية فمن خلاله يتمكن سعر الصرف من إعادة توزيع الدخل القومي والثروات القومية ما بين دول العالم.

ان سعر الصرف تؤثر عليه عدة عوامل اقتصادية تشمل (سعر الفائدة وعجز الموازنة العامة والاحتياطي من النقد الأجنبي والقروض الدولية وميزان المدفوعات والتضخم ومعدل النمو الاقتصادي) اما العوامل غير الاقتصادية التي تؤثر على سعر الصرف وهي الاضطرابات والحروب والإشاعات والأخبار.

لذا يمكن ان تتعامل الحكومات بكفاءة وفاعلية مع العوامل الاقتصادية وغير الاقتصادية المؤثرة على سعر الصرف من اجل تعزيز قيمة العملة وزيادة قوتها الشرائية.

 

الباحث: أكرم سامي فايز

ماجستير إدارة اعمال

................................

المصادر

1- حسين، علي خير الله، الموسوي، رحمن حسن علي، (2021)، قياس العلاقة بين بين سعر الصرف وحجم التبادل الخارجي في العراق للمدة 1990- 2018، مجلة كلية الكوفة الجامعة، المجلد(6)، العدد(2).

2- الجويجاتي، اوس فخر الدين، الحديدي، رغيد حسين، (2021)، اثر الأدوات الكمية للسياسة النقدية في تحديد سعر الصرف في العراق للمدة 1990- 2019، مجلة تكريت للعلوم الإدارية والاقتصادية، جامعة تكريت، كلية الإدارة والاقتصاد، المجلد(17)، العدد(55).

3- المشهداني، خالد حمادي، عبدالله، افه رهه نك امين، (2020)، قياس وتحليل محددات سعر الصرف الموازي في العراق للمدة2003- 2018، مجلة تكريت للعلوم الإدارية والاقتصادية، جامعة تكريت، المجلد(16)، العدد(51).

4- محمد، عمرو هشام، حميد، احمد حافظ، (2019)، دور الانضباط المالي في المحافظة على استقرار سعر الصرف الدينار العراقي، مجلة المستنصرية للدراسات العربية والدولية، العدد(64).

5- مهدي، صباح رحيم، عبدالحسن، امل، (2019)، اثر نافذة بيع العملة الأجنبية على سعر الصرف في العراق للمدة2004- 2016، مجلة المثنى للعلوم الإدارية والاقتصادية . المجلد(9)، العدد(1).

6- مرزوك، عاطف لافي، علي، اكرم نعمة، (2019)، تحليل وقياس اثر العوامل التي تحدد سعر الصرف في العراق، مجلة المثنى للعلوم الإدارية والاقتصادية، المجلد(9)، العدد(4).

7- البرواري، محمد سلمان، سمايل، خديجة قادر، (2011)، اثر تغيرات سعر الصرف في المستوى العام لأسعار المواد في مدينة أربيل للمدة 1994- 2006، مجلة تنمية الرافدين، جامعة الموصل .المجلد(33)، العدد(102).

8- عباس، صباح نوري، (2008)، اثر التضخم على سعر الصرف التوازني للدينار العراقي للمدة 1990- 2005، كلية بغداد للعلوم الاقتصادية الجامعة. العدد (7).

 

 

 

علاء اللاميرسَّخ الاستشراق الغربي المنحاز ضد العرب في طورهم الحضاري الإسلامي، يقلده في ذلك بعض تلامذته الشرقيين والعرب المستلَبين، فكرة عنصرية متهافتة مفادها أن لا علاقة لإنجازات وتراث الحضارة العربية الإسلامية بالعرب أنفسهم بل بأبناء الشعوب الأخرى التي خضعت لإمبراطوريتهم، قافزين على حقيقة أن الثقافات والحضارات إنما تنسب للغات التي كُتبت بها، وعموم العلماء المتكلمين بها، وهذه هي الحال مع الحضارتين الإغريقية والرومانية اللتين كانت مساهمة الإغريق والرومان أنفسهم أقل كثيرا من مساهمات أبناء الشعوب الأخرى في الإمبراطوريتين/ فصَّل في ذلك الراحل جورج طرابيشي في كتابه "مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام".

ولكن عالما عربيا مهما آخر كسر هذا التهميش العنصر الاستشراقي بإنجازاته وتراثه العلمي الضخم، سنتوقف عنده في هذا النص مثلما توقفنا في مقالة سابقة عند زملائه إبراهيم الفزاري ويعقوب بن طارق وعلي بن زياد التميمي والحجاج بن مطر؛ إنه جابر بن حيّان بن عبد الله الأَزْدِيُّ الكوفي. ولد على أشهر الروايات في سنة 101هـ/ 721م وقيل أيضاً 117هـ/ 737م وقد اختلف المؤرخون على مكان مولده؛ فمنهم من قال: هاجرت أسرته من اليمن إلى الكوفة، وكانت ولادته فيها، وعمل في الكوفة صيدلانياً. كان والده من المناصرين للعباسيين في ثورتهم ضد الأمويين، الذين أرسلوه إلى خراسان ليدعو الناس لتأييدهم، حيث قبض عليه الأمويون وقتلوه، فهربت أسرته إلى اليمن ثم عادت إلى الكوفة، بعد أن أزاح العباسيون الأمويين، لذا ينسب أحياناً بالأزدي أو الكوفي. وقال غيرهم إنه من مواليد الجزيرة على الفرات شرق بلاد الشام، ومنهم من يقول إن أصله من مدينة حرّان في بلاد ما بين النهرين. وهناك من شكك في أصله العربي كالمستشرق الفرنسي هنري كوربين الذي قال إن جابر بن حيان لم يكن عربياً وإنما كان من موالي قبيلة الأزد. أما المفكر المصري زكي نجيب محمود فقد "أكد أصله الأزدي العربي الصميم". وتوفي جابر وقد جاوز التسعين من عمره في الكوفة بعدما فر إليها من العباسيين، وسجن في الكوفة وظل في السجن حتى وفاته سنة 197هـ (813 م.

وصفه ابن خلدون في مقدمته فقال: "هو إمام المدونين في الكيمياء حتى إنهم يخصونها به فيسمونها علم جابر، وله فيها سبعون رسالة كلها شبيهة بالألغاز". قال عنه أبو بكر الرازي في كتابه "سر الأسرار": "جابر من أعلام العرب العباقرة وأول رائد للكيمياء"، وكان يشير إليه باستمرار بقوله "الأستاذ جابر بن حيان". وقال عنه الفيلسوف الإنكليزي فرانسيس بيكون: "إن جابر بن حيّان هو أول من علّم عِلم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء"، وقال عنه العالم الكيميائي الفرنسي مارسيلان بيرتيلو في كتابه (كيمياء القرون الوسطى): "إن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق".

ممن اهتم بتراث ابن حيان المستشرق المستعرب النمساوي اليهودي بول كراوس (Paul Kraus)‏. وقد خصص الراحل عبد الرحمن بدوي فصلا كاملا في كتابه* عن اهتمام هذا الباحث بابن حيان. وبدأ بدوي فصله بالقول (لن يستطيع الباحث في تاريخ الفكر الإسلامي أن يجد شخصية أغرب وأخصب من شخصية جابر بن حيان. فهي شخصية أمعنت في الغموض واكتنفها السر، حتى كادت ان تكون أسطورة. وتسامت في التفكير حتى ليقف المرء اليوم ذاهلا أمام ما تقدمه لنا من نظرات علمية وفلسفية كلها عمق وحياة، وأمام هذه الروح العامة التي تسدها، روح التنوير والنزعة الإنسانية "..." التي يحدوها الأمل في التقدم المستمر الوثاب للإنسانية في تطورها. وعن اهتمام بول كراوس بابن حيان يقول إن دارسات هذا الأخير كادت تكون كلها دائما على هامش ابن حيان. وكتب عنه كتابا بعنوان " تهافت أسطورة جابر" وكتاب "مختار رسائل جابرن بن حيان" وبحث في كتاباته عنه صلة ابن حيان بكيمياء اليونانيين ذوسيموس وبلنياس، منتهيا إلى أن كيمياء بن حيان وإنْ تشابهت إصطلاحيا مع الكيمياء اليونانية ولكنها مختلفة عنها اختلافا بينا في الروح وفي التفاصيل.

ولكنه يبدو أقرب الى اليونانيين في مسألة "علم الخواص". أما نصوص ابن حيان المتعلقة بالناحية الدينية فقد اعتبرها كراوس النموذج السابق لكتب "إخوان الصفا" وأن آراءه فيها ذات صلة بآراء الفرقة الإسماعيلية.

ويتعرض بدوي في هذا السياق لمسألة التخليق أو ما يترجمه بدوي بـ "التكوين الصناعي" عند ابن حيان الذي كان يريد كما يقول بدوي - وربما نقلا عن كراوس - عن طريق "علم التكوين" أن يكوِّن أي يُخَلِّق بالصناعة أنواعا من الكائنات تنتسب إلى الممالك الطبيعية الثلاث، وخصوصا المملكة الحيوانية. وقد سبق ابن حيان علماء النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر بفكرة تكوين الإنسان بالصناعة. ويضيف بدوي "كما اهتم كراوس "بنظرية الميزان" عند ابن حيان، ويقصد بها تلك المتعلقة والباحثة في الكمية الطبيعية وتحويل وتفسير كل ما في الوجود إلى قوانين الكم والعدد، وربما يقارب بدوي موضوع "فيزياء الكم" في كلامه هذا.

وهذه المحاولة – يضيف بدوي - هي أكبر محاولة قامت في العصور الوسطى من أجل إيجاد علوم طبيعية تقوم كلها على فكرة الكم والمقدار"..." ونحن نجد الشغل الشاغل والهم الأكبر للعلم الحديث بكل أنواعه وفروعه يتجه نحو إحلال النسب الكمية محل الخواص الكيفية "..." ولا يهم كثيرا أن لا يكون ابن حيان قد استطاع أن يصل الى نتائج ذات قيمة في هذا الباب، لأنه في الواقع قد تأثر هنا بالناحية الصوفية السحرية من نظرية الأعداد عند فيثاغورس وخواصها العجيبة".

لقد كان هذا العالِم العبقري عالِما شاملا كعلماء عصره من أبناء الحضارة العربية الإسلامية بعيدا عن التخصص، فقد نبغ في علوم الكيمياء والفلك والهندسة وعلم المعادن والفلسفة والطب والصيدلة، وينسب له اختراعه لعدد من الحوامض وتحضيرها ومنها حمض الكبريتيك وسماه "زيت الزاج"، ولقد بلغ مجموع ما نسب إلى ابن حيان من مساهمات إلى ما يقرب من 3.000 مخطوطة.

 

علاء اللامي

...............

* الكتاب المقصود لعبد الرحمن بدوي "من تاريخ الإلحاد في الإسلام/ ص 221".

 

محمد السعديسابقاً .. لم يعني وقتي بالاطلاع الكافي على مؤلفات عالم الاجتماع العراقي علي الوردي، أي نعم في بدايات وعينا الاولى وإرهاصات السياسة، كنا نردد شذرات من نتائج دراساته وطروحاته وأستنتاجاته حول الشخصية العراقية وازدواجيتها في المواقف العامة والحياة الخاصة ومؤثرات الصراع بين قيم البداوة والحضارة  ونظرية التناشز الاجتماعي وإنعكاساتها على السلوك العام للفرد العراقي وموقفه من الحاكم والعشيرة والقبيلة والطائفة . يقول كلام به حق ووجهة نظر في الشخصية العراقية من السهولة أن تبايع الحاكم وتهتف للسلطة وأيضا من السهولة أن تتخلى عنه وترفع السلاح بوجهه في منعطفات المواقف والاحداث والوقائع والبراهين كثيرة بهذه المضامير القديمة والحديثة وليس بصدد الوقوف على تفاصيلها المملة . في قراءاتي الاخيرة عن ”علي الوردي ”سيرته الذاتية ومؤلفاته في علم الاجتماع العراقي والحركات الاجتماعية وتحليل مواقفها على ضوء دراسات سابقة وتأثره بمنهج ابن خلدون التاريخي في علم الاجتماع .

كان الوردي متأثراً بمنهج ابن خلدون في علم الاجتماع. فقد تسببت موضوعيته في البحث بمشاكل كبيرة له من بعض الاطراف السياسية الفاعلة في ساحات العراق لواقعية استنتاجاته وموقفه العلمي الصحيح المعلن بعيداً عن أتكت المجاملات والمحاباة، لكن هذا لن ولم يثنيه عن صراحة ومنطق بحوثه في تكوينات وتحليل الشخصية العراقية، لأنه لم يعتمد الفكر الماركسي في منجزاته ولم يتبع الأيدولوجيات (الأفكار) القومية الجاهزة مما قد آثار هذا حنق متبعي الأيدولوجيات فقد اتهمه القوميون العرب بالقطرية لأنه عنون كتابه" شخصية الفرد العراقي" وهذا حسب منطلقاتهم العقائدية إن الشخصية العربية متشابهة في كل البلدان العربية. وكذلك انتقده الشيوعيون لعدم اعتماده المنهج المادي التاريخي الماركسي في دراسته .

تشير سيرته الذاتية الى إنه …

علي حسين محسن عبد الجليل الوردي (1913- 13 تموز 1995 م)، وهو عالم اجتماع عراقي، أستاذ ومؤرخ وعُرف بتبنيه للنظريات الاجتماعية الحديثة في وقته لتحليل الواقع الاجتماعي العراقي، وكذلك استخدم تلك النظريات بغرض تحليل بعض الأحداث التاريخية، كما فعل في كتاب وعاظ السلاطين وهو من رواد العلمانية في العراق . لقبت عائلته بالوردي نسبة إلى أن جده الأكبر كان يعمل في صناعة تقطير ماء الورد، التي أشهر بها العراقيين في فترات سابقة . في مدينة اوستن، بالولاية الامريكية تكساس الامريكية. حصل على الدكتوراه عام 1950م من نفس الجامعة التي درس بها دراسته الجامعية .

قال له رئيس الجامعة عند تقديم الشهادة له: (أيها الدكتور الوردي ستكون الأول في مستقبل علم الاجتماع). تشير حصيلته في الدراسات والبحوث الى أكثر من 150 بحثا مودعة في مكتبة قسم علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة بغداد. ويسرد علي الوردي في يومياته إن ولادته في عام ١٩١٣ لقد حققت له فرصة التعلم والمعرفة والتي شهدت نهايات الحكم العثماني، والتي كانت المدارس في فترة هذا الحكم ضئيلة ومختصرة على أولاد الباشوات والاعيان، لكن فرصة مجيء ملك فيصل الأول ملكاً على العراق فتحت أبواب العلم والمعرفة من خلال بناء المدارس والنوادي التعليمية واعتزازا منه بتلك المرحلة أطلق على أحد أبنائه فيصل . ويستذكر طفولته في بداية حياته الدراسية عندما كان يعمل صانع في محل للرزق، كيف كان يهمل الزبائن ويلهو بقراءة الكتب مما دعا صاحب المحل الى طرده من شغله .

علاوة على شجاعته في كتاباته ومحاضراته إنه كان يكتب بلغة متناهية في السلاسة والفهم والوضوح بلغة تحليلية نقدية تفكيكية للشخصية على منهج أبن خلدون في دراسته لعلم الاجتماع . تفرد في بحوثه وكتاباته بالموضوعية والغوص في تركيب النفسية الاجتماعية ولا يبالي وبدون تردد ولا خوف من كل الفرق والحكومات وأجهزة الشرطة والقمع وعلى مدار عقود في مواصلته من نشر بحوثه واعلانها للملأ رغم كل الضغوطات الهائلة والاغراءات الثمينة لكنه بقى متمسك بمنهجية العلم والبحث والتحليل في إداء رسالته العلمية والانسانية . وقد وجد وتوصل من خلال بحوثه خواصاً في الشخصية العراقية غير التي موجودة في تكوينات النفس البشرية مما أغاضت الحكام والحكومات على مدار الانظمة المتعاقبة، وجد بها نموذجاً لا تشاركه فيه أبناء المجتمعات الاخرى .

حصد علي الوردي سخط البعض نتيجة أفكاره النقدية وبرز ذلك عند إصدار كتابه الأول "وعاظ السلاطين"، الذي يسخر فيه من النزاعات التي حدثت حول الأفضلية بين عمر وأبي بكر وعلي والذي كانوا برأيه يمثلون اتجاهاً واحداً. وبعد إحتلال دولة العراق من قبل القوات الامريكية وحلفائها عام ٢٠٠٣ برزت تلك النبوءة الى العلن في الاقتتال الطائفي الدموي الذي شخصها وحددها علي الوردي في ملامح الشخصية العراقية من خلال سلسلة دراسات واستنتاجات توصل لها في بحوثه .

ساهم على الوردي في إعادة قراءة الأحداث الإسلامية بنظرة واقعية موضوعية بعيدة عن المثالية وعن التحيّز للأحداث التي حصلت في التاريخ الإسلامي، كالصراع السني الشيعي وتداعياته التي ما زال المجتمع العربي يتجرع مرارتها، فدعا في منشوراته إلى نبذ الخلاف الطائفي لأن الزمان أكل وشرب على هذا التاريخ القديم، وكان أبن بيئته أنذاك بحكم الظروف والمعطيات التي كانت سائدة .

يشكل كتابه الثاني بعد كتابه الأول ” وعاظ السلاطين ” مهزلة العقل البشري ”الصادر ١٩٥٩ علامة فارقة في طروحاته فيه تمكن من تفكيك شبكات العقل ووسائل التفكير من خلال تحليلاته حول المنعطفات التاريخية التي عصفت بسيرة الحضارة العربية الاسلامية والخلاف حول المذهب ومرجعيته بعد مقتل الخليفة الاسلامي الثالث عثمان ابن عفان وبروز فرق شيعية وسنية ومنذ ذلك الوقت ظل هذا الصراع متخفياً تحت أجندة متعصبة وحاقدة من الطرفيين، وبعد أن أحتل الامريكان بغداد عام ٢٠٠٣ فتح الشيخ جلال الدين الصغير مسجد براثا في كرخية بغداد ليكون ناصية للبث الطائفي والتحريض على القتل للمكون الآخر، مثلما في المقابل راح السنة بتشكيل فرق وطوائف للقتل والذبح . رآى علي الوردي في كتابه هذا للحقيقة عدة وجوه ناقداً مبدأ ارسطو في نفيه للوسطية في دراسة الظواهر الاجتماعية . الملاحظ في السنوات الأخيرة ومما أصاب العراق والمنطقة بشكل عام من أحداث وأنقلابات وأحتلالات وقتالات وتشرذم على كل المستويات السياسية والفكرية والاخلاقية والاجتماعية مما ترك ألتفات واضح بمؤلفات علي الوردي وتداولها بشكل واسع من المهتمين والدارسين وعامة الناس من حيث قراءتها مرات وأعادة طبعها من عدة دور نشر بعد أن وجدت هذا الاقبال المتواصل من عامة الناس على متابعتها وأعادة قراءتها، وقد أقيمت برامج تلفزيونية وندوات وعبر منصات التواصل الاجتماعي حول سيرته ومؤلفاته وأستنتاجاته حول تركيب النفس البشرية في سبق أغوارها وأبداعها .

 

محمد السعدي

كانون الاول/مالمو/٢٠٢١

 

 

لا أعني بالدَّولَةِ الطبيعيَّةِ تلكَ الدولةُ التي تَنْشَأُ على أساسِ القانونِ الطَّبيعيِّ، وإِنَّما أَعني بها الدولةَ التي تنشأُ نشأَةً طبيعيَّةً، وبعبارة أُخرى: هي تلك الدولةُ التي تنشأ على ارضها وبين شعبها والتي تكون هي افرازاً له، وتكونُ لها حكومةٌ تعبِّرُ عن تطلعاتِ شعبها.

 هذهِ هي الدولةُ الطَّبِيعِيَّةُ، ويقابِلُها الدولةُ المفروضَةُ بقوةِ السلاحِ، الدولةُ الغريبةُ عن الارض والشع . الدولَةُ التي اقيمت على ارضٍ ليست لها بقوة الحراب والسلاح والقهر، وفرضت نفسها على شعبٍ لا تمتُّ اليهِ بصلةٍ .ومثلُ هذهِ الدولَة المفروضة بقوة الحرابِ، ليسَ لها تاريخٌ متجذرٌ؛ ولذلك تصطنعُ لها تاريخاً من الاساطير والحكايات، وليس لها شعبٌ لذلك تصطنع لها شعباً من شذاذ الافاق من جهات الارض المختلفة الذين ليس لهم تاريخ بالارض التي استوطنوها ولا يحسون بالانتماء لها؛ ولذلك يفرون منها بأدنى ازمة او محنة تمر بهم .وليس لها اقتصاد نابعٌ من واقعها؛ ولذلكَ يعتمدُ اقتصادُها على المساعدات والهبات والمعونات، هي دولةٌ ليست شبيهةً بالدولة، هي ملصقة الصاقاً ومثبتة بالصمغ الذي سيذوب يوماً ما وتتساقط كل هذه المكونات المفروضة. الدولةٌ الطَّبيعيَّةُ لا تحتاجُ الى تطبيع؛ لانها نشأتْ بشكلٍ طبيعي، فهي ليست غريبة عن ارضها وشعبها . أَمّا الدولةُ المصطَنَعَةُ فهي غريبة عن الارضِ والشعبِ والتاريخ والجغرافيا . هذهِ الدولَةُ المُصطَنَعَةُ هي التي تحتاج الى تطبيع؛ لانها ليست طبيعيَّةً .

 الدولةٌ المصطنعةُ هي التي تحتاج الى تطبيع . والتطبيعٌ جريمةً؛ لانها يجعلُ الامر الشاذَّ والغريب طبيعياً . مهما فعل المطبعون فلن يستطيعوا حلَّ ازمةِ هذه الدولة؛ لانَّ ازمتها ازمة بنيوية وجوديّة . التطبيعُ يعني اسقاطُ كلِّ الحواجزِ بينك وبين العدو واكبر الحواجز هو الحاجز النفسي، فالذي كنا نقول عنه انه عدو اصبح وضعه طبيعياً واصبح صديقاً نبادله المودة . الله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ ). الممتحنة: الاية: 1 .

ولذلك اقول لا مستقبل لدولةٍ مصطنعةٍ مفروضة بقوةِ الحراب، والتأريخُ خيرُ شاهدٍ، فكل القوى الاستعماريّة التي احتلت منطقتنا، ذهبت الى غير رجعةٍ، واصحاب الحق واهل الارض سيعودون.

 

زعيم الخير الله 

 

 

عدنان عويدمبادئ التصوف العرفانيّة: العرفان في اللغة مشتقّ من "عَرَفَ"، ويُعْنى به المعرفة. يقول ابن منظور: "عرف: العرفان: العلم... عَرَفَه، يَعْرِفُهُ، عِرْفَة وعِرْفاناً وَمَعْرِفَةً واعترفه... ورجل عروفٌ: وعَروفة: عارف يعرف الأمور، ولا ينكر أحداً رآه مرة... والعريف والعارف بمعنى مثل عليم وعالم... والجمع عرفاء...".

والعرفان في الاصطلاح هي المعرفة الحاصلة عن طريق المشاهدة القلبيّة، وليس عن طريق العقل أو التجربة الحسّية... وهذا اللون من المعرفة يحصل من خلال العمل المؤمن إيماناً كاملاً بأحكام الدين. وهو بالتالي، الثمرة الناضجة والنهائيّة للدين الحقيقي. وعلى هذا الأساس قدَّم أصحاب الاختصاص تعاريف متعدّدة للعرفان، من أبرزها ما جاء على لسان القيصري: "هو العلم بالله سبحانه، من حيث أسماؤه وصفاته ومظاهره، وأحوال المبدأ والمعاد والعلم بحقائق العالم وبكيفيّة رجوعها إلى حقيقة واحدة، هي الذات الأَحَدِيّة، ومعرفة طريق السلوك والمجاهدة، لتخليص النفس من مضايق القيود الجزئيّة وبالتالي اتّصالها بمبدئها أو خالقها، واتّصافها بنعت الإطلاق والكلّيّة". (16).

وعند الصوفيين، تتمثل الحقيقة اليقينيّة العرفانيّة بتزاوج مبدأيّ الفناء والبقاء الذين يتكاملان للوصول إلى اليقين.

والفناء عند الصوفيين هو مصطلح يدل على مستويات إدراكيّة يصل إليها المريد. وهي نوع من أنواع اندثار أو غياب النفس مع الحفاظ على الجسد الماديّ حياً. أو هي حالة كاملة الاتحاد مع الوجود الماديّ والروحانيّ. وهناك ثلاثة مستويات من الفناء التي يجب تحقيقها وهي:

"الفناء بالشيخ" أي التكامل مع الوجوديّة الفيزيائيّة الماديّة،

"الفناء بالرسول" أي التكامل مع العالم الروحانيّ،

ثم "الفناء بالله" أي التكامل مع الوجود المجرد.

ولكي يصل الصوفيّ إلى هذه المستويات، عليه تطهير ذاته النفسيّة من كل الدوافع الشريرة، والتغلب على كل الغرائز الجسديّة الوضيعة. بمعى أخر، الامتناع عن القيام بكل الخطايا (مثل الجشع، والشهوة، والمتعة، والغرور، والأنانيّة... والامتناع عن كل أنواع الحب ما عدا حب الذات الإلهيّة المطلقة. ويؤدي هذا الامتناع إلى تدمير الذات النفسيّة، مما يقرب المريد إلى الله لدرجة الفناء فيه. (17).

الفناء والبقاء:

إذا كان الفناء في الصوفيّة هو سقوط الأفعال المذمومة عند المتصوف، وتحقيق النقاء الجسديّ والروحيّ معاً، فإن البقاء في المنزلة التالية، هو درجة إدراكيّة عليا، يصل اليها المريد عند نهاية تجربته الصوفيّة، حيث يفنى كذات إنسانيّة بشكل تام بالذات الإلهيّة مما يعطيه الكمال في الوجود والعرفانيّة واليقين. ويعتبر الصوفيون أن كل المخلوقات ستصل إلى هذه الدرجة سواء بحياتهم أم بمماتهم. ويعتبرون أن كل الحكماء والأنبياء سيصلون لهذه الدرجة، وأنهم حاولوا تعليمها للبشر. فهذه الفكرة أساسيّة في كل الطروحات الدينيّة، فكل دين أو طريقة تطلق مصطلحا مختلفا لمعنى البقاء نفسه. فعلى سبيل المثال، تسمى في الإسلام "النجاة"، وفي المسيحيّة تسمى "الخلاص"، وفي البوذيّة تسمى "نيرفانا" وفي الهندوسيّة تسمى "موكتهي".(18).

هذا وهناك الكثير من المفاهيم الصوفيّة مثل:

اليقين:

وهو أعلى مقامات أو مستويات العرفانيّة الصوفيّة، وهو نهاية مطاف المريد الصوفيّ، التي وصل إليها كل الأولياء والقديسين.

الحقيقة:

وهي المعرفة الكاملة التي يصل إليها المريد عند مستوى اليقين.

المعرفة:

وهي عند الصوفيّة تعني إدراك الموجود بحقيقته بشكل غرائزيّ، وذلك عن طريق المرور بخبرات شخصيّة خارجة عن المألوف (الشطح) بدلا من تعلمها عن طريق الأخرين أو إدراكها بالتفكر.

الإحسان:

وهو الكمال وَالْتَمَيّزُ، ويعتبر من أهم أهداف الصوفيّة.

الْذِكْرُ:

وهو شعيرة فكريّة يقوم بها المريد للتقرب من الله. وبالعادة تكون بترديد لفظة معينة (مثل كلمة الله أو عبارة سبحان الله) أو القيام بحركة معينة مهمتها توجيه العقل كلياً للتفكر بالله. (19).

الكرامة الصوفيّة والأسطورة والحلم:

إن من يبحت في الأبعاد الفكريّة والنفسيّة والأخلاقيّة والاجتماعيّة وأخيراً الكاريزميّة للكرامة، سيجد فيها:

أولاً الوعي: حيث يسود الفكر والوضوح، وثانياً اللاوعي: حيث يسيطر المضمر والمقنّع والرمزيّ. أو بتعبير آخر يسود عالمان : عالم الوقائع الخارجيّة التي تجري فعلا وتحصل أمام العين، وعالم التجارب الداخليّة الذاتيّة للفرد المتصوف، التي يفصح عنها بواسطة الرموز. إلا أن المحتوى الخارجيّ، الواعي، أو الواقعي يظل متوازياً مع المحتوى المضمر للكرامة. فالكرامة التي يحققها الصوفيّ وتتجلى في الظاهر، هي نتاج أو تجلي لتجارب " روحيّة " أو أليات (ميكانيزم) نفسيّة. اشتغل عليها الصوفيّ كما بينا في عرضنا السابق. فالصوفيّ الذي يخرج إلى المجتمع ويحل مشكلة أخلاقيّة أو اجتماعيّة للناس أو للمريدين، هو صوفيّ يستمع كما يعتقد هو إلى صوت الضمير ممثلاً هنا بـ ( نداء ملاك، أو نداء الله،)، يأمره لفعل هذا الأمر المعجزة أو ذاك. فالمهم هنا هو أن القطاع اللاواعي الداخليّ عند المتصوف، بحكم موازاته للعالم الواعي، أي كون القطاع الخارجي الفعليّ، بحكم موازاته للعالم الذاتيّ والروحيّ للمتصوف فقد وجدا تعبيرا عنهما بحوادث قابلة لأن تحصل في العيانيّ أو أمام العيان. (20).

وفي الكرامة اتجاهان: الأول يرفض المجتمع والجسد باحتقار، والثانٍي يشكل المرحلة التي يعود فيها هذا الجسد (المطهر) إلى المجتمع مرة ثانية، ولكن بشكل أقوى، ليبني المجتمع الأكمل، والجسد الأكثر انقيادا للقيم النبيلة.

وفي الكرامة اشتياقان أو توقان: توق إلى المطلق واللامحدود والخلود. وتوق إلى نسيان قهر الواقع للإنسان، أو الهروب من الانجراحات ، الخاصة أو الفرديّة ،

وفي الكرامة منهجان: عمليّ يمارس الرياضيات الروحيّة لتخليص الجسد من الرذيلة، وفكريّ يتأمل المطلق والقيم النبيلة. اتجاه يروض البدن، وآخر يصقل النفس من الداخل، أو يعمل على النفسيّ أو الروحيّ. وهنا يندمج المنهجان في مبدأ حياتيّ هو سلوك، وطريقة عيش، وأسلوب تطهر، ودرب للخلاص، وحل مشكلة الإنسان أمام القدر والموت.

وفيها أيضا لغتان: لغة الكلام والمنطق والاقناع والصراحة، وأخرى أقدر على الإثارة، والتوجيه، والتوصيل والأداء، وأقرب إلى الإيحاء والإشارة.

وفيها أيضاً قطاعان: سويّ ومرضيّ ، حاضر وسحيق في قدمه ، متحضر وهمجيّ أو ابتدائيّ.

وفيها نوعان من القلق: قلق تجاه المصير، حيث تحل المشكلة هنا بإخراج الذات المقهورة من خلال إدخال الفردّي في الرمزيّ، والأنا في المطلق. وقلق إزاء المجتمع والسلطة وشتى رموز القمع التي تعمل على محو الذات.(21).

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة