منتهى البدرانإن المتعارف عليه في فهم النص هو "لدينا فهم ونص وطريقة للفهم. فالطريقة تحدد الفهم، والفهم يحدد النص تبعاً لبعض الإعتبارات. فمثلما أن الفهم لا ينقل النص كما هو، فإن الطريقة لا تنقله كما هو، بل تُصوره بحسب قواعد ومسلمات قبلية تشكل محور النشاط للفهم وإنتاج المعرفة"1. بمعنى أدق لدينا محددات للفهم كما أرى حيث أن المسلمات القبلية، أو قل المرجعيات الفكرية هي العائق الأساس الذي يحول دون فهم النصوص كما هي لا سيما في عالمنا العربي الذي تعصف بكتّابه ومثقفيه جملة من الثوابت والقدسيات التي عليه المرور بها، وعدم تجاوزها في أي تفسير أو فهم أوتحليل.

في خضم هذا التيه المعرفي الذي يجعل فهمنا للنصوص متشظيا، فاقدا للموضوعية والمنطق، نحن اليوم بمسيس الحاجة إلى فهم جديد يتخطى تلك العقبات المعرفية، ويتجرد من القبليات الفكرية والمسلمات والثوابت، أو في أحسن تقدير أن نبعد المقدس عن ميدان الدراسة كي لا نفقده أصالته ونحرف مقاصد المؤلف التي أرادها منه.

إن ما أراه اليوم من حرب تقام ضد كل صوت  وقلم وفكر يدعو إلى التجديد، أو عدم العناية وعدم الترويج وغض الطرف عن المنجز الفكري الجديد يؤكد صحة نظرتي إلى أن هناك منظومات كاملة تحرص الحرص كله على استمرارية هذا التيه وهذا الجهل، تعمل حثيثا على التجهيل وترسيخه. وما يدور في أروقة جامعاتنا في العالم الإسلامي بشكل عام وفي العراق على وجه الخصوص في مجال العلوم الإنسانية لا سيما أقسام اللغة العربية في الدراسات العليا - التي تكاد أن تتحول إلى حوزات دينية - من تناول موضوعات مستهلكة لا تجني أية ثمار تذكر مما جعل القائمين عليها من الأساتيذ الأفاضل في حالة تذمر شديد سببه تلك المرجعيات القبلية والعوامل الخارجية التي تتحكم في رأي الباحث.

اكتشفتُ بطريق المصادفة منهجا جديدا لفهم النصوص يقوم على منهجية غلق المدونات، وقد دلني عليه نقاش عابر مع أحد الباحثين ممن تقوده المرجعيات آنفة الذكر وهو ينوي أن يتناول في مشروعه البحثي - كما فهمت - نقد المجددين لفهم النص القرآني من المحدثين حيث أوحت لي نبرته أنه سيكتب هجوما وليس بحثا؛ لأنه بطبيعة الحال ذو مرجعية دينية مذهبية تحزبية مما ينتهي به الأمر إلى الدوغمائية المقيتة التي كانت ولم تزل تقف حجر عثرة في طريق المعرفة.

"المدونة المغلقة " هي مصطلح تأسيسي يدعو إلى غلق المدونة، وهذا المفهوم هو إطار "للبحث العلميّ لفهم المدوّنات عبر إعطائها الاستقلال المعرفيّ أو العلميّ، وانتزاعها من الأحكام المُسبَقة في مرحلة فحص العينات وتحليل معطياتها أو مكوناتها. ونعتقد أنّنا بهذا ندعو إلى مرحلة جديدة من الوعيّ العِلميّ والحَضاريّ، يمثّل نقطة فارقة في فهمنا لتلك المدونات وأثرها العلميّ أو المعرفيّ إبداعاً أو تبعيّة"2 . ويرى الدكتور حسن الأسدي أن أول المدونات التي لمس معها نتائج الغلق وفاعليته هو القرآن، ومن ثم كتاب سيبويه، والأمر ينسحب على بقية المدونات، وليس شرطا أن تدخل ضمن المقدس.

بعد غلقه لمدونة سيبويه في (كتاب سيبويه) يقول الدكتور حسن: "وعلى الرغم من هذا الأثر البالغ للكتاب ولصاحبه إلاّ أنّنا وجدنا بعد الغلق المنهجيّ سيبويه آخر مختلفاً عمّا تآلف عليه المعنيون قديما وحديثا، فخالفتْ نتائج قراءتنا ما ساد عن الكتاب وصاحبه لحقب متتالية امتدّت لألفٍ من السنين ومئاتٍ أخرى تلتها وكان فيها كشفاً عن نظرية نحويّة سيبويهيّة_ خليلية اختفت وحلّت محلّها أخرى خلطت نظريته بتصورات أخرى وهموم مغايرة لهموم صاحبها وأستاذه (رحمهما الله)"3 .

تعريف المصطلح

المُدَوَّنَةَ المُغْلَقَةَ منهج في البحث العلميّ يتأسس على عدّ النصّ أو النصوص المكتوبة (كتاباً أو غيره) موضع البحث المدروس مدونة ناجحة في إيصال ما ترغب ببيانه الى المتلقي، ولها استقلالها المعرفيّ والعلميّ في ذلك عبر ما تنحو إليه من خصوصيةٍ في عرض معلوماتِها وايراد مصطلحاتها. ولكي يفهم المتلقي هذه المدونة حقّ فهمها ويعطيها حقّها لإبراز نجاحها عليه أنْ يضع آليات منهجيّة تؤدي إلى فهم المدونة من نفسها لا من خارجها عبر الشُراح أو النّقّاد أو التنَاصّ المعرفيّ مع ما يحيط بها. وعلى هذا نرى أنّه على المتلقي الواعيّ ألاّ يتولّع بإظهار تبعيّة هذه المدوّنة لمحيطها ذاك الذي وُلِدتْ فيه، كما أنّ عليه أنْ يستلَّها مِن تراكمات قد تكون كثيرة غلّفتها عبر مسيرتها التاريخيّة بما أحدث معها الخالفون من شروح وإفادات وتحليلات واستلال في حقل المدوّنة العلميّ أو في غيره4.

علما أن هذا الغلق المنهجي لا يقتصر على المتون المؤسسة "بل يراد منه أن يكون تأطيراً لعمل الباحثين، ولا سيما في التّخصُّصات الإنسانيّة [لأنّ تخصصات العلوم الصرفة تكاد تعتمد هذا الغلق على نحو محترف بسببٍ من طبيعة انشغالاتها الخاصّة بعيّنات بحوثها، وبظروف مختبريّة أو بيئيّة شديدة التعلّق بتلك العيّنات].

مسوغات وغايات منهج الغلق

- من أولى مسوغات الغلق هو ظاهرة التراكم المعرفي الأفقي التي منيت بها التخصصات الإنسانية، ومن ميزة هذا التراكم أنْ تتجمعَ حول عيِّنة الدراسة سلاسلُ كثيرة من المعلومات قد لا يستطيع الباحث احصاءَها ولا تفحُّصها أو تمحيصها لكثرتِها، مما أدى إلى استيلاء صفة الترهُّل أو التضخّم لاشتمالها على كمٍّ هائلٍ من المعلوماتِ القديمةِ والمعاصرةِ عبرَ مساراتٍ تمهيديّةٍ وتفصيليّةٍ يُمكن الاستغناء عنها بوصفها جزءاً من الاطلاع المُتخصّص في حقل الدّراسة، وليس في كتابتها أو إيرادها في الدّراسة المُنجزة ما يفيد في تطوير الدراسة؛ فهي حشوٌّ لا يغني وتكرار لا ينفع، وقد أضحت ظاهرة بيّنة لا نحتاج إلى التفصيل في إثباتها.

- ومن غايات الغلق الحدّ من الظاهرة المتفشيّة في ميدان الدراسات الإنسانيّة ، إذ ينبغي علينا العمل على إشاعة هذه المنهجيّة (أي: المُدَوَّنَة المُغْلَقَة) وإن لم يتمّ التقيّد بإجراءاتها الصارمة، وهذا هو الذي نعنيه بروحيّة المنهج وهو أنْ نُحدث غلقاً في تحليلاتنا وتأمّلنا لعيّناتِ دراساتنا.

- ومن المسوغات الأخرى هو غـضّ الطرف عن التناصيّة المعرفيّة أو التاريخيّة وغلوائها وترك الوقوع تحت سطوتها أو قدسيّتها السلفيّة التي وسمت العقليّة الإسلاميّة السائدة عموما في مجالات فكريّة وعلميّة شتّى بُنيَت على سلفيّة خير القرون، وبذلك نستطيع أنْ نقدّم قراءة للمدوّن ذاته لا لمتعلقات موضوعِه أو متعلقات صاحبِه وما حـفَّ بهما، فندع المدوّن ذاته يترافع عن قضيته.

- من الغايات الأخرى هو العمل على إثارة الدوافع لدى الباحثين المعاصرين لا سيما من بدأ مشواره البحثيّ حديثاً بأنْ تكون لعيّنة بحثه خصيصة الاهتمام، ومحور التحليل؛ وقاعدة التفريع والتفصيل؛ فيكون البحث عند ذاك أكثر إلحاحاً لإبراز المدوّنة (العيّنة) وخصائصها. ويجنب نفسه ألاّ ينشغل كثيراً بما يحِفُّ بعينته تلك من متعلِّقاتٍ أو مُقدماتٍ أوْ جهودٍ سابقةٍ فيجنّب دراسته مباحث وفصول وتفريعات تشغل معظم وقته، وقد لا تُبقي له من وقت يكفيه إلا جزءاً يسيراً لينشغل بعيّنة دراسته وقد وهَنَ وأعيا.

وتلك ظاهرة تمّ رصدها في الدراسات والبحوث المعاصرة، وكثيرا ما شكا أساتيذ في لجان المناقشة للرسائل العلميّة أو في تقويمهم البحوث للنشر العلميّ وللترقيات العلميّة من كمية الترهل بتلك المقدمات والتمهيدات، وندرة الأمثلة المقدّمة من العيّنة واختصارها الشديد المخّل. وكثيراً ما يُسأل الباحث أين عينة دراستك من كلّ هذا؟!!. وأين أنت منها؟!! ومعلوم أن اختصاص الاهتمام بالعيّنة وتحليلها سيميط هذين السؤالين التعجبيين جانبا. وبخلاف ذلك تجد تلك العيّنة تبدأ بالحضور في المبحث الثالث في بحث مكوّن من ثلاثة مباحث أو في الفصل الأخير من دراسة مكوّنة من ثلاثة أو أربعة فصول. أو تجدها قد أصبحتْ ذيْلاً للمباحث أو للفصول؛ وذاك أمرٌ يؤدي إلى تشتُّت البحث وعنايته بأمر ثانويّ مع فقر التحليل والاستنتاج الذي يُقدَّم فيه.

- مسوغ آخر هو غياب الرصانة العلمية،  فقد افتقرت الساحة العلمية عامّة الى رصانة كان ينبغي ألاّ تغيب عنها. ولا يخفى علينا هنا وجود عوامل أخرى لضعف هذه الرصانة بيد أنّنا لسنا بصدد رصدها، وبيان تأثيرها في هذا الجانب.

من التوصيات:

- على الباحث المتخصص بعد اكمال عدّته البحثيّة والتخصصيّة، أن يقرأ أكثر ممّا يكتب وأنْ يحلّل أكثر ممّا ينقلُ، ويدركُ جيّدا أنّه غير معنّيٍّ بأنْ يَتناصّ مع تلك المقدمات الكثيرة، فالانشغال بعينة الدراسة يوفّر على الباحث الوقت للتأمّل فيها وتحليلها والاستنتاج منها. وأيضا الاقتصاد في المساحة الماديّة للمكتوب واكتناز المفيد في ظلّ تَوسُّعٍ في مساحتِه الإدراكيّةِ.

- إنّ علينا في مرحلة الفَحْص والتّحليلِ النظرَ إلى عيّنة الدّراسة بوصفها جوهرةً مكنونةً يرادُ منّا تقييم ثمنها بدقّة، فعلينا السّعي جاهدين إلى الكشفِ عن كلِّ تفصيلاتِ هذه الجوهرة والوَلعِ بدقائقها وكراهيَّةِ عموميات يشاركنا بها كثيرون، ومن ثَمَّ نَنظرُ نحن وغيرنا من المشترين لمثل هذه الجوهرة (وهي المُدَوّنة) وإلى نسقيّـتها مع محيطها بما تقيمُهُ من علاقات التّضامّ والتّعاضد والمُفارقة والتّناصّ المرضيّ أو غير المرضيّ وغير ذلك من علاقات. كلّ ذلك مَع من يشاركُنا هذا الكشف الذيّ لن يتأسس إلّا على ما نقدّمه في مرحلة الغَلْقِ المنهجيّ لعيّنتنا من تفصيلات عبر إمعان الفحص والتحليل.

ختاما أقول:

مع هذا المنهج الجديد لفهم النصوص وتفسيرها، الذي يمكن أن يخرجنا من قوقعة المقدس ودائرة الخطوط الحمرء، ويمكن أن يقرّبنا أكثر إلى الموضوعية المتوخاة من أي بحث علمي، إلا أنني أراه خطوة في بداية الطريق، ما زلنا لو تناولنا نصا مقدسا كالقران وأغلقناه سنظل راضخين إلى اعتبارات كثيرة، الفرد المسلم حين يكون باحثا لن يسلم من القيود الفكرية، ولكنها كخطوة نحو تحرر النصوص جديرة بالإشادة والفخر، وأشد على أيادي القائمين عليها والسائرين على خطاها.

المدونة المغلقة صدرت كتابا تحت عنوان: "منهج المدونة المغلقة، مباحث تأسيسية لتفسير القرآن بالقرآن"، لمؤلفها الأستاذ الدكتور: حسن عبد الغني الأسدي.

 

بقلم: منتهى البدران/ العراق.

.........................

1- فهم النص وإشكالية التطابق، يحيى محمد.

2- المُدَوَّنَةُ الْمُغْلَقَةُ وَالْبَحْثُ العِلْمِيُّ، الأستاذ الدكتور حَسَن عَبْد الْغَنِيِّ الأَسَدِيّ، أستاذ اللغة العربية في جامعة كربلاء – العراق،

https://uokerbala.edu.iq/archives/12094

3- المصدر نفسه.

4- المصدر نفسه

 

 

محمد محفوظلا شك أن الدین الإسلامي، شكل قفزة نوعیة ومهمة في التاریخ الإنساني، بما قدمه هذا الدین من نظم وتشریعات، تكفل حریة الإنسان الفردیة والاجتماعیة، وتسعى نحو تحقیق السعادة للإنسان في هذه الحیاة . 

وتبدأ هذه النظم والتشریعات ببیان أن اﷲ سبحانه وتعالى، قد أوكل للإنسان خلافته في هذه الأرض بعد تكریمه إیاه، وتفضیله على الملائكة، قال تعالى ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خلیفة قالوا أتجعل فیها من یفسد فیها ویسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ . 

وقال تعالى ﴿ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطیبات وفضلناهم على كثیر ممن خلقنا تفضیلا﴾. 

فأصبح الإنسان هو الذي یسخر جمیع المخلوقات له ..

ومن هنا أبرز هذا التكریم الرباني للإنسان، التعبیر الذي ینبغي أن یسعى الإنسان للحفاظ علیه في هذه الدنیا وهو إنسانیته ..

والعمل على توفیر جمیع السبل والوسائل للحفاظ على هذا التكریم . وینبغي التأكید في هذا الإطار، أن التكریم الإلهي لم یكن خاص بإنسان دون الاخر، وإنما هو تكریم لنوع الانسان بدون تمایز أو فروق عرقیة أو طبقیة أو عنصري أو ما أشبه . (كلكم سواسیة كأسنان المشط) . 

ومن تجلیات هذا التكریم أن جعل اﷲ سبحانه وتعالى الإختلاف بین الناس حالة طبیعیة في الوجود الإنساني، لأن الباري عز وجل قد خلق البشر مختلفین من نواحي عدیدة . 

1-  لكونهم من ذكر وأنثى ﴿وأنه خلق الزوجین الذكر والأنثى﴾. 

2-  مختلفین لإختلاف ألسنتهم وألوانهم ﴿ومن آیاته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم﴾ . 

3-  مختلفین لإختلاف عقائدهم ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن﴾.  

وعلى ضوء هذا الاختلاف تنشأ الوحدات الاجتماعیة المستقلة، لكن لا لكي تتباعد عن بعضها وإنما لكي تتعارف . 

فالتعارف هو المنظور القرآني لتجاوز الآثار السیئة والسلبیة لحالة الاختلاف : ﴿یا أیها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اﷲ أتقاكم﴾ .

ویقول المرحوم الشیخ محمد أبوزهرة في تفسیر هذه الایة (إن التعارف یوجب التعاون في رفع الحق، وخفض الباطل وسیادة الفضیلة والمساواة العادلة بین الناس، وأن یدفع الظلم عن كل بني الإنسان وأن یقف أهل كل إقلیم أنفسهم لمساندة الضعیف في أي أرض من أرض اﷲ، حتى لا یفسد الظلم أهل الأرض) .

ولقد أثبت القرآن الحكیم الحق في الاختلاف لجمیع البشر، واعتبر أن الاختلاف في العقائد والأفهام والمواقف، هو سنة من سنن اﷲ تعالى في الأرض . 

فقد قال تعالى: ﴿ولا تكونن من الذین كذبوا بآیات اﷲ فتكون من الخاسرین﴾. 

ومن الطبیعي أن الاقرار بحق الاختلاف، یستلزم الاقرار بالتعددیة والتنوع في المجتمع، وحینما ننظر إلى الصحیفة التي كتبت كدستور للدولة الإسلامیة الأولى، تتوضح في بنودها الإقرار والاعتراف التام بحالة الاختلاف والتنوع والتعددیة، فقد جاء فیها: (هذا كتاب محمد (ص) بین المؤمنین والمسلمین من قریش ویثرب، من تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قریش على ربعتهم یتعاقلون بینهم، وهم یفدون عانیهم بالمعروف والقسط بین المؤمنین وبنو ساعدة على ربعتهم یتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانیها بالمعروف والقسط بین المؤمنین) . وعلى الصعید السیاسي العملي أیضا، لا شك أن تجربة الامام علي (ع) مع الخوارج تؤكد حقیقة إعتراف الإسلام بالاختلاف والتعددیة في المجتمع الإنساني، قال تعالى ﴿ولا ینهاكم اﷲ عن الذین لم یقاتلوكم في الدین ولم یخرجوكم من دیاركم أن تبروهم وتقسطوا إلیهم إن اﷲ یحب المقسطین﴾.

وتاریخیا لم یكن ینظر مفكرو الأمة وأئمتها للإختلاف كمصدر ضعف وتراجع، بل إعتبروه تعبیرا عن غنى الثقافة وزخم الحضارة المرتبطین بعمق التجربة التاریخیة وإتساع الانتشار الجغرافي .

وجماع القول في هذه المسألة أن الاختلاف حالة طبیعیة ومتناغمة مع نوامیس الوجود الإنساني، إذ (إقتضت مشیئة اﷲ أن یخلق الناس مختلفین متباینین في قدارتهم الفكریة، وفي أمزجتهم وفي أذواقهم .

فتختلف بسبب ذلك أنظارهم وفهومهم،ویعطي هذا الاختلاف والتنوع للحیاة مظهر التجدد، ویبعدها عن التكرار والرابة . ویمكن تنویع الانتاج الإنسان ومن تكثیر الصور الفكریة للموضوع الواحد .

ویظل هذا الاختلاف المنتج للتنوع إیجابیا ومفیدا، وما دام نابعا عن تلك الفروق الفطریة وعن التابین الموضوعي في البحث عن الحق) . 

وبهذا فإن الاختلاف في حدوده الطبیعیة هو أصل الوحدة، ومصدر الحریة ومنبع التقدم والتطور، ماعلینا إلا أن ننزع من أذهاننا روح التشاؤم ونعمق روح الثقة بالعقل والانسان، عندئذ یصبح الحوار ونحن مختلفین ممكنا، وتصبح الحریة والاحترام المتبادل شرطا لاستمرار هذا الحوار .

ویقول المارودي في كتابه نصیحة الملوك حول أن الاختلاف مسألة طبیعیة "كلام كل كتاب وأخبار كل نبي لا یخلو من إحتمال تأویلات مختلفة، لأن ذلك موجود في الكلام بنفس طباعه وكلام أولى بهذه الصفات من كلام اﷲ اجل ذكره، إذا كان أفصح الكلام وأوجزه وأكثره رموزا وأجمعه للمعاني الكثیرة. ولا بد في الدین من وقوع الحوادث الطارئة التي یحتاج إلى النظر فیها والنوازل التي لا یستغنى العلماء عن استخراجها ولذلك صار لكل رأي تتبع ومشرعون وأئمة ومؤتمون كان سببا لإختلاف الامم وإنشقاق عصاها " .

فالاختلاف حسب هذا القول أمر طبیعي بطبیعة النص الشرعي المقدس وما یؤدي إلیه من تأویل متعدد وقراءات مختلفة، ولكن ینبغي القول " أن الاختلاف الذي یسمح به الشرع هو نتیجة طبیعیة ومنطقیة لمشرعیة الاجتهاد لأن من المستحیل القبول بالاجتهاد دون القبول بآثاره التي من جملتها إختلاف أنظار المجتهدین " .

وبالتالي فإن حمل الناس على الرأي والفهم الواحد یناقض حقیقة الاجتهاد والنوامیس الكونیة فیما یرتبط بالاختلاف البشري . 

كما أن حمل الناس على الرأي الواحد یناقض الفكر الدیمقراطي المعاصر إذ أن " الاختلاف في المفهوم الدیمقراطي لیس تفتیتا وتجزئة بل هو بدیل عن كل استداد مغلف بغلاف الوحدة، حین تكون هذه الأخیرة مجرد تغطیة للإنفراد بالسلطة ... نعم هناك سلبیات ومزالق للتعددیة حتى في مستوى التعبیر المؤسسي الدیمقراطي، إلا أن عیوب الدیمقراطیة تصحح بالدیمقراطیة ولیس بالغائها " . 

ولكننا في الوقت الذي نعتبر أن الاختلاف حالة طبیعیة مرتبطة بالوجود الانساني، نرفض الاختلاف المطلق أو ما یصطلح علیه ب (الاختلاف من اجل الاختلاف)، لأن معنى هذا الاختلاف هو التشتیت الدائم والمستمر للاراء والأفكار ویبقى كل منها منغلق على ذاته رافض للاخر، كل منهما یشكل عصبیة لا تقبل التعایش والحوار، فهو صراع عصبوي حتى لو تجلبب بجلباب الاختلاف . لذا فنحن نرفض هذه الاشكال من الاختلاف، لأنها تؤدي إلى الفوضى في النظام الاجتماعي العام . 

ولهذا فإن السؤال الذي یطرح في هذا المجال هو كیف ندیر اختلافاتنا أو ما هي السبل الناجعة لإدارة الاختلاف ... 

1- الاعتدال 

دائما التطرف في كلا الاتجاهین (الحب والبغض) یصادر الحقیقة، ویشرع للاستبداد وإقصاء الرأي الاخر . هذا تطرف یدعي لصاحبه من حیث یشعر أو لا یشعر أن الناطق الأوحد بإسم الدین والقیم .

فالتطرف یحرم الناس المشاركة في صنع الحقیقة والمعرفة، ویصادر منهم الحق في الاختلاف، له وحده (المتطرف) الحق في أن یخالفهم، ولیس لهم أي حق في إبداء رأي مخالف له .. 

وینبغي القول في هذا الصدد، أنه لا یوجد على وجه هذه البسیطة إنسان (ماعدا المعصوم) یمتلك مركز إصدار الحقیقة، وان قوله هو القول الفصل في كل شيء .. ف "لیس من حق أحد أن یقف أمام الملأ ویقول: أنا الإسلام ! لیس من حق أجد أن یتحصن بكتاب اﷲ، ثم یعلنا علینا من ورائه أن من نصره وأیده فقد دخل في زمرة المؤمنین الصالحین ومن خذله أو عارضه فقد خرج على كتاب اﷲ، وصار من أعداء اﷲ المارقین !، لیس من حق أحد أن یزعم بأنه یتمتع بحصانة إسلامیة خصته بها السماء من دون كل المسملین، فرفعته فوق كل الرؤوس، ونزهته عن النقد والسؤال، وإحاطته بسیاج من العصمة والقداسة " .

إن التطرف یؤدي بصاحبه إلى الشدة، وتستولي علیه روح الضیق بالمخالفین ویسارع إلى اتهامهم في أفكارهم ونیاتهم وأخذهم بالشبهة وسوء الظن . 

وحین یسود التطرف تستباح الحقیقة، ویزیف الواقع وتنتهك السمعة والكرامة، ویرجم أصحاب الرأي المخالف على حد تعبیر الدكتور أحمد كمال أبوالمجد .. لأن التطرف في العلاقات الإنسانیة یجعل صاحبه منفصل دائما عن الذات ومبررا لكل ما یصدر عنها منتقدا غیره إیاه جارحا لكل ما یصدر عنه.

لهذا نجد أن الإسلام یؤكد على مسألة التسامح بین الأخوة، والابتعاد عن سوء الظن والتشهیر والاسقاط وما أشبه .. فقد جاء في الحدیث الشریف (ضع أمر أخیك على أحسنه حتى یأتیكمنه یغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من أخیك سوءا وأنت تجد له في الخیر محملا) . 

(أطلب لأخیك عذرا فإن لم تجد له عذرا فإلتمس له عذرا)

(ألا أخبركم بأفضل من درجة الصیام والصلاة والصدقة ؟ إصلاح ذات البین فإن فساد ذات البین هي الحالقة) . 

لهذا فإن صدر الإسلام یتسع لإختلاف الاراء، فلا نضیقه بأهوائنا ونوازعنا الذاتیه السیئة، فلا بد لنا أن ندیر خلافاتنا بصفاء قلب وعفة لسان وحرص متبادل على صون الكرامات وحفظ المودات، وأن نبتعد عن قوارص الكلم وفنون التجریح والتشهیر والإسقاط، وكل ما یسبب ویؤدي إلى شحن النفوس بالضغین والبغضاء . 

2- مدنیة الاختلاف 

بما أن الاختلاف مسألة طبیعیة في الاجتماع الإنساني لذلك ینبغي الابتعاد قدر المستطاع عن جعل هذا الاختلاف وكأنه خلاف بین الحق والباطل . 

إننا ولكي ندیر إختلافاتنا بشكل إیجابي ینبغي لنا تحویل الاختلاف إلى حالة مدنیة موضوعیة، لا إلى خلاف دیني، لأنه إختلاف في تحدید مصادیق القیم والمباديء المتفق علیها من قبل الطرفین . 

"ویبقى من خاصائص الحوار الدیني، خصوصا في إطار الإسلام الذي یتمیز بشموله والارتباط الاساسي بین عقیدته وشریعته وادابه، أن من الیسیر على الأطراف في حوار دائر حول أمور السیاسة والاجتماع والاقتصاد، أن یضفي علیه بعضهم طابعا دینیا، وأن یلقى على مائدة الحوار بنص یتعرض من قریب أو بعید لموضوع الخلاف بین المتحاورین وبذلك یكتسب الحوار كل ما یحیط بأمور الدین من قداسة، وكل ما یلحق المخطئین فیها من شبهات الإثم، والانحیاز للضلال فیتحول الحوار إلى محاكمة ... یضطر في المخالف إلى توجیه جهده كله للدفاع عن نفسه، وإثبات براءته من خطیئة الاستخفاف بالنصوص والاجتراء على اﷲ والقول في الدین بالهوى . لقد كان من اثار هذه الظاهرة غیاب المنهج النقدي عن كثیر من القضایا المهمة في نطاق البحث الدیني، وخوف كثیر من العلمات الثقات لتمتد إلى النیل من الجهر بارائهم حتى لا یتعرضوا لحملات تتجاوز الرأي وتقییمه ...

لتمتد إلى النیل من دینهم وتقواهم وأمانتهم وحسن نوایاهم " . 

لذلك من الضروري الابتعاد عن حالات تدیین الاختلاف أو إعطائه طابعا دینیا بحیث تصبح عملیة الاختلاف وكأنها صراع بین الحق والباطل .. فما دام الاختلاف ظاهرة طبیعیة على مستوى البشریة، لذلك من الخطأ الفادح سلب صفة البشریة من خلافاتنا ووحهات نظرنا المتباینة، وفي إطار مدنیة الاختلاف وبششریته، لا بد من التحلي بصفة الموضوعیة حین الاختلاف . والموضوعیة منهج بهدف مقاربة اراء وأفكار الاخر المختلف بدون زیادة أو نقیصة ... كما أنها تقتضي أن لا ینظر المرء إلى الاخر المختلف من علو، وإنما هي رؤیة متساویة وقریبة منه .  

3-الاتفاق على خریطة المستقبل

عادة حینما یكون الحوار بین المختلفین حول قضایا الماضي ومشاركة كل طرف في صنعه عادة لا یتوصولون إلى حلول بل إلى المزید من الإصرار المتبادل على الاراء والافكار، لذلك ینبغي أن تكون جلسات المختلفین وحوارتهم حول غدهم لا أمسهم، وقد تكون الایة القرانیة (قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون) تشیر إلى ذلك . 

 4- فریضة الحوار 

إن غیاب فریضة الحوار هو الذي یحول كل اختلاف فكري أو اجتماعي أو سیاسي إلى حرب ساخنة، وتجدد أسبابها وشروطها بإستمرار حالة الجفاء وغیاب فقه الحوار . 

إن تكریس قیمة الحوار في أوساطنا وأجوائنا هو الذي یجعل الاختلاف في وضعه الطبیعي ودون أن یؤثر ذلك على القواسم المشتركة لدى الطرفین . ومن المؤكد أن التعصب هو أحد أشكال الإنحطاط والتخلف في العلاقات الانسانیة التي تؤسس للعداء والقطیعة بدل التعایش والحوار المتواصل .

فالحوار والمجادلة بالتي هي أحسن كان لها الفضل في رد الكثیر من الاراء الوافدة والدخیلة . 

فلا یمكننا أن نمنع الانسان من عدم إبداء رأیه أو التعبیر عن افكاره، ولكننا بإمكاننا محاورته ومناقشته.

فالإمام علي (ع) حینما ظهرت أفكار الخوارج مثلا لم یحاربهم، وإنما حاورهم وناقشهم وكان موقفه منهم، موقف المجادل الذي یقارع الرأي الباطل بالرأي السدید مؤیدا ذلك بالأدلة والبراهین والوقائع الساطعة . "بوسعك أن تتبین مدى حمایة الإسلام لحق التعبیر عن الرأي أیا كان صاحبه، إذا تأملت في قوله عز وجل من الایة السابقة (وجادلهم بالتي هي أحسن) فإن المجادلة لا تكون إلا في جو یصغي في كل من الطرفین إلى الرأي الاخر، وإذا كانت المجادلة لبیان الحق وتمییزه عن الباطل واجبا كلف اﷲ به المسلمین، فلا شك أن تهيء مناخه، من الإصغاء إلى الرأي الاخر، ومهما كان جانحا، واحب هو الاخر، إذ أن ما لا یتم الواجب إلا به فهو اجب، وهذا الواجب لا یتم إلا بتمكین صاحب الرأي الجانح (في اعتقادنا نحن) من التعبیر بكل أمان عن رأیه، إذ بذلك توجد المادة التي یدور حولها الجدل والحوار". 

وینبغي التذكیر في هذا المجال أنه لا یوجد مجتمع في التاریخ الإنساني، لا تتعایش في رؤى وأیدولوجیات مختلفة ومتباینة، ذلك لأنه ینطوي بالضرورة على مصالح متغایرة، ویمارس إختیارات مختلفة. ولكن التقدم والتطور لا یكون من نصیب إلا المجتمع الذي استطاع أن یوجد علاقة إیجابیة وحسنة ومتعایشة بین هذه الرؤى والمدارس الفكریة المختلفة . 

وعن طریق هذه العلاقة الایجابیة والمتعایشة التي تربط هذه الرؤى یحتضن المجتمع عناصر التقدم والنطور في مختلف الأبعاد والحقول، وبهذه العملیة نحول إختلافاتنا إلى مصدر لتطویر ذاتیتنا الفردیة والجماعیة، وبهذا نغني ثقافتنا ونعید توازننا الاجتماعي التاریخ . فالاختلاف في حدوده الطبیعیة لیس مرضا یجب التخلص منه والقضاء علیه، بل هو محرك المجتمع نحو الأفضل، ومصدر دینامیته، وهوو یقود لو أحسنا أدارته إلى المزید من النضج والوعي والتكامل . 

عن طریق هذه الأمور نستطیع أن ننجح في إدارة خلافاتنا، ونفقه أن نتعاون من بعضنا البعض دون أن تتطابق وجهات نظرنا في كل شيء . 

وحتى تكتمل صورة التعامل الایجابي مع ظاهرة الاختلافات في المجتمعات البشریة، هذه مجمعة من الوصوایا والقضایا التي تحول دون تحول الاختلافات إلى عوامل هدم وتخریب في المجتمع:

 أ- ضرورة عدم الاكتفاء بأدنى الفهم والمعرفة، وإنما تهیئة النفوس والعقول إلى إستقبال أقصى الفهم والمعرفة . إذ أن الكثیر من الاختلافات تأخذ سبیلها السيء والسلبي من جراء الفهم الناقص للمسألة التي جار حولها الخلاف، لذلك وقبل أن یرتب أحد أطراف الاختلاف أي قناعة أو موقف، لا بد من أن یفهم المسألة بشكل كامل بحیث توفر لدیه المعرفة التامة حول المسألة المعنیة . 

ب‌  - ضرورة إحترام حق الرأي، إذ أننا لا یمكننا أن نصادر حق الإنسان في التعبیر عن ارائته وقناعاته ولا شك أن الاختلاف فرض احترام حق الرأي، لذلك نحن مطالبون بأن لا نشن على الطرف الاخر (المختلف) نعوت تؤدي إلى التسقیط والتخوین وما أشبه، لأننا نحترم رأیه ونجعل هذا الاختلاف في هذه الدائرة .

ت‌  - إخراج الذات من دائرة الاختلاف، وهذا یقتضي أن نعتبر أنفسنا مختلفین ضمن مختلفین، لا أن الاخرین هم وحدهم المختلفون معه أي المخالفین . وینبغي الابتعاد عن التعالي، تعالي كل خصم على خصمة بإدعاء احتكار العلم الكوني وواستعمال النص المقدس لفرض سلطته هو على الجمیع . وقد قال تعالى: (قل من یرزقكم من السموات والأرض قل اﷲ وإنا وإیاكم لعلى هدى أو في ضلال مبین).

ث‌  - ضرورة حضور البعد الأخلاقي في الاختلاف، إذ أن طائفة لیست قلیلة من الاسباب والامور التي تجعل حالة الاختلاف، من حالة طبیعیة إلى مسألة تؤدي إلى التخریب ووجود حالات التصدع الداخلي . كل ذلك یحدث بفعل غیاب القضیة الاخلاقیة في مسائل الاختلاف، لذلك فمن الضروري، وحتى نحافظ على طبیعة الاختلاف، من وجود الضوابط والقیم الاخلاقیة التي تجعل الاختلاف في حدوده الطبیعیة . وقدیما قیل أن الخلاف لا یفسد للود قضیة . ونحن نرى سیرة أهل البیت (ع) مع معارضیهم، والمختلفین معهم عقائدیا أو فكریا أو سیاسیا، یتعاملون معهم وفق الضوابط الاخلاقیة، لأن تجاوز هذه الضوابط یحول مسألة الاختلاف إلا سلاح هدام لكل نقاط القوة والنشاطات الایجابیة في الساحة . 

ج‌  - ضرورة التواصل بین العلماء والدعاة، فلكي لا تتوسع شقة الاختلافات، وتتحول إلى صراعات ینبغي التواصل الدائم بین العلماء والدعاة وكل من یشكل حالة عامة في المجتمع . لأن هذا التواصل یبدد الغیوم السلبیة للاختلاف . ویعرف وجهة نظر كل طرف للاخر بشكل مباشر .  

ویشیر إلى هذه المسألة مصطفى بن حمزة بقوله "الخطر في هذه التقابلات لا یكمن في الاختلاف في حد ذاته، وإنما یكمن في افراز هذا الاختلاف لروح التشرذم والشتت ما دام الدعاة یعجزون عن مد جسور التلاقي والتواصل بینهم، وما داموا یتعصبون ویتشددون في تمسكهم بما تأدى الیه اجتهادهم وما داموا یرون أن ما عنجهم هم الحق الذي لا خلاف فیه ... وان ما عند مخالفهم هو الباطل الذي لا خلاف فیه . وعلى أساسه یرسمون مواقع جدیدة تستنزف جهادهم وطاقتهم . إذ یتصورون أن مخالفهم یجب أن یكون موضوع دعوتهم وارشادهم فیجعلون الأوكد من عملهم زحزحته عما هو علیه من رأي، هو أیضا ولید اجتهاد ونتیجة نظر في الأدلة الشرعیة ". 

لذلك فلیس المطلوب أن تتطابق وجهات نظرنا جمیعا في كل شيء ولكن المطلوب هو بقاء التعاون واستمرار المحبة والود لبعضنا البعض، وان لا نسحب اختلافنا في حقل من حقول الحیاة إلى بقیة الحقول والجوانب . 

وأخیر ولكي لا نقتل إنجازاتنا ومكاسبنا جمیعا بأیدینا تعالوا نتعلم كیف نختلف .

 

محمد محفوظ

 

عدنان عويدالأشاعرة تيار فكريّ أصوليّ سلفيّ وثوقيّ، ابتدأ مع منظره "أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري"، وهو من أحفاد الصحابيّ أبو موسى الأشعري، ولذلك اشتهر بالأشعري منتسبا لجده الأعلى. ولد في البصرة سنة 260 هـ، وتوفيّ في بغداد سنة 324 هـ، تخرج معتزليّاً على يد أستاذه "أبو علي الجبائي". وبعد سنتين من وفاة استاذه سنة 305 هـ، أعرض عن الاعتزال وأعلن براءته منه في جامع البصرة. له الكثير من المؤلفات التي ذكرها المؤرخون، ولم يصل منها إلا: الإبانة عن أصول الديانة، ومقالات الإسلاميين، واللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع، ورسالة في استحسان الخوض في علم الكلام. (1).

هذا ويعتبر الأشاعرة اليوم من أهم التيارات الفكريّة إلى جانب الوهابيّة التي تشتغل على العقيدة في تاريخنا الحديث والمعاصر، وهو التيار الذي اعتبر عند وجوده في العصور الوسطى تياراً وسطياً، ولم يزل يعتبر وسطياً عند بعض الأنظمة العربيّة المعاصرة ومؤسساتها الدينيّة الرسميّة، خاصة وأن هذا التيار قد عقد تحالفاً مع المتصوفة الطرقيين - وليس العرفانيين - الذين لا يتدخلون في السياسة، ولا يهمهم ما تجري عليه.

إن من أهم ما نظر له هذا التيار نظريّة (الكسب)، التي حاول فيها "أبو الحسن الاشعري" أن يخرج عن الجبر عندما قال بأن كل شيء مخلوق لله، ولكن الإنسان مسؤول عن ما كسبت يداه، اعتماداً على قوله تعالى (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَ). النجم – 39. أو غيرها من الآيات التي تحمل هذه الدلالة التي فسرها ابن كثير بقوله: (إن النفس لا تؤخذ بمأثم غيرها، ووزرها لا يحمله عنها أحد، وأنه لا يحصل للإنسان من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه بسعيه. (2). بيد أن هذا الموقف الأشعريّ من مسألة الكسب، نجد عند "ابن تيميّة" موقفاً نقديّاً له لا يتفق ومضمون تفسير ابن كثير الذي جئنا عليه أعلاه حيث يقول : إن مسألة الكسب عند الأشاعرة لا حقيقة لها، إذ ما دام العبد ليس بفاعل، ولا له قدرة مؤثرة في الفعل، فالزعم بأنه كاسب، وتسمية فعله كسباً لا حقيقة له؛ لأن القائل بذلك لا يستطيع أن يوجد فرقاً بين الفعل الذي نفاه عن العبد، والكسب الذي أثبته له، وأن قولهم هذا قريب من الجبر الذي صرح به الجهم.). (3). ولابن تيمية مقولة أخرى عن نظريّة الكسب في موقع آخر يقول فيها: (إن أبا حسن الأشعري حاول أن ينفي الجبر فوقع فيه.).

أما إذا نظرنا إلى موقف الأشاعرة من العقل، فالعقل عند الأشاعرة يعني العلم، وهو نقيض الجهل. وقد اتفق أئمّة الأشاعرة على القول بحدود العقل ونسبيته، وتتمثل هذه المحدوديّة في نسبية القيم، ونفي العلّية، وإنكار وجود الكليات والقول بالجزئيات، وكل نص بدا في ظاهره أنه يعارض العقل وجب تأويله حتى لا يعارضه، لأن القاعدة الاشعريّة  تنص على أنه لا يمكن للنقل أن يعارض العقل البتة، لان ذلك سيؤدي إلى إبطال العقل والنقل معا وهي أسس يحتج بها الأشاعرة لتجريد العقل من كل إمكانية للحكم اليقينيّ المطلق، أي جعله قاصرا على امتلاك الحقيقة بنفسه دون ورود النقل. لذلك يأتي العقل عند الأشاعرة لتثبيت النص وليس للحكم عليه. وهذا ما جعل القاضي عبد الجبار يرد عليهم بقوله :« وما يقولون من أنّ النظر لا يوجب الثقة، والوحي يقتضيها، فيجب التعلق به، غلط. لأنّ النظر لو لم يولد إلى العلم، لما عرفنا صحة الكتاب أصلاً». (4)

على العموم، يعتبر كتاب أبي حسن الأشعري (الإبانة عن أصول الديانة). من الكتب المهمة في التراث العربيّ الإسلاميّ السنيّ، الذي ناصب أهل العقل والرأي العداء، وخاصة المعتزلة سابقاً وكل القوى التقدميّة التنويريّة لاحقاً، علماً أن أبا الحسن الأشعري كان واحداً من المعتزلة لمدة عشرين عاماً كما أشرنا سابقاً، ولكنه تراجع عن قناعاته بسبب ضغط القوى السلفيّة على من كان يقول بالعقل من مشايخ ذاك العصر، في زمن خلافة المأمون والمعتصم والواثق، ولكن منذ أن أصدر الخليفة المتوكل فرمانه عام 232 للهجرة القاضي بتحريم الاشتغال في علوم الدين على العقل، وضرورة الالتزام بالنقل واقصاء العقل، وإخراج ابن حنبل من السجن بسبب موقفه من قضية خلق القرآن، وتتشكل محاكم تفتيش يقودها الحنابلة، يمتحن من خلاها فكر المشايخ الذين كانوا يقولون بالعقل، ومعرفة مدى توبتهم وتخليهم عن فكرهم والالتحاق بفكر ابن حنبل ومدرسته، بدأ أبو الحسن الأشعري يترك الاعتزال ويلتحق بتيار الحنابلة ليعلن أمام الملأ: (إن قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، هي التمسك بكتاب ربنا عز وجل، وسنة  نبينا عليه السلام، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وما كان يقول به عبد الله بن محمد بن حنبل نظر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون واما خالف قوله مخالفون ، لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي ابان الله به الحق ورفع به الضلالة.). (5).

إذن إن الأشاعرة حنابلة في فكرهم، يرفضون العقل ويعتمدون النقل، وَيُبَدِعُونَ كل جديد لم يأت به القرآن والحديث والصحابة والتابعون. وعلى هذا الأساس نقول: إذا كان ابن حنبل قد أكد وثبت ما أصل له الشافعي في الفقه السنيّ السلفيّ الوثوقيّ، فإن أبو حسن الأشعري جاء فيما بعد كي يؤصل  للسلفيّة السنيّة ذاتها في علم الكلام.

ولكن يظل السؤال المشروع هنا وهو، لماذا حارب الأشاعرة المعتزلة أو التيار العقليّ في عصرهم والعصور التي تلت ؟.

من خلال ما ورد في كتاب الابانة بهذا الشأن، يتبين لنا ضحالة تفكير الأشاعرة، وجنوحهم للتخيل والوهم، وهم الذين اشتغلوا على قضايا الفكر والعقيدة، حيث نجد أن المواضيع التي انتقدوا فيها المعتزلة آنذاك، كانت على درجة متدنّية من السطحيّة واللاعقلانيّة، وهي قضايا افتراضيّة لا يمكن التحقق من صحتها بشكل عيانيّ أو ملموس. ومن أهم القضايا التي ناصبوا بسببها العداء للمعتزلة على سبيل المثال لا الحصر هي:

1- اعتبارهم المعتزلة أهل قدر. أي أهل رأي وعقل وإرادة حرة.

2- تأويلهم للقرآن على أهوائهم.

3- أنكروا شفاعة الرسول للمذنبين.

4- تكلموا بعذاب القبر وانكروه.

5- قالوا بخلق القرآن، وقالوا هذه أقوال بشر.

6- قالوا إن البشر يخلقون الشر، والله يخلق الخير.

7- إن الله يشاء ما يكون، ويكون مالا يشاء. بينما اجمع المسلمون، بان ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن (وما تشاؤون إلا ما أشاء الله). (ولو شاء الله ما اقتتلوا).

9- الحكم على العصاة بالنار خالدين. (ويغفر الله ما دون ذلك).

10- أنكروا  أن لله يد، أو عينان. أو علم، أو قوة.

إن نظرة سريعة على مواقفهم العدائيّة هذه من أهل القدر المعتزلة، نجدهم قد اعتمدوا على نصوص قرآنيّة محددة من أجل تحقيق هذه الإدانة، في الوقت الذي نجد أن هناك نصوصاً قرآنيّة تؤكد صحة ما جاء عليه المعتزلة، وهذا يتعلق في الحقيقة بموقفهم من الأيات المتشابهات، فالأشاعرة اعتمدوا على الآيات التي تريدها السلطة الحاكمة لمحاربة العقل، ولم يأخذوا آيات قرآنية أخرى تدل على دور العقل واستقلاليته في كسب المعرفة والحكم على الأشياء، أو التأكيد على حرية الإرادة في الاختيار. مثل قوله تعالي: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ). (سورة البلد الاية -10). أو قوله تعالى: وقوله: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ).(فصلت – الاية 46). وغير ذلك من الآيات المحكمات والمتشابهات التي تدل على دور الإنسان كخليفة لله على هذه الأرض.

ملاك القول:

إن خطورة أفكار التيار الأشعريّ برأيي، تأتي من استمراريّة حضوره الآن في المؤسسات الدينة الرسميّة للكثير من الحكومات العربيّة، وهو فكر كما تبين معنا بعيد كل البعد عن العقلانيّة والتنوير، وهذا ما يخدم السلطات الحاكمة المستبدة التي تتخذ منه وسيلة من خلال مشايخها لتجهيل شعوبها وتوجيه عقولها باتجاه الغيب والأسطورة والخرافة والكرامة والخنوع والاستسلام لقدرهم، والأهم محاربة الحداثة ممثلة بالعلمانيّة وتكفير كل من يقول بها، ومحاربة الديمقراطيّة ودولة المؤسسات والمواطنة والرأي المختلف.. الخ.

إن التيار الأشعريّ ومن يوظفه سياسيّاً اليوم من القوى الحاكمة، هو يهدف إلى  إبعاد المواطنين عن معرفة واقهم الحقيقي الذي ينشطون فيه، وما يدور فيه سياسيّاً واقتصاديّاً واجتماعيّا وثقافيّا خارج نطاق مصالحهم، وبالتالي إبعادهم عن كل ما يجعلهم يشعرون بقيمتهم الإنسانيّة، ودورهم في بناء حياتهم وفق مصالحهم هم وليس مصالح السلطات الحاكمة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سوريّة

............................

الهوامش:

1- موقه ويكي شيعة.

2- تفسير ابن كثير.

3- موقع اللألوكة: نظرية الكسب عند الأشاعرة ونقضها.

4- نص محاضرة للأستاذ الباحث نور الدين جاري – بعنوان بعض الفرق الكلامية – الشاعرة – راج الموقع التالي:

https://www.univ-constantine2.dz/CoursOnLine/djari-noureddine/achari%201.htm

5- من كتاب الابانة.

 

 

عبد الجبار العبيديمعضلة التراث الديني والترادف اللغوي الخاطىء في التفسير القرآني وكيفية معالجة أثارهما المدمرة على العقل العربي ومستقبل الامة معضلة بحاجة الى تكاتف الجهود الصادقة لحلها وان تبدو مستحيلة. واليوم سنحاول ان ننتقل الى عقبة ثالثة من عقبات التقدم الحضاري عند العرب والمسلمين، أصدار الأحكام المسبقة في الرأي دون دون المعرفة الموضوعية لحقيقتها كما في حقوق المرأة مثلاً.. والثالثة هي التقصد الفقهي في ابعاد المنهج العلمي لنظرية جدل الكون والانسان في مفهوم التراث ، لنستكمل المعوقات التي تقف حائلا دون الخروج من المأزق نحو الانفتاح الفكري والتقدم الحضاري مثلما تقدمت الامم الاخرى.، الا وهي قول الحق: "ولقد صَرفنَا في هذا القرآن للناس من كل مثلٍ وكان الانسانُ اكثرَ شيء جَدلا، الكهف 54". والتي عالجها الفقهاء معالجة لغوية بعيدا عن مقصدها العلمي الرصين، فجعلتنا نغرق في وهم التفسير اللغوي المعتمد على الترادف اللغوي الخاطىء ووهم الغيبيات التي لا مخرج منها ابدا.

ابتداءً نقول ان كلمة الجدل في اللغة العربية لها معانٍ مختلفة ومتعددة منها:

يقصد بالجدل: الشدة والصرامة، ويقصد به الصراع بين حقيقتين او بين الحقيقة والوهم، (لسا ن العرب –كلمة جدل).

لكن المفضل عند اللغويين هي شدة الخصومة، وفي الحديث الشريف (ما ضل قوم بعد هدى الا أوتوا الجدل، أبن ماجةالمقدمة 48).

اما اصطلاحاً فهو مقابلة الحجة بالحجة، وللمجادلة معانٍ اخرى كالمناظرة والمخاصمة والمناقشة، والحوار.وفي الحديث النبوي.. ان الجدل في الباطل وطلب المغالبة به لاظهار الحق فأن ذلك محمود بقوله تعالى: (وجادلهم بالتي هي احسن، النحل 125) ولقوله تعالى (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله ,والله يسمع تحاوركما...المجادلة 1 )، وقوله تعالى (لا جدال في الحج، البقرة 197).

وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تشير الى الجدل ملخصها ان الجدل هو في المحاججة او المعارضة لكسب الرأي. وبما ان الرأي صادر من العقل، فالعقل في الجدال هو الحجة على حد قول الامام علي بن ابي طالب (ع)، تحفة العقول ج20ص312).وملخص ما دار من نقاشات حول الكلمة ومعناها ان الرسول (ص) جادل المشركين بالتي هي احسن لكسب ودهم وتقريبهم اليه، قبل غزوهم.. ويؤيد القول ما جاء في القرآن الكريم: (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك، آل عمران 159).

نظرية الجدل للانسان والكون لم تكن حديثة عهدٍ عند العلماء، بل جاءت في كتب الفلاسفة اليونان والرومان والتي مهدوا بها لمعرفة نظرية الخلق للعالم والانسان (مقدمة في فلسفة هيجل؛ ص29).لاعتقادهم ان مع نشأة التأمل الانساني يبدا التسائل عن الكون ونشأته. وشملت تلك التساؤلات عن كيفية خلق الانسان والكون والاصل لهما والمصير (مشكلة الفلسفة ص64 ). ثم تحول طاليس الملطي (624-656 ق.م) الى البحث والتسائل في أصل الماء بأعتباره هو أصل كل شيء.ثم دخلت النظرية الكونية في مساجلات ونقاشات فلسفية لا يسعها المقال الان، لكنهم اكدوا ان سبل الصلاح والاصلاح يكمن في العقل والفلسفة لا بالاديان- يقصد الديانات القديمة- التي تناقضت في الجدل والمناقشة.. على الرغم من ان قضية الخلق تعد من أكثر القضايا غموضاً في البحث العلمي اذا لم تخرج من دائرة الوعي التاريخي.

ثم جاءت الفرضيات العلمية التي تفتقد الدليل القاطع على صدقيتها سوى نظرية الامام علي (ع) في الخلق المطلق من العدم لوحدانية المعتقد بالله مستنداً على الاية الكريمة (...هل من خالقٍ غيرُ اللهِ.. ، فاطر 3) النهج. ويلخص بعض علماء المسلمين: ان لا وجه للممائلة بين القديم والمحدث، والثابت والمتغير، والكامل والناقص، فهو تعالى: (ليس كمثله شيء، الشورى 11). لكن يبدو انهم لم يتوصلوا الى نتيجة علمية ثابته لعدم ادراكهم تأويل النص القرآني الذي يحمل صفة التطور التاريخي (النسبية الزمانية والمكانية) وعدم التفاعل مع الفلسفات الانسانية الاخرى، وعدم التفاعل المبدع معها، حتى لم يتوصلوا الى الآن لتعريف الاسلام تعريفا آيديولوجيا، فراحوا يفسرون ماجاء به تفسيراً لغوياً لا تأويلا علمياً فوقعوا في اشكالية المعرفة.

ودخلت الديانات الوضعية القديمة في جدل عقيم كالمانوية التي اعتقدت بالنور والظلمة، والحرانية التي اعتقدت بالكواكب والنجوم وهي ديانة قائمة على الوهم النفسي الى اقوال خرافية كثيرة اعتمدت على الحدس والتخمين لا على البرهان والحجة.

وحين التحدث عن نظرية الكون والانسان من منطلق الايات القرآنية التي وردت فيه لابد لنا من البحث في جدلية تناقض الشيئين الذي يؤدي الى هلاك الشيء بأستمرار وفيه يكمن السر في الاستمرار والبقاء بعد الموت فكل ميت يخلق من بعده اخر حي (ولا تَدعُ مع الله الهاً اخرَ لا اله الا هو كلُ شيء هالكُ الا وجَههُ...القصص 88).وجدلية تلائم الزوجين في الخلق (وأنه خلق الزوجين الذكر والانثى، النجم 45) كما في آدم وزوجه، كتاب الحياة ص5، والذي ولد منهما حالات كثيرة اخرى كالزواج وما تبعته من تشريعات قانونية واخلاقية عديدة، أصبحت قانونا اجتماعيا لا فكاك عنه ابدا.وجدلية تعاقب الضدين، الليل والنهار، وتبعهما الحب والكراهية، و "خلق السموات والارض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى...، الزمر 5". وتدخل في حساب النظرية البعث والحساب، والجنة والنار، واستقرار النقيضين فيهما (...وان الاخرة هي دار القرار، غافر 39).

واذا تتبعنا الامر بحسب ما ورد في التنزيل الحكيم نرى هناك مفارقات كبيرة لا يفهمها الا العالمون، فكيف ادركها الفقهاء منذ القرن الثالث الهجري وهم لا زالوا حديثي عهدٍ بالتفسير، وعلينا اتباعهم. وتقف ظاهرتي المجتمع الدنيوي والاخروي في وجود ظاهرة العمل، والصحة والمرض، والخير والشر، والحرب والسلام، في الاول واختفائها في الثاني: (الحاقة64 العنكبوت، 23، الحجر 47"،.فهنا نقع في اشكالية صراع المتناقضات الدنيوية واستقرارها في الاخروية، فكيف تفسر مثل هذه النظريات وفق قانون الترادف اللغوي الخاطئة. هنا كل التفاسير القرآنية الحالية بحاجة الى اعدة النظر فيها من الوجهة العلمية لجماعة علماء التخصص وليس لفقهاء التفقه، مشكلة لابد من الدخول في حوارها واختراق المآلوف الخاطىء الذي تعودنا عليه واصبحنا جزءٍ من الخطأ الدائم.. لكن لا احد يستطيع اليوم الاقدام على تصحيح الخطأ لأرتباطه بالسلطة وبقائها في حكم الدولة.

اما نظرية جدل الانسان فهي نظرية مادية صرفة، ولان الانسان مادة، فلابد من الدخول في حوار الفكر الانساني وليس في شيء اخر، هذا الفكر الذي مُنعنا من محاورته استنادا الى الاية الكريمة (...تلك حدود الله فلا تقربوها...).علما بان الاية الكريمة تحتم علينا الزامية اتباعها لمعرفة الوصول الى الاشكالية العلمية الكبرى التي يطرحها القرآن سواءً في الملموسات المادية او الغيبيات، اذ لا معنى لأيةٍ آية قرأنية لا تأويل لها حينئذ تصبح حشوا لا معنى له وحاشى ان يكون في القرآن من حشو أو زيادة ٍكما صوروه لنا الفقهاء.

وحين يفتح المجال لعلماء الاختصاص في البحث القرأني بحرية دون دخل للقدسية والعاطفة ينفتح الفكر على مصراعيه لمناقشة نظرية الرحمن والشيطان، والاعمار، والارزاق والاعمال، والقضاء والقدر، والانزال والتنزيل، والحق والباطل، والغيب والشهادة، والروح والنفس، والعقل والفكر، والبشر والانسان، ومصطلحات كثيرة متضادة وليست مترادفة قولا ومعنأً.أهملوها او فسروها خطئا لعدم تمكنهم من معرفة معناها في ضوء تطور اللغة.. ولازالت التفسيرات القديمة يطبع منها كل سنة الألاف مع استمرار المبهم فيها.. فكيف نتطور..؟

ونعود لأدم وبداية النشأة الانسانية، بأعتبار أدم أبو الانسنة وليس ابو البشرية، مستندين الى الاية الكريمة: "أتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء، البقرة 30 ". ومن بعده جاء التجريد الديني، وهي مرحلة الأصطفاء، والاصطفاء هو الاختيار للمهمة وليس النبوة، يقول الحق: (ان الله أصطفى أدم ونوحا وآل أبراهيم وآل عمران على العالمين، آل عمران 23). فالتجريد بدأ بأدم والنبوة بدأت بنوح وليس قبله (انا أوحينا أليك كما أوحينا الى نوحٍ والنبيين من بعده، النساء163).لذا فأن القصص القرآنية هي ليست بقصص كما نفمها اليوم بل هي رسالات ومعلومات ونبوات ابتداءٍ من نوح الى محمد كما يقول الحق: "نحن نقصُ غليك نبأهمبالق، الكهف 13".من هنا فدراسة القصص القرآنية يجب ان تكون وفق المنطق العلمي في التأويل لاكما يقولون لنا انها جاءت لتسلية النبي عند التفكر والراحة والاستجمام.

ان الانبياء والرسل الذين بلغ عددهم ال 24 نبياً ورسولاً من هؤلاء 13 ثلاثة عشر رسولا والباقي أنبياء كما وردوا في السور القرآنية المتعددة مثل نوح والشعراء ويونس والحديد ومريم والصافات وغافر وآل عمران والاحزاب، فكل منهم جاء لينفذ مرحلة من مراحل الدين الاسلامي وكلهم من المسلمين، اما جماعة محمد (ص) فهم المؤمنون، بدلالة قوله تعالى (ان المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات.... لهم مغفرةً وأجراً عظيماً، الاحزاب 35) والتفريق هنا قصدي لبيان الفرق بين الكلمتين لفظاً ومعنىً، وليس على سبيل العضة والاعتبار كما يقولون.

بعد هذا الجهد الجهيد نستطيع ان نخلق نظرية اسلامية المعرفة مصاغة صياغة معاصرة ومستنبطة حصرا من القرآن الكريم، لتعطينا ما يسمى باسلامية المعرفة، وبذلك نستطيع ان نعطي منهجا في التفكير العلمي لكل مسلم، قائم على التأويل القرآني الصحيح للحدث التاريخي للتعامل مع الفكر الانساني برمته دون تحريم، لان ليس كل فكر أنتجه الانسان هو عدو للاسلام بالضرورة، لكن غياب المنهج المعرفي لدينا اليوم هو الذي جعلنا أسرى الوهم والتخلف.

وكا قلنا سابقاً اننا نعيش اليوم أزمة فقهية قاتلة تدعونا الى ان نتحول الى استباط فقه جديد بعيدا عن التفسير الفقهي الجامد الحالي للنص الديني والسُنة النبوية الشريفة، بعد ان مضى عليها اكثر من1450 سنة تغيرت فيها معاني الكلمات والافكارلان الزمن يلعب دورا في عملية التغيير، فلا بد من الحل البديل، والاتجاه نحو هذا الاصلاح أفيد للامة من الف مؤتمريعقد تصرف عليه الملايين من قوت الشعوب دون مردود معين ليخرج علينا بنتيجة واهية مفادها "ان الاسلام صالح لكل زمان ومكان.. والأسلام هو الحل...وما يدخل الجنة الا مسلماً دون شرح الاسباب وكأنها مُلك لهم دون الأخرين.. هذا هو الأرهاب الديني بعينه.. الذي قامت عليه القاعدة وداعش وكل فقه التطرف اليوم.

.ان الامة بحاجة ماسة وملحة للخروج من هذا المآزق المنهجي الخاطىء، منهج العنف ضد الأخر وضد التفكير الحر لنتعلم كيف نفكر وكيف نحكم على احداث التاريخ. لنلحق بركب الامم التي سبقتنا، وكان المفروض ان نكون نحن السابقون، ولربما سائل يسأل أذن لماذا لا نبدأ، نقول له ان المشروع كبير ومكلف مالم تتبناه دولة او مؤسسة مالية ضخمة ومتمكنة لم يمكننا من التحرك نحوه، والدولة اليوم في عالم الاسلام ضد اي تطور حفاظا على المكاسب الباطلة وحكم الشعوب.. من هنا نقول مالم يفصل الدين عن السياسة وينتهي دور المرجعيات الصنمية كما في الدول المتقدمة.. لن تقوم لنا من قائمة الى ابد الابدين.. لكن المحنة كيف نتجاوز الصراع الفكري بين الحقيقة والوهم وبه الاول ننتصر وبالثاني نموت .. هنا نحن في محنة حقيقية كيف نفكر بتجاوزها والسيف بأيديهم ونحن الغلابة بلا نصير.. اذن لابد من توافر الجهود وتقديم التضحيات وننتقل من ثرثرة الكلام الى الفعل.. ساعتها سنكون امة وطن.. فهل من مجيب؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

  

محمد محفوظعلى المستوى التاريخي هناك ارتباط وتلازم بين حياة الإنسان في هذا الوجود وبين العنف بوصفه ظاهرة إنسانية.

لذلك نجد أن الملائكة أبدوا استغرابهم حينما أخبرهم الباري عزّ وجلّ بأنه سيخلق بشراً من طين، وأمرهم بالسجود له. ويسجل الذكر الحكيم عملية الاستغراب هذه بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ .

وقبل أن تعرف المجتمعات البشرية العنف والقتل، يروي لنا القرآن الحكيم كيف قتل قابيل أخاه هابيل، وما هي الظروف والحالة التي انتابت القاتل لكونه لم يعرف ماذا يصنع بجثة القتيل..

يقول تبارك وتعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ • لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ • إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ • فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ • فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ .

واستمرت البشرية في ممارسة العنف بكل صوره وأشكاله في مختلف مراحلها وأطوارها التاريخية؛ بحيث إننا لا نجد حقبة من حقب التاريخ دون ظواهر العنف الفردي والجماعي، الرمزي والمادي.

لذلك هناك ترابط بين هذه الظاهرة وتاريخ الإنسان على وجه هذه البسيطة. هذا الترابط المتواصل عبر حقب التاريخ يدفعنا إلى التساؤل عن: ما هي الحوامل والحواضن الثقافية والمعرفية في حياة الإنسان، والتي تفرّخ العنف وتولّد ظواهر النبذ والإقصاء، وممارسة القوة العارية والخشنة في العلاقات الإنسانية.

والعنف الملازم لتاريخ الإنسان بنوعيه: المباشر؛ كالقتل والتعذيب والاعتداء والضرب، وغير المباشر؛ كالحرمان من الحقوق والازدراء والإكراه لتغيير الرأي أو المعتقد، والتمييز بكل صوره وما أشبه، كل هذا من مفردات حقيقة العنف الملازمة لتاريخ الإنسان. وهذا بطبيعة الحال لا يعني أن العنف في الحياة الإنسانية قدر مقدر، وإنما هناك، وعبر التاريخ، إرادة ربانية وجهود إنسانية للحد من هذه الظاهرة، وضبطها في حياة الإنسان الفرد والجماعة؛ وذلك عبر التشريعات والنظم الإلهية والقوانين الإنسانية، التي عملت على ضبط هذه الظاهرة، ومنع حدوثها في العلاقات بين بني الإنسان.. لذلك يقول تبارك وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ .

وعلى المستوى الإنساني والعلمي، فإن كل العلوم الإنسانية ترى أن العنف بوصفه ظاهرة هو من اختصاصها واهتمامها؛ ففي الجانب الفسيولوجي يجري العمل والبحث عن معرفة العوامل والأسباب ذات الصلة بدافع الغضب الذي يتحول إلى عدوان أو إلى طاقة تدميرية؛ لذلك تعرف العدوانية على الصعيد الفسيولوجي، «أي في إطار نظرية الكيمياء الحيوية للانفعالات تندرج ضمن مفهومين مختلفين، فهناك من جهة العدوانية - الغيظ، والغضب أي السلوك العدواني في فترة الانفجار. وهناك من جهة ثانية العدوانية - الحقد، أي التوتر العدواني الدائم الكامن والمستمر» .

وفي الجانب السيكولوجي تم الاهتمام بمعرفة الأسباب الحقيقية والعميقة لظاهرة السلوك العنيف، والمؤثرات المفضية إليه، وتأثير وقائع الحياة الخاصة في ذلك. «كما عمدت بعض الدراسات النفسية إلى البحث عن الدوافع الحقيقية، أو الوهمية، التي تسيطر على إنسان في ساعة الغضب لمعرفة ما يرجع منها إلى اللاوعي، وما يرجع إلى المثير الخارجي. وإلى دراسة مشاعر الإحباط والقلق والانطواء، وعلاقتها بنشوء اتجاهات العنف والتدمير، وإلى الجهد الذي يبذله الإنسان لدفع العدوانية خارج ذاته من خلال إسقاط كل الشرور على الآخر لتبرير عدوانيتنا هذه. وكذلك فعلت الدراسات الاجتماعية على مستوى البحث عن العوامل الأسرية، والثقافية، والإعلامية التي تساعد على توفير بيئة العنف، بالإضافة إلى العلاقة بين العنف والانحراف، بين العنف والفقر، أو بين العنف والاضطهاد في داخل المجتمعات نفسها، أو في علاقة المجتمعات ببعضها» .

وفي الجانب السياسي يشغل العنف مكانة متميزة، حيث إن العلاقات الصراعية بين الأمم والشعوب وخيارات الحروب التي تلجأ إليها بعض الدول من أجل ضمان مصالحها أو توسيعها من خلال نهب ثروات الأمم الأخرى ومقدراتها. كل هذا يفضي إلى بروز ظاهرة العنف.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن الحقل السياسي من أبرز الحقول الإنسانية التي تبرز فيها ظاهرة العنف؛ لذلك يعمل علماء السياسة على تفكيك هذه الظاهرة وتحليلها من منظور سياسي استراتيجي.

وعلماء القانون من جانبهم يناقشون هذه الظاهرة، ويبحثون عن تأثيراتها على نظام الحقوق والقوانين المعمول بها.

وعلماء الاقتصاد يبحثون في ظاهرة ما يمكن تسميته بالعنف الاقتصادي وتأثيراته على حركة الإنتاج والتوزيع في المجتمع.

وعلى كل حال، فإن العنف بوصفه ظاهرة مجتمعية، عملت الكثير من الاختصاصات العلمية على دراستها وتحليلها وتفكيكها علمياً، وسبر أغوارها ببحوث متواصلة.

ويبدو من جميع المعطيات أن إنهاء هذه الظاهرة أو ضبطها في الحياة الإنسانية، لا يتأتى إلا بمعرفتها، وإدراك آليات عملها، وتموجاتها المتعددة.

لذلك -ومن هذا المنطق- نتساءل عن: ما هي الحوامل الثقافية لظاهرة العنف في المجال العربي؟ بإمكاننا أن نحدد الحوامل الثقافية لهذه الظاهرة أو الآفة الخطيرة من خلال النقاط التالية:

1- الفهم الضيق والحرفي لقيم الدين ومقاصده:

حينما يتم التعامل مع قيم الدين ومبادئه ومقاصده بعقلية متحجرة ورؤية أُحادية ضيقة، فإن هذه القيم تتحول في هذا الفهم أو في هذه الرؤية من مصدر للرحمة والتسامح وصيانة الحقوق إلى محفز ومحرض لممارسة العسف والغلظة والشدة ضد الآخرين.

فالفهم الضيق لقيم الدين وتشريعاته يقود إلى ضيق الصدر بالمختلفين والمغايرين، وهذا من جهته يؤدي إلى تأسيس الشروط النفسية والثقافية لممارسة الإكراه والعنف تجاههما.

فلا نجانب الصواب حين القول: «إن للمعرفة وطريقة التعامل معها دوراً واضحاً وأثراً كبيراً في توليد بعض أشكال العنف؛ حيث إن بعض الآفات الطارئة على الصعيد المعرفي، مثل الجزمية الفكرية، والتعصب والتصلب المعرفي، يفضي بأصحابها إلى اتخاذ مواقف عنيفة صارمة من كل معارض. ويحدث هذا النوع من المعرفة حالة التشدد والتطرف، ويسبب عدم إطاقة صاحبها لأي تعددية علمية، واختلاف اجتهادي يمثل أمراً طبيعياً جداً في المناخ الصحي والأجواء السليمة في تعاطي المعرفة والاجتهاد الحر المقونن» .

ولو تأملنا في طبيعة تشكل النواة الأولى لظاهرة العنف على هذا الصعيد، لرأينا أن الفهم الأحادي المغلق لمبادئ الدين ومثله العليا هو الذي يسمح لنا بإطلاق التهم والأوصاف المذمومة على المختلفين والمغايرين، وإلصاق تهمة الفسق والضلالة أو الكفر والإلحاد بحقهم.

إن هذه العملية هي البذور الثقافية الأولى التي تشرع للعنف والإقصاء ضد الآخرين.

فالرؤية الضيقة والأحادية للدين هي التي تدفع أصحابها إلى إرغام الآخرين على تبني هذه الرؤية. وهذه المسألة، بمتوالياتها وتأثيراتها المتعددة، قد شوهت صورة الإسلام وسمعته، ولا يمكن مواجهة هؤلاء بشكل فعال إلا برفع الغطاء الديني عنهم، وكشفهم على هذا الصعيد.

محمد محفوظفالتفسير الديني المتطرف هو أحد الحوامل الثقافية والمعرفية لظاهرة العنف؛ وذلك لأنه حينما «لا نحتمل رأي الآخر، أو تفنيده والرد عليه، وعندما نعجز عن إقناعه بما نريد، نلجأ إلى الاعتداء عليه، أو إلى قتله إذا كنا نملك مصادر السلطة أو القوة، أو إذا كنا لا نخشى القانون الذي يمنع عن مثل ذلك الاعتداء أو يعاقب عليه. وعندما لا تحتمل دولة ما سياسة دولة أخرى، تشن عليها حرباً، أو تقوم بمحاصرتها والتضييق عليها اقتصادياً وسياسياً لإلغاء مصادر قوتها، وعناصر ممانعتها. وعندما لا يمتثل الطفل لأوامرنا نوسعه ضرباً، وعندما يجرؤ أحد على انتقاد هذا النظام أو ذاك، يزج به في السجن، أو يفقد عمله، أو يقوم أحد باغتياله. وعندما يختلف عرق الآخر أو لونه، يتعرض للتمييز أو للكراهية أو للاحتقار والتهميش. ولقد دفعت البشرية، كما هو معروف، أثماناً باهظة جراء هذا العنف الذي مارسته مجتمعات، وحكومات، وجيوش على شعوب بأكملها» .

2- التعصب الأعمى للذات وأفكارها:

حينما نقوم بتحليل ظاهرة العنف من المنظور الثقافي، نكتشف أن التعصب الأعمى للذات وقناعاتها وأفكارها وتصوراتها، هو الأرض الخصبة التي تنمو فيها كل أشكال العنف واستخدام القوة في العلاقات الإنسانية.

والتعصب هنا لا يعني الرفض العلمي والرصين لقناعات الآخرين واختياراتهم السياسة والمجتمعية، وإنما هو «حالة معرفية تنطوي فيها الذات على ما أدركته، وترفض أن ترى سواه، أو تمنح غيره حق الوجود، ما تؤمن به الذات دون مراجعة أشبه بوجودها نفسه.

وَضْعٌ من الاكتفاء الذاتي الذي يستغني عن كل ما عداه ولا يتقبل أي مغاير له. وبقدر ما تنطوي الذات على إيمان مطلق بما تراه في هذه الحالة المعرفية، فإن إيمانها به يتضمن معنى الإطلاق الذي ينفي نسبية المعرفة وإمكان الخطأ.

فالمعرفة التي تنطوي عليها هذه الذات معرفة اليقين الذي لا يقبل الخطأ أو يعترف به، والاكتفاء الذي لا يتصور الزيادة أو يقرها، والتصديق الذي لا يقبل السؤال، أو يسمح له بالوجود، والجزم الذي يرفض الشك، ويرى فيه مظهراً للنقص. إنها معرفة الإجابات المحسومة ابتداءً، المدركة سلفاً، معرفة النهايات المغلقة، والأفق المنطوي على ما فيه، والبعد الواحد، إنها معرفة حدية، إطلاقية، يقينية، وحيدة الاتجاه، لا تعرف الحوار أو السؤال أو التشكك. وحضورها الذاتي مكتف بنفسه، بعيداً عن حضرة الآخر الذي لا يسهم في وجودها، ولا يملك سوى أن يتقبلها تقبل السلب» .

وبفعل هذا النمط من التعاطي مع الشأن الثقافي والمجتمعي، تُقمع الاجتهادات، ويسود سوء الظن، وتحاكم النوايا، ويضمحل الفكر الجاد، وتخبو أطر الحوار وفرصه، وتسود قيم العنف والقتل والاغتيال الجسدي والمعنوي.

وبالتالي؛ فإن حمل الناس على الفهم الواحد والرأي الواحد، يناقض حقيقة الاجتهاد والنواميس الكونية فيما يرتبط بالاختلاف البشري.

فالتعصب الأعمى الذي يُبقي كل طرف منغلقاً على ذاته، ومتشبثاً حد الهوس بقناعاته، هو الذي يولد مناخ العنف وثقافته والآراء التي تسوِّغ القتل والاغتيال لاختلاف في الفكرة أو الموقف، وهو الذي لا يفضي إلا إلى النبذ والإقصاء والعنف. وحيثما ذهبت ستجد أن خلف كل عنف تعصباً أعمى للذات أو أفكارها وقناعاتها. لذلك فإن التعصب -بما هو حالة معرفية- هو أحد الحوامل الثقافية لظاهرة العنف في المجال العربي.

3- إطلاق الأحكام الكاسحة على الآخر:

دائماً الحكم المطلق الكاسح «في أي تجاه كان» يصادر الحقيقة، ويُشرِّع لعملية إقصاء الآخر وجوداً ورأياً.

فهو نسق يحرم على الآخرين المشاركة في صنع الحقيقة والمعرفة، ويصادر منهم الحق في الاختلاف. له وحده «صاحب النسق المطلق» الحق في أن يخالفهم، وليس للآخرين أي حق في إبداء رأي مخالف له.

وحين يسود هذا النسق أيَّ واقع اجتماعي، فإنه تستباح الحقيقة، ويُزيَّف الواقع، وتنتهك السمعة والكرامة، ويرجم أصحاب الرأي المخالف؛ لأن الأحكام المطلقة في العلاقات الإنسانية، تجعل صاحبها منفصلاً بشكل دائم عن الذات ومسوِّغاً لكل ما يصدر عنها، والنقد المطلق لغيره، واتهامه وتجريحه في كل ما يصدر عنه.

فالنسق الثقافي الذي لا يؤمن بنسبية الحقيقة، ويتعاطى مع نفسه بوصفه مالكاً وقابضاً وحده على الحقيقة، هذا النسق الإطلاقي يترجم نفسه عبر نبذ الآخر المختلف، واتهامه بأشنع التهم، ويصادر حق الآخرين في الاختلاف في التصور والرأي والموقف.

ولا ريب أن هذا السياق والنسق، من الحواضن الثقافية لظاهرة الإقصاء والعنف؛ فالأحكام المطلقة والكاسحة لا تنتج إلا ثقافة حدية، عنفية، تسوغ لصاحبها إطلاق الأحكام المعيارية على الآخرين. فامتلاكك للحقيقة لا يشرع لك -بأي حال من الأحوال- ممارسة الجبر والإلزام والإكراه لإقناع الآخرين.

من هنا وقفت النصوص القرآنية ضد الإكراه والسيطرة، ودعت رسول الإسلام (ص) إلى التحرك في أجواء الإبلاغ والإقناع بعيداً عن الجبر والسيطرة؛ إذ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾، وقال عزّ من قائل: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ • لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ ، وقال تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ .

فالوظيفة الكبرى هي هداية البشر، بوسائل عقلية، سلمية، بعيدة كل البعد عن كل أشكال الضغط والإكراه والجبر.

و«لقد فك الأنبياء جميعاً العلاقة بين الفكر والعنف، فحرروا معركة الأفكار من معركة الأجساد، والله تعالى حمى الأجساد من أن يعتدى عليها من أجل الأفكار، فلم يعط لأحد الحق على جسد الآخر مهما كانت فكرته».

وفي سبيل نيل الحقوق والحريات، لم يشرع الله سبحانه وتعالى للأنبياء ممارسة الإجبار والإكراه، وإنما حدد وظيفتهم في الدعوة بالموعظة الحسنة والإنذار والتبشير.

فالحضارات لا تبنى بالإكراه، كما أن الأفكار لا تنتقل بالقسر والقهر. فما أكثر الإمبراطوريات التي انهارت وتلاشت، وأصبحت في ذمة التاريخ بفعل اعتمادها واستنادها على القهر والإكراه.

فالنسق الإطلاقي يعتمد في تعميم معرفته وأفكاره على الفرض والإكراه. ولا ريب أن هذا النسق من الحوامل الثقافية لظاهرة العنف.

فالعنف صنو الإكراه، والجبر قرين الإقصاء، ولا يمكن مواجهة العنف إلا بمواجهة أفكار الإكراه وثقافة الجبر والقهر والإلزام القسري.

4- الانغلاق الثقافي:

لا شك أن النزوع إلى الانغلاق، والانكفاء الثقافي والمعرفي، بصرف النظر عن دوافعه، يفضي إلى العديد من المشكلات والأزمات في دوائر الحياة المختلفة، وذلك لأن خيار الانغلاق هو من الخيارات المأزومة، والتي تحمل علة إخفاقها في أحشائها؛ وذلك لأنها لا تراعي متطلبات العصر، وحاجاتنا إلى التفاعل مع منجزات الحضارة الحديثة ومكاسبها.

لذلك فإن الانغلاق الثقافي يدفع بأهله وأصحابه إلى الارتماء في هوة التعصب والعنف. فوهم المطابقة والانكفاء مميت للثقافة، ولا حياة ثقافية حقيقية دون أفق التواصل والتفاعل مع الثقافات الإنسانية الأخرى. وأية ثقافة تطرد من واقعها هذا الأفق بتأثيراته وممكناته ومتطلباته، فإنها ثقافة لا تاريخية، ولا تستطيع أن تبلور ثقافة ذاتية أصيلة أو تنشئها.

فتنمية أفق التواصل والانفتاح والتفاعل الثقافي هو شرط الأصالة والمعاصرة معاً. فلا أصالة إلا بجوهر التواصل والانفتاح الثقافي، كما أن المعاصرة لا تتحقق في السياق التاريخي والاجتماعي إلا بالتحرر من خيار الانكفاء والانزواء والانغلاق.

لذلك، فإن الانغلاق الثقافي وغياب مستويات التواصل الثقافي والمعرفي مع الثقافات الإنسانية الأخرى يفضي إلى تبني مواقف حاسمة وحادة من التفاعل الإيجابي مع الثقافات والمعارف الأخرى. هذه المواقف تؤسس لرفض عنيف لبعض الشرائح ومكونات المجتمع التي تتواصل وتتفاعل مع الثقافات الإنسانية.

فالانغلاق الثقافي، وعبر متوالياته النفسية والسلوكية، يساهم في توليد ظاهرة العنف وتجذير حالة المفاصلة الشعورية والعملية بين المختلفين والمغايرين.

فالبنية الثقافية المغلقة، والتي تتعامل مع مفرداتها وجزئياتها بنوع من الجزم والإطلاق والدوغمائية، هي مولدة لظاهرة العنف. وذلك لأنها لا ترى للآخرين من حظ في امتلاك الحق أو حيازة الحقيقة. وبالتالي فإن الانغلاق الثقافي، يعني فيما يعني رفض الآخر وعدم احترام التعدد والاختلاف.

ومن المؤكد أن من جذور التطرف وحوامل العنف رفض الآخر وعدم قبوله فكراً ووجوداً. فأهل العنف يتشددون في تمسكهم بما تَأَدَّى إليه فهمهم، ويرون دائماً أن ما عندهم هو الحق الذي لا خلاف فيه، وأن ما عند غيرهم هو الباطل الذي لا خلاف فيه. وعلى أساس هذا الفهم والإدراك، هم يرسمون مواقع جديدة تستنزف جهودهم وطاقاتهم.

وإن مواجهة هذه الحوامل وتأثيراتها المتعددة تتطلب العمل على تفكيك هذه البنى الثقافية والمعرفية، وممارسة النقد الجاد الحقيقي للمفاهيم الأساسية التي تستند إليها، وبناء منهجيات فكرية ومعرفية جديدة، وصياغة الفضاء الاجتماعي والثقافي على أسس التعددية والحوار والتسامح وحقوق الإنسان.

 

محمد محفوظ

 

زهير الخويلديفي مواجهة مآسي التاريخ المتكررة، تثار مسألة الالتزام لدى كل من لم يتحول ضميره إلى آلة حاسبة أو جهاز تلفزيون. ومع ذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كان يجب الالتزام أم لا، لأننا عند الفحص الدقيق ملتزمون بالفعل! يشير "الالتزام" أولاً وقبل كل شيء إلى حالة الأمور. يعطي القاموس حول هذا الموضوع سحرًا يتحدث، وهو عبارة عن عجلة مسننة "مشغولة" في ترس صغير. نحن منخرطون بالفعل، في الموقف، مما يعني أننا في الواقع مترابطون مع بعضنا البعض مثل العجلة والإطار. لكن إذا كنا في الواقع ملتزمين، في الواقع متحدين، فإننا نفضل في معظم الأوقات الهروب من مسؤولياتنا. هل لأن هذا الالتزام الفعلي لا يترك لنا أي خيار، ويقلصنا إلى شعور بالعجز أقوى مما نشعر به بأننا نشهد مباشرة على التاريخ عبر الصور؟ وكيف ننتقل من هذا الالتزام السلبي، المتألم، إلى الالتزام النشط؟ كيف يمكنني المشاركة بدلاً من مجرد الانخراط؟ من خلال التمييز الكامل وافتراض التناقض، مما يعني أنني منخرط دائمًا بالفعل في موقف، وحرية التصرف لتغيير هذا الوضع، على مقياسي. التقاعس عن العمل يلزمني بقدر ما يلزمني من أفعالي. الانخراط هنا هو افتراض العواقب الأخلاقية والسياسية لوجودي في موقف ما. يتغذى الشعور بالعجز على خيال القدرة المطلقة. إنه من خلال الإدراك الواضح لحدودي وترابطي مع الآخرين يمكنني الانخراط حقًا. لكن هذا الوعي يتطلب خطوة إلى الوراء، وهو انعكاس يسمح لي بتجاوز وجهة النظر المحدودة التي يفرضها وضعي علي. وهذا في حد ذاته يشكل سببًا كافيًا لعدم معارضة الالتزام السياسي ببساطة للغاية بجهد "فك الارتباط" الذي يتطلبه أي مشروع للتفكير النقدي والتحرر من حدود الأنانية. الالتزام هو أيضًا فعل الالتزام بوعد أو اتفاق. وهذا يجعلنا نلمس مفارقة الإرادة التي لا يمكن أن تكتسب حريتها إلا من خلال إلزام نفسها بمهمة: وإلا فإنها ستبقى في حالة التمني أو التمني. لذا فإن السؤال ليس "الالتزام أو عدم الالتزام"، ولكن تحمل المسؤولية الكاملة التي تنبع من حقيقة أننا ملتزمون بالفعل، أي تضامننا مع البشرية جمعاء، في الماضي والحاضر والمستقبل. يشير مفهوم الالتزام إلى معانٍ متعددة، على ما يبدو بعيدًا جدًا: شخصان يلتزمان ببعضهما البعض، "مغني ملتزم"، سائق سيارة يلتزم بمفترق طرق، جندي تم تعيينه لمدة عشر سنوات، مثقف يلتزم لسبب نبيل، رجل أعمال يتعهد باحترام مثل هذا الموعد النهائي في البناء.    ما يربط هذه الأمثلة هو أننا نلزم أنفسنا في كل منها: نحن لا نتحدث عن المشاركة عندما ننخرط في شيء ما أو مع شخص آخر. إذا كان أصل الكلمة له معنى هنا، فإن الارتباط هو حقيقة "التعهد"؛ لذلك فإن الالتزام يعني "أن أعطي نفسي تعهدًا". بتعبير أدق، هو اتخاذ قرار حر وعلى الأقل مخاطرة صغيرة بالنسبة لي (يمكن أن تكون المخاطر ذات طبيعة مختلفة تمامًا من التزام إلى آخر)، وقبل كل شيء أن أكون مستعدًا لتحملها بنفسي. العواقب. لذلك فإن الالتزام هو أن نتحمل مسؤولية لم نكن مضطرين لتحملها. ولذلك فإن الالتزام يقوم على الحرية، وغالبا ما يكون على أساس فردي؛ ربما يمكننا قبول فكرة الالتزام الجماعي: يقال أحيانًا أن الشعب ملتزم بطريق الديمقراطية، أو أن الجمعية ملتزمة بالدفاع عن مجموعة معينة من الناس.    لفهم ما تتكون منه المشاركة الذاتية، وخاصة كيف تختلف أنواع المشاركة المختلفة عن بعضها البعض، قد يكون من المثير للاهتمام التساؤل عن المخاطر التي يتحملها الشخص. بماذا يتعهد من يلتزم؟ ماذا عليه أن يخسر في التورط؟ أو بالأحرى، ما الذي يعنيه بالضبط أن ما يتعهد به، وبالتالي ما عليه أن يخسره، هو نفسه؟ تُظهر العودة السريعة إلى الأمثلة المذكورة أعلاه التنوع الكبير في المخاطر و "التعهدات" المرتبطة على التوالي بهذه الالتزامات. ما يجب أن يخسره شخصان من خلال الالتزام ببعضهما البعض هو على الأقل، مع بعض الاستثناءات، إمكانية الالتزام بشخص آخر. يخاطر "المغني الملتزم" في النهاية بخسارة "المعجبين" فقط الذين لا يعترفون بالتزامهم، وأكثر من ذلك. يخاطر السائق بالحادث لنفسه وللآخرين. يفقد الجندي المأجور (على عكس "المجندين" القدامى) إمكانية ممارسة مهنة أخرى لبعض الوقت. المثقف الذي يلتزم بقضية ما يأخذ على الأقل "مخاطرة فكرية" واحدة: أن تكون مخطئًا، أي أن يدرك لاحقًا أن هذه القضية لا تستحق الدفاع عنها، أو حتى أنها تستحق القتال (مثل الستالينية). أما بالنسبة لرجل الأعمال، فإنه عادة ما يخاطر بمبلغ معين من المال إذا لم يلتزم بالموعد النهائي. لا شك أن مشكلة ما يسمى بـ "الفن المنشط" تستحق معالجة خاصة، لأنها تنطوي، على وجه التحديد، على مفهوم كامل للفن: على عكس "الفن من أجل الفن" ، الذي يسعى الفنان من خلاله إلى التعبير عن الأفكار الفنية فقط (مفهوم معين للجمال ، على سبيل المثال) ، يعتبر الفن المنشط الفن وسيلة (لا تمنعه من أن يكون أيضًا غاية في الذات) للتعبير عن أفكار ليست فنًا في حد ذاته ، وخاصة الأفكار السياسية. مسرح سارتر وشعر أراغون أمثلة جيدة. بعد هذه النظرة العامة السريعة على الأشكال المختلفة للالتزام، تبقى الأسئلة: هل يجب أن نلتزم، وإذا كان الأمر كذلك، فبماذا أم من أجل ماذا؟ بصرف النظر عن الالتزامات التي لا يمكن لأحد الهروب منها مثل التزام السائق، والتي، بصرف النظر عن الحكمة، لا يوجد الكثير للتوصية بها ، فإن الالتزام يطرح مشكلة الأخلاق والعلاقة مع الآخرين: لا تذهب - هل ألزم نفسي فقط لما يهمني بشكل مباشر (الدفاع عن حقوقي ، مصالحي) أو أيضًا من أجل فكرة الصالح العام ، المصلحة المشتركة؟ لكن هل يمكننا الانخراط في الفضاء العمومي دون أن نجد أي اهتمام بها؟ في نهاية اليوم، ألا نلتزم دائمًا بأنفسنا؟ وبأي معنى يقترن الالتزام بتحمل تبعات الفعل والتضحية من أجل المبدأ؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

صالح الفهديإذا كنَّا قد استعضنا عن اللغة العربية الفصحى بلهجات مشتقَّةٍ منها، فإنَّ هذه اللهجات قد فقدت الكثير من روافدها اللغوية عبر مرور الأجيال، والصورة هنا أشبه بالبحيرة التي تعتمدُ على روافد تأتيها من شعابٍ أو أنهارٍ مختلفةٍ تجدِّدها من ناحيةٍ، وتبقيها حيَّةً من ناحيةٍ أُخرى.

وإذا كانت اللغةُ الأمُّ معطَّلةً في استخدامها، فهي أشبه باللُّقى الجامدةِ في متحف، فإن اللهجة وهي تفقدُ روافدها لا تستنجدُ باللغةِ الأمِّ في إِسعافها، نظراً لفكرةِ شائعةٍ خاطئةٍ بأنَّ مفردات اللغة العربية الأم لا تتوافق مع العصر، أو لأن مستخدمها في السياق الكلامي يعرِّضه لاستهزاءٍ، أو يُنظرُ إليه وكأنه يُخاطبُ قوماً في أزمنةٍ سحيقة..! الأمر الذي يجعلهُ يُعلي من شأن اللفظة الأجنبية خاصة الإنجليزية لأنه يُدرك أن النظرة نحوه ستكون نظرة إعجابٍ وتقدير!.

لقد كان جيلُ آبائنا يستعين في أحاديثه باللهجات الدارجة على ما أُسمِّيه روافدَ للهجاتٍ، تسهم في إغناءِ الفكر، وبهذا الإغناء تستمر اللغة/اللهجة. كانت الأمثال الشعبية لا تفارقُ الأحاديث لأنها كانت حيَّة في الذاكرة التي تستحضرها أنَّى اقتضى الموقف، لكننا اليوم بالكادِ نسمعُ هذه الأمثلة الشعبية يستخدمها الناس في أحاديثهم، فضلاً عن أن الأجيال الجديدة من الأبناء لا يكادون يسمعون بها. وقيمة الأمثال الشعبية هي أنها تشكِّل مراجعَ يأنسُ لها فكرُ الإنسان، ويتكأُ عليها فكرهُ، وتلقي في نفسه الطمئنينة بأنه يفكِّر بطريقة منطقية لأن الأمثال الشعبية هي محصَّلة تجارب لأناس عركوا الحياة، فأمدَّوا ثقافتهم بحصادِ هذا المعترك الطويل.

وقس على ذلك أيضاً الأشعار الشعبية التي هي أيضاً ذاكرةُ أمَّة، وتجديدٌ ليس لطاقتها الفنية والأدبية وحسب، بل وإثراءٌ لفكرها، وإراحةٌ لوجدانها لأنها تتلاقى في مفرداتها البيئية البسيطة مع المشاعر المعاشة، معبِّرةً عن الاختلاجات النفسية التي تدور في النفس، بلغةٍ مبسَّطةٍ ذات صورٍ رائعةٍ على رغم استخدامها لمفردات البيئة الدارجة.

الفنون الشعبية هي الأُخرى بدأت في الضمور وقد كانت وعاءً للأَشعار الشعبية لأنها توثقها عبر الغناء والإنشاد بها، لكن ضمورها يفقد اللهجات رافداً أساسياً من روافدها الوجدانية. رافدٌ ثالثٌ هو القصة الشعبية الشفهية التي تجسِّد رافداً رئيساً من روافد اللهجات قد انقرضَ هو الآخر، ونُحن نُعزي الكثير مما شكَّل اهتماماتنا الأدبية إلى القصص التي كنَّا نسمعها من أمهاتنا وجدَّاتنا في مرحلةِ الطفولة. كانت المجالس الشعبية أيضا عامرةً بالأقاصيص، لكن المجالس الشعبية بصورتها التقليدية قد اختفت، وإن كانت من ثمَّةِ عودةٍ لها، فقد أصبحت صورتها مختلفةً من حيثُ المواضيع المتداولة فيها، وطغيان استخدام الهواتف النقالة على أحاديث الناس فيها..!  

إذن فَقَدَتْ لهجاتنا روافد أساسية فأصبحت شحيحة المفردات، هزيلة العبارات، لا تكاد تسمع عبارة حتى تلصقها في لسانها إلصاق الصمغ، مثل عبارة "الأمور طيبة" التي أفسِّرُ شيوعها لعدم ظهور مرادفاتٍ لها تشكِّل خياراتٍ بديلة، بل الأدهى والأمر الأستعانة بكلماتٍ أجنبية مثل "already" لأن المتحدث قد استلطفها، واستخدمها بدلاً من أن يستخدم كلمةً من لغته هي "مسبقاً" وكأنما يرتاحُ لتلك، ويستثقلُ هذه، ولو أنه استخدمها وشاعت بين الناس لكانت أرقى وأسمى.

عدم إلمامهِ بلغته جعلته يستخدمُ مفردات في غير موضعها لأنها شاعت بين النَّاس، وكم نبَّهت لمثل هذه الاستخدامات غير السليمة، على سبيل المثال درج استخدام كلمة "سُبَّة" على أنها "سبب" وهي ليست كذلك، فصار يستخدمها الناس وهم يعتقدون أنها تعني سبباً، وهي تعني في الأساس "العار" ولو عرفوا لصعقوا..! 

لقد أفضى بنا الشحُّ في اللهجات التي نتحدَّثُ بها في سائر شؤوننا بسبب اضمحلال روافدها التي أشرتُ إليها نظراً لموت أجيالٍ كانت تمثِّل لها تلك الروافد عناصرُ حياةٍ، ومنابعُ تعبيرٍ عن المشاعر والأحاسيس، أقولُ أفضى بنا الشحُّ إلى أننا لا نمتلك الألفاظ المتجددة التي تختلفُ عن الشائع من العبارات في المناسبات فنظلُّ نكرر عبارات لا نكاد نجدُ لها بديلاً مثل: "كل عام وأنتم بخير"، و"عيدكم مبارك" حتى عبارات السؤال عن الأحوال تظل الكلمات هي نفسها لا تتغيَّر.

ومن وجهة نظري فإننا لم نعد نمتلك لهجةً تمتلكُ الكلمات العميقة التي نعبِّرُ بها عن أحاسيسنا الوجدانية، عدا عن المهتمين بآداب اللهجة العامية كالشعراء النبطيين فقد أصبحوا أكثرُ أهل العامية تعبيراً عن الصور الوجدانية.

هنا تبرزُ الإشكالية الكبيرة وهي أن القضية ليست مقتصرة على انقراض كلمات، واضمحلال عبارات، وفقدان روافد، وإنما على انزياح لغة بأكملها، وحلول أُخرى مكانها، يفرضها واقعُ الناس المستسلمين لأحواله، والراضخين لشروطه. وفي هذا النطاق فإن منظمة «اليونيسكو» تقدِّر عدد اللغات الإنسانية التي انقرضت تماماً في القرن العشرين، بنحو 300 لغة، وهو رقم ضئيل إذا ما قورن باللغات التي تقدِّر المنظمة بأنها آيلةٌ للإنقراض بحلول عام 2050، وهو ثلاثة آلاف لغة، من بين ما مجموعه سبعة آلاف لغة محكية أو مكتوبة!.

وإذا استمرَّ هذا النزيف اللغوي لدينا، والانزياح نحو اختراعِ لغةٍ مركَّبةٍ لا أصلَ لها فإن لغتناوليس فقط لهجاتنا ستكون ضمن ذلك العدد المنقرض من اللغات..! إن ضياعَ لغةٍ يعني ضياعَ أمَّة بحالها، وتلاشى كل جذورها الثقافية، وهُوياتها، وتاريخها، وكل شيءٍ يرمزُ إليها..!

 

د. صالح الفهدي

 

 

عصمت نصارمَنْ يتتبع أطوار المعارف الفلسفية وذيوعها وانتشارها في الصحافة المصرية سوف يقف على عدة نتائج أولها: أن غاية الرأي العام القائد من إحياء المعارف الفلسفية وانتشارها بين العوام والمثقفين لم يكن من قبيل المطالعة أو أثراء معارف القراء، بل كان له غرض أهم ومقصد عملي يعينهم على إعادة تشكيل العقل العربي وتجديد نهوجه وأساليبه في القراءة والكتابة.

وثانيها: الانتقال بالأدب والفن من طور الحفظ وجمليات الألفاظ إلى أدب المعنى وعمق الفكرة وطرافة التصورات. وثالثها: تقديم المعارف الفلسفية للقارئ العربي باعتبارها ميداناً فسيحاً لنقد الأنساق وتقويم الرؤى والتصورات.

ورابعها: غربلة الوافد والمستحدث في شتى الميادين والتسليم بوجود رؤية ثالثة للحكم على القضايا المتعارضة. فإذا كان قطع السبيل الأفضل لحسم المواقف وتحديد الاختيارات، فإن تعليق الحكم والتوقف عن التقويم يكون الأفضل في بعض الأحايين.

وخامسها: ترغيب المتلقي في فلسفة الممكن، والتحايل على المواقف والأزمات، وإعطاء فرصة كاملة لنظرة التفاؤل عوضاً عن اليأس والتشاؤم، والتطرف والعنف ولا سيما في القضايا المتعلقة بالأحاسيس والمشاعر.

لذلك كله؛ حرص قادة الرأي في مصر على التأني في نشر بذور التفلسف بين الجمهور الذي كان يجمع بين التكلف والتعقيد والسفسطة والفلسفة والمروق والكفر في سياق واحد. وقد أضطلع الاتجاه المحافظ المستنير دون غيره؛ بنشر الاتجاهات والأفكار والمذاهب الفلسفية التي لا تنفّر العامة من تعاطي الفلسفة وترَغّب في الوقت نفسه المتحمسين للتراث على الاستعانة بالمنطق وأصول صياغة الدفوع والأدلة على بطلان ادعاء الخصم للزود عن ما يعتنقونه ويودون حمايته وتهذيبه. فها هي مجلة المقتطف - التي تعدّ أعرق المجلات الجامعة بين الثقافة العلمية والثقافة الفلسفية في مقالاتها التنويرية - تنشر عشرات المقالات منذ نشأتها عام 1876م في لبنان، ثم انتقلت إلى مصر، وكانت رسالتها نشر المعارف الحديثة وإعادة تشكيل وعي المثقف العربي، وتهيئة الرأي العام لقبول المعارف الفلسفية. وقد أجادت هذا الدور في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ثم قامت بجهد أكبر في ترغيب شبيبة الباحثين في مطالعة الكتابات الفلسفية وتشجيعهم على ترجمة بعض كتابات الفلاسفة ونشرها على صفحات المجلة بعد مُرجعتها وتنقيحها ولا سيما في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين.

وها هي بعض الموضوعات التي طرحتها على قرائها منها: "كونفوشيوس" لول ديورانت، و"علاقة العلم بالفن والدين والفلسفة" لإبراهيم مطر، و"قيمة العلم الأخلاقية" لمحمد ولي، و"رسالة مؤمن بالعلم والمثل الأعلى" لأوليفر لودج، و"شيء عن شوبنهور ومن فلسفته" ليوسف حنا، و"أسطورة الخليقة البابلية" لنقولا زيادة، و"فلسفة اللون الأصفر" للطبيب النفسي الإنجليزي هفلوك ألس، و" الباحث النظري والمستنبط العملى"، لعالم الأحياء الإنجليزي جون هولدين، و"معارج الفلسفة ومذاهب الفلاسفة" و"فلسفة التاريخ حوار وتحليل" و"الفيلسوف سبينوذا" و"ديكارت أبو الفلسفة الحديثة" لحنا خباز، و"الجامعات: معاهد للدرس أم للبحث" لإسماعيل مظهر، و"قياس الأخلاق" و"فكرة التقدّم في التاريخ" لأديب عباسي، و"الدين والعلم" لأينشتاين، و"العلم والصوفيّة" لعلى مصطفى مشرفة، و"فلسفة السعادة في الحضارة الحديثة" لبرتراند رسل، و"النقد والشخصيات"، و"الجسد والروح" و"فلسفة تاريخ الفلسفة" لعلي أدهم، و"سيكولوجية الكذب" لأحمد عطية الله، و"العلم وطبيعة الألوهية" للمفكر اللبناني شارل مالك، و"فلسفة الأدب" لمصطفى صادق الرافعي، و"العلم والفلسفة والأخيلة الشعرية" لمصطفي الشهابي، و"فلسفة التاريخ الإسلامي في القرن السابع الهجري" للمؤلف العراقي مصطفى جواد، و"جان جاك روسو" لجورج نيقولاوس، و"معرض المذاهب السياسية" للطبيب والسياسي السوري عبدالرحمن شهبندر، و"عناق العلم والفلسفة" لنقولا حداد، و"ابن خلدون وسبنسر"، و"فلسفة التحليل النفسي" ليعقوب صروف، و"ابن خلدون والنقد الحديث" لمحمد عبدالله عنان.

ولعلّ مجلة الهلال (التي أسسها جورجي زيدان عام 1892م) تُعد من أكثر المنابر الصحفية دفاعاً عن الثوابت والمتغيرات التي حرص قادة الرأي من الاتجاه المعتدل على جعلها في مركز بنية المشروع الحضاري الذي عبرت عنه فلسفتنا في النصف الأول من القرن العشرين. فقد بلغ عدد المقالات التي رسخت المفاهيم الفلسفية المراد انتشارها في المجتمع في الفترة الممتدة من 1900 إلى 1933م - وهو العام الذي أدرجت فيه الفلسفة في البرامج التعليمية كما أشارنا- نحو 100 مقال، وقد حظيت سنة 1933م وحدها بنصف ذلك العدد تقريباً.

ومن أهم الموضوعات التي واكبت ذيوع المعارف الفلسفية آن ذاك ("الثيوصوفية" لجورجي زيدان، و"ماذا يقرأ العامة"، و"العلم والدين والفن الجميل"، و"امتزاج الثقافات" لأمير بقطر، و"الإنسانية والحب" لإبراهيم المصري، "العقيدة السياسة" لأمين الرافعي، و "هل يتاح للشرق أن يستعيد مجده" لعبدالرحمن شهبندر، "مدنية العقل ومدنية الخيال" لمخيائيل نعيمة، و"صاحبة الجلالة الصحافة أعظم قوة تقود الجماهير والحكومات" لعبدالقادر حمزة، و"فلسفة الحب عند العرب"، و"لماذا نخاف الموت وكيف نعالج هذا الخوف" لطاهر الطناحي، و"أيهما نقدم: الرابطة الشرقية أم الإسلامية أم العربية" لمحمود عزمي، و"نهاية العالم، كيف تكون ومتى؟" للفلكي الفرنسي رودو، و"بين الفن والفلسفة" لعلي أدهم، و"لماذا أؤمن؟" لإبراهيم سعيد، و"جنون نيتشه" للمستشرق الروسي بندلى جوزى، و"الفلسفة في كل العصور" لحنا خباز).

ويتضح من العرض السابق لأشهر عناوين المقالات الفلسفية لمجلة الهلال، مدى طرافة ودراية وعمق الأقلام التي حررتها، ذلك فضلاً عن إدراك أصحابها للمقصد المراد من نشر هذه الأفكار وتلك المعارف؛ الأمر الذي يؤكد وعي الخطاب الإعلامي للاتجاه المحافظ المستنير وحرصه على إعادة تشكيل العقل الجمعي وتهيئته لقبول المعارف الفلسفية وإدراجها ضمن بنية ثقافته العامة.

أما مجلة السياسة الأسبوعية التي صدرت عام 1926م إلى عام 1949م؛ فكانت من أهم المجلات الأدبية المتخصصة في نشر القضايا السياسية والفلسفية لتثقيف الرأي العام، وتوعيته وتنمية شعوره الوطني، وتجديد معارفه العلمية والتربوية، وشرح أهم القضايا الفلسفية المثارة في كتابات المثقفين في مصر والشام، وتشجيع القرّاء على التفكير الناقد في التحاور والتناظر (في هذه الآونة).

وكان من أشهر كُتابها محمد حسين هيكل، ومصطفى عبد الرازق، ومنصور فهمي وطه حسين، وعلى عبد الرزاق، ومن أشهر المقالات الفلسفية في أخريات العشرينات وبداية الثلاثينيات مقال "في قواعد الأخلاق" لمنصور فهمي، و"الخلافة والسياسة" للشيخ عبدربه مفتاح، و"التفكير الحر في الإسلام"، و"الفلسفة اليونانية وتدمير آخر معاهدها في المشرق" و"الدين والعلم" و"النبوغ في الحداثة" و"الجمهور والرأي العام" و"الشعر والفلسفة" و"روبرت سبنسر" و"تولستوي والثورة البلشفية" لمحمد حسين هيكل، وهوميروس" لحسن أفندي صبحي، و"منبر الأخلاق" لمحمد توفيق دياب، و"ديكارت" لطه حسين، و"كانت: حياته وفلسفته" لعلى أفندي الأنصاري، و"بين الدين والعلم" للداعية الإيراني تقي الأصفهاني، و"بين عبدة الشيطان"، و"ديني ومذهبي" لفريد وهبه. وقد أصدرت هيئة تحرير المجلة عدداً تذكارياً عن الفلسفة، وذلك احتفالاً من جانبها بإدراج المعارف الفلسفية ضمن المقررات الدراسية للمدارس الثانوية، (وسوف نتحدّث عنه فيما بعد).

وفي عام 1927م ظهرت لأول مرة في العالم العربي مجلة تحمل اسم "الفلسفة" وقد أنشأها علي محمد أسعد الحسيني بالمنيا، ولم يصدر منها سوى ثلاثة أعداد من يناير إلى مارس (وسوف نرجئ الحدّيث عنها حين العثور عليها).

أمّا مجلة "الرسالة" فهي امتداد أصيل للمدرسة الليبرالية المصرية التي آلفت في أفكارها بين الفكر الإصلاحي القائم على التنوير الهادئ الجامع بين النافع من الجديد الوافد والأصيل الموروث القابل للتحديث والتطور من جهة، والمشروع النهضوي الذي امتدت جذوره من حسن العطار إلى محمد عبده حيث تجديد الخطاب الديني وإحياء سنة الاجتهاد وشرح المقاصد الشرعية والانفتاح على شتى الثقافات المعاصرة، وحرية النقد والفكر والمرأة من جهة ثانية، والمحافظة على مشخصات العقل الجمعي والهوية القومية والثوابت التربوية والأخلاقية من جهة ثالثة. وقد نحت - سياسة المجلة - منحى صحيفة الجريدة ثم مجلة السفور ثم السياسة الأسبوعية، وذلك في تبنيها الرؤية العاقلة في طرح موضوعاتها وانتقاء القضايا التي تعينها على تجديد الفكر العربي، بأسلوب سهل بسيط جامع بين الوضوح في الغاية والاعتدال في التوجيه، ذلك فضلاً عن تشجيعها للأقلام الشابة والأفكار المبدعة.

وقد استمرت في فترة من 1933م إلى 1953م، وهو نفس العام الذي أضحت فيه الفلسفة (مادة دراسية) ضمن منهج المدارس الثانوية، وقد بلغ عدد مقالاتها الفلسفية في ذلك العام (42 مقال) نذكر منها "رسالة الأديب في مصر" لعبدالحميد يونس، و"مسارح الأذهان" لمحمد حسين هيكل، و"فلسفة شوبنهور" و"فلسفة نيتشة"، و"فلسفة برجسون"، و"فولتير المؤرخ"، و"فلسفة كانت"، و"فلسفة سبينوذا"، و"فلسفة ليبنتز"، و"فلسفة ديكارت" لزكي نجيب محمود، و"باقة من حديقة أبيقور" لأناتول فرانس، و"فلسفة التاريخ" للكاتب محمود محمود محمد -وهو شقيق زكي مجيب محمود- و"الحرية في الكتابة ومدى التجديد فيها"، للتربوي محمد قدري لطفي، و"تجديد التقليد" للكاتب المغربي محمد حصار، و"مطالعات في التصوف الإسلامي" لمحمد مصطفى حلمي، و"مذهب النشوء وإخوان الصفا" لأديب عباسي، و"وحدة الوجود" لطاهر أبو فاشا.

وحسبنا أن نشير إلى أن عدد المقالات الفلسفية التي نشرت فيها خلال فترة إصدارها قد بلغ نحو (489 مقال)، ذلك فضلاً عن المسابقة الثقافية التي أجرتها عن المعارف الفلسفية لطلاب السنة التوجيهية - وهي أول مجلة عربية تقوم بهذا الجهد- وذلك في العدد 869 الذي صدر في 27/ 2/1950م، وسوف نتناوله بالدراسة والتحليل فيما بعد.

ونخلص من عرضنا السابق إلى عدة نتائج أهمها: إثبات حرص النهضويون المصريون على نشر المعارف الفلسفية في الرأي العام وذلك لتهيئة العقل الجمعي لتجديد الخطاب الديني والمصالحة بين الأصالة والمعاصرة، وقبول مشروع النهضة الذي اضطلعوا بتفعيله

ــ التأكيد على أهمية دور الصحافة المصرية في نشر المعارف الفلسفية باعتبارها الآلية الدافعة للتفكير الحر وتخليص الأذهان من قيد الخرافة والتقليد والتبعيّة، ونأمل من شبيبة الباحثين الاهتمام بدارسة هذا الموضوع المهم.

ــ تبيان أن المعارف الفلسفية لا يمكن غرسها في البنية الثقافية العربية على وجه الخصوص إلا عن طريق بساطة الأسلوب ووضوح المقصد والعزوف عن نقض الثوابت وأصول المشخصات والجموح في الدعوة بالحرية.

ــ التصريح بأن إخفاق معظم الخطابات الفلسفية المعاصرة في إقناع الرأي العام بأهمية المعارف الفلسفية في شتى الميادين ولا سيما في ميدان التخطيط ومواجهة الأزمات وتقويم كل أشكال التطرف، يرجع إلى عزوفهم عن منهج قادة الرأي الذين خططوا ومارسوا الفكر الفلسفي منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى العقد السادس من القرن العشرين.

(وللحديث بقية)

 

بقلم: د. عصمت نصّار

 

درصاف بندحرعندما نصف شخصيتنا الاجتماعية فنحن نَصف الذات التي يقدمها الواحد منا للآخرين. ونكون هنا بصدد الحديث عن ذات خارج ذاتنا.. عن "شيء" خارجنا، عن صورتنا في أعين الآخرين.

أما ذاتنا الحقيقية، الحية بداخلنا فهي ليست صورة نصفها كما نَصف الأشياء. ذاتنا الداخلية الحقيقية عصية عن كل وصف.

يقال في الواحد منا الكثير ونوصف بالكثير.. يتحدث الناس عن شخصيتنا، عن أقوالنا عن أفعالنا عن مواقفنا.. الناس لا يرون إلا الصورة الخارجية فيقيّمون ويُصدرون أحكامهم دون أن يستطيعوا الولوج إلى الحقيقة، إلى الذات الداخلية.. قلة هم من يفعلون.. قلة ممن حولك من بمقدورهم الاقتراب منك.. من ذاتك الحقة.

إنني كذات لا يمكن لأي كان أن يجتاز الحاجز الذي يفصله عني إلا من خلال ارتباطه ارتباطا حيا بي..

في هذا يقول الفيلسوف الروسي فيدور دستيوفسكي Fyodor Dostoevsky (1821 - 1881) وهو واحدٌ من أشهر الكُتاب حول العالم والذي تنطوي رواياته على فهم عميق للنفس البشرية، يقول:" قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، إياك أن تعتقد إنك تفهمني بمجرد أنني تحدثت إليك".

هناك من يتحدث إليك مجرد الحديث لغاية الحديث ولكن هناك من يتحدث إليك فيكون في حضرتك حاضرا، حيا، نشيطا.. يتبادل معك الكلام مستعملا طاقته الإنسانية استخداما مثمرا.. عندما تتبادل الحديث مع البعض تلاحظ جليا هذه الطاقة وهذا الحضور المميز.. ولكنك قد تلاحظ عند البعض الآخر العكس.. تتحدث إلى الواحد منهم بكل طاقتك واهتمامك ومبالاتك ويبادلك الحديث دون إبداء أي تجاوب أو اهتمام بما يشغلك أو يقلقك أو يسعدك.. يتحدث إليك وهو لايفكر إلا في دعم حضوره واستعراض ما حققه من نجاحات في ماضي حياته.. يتشدق بمواهبه، ويجهد نفسه في أن يُظهر لك كم يساوي.. هذا النوع من الناس الذين نتحدث إليهم ويتحدثون إلينا لهم قدرة واضحة على التأثير في الناس ويرجع ذلك إلى امتلاكهم لمواهب فائقة على برمجة حسن آدائهم وهم يتحدثون إليك وإلى غيرك. وهم يؤثًّرون بصفة خاصة على أولئك الذين ليس لهم القدرة الكافية على الحكم عليهم حكما سليما. أن تحكم حكما سليما على محدثك الذي لا يهدف في حديثه معك سوى إلى تلميع صورته هو أن تكون لديك القدرة على معاينة الفرق بين حديثك معه وبين حديثك مع نوع آخر من المتحدثين. نوع آخر يتحدث إليك تاركا على حدة كل ما يملك من معارف ومراكز، يتحدث إليك دون أن تقف ذاته عائقا بينك وبينه فيكون حديثكما صادقا عفويا.. يتجاوب مع أفكارك فتتولد عن الحديث أفكار جديدة. هذا النوع من الناس يتحدث إليك وهو ينطلق، معك، نحو أفاق رحبة بعيدا عن كل تمركز حول الذات.. التمركز حول الذات يجعل الفرد منشغلا كليا ومنكبا على عالمه الخاص الداخلي مما يجعله غير قادر على إدراك الآخر لا فكرا ولا إحساسا بشكل لا يُتيح له أن يدرك أن الحقيقة قد تكون مختلفة.. ويحدث أن يكون اهتمام هذا المتحدث مسلطا فقط على جزء من حديثك معه، الجزء الذي يهمه، الجزء الذي يخدم مصلحته فلا يعير انتباها إلى كافة حديثك بل فقط ينصب هذا الاهتمام على الجزء الذي يمكن أن يضيف إلى مكاسبه، مكسبا، عاجلا أو آجلا.. ونحن ننتبه إلى من يتحدثون إلينا ونتحدث إليهم نخلُص إلى أنهم ينقسمون إلى صنفين: صنف يتشبث بما يملك من أفكار ولا يتجاوب مع ما لديك من أفكار فيكون متخشبا متكلفا فلا يخلف حديثه فيك إلا الأثر السيئ.. وصنف آخر يكون وهو يتحدث إليك متجاوبا مع ذاتك تجاوبا حقيقيا.. أما عن ذاته فيطلق سراحها لتتجاوب هي الأخرى معك فيكون حديثه إليك، تلقائيا لا استعراض فيه. إن تفريقنا لهذين الأسلوبين في الحديث ونحن نتبادله مع الآخر هو تفريق بين من يتحدث معك وفقا لأسلوب الاستهلاك.. حديثا من قبل الحوارات المفتوحة التي لا تقدم لك أي إضافة، ذلك أنه في هذه الحوارات المفتوحة على اللاشيء لا فائدة ترجى ولا مصلحة تتحقق.. حديث يمضي معه الوقت سدى. ينتهي الحديث مع هذا الصنف من المحدثين فتشعر بالإحباط وتندم على حديث أضعت فيه الوقت ومن وراه جزءا من العمر.. هو تفريق بين من ذكرنا وبين من يحدثك وتكون كينونته حاضرة، إيجابية، فاعلة، منفتحة على ما تقوله أنت وما تعبر عنه بصدق فيجيبك بما هو أصدق وأعمق.. هذا الحديث تجد نفسك فيه، تجدها تنمو وتتدفق لتتجاوز مع محدثك سجن الذات المعزولة إلى حوار فيه من السؤال، من الإنصات من العطاء ما يغنيك عن كل الأحاديث التافهة، السطحية، الجافة. هذان حديثان أو لنقل نمطان من الحديث، حديث فيه نشاط داخلي إيجابي.. فيه ارتياح ونشوة متبادلة، فيه إحساس لا يمكن وصفه بالكلمات. أما الحديث الثاني فلا ينطوي إلا على التجاهل لوجودك وبالتالي الخنق والإهلاك لذاتك حيث تكون أنت موجودا ولكنك كمجرد وسيلة.. كمجرد شيء وكأنك في وضع من يتحدث بمفرده.. أن يستمع إليك محدثك بكل كينونته* وأن تستمع إليه بكل كينونتك، أن تتجاذبا الحديث في إطار هذا النمط هو أن ينبذ كل واحد منكما أنانيته وحبه لذاته، هو أن تجعلا نفسيكما خاليين من كل ما تحملون ما عدى حمولة الإنصات والرد على من هو أمامكـ، تحدثه بكل مبالاتك فيجيبك بمثل ما حدثته به. قد لا يكون الحديث النشط الفاعل لمحدثك دليلا قطعيا على المحبة ولكنه من العلامات الدالة عليها.. ألاّ أحدثك بكامل كينونتي وألا تفعل في بعض الأحيان قد يكون مرده الانشغال أو الإرهاق.. لكن أن تكون القاعدة هي أنه في كل المرات التي تتبادل فيها الحديث مع محدثك لا يتعاطى فيها معك إلا من أجل أن يدعم حضوره ويستعرض نفسه فهذا دليل على السلبية.. على الشلل، على عدم التكافؤ بين منزلته لديك ومنزلتك عنده. تأملوا جيدا وجه من لا يحدثكم بكينونته وأنصتوا جيدا إلى نبرة صوته فلن تروا جمالا ولن تنصتوا إلى موسيقى، لن يصلكم إلا القبح. الجمال لا يعكسه إلا من كان نشطا حيا متفاعلا.. ولا نعني بالجمال هنا جمال الخلقة بل ما نعنيه هو جمال الروح.. الجمال الذي لا يرى بالعين بل جمال يصل من القلب إلى القلب. وبمناسبة ذكر القلب، تحر قلبك جيدا وأنت تستمع إلى حديث من يحدثك فهو دليلك الذي سيخبرك أنك لم تُخدع ولكنك تَخدع نفسك بمواصلة الحديث مع من لا يقيم لكينونتك اعتبارا، من يريد أن يمتلكك ليضعك في قفص بجوار أقفاص أخرى لعصافير قد تشبهك وقد لا تشبهك ولكن محدثك يتملكها. عندما تنصت إلى نفسك ستجد الدليل بل الأدلة في إشارات كثيرة تلقيتها ولم تشأ أن تتوقف عندها.. إشارات في زلات اللسان.. في تعابير ظاهرها هزل ولكن في باطنها نظر وتحقيق، في إيحاءات تكون غايتها إحراجك.. عندئذ ستصل إلى الفكرة، فكرة أنك كنت تهرب من مواجهة الحقيقة، حقيقة محدثك. حينها فقط ستراه بعين جديدة وستجد أن هذا الجديد كان منذ البداية ماثلا أمامك ولكنك كنت تقاوم تصديقه.. لم تكن تريد أن تصدق ما يصلك من لامبالاة وسطحية لأنك كنت تهرب من ألم مواجهة الحقيقة. من المُؤكَّد أن خيبتك تكون شديدة حين تجد أن ذاتا كلما تحدثت إليها تحدثت بكل كينونتك ولكنها اختارت، جبنا أو غرورا، أن تتحدث إليك بكل سطحية.

وفي هذا السياق، ولأنه لا شيء يحدث دون علة، يذهب إيريك فروم Eric Fromm(1900-1980) عالم النفس والفيلسوف الألماني إلى أبعد من السطحية في كتابه "الإنسان بين الجوهر والمظهر" وذلك في معرض حديثه عن مجموعة من الأنشطة اليومية التي تمارس بدون انفتاح وبدون مشاركة وبأسلوب التمركز حول الذات، يُرجع فروم هذا المنهج في التعاطي إلى كون هؤلاء " يستندون إلى ما يملكون.. يخنقون أنفسهم بالتوتر والقلق بشأن ما يملكون وتكون عملية التخاطب معهم بمثابة تبادل لسلع المعلومات والمعارف والمراكز.. " ربما هم يخشون، إن تشاركوا الحديث مع الناس بكامل كينونتهم أن خسارة ما يملكون.. صحيح أنه لا يحق لأحد أن يلزم أحدا بأن يتحدث إليه بكامل كينونته وأن يبادله الاهتمام باهتمام ولكن من حق نفسك عليك أن تتوقف عن التواصل مع من لا يريد من حديثه معك سوى أن يسوق ذاته، من يطفو على السطح ولا يجازف بالغوص في عمق الفكرة، توقف عن التواصل بكامل كينونتك مع من لا يتواصل معك بكينونته، من لا يبادلك الاهتمام باهتمام**.. كن شجاعا ولا تخَفْ من فِعل الألم فيكَ.. اخترق الظاهر.. ابحث عن الحقيقة.. جدها.. ولا بأس إن تألمت لأنك لم تستمرئ هذه الحقيقة.. فإن لم تتألم فأنت لن تتعلم.. تعلم دون أن تنسى، في سياق حديثنا عن الحديث، أن الإنسان حديث من بعده، وعلى الأرجح حديثان.

 

درصاف بندحر

.........................

الهوامش

* تعرف الفلسفة الحديثة الكَيْنُونَة بما هي الحياة، الوجود. تجد الكينونة تعبيرا لها في مختلف نواحي الحياة: التكلم، التفكير، الشعور..

* يقول هايدقر (1889 -1976): العلاقة بين الإنسان والعالم ليست مجرد علاقة بين موجودين كائنين في المكان أو مجرد صلة بين ذات وموضوع وإنما هي علاقة وجودية قِوامها الشعور بالاهتمام.

المراجع:

""الفلسفة، الهوية والذات" مارتن هايدجر، ترجمة الدكتور محمد مزيان

 

 

محمد محفوظحين التعمق في مجرى الأحداث والتطورات والتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، يجدها تتجه نحو مسارين وخيارين..

المسار الأول: هو تفكيك الدول القائمة وبناء كانتونات ودويلات دينية ومذهبية في المنطقة. وهذا بطبيعة الحال سيفتح الأفق العربي صوب صراعات ونزاعات مذهبية ودينية أهلية، تدمر ما تبقى من النسيج الاجتماعي، وتؤسس لمشروعات بناء مجتمعات مغلقة وذات هوية خالصة، مما يفضي إلى التهجير والتهجير المضاد، ويدمر أسس التعايش بين الناس. ويحول الانتماء الديني والمذهبي والعرقي والقومي، من مصدر للطمأنينة الاجتماعية، إلى رافد لتغذية النزاعات المفتوحة على تدمير الدول والأوطان.

وفي هذا المسار تنهار الدولة كما ينهار المجتمع، وتتحول الفضاءات الاجتماعية إلى مسرح للاحتراب وتصفية الحسابات وممارسة العنف بكل صنوفه وأشكاله.

ولا شك أن هذا الخيار أو المسار هو من المسارات الكارثية على المنطقة العربية، لأنه يدمر كل شيء ولا يصل إلى شيء.. لأن الانقسام والتشظي والمتلازم دائما مع الحروب واستخدام العنف، سيتولد وسيسري على جوانب الحياة المختلفة.

لذلك يعد ووفق المقاييس المختلفة، أن هذا المسار من المسارات الكارثية على الانسان العربي والاستقرار العربي والنسيج الاجتماعي العربي. لأنه يحول الجميع ضد الجميع دون أفق سياسي واجتماعي واضح ونبيل.

لذلك نجد أن الدول التي بدأ بالبروز فيها هذا المسار، أو هناك قوى تعمل من أجل انخراط الجميع في هذا المسار، تعيش كل صنوف العذاب والعنف والقتل.

فالجميع يمارس القتل والاختطاف والتطهير الديني أو المذهبي أو العرقي، والكل يشعر أنه بهذا العمل المشين يدافع عن مقدساته وتاريخه وثوابته، وهو في حقيقة الأمر يدمر مقدساته وتاريخه وثوابته.

وفي مقابل هذا المسار الكارثي الذي يحول العرب بكل دولهم وشعوبهم، إلى ساحة للحرب والاقتتال العبثي. ثمة مسار آخر لا زال يراهن على الدولة، ويسعى بكل إمكاناته للدفاع عن مبدأ الدولة الجامعة والحاضنة للجميع. وهذا الخيار والمسار يشجع ويدعو الجميع للخروج من أناهم القبلية والقومية والمذهبية إلى رحاب الاجتماع الوطني الذي يثرى بالجميع، وإلى الدولة التي تتسع للجميع.

وأمام هذه المسارات ومتوالياتها، لا شك إننا مع المسار الثاني وندعو إلى تجنيب كل الدول العربية كوارث المسار الأول الذي يدمر الدولة والمجتمع معا..

وفي هذا السياق يجدر بنا أن نذكر الجميع بالحقائق التالية :

1ـ إن القبائل والمذاهب والأديان، ليست بديلا أو نقيضا لمفهوم الدولة وضروراتها السياسية والاجتماعية والإنسانية. وحينما ندعو إلى التشبث بخيار الدولة والعمل على حماية فكرة الدولة في الاجتماع العربي المعاصر، لا ندعو إلى تدمير القبائل أو المذاهب أو الأديان. وإنما ندعو إلى احترام هذا التنوع الذي تعيشه كل المجتمعات العربية. ولكنه الاحترام الذي يعزز خيار الاندماج والوحدة.

لأنه حينما  يتشبث كل  طرف بعنوانه الخاص ويتم التضحية بحاضن وجامع الجميع، فإنه يفتح الطريق لفتن وحروب لا تنتهي بين جميع هذه المكونات.

وحينما تقصر الدولة أمام هذه الحقائق، من الضروري أن تطالب برفع  هذا التقصير. ولكن من المهم أن لا يقودنا تقصير الدولة أو عدم إيفائها بمتطلبات الحياة إلى التضحية بها.. لأنه ضرورة لا يمكن لأي مجتمع الاستغناء عنها. والمطلوب دائما إصلاح أوضاع الدولة وليس التضحية بها كمؤسسة جامعة وحاضنة للجميع.

و هي ليست بديلا عن حقائق المجتمع القبلية والمذهبية والدينية، كما أن هذه الحقائق أيضا ليست بديلا عن الدولة ودورها ووظيفتها. والمطلوب عربيا احترام التنوع الديني والمذهبي والقومي في المنطقة العربية، وحماية الدولة بوصفها المؤسسة التي لا غنى عنها..

2ـ إن حماية الدولة ودورها الحاضن لجميع التعبيرات، يتطلب من جميع هذه التعبيرات الانعتاق من ربقة الأنانية والانكفاء والانطواء وتنمية المساحات المشتركة، التي تحول جميع هذه التعبيرات إلى رافد لإثراء الحياة العامة والمشتركة.

وهذا بطبيعة الحال يتطلب الإعلاء من قيمة المواطنة، بوصفها هي العنوان والحقيقة القانونية والدستورية التي تنظم منظومة الحقوق والواجبات.. فالأوطان لا تبنى بانغلاق كل مجموعة على ذاتها، وإنما بانفتاح وتواصل الجميع مع الجميع ضمن رافعة ومحدد المواطنة الجامعة.

كما أن الأوطان لا تحمى بتنمية النزاعات  الطائفية أو أنظمة المحاصصة المذهبية. فالأوطان تحمى بالمساواة والعدالة ووحدة مؤسسة الدولة  التي تتعامل مع المواطنين بوصفهم مواطنين وليسوا أفرادا ينتمون إلى مذاهب وقوميات وقبائل.

وإن انحدار العرب صوب التعامل مع بعضهم البعض بوصفهم طوائف وقبائل، سيدخلهم في أتون أزمات متواصلة، وسيخدم هذا الانحدار الكيان الصهيوني الذي يتطلع إلى لحظة تآكل وتشظي العرب الداخلي، بحيث يصبح هو الكيان الأقوى والقادر على فرض شروطه على الحياة العربية بأسرها.

لذلك فإن وقف هذا الانحدار ضرورة عربية رسمية وأهلية للحفاظ على فكرة ومؤسسة الدولة ووحدة العرب وللوقوف بوجه المشروع الصهيوني.

3ـ إن اللحظة السياسية والاجتماعية الحالية التي يعيشها العرب بكل بلدانهم وأقطارهم، تتطلب صياغة مشروعات وطنية للمصالحة بين مؤسسة الدولة والمجتمع بكل شرائحه وفعالياته.

لأن هذه المصالحة هي التي ستنقذ العديد من الشعوب العربية من التآكل الداخلي والتشظي الطائفي.

وإن استمرار الفجوة بين الدولة والمجتمع أو بعض فئاته أو شرائحه سيقود إلى وجود مناخ من اللاثقة التي لا تخدم أمن واستقرار الدولة العربية والشعوب العربية.

لذلك فإن تجديد وتفعيل العلاقة وبناء أواصر الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع بكل فعالياته في الواقع العربي المعاصر يعد من الضرورات القصوى التي تجنب الواقع العربي الكثير من السلبيات والسيئات. وأنه آن الأوان بالنسبة إلى المجتمعات العربية المتنوعة للخروج من عناوينهم الخاصة إلى رحاب الوحدة الوطنية والمواطنة الجامعة.

فوحدة الأوطان العربية اليوم مرهونة، بوجود مبادرات فعالة وشجاعة، تستهدف معالجة بعض مشاكل الحياة العربية وتعزيز أواصر العلاقة بين الدولة والشعب، حتى يتمكن الجميع من إفشال مخططات الأعداء التي تعمل بوسائل عديدة لتقسيم العالم العربي وإدخاله في أتون معارك عبثية، تدمر كل مكاسب العرب، وتنهي أسباب الاستقرار السياسي والاجتماعي في كل الدول العربية.

وخلاصة القول: إننا ندعو جميع العرب بكل انتماءاتهم وأيدلوجياتهم، للتمسك بفكرة الدولة لديهم، لأنه بدونها سنبقى كانتونات متحاربة ومتنازعة ومكشوفة لإرادات الأعداء ومخططاتهم الشيطانية.

 

محمد محفوظ

 

 

قاسم حسين صالحلمناسبة مئوية الدولة العراقية

تناولنا في الحلقات الثلاث ما حصل من تحولات في بنية المجتمع العراقي من سنة تأسيس الدولة العراقية(1921) الى عام (2003) .. نستكملها الآن لغاية 2021 مع استنتاجات ختامية.

التحولات الأخطر زمن الطائفية - استطلاع رأي

من عادتي انني استطلع آراء الأكاديميين والمثقفين والاعلاميين في الظواهر الاجتماعية.وكنت دعيت في (27آب 2018)من (دار معنى) لألقاء محاضرة بعنوان (الشخصية العراقية من السومرية الى الطائفية) فتوجهت بهذا السؤال:

ما الذي حصل للشخصية العراقية في زمن الطائفية؟

اليكم نماذج من الاجابات:

د. هيثم هادي نعمان الهيتي: الشخصية العراقية بزمن السومرية كانت تعّبر عن الحضارة الانسانية اما في زمن الطائفية فتعّبر عن الولاء الضيق والمتخلف، والتساؤل كيف تحولت عبر التاريخ؟

سلام السعدي: اصبحت بلا هوية وطنية وافتقدت روح المواطنة وصارت فقيرة اجتماعيا وحاقدة وانانية.

نورسل قوشجي زاده: لم تحصل غير المذلّة والاهانة وتفتيت الشعب بوسائل العنف والقسوة، ولم يبق من قيمة المواطنة غير انتظار الموت البطيء.

علي الخزاعي: تعيش سلسلة ازمات وضغوط وصراعاً مستديما بسبب غياب الهوية الوطنية، وبروز هويات نفعية اقترنت بالضعف والتشرذم لتؤسس حالة اغتراب مدعومة بالفوضى واللا معنى.

د.عبد الكريم الموزان: لا عجب، لأنها وليدة الشخصية البدوية العربية الجاهلية العليلة.

الشيخ المستشار ماجد البديري: انهكتها الحروب والحصار والحرمان، فسهل تشويه منظومتها القيمية، والاخطر انحراف رموز دينية وعشائرية ونخبوية وانغماسها بالفساد المادي والاخلاقي.

رغد السهيل: تعرّت وظهرت على حقيقتها، وتوالت عليها الحروب لتعريها اكثر لتصبح شخصية متناقضة لاتستقر على حال.

عبد العزيزججو: طحنت بالفقر لحد الموت جوعاً، وتساوى عندها الحياة والموت، وانخفضت مقومات القيم الانسانية كالمرؤة والصداقة، وجعلت العراقي متقوقعاً على نفسه.

د.علي نفل: اصبحت انانية متمركزة على الذات وفاقدة للامان، مندفعة نحو مغريات الحياة وتحقيق الاحلام بأية طريقة وكأن الحياة مقامرة كبرى.

عباس الأسدي: وصف الشخصية العراقية بمختلف الاوصاف السلبية( تجني)، فنحن منها واليها، وفينا من لم يتمترس بطائفة او جهة او عنوان.

عمر الامين: الشخصية العراقية مسخت وتم تشويهها ببرنامج علمي مدروس ابتدأ بفرض الحصار صعوداً الى مرحلة نهب مؤسسات الدولة في 2003 وصولاً الى تنمية الحس المذهبي وابراز مظلومية فئة وتحميل الاخرى من حيث لا تعلم هذه المظلومية، وانتهاءا بتشكيل حكومات بنيت على اسـس طائفية من قبل تجار ازمات ومتلاعبين بمشاعر الشعب.

سبتي المخزومي: انقلاب على الذات، متناقضة تدعي التدين لكنها تسرق، تدعو الى الفضيلة لكنها تفعل الفواحش، ساستها هم الاسوأ.. معممون في الداخل لكن اغلبهم رواد ملاهي وحانات في الخارج.

سعد فتح الله: الشخصية العراقية مشوهة منذ بدء الحياة على الارض.الآف الانبياء والرسل ارسلوا لهذه الكائنات ولم يغيروا مافي انفسهم.هل تجيبني الى من ترسل الرسل؟ لماذا لم يرسلوا الى اوروبا والصين مثلاً؟.هي الطينة فاسدة اصلاً.

وجهة نظر

نبدأ وجهة نظرنا بتقديم نظرية عراقية في الشخصية نصوغها بالآتي:

(تتغير الشخصية عبر الزمن وعبر المواقف، وللنظام السياسي الدور الرئيس في هذا التغيير).

كان الاستقلال السياسي(1921) قد نقل المجتمع العراقي من الحالة البدوية والريفية الى الحضرية، فتحولت الشخصية العراقية الى حدّية (marginal personality)، بداخلها رواسب قيمية ريفية، وظاهرها قيم حضرية (علاقات سطحية، استهلاك مظهري، نفاق اجتماعي.. ) وعاشت حالة تناقض بين افكار حضرية ورواسب ريفية متخلفة، غلبت عليها الهوية العشائرية، العرقية، المناطقية.. استمرت عليها الى 2003.

ويعزى السبب الى ان جميع انظمة الحكم (ملكية، جمهورية، عسكرية، شمولية، دكتاتورية، طائفية) اعتمدت الولاء للحاكم الفرد واسرته واقاربه وابناء منطقته، واستهداف الحكاّم تنشئة الاطفال بالولاء لهم وليس للوطن، وبينهم من ساوى بين شخصه والوطن (صدام هو العراق- انموذجا)، والغاء الرأي الاخر من اجل تحميد وتمجيد وتجميل وتعظيم صورة الحاكم على حساب الصورة الوطنية العراقية.. والمفارقة، ان الحاكم العراقي لم يستفد من اخطاء الذين سبقوه في الحكم ونهاياتهم الكارثية.

زمن الطائفية

في زمن الحكم السياسي الطائفي، استعادت (ش.ع) بقوة ممارسة ما تطبعت به من طبائع التعصب والتحيز والتطرف وعدم احترام الرأي الاخر، وزاد عليها غلبة التفكير الخرافي والقدري والدوغماتي(الانغلاق الفكري)في تعاملها مع مشاكلها الحياتية.وصارت تعيش بداخلها حالة خوف من المجهول مصحوبة بتملق او خنوع للحاكم الطائفي.. والأخطر سياسيا فقدانها لعراقيتها الوطنية وخضوعها لتعزيزالحكّام الطائفيين: التعصب للهويات الفرعية، الطائفية، العرقية، العشائرية، المناطقية، الذي كان موجودا فيها قبل التغيير 2003، لكن اعراضه ما كانت حادة.. الى انفجاره عام 2005 بعنوان جديد هو صراع الهويات.

وأخلاقيا، تتصف الشخصية العراقية بالتزامها بالعبادات (صلاة، صوم.. ) ولا تلتزم بالقيم الدينية كالصدق وقول الحق، غير انها كانت تمارسه على استحياء فيما صارت تمارسه علنا زمن الطائفية. والسبب، أن الحكومة والبرلمان، اشاعا فسادا فاحشا وصيّروه من فعل كان يعدّ حراما الى شطارة وانتهاز فرصة، والأقبح: تبادل اتهامات الفساد بين معممين، وتناقض افعال مسؤولين (دينيين) في السلطة مع اقوالهم، اوصلت العراقي لحوار داخلي: (اذا اهل الدين " القدوة" ما ملتزمين بالقيم الدينية فما الذي يدعوني الى الالتزام بها وقد ضاقت بنا السبل).. نجم عنها انها (خدّرت) الضمير الاخلاقي فشاع لديها الكذب، النفاق، التزلف، واللاحياء.

والكارثة الأخلاقية أن احزاب الاسلام السياسي التي تعتمد الاسلام عقيدة ومنهجا، فاقت جرائم الفساد في زمن توليها السلطة اضعاف ما كانت عليه زمن الانظمة الدكتاتورية، واوصلت الناس الى أن يتداولوا بسخرية مرّة: كان لدينا علي بابا واحد واربعون حرامي فصاروا الآن أربعين علي بابا وألاف الحرامية، وكان لدينا طلفاح واحد فصار عندنا الآن مئات الطلافيح.

وسيكولوجيا، تولدت لدى حكّام السلطة وقادة احزاب الاسلام السياسي قناعة بأنهم استعبدوا الناس روحيا، وانهم في حوارهم الداخلي يقولون لهم: تتظاهرون ضدنا، ترفوضننا، تشتموننا ، تتهموننا بأننا نتحدث بالعدل ونحكمكم بالظلم، ونتباهى بالأمانة ونمارس الخيانة، نعترف لكم بأننا فشلنا سياسيا.. فانكم ستبقون تنتخبوننا لأننا سادتكم وقدركم المحتوم ولا ارادة لكم حتى لو سقناكم الى جهنم، ولا تملكون من وسائل الهرب سوى انكم تغادرون حزبنا هذا الى حزبنا الآخر!. 

استنتاجات ختامية

السبب الرئيس لما حدث للعراقين من تلك التحولات عبر مئة عام يتلخص باشكالية (العلاقة بين الحاكم والمحكوم). فالغالبية المطلقة من حكّام العراق اقترنت لديهم السلطة بصفتين: السطوة.. أي البطش بالآخر حين يمتلك الحاكم المنصب والثروة والخبرة والعلاقات، والثانية: الغطرسة بأن يبيح لنفسه استخدام اقسى وسائل العنف ضد من يهدد بقاءه في السلطة.

ومع ان الحاكم في العراق ارتكب افضع القبائح (افقار الناس وكنز المليارات، والقتل والتعذيب، وافساد الضمائر.. ) فأنه يخص نفسه بالاستقامة الاخلاقية، ويعدّ نفسه مثال المتحلي بالاخلاقيات الرفيعة، وان مساءلته هي من اختصاص الله وحده وليس للشعب حق في ذلك، وهذه ناجمة من (سيكولوجيا الخليفة) التي تعني اعتقاده بأنه امتداد للخليفة.. سلطة الله في الأرض.. التي تشفرت في اللاوعي الجمعي العراقي، والعربي ايضا، عبر 1400 عاما.

اما المحكومون في العراق فانهم شهدوا في مئة عام ما لم تشهده شعوب المنطقة من أحداث متضادة، متناقضة، متطرفة.. بين خير ومحبة وسلام وفرح، وشر وكراهية وحروب وفواجع، بين فوضى وخراب واستقرار واعمار، بين فكر منفتح وفكر خرافي ودوغماتي مغلق وحول عقلي.. نجم عنه سيكولوجيا ان الغالبية المطلقة من الناس تولد لديها اليقين بأن السلطة(الحاكم) لا ترحم من يعاديها، وان السلامة منها تكون اما بالخضوع لها او على طريقة (ابعد عن الشر وغنيله) لخفض قلق وخوف تراكم عبر سنوات كانت فيه الكراهية والاحتراب الداخلي والحروب الخارجية والعوز والفواجع وتوالي الخيبات.

وبما ان اللاعب الاساسي في العملية السياسية هي الجماهير العراقية عبر الانتخابات الديمقراطية، فان مستقبل العراق مرهون باحداث تحول ثقافي يؤمن احداث وعي انتخابي لدى هذه الجماهير يمكنها من تعديل الدستوربما يضمن قيام دولة مؤسسات مدنية حديثة، وتحول سيكولوجي باشاعة التفاؤل لدى اليائسين، وشفاء المثقفين من اغتراب وتساؤلهم عن انعدام المعنى من الحياة في وطن يمتلك كل المقومات لأن يعيش اهله برفاهية.

***

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمد الربيعي بشكل عام، فشل قطاع التعليم العالي في العراق في تزويد الخريجين بالمهارات الضرورية والمطلوبة في قطاع العمل. لا يبدو ان لهذه المشكلة اي تأثير على سياسات التعليم العالي حيث تستمر الجامعات بانتاج  بضائع لا يحتاجها سوق العمل.

حسبَ إحصائياتِ الأمم المتحدة في سنة 2019 وحدها كان هنالك نحو 50 ألف خريج، وتم تعيين نحو ألفين فقط من هذا العدد. اما احصائيات وزارة العمل الاجتماعية لعام 2020 فتشير الى بلوغ عدد العاطلين عن العمل في العراق نحو 1.6 مليون، بفئات مختلفة، بينهم 10 آلاف من حملة الشهادات العليا.

كثير من الوظائف التي لم تكن تتطلب درجات جامعية في السابق ولكنها تتطلب ذلك الآن بسبب كثرة الخريجين وقلة الوظائف، وتعمل هذه المتطلبات على زيادة الطلب على التعليم العالي والشهادات العليا ولكن الجامعات لا تفعل شيئا لمعالجة مشكلة تزويد الخريجين بمجموعات المهارات المناسبة.

هناك ست ركائز رئيسية تقوم عليها المشاكل الحالية لقطاع التعليم العالي:

- ضعف التعليم: مؤسسات التعليم العالي في العراق لا تشجع التفكير النقدي وتستخدم بشكل أساسي التعلم عن ظهر قلب الذي يشجع السلبية. وبالتالي، لا يحصل الخريج على المهارات التي يحتاجها.

- مخرجات بحثية منخفضة النوعية: لا توجد منح بحثية من الأموال العامة ولذلك يلجأ الطالب الى الابحاث السطحية والى الانتحال وسرقة النتائج. يعد إنتاج العراق البحثي وجودته أقل بكثير من مثيلاته  في دول المنطقة كالسعودية ومصر وايران والاردن ولبنان ويعتمد على انتاج طلبة الدراسات العليا، على الرغم من وجود عدد كبير من حملة الدكتوراه والبروفسورية.

- المحاصصة في التعيين للوظائف القيادية: عملية تعيين القيادات في جميع الجامعات ومركز الوزارة تسند على ترشيحات الاحزاب، ودعمهم، وغالبا ما تكون منحازة لسبب أو آخر، بحيث يصبح تعيين شخص كفء حدثا ذا احتمالية منخفضة. اما في الكليات الاهلية فهي بيد المستثمر والجهة السياسية التي تدعمه.

 - القبول غير العادل في التعليم العالي: يعتمد القبول على معدل الدرجات في امتحان البكلوريا وهو لا يعتبر امتحانا مثاليا باية صورة من الصور لانه منحاز الى مكافئة الحفاضين والغشاشين. هناك تفاوتات محبطة في سياسة القبول بالتعليم العالي والدراسات العليا منها القنوات الكثيرة للقبول، وفي كثرة اصحاب المعدلات العالية والدرجات الكاملة.

- الشهادات المزورة: يحمل الكثير من المسؤولين، وزراء ونواب وأصحاب درجات خاصة، واساتذة جامعات وموظفين في الدولة شهادات مزورة صادرة من جامعات معروفة أو غير معروفة وأن هؤلاء يتنعمون بامتيازات الشهادة. والغريب أن أحدا من المسؤولين لم يُحاسب على تزويره وتحايله على القانون.

- انحسار مجانية التعليم: لا توجد منح دراسية معيشية لمساعدة الطلاب من خلفيات فقيرة على الوصول إلى التعليم العالي. ونسبة كبيرة من الطلبة في الجامعات الحكومية يدفعون اجور (التعليم الموازي والتعليم المسائي والنقة الخاصة). ويمثل طلبة الكليات والجامعات الاهلية التي تعاني من ضعف مزمن في جودة التعليم نسبة عالية من مجموع طلبة التعليم العالي.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

الطيب النقريهدف هذا التصور لوضع الأطر والثوابت التي تمضي على هديها مسيرة هذه الجامعة بتصعيد وتيرة العمل حتى تواكب النهوض الذي أضحى سمة هذا العصر، وجامعتنا التي اتخذت من الدين أساساً لتخوض به حروبها ضد الرجعية والتخلف، تؤمن بأن ضرورة التطوير تستدعي إعادة النظر في مناهجها التربوية، وبرامجها التعليمية، ونشاطاتها الثقافية، وأطروحاتها الفكرية، لأجل هذا نجدها تستمد مشورتها من طلابها الذين تتفاوت مشاركاتهم بين القصد والإسراف باختلاف أمزجتهم، وقد لا تأتي مشاركاتهم تلك بشيء جديد، ولكنها ترسخ الثقة في دواخلهم، وتهيئهم لقضايا التحول والتغيير والتجديد والتحديث، وتعدهم لحياة طابعها النقد والتقويم.

مما لا يند عن ذهن أو يلتوي على خاطر، أن اتجاهات التحول تلك تتوافق مع هدي الدين الخاتم ولا تتقاطع معه في شيء، ولعل الشيء المحقق أن هذه الجامعة لم تمر بتلك الأزمات العنيفة التي قد مرت بها غيرها من الجامعات، التي اعتقدت جازمة أن تجازوها لعزلتها يكمن في أن تأخذ بحظها من جامعات الغرب التي حررت العقل من أساره، وأول خطوات هذا التحرر هو التجرد من أنماط لا تقرها هذه الجامعة، ولا نستطيع أن ندعي أن تلك الجامعات العربية والإسلامية اللاهثة وراء نهج الجامعات الغربية تستهدف إضعاف تلك المجتمعات، أو تسعى لتمزيق هويتها، ولكنها في حاجة ماسة لزيادة التآلف بينها وبين منظومة الدين، فكثير من الجامعات لا تكترث بمخالفته، وقريحة هذه الجامعة ومناهجها استطاعت أن تطور من وتيرتها بانتهاج ما يتوافق مع شمولية الدين دون أن تلغي تطور نظرتها للإسلام المنفتح على الحياة.

أ-  التزكية والسلوك:

الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا أخذت على عاتقها أن تأتي المناهج التي اختارتها لا لتنصر هذا المذهب أو ذاك، أو لتحقق هذا اللون من المعرفة أو غيره من ألوان المعرفة، ولكن ليأخذ طلابها بحظهم من القيم العليا لمنظومة المحجة البيضاء، فنصوصها التي نجد بالتماثل معها نصوصاً أخرى كثيرة من الأديان الأخرى أنشأت هديها الخاص على طاعة الله وعبادته، والتعمق في الفضيلة، وأن يبلو الناس-  كل الناس-  حقائقها ومزاياها، ولعل المناهج التي لا تتغير ولا تتبدل في الجامعة الإسلامية، هي المناهج التي تتخذ من الأخلاق أنموذجاً يعتمد تزكية النفس وتطهيرها من أوضار الانحراف، وهي في ذلك لا تعتمد فقط على الأوراق الصفراء التي تحتكم عليها غيرها من الجامعات الإسلامية، ولكنها تتوسع في معين قطافها، وسياستها في قطف هذه الثمار سياسة يشوبها الاستنفار والحذر، ولعل من الأمور التي شكلت لها قوة هائلة هي تحررها من التبعية التي قد تختزلها في مرحلة تاريخية دون أن تسمح لها بتخطيها، لقد نجت إذن الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا من أشكال الانغلاق والتقوقع، وتفاعلت مع حاضرها دون أن تتنازل عن مرجعية القيم والأخلاق التي أحيت وجددت من وهجها. ولكن لنا أن نسأل عن مدى التزام طلاب الجامعة الإسلامية العالمية من الجنسين بالممارسات التي تعكس التزامهم بتزكية نفوسهم؟ وما هي الخطط والمشاريع التي يمكن حشدها حتى تستمر هذه التزكية قائمة، فمن المؤكد أن أواصر هذه التزكية قد تتضمحل معانيها ومضامينها عند بعض الطلاب لظروف قد يطول شرحها، فبعض الطلاب قد لا يتماهوا مع المنظمة السائدة في الجامعة، فماهي طرق التصدي لهذه الظاهرة؟

إن مثل هذه الظاهرة قد تستدعي استطراداً من الباحث، ولكن المقام هنا مقام اختصار لا مقام إسهاب أقول إن من ضمن الأسباب التي من أجلها أنشئت هذه الجامعة هو تقويم النفس وتزكيتها وحثها لأن تتخلق بأخلاق الإسلام، وحتى يتحقق هذا الهدف نشير إلى الآتي:

1-  توثيق الوسائل التي يتخذها طلاب الجامعة في شتى مراحلهم لتوثيق الصلة بينهم وبين منظومة القيم، ومراقبة أفعالهم وتصرفاتهم لدراسة هل هي صادرة مباشرة من الشريعة؟، أم هي نابعة من هذا الغثاء الذي تعيشه المعمورة في مختلف أرجائها.

2-  التوقف عند الشعائر الدينية ومعرفة هل هي تتمتع باحترام الطلاب؟ وهل هم يتهافتون على تأديتها؟ وذلك يتأتى بمراقبة المساجد في الجامعة وفي ثكنات الطلاب.

3-  هل يطمح الطلاب إلى إقامة مجتمع إسلامي قوامه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟، أم أن غاية آمالهم مجتمع تركض فيه الدنايا ويتسابق إليه الخنا والفجور.

4-  الصرامة الأخلاقية هدف يجب أن تتبناه الجامعة الإسلامية أمام التفريط غير المقبول في المظهر والسلوك، فلا ضرورة من أن تعلي من صوت الحلم والتغاضي عن ظواهر تعمق التواصل مع إبداعات الغرب وصيحاته التي تظهر إلى أي درك انحسرت عنده الفضيلة.

5-  الاهتمام أكثر بخصائص النفس البشرية ومعرفة تفاوتها في الأخذ بالتكليف، لوضع العلاج الناجع الذي يذهب عنها هذا الوصب ويكفل لها ولغيرها من المهج المتغربة أن تعود بكامل قواها الروحية والنفسية والعقلية لمزاولة المهام التي لا تنفصل عنها، إذا كانت هذه الأنفس حقاً تبتغي خير الدنيا ونعيم الآخرة.

ب-  الجانب القيادي والمهني:

التواصل الشخصي والفكري الذي يتم في أروقة هذه الجامعة بين الطلاب وأساتذتهم، هو المحك الحقيقي الذي تختبر به هذه المؤسسة التعليمية الرائدة جدوى هذه الجسور التي تتشكل وتتخذ عدة صور وأشكال، فهي تحفز الطالب أن يبدد كل خوف ووجل من التحدث لأستاذه داخل قاعات الدرس أو خارجها، كما تساعده لأن يجابه تلعثمه وتردده في المناقشات الهادفة التي تقام من أجل ترسيخ العلوم التي يتلقاها في ذهنه، وتلعب الندوات والأنشطة الترفيهية التي تحرص عليها الجامعة في كل فصل من فصول الدراسة إطاراً تكاملياً يعزز من هذه الجوانب التي تصقل من شخصية الطالب، ويشحذ فيه هذا الدفق المتعدد وغيره من أيادِ أساتذته، الخبرات التي ينبغي توفرها في أي شخصية قيادية تنغمر فيما بعد في قضايا مجتمعاتها لتنظم صفوفه بكل حزم وإتقان، ولعل من أهم الخبرات التي يحصدها الطالب من هذا الصرح العظيم، هي اعتداده بنفسه وثقته في مقدراته، وقدرته على مواجهة المشاكل والصعاب بيقين ثابت، وإيمان لا يتزحزح، أيضا تنوع الأصول التي يمكن أن يأخذ الطالب من معينها، وذلك مرده الأطروحات العامة التي تلقاها في جامعته، والتي تؤهله لتشخيص جل المسائل التي تعترضه في دروب الحياة وتعرجاتها. وخلاصة القول إن هذه الجامعة تنمي من معايير السلوك القيادي بين أوساط طلابها، وترشده إلى كيفية أن يكون مؤثراً وفاعلاً على مرؤوسيه، فإفساح المجال للطالب أن يعبر عن دخيلة نفسه، واحترام أساتذته لرأيه ومقترحاته، ومناقشته بحرية علاما يعرض عليه في حجرات الدراسة، تحدد كل هذه المعايير القاعدة الشعبية التي سوف يحظى بها فيما بعد، والقوى السياسية التي سوف يمثلها بعد عدة سنوات من تخرجه.

ولكن كل هذه الإيجابيات لا تمنعنا من أن نبخل بعدة مقترحات تلهب من صور التراكم الإيجابي لخريج هذه الجامعة وتمنحه صفات تكرسه للقيادة المجتمعية. هذه المقترحات بعضها تشربها من جامعته على شاكلة:

1-  الالتزام بالوقت وعدم تبديده فيما لا يفيد.

2- احترام من يكبره في السن والمنزلة.

3- الإلمام بمهام وظيفته والتفاني في تأديتها.

4- التحلي بالأخلاق النبيلة وعدم الوقوع في براثن الكبرياء والغرور.

5- تقبل النقد البناء الخالي من التجريح وهوى النفوس.

6-  التراجع عن رأيه وقراراته إذا لاح له مجافاتها للصواب.

ومن مقترحاتنا التي تحيط بها الضعف والهشاشة:

1- على الجامعة أن تسعى لتوفير المناخ المؤات الذي يعضد من اكتساب المهارات القيادية، وذلك بإزالة الجفوة الغير متعمدة بين الطلاب الوافدين وطلاب هذا البلد الكريم، وذلك بتبني طرق لم تتبناها إدارة الجامعة من قبل، فالشيء الذي لاح لي أن مشكلة التنافر تكمن في اللغة، فالطالب الملايوي رغم تمكنه من ناصية اللغة الإنجليزية، إلاّ أنه قد يرى أن الحديث بغيرها في وطنه انتقاص منها، فلماذا لا تجعل الجامعة الطالب الوافد يحرص عليها أكثر مما يحرص على شيء آخر، كما أن حياء الطالب الماليزي يجعله ينحرف إلى الانزواء عن التأخي مع ضيوفه، كل هذا يجعل من التوسع في تدريس اللغة الملايوية ضرورة لابد منها، مع اعتماد عدة طرق حتى تكون جاذبة لهذه الفئات القادمة من بلدان وبيئات شتى، فهناك من هؤلاء الطلاب من يجلس عقد من الزمان في هذه الديار دون أن يلم بأبسط أبجديات هذه اللغة،كما لا يعرف بطبيعة الحال ثقافة هذه البلد معرفة كافية، ولا يدري من هم القروم الخناذيذ من علمائها وأدبائها وساستها.

2- على الجامعة أن تحتفي بالمبرزين من طلابها وذلك بإرسالهم إلى مجتمعات تختلف عن تلك المجتمعات التي نشأوا فيها، وذلك من أجل تنمية خصال المثابرة والتفوق في بيئتهم الجديدة، وبذل أقصى ما يمتلكونه من الجهد والتحصيل حتى يرفعوا من راية الجامعة التي ابتعثتهم.

ج-  التكامل المعرفي:

مفهوم التكامل المعرفي يشير إلى: "عملية تفعيل الرؤية الإسلامية في كل مجالات العلوم سواء كانت علوماً طبيعية أو اجتماعية أو إنسانية أو شرعية، فالمعرفة التي تجمع بين هداية الوحي والخبرة البشرية في عملية تفهم الحقائق التي تبحث فيها يمكن وصفها بالمعرفة المتكاملة، وتقتضي عملية تفعيل الرؤية الإسلامية رؤية منهجية تكيف في إطارها إجراءات التعرف على الحقائق العلمية المرتبطة بالظواهر التي يسعى الإنسان لدراستها وتفسيرها".[1]

وتعتبر هذه الجامعة التي اعتلى دفتها نحارير تاقوا إلى سموها وتفردها، وسعوا إلى تحقيق هذا السمو وذاك التفرد، مثل العالم الثبت بروفيسور عبد الحميد أبو سليمان عليه رحمة الله، بفضل جهود هذا النفر من العلماء أصبحت الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا من أوائل الجامعات التي سعت لتطبيق التكامل المعرفي بين كلياتها، فقد اعتمدت هذه الجامعة العريقة سياسة " المزاوجة بين معارف الوحي والتراث والعلوم الإنسانية، أو ما عُرِف داخل الإطار الفكري والعملي للجامعة باسم التخصص المزدوج، إذ كانت السياسات التعليمية التي تبنتها كلية معارف الوحي الإسلامي والعلوم الإنسانية تقوم على أساس نظام التخصص المزدوج، فإذا كان التخصص الرئيس لأي طالب هو معارف الوحي والتراث، فإن عليه أن يختار تخصصاً فرعياً في أحد العلوم الإنسانية، أما إذا كان تخصصه الرئيس في أحد هذه العلوم، فإن تخصصه الفرعي يجب أن يكون معارف الوحي والتراث".[2]

ولقد استفاد كاتب هذه السطور المتداعية من هذه السياسية الرشيدة، واستطاع أن يحتفظ بما يستطيع أن يحتفظ به من معرفة خصبة، وشهادات ما زال لا يرى شيئاً يضاهيها في الجمال المغري، والحسن الفتّان، ولا أدري هل هذه السياسة ما زالت مطبقة في جامعتنا التي تأخذ بمجمع القلوب، أم حادت عنها لزهد الطلاب في الهيام بدراسة تخصصين في مرحلة البكالوريوس، وفضلت عوضاً عنه دراسة الماجستير ثم الدكتوراه إن أسعفته الظروف لذلك، ونحن في شيء كثير من الإلحاح ندعو لتوسعة هذا التكامل ليشمل مجالات ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً، مثل الارتباط بين العلاقات الدولية وبعض التخصصات في كلية القانون مثل القانون الدستوري والقانون التجاري، وأيضاً بينها وبين الاقتصاد، إذن من الإستحالة أن يستلقي أمامنا التكامل المعرفي بلا حراك، بل سيظل سامقاً باذخاً، ويجب أن تعلي هذه الجامعة من سموه ونضاره. ومن أبهى الطرق التي تساهم في رفعة التكامل المعرفي:

1- السعي لتقنين التكامل المعرفي في كل الجامعات الإسلامية حتى تغدو ظاهرة الحرص عليه حادة عنيفة.

2- إجراء تحديثات عليه تتضمن تدبيجه بأحدث ما آلت إليه طرق التدريس التي تحقق غايته وجوهره.

3- إصدار العديد من المجلات العلمية المحكمة والكتب التي تعلي من كعبه، وتظهر الغاية منه.

4- تأسيس العديد من المعاهد العلمية التي تحمل رسالته في هذه الجامعة وغيرها من الجامعات التي تصطحب مستويات متقاربة من السلوك والتفكير.

5- تحفيز طلاب الدراسات العليا للكتابة حول موضوع التكامل المعرفي تستدعى هذه الأطروحات الجامعية التواصل الفكري بين العلوم المختلفة وبين العلماء في عهدنا هذا وبين العلماء السابقين ورصد روح التكامل المعرفي وعوائدها عند هؤلاء العلماء.

خاتمة:

لا أستطيع أن أزعم أن هذه المقترحات التي جادت بها قريحة لا حظّ لها من الغوص في أعماق المعاني والأفكار قد نهضت بكل ما تحتاج إليه، ولكنها ظفرت بما يظفر به أي طالب في هذه الجامعة وهي الجرأة في تضمين أفكاره ثم ينتظر أساتذته ليبصروا ما دونه صرير قلمه، ويستمعوا لترهاته ساخطين عليها، أو راضين عنها، ولكن يسر الباحث أن يعلن إلى الناس جميعاً وفي كل مكان عن تفرد هذه الجامعة وعن مكانتها فهي أجل خطراً، وأبعد أثراً في نظامها التعليمي على غيرها من الجامعات التي لا تقوم إلا بوظيفة واحدة، وهي تعليم من وفد إليها، أما هذه الجامعة  فهي دون شك تفرض على جميع طلابها نظاماً ليس من السليم أن يتجاوزوه، كما تمنحهم هبات عديدة من البناء والتطور. ولنا أن نذكر في شيء من الخجل أن هذه المقترحات المفرطة في الضعة والصغار تتطلب من بين العامين للثلاثة أعوام لتطبيقها حتى تؤتى أُكلها وثمارها.

نسأل الله العلي القدير أن يلهمنا جميعاً مراشد أمورنا، ويوفقنا لما يحب ويرضى، هو ولي ذلك والقادر عليه، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

 

د. الطيب عبد الرازق النقر عبد الكريم

كوالالمبور-  ماليزيا

 

 

سامي عبد العالنتيجة الحُضور الطّاغي للحواس والغرائز في الحياة اليومية، باتت الإجسامُ هي المظهر المتبادل لشد الانتباه والتفتيش عن المُغيّب إنسانياً. والمُغيّب لا يتم دون وجود (قوة أو سلطة أعلى) تضّعه في منطقة المحظور واللامفكر فيه. فلئن كانت الحريات والحقوق الإنسانية غائبةً على سبيل المثال، فسيكون هناك إحتاك وزحام في المجتمعات المكدّسة بشرياً بحثاً عن الإنطلاق والتحرر. وبالتالي تغدو الحواس هي العلامات البارزة التي يترجم خلالها البشر القيم الأخرى التي لا تجد مكانها الفعلي من وجودنا المشترك.

ترتكس المجتمعات بإشعال نيران الحواس والغرائز عوضاً عن أشعال قدرات الروح والقيم في محيطها الفاعل. أو بالأحرى لن تجد الروح الإنساني إقامة مواتيةً لآثارها وحركتها الطليقة بين الناس. ومع وجود القمع بأنواعه السياسية والإجتماعية والفكرية، تمثل الحواس (الوليمة المباشرة) لأناسٍ محرومين من الإمكانيات الحرّة ومن ثراء النفس بملء الفكرةِ. وهذا الجانب يتم التعبير عنه في دلالة (التحرش الجنسي) كقضيةٍ سياسية، باتت هذه المرّة واردة في صخب الأحوال والأفعال العامة. ورغم بُعد الفكرة إلى حدٍ كبيرٍ بين (الجنس والسياسة)، إلاَّ أنها ممكنة الحدوث بهذا الشكل الذي يفسر طبائع المجتمعات من زاوية إدارة (الغرائز والسياسة).

يُلاحَظ أنَّ (التحرش الجنسي) ليس عملاً مكتملاً ولن يكون، وإلاَّ لما سُميّ كذلك. لكن إذا حاولنا توصيفه، فهو يأتي بصيغٍ وأساليب طفيلية parasite، وقد لا يرد على مائدة الكلام المباشر مع الآخرين. وبالتأكيد يخجل منه المتحرِّش واضعاً نفسه في إحراج عند انكشاف أمره. وتلك هي العلة وراء أنَّ الذكر يتجه إلى أقرب موضوع لممارسة التطفل الجنسي، سواء أكان أنثى أم طفلاً أم حتى ذكراً في العمل أو الشارع أو المنزل.

والغالب أنَّه يتم التحرش من قبل أشخاص يحظون بمكانةٍ ما تجاه المتحرَّش بهم، أي هو علامة سلطة تمارس اشباعاً ذاتياً في نطاقها العام. إنَّه عادة اختلاس لإشارات وحركات وأفعال وايحاءات وهمسات تجاه الأنثى أو سواها كحضور جانبيٍّ. لكن ما الذي يجعلها ذات طابع ثانوي؟! في تلك اللحظة يعتبرها الذكر مصدراً لاقتناص مغامراته الخاصة. ويحيلها إلى موضوع متفرّع عن كونه هو ذاته موضوعاً لتحرش السلطة الأعم.

لا يختار المُتحرش ضحاياه مترويّاً بشكل هادئ ومتأنٍ. فالفكرة لها معنى أبعد أنَّ التعدي على خصوصية ضحاياه تبرز استغراقه في نطاق الصور الاجتماعية وعلاقات العنف والقمع المتبادل. المهم أنْ يتخفف أثناء التحرش من أثقال قهره على نحوٍ لا واعٍ، وينهمك ضمن تلك العملية معتبراً نفسه فاعلاً في المشاهد، وأنَّه يظفر بما لا يستطع أنْ يظفر به سواه. ويقبل الدخول عبر اللعبة (الجنسية – السياسية) متجاوزاً حدود حريته بمبررات لا يمتلكها.

أمَّا أهم نتائج تلك العملية على صاحبها، فلربما ينال بعضاً من الثأر الخفي مما لا يستطع عمله والبوح به صراحة وبشكل علني. الثأر هنا جزء رئيس من أوضاع المجتمع والاقتصاص منه إجمالاً. فالمتحرش مثله مثل القاتل الذي يرتكب جريمته ويتشفى في الضحية بمعانٍ يضعها إزاء الآخرين إجمالاً.

ليُقال عنه (أي القاتل) إنَّه لا يترك حقوقه أو إنَّه قد نال من عدوه على الملأ. ثم يردد كونه قد أظهر للجميع مدى الظلم الواقع عليه ... إذن هو لا يقتل فرداً إنما يمارس خطاباً لـ" كلٍّ اجتماعيٍّ" ما. أي يخاطب كائناً معنوياً ذات طابع عام يشعر بعدم القدرة على مواجهته رأساً برأس.

تماماً مثلما يُعدُّ التحرش لذةً تطرق أبواب هذا " الكل " قائلاً: إنني اُشعر صاحبي بما تشعر به سلطتك من تلصص وتلذذ وتحكم. وما يقوم به المتحرش يشبه أساليب الحيوانات في الغابة عندما يسعى ذكرها المسيطر لفرض وجوده على القطيع عن طريق امتلاك الإناث. بينما في الحقيقة هو يسعى لامتلاك رغباتهم بواسطة السيطرة على موضوعاتها ووجودها الغرائزي أمام أفراد القطيع.

كأنَّ القضية اجتماعياً بالطريقة نفسها هكذا: موضوع أول (الذكر) يسعى إلى تأكيد السيطرة على الأنثى (موضوع ثانٍ). ولكن حين يمارس الذكر تحرشاً، فإنه لا يثبت ما قام به وما ينتويه قصداً، إنما يثبت هذا الذكر العكس (أي يثبت كونه مفعولاً به). بعبارة أوضح إنَّه يعيد افراز ما امتصه عبر كيانه المتحرِّش به (ابتداء) قبل أنْ يسقطه على الأخريات والآخرين. وطبعاً تزيد تلك الحركة طردياً بقدر زيادة حالات التحرش وضغوطها سياسياً وبالتالي جنسياً.

والمتحرش لا يدرك بذلك أنَّه يهمل وجوده في فخ التكرار مع أول حركة تدخل هذا النطاق. إذ يطلق العنان لرغبات لم يستطع اشباعها في معناها الأصلي، سواء أكان المعنى مرتبطاً بمحبوبةٍ أم زوجة أم شريك أم معشوق. كما يشعر بالقمع المتواصل من قوة أعلى لا يستطيع مجاراتها. وحتى يصح ذلك الأمر بالنسبة لدرجات هذا الاشباع الذي قد لا يكون حسياً فقط بمدلوله الأخير. وعليه فقد يُظهر ما سبقَ أن الجنس ممارسة سياسية بالمقام الأول. أنه نوع من تسيس الجسد للتعبير عن مكبوتات قارة خلف المضامين الفورية.

ومن ثم يُعاود الذكر - على هذا المستوى - اثبات ما فشل فيه، أي هو يمارس التحرش باعتباره يؤكد (ذكورة مهدرة)، أريقت وتركتها السلطة القامعة فارغةً من أي محتوى. وتمثل محاولات الذكر درجة أعم من الكف عن العمل الجزئي (التحرش العابر) إلى اعتباره آلية دفاعية من جانب تالٍ. كما أن الذكر لن يفلت من هيمنة اجتماعية وثقافية في أشكال شهوية تضعه كأولوية على مائدة الافتراس اليومي.

يبدو الوضع نوعاً من الصراع الغرائزي بين ذكور المجتمع على اخضاع موضوعاتهم الجنسية، لكنه في الحقيقة هو صراع على الغلبة لأجل الاحساس بالمكانة والسطوة والقرب من السلطة. (ولذلك في المشاكل اليومية بين الناس قد يردد أحد المتعاركين: أين الدكر منكم كي أهزمه واهدر كرامته، أو فليتقدم الدكر حتى أفعل به ما أشاء). وإذ يتناوب الأشخاص على الظهور تحت النداء، فإنهم يفصحون عن غرائز الجموع في الاستعراض والاندماج ضمن إغواء الصورة.

على هذا المنوال، يستعرض الفائزون في الانتخابات السياسية قدراتهم السلطوية. فهم فائزون، غالبون، أقوياء، أصحاب الخيلاء، ذكور بملء الكلمة، ليس فقط لتحصيل أكبر قدر من الأصوات، لكن لأنَّ ذكورية السياسة أنجحت تحرشهم بالجماهير ودفعتهم في مقدمة الصفوف. وقد تعبر كلمات الاحتفاء بالجوانب التعويضية مثل: أن الانتخابات عملية ممتعة، وأن الاحساس بالنجاح نشوة خاصة أمام الجميع، أن رؤية اخضاع المهزومين ترُوق لهم، والتلذذ بمشاهد السعادة والمرح.

هكذا يخضع الذكر(رغم فوزه) لمرتبة المفعول به في دورة تعويضية لابد من حدوثها، طالما وجدت ممارسات سلطوية فوقية (من الأعلى إلى الأدنى). إنَّ التحرش الجنسي في المجتمعات العربية بارز التعويض (وافر التعويض) نظراً لضخامة العنف والاستبداد والتراتب الأبوي في تفاصيل الحياة. لعله تفريغ لشحنات التحمل في أفعال قهر الآخر الأضعف. حيث يعطيه التاريخ تكويناً غريباً ينطبع على الوجوه والأجساد مثل الكي والوشم والنقش على الجلود.

وبالتالي ففي المجتمعات التي تحرم الاختلاط وتقمع الاختلاف والحرية وتنتشر فيها الديكتاتورية، يكون التحرش شائعاً على نحو حسي فج ولا يفرق بين صوره القريبة أو البعيدة. وهذا لا يمنع بالطبع من وجود التحرش في مجتمعات أخرى أكثر تقدماً بحسب تكوين السلطة وطاقات الأفراد على التعامل معها. ويغدو التحرش هنا جزءاً من عمل الجسد في إطار امتاع شهوي له علاقة بالحقيقة والقوة والفاعلية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية. فما بالنا إذا كان المتحرش يعيش حياة عامة قائمة على تبعات القهر والتسلط والاستغلال والاستعمال الوقح لأغراض برجماتية؟!

إنَّ المتحرِّش – أي الفاعل دون مبرر- هو الوسيط الدائم للتحرش السلطوي ضمن كافة المجالات المذكورة. والوضع فيها ليس جنسياً خالصاً بمعناه المعروف، لكنه يأخذ السمات المبدئية للفعل الجنسي. فالمجمع ينبني على صعيد حركة قوى الغرائز والعواطف والأحاسيس والأهواء تحكماً في الآخرين. ويبدو الأفراد منخرطين في جوانب الغلبة والردع والتلذذ بالهيمنة على سواهم واستعذاب آلامهم ومعاناتهم مع انتشار الجهل والفقر والمرض.

وتباعاً نتيجة العنف الحاصل على الأفراد، يزحزحه (أي يعيد انتاجه) بعضهم في أنماط من البدائل الماكرة. وسرعان ما يجد المجتمع ضماناً لوجود هذا المعنى مع انتشار السلطة. ومن جهتها لا توجد السلطة في فراغ إنما ضمن امتلاء عام هو لها تحديداً، وهذا ينتج رغبات متناسلة من ذلكم الوضع طالما يوجد أشياء مرغوبة لا ينالها الإنسان بسهولة. فالأسواق والسلع والبضائع تجسد هذا الفعل الشهوي وراء سيولة البيع والشراء في مقابل المكانة الاجتماعية التي يحظى بها (أو يفتقدها) المستهلكون. السلطة تبدو استهلاكاً شهوياً يبحث عن احتراق دائم لا حدود له. سيكون على الناس الخضوع لها واعتبار أنفسهم مادتها الفحمية.

تلك الفكرة تثير لدينا قضية أبعد: هل التعويض الذي ينطوي عليه التحرش يعنى أن المجتمع جسد؟ فإذا كان الجنس معروفاً كممارسة خاصة، فكيف يكون رغبة خارجية بأسماء أخرى؟

يبدو المجتمع كياناً انسانياً يغطي مساحة الرغبة في الآخر بأشكالها المختلفة. ففي العلاقات الإنسانية تكون الأهواء والمطالب هي الحركة الضمنية لإيقاع أي عمل. والاقتصاد قبل أن يكون انتاجاً وأدوات للإنتاج وعلاقاته، فإنه يتتبع مسارات الرغبة في المجتمع. حتى أن هناك جزءاً كبيرا من الشهوات هو التشكيل العيني ضمن اقتصاديات المجتمع في حقبة من الحقب.

إن التحرش الجنسي يثير كافة القضايا المتعلقة ببنية المجتمع من تلك الزاوية. ويسائل عملية المقايضة التي مازالت سارية في أي نظام اجتماعي، مقايضة سلطة بسلطة، وحركة بحركة، علامة بعلامة، ورغبة برغبة، وجسد بجسد. وهنا فإن التحرش ليس مجرد عمل طفيلي وحسب بين كائنين على ما أسلفت بل هو طغيان لواقع التحكم في الآخر.

وليست الاعلانات الجنسية والعبارات والألفاظ والصور والأيقونات والمواقع الإباحية واسعة الانتشار في العالم الافتراضي والحياة إلا انكشافاً لأبعاد أخرى متعلقة بالسياسة واللغة والمعرفة والمجتمع.

وكل تعويض لن يكون إلاَّ على حساب الأصل الساري والقامع لغيرة، أي على حساب السلطة السائدة التي تريد أن ترسخ ذاتها كأنها المطلق. ومن هامشيته لا يسائل التحرش الجنسي هؤلاء الأفراد القائمين عليه، بل يساءل البنية الاجتماعية ونمط الحياة الجاري. كيف يُمتهن خلاله الإنسان في شخص الأنثى أو الطفل (الموضوع)؟ ولماذا في مجتمعات القهر يجد الإنسان نفسه عرضاً لمرض القمع؟ وكيف يُلقى بالأنثى في حلبات المطاردة اليومية (بين جسدين) عوضاً عن الحرية والانفتاح والشعور بالاستقلال ؟! وهل يعبر التحرش عن حالة من الفقر النفسي واللهاث وراء الرغبة الأكبر في حياة كريمةٍ؟! وهل بتنا لا نُطلق الآخر إلاَّ كشيء (أو كحيوان) نصطاده لمتعتنا الشخصية بعدما أذلته السياسة وعرضه الاقتصاد للبيع والشراء؟!

 

د. سامي عبد العال

 

 

منى زيتونفي العصر الحديث يغلب الحديث عن التطرف الديني عند ذكر التطرف؛ فالظاهر لمن يتابع قضية التطرف وما ينشأ عنها من آثار أن النوع الغالب منها هو التطرف الديني؛ الذي ينبني على اعتقادات وأحكام فقهية في دين ما –على فهم المتطرفين- للانتقاص من الآخر المخالف، وربما بقي التطرف فكريًا، وربما تطور ليصبح إرهابًا. لكن إن دققنا لوجدنا أن كثيرًا من المشاكل بين الجماعات التي نظن أن أسبابها ترجع إلى تطرف ديني إنما تكون جذروها هي التطرف العرقي!

ومن يظن أن التطرف الديني مقيتًا فعليه أن يقارنه بالتطرف العرقي، فعلى الأقل تجد المتطرفين دينيًا بعضهم يحمل رأيًا علميًا يتعصب له، أما المتطرفون عرقيًا فقبائليون لا يعرفون سوى أنسابهم ويجهلون ما سوى ذلك، ومجرد قراءة بعض مما يكتبون كفيل بإصابة العاقل بالغثيان.

وبداية لا بد أن نميز بين مصطلح العِرق ومصطلح الإثنية. والإثنية Ethnic مصطلح يستخدم حاليًا في العلوم الاجتماعية للدلالة على شكل من أشكال الهوية الثقافية التي تربط الجماعة؛ وسبب انتماء الفرد إلى جماعة إثنية يختلف باختلاف تركيب الجماعة؛ فقد يكون الأساس المشترك الذي تقوم عليه الجماعة الإثنية وتتحدد على أساسه هويتها هو الدين الواحد أو الجهة الجغرافية أو الهوية القومية الواحدة أو اللغة الواحدة أو العِرق المشترك.

فالجماعة الإثنية مهما اختلف تركيبها لديها عوامل تشعر أفرادها بالتضامن والترابط؛ وهي تتشابه في ملامح التراث الثقافي السائد (الزي والطقوس والعادات وطرق الطهي والفنون وغيرها)، وتشترك في اللغة، وقد تشترك في التاريخ والإقليم الجغرافي الواحد أو الوطن الواحد، إضافة إلى السلف الواحد، والأخير تحديدًا هو ما يُطلق عليه مصطلح "عِرق" Race، ويُستخدم للإشارة إلى السلالة البشرية التي ينتمي إليها الأفراد، وهو مؤسس على الوراثة. وليست كل مجموعة إثنية تشترط النقاء العرقي، فمصطلح الإثنية يستند بالأساس إلى الملامح الثقافية المتشابهة وليس التشابه البيولوجي الصارم.

وقد يكون تطرف البشر ناتجًا عن أحد عوامل التشابه التي تتألف بسببها الجماعات الإثنية، ولكن يعد العِرق السبب الأكثر انتشارًا للتطرف من بينها. ونلاحظ أن الله تعالى في كتابه العزيز اعتنى بلفت النظر إلى دور العرقيات والشعوبيات في صراعات البشر، فقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13]. وقد أعجبني ما قال الطبري في معنى الشعب: "إذا قيل للرجل من العرب: من أيّ شعب أنت؟ قال: أنا من مضر، أو من ربيعة". فالشعب فرع كبير أكبر من القبيلة، ويجمع عددًا كبيرًا من القبائل، وهو أقل من الأصل. فالأصل إننا بشر من ذكر وأنثى، ثم إننا من عرق كبير، ثم من شعب، وكل شعبة انقسمت إلى قبائل، ولكن الناس لا تهتم سوى بالقبائل وتتناسى الأصل.

وكذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا عن التطرف العرقي، وأرشد الناس إلى التركيز على العمل الصالح، ومن ذلك ما أخرجه البخاري (3383)، ومسلم (2378)، فعن أبي هريرة، سُئِلَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: مَن أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قالَ: "أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ". قالوا: ليسَ عن هذا نَسْأَلُكَ، قالَ: "فأكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ، ابنُ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ، ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ". قالوا: ليسَ عن هذا نَسْأَلُكَ، قالَ: "فَعَنْ معادِنِ العَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ النَّاسُ مَعادِنُ، خِيَارُهُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ في الإسْلَامِ إذَا فَقُهُوا".

كما أخرج أبو نعيم في "حلية الأولياء" (3/100)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (5137) عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوَى إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ".

ويقول سيدنا علي بن أبي طالب:

كن ابن من شئتَ واكتسب أدبًا *** يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ

فليسَ يُغني الحسيبُ نسبته *** بلا لسانٍ له ولا أدبِ

إن الفتى من يقولُ ها أنا ذا *** ليسَ الفَتَى مَنْ يقولُ كان أبي

اللغة أساس القومية

يذهب العالم اللغوي إدوارد سابير إلى أن اللغة هي على الأرجح أعظم قوة من القوى التي تجعل من الفرد كائنًا اجتماعيًا. ويعلق د.عثمان أمين في كتابه "فلسفة اللغة العربية" أن مضمون هذا الرأي أمران: الأول أن اتصال الناس بعضهم ببعض في المجتمع البشري لا يتيسر حصوله بدون اللغة. والأمر الثاني أن وجود لغة مشتركة بين أفراد قوم أو أمة من شأنه أن يكون هو نفسه رمزًا ثابتًا فريدًا للتضامن بين الأفراد المتكلمين بها.

وأستنتج من ذلك أن الإثنية القومية وإن كانت تتأسس على الشعور بهوية قومية مشتركة لدى أفراد الجماعة، إلا أن وجود اللغة الواحدة التي تتكلمها الجماعة ويتواصلون ويتفاهمون بها هو السبب الرئيسي لاستشعار الجماعة هذه الهوية، وكلما كانت اللهجات الفرعية أكثر تشابهًا تعززت تلك الهوية المشتركة.

وربما كانت اللغة أو اللهجة المختلفة سببًا في نشوء جماعات إثنية على أساس لغوي، حتى وإن كانت تجمعهم هوية قومية واحدة! ويظهر هذا عندما تتعدد اللغات الرسمية في دولة واحدة مثلما هو الحال في كندا، أو عندما تكون هناك لهجات شديدة التباين في ألفاظها وأصواتها في المجتمع الواحد. فاللغة من أهم العوامل التي يتوحد ويتفرق على أساسها البشر.

ورغم توحد أوروبا تحت مظلة الاتحاد الأوروبي فإن الأوربيين لا يستشعرون أنهم قومية واحدة بسبب اختلاف اللغة. وكان أول ما فكر فيه اليهود عندما قرروا بناء دولتهم هو إحياء اللغة العبرية، لأنه لا قومية حقيقية دون لغة، والعِرق المشترك –الذي يدّعونه- لا يصلح أساسًا لتكوين هوية واحدة دون لغة.

وأقول إن بلاد فارس دخلت في الإسلام ولم يتوقف الفرس عن التحدث بالفارسية لذلك حافظوا على قوميتهم. وكان من الفرس أكابر العلماء، ممن كتبوا تفاسير للقرآن كالطبري والفخر الرازي، وجميع المحدثين الكبار كانوا فرسًا، فالبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه جميعهم فرس، وحتى الإمام أحمد بن حنبل أمه فارسية. وكانت مجالس العلم عندهم يدور فيها الحوار بالفارسية، ثم بعد خروج العلماء وطلبة العلم منها يتحدثون في شئون حياتهم بلغتهم؛ فلم يكن طلب العلم يومًا مبررًا لفقدان الهوية القومية.

والأتراك أيضًا جلهم مسلمون ومع ذلك يعتزون بلغتهم وقوميتهم ولم ينصهروا في بوتقة العروبة، وكذلك فعل الأمازيغ، والنوبيون، والهنود، فكلهم شعوب احتفظوا بلغاتهم، ومن ثم يمكنهم التحدث عن أنفسهم كقوميات منفصلة عن العروبة.

أما المصريون فقد صاروا عربًا ودخلوا في العرب المستعربة طواعية منذ أن تكلموا العربية في مجالسهم وبيوتهم.

التطرف العرقي بين العرب

معلوم أن التقسيم الدارج للعرب يجعلهم ثلاثة أقسام، عرب بائدة، وعرب عاربة وهم القحطانيون وقحطان أبو اليمن، وعرب مستعربة وهم العدنانيون. فالقحطانيون شعبان: سبأ وحضرموت، والعدنانيون شعبان: ربيعة ومضر ابنا نزار بن معد بن عدنان.

ولأن التطرف العرقي يوجد حتى داخل القومية الواحدة؛ فإن العرب أكثر من يتفاخرون بأنسابهم على بعضهم البعض، وفي إحدى مجموعات الأنساب على موقع الفيسبوك قرأت منشورًا لم أكن أتصور أن يوجد في الحقيقة، وهل يُعقل أن يتناظر القحطانيون مع العدنانيين، ويقولوا لهم إن كان الله قد اصطفى آل إبراهيم وإن كان رسولنا محمد منكم فالقرآن يقول: أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ أَهْلَكْنَاهُمْ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [الدخان: 37].

يقول الطبري في تفسير الآية: "أهؤلاء المشركون من قريش خير أم قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة بربها، يقول: فليس هؤلاء بخير من أولئك، فنصفح عنهم، ولا نهلكهم، وهم بالله كافرون، كما كان الذين أهلكناهم من الأمم من قبلهم كفارًا". وكما يتضح من الآية فالتساؤل لا يُستدل منه على أفضلية قوم تُبَّع، علمًا بأن تُبَّع كان رجلًا صالحًا ذم الله قومه ولم يذمه.

ويقولون إن أول العرب المستعربة هم بنو إسماعيل من زوجته الجُرهمية لأن ابن أخت القوم منهم. وقولهم في ابن الأخت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي جاء في صحيح البخاري (3528) عن أنس رضي الله عنه قال دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال: "هل فيكم أحد من غيركم؟" قالوا: لا إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ابن أخت القوم منهم". ولكن هل يصح أن ينفوا عن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام أنه عربي وأنه قد تحدث العربية؟!

لقد تواترت الأخبار عن تحدث إسماعيل عليه السلام العربية من خلال عشرته لقبائل جُرهم الذين تربى بينهم، روى البخاري (3364) عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم - في قصة إسماعيل وهاجر عليهما السلام - قال: " ... وَشَبَّ الغُلاَمُ وَتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ". وقد روى الإمام السيوطي في الجامع الصغير (2837) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل، وهو ابن أربع عشرة سنة". وروى الإمام الحاكم في المستدرك على الصحيحين (ج2، 4029/38) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "أول من نطق بالعربية ووضع الكتاب على لفظه ومنطقه، ثم جعل كتابًا واحدًا مثل بسم الله الرحمن الرحيم الموصول حتى فرق بينه ولده: إسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهما". أي أن اللسان العربي المبين بلغة قريش، والذي نزل به القرآن الكريم، كان إسماعيل بن إبراهيم أول من نطق به.

ثم إن هناك إشارات وروايات متناثرة تدعي أن العرب الباقية كلهم من ولد إسماعيل. وقد روى الإمام البخاري في صحيحه، في باب "نسبة اليمن إلى إسماعيل" (3507) عن سلمة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على قوم من أسلم يتناضلون بالسُوق فقال: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا". وذكر البخاري: وأسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة. وإنما يعني البخاري أن خزاعة كانت ممن تفرق من قبائل سبأ بعد سيل العرم، وكانت الأوس والخزرج منهم، وقد خاطبهم الرسول بأنهم من بني إسماعيل رغم أن التقسيم الشائع أن سبأ وأبنائه قحطانيون وليسوا من ولد إسماعيل!

ولا يعنينا كثيرًا إن كان القحطانيون من ولد إسماعيل أم لا، ولكن تطرف بعض السفهاء وصل حد التطاول على الأنبياء! ومعلوم إن هذا الشكل من التطرف بين العرب العاربة والمستعربة، وكذا بين ربيعة ومضر، وهو من دعاوى الجاهلية، عاد سريعًا للعرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرادت بعض قبائل العرب أن تفاخر قريشًا بعدما قضى الله أن يكون النبي منهم، وبعدما هزموا في حروب الردة وفشلت دعوات المتنبئين الكذبة. ولا ينسى التاريخ قولة قالتها قبائل ربيعة ممن سارعوا في تأييد كذاب اليمامة: "كذاب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر".

وللخليفة المأمون العباسي قول شهير رواه عنه الإمام الطبري في ترجمته في "تاريخ الرسل والملوك" (ج8، ص652) قال: "وأما ربيعة فساخطةٌ على ‏الله منذ بعث نبيه من مُضَر؛ ولم يخرج اثنان إلا خرج أحدهما شاريًا "أهـ. والشُراة هم الخوارج، ويعني أن نصفهم خوارج.‏

وكان العرب يكثرون التفاخر فيما بينهم بقوتهم وكثرة عددهم وعظم أنسابهم، فعلمهم رسول الله أن التفاضل يكون بالتقوى وبالفضل والسبق إلى الإسلام. في صحيح البخاري (3515) عن أبي بكرة نفيع بن الحارث قال رسول الله: "أَرَأَيْتُمْ إنْ كانَ جُهَيْنَةُ، ومُزَيْنَةُ، وأَسْلَمُ، وغِفارُ، خَيْرًا مِن بَنِي تَمِيمٍ، وبَنِي أسَدٍ، ومِنْ بَنِي عبدِ اللَّهِ بنِ غَطَفانَ، ومِنْ بَنِي عامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ. فقالَ رَجُلٌ: خابُوا وخَسِرُوا، فقالَ: هُمْ خَيْرٌ مِن بَنِي تَمِيمٍ، ومِنْ بَنِي أسَدٍ، ومِنْ بَنِي عبدِ اللَّهِ بنِ غَطَفانَ، ومِنْ بَنِي عامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ".

وفي رواية أخرى (3516) عن أبي بكرة نفيع بن الحارث أنَّ الأقْرَعَ بنَ حَابِسٍ قالَ للنَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّما بَايَعَكَ سُرَّاقُ الحَجِيجِ، مِن أسْلَمَ وغِفَارَ ومُزَيْنَةَ، -وأَحْسِبُهُ- وجُهَيْنَةَ -ابنُ أبِي يَعْقُوبَ شَكَّ- قالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "أرَأَيْتَ إنْ كانَ أسْلَمُ، وغِفَارُ، ومُزَيْنَةُ -وأَحْسِبُهُ- وجُهَيْنَةُ، خَيْرًا مِن بَنِي تَمِيمٍ، وبَنِي عَامِرٍ، وأَسَدٍ، وغَطَفَانَ خَابُوا وخَسِرُوا؟" قالَ: نَعَمْ، قالَ: "والذي نَفْسِي بيَدِهِ إنَّهُمْ لأَخَيْرٌ منهمْ".

التطرف بين الأعراق

إن كان التطرف لا زال موجودًا بين أبناء العِرق الواحد، خاصة بين العرب، فلم يتخلقوا بأخلاق الإسلام ويدعوه، فمن باب أولى ألا ينقطع التطرف بين الأعراق المختلفة، ومن أشهر الصراعات العرقية التي دارت في العصور القديمة الصراع بين الفرس والروم، والحرب الباردة في عصرنا بين إيران وأمريكا ما هي إلا شكل متجدد عصري لحرب الفرس والروم قديمًا.

ويحكي التاريخ أن ملوك الحيرة المناذرة كان ملكهم في العراق على حدود بلاد فارس، وكان يخدمهم كتيبتان رئيسيتان من الجند، الشهباء والدواسر. والأشاهب بنو المنذر؛ فهم بنو عم الملك وإخوانه، وسُموا بذلك لبياض وجوههم وجمالهم. وكانت أغلب الدواسر تغلبية، يرجع نسبهم إلى تغلب بن وائل من ربيعة، فهم عدنانيون، وأصلهم من نجد، وهناك دواسر من الأزد من سبأ وكانوا يسكنون مأرب في اليمن. فالدواسر ليسوا قبيلة واحدة، وإنما اكتسبوا الاسم من الكتيبة التي كانوا يقاتلون فيها. وقيل إن الدوسر هو اسم من أسماء الفَرَس، وقيل هو اسم للجمل الضخم، والدُّسُر أيضًا المَسامير الضخمة محددة الطرفين التي تُدق فتربط الألواح الخشبية ببعضها، وقيل سُمّيت دوسر اشتقاقًا من الدَّسْر، وهو الطعن الشديد، والعرب تضرب بهم المثل في البطش، تقول: أَبْطَشُ من دَوْسَر. ولكن كثيرًا من عرب نجد تحديدًا يقفون هذه المرة مع الروم، بينما كان جدودهم جنودًا لفارس ودواسرًا لهم. أما عرب العراق فأغلبهم لا زال على ولائهم لفارس، وربما كان التطرف الديني يطل برأسه هذه المرة ويبرر هذا الولاء.

كما أن الصراع في اليمن اليوم ليس دينيًا طائفيًا فقط، بل هو عرقي أيضًا؛ فإيران وريثة الإمبراطورية الساسانية لا تزال ترغب في الاحتفاظ بنفوذ في اليمن، مثلما لا زالت تحتفظ بنفوذها في العراق، بينما من رفعوا نفوذها عنهم في نجد منذ قرون لا يرحبون بذلك! وهذا ولا شك لا يبرئ المعتدين على اليمن. وكان الفرس قد اكتسبوا نفوذهم في اليمن منذ أن ساعد كسرى (خسرو) الأول معد يكرب سيف بن ذي يزن على استعادة ملك آبائه بخلع مسروق بن أبرهة الحبشي، وتولى سيف الحكم حوالي سنة 575 أو 577م، وكان مسروق قد تولى الحكم في اليمن خلفًا لأبيه أبرهة الذي قتله الله وجيشه سنة 571م والمعروف بعام الفيل.

ولا ننسى الموجة العدائية ضد مصر التي سادت في العقد الأخير في السودان، وادعاءات تدفق الحضارة مع النيل، ومن ثم فحضارتنا هي حضارتهم، ومحاولتهم سرقة تاريخ مصر بدلًا من التنقيب عن تاريخ خاص بهم؛ فيدعون أن سيدنا موسى مدفون في جبل مرة، وأن مجمع البحرين هو التقاء النيل الأزرق بالنيل الأبيض! وموقفهم المخزي في قضية سد النهضة وتمنيات السوء لمصر، والذي ارتد عليهم فتضرروا من فيضان 2020 أشد الضرر بعد أن خزنت إثيوبيا المياه خلف السد واضطرت لتفريغ كمية كبيرة منها، وكل هذا ما هو إلا تطرف عرقي، وللأسف أن يصدر عن أشقاء.

ولا ننسى دعاوى سيادة العرق الآري التي لعبت بعقل النازي وتسببت في ويلات الحرب العالمية الثانية. ويهود إسرائيل يدَّعون أيضًا أنهم شعب الله المختار؛ فهم يعتبرون أنفسهم مميزين كقومية وليس كأصحاب دين؛ فيظهر لديهم التطرف العرقي أكثر من التطرف الديني. وتظهر كثير من الدراسات التي أجريت على اليهود المهاجرين إلى إسرائيل ‏أن أغلبهم أقرب للإلحاد، ولا يؤمنون بالحساب ووجود الجنة والنار، ولكنهم مع ذلك مقتنعون ‏أنهم القومية الأكثر تميزًا بين البشر! وهذا هو السبب الحقيقي لهجرتهم إلى إسرائيل، أو الإعلان عن ‏هويتهم الدينية في أوروبا وأمريكا، فهم أعلى نفيرًا وهذا يوفر لهم ميزات، وينشأ عن اقتناعهم ذاك أيضًا نظرتهم الاستعلائية على من دونهم حتى إنهم يستبيحون الكذب على من عداهم ‏من الجوييم (الجماهير غير اليهودية)، ولا يعتبرون ذلك نقيصة.‏

‏ وسبب الإشكالية الرئيسي فيما تفعله السلطات الصينية مع أقلية الأويغور المسلمة أن الأويغور هم عرقية تركية، تتحدث لغة أقرب إلى اللغة التركية، ومن ثم فهم أقرب عرقيًا وثقافيًا لشعوب آسيا الوسطى. فتطرف الصين ضد الأويغور هو تطرف عرقي ومحاولات للإبادة العرقية، وإن كان ظاهريًا يبدو تطرفًا دينيًا.

فالحقيقة إن السلطات الصينية تسعى إلى قولبة المجتمع الصيني، وفرض هيمنة ثقافة عرقية الـ "هان" والتي تعتبر أكبر جماعة عرقية في العالم بأسره؛ إذ يشكلون 92% من سكان الصين و18% من سكان العالم، والمشكلة الأهم التي أقلقت السلطات الصينية أن الأويغور رغم كونهم قلة عددية في الصين ولا يزيد عددهم عن 11 مليون نسمة إلا إنهم يشكلون أغلبية في مقاطعة شينجيانغ التي تتمتع بالحكم الذاتي، وهذا يجعل الثقافة السائدة في هذه المقاطعة تختلف عن الثقافة العامة في البلاد.

ومن ثم فهناك رفض من الحكومة الصينية لبروز أي ثقافة غريبة داخل البلاد، وأي سلوكيات تختلف عن سلوكيات الجماعة الكبرى، لذلك تقوم السلطات الصينية بترحيل مواطنين من عرقية الهان إلى شينجيانغ، وإجبار الأويغور على الرحيل منه، إضافة إلى اعتقال 10% منهم، إذ قامت بحملات اعتقال جماعية لنحو مليون شخص منهم منذ سنة 2016م فيما يسمونه معسكرات "إعادة التأهيل" و"مراكز مكافحة التطرف" بدعوى إنهم متشددون وبحاجة للتثقيف! ويتم تعقيم النساء إجباريًا لمنعهن من الإنجاب، وكذلك فصل أبناء الأويغور عن آبائهم المعتقلين ووضعهم في مدارس داخلية بغرض محو ثقافتهم التي تراها الحكومة الصينية مختلفة عن الثقافة العامة للمجتمع والمطلوب ألا يبقى غيرها! وجميع ما يحدث من إجراءات في هذا الشأن يستحق أن يوصف بأنه عين الغباء ويستحيل تحقيقه على أرض الواقع. ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: 118].

الثراء الثقافي للشخصية المصرية

في مقدمته الشهيرة أضاف ابن خلدون قسمًا رابعًا إلى ما سبق وذكرناه من العرب؛ وهم العرب المستعجمة وهم أبناء الأعاجم الذين دخلوا في نفوذ الدولة الإسلامية. والعجم هو اصطلاح يشمل كل من ليسوا عربًا.

وإن أردنا أن نصف من منظور أنثروبولوجي علاقة المصريين بالعروبة فإن المصريين –ومنذ العصور الوسطى- ينتمون إلى القومية العربية وإن لم يكونوا من العِرق نفسه، والقوميات عادة تخلو من النقاء العرقي، والسبب في ذلك الانتماء هو اللغة العربية في المقام الأول. وإن كان يصعب ضم المصريين والعرب في مجموعة إثنية واحدة بأريحية؛ فالتراث الثقافي المصري إجمالًا –والثقافة أوسع وأشمل من اللغة- يتشابه في ملامح كثيرة مع التراث الثقافي العربي، ولكن تبقى مساحة الاختلافات واسعة.

وقد انتشرت صورة لفترة على صفحات موقع الفيسبوك تظهر فيها بعض الآثار والتماثيل الفرعونية باعتبارها آثارًا مصرية وفي المقابل منها بعض رموز الثقافة البدوية، وتدعو الصورة المصريين لرفض العروبة والانتصار لعِرقهم القبطي! وقد تداولها بعضهم وتحمسوا لها، وهؤلاء الذين تشدقوا بالمصرية رافضين العروبة بعضهم مسلمون وبعضهم مسيحيون، ومنهم من لا ينتمون عرقيًا إلى قدماء المصريين كما تبدو من صفاتهم الظاهرية التي تؤكد أن جيناتهم أقرب للساميين، ثم إنهم تناسوا أو يتناسون أن الوضع قد حُسم من قديم بتخلي أجدادهم عن اللغة القبطية حتى لم تعد تستخدم سوى في الكنائس فقط، واللغة هي أساس القومية كما أسلفنا.

أستطيع أن أتفهم أن كثيرًا من المصريين قد اختنقوا بعض الشيء في السنوات الأخيرة من بعض العرب بسبب تدخلاتهم وتعليقاتهم على اختياراتنا السياسية، وبسبب محاولات بعض الجماعات الدينية المتطرفة طمس الهوية المصرية، ولكن لا ينبغي أن يكون رد الفعل بهذا العنف، وإلى درجة تفقد المصري هويته العربية تدريجيًا.‏

في كتاب "شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان" لعالم الجغرافيا الفذ د. جمال حمدان فصل قصير هام بعنوان ‏"تعدد الأبعاد والجوانب"‏، وهو من أهم فصول الكتاب الذي اختاره د.جمال ليترجمه إلى الإنجليزية. وأعتقد أن كثيرين بحاجة إلى قراءته ليضبط تفكيرهم بخصوص حالة استقطاب الهوية التي يحاولون إيقاع ‏الشخصية المصرية فيها؛ فمن لم يفهم كيف أن مصر آسيوية وأفريقية وعربية ونيلية ومتوسطية معًا لم يفهم كيف أثرت عبقرية المكان في هذا ‏الشعب، ولا من أين أتى تميزه.

وما أراد د.جمال قوله إن الثقافة المصرية بقوتها امتصت كل التأثيرات الثقافية التي جاءتها من موقعها الجغرافي ‏العبقري كملتقى للقارات والذي لم يكن طاردًا للبشر المسالمين العابرين من مكان لآخر عبر مصر، ومن ظروفها ‏التاريخية التي نشأت من الغزوات المتكررة من أعراق وأجناس مختلفة، ثم أفرزت مصر ما امتصته لتكون ثقافة ‏عظيمة نشأت من تلاقح ثقافات كثيرة.‏

ولا شك لدي –رغم التدهور الحضاري البادي- أن الشخصية المصرية لا زالت لديها أسباب للثراء الثقافي، نستشعره من خلال التعامل مع المصري البسيط؛ فلديه مخزون كبير من الخبرات والحكمة لا يمكن تفسيره إلا بأنه مكتسب من خلال ‏البيئة لأن مثله لم يتعلم تعليمًا نظاميًا، كما أن نظامنا التعليمي ذاته أصبح ضحلًا ولا يمكن أن يُدعى أنه يدعم الثقافة ‏بأي حال من الأحوال. ‏

ولو كانت مصر منغلقة على ثقافتها القديمة ما كانت هذه العظمة في شخصية المصري التي تظهرها التحديات، ومن ‏وجهة نظري فإن ذلك يفسر سبب تراجع ثقافة الشعب المصري ككل، وأعني الثقافة الفطرية وليس فقط ثقافة الكتب. ‏ففي العقود الأخيرة انغلق المصريون على أنفسهم بشكل لم يحدث مسبقًا في تاريخهم، وحتى متابعاتهم الإعلامية ‏تكاد تقتصر على القنوات المصرية، بينما باقي العرب يتابعون قنوات من كل البلاد العربية ما زاد ثراءهم الثقافي ‏وتراجع في المقابل المخزون الثقافي المصري، لذا أرى أن دعاوى استقطاب الهوية والإصرار على مصرية ‏مصر فقط ستؤثر علينا ثقافيًا بشكل سلبي، وينبغي أن نعي هويتنا الثقافية المركبة الثرية، وأن مصر شجرة لها جذور قوية ولكن فروعها طُعِّمت من أشجار ‏أخرى ما أكسبها نكهتها.‏

خاتمة

في مقال "أن تكون من الفئة الغالبة" سبق وتحدثنا عن الرغبة في التميز، والتي توجد داخل الإنسان، فإن لم يتمكن من تحقيقها بأعماله الفردية، حققها من خلال الانتماء إلى جماعة، وكثير من الجماعات التي صارت تتكون تحت أي اتجاه؛ ديني أو سياسي أو رياضي وغيره صارت بديلًا للأعراق وللقومية، والتعصب لها ربما يفوق التعصب للأعراق، حتى إنني كثيرًا ما أقول إن الإخوان يظنون أنفسهم "جماعة الله المختارة".

ومثل ذلك يُقال عند ذكر جماعات الخوارج القديمة كالباطنية الإسماعيلية النزارية، والذين ذكرتهم في مقال مؤخرًا بعنوان "جدود وأحفاد ريا وسكينة"، واتهمني بعضهم بأنني أتطرف ضدهم عرقيًا! علمًا بأنهم لا ينتمون إلى عرق واحد؛ بل هم حثالة ما في جميع الأعراق الشرقية، حيث تجمع الحثالة من العرب والقبط والفرس والأرد والترك والزنج واندمجوا في هذه الجماعة!

إن النقاء العرقي أكذوبة، وصحيح أن ابن آدم نسبه لأبيه، ولكن ابن الأخت منهم، وجميعنا نحمل جينات عربية وقبطية وتركية وهندية وفارسية وأمازيغية وغيرها، فلا داعي للتعالي على عباد الله بآخر ما ينبغي أن نتعالى به، فأي منا لم يكتسب نسبه بكده، وفرق كبير بين أن يعرف الإنسان قدر نسبه ليتذكر أصله الطيب ويحافظ على الأثر الصالح لأجداده، وبين أن يتفاخر بنسبه ويمشي يتيه به على خلق الله.

والمشكلة أن المتطرف عرقيًا هو نتاج تربية وتنشئة تجعله يظن نفسه وجماعته العرقية أعلى قدرًا من غيره من البشر ممن لا ينتمون إلى العرق ذاته، ولا يعي أن كل متطرف عرقي ينتمي إلى أي عرق آخر يُربى على ما تربى هو عليه، ويبقى كل منهم يظن أن باقي البشر يحسدونه على انتمائه العرقي، إلى درجة أنه لا يدرك أيضًا أن بعض الأعراق تُربى على احتقار أعراق أخرى، وأن غيره من المتطرفين على شاكلته يحقره لأجل عرقه!

ومما يساعد على التطرف العرقي تجمع الأفراد الذين ينتمون إلى العرق الواحد وعدم تفرقهم في البلاد، بينما يخفف اختلاط الأعراق وعدم تجمع عرق معين في مكان واحد التطرف بينهم، فيقلل درجته ويساعد البشر على الاندماج. ولعل السفر وكثرة الترحال العلاج الأنجح للتطرف العرقي ولكل تطرف؛ كونه يفتح عين المتطرف على اختلافات البشر ويجعله أقرب لتقبلها.

 

د. منى زيتون

 

 

فارس حامد عبدالكريمنظرة الى قواعد قوانين أصول المحاكمات الجزائية الحديثة

لم يواكب قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي التطورات الفقهية والتشريعية الحديثة، هذا القانون يوصف في فقه القانون بانه (قانون حماية الحريات العامة).

لأنه يضمن لكل من يشتبه به ارتكاب جريمة ما انه سيخضع لمحاكمة عادلة علنية يتاح له فيها حق الدفاع عن نفسه، وقواعد الإستماع للشهود ومناقشتهم، لتتوصل المحكمة الى توجيه التهمة له من عدمها، واذا وجهت له التهمة فهو في حكم البرئ منها حتى صدور حكم بات فيها،  (المتهم بريء حتى تثبت ادانته) ويتفرع منها مبدأ (ان الشك يفسر لمصلحة المتهم). ومن ثم الطعن بالأحكام الصادرة بحقه امام المحاكم العليا بإختلاف تسمياتها في الدول (التمييز، النقض، العليا، ...).

وواقع الحال ان التعامل مع الجريمة والمشتبه بهم بإرتكابها لايزال من الناحية التشريعة يجري وفقاً للقواعد القديمة التي بدأت الدول المتحضرة بالتخلي عنها تدريجياً ... وملخص ذلك، مايأتي؛

*اذا نسبت جريمة الى شخص ما، فكان يسمى ب (المتهم) ثم لاحقاً استبدلت التسمية ب( المشتبه به) بينما نص قانون الإجراءات الفرنسي لسنة 2000 على تسمية جديدة هي (الشخص محل الفحص).

قاضي الحريات العامة

لاحظ فقهاء التشريع في فرنسا ان قضاة التحقيق يميلون الى توقيف المشتبه به ابتداءاً لمحاولتهم كشف ملابسات الجريمة بأسرع وقت وتحقيق سمعة جيدة لهم، ولكن هذا التصرف قد حد من حريات الكثير من المواطنين بالتوقيف ثم تبين لاحقاً انهم ابرياء تماماً، ولذلك اوجد التشريع قاض آخر يدعى قاضي الحريات العامة، فإذا اراد قاضي التحقيق توقيف شخص فعليه ان يكتب الى قاضي الحريات بذلك مع بيان الأسباب والمبررات ومن يقرر الموافقة على التوقيف من عدمه.

* إجراء التحريات اللازمة قبل الأستدعاء

اذا اتهم شخصاً ما شخصاً آخر بارتكاب جريمة فلا يتم استدعاء الأخير لمركز الشرطة او المحكمة إلا بعد إجراء التحريات اللازمة وزيارة المحققين له في منزله ومناقشته حول ذلك مثل تحديد مكان تًاجده وقت ارتكاب الجريمة.

* التخلي عن قفص الاتهام

كثير من التشريعات تخلت عن ظاهرة وضع المتهم في قفص لإخلال ذلك بكرامته وكرامة عائلته مادام القانون يعتبره بريئاً قبل الإدانة، وقد يحكم ببراءته فعلاً.

وقد طبق هذا الامر لأول مرة في العراق عند محاكمة ازلام النظام السابق.

* خيارات العقوبة

منح القاضي خيارات متنوعة للحكم بالعقوبة بدلاً عن الإيداع في السجن بالنسبة لجرائم معينة، كالقيام بخدمات إجتماعية محددة وتوسيع مديات الغرامة بدلاً عن السجن.

* بين قانونين يكمل أحدهما الآخر

فإذا كان قانون العقوبات يعنى بقواعد التجريم والعقاب وفقاً لمبدأ قانونية الجريمة والعقاب (مبدأ الشرعية).

فان قانون الأصول يضمن تحقق الغاية من التجريم والعقاب وضمان ان الحرية الفردية لن تهدر اثناء التحقيق والمحاكمة، وقد قيل بحق ان قانون العقوبات إنما وضع لمواجهة الأشرار وان قانون الأصول الجزائية وضع لحماية الشرفاء .

* قواعد أصيلة للحريات العامة

ومن القواعد الأصيلة المرتبطة برابطة وثيقة بحرية الانسان وكرامته، قاعدة ان (المتهم بريء حتى تثبت إدانته).

النتائج المترتبة على مبدأ اصل البراءة:

تترتب على مبدأ أصل البراءة عدة نتائج بالغة الأهمية، هي:

اولا: لا يرغم المتهم على إثبات براءته وبخلافه يعتبر مذنبا، لأن الأصل فيه انه بريء .

فيقع عبأ إثبات التهمة على عاتق سلطة التحقيق او الاتهام وفقاً لقواعد الإثبات في القضايا الجزائية، ولا يلتزم المتهم بتقديم اي دليل على براءته ولا يجوز اعتبار ذلك دليلا على ارتكاب الجرم، وكذلك الحال عند التزامه الصمت، الا ان له الحق في أن يناقش الادلة التي تتجمع ضده وان يفندها او ان يشكك في قيمتها . كما له ان يقدم طواعية أية أدلة تثبت براءته . او ان يعترف بالتهمة .

كما ان مهمة قاضي التحقيق او الادعاء العام او المحكمة المختصة لا تقتصر على إثبات التهمة فهي في النهاية أجهزة من أجهزة العدالة مهمتها الأصلية إثبات الحقيقة، ذلك ان فكرة العدالة لا يمكن ان تبنى على الوهم او القناعات الزائفة . ومن ثم ينبغي على هذه الأجهزة العدلية ان تتحرى عن هذه الحقيقة من خلال تدقيق وتمحيص الادلة، وعملية التحري هذه تدور حول التحقق مما اذا كانت هناك أدلة كافية يمكن ان تدحض أصل البراءة من عدمها .

وفي نطاق موانع العقاب او أسباب الإباحة كالدفاع الشرعي عن النفس او المال او عن نفس او مال الآخرين، فانه يجب على المتهم ان يتمسك بالدفع بمانع العقاب او سبب الإباحة دون ان يلتزم بإثبات صحته الا طواعية لأن الأصل في الأشياء الإباحة . كذلك الحال بالنسبة لكل دفع يدفع به المتهم لو صح لتخلفت أركان الجريمة.

ثانيا: الشك يفسر لصالح المتهم لأنه يقوي أصل البراءة فيه والأصل لا يزال الا بيقين .

فإذا شك القاضي في ان المتهم قد اتى الفعل او لم يأته بناءا على أدلة غير كافية او كان يناقض بعضها البعض، فالأصل انه لم يأته .

وإذا شك ان كان قد أتاه استعمالا لحق أم عدوان فالأصل انه استعمالا لحق تأكيداً لأصل البراءة .

وإذا كانت الوقائع المسندة للمتهم ثابتة الا انه قام شك في تكييفها هل هي سرقة ام خيانة أمانة ام حيازة مال مسروق مثلا، فالعبرة بالوصف الأخف لأنه القدر المتيقن .

ثالثا: اي ضعف في الادلة يقوي أصل براءة المتهم ولا تفترض إدانته ولا تجوز إدانته بناءا على اعتقاد قوي وإنما بناءا على الجزم واليقين .

إن الجمع بين مبدأ أصل البراءة مع مبدأ ان الحكم بالإدانة لا يكون الا بناءاُ على الجزم واليقين يترتب عليه أن يكون هناك فرق جوهري بين الحكم بالإدانة والحكم بالبراءة، فحكم الإدانة يجب أن يبنى على الاقتناع بأدلة الإثبات، بينما يكتفي بالنسبة لحكم البراءة أن يؤسس على الشك في الاقتناع بهذه الأدلة.

رابعا: لا يجوز إدانة المتهم بناءا على قول المدعي وحده. لان المدعي يدعي خلاف الأصل والمتهم محصن بأصل براءته وبالتالي فالقول قوله لموافقته هذا الأصل وفي ذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعاواهم لادعي ناس دماء رجال وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر).

خامساً: يجوز الاستناد الى دليل استخلص او تم الوصول إليه بطريق غير قانوني للحكم بالبراءة، بينما لا يجوز الاستناد إليه للحكم بالإدانة، حسب الأصل .

سادساً: تعد مخالفة دستورية جسيمة ان يضمن المشرع تشريعاته قرائن قانونية تتعارض مع اصل البراءة . كاعتبار فعل او سلوك قرينة اثبات على ارتكاب الذنب مما يرتب على المتهم التزاماً بدفع هذه القرينة ابتداءاً، لان اصل البراءة كمبدأ دستوري يجب ان يغطي كل الاجراءات وكل مراحل الدعوى الجزائية، ولا يجوز نقض هذا الأصل الا بأدلة جازمة تتكون بواسطتها عقيدة المحكمة . ومع ذلك جوز المجلس الدستوري الفرنسي تضمين النصوص العقابية قرائن على توافر الخطأ في بعض الأحوال وخاصة بالنسبة للمخالفات بشرط كفالة حق المتهم في اثبات عكس هذه القرائن وبشرط ان تكون نسبة الخطأ الى المتهم واضحة ومعقولة . ومن امثلة القرائن القانونية التي اقرها المشرع الفرنسي التي تنفي اصل البراءة قرينة (القوادة) وتفترض توفر الركن المادي لجريمة في قانون العقوبات، القرينة المفترضة بالنسبة لشخص يعيش مع من تمارس البغاء ولم يستطع تقديم ما يثبت مصدر مشروع لموارده المالية، وكذلك بالنسبة لشخص له علاقة معتادة مع مروج او مروجين للمخدرات ولم يستطع تقديم ما يثبت مصدر مشروع لموارده المالية . وبالنسبة للقرائن التي تفترض توفر الركن المعنوي ما ورد في قانون الصحافة لسنة 1981، من افتراض سوء النية بالنسبة لإعادة إنتاج مواد تتضمن قذفاً بحق الغير.

الا ان المحكمة الدستورية العليا المصرية رفضت إقرار مثل هذه القرائن واعتبرتها غير دستورية، حيث ذهبت الى القول بأنه في الجريمة غير العمدية يتولى المشرع دون غيره بيان عناصر الخطأ التي تكونها. وهي عناصر لا يجوز افتراضها او انتحالها.

وقضت هذه المحكمة بعدم دستورية ما تضمنته المواد (37، 38، 117) من قانون الكمارك رقم 66 لسنة 1963 التي نصت على قرينة تحقق التهريب على مجرد النقص في عدد الطرود المفرغة او محتوياتها عما أدرج في قائمة الشحن.

كما قضت بعدم جواز إدانة شخص على اساس الاشتهار بارتكاب جرائم معينة، كما قضت بعدم دستورية النصوص التي تتبني قرينة افتراض العلم المسبق وتوافر القصد الجنائي لدى المتهم لان في ذلك هدر لأصل البراءة وباعتبار ان ذلك مخالف للدستور الذي نص على هذا الأصل.

ومن المعلوم ان رقابة المجلس الدستوري الفرنسي هي رقابة سياسية وليست قضائية وسابقة لصدور التشريع في حين ان رقابة المحكمة الدستورية المصرية هي رقابة قضائية لاحقة لصدور التشريع، ومن الطبيعي ان يقبل السياسي ما لا يقبله القاضي.

سابعاً: تمتد الحماية القانونية لتغطي أصل البراءة حتى خارج نطاق الإجراءات القضائية. حيث يعتبر المساس بأصل البراءة عن طريق النشر والإعلام في أية وسيلة متاحة للعامة جريمة يعاقب عليها القانون وفقاً لنصوص القذف والسب حسب الأحوال. وفي نطاق القانون المدني يعتبر النشر الذي يتضمن قذفاُ او سباً خطأً تقصيرياً يستوجب التعويض.

ثامناً: حق التعويض عن التوقيف عند غلق الدعوى أو الحكم بالبراءة.

أقرت بعض التشريعات حق التعويض عن التوقيف (الحبس الاحتياطي) عند غلق الدعوى أو الحكم بالبراءة دون حاجة لإثبات حصول ضرر كما كان مقرر سابقاً، ولم يعد ذلك مجرد رخصة للقاضي فالحكم بالتعويض فيها واجب، وطبقاً لقانون الاجراءات الفرنسي لسنة 2000، والذي توسع في التعويض عن التوقيف، لا يجوز رفض طلب التعويض الا في ثلاث حالات هي، تأسيس غلق الدعوى على توافر عاهة عقلية عند المتهم، أو صدور عفو عن المتهم عقب حبسه احتياطياً، أو أن يثبت أن المتهم قد اتهم نفسه لتمكين الغير من الإفلات من الاتهام.

 

فارس حامد عبد الكريم

استاذ جامعي - النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

 

 

قاسم حسين صالحلمناسبة مئوية الدولة العراقية

كنت قضيت ربع قرن في تدريس مادة (الشخصية) فوجدت ان النظريات التي تؤكد على ثبات سلوك الفرد واتساقه عبر الزمن وعبر المواقف (يعني الشجاع يبقى شجاع طول حياته) لا تنطبق عليها، وان هذه النظريات التي ما تزال معتمدة بالمناهج الجامعية تجاهلت تأثير السياسة (السلطة، النظام) في تشكيل الشخصية. ولقد مكنتنا متابعتنا لتحولات الشخصية العراقية من تقديم اضافة معرفية عراقية لعلم نفس الشخصية نصوغها بما يشبه النظرية كالآتي:

(ان الشخصية تتغير عبر الزمن وعبر المواقف

وان للنظام السياسي الدور الرئيس في هذا التغيير).

سنقارن هنا سلوك الشخصية العراقية عبر نصف قرن من الزمن الممتد بين نظامين: الدكتاتوري (35سنة) والديمقراطي (18سنة).. آخذين بالاعتبار أن ما نشخّصه فيها لا يستوفي صيغة التعميم ولا يشمل كل المواقف، انما الغالبية من العراقيين والشائع المؤثر من المواقف.

الشخصية العراقية زمن النظام الدكتاتوري

احدث النظام الدكتاتوري تحولات اجتماعية في اربعة مواقف سلوكية باربعة انواع بارزة من الشخصية العراقية، هي:

1 - الشخصية السادية.

2- الشخصية الماسوشية.

3- الشخصية المقهورة.

4 -الشخصية المتمردة (الثورية).

بعيدا عن اصل السادية والمازوشية وعلاقتهما بالسلوك الجنسي، فان المقصود بهما هنا وجود شخصين (كيانين، جماعتين..) احدهما يمارس القوة والآخر مستسلم لها.ومن خصائص السادية أن صاحبها يعمد إلى ذمّ الآخرين وازدرائهم والتقاط عيوبهم وتحقيرهم والبحث عن أخطائهم وتضخيمها من أجل معاقبتهم بشدّة، وتسيطر عليه دوافع تدفعه قسرا إلى تدمير سعادة الآخرين وتبديد آمالهم.

والحق، ان صدام حسين ما كان أول حاكم سادي في العراق، فالسلطة فيه مارست عبر أكثر من ألف سنة مختلف الأساليب التي تجعل الناس ينظرون إلى "الخضوع" بوصفه حقا لها وواجبا عليهم، ويتقبلون آلامهم ولا يشكونها حتى لأنفسهم، ليتحقق من خلالها (معادل نفسي) طرفاه "السادية " و"المازوشية" يمنح السلطة الشعور بالاطمئنان على ديمومتها.

ولقد بدأ تدجين العراقيين على السلوك المازوشي في سبعينيات القرن الماضي، آخذا شكل الترغيب والترهيب للانتماء إلى حزب البعث، ثم الإجبار على الالتحاق بالجيش الشعبي بمن فيهم اساتذة الجامعات، وعسكرة الناس الذي يعد من أعلى الممارسات في (معادل) السادي – المازوشي بين السلطة ورعاياها، والمبالغة في أساليب إذلال الناس وتحقيرهم، أقساها.. أخذ ثمن الطلقات من أهل المعدوم الذي تم بها قتله، وعدم السماح بإقامة مجالس العزاء للذين تعدمهم السلطة، والإعدام في الساحات العامة للهاربين من الجيش.. فضلا عن انه خلق حالة من الخوف والرعب الجمعي والرقابة الأمنية المؤسسية والحزبية، ليوصل الفرد العراقي إلى أقصى حالات اليأس المتمثلة بتوليد يقين لديه بأن تقرير مصيره بيد السلطة وحدها التي لم تستطع أن تطيح بها ثلاثة حروب كبيرة وحصار شامل لثلاثة عشر عاما. حتى "البطاقة التموينية" كان لها دور سيكولوجي في إشاعة المزاج المازوشي بتوليد وتقوية الشعور لدى المواطن بأن الدولة هي التي تطعمه وهي خيمته التي يستظل بها، وأن عليه أن يخضع لها حتى لو كانت ظالمة.

والمفارقة انه نجم عن المبالغة في ممارسة السادية من قبل السلطة، مبالغة في ممارسة المازوشية بين الناس، وكبت ملأ الحوصلة، وحقد يغلي من الداخل ينتظر لحظة الانفجار ليشفي غليله في انتقام بشع.. وقد حصل!.. من قبل الشخصية المتمردة (الثورية) التي اوجدها ذلك النظام بين أفراد الأسر المنكوبة بضحاياها بشكل خاص.فلقد شهدت بأم عيني كيف وضعوا اطارات السيارت حول رقاب بعثيين وأحرقوهم وهم احياء.واذا كان هذا على صعيد جماهير دفعها الشعور باخذ الثأر بهذه الطريقة البشعة، فأن النخبة السياسية والمثقفة من هذه الشخصية اصدرت قانونا اسمه (الاجتثاث).. الذي يعني القلع من الجذور، والمشحون بانتقام جسدي ونفسي واقتصادي واجتماعي بشع.

ولقد انتج النظام الدكتاتوري اشد انواع الشخصية سلبية هي (الشخصية المقهورة).وفي كتابه الممتع لعالم النفس اللبناني مصطفى حجازي يصف الانسان المقهور بانه المسحوق امام القوة التي يفرضها الحاكم المستبد فلا يجد من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض.. ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام والمبالغة في تعظيم السيد اتقاء لشرّه او طمعا في رضاه.ويضيف حجازي ان ما ينجم عن هذه العلاقة هو تغذية نرجسية السيد لمزيد من تضخيم اناه وجعل الانسان المقهور تابعا له واداة في خدمته.. اذ لا اعتراف الا بأنا السيد، لا حياة الا له، لا حق الا حقه.. وينتهي الامر بالانسان المقهور الى الاستكانة والاستسلام والتبخيس اوالحط من قيمته كانسان يعاني كل انواع الحرمان.. لكنه ما ان يجد السيد قد ضعفت سطوته او فقد هيبته او اطيح به، فان ما كان مكبوتا بداخله ينفجركالبركان.. فيدفعه انفعاله الى الانتقام من كل ما يحسبه انه للسلطان.

وكان ان نجم عن ذلك انتهاك الملكيتين العامة والشخصية.فبعد هزيمة جيش النظام بغزو الكويت (1991)، وسقوط السلطة في اغلب المحافظات العراقية، وجهّت ضربة جديدة للمنظومة القيمية في المجتمع استهدفت الملكية العامة المتمثلة بمؤسسات الدولة، تبعها حصار نجم عنه انتهاك قيمة احترام الملكية الشخصية، اذ شاع في تسعينيات القرن الماضي حالات السرقة بشكل عام، وسرقة السيارات المصحوبة بالقتل. وكنت اجريت وقتها دراستين، التقيت في الأولى بعدد من مرتكبي جرائم السرقة بسجن ابو غريب، وتحاورت معهم في جلسة (ديوان) عن الاسباب التي تدعوهم للسرقة، فاجابوا انها العوز والفقر وعدم وجود مصدرعيش لهم ولعوائلهم.وحين سألتهم: ماذا لو اطلق سراحكم الآن؟ أجاب خمسة منهم انهم سيسرقون اول سيارة يرونها في الشارع!. اما الدراسة الثانية فقد اجريت على عصابة من ستة اشخاص قامت اواسط التسعينيات بسرقة سيارات (سوبر ياباني تحديدا) وقتل اصحابها.وكان زعيمها في الثامنة والعشرين قتل ستة اشخاص واخذ سياراتهم. وحين سالته: لو انهم البسوك البدلة الحمراء واقتادوك فجرا الى الاعدام فعلى ماذا ستندم؟، اجابني: اندم لأنني لم اقتل اكثر!.. ما يعني ان استسهال (قدسية الحياة) كانت أبشع تحول اجتماعي حصل للعراقيين.

وباستثناء الشخصية العراقية السليمة التي ظلت متماسكة في منظومتها القيمية، فان معظم الشخصيات التي استلمت السلطة (سلّمت لها من المحتل- المحرر) هي من الشخصيات التي تعاني الشعور بالقهر والظلم والحيف والجور، وجدت الفرصة لتنطلق منها الشرور.. ضد المستبد واجهزته القمعية واتباعه اولا.. ثم ضد الأخوة الذين حولّهم صراعهم على السلطة والثروة الى اعداء. وكان ان حدثت تحولات كبيرة في الشخصية العراقية بالزمن الديمقراطي تثبت صحة نظريتنا ان سلوك الشخصية ليس ثابتا ومستقرا عبر الزمن والمواقف، وان نوع النظام السياسي له الدور الرئيس في هذا التغيير.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

صادق السامرائيالإنتحار فعل عدواني موجَّه ضد النفس أو الذات البشرية، وهو سلوك محير ومعقد وفيه الكثير من الدوافع المركبة والشديدة التشابك، والتي تتفاعل فيما بينها لتسوّغ للفرد الإجهاز على نفسه وقتلها.

ووسائل الإنتحار متنوعة، وأكثرها شيوعا إطلاق النار على النفس، أو شنقها أو أخذ جرعات كبيرة من الأدوية، وغيرها من الوسائل الأخرى، التي يبدعها الشخص الذي يقرر قتل نفسه والإنقضاض القاسي على حياته.

وفي أغلب الأحيان يكون لمرض الكآبة وتعاطي المخدرات دور كبير في دفع البشر إلى الإنتحار.

لأن الشخص عندما يكون مكتئبا يرى من الحياة  الوجه الأسود القاتم، ولا يمكنه أن يفسر الأحداث والمتغيرات من حوله إلا بسوداوية ويأس، ويستحضر كل الذكريات الأليمة، التي تتراكم في دنياه لتصنع عالما خانقا وشديد الظلام، لدرجة أنه يتحول إلى جثة مدفونة في قبر الذات الأسود.

ويساهم الخمر في تفاقم الكآبة وتسويغ الأفكار الإنتحارية وتنفيذها، لفقدان القدرة على التقدير الصحيح في حالة السكر والثمالة.

ومع تداعيات اليأس وخيبات الأمل، وتراكم المعطيات القاهرة والتعجيزية، وتزايد الضربات الإحباطية والمأساوية، يتحول البشر إلى حالة داخلية مشلولة لكنها متحركة ظاهريا.

وتأخذ مفردات إتخاذ القرار بقتل النفس بالتكاثف والتعاظم، حتى يجد الشخص المنهوك نفسيا وفكريا، والمفرّغ روحيا والخمر يعبث في دماغه ويصادر حكمته، أن لا سبيل أمامه لحل التفاعلات الأليمة المتفاقمة  إلا بقتل النفس.

أي أنه يمضي في تمحيص الخيارات لفترة ما من الزمن حتى يركن إلى قرار الموت، ويعتبره هو الحل الأمثل لما يعانيه ويغرق فيه من غيوم الظلام والألم والحزن، الذي خيم على كل خلية في جسمه وأغلق نوافذ الأضواء، وحوَّله إلى وجود يائس في غرفة بلا أمل أو معنى.

وغالبا ما يميل الشخص الذي يهم بالإنتحار إلى العزلة، والإبتعاد عن منبهات الحياة، والخلو إلى إرادة الموت وإستلطافها والتفاعل معها على أنها هي الحياة.

ويحقق الإنتحار هربا سريعا من الآلام العاطفية والنفسية والروحية القاسية، التي لا يطيقها الجسم البشري ويقرر صاحبه أن ينجو من جحيم الآهات المتأججة في أعماقه، بالسقوط في عالم الموت المجهول الذي يتصوره كحالة أخرى أرحم من الحياة القاسية، التي يئن من أثقالها ومواجعها.

إن هذا الإنحدار إلى نقطة الفناء القاتمة يدفع نحو الخلاص من المحنة النفسية المروّعة، بقرار أشد رعبا وهو قتل النفس والتخلص منها وتدمير وجودها.

وهناك العديد من الذين حاولوا الإنتحار وتم إنقاذهم، والذين عبروا عن أسفهم الشديد لقرارهم، وأن بعضهم قد إجتاحه الندم وهو في حالة التنفيذ كالقفز من الأعالي.

وقرار الإنتحار يكون خاطئا لأنه لا يتفق وبديهيات الحياة، فلا يمكن أن يكون للمشكلة أيا كانت حلا واحدا فقط، لكن المنتحرين يجدون أنفسهم في زاوية ضيقة وخانقة تحرمهم من القدرة على النظر لخيارات أخرى، ويتنامى أمام أنظارهم قرار الإنتحار على أنه القرار الذي لا يوجد غيره في تلك اللحظة  الكئيبة السوداء، التي سقطوا فيها فيقدِمون على إذكاء دخان المأساة.

وعندما تتوافد المشاعر والأفكار والتصورات اليائسة إلى شخص يمارس الإبداع، وينشغل في الخلق الفني ويرى الأحداث من حوله بروحه المتطلعة إلى الأمل الكبير، وإحساسه المرهف المشحون بالتفاعلات الإنسانية الحارة، يكون عنده هضم الأمواج السوداوية عسيرا والتفاعل معها قاسيا ومؤلما وغريبا وربما فجائعيا، لأن تمثل الأحداث المتفوقة على خيال المبدع يؤدي إلى مآسي وأوجاع بدنية وروحية مبرحة، وإندفاع بإتجاه الهرب من المواجهة والتفاعل مع الوضع القاسي والأليم لحد الموت بأساليب لا تخطر على بال الآخرين.

فعندما تتحول القيم إلى مأساة، والدين إلى مصيبة، والوطن إلى سجن للعذاب والموت والتمزق، وعندما يغيب الأمن والأمان، وتفقد الحياة أبسط معاييرها الأخلاقية وأبجديات صيرورتها المعاصرة.

هذه التداعيات المخيّبة للآمال في زمن التوقد الحضاري والتطور الإنساني السريع، تدفع بالمبدعين إلى زاوية الحيرة، وتقذف بهم في لجج الصدمة وتطلق فيهم أحاسيس الغضب والحنق على الذات، وتشعل في كيانهم مواقد تأنيب الضمير، فمنهم مَن يلجأ إلى مملكة إبداعه ويأخذ بتسطير ما يجيش في نفسه وخياله، وبعضهم يهرب من كل شيئ ويعاقر الخمر والكآبة ويغرق فيهما إلى حد الموت.

وقد لاحظنا عددا من المبدعين في أعلى درجات اليأس والحزن والوجع الروحي والنفسي، والصراخ الوطني المدوي على السطور، وفي قسمات الوجوه ونظرات العيون.

مبدعون يُقتلعون من جذورهم ومنابع وجودهم ومواضع تألقهم، كالأزهار التي نبذت في العراء تبحث عن ماء يقيها من الذبول والموت الحتمي.

مبدعون يتشردون في أصقاع الدنيا ويتعذبون في ديارهم، الخوف يطاردهم والفرق الإجرامية وغيرها  تلاحقهم، وتريد أن تقضي عليهم بإسم الظلام والأوهام.

مبدعون في حالة إختناق رهيب، تصادر جميع حقوقهم الإنسانية، وترتكب بحقهم الجرائم   بإسم المثل والقيم العظيمة السمحاء السامية العلياء، وبإسم الحرية والديمقراطية والأصولية العمياء.

مبدعون يقرؤون في الصحف ما لا يمت إلى الحياة بصلة، ويتعجبون من الدفق الظلامي الذي تسيد على السطور، وأخذ يغذي الزمن المعاصر بأدب الأجداث وخطابات القبور.

مبدعون يريدون الخروج من الحاضر إلى المستقبل ويطيرون بأجنحة تصوراتهم وخيالاتهم إلى حيث التجدد والتطور والخلق والتواصل مع الأجيال، وإذا بهم أسرى كهوف ماضوية وعقد ظلامية، وتصورات أشد سوادا من الليل الداجي، وأكبر ثقلا من الأرض، وأعظم توحشا من  الوحوش الأرضية.

مبدعون بلا قدرة على التفاعل والأخذ بزمام الحياة والمشاركة في رسم خارطة التألق الحضاري

فاكتأبوا، لأن إبداعهم تحول إلى هشيم وأعمارهم إلى رماد، وما فعلوه في سبيل المستقبل المشرق المعاصر، قد صار تحت سنابك طوابير الظلم والظلام والجر المأساوي إلى الوراء.

مبدعون يسقطون في سجن الصمت واللاجدوى، ويتراكم عليهم اليأس والإحباط وتأكلهم الخيبة ويجهز عليهم القنوط، فما عادت الرؤية واضحة ولا أصبح عندهم بصيص أمل، فقرروا الإنتحار والثورة بوجه الواقع المرير وفي عرفهم أن الموت إبداع، فراحوا يعانقونه ويحسبونه الإبداع الأصيل والأخير، فاختاروه وجابهوه بطاقاتهم الخلاقة، وهم يصرخون نحن القادمون إليك ولن ندعك تقدم إلينا، فيسكرون بمآسيهم وأحزانهم وينتحرون!!

تلك قصة مأساوية وإبداع  مرير توّج ما يدور في بعض المجتمعات، التي تحوّلت إلى عالم من الويلات ومواطن للجحيم الذي ما بعده جحيم.

المبدعون الذين يتحسسون ويتألمون ما عادوا بقادرين على النظر إلى الحالة الدامية  المتفاقمة المترعة بالأوجاع الفائقة والآلام الصارخة، وقد خارت أقلامهم وتهدمت آمالهم وتفسخت أحلامهم في هذا الانحباس الظلامي، الذي خيَّم على أركان الحياة وحولها إلى ميدان عزاء ومسيرات ندب ودموع وبكاء أبدي.

المبدعون أخذوا يتحسسون دبيب الموت يسري في أجسامهم مبتدءً بالقدمين، ومن ثم الساقين وحتى القلب الذي سيختلج ويهمد ويقضي بالموت الجسدي الأكيد.

أيها المبدعون عليكم أن لا تيأسوا بل أن تواجهوا بإبداعكم الغيوم السوداء، وحتما سيبددها النور الإبداعي وضوء الحياة، التي لا يمكنها أن تأنس لخفافيش الدمار وعفاريت البلاء ، فالحياة مع الإبداع والمستقبل مع الإبداع.

وإرادة الإبداع أقوى القدرات اللازمة لصناعة الحياة الزاهية المترعة بالآمال، والملونة بالمحبة والأخوة والنقاء الإنساني الحر، الذي يحترم آراء الناس ومعتقداتهم وتوجهاتهم الفكرية والروحية.

الحياة تتسع للملايين ولا يمكنها أن تخضع للظلام مهما طال، وتوهم بالقوة وتعبَّد في محراب الكراسي والقصور.

وقاكم الله من رياح اليأس وسيول الخيبات وثبَّت خطاكم، وأعانكم على القهر والتشرد والعوز والآلام والتعب، وأنتم تحملون أوطانكم في قلوبكم وأرواحكم وعقولكم.

فاستعينوا بالأمل والرجاء ولا تستكينوا لليأس أبدا، فلا حياة مع اليأس.

لا تستسلموا للكآبة ولا تسمحوا لعجلات الإحباط الثقيلة أن تدوسكم وتسحق آمالكم وتطلعاتكم، ولا تجالسوا وحدتكم وعزلتكم وتعاقروا الخمور، ولا تعزفوا على أوتار وِطانكم وحنينكم.

فلا بد من الخروج من رحم النقطة وجوف اللحظة إلى الفضاءات الحضارية والتأريخية المطلقة.

وأنتم تعرفون أن الوطن لا يموت، كالنهر الذي تتغير أمواجه، ومياهه تبقى متدفقة متجددة تسقي الحياة بمداد العطاء الكبير.

وعذرا أيها المبدعون الطيبون الأنقياء أينما كنتم.

مع المحبة والتقدير والأمنيات الرائعة بالعطاء الخلاق الذي يصنع الحاضر والمستقبل.

 

د. صادق السامرائي

 

محمد كريم الساعديإنَّ فهم الحياة على وفق التصورات المختلفة التي لا تخرج عن دائرة الفن ساهمت في أعطى الإنسانية أمكانية اكتشاف مساحات أخرى من المعرفة، سواء أكانت المساحات متفق عليها في التوجهات، أو مختلف عليها في رسم الملامح المستقبلية للفرد. كون الفن ساعد في تدوين التاريخ منذ البداية في الحضارات الأولى، وكذلك ساعد الإنسان في تجميل حياته منذ قدم العصور الأولى والى الآن، فالرسم على جدران الكهوف وتدوين شكل الحياة بزخارفها وما يبتغيه الإنسان في البدايات الأولى، أصبحت البداية مهمة في تشكيل الوعي لدى الإنسان من أجل إنتاج معرفة أولى تلتها مكملات أخرى أضافة لهذا الوعي منافذ أخرى أنتج من خلالها الإنسان صور للتفكير بما هو آت من مستقبل حاول فيه توظيف كل ما أضافه الفن.  فالفن نتاج فنان أسهم في أيجاد المعرفة في بعدها التاريخي، فإذا كان التدوين لدى الإنسان بمختلف مسمياته وتصوراته صنع التاريخ بوصفه مفهوم جامع للأحداث والوقائع،فإن الفن صنع للإنسان أدوات مهمة في إنتاج التاريخ أسهمت في تدوينه أيضاً . فالفن دخل في كل تفاصيل تشكيل الحياة الأولى وما تبعها من حيوات متقدمة في مجال الفكر الإنساني . فالملاحم فن، والطقوس فن والحياة المعيشية كانت قائمة على الابتكار الأول للأواني، والفخاريات فن أيضاَ، والانتصارات الأولى رسمت بالفن على جدران الحضارات التي زينت بالفن أيضاً.

إنَّ الفن في مضمونه يركز على الغرض الذي يقول فيه " أن الإنسان يستجيب لشكل الأشياء القائمة أمام حواسه وسطحها وكتلتها، كما ينتج تناسق معين متعلق بسطح وشكل وكتلة الأشياء، وينتج في صوره أحساس بالمتعة، بينما يؤدي الافتقار الى مثل هذا التناسق الى خلق شعور بعدم الارتياح،أو اللامبالاة، أو حتى عدم الرضا،أو النفور. إنَّ الإحساس بالتناسق الممتع هو الإحساس بالجمال والإحساس المضاد هو الإحساس بالقبح" (1)، ومن هذه الثنائية بين الجمال والقبح دوّن الإنسان حركة التطور لديه من خلال البحث عما هو جميل وممتع،وإبعاد ما هو قبيح وممل. إنَّ بحث الإنسان عن التناسق والإحساس به هو من دفعه الى أن يرى الأهرامات بشكلها الشاهق متناسقة، وبوابات بابل بألوانها المتأنقة التي تبعث المتعة والإحساس بالجمال كونها جاءت على وفق تناسق لوني مع الأشكال الفنية المرسومة، وهذه الحركة في الرسم والنحت والفخار، وحتى في إنتاج الطقوس العبادية المصاحبة للموسيقى كلها تدوين للجمال من أجل أن تسهم في إمتاع الروح والنفس لدى الإنسان صاحب الحضارات الأولى الذي أبدع التجربة والابتكار الأول في الفهم والوعي لأهمية الفن في حياة الإنسان، الذي أبدع تدوين التاريخ في حياته، وأصبح من الشواهد الداعمة في حياته المستقبلية . فملحمة كلكامش وبحثها عن الخلود، أو ملحمة الفراعنة في بناء الأهرامات وبحثهم عن الخلود بطريقة أخرى لحياة ما بعد الموت، أي خلود موتاهم من الملوك والقادة من أجل تخليد منجزاتهم، وتعد الأهرامات خير دليل عن هذا الخلود في الحضارة المصرية، من خلال بث الحياة في نتاجاتهم التي أصبحت فيما بعد خير دليل على إبقاء ذكرهم مستمر الى الآن . إنَّ البحثين عن الخلود وتدوينه في الحضارتين العراقية القديمة والمصرية القديمة هو فن وتدوينه يعد تاريخاً مصوراً لكلاهما. إنَّ من خلال الفن من الممكن أن نفهم التاريخ الذي دوّن بطرق تحمل معها ملامح خفية قام بها الأنسان بابتكارها من أجل تسطير صور حياتنا على مر المراحل وخصوصاً الأولى التي تخلو من وسائل التدوين وتقنياتها المتقدمة كما هو الآن .

إنَّ جدلية الفن والتاريخ جدلية قائمة على تبادلية الأدوار وإنتاج الوعي الإنساني الذي يعد العامل المشترك في لعب هذه الأدوار، فالفن أنتج من خلال الفنان، والتاريخ حفظ التجارب الفنية وغيرها من خلال المؤرخ، أي أصبحت مواضيع الفن في هذا الإطار موضوعات تاريخية، وموضوع للتاريخ نفسه، لذا فإن الفن " موضوع تاريخي، وليس شيئاً حاضراً لا زمانياً يتمثل للوعي الجمالي الخالص،ذلك أن العالم الفني ليس عالماً غريباً ننتقل من خلاله سحرياً الى فترة معينة من الزمان، بل العكس في الفن نفهم أنفسنا ونتعرف اليها من خلاله . إنَّ الفن معرفة والخبرة بعمل فني تعني المشاركة فيه (...) إنَّ الفن يمثل نموذجاً خصباً للحقيقة تنتمي الى عالم الأنسان المعيش وسياقه التاريخي الذي يحيا فيه "(2).وفي هذا المجال يصبح الفن أحد أهم أسباب تواصلية الإنسان مع التاريخ والحاضر والمستقبل، كونه من أهم مدونات الإنسان التاريخية الحية التي تسهم في نقل الخبرات المختلفة في إطار جمالي فني يحمل المتعة والسرور على الرغم من طبيعة موضوعاته المختلفة التي قد لا تخلو من بشاعة الانتصارات على حساب المهزوم، لكن عملية التدوين في إطارها الفني تعطي للعمل المقدم قيمته الجمالية والفنية في إطارها التاريخي.

إنَّ من صنع التجربة الأولى من أجل الاستفادة منها في حاضره ومستقبله فنان مبتكر ليس بوصفه فرد عادياً، بل مبدع أبدع تجارب بشكل متعاقب حتى شكل منها حقلاً معرفياً قابلاً للتدوين والتوظيف أيضاً في قابل حقب التجارب البشرية اللاحقة جمعاء. ولكن تأتينا أسئلة لابد من أن نجد لها أجوبة تفيد المتصفح للتاريخ والفنان معاً،أي (الفنان والتجربة المدوّنة)، ومنها: هل أن الفنان في بداياته الأولى هو من وضع الأساس لتشكيل التجارب الفنية التي ساهمت في صناعة تاريخ البشرية في وقتها السابق وفي قادم الحقب الزمنية متقصداً؟، أم أن التاريخ الذي دوّن فيما مضى دون قصد أصبح هو من يتحكم بتشكيل هذه الحقب الزمنية المتأخرة؟، أم أن حرية الفنان في أختيار التجارب فيما بعد هي من ساهمت في مجالات تطوره على مستوى الحياة المعاشة في حينها بجوانبها السلبية،أو الإيجابية؟. هذه الأسئلة التي تقع في ثلاثة خيارات متفرقة، من الممكن أن يستغلها الفنان في وقته المعاش دون تحديد الإطار الزمني الثلاثي (الماضي /الحاضر/ المستقبل).

إنَّ علاقة الفنان بالتاريخ علاقة إشكالية من الممكن أن نتسائل في مثل هكذا إشكالية جمالية فنية وتاريخية إنسانية: هل الجمال في العمل الفني في صورته الفنية يمكن النظر اليه دون الرجوع الى ما حمله من معاني أخرى في غائيته التاريخية المتقصدة في هذا العمل؟، مثلاً ما يحدث في هامشية الصورة من أعمال تعطي للقوة والسلطة المتفوقة في العمل الفني ملامح التفوق في العمل الفني، ومنها على سبيل المثال: ما دونه الرسام الفلورنسي (باولو أوتشللو 1397- 1457) في لوحته عن معركة سان رومانو التي يوضح فيها الصراع على السلطة وتفوق المنتصر، وفي خلفيتها يظهر ملامح من هو خارج الصراع ويسحق من أجل الوصول الى السلطة والتفوق . وعلى وفق هذه التصورات، هل يكون الفن شاهداً محايداً في النقل عن الأنسان ومدوّن جيد للتاريخ، على اعتباره أداة ناقلة للمشاهد المصورة في أطار فني قصدي، أو على العكس من ذلك يصبح الفنان مجرد باحث على لوحة يسطر فيها خيالاته التي يرى فيها مجرد محاكي لواقع يحدث أمامه دون أن يأخذ في تصوراته ما قد ينقل فيها من أشياء تدين ما يحدث دون أن يكون واعياً لذلك، والمهم لديه التفاصيل الجمالية التي عمل عليها وساهمت في نقل ما في  المشهد في أطار الجماليات الباحث عنها الرسام في اللوحة . وهل يمتلك الفنان حرية النأي عن المشاركة ويصبح محايداً وشاهداً وناقلاً للحقيقة من خلال أظهار المعاني الأخرى المخفية في إطار الصورة؟، مثلاً (عدو مهزوم تحت أقدام المنتصر، أو سبية تسحب من قبل الجنود، أو مدن تحترق) كما في لوحات عدد من الفنانين ومنهم لوحة الرسام (دييجو فيلاسكيز) عن (استسلام بريدا) والمدن المحترقة في خلفية اللوحة، أو كما في لوحة الموت للفنان (بيتر بروغل) الذي يصور فيها الموت للمنهزم، حتى وأن كان الذي قتل ليس له يد فيما حدث . وقد تكون بعض اللوحات التي ذكرناها وغيرها ليست لها علاقة بشكل مباشر بحادثة تاريخية معينة،أو منقولة عن قصة حقيقية حدثت في التاريخ، لكن أظهار طبيعة الحدث من حيث تصوير المهمشين في اللوحة وتمجيد السلطة ذات القدرات والنفوذ دون أدانة لها يعد من المسببات الواضحات على انحياز الفنان الى المنتصر صاحب القوة على حساب الضعيف في لوحته. هذه النظرة للعلاقة بين المدوّن للجميل والتاريخ الذي يرتبط بالعمل الفني، يجب أن ترسم العلاقة في أطار الأدوار لكل منهما، بعيداً عن كون أن التاريخ جزء من حياة شعب يفتخر بانتصاره، أو أن العمل الفني يدوّن الافتخار، يجب أعادة النظر في نماذج الفن التي وظفت في صناعة التاريخ وقراءتها على وفق الحيادية من أجل صياغة أخرى لتاريخها على وفق معطيات جديدة لهذا التاريخ الإنساني. وتعد هذه العلاقة هي إشكالية بحد ذاتها، كون أن الحقب الزمنية المتلاحقة لتواريخ متقدمة كتبت وأصبحت جزء من عقائد الشعوب ومسلماتها في ترسيخ وتدوين تواريخها . وهنا نتسائل: هل التاريخ يدوّن على وفق البقاء للأقوى؟، والقوة هي مصدر كتابته كما هي عند (نيتشه)؟، أم أصبح التاريخ وسيلة بيد من يبرره للوصول الى غاية معينة كما هو عند (مكيافيللي)؟. هل أن أعادة الفهم التاريخي من خلال التجربة المدوّنة التي صاغها الفنان في ما يريد أن يدوّنه، تساعد في فهم التاريخ من خلال قراءة الفنون في ضوء المعطيات الجديدة من العلاقة بين الفنان والتاريخ؟. وهل نستطيع أن نطرح رؤية في قراءة هذه الصور في ضوء ما نعيشه اليوم من متغيرات قد تفيد في تفسير ما قد لا نستطيع أن نراه بشكل مباشر على انه وقائع حقيقة لها الأثر الفاعل في حياتنا؟.

 

أ. د محمد كريم الساعدي

......................

المصادر

1- هربرت ريد: معنى الفن، ترجمة: سامي خشبة، القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998،ص 10.

2- هشام معافة: التأويلية والفن عند هانس جورج غادامير، الجزائر: منشورات الأختلاف، 2010، ص37،ص38.

 

 

الحسين بوخرطةوأنا أحرص كل الحرص على تتبع كل ما يكتب في موضوع الهوية العربية عامة، والمغربية خاصة، والانتاجات الفكرية الرصينة في مجال تحديث التراث، أثارتني كل مرة بعض ردود أصحاب الفتاوى غير الرسمية، التي تحدث ضجيجا يصم الآذان، ويطمس التفكير في العقول، ويعكر صفوة النفوس ويوترها. إنه الضجيج الذي هيئت ظروف نفاذه في النفوس مبكرا بسبب تشبث الفقهاء بالمواقع في هرم السلط الحاكمة. فكلما تمت المطالبة بالمناصفة في كل القضايا التي تهم العلاقات الخاصة والعامة بين الجنسين، كنموذج من مطالب العصر الحداثي، تواجه الإجتهادات والتأويلات الداعية إلى مراجعة القراءات التقليدية للأحكام الشرعية المقيدة لعقل الإنسان المسلم وحريته الحقوقية والإبداعية، بخطابات عنيفة، ترتدي في أغلب الأحيان حلة التكفير بحماس التكبير.

فبعد أكثر من ثلاث عقود من الحراك بالمغرب الأقصى، ارتقت في نظري هذه القضية، قضية حرية المرأة، إلى إشكالية مصيرية، ومعقدة في نفس الوقت. لقد توالت الأحداث منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، بجرعات كافية من الجرأة الفكرية، وأضفت على القضية طابع الاستعجال في الحسم فيها في المجتمع ومؤسساته. لقد فتح النقاش في مسألة إدماج المرأة في المجتمع، وتوج بمدونة أسرة جديدة، ارتقت، بعد تدخل أمير المؤمنين، إلى منتوج فقهي وفكري رصين وحكيم، اختتمت به معركة جدال عقلاني، حسم بمنطق تقدمي نسبيا في العديد من القضايا الشائكة، وفتح آفاقا أخرى للنضال في قضايا جديدة.

أما على المستوى الإسلامي عامة، فليس مستساغا، والشعوب تعيش سنوات العشرية الثالثة من القرن الواحد والعشرين، أن لا تتجند العزائم وتتكاثف قوتها من داخل الضمير الجمعي في كل قطر من الأقطار الإسلامية بالقدر الكافي لتفنيد الادعاءات والمزايدات الإنتهازية. لقد حان الوقت لتكسير القيود المصطنعة، وبالتالي تقوية مناعة هذا الضمير، والرفع من قدرته على مواجهة الطموحات الريعية. ارتفعت الأصوات مطالبة السلطات الشرعية في المجتمعات والدول الإسلامية للاستعداد بالجدية المطلوبة للتدخل الصارم للحد من الخطابات الكاذبة التي يسعى من ورائها روادها ومعتنقوها الاستمرار أطول مدة ممكنة في عملية الاستغلال الفئوي لعقل المواطن المسلم البسيط، ومن تم تيسير عمليات ابتزاز الأنظمة الحاكمة. لقد ألف هؤلاء المغتنمون العطاء والريع كشرط للمهادنة وإيقاف تحريضاتهم وتهديداتهم مؤقتا.

والحالة هاته، ارتقت الحاجة للاجتهاد لغربلة التراث من المكبلات الواهية إلى أحد الركائز الأساسية في حياة المجتمعات والأمم الإسلامية. لقد أبرزت الأوضاع الحاجة إلى إدماج وإشراك الرأي العام في مناقشة أهم القضايا التي تحكمت في طبيعة الاعتقاد المناوئ لمتطلبات العصر. لم يعد مجديا إهدار الزمن التنويري والتماهي مع التراكمات الهدامة لممارسة الابتزاز السياسي الريعي. إن المسؤولية في المجتمعات والدول الإسلامية تقتضي اتخاذ الإجراءات المدروسة والمبررة عقلانيا للحيلولة دون إبعاد عقل الإنسان المسلم عن التفكير العقلاني وتركيز انشغاله على تطوير ممارساته اليومية وعلاقاته الداخلية والخارجية. فما يعترض الأفراد والجماعات من منتوجات معرفية واقتصادية وتكنولوجية، وبكميات هائلة، يضعهم أمام إجبارية التأمل بعمق في المستلزمات الجديدة، التي يمكن أن تضمن لهم بطبيعتها المتطورة التواجد في واجهات المتغيرات الحضارية السريعة للشعوب والأمم المتقدمة.

وقبل الدخول في صلب الموضوع، أود أن أذكر القارئ والمتتبع أن المجتمع المغربي، بخصوصيته الثقافية، قد نجح نسبيا في معركته الدائمة من أجل تحقيق التقدم، ولو ببطء، في مجالي الديمقراطية السياسية والحداثة الثقافية. يمكن القول أنه نجح إلى حد ما في إثارة القضايا التي تخدم المجتمع، وفي مواجهة «الأفواه» أو «الذقون» الانتهازية باحترافية وصبر وحكمة. الكل يتذكر أيام الصراع العمودي بعد الاستقلال، الذي كان التفاعل خلاله صعبا، لكنه كان في نفس الآن مجديا ونافعا، وترتبت عن تراكمات وقعه مكتسبات متقدمة عن سابقاتها. تحققت تراكمات ملموسة، بالرغم من كون البلاد عرفت صراعا سياسيا عنيفا في سياق إقليمي شديد التحولات.

استمر النقاش القوي للقضايا الفكرية الأساسية لعقود. إنها قضايا توجد في صلب مشروع مجتمعي تتبناه الدولة والأحزاب الوطنية بشكل مختلف، مشروع بواجهات سياسية وجمعوية وشبابية وفكرية وهوياتية، وقضاياه ذات أبعاد تاريخية تستحضر الماضي بعقلانية لخدمة المستقبل. تمت فعلا إثارة هذه الإشكاليات المعقدة في إطار نظرة علمية متطورة، تعتمد المناهج العصرية المعروفة والمراجع الفكرية المغربية ذات الترابط القوي مع المدارس الفلسفية الكونية. اشتدت المعارك في الإعلام والمقرات والشارع العام، ولم يكن أحد يستسلم لردود الفعل الفئوية المتسرعة المناوئة لمسار التطور المجتمعي، بل كانت تواجه بقوة نضالية ومروءة عالية، ليتم تعبيد الطريق أمام تراكم مزايا التفنيد والتهميش للدفوعات والمزايدات الهدامة.

وبالعودة إلى موضوع المرأة في المغرب، كقضية شائكة، لا يمكن لأحد أن ينكر حدة اشتداد الصراع في شأنها في المشهد السياسي. لقد انتصر الصراع لفكرة كون المرأة كانت دائما وستبقى الشريك الوحيد للرجل في صناعة أحداث التاريخ البشري. إنها، بحكم التاريخ والفكر، نصف المجتمع، وأن الحياة العمومية والخاصة لا ولن تستوي إلا بمشاركتها المكثفة. الكل يلاحظ اليوم كيف تمكنت من «غزو» عدد كبير من المجالات بقدرة وكفاءة عاليتين، مجالات كانت محرومة من «الولوج» إليها بسبب ذرائع واهية وقيود مصطنعة. كما مكنت تطورات علاقتها المجتمعية مع الرجل من تقوية وجودها في كل مجالات الاختصاص في حياة المجتمع المغربي، حيث نجدها إلى جانب الرجل في الأسرة، والجندية، والشرطة، والدرك، والإدارة، والمدرسة، والثانوية، والجامعة، والرياضة، والسياسة، والمطبخ (الشهرة في مجال الطبخ مثلا أصبح يقتسمها الرجال والنساء بعدما كان مجالا من اختصاص النساء)،…إلخ.

إن مبدأ المساواة قد فرضته التطورات الواقعية، وبذلك تكون دينامية الواقع قد وصلت إلى مستويات ليست بالبعيدة عن الاستنتاجات الفكرية الغربية والمبادئ والكليات في الإسلام. فعندما دعا الوطنيون طوال مسارهم النضالي إلى فتح النقاش في مسألة المناصفة في الإرث ومسألة تعدد الزوجات والمساواة، كانوا بذلك يطمحون جعل كل تلك القضايا في صلب وروح السياسات العمومية، يتناولها الفاعلون في إطار نظرة فكرية وسياسية شمولية، مع مراعاة روح النصوص الدينية المقدسة. كانوا يعتبرون أن ذلك يشكل السبيل الوحيد والسريع للرفع من وثيرة التقدم في تحقيق العقلانية في الرؤية والتطبيق بالنسبة للفرد والجماعة.

وعليه، ولتعميق النقاش في هذا الموضوع، سأركز فيما تبقى من المقال على ثلاث مسائل تخص وضعية المرأة في الإسلام، منها أولا مسألة «الشهادة»، وثانيا مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج، وثالثا مسألة الطلاق وتعدد الزوجات.

مراجعنا في ذلك عديدة ومتنوعة. فإضافة إلى روح النصوص الدينية وكتابات المفكرين العرب الأفذاذ وعلى رأسهم الأستاذ ماجد الغرباوي، سأركز على كتابات المرحوم محمد عابد الجابري. كما نرى هنا أنه من الواجب تذكير القارئ ببعض المبادئ الأساسية التي ركز عليها هذا الرجل في أطروحاته وتحليلاته وبياناته المختلفة والمتعددة في مجال التراث وتحديثه. بالنسبة له، القاعدة الأولى تتجلى في اعتبار الشريعة الإسلامية كليات وجزئيات، مبادئ وتطبيقات، والأصل في الحكم الصادر في الجزئي أن يكون تطبيقا للمبدأ الكلي. فإذا كان هناك اختلاف، فلسبب وحكمة. والأسباب التي تبرر الحكم الجزئي وتبين معقوليته هي، إما "أسباب النزول"، وهي عموما الظروف الخاصة التي اقتضت ذلك الحكم، وإما مقاصد عامة تستوحي الخير العام.

وعليه، من أجل فهم معقولية الأحكام الشرعية في الإسلام، يقول الجابري، لا بد من استحضار ثلاثة مفاتيح أساسية: كليات الشريعة، الأحكام الجزئية، المقاصد وأسباب النزول. أما القاعدة الثانية، فتتجلى في كون "عالمية" حقوق الإنسان هي حقيقة مقررة في الفكر الإسلامي مثل ما هي مقررة في أي فكر إنساني آخر، والبحث عنها يجب أن يكون في الكليات والمبادئ العامة. أما الجزئيات فأحكامها قابلة دوما للاجتهاد لأنها مجرد تطبيقات، والتطبيق يختلف من زمن إلى آخر، ومن ظهور وجه للمصلحة إلى ظهور وجه آخر. فكما سبق القول، الحديث عن حقوق الإنسان في الإسلام لا يمكن أن يتم إلا باستحضار ثلاثة مفاتيح ضرورية: ما تقرره كليات الشريعة الإسلامية، ما تنصص عليه أحكامها الجزئية، وما تضفيه المقاصد وأسباب النزول على هذه الأحكام من معقولية. كما أن الحديث عن حقوق المرأة في الإسلام لا يمكن أن يكون موضوعيا إلا إذا تم استحضار المفاتيح الثلاثة السالفة الذكر.

قرآنيا، الحكم العام المطلق والمبدئي في قضية العلاقة ما بين الرجل والمرأة هو المساواة. وفي هذا الشأن، اعتبر النبي (صلى الله عليه وسلم) النساء شقائق الرجال، بل أكثر من ذلك أوصى الأجيال المتعاقبة على تقدير المرأة لأهمية أدوارها في الحياة البشرية حيث قال :"الجنة تحت أقدام الأمهات". أما بخصوص الحقوق والواجبات، فقد جاء في كتابات الجابري أن الله عز وجل ساوى بينهما، وتم تكليف المرأة في القرآن بما كلف به الرجل، مستشهدا بقوله تعالى:

* "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (سورة الحجرات الآية 13 ).

* "ثم استجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، بعضكم من بعض» (سورة آل عمران الآية 195).

*  "ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا» (سورة النساء الآية 123).

* "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض» (سورة التوبة الآية 72).

فاعتبارا لما ورد في الآيات السالفة الذكر من كليات واضحة، تبقى الأحكام الجزئية ذات طابع تطوري تتغير حسب المستجدات وتطور العقليات والثقافات والحاجيات الجديدة في الزمان والمكان. ولذلك، فالبحث في معقوليتها، يقول الجابري، يجب أن يكون مرتبطا بالمقاصد وأسباب النزول. ومن ضمن القضايا الجزئية، التي تناولها الجابري بالتحليل العقلاني، والتي وردت في القرآن الكريم وصدرت بشأنها أحكاما جزئية الهدف منها تحسين وضعية المرأة في مجتمع الجزيرة العربية مقارنة مع وضعها في الجاهلية، نجد مسألة «الشهادة»، مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج، ومسألة الطلاق وتعدد الزوجات.

1- مسألة حقوق المرأة في الإرث والزواج:

نص القرآن الكريم على أن للبنت نصف نصيب الولد من الإرث: "يوصيكم الله في أولادكم، للذكر مثل حظ الأنثيين» سورة النساء الآية 11. كما هو الشأن بالنسبة للشهادة، والتي سنتطرق إليها في النقطة الثانية، فمسألة «الإرث» بدورها، بالنسبة للجابري، تحكم فيها الوضع السائد في الجزيرة العربية. المجتمع الجاهلي كان رعويا ومرتبطا بالأرض، حيث كانت كل قبيلة تفتخر بمراعيها وقطيعها من الأنعام والماشية المختلفة، وتحاول بكل ما لديها من قوة وجهد من أجل الحفاظ عليها وتوسيعها. ونتيجة لهذا الحرص، وصل الحد إلى اعتبار الزواج أكثر من علاقة ارتباط بين رجل وامرأة، بل كان علاقة بين القبائل عبر المصاهرة. لذلك كان التركيز شديدا على اختيار الزوجة أو الزوج لكي تتجنب القبائل المنازعات والحروب والفتن بسبب «الإرث» وما يحدثه من اختلال في التوازنات الاقتصادية بين القبائل. أكثر من ذلك، كان التعصب للقبيلة وحماية ممتلكاتها في بعض الأحيان سببا مباشرا في حرمان البنت بالمرة من حقها في الإرث، وازدادت الأمور تعقيدا مع استفحال ظاهرة تعدد الزوجات ما قبل الإسلام.

بنفس المنطق، مع مجيء الإسلام، لم يكن في المستطاع فرض قاعدة المساواة في الإرث، وفرضها في مجتمع تلك الفترة لأن ذلك كان مصنفا في خانة الأضرار التي لا يمكن أن يتحملها الصالح العام. إنه الاعتبار الذي جعل عز وجل يفضل إصدار حكم قرآني جزئي في تلك المرحلة، تنعم من خلاله المرأة بوضع متقدم يمكنها من الرفع من قيمتها مقارنة مع الماضي. فالقرآن في هذه القضية أخذ بعين الاعتبار الوضع القائم وقرر نوعا من الحل الوسط (حكما جزئيا) الذي يناسب عقليات المجتمع القبلي وحاجيات مرحلة تقوية ركائز الوحدة بين المسلمين آنذاك. وهكذا تم إقرار مضاعفة نصيب الذكر من الإرث مقارنة مع نصيب الأنثى، مع تحميل نفقة المرأة على الرجل في الزواج (كمقابل).

احتكاما لمنطق المصلحة، مصلحة المجتمع والدين الظرفية، فرض القرآن حلا وسطيا. بنفس المنطق الشرعي، تعامل الخلفاء الراشدون مع حكم «السارق» (تعطيل حكم قطع اليد)، حيث اعتبروا أنه بزوال مقاصد الحكم الجزئي (التعرف مجتمعيا على السارق من خلال يده المقطوعة كما كان معمولا به في الجاهلية)، يعطل التنفيذ. فبتشييد السجون كمؤسسات رسمية لإعادة التأهيل والتربية، لم يعد ما يبرر الاستمرار في تطبيق الحكم، بل تم استبداله بالعقوبة السجنية التي تفتح للسارق باب التوبة، وفي نفس الوقت تحمي المجتمع من أن يكون السارق مقطوع اليد عالة عليه (الوظيفة العصرية للسجون في عصرنا هي إعادة تأهيل السجين وإدماجه في المجتمع).

بنفس المنظور، نعتقد أنه كان من المرجح لو تطورت الأحداث المتعلقة بالمرأة في زمن النبوة كما حدث بالنسبة لقضية «الخمر»، أي لو تطور وضع المرأة والأحداث النضالية من أجل الرفع من قيمتها، لنزلت أحكام جزئية أخرى أكثر تقدما في شأنها. فما أظهرته المرأة اليوم من قدرات ومؤهلات في المجتمع، وما برهنت عليه من تفوق في العديد من المجالات الحيوية، يفرض ضرورة مراجعة الأحكام الشرعية الجزئية بالاجتهاد بالشكل الذي يضمن الرجوع إلى المبادئ والكليات (الأصل).

2- مسألة الشهادة:

نظرا لهشاشة وضع المرأة الاجتماعي والتعليمي والاقتصادي قبل الإسلام وفي عهد النبوة، فقد تم افتراض تعرضها للخطأ أّو النسيان (قبل الإسلام كان المجتمع ذكوريا وكانت المرأة مضطهدة مورست عليها كل أشكال الضغط والاستبداد والاستعباد حيث ساد في الجاهلية ما يسمى بظاهرة «وأد البنات»). فأمام هذه الهشاشة الواقعية التي كانت مترسخة في ثقافة الجاهلية، كان من الصعب إسلاميا فرض المساواة بينها وبين الرجل في الشهادة نظرا لما تتطلبه من حرص وتركيز وضبط وشجاعة في إعادة تشخيص الأحداث. وعليه، فاشتراط رجلين على الأقل أو رجل وامرأتين كان قرارا متقدما جدا ومنصفا لوضع المرأة في تلك الفترة (الآية : "واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى» سورة البقرة الآية 281).

واليوم، مع تطور وضع المرأة في كل المجتمعات الكونية وزوال الموانع والاعتبارات بمقاصدها القديمة (الاضطهاد، والتعسف، والجهل، والضغط، النسيان،…)، بات من الضروري أن يفتح المجال للاجتهاد لإنصاف قيمتها الحقيقية الحالية بالرجوع إلى الأصل (الكليات والمبادئ)، أي المساواة.

3- الطلاق وتعدد الزوجات:

استنادا على النصوص القرآنية دائما، يتضح جليا أن ما تمت وتتم إثارته في موضوع الطلاق وتعدد الزوجات للطعن في مبدأ المساواة ما بين الجنسين في الإسلام هو أمر مردود عليه، بل لا يمكن اعتباره إلا مزايدة سياسية لا مبرر لها. الإسلام لا يوجب الطلاق (إن أبغض الحلال عند الله الطلاق)، ولا تعدد الزوجات. فهذه الظاهرة، بعدما استفحلت وشاعت في الجاهلية، جاء الإسلام وعقلنها ووضع لها شروطا من الصعب تحقيقها حيث اشترط «العدل» بين الزوجات (الآية : «فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة» سورة النساء الآية 3، والآية: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم" سورة النساء الآية128 . وتأملا في هاتين الآيتين يتضح جليا أن كلام الله في قضية التعدد يميل إلى المنع لأن الشرط المرتبط بها يصعب الوفاء به، بل هو من باب المستحيلات. إن تبادل سلط التأثير، أي الجاذبية، بين الناس يختلف من حالة إلى أخرى. فإذا كان الأمر واضحا في مسألة الصداقة بين الرجال (قوة الصداقة مرتبطة بقوة تبادل السلط، ولكل شخص في الواقع صداقات تعد بالأصابع)، فإن الأمر أشد وضوحا في العلاقات العاطفية والحميمية ما بين الرجال والنساء.

 خاتمة

عندما نتكلم عن ضرورة الاحتكام إلى الاجتهاد في الأحكام الجزئية وربطه بالصالح العام ومصلحة الأفراد والجماعات والأوطان، نعني بذلك أن التطورات التي تعرفها المجتمعات والحضارات، وما تحدثه من تغييرات في الأوضاع والأسباب والمقاصد ومن زوال للموانع، تفرض على المسلمين الرجوع بالأحكام الشرعية الجزئية المقترنة بظروف زمنية ومكانية محددة، عندما يتغير وجه المصلحة فيها، إلى كليات الشريعة ومبادئها العامة. وهنا يقول الجابري: الكليات في الشريعة كالمحكمات في العقيدة، ودعا إلى اعتبار قيام التعارض بين الحكم الصادر في جزئيته وبين المصلحة المستجدة بمثابة نوع من المتشابه الذي يستوجب الرجوع إلى المحكم والمبادئ والكليات.

من الواضح إذن أن وضع المرأة اليوم، غربيا وعربيا ومغاربيا، يفرض الرجوع إلى الكليات والمبادئ. لقد عبرت على قدرات هائلة في كل الميادين حيث أصبحت اليوم في احتكاك وتنافس دائمين مع الرجل. ففي العديد من الواجهات، نجد بعض النساء أكثر ذكاء ومردودية من الرجال: في الدراسة، والتعليم، والتربية، والعمل، والبحث العلمي، والاقتصاد، والسياسة،…إلخ. فالجنس في عصرنا هذا لا يمكن الاستمرار في اعتماده كأساس للتمييز بين الرجل والمرأة، بل ما تعبر عليه العلاقة بينهما من تكافؤ واضح في القدرات الذهنية وفي المردودية في العمل والابتكار والإبداع، يفرض إعطاء انطلاقة حقيقية للاستثمار في تحرير الإرادات والطاقات وفرض المساواة. وعندما نتحدث على "تحرير الإرادات" نعني بذلك القطع النهائي مع القرارات والقيود التقليدية المكبلة كالتي أمرت بحرق كتب الغزالي لا لشيء سوى لأنه أفتى بمشروعية العزف على الآلات الموسيقية.

وفي الأخير نقول، أن ذكاء الله وعلمه لا يمكن وصفهما دنيويا، وأن وظيفة الإنسان على الأرض هي الاجتهاد بحرية من أجل الاقتراب من الحقيقة المطلقة التي لا يعلمها إلا الرحمان الرحيم. فجزاؤه، حصيلة عدد الحسنات (النقطة النهائية)، سيكون مرتبطا بلا شك بمجهوداته الصادقة للاجتهاد في كل أمور الدين والدنيا والالتزام بتطبيقها بحرية كاملة، فمن اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد. وبذلك يكون، خارج النقاش وتبادل الأفكار والخبرات، لا وصاية للإنسان على الإنسان.

 

الحسين بوخرطة