ليلى الدسوقيالحقوق السياسية هى الحقوق التى يقرها القانون ويعترف بها للشخص على اساس الانتماء الوطنى (شرط الجنسية)

و يلاحظ ان الحقوق السياسية تجمع بين فكرتى الحق والواجب معا لان الحقوق السياسية بقدر ما تكون حقوقا للافراد فانها تكون واجبا عليهم

و هذه الحقوق السياسية تتضمن مساهمة الافراد فى تكوين الارادة الجماعية سواء بانتخاب ممثليهم فى المجالس والهيئات النيابية المختلفة او بترشيح انفسهم لها

اما بالنسبة لمدى تمتع المرأة بالحقوق السياسية هناك ثلاث آراء:

الرأى الاول ذهب الى القول بأن الاسلام لا يعترف بالحقوق السياسية للمرأة ولا تتساوى المرأة بالرجل فى هذا المجال

الرأى الثانى ذهب الى ان الاسلام يقر ويعترف بالحقوق السياسية للمرأة بإستثناء رئاسة الدولة

الرأى الثالث ذهب الى ان هذه المشكلة ليست مشكلة دينية او فقهيه او قانونية انما هى مشكلة اجتماعية سياسية

أما الرأى الاول الذى لا يعترف بالحقوق السياسية للمرأة ايدته بقوة إحدى الفتاوى الصادرة من لجنة الفتوى بالازهر الشريف

فتوى إبى حامد الغزالى تقول " ان الامامة لا تنعقد لامرأة وان اتصفت بجميع صفات الكمال وخصال الاستقلال وكيف تترشح امرأة لمنصب الامامة وليس لها منصب القضاء ولا منصب الشهادات فى اكثر الحكومات والامامة تشترط الاختلاط مع الرجال وهذا امر ممنوع للمراة فى الاسلام ولان المراة ناقصة فى امر نفسها حتى لا تملك النكاح فى تجعل لها الولاية على غيرها (الولاية العامة اى تنفيذ الاحكام او سن القوانين وليست الولاية الخاصة اى الوصية على الصغار او على الاموال)

و هذه قصة سقيفة بنى ساعدة فى اختيار الخليفة الاول بعد الرسول ﷺ قد بلغ فيها الخلاف اشده ثم استقر الامر لابى بكر وبويع بعد ذلك البيعة العامة فى المسجد ولم تشترك امرأة مع الرجال فى مداولة الرأى فى السقيفة او فى البيعة العامة ومن الاسانيد وحجج هذا الرأى:

- من القرآن الكريم:

" لرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ " النساء 34

" وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ" البقرة 228

" وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ " الاحزاب 33

- من السنة النبوية:

" لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة "

اى منع كل امرأة فى اى عصر من العصور ان تتولى اى شىء من الولايات العامة

" النساء ناقصات عقل ودين "

اذا كان امراؤكم شراركم واغنياؤكم بخلاءكم وامركم الى نسائكم فباطن الارض خير لكم من ظاهرها "

الراى الثانى: احقية المرأة فى التمتع بالحقوق السياسية

لها الحق فى مباشرة الحقوق السياسية اسوة بالرجل ولها حق تولى كل الوظائف السياسية ماعدا رئاسة الدولة

و استند هذا الراى الى الحجج الاتية:

-  أولا: من القرآن الكريم:

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‎﴿٧١﴾" التوبة

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" الحجرات 13

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً " النساء 1

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ‎﴿٧٠﴾‏ سورة الاسراء

يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ‎﴿٣٢﴾‏ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ‎﴿٣٣﴾‏  سورة النمل 32،33

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ " الممتحنة 12

بايع النبى وفد من الانصار رجالا ونساء فى بيعة العقبة الثانية

و اجاز الرسول ص للمرأة ان تمثل المسلمين وتتحدث نيابة عنهم وتعطى الامان الملزم بأسمهم فقد قبل الرسول ﷺ أمان ام هانىء لاحد الكفار يوم فتح مكة وقال لها " لقد اجرنا من اجارت ام هانىء "

-  ثانيا من السنة النبوية:

" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله "

" اذا استأذنت احدكم امرأته الى المسجد فلا يمنعها "

و من اشهر ما يروى ان الخليفة العادل بن الخطاب وقف بالمسجد يخطب الناس ويطالبهم بعدم المغالاة فى صداق النساء ووضع حدا اقصى لها فعارضته امرأة وقالت: يا أمير المؤمنين نهيت عن الزيادة فى صداق النساء ووضع حد اقصى له فقال نعم اما سمعت قول الله سبحانه وتعالى:

وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ‎﴿٢٠﴾‏ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ‎﴿٢١﴾‏ النساء

فاعترف الفاروق عمر بخطئه وقال اللهم غفرانك أ كل الناس افقه من عمر حتى النساء وعاد للناس وقال " كنت قد نهيتكم عن زيادة صداق النساء على اربعمائة درهم فمن شاء ان يزيد فليفعل "

فهذا ان دل على شىء انما يدل على ان المرأة اجاز لها الاسلام المشاركة فى شئون الامة وان يكون لها رأى مسموع حتى أمام أعلى قيادة فى الدولة

الرأى الثالث من الخطأ محاولة حل هذه المشكلة على اساس دينى او فقهى

وعلى هدى الفكرة القائلة بان الاخذ بمبدأ يمنح المرأة حق الانتخاب او غيره من الحقوق السياسية هو دليل على الاخذ بنسبة التقدم والرقى واننا بناء على ذلك يجب ان ناخذ هذا المبدا لكى نثبت للبلاد الاجنبية اننا امة بلغت شأناً بعيداً فى ميدان التقدم والرقى ولهذا فهى مشكلة اجتماعية سياسية ويجب ان نلتمس حلها فى ضوء ظروف البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية

و اخيرا ... بعد استعراض الآراء الثلاثة سالفة الذكر فإننا نؤيد الرأى الثانى الذى يرى حق المرأة فى مباشرة الحقوق السياسية والله أعلى وأعلم.

 

ليلى الدسوقي

 

 

 

نايف عبوشيتذمر الكثير من مستخدمي الفيسبوك، من تواضع مضامين بعض المنشورات، وركة لغتها. ولأن الفيسبوك فضاء تواصل افتراضي مفتوح للجميع بلا قيود، ويسمح للجميع بولوجه، دون ضوابط علمية، فهو وسط ثقافي تواصلي جديد، وليس كالمجلات العلمية الرصينة التي عهدناها، والتي اعتادت أن لاتنشر المقالات، الا بعد عرضها للتقييم، توخيا للرصانة العلمية والمهنية.

ولذلك فقد سادت كتابات متواضعة في الفضاء الرقمي للفيسبوك، وشاعت في فضائه مصطلحات مفرطة في عاميتها،وبالتالي فلم يعد من المجدي على ما يبدو، أن يرهق المستخدم نفسه، بالتدقيق في رصانة، ومتون النصوص، والمقالات، في الفيسبوك.

ومع ذلك، فإن ألحرص على الرصانة العلمية واللغوية، التي لم نعد نجدها ربما إلا في اروقة الدراسات العليا في الجامعات، والمراكز العلمية، يظل أمرا مطلوبا، حتى مع تفشي هذه الظاهرة السلبية في عوالم الفيسبوك، وبين العوام من الناس وكتاب الوقت الحاضر، باعتبارها جزءا من ثقافة واقع حال عصر، قد يصعب تصحيحها ، خاصة وان لغة الدردشة العربيزية،باتت تسود في هذا الوسط، بشكل لافت للنظر ، تدعمها الأدواتية الفنية، وسهولة الاستخدام، والرموز والأيقونات المستخدمة في هذا الفضاء، وهو ما قد يضعنا أمام كارثة لغوية في قادم الأيام، بشيوع استخدام الأيقونات، والرموز في التعبير، بدلاً من استخدام التعبير بالألفاظ، وما يعنيه ذلك ساعتئذ، من مسخ للغة العربية، وتيبس في الإبداع التعبيري.

ولابد من الإشارة ايضا، إلى أن الأمانة العلمية ضرورية جدا، وبالتالي فلابد من الحفاظ على أصالة هوية اللسان العربي عند تداوله في أي خطاب، أو دردشة ، لاسيما وان الكثير من المتصفحين بات يتذمر، من أن الأمانة العلمية بدأت تتعرض للطمس، باستخدام تقني (إنسخ والصق)، دون الإشارة إلى المصدر عند الإقتباس والنشر، ويخشى أن يتسرب هذا الأسلوب، حتى إلى البحوث والرسائل العلمية، حيث تطالعنا شكاوى المختصين، وتذمرهم من تفشي هذه الظاهرة للغش والتدليس في فضاء الفيسبوك، ووسائل التواصل الاجتماعي الرقمية، وهي إفراز سلبي للثقافة الرقمية المفتوحة بلاقيود، حيث لم يعد هناك ضوابط، في مجال الحرص على الأمانة العلمية، وصيانتها من التعرض للمسخ، بتداعيات بدائل الثقافة الورقية،إلا نقاء الضمير ابتداءً، باعتباره معياراً أخلاقيا له مفاعيله.

وللتذكير فإن ظاهرة شيوع ثقافة التواصل الرقمي بماهي تقنية عصرية سادت في الحياة اليومية، تتسم كما هو معروف، بسهولة الإستخدام، بحيث يلاحظ أن فئة المستخدمين من الأطفال يمكنها استخدامها بمهارة وإتقان أعلى من تلك المهارة التي بحوزة كبار السن، في أغلب الأحيان، في حين يتسم تصنيعها بالتعقيد التقني، الذي يحتكره المصنع في الدول المصدرة لهذه التقنيات المتطورة، وما يعكسه هذا الواقع من تداعيات تمسخ خصوصية الهوية ، بالرطانة التي ستطال اللغة الأم، بهيمنة ثقافة العصرنة الرقمية، رغم كل ايجابياتها، لاسيما وأن شعوب، وحضارات المنطقة، ومنها بالطبع منطقتنا، قد تنحت جانبا عن ساحة العطاء والابداع، وباتت تعتمد على الخارج، حتى في لقمة الغذاء، وحبة الدواء .

 

  نايف عبوش

 

 

عبد الله الفيفي(من "فَعْلَة" المتنبِّي إلى "كريمة فُلان"!)

 ناقشْنا في المساقَين السابقَين القصيدة الأُولى التي رثى بها (أبو الطيِّب المتنبِّي) جَدَّته، والقصيدة الثانية في رثاء والدة (سيف الدَّولة). واليوم نناقش قصيدته الثالثة في رثاء أخت (سيف الدَّولة)، وهي ذات المطلع:

يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبٍ

                            كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَّسَبِ

ومنها الأبيات:

أُجِلُّ قَدْرَكِ أَنْ تُسْمَي مُؤَبَّنَةً

                             ومَنْ يَصِفْكِ فَقَد سَمَّاكِ لِلعَرَبِ

لا يَملِكُ الطَّرِبُ المَحزونُ مَنطِقَهُ

                            ودَمْعَهُ وهُما في قَبْضَةِ الطَّرَبِ

غَدَرْتَ يا مَوْتُ كَمْ أَفنَيتَ مِنْ عَدَدٍ

                         بِمَنْ أَصَبْتَ وكَمْ أَسكَتَّ مِنْ لَجَبِ

وكَمْ صَحِبتَ أَخاها في مُنازَلَةٍ

                             وكَمْ سَأَلْتَ فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ تَخِبِ

طَوَى الجَزيرَةَ حَتَّى جاءَني خَبَرٌ

                             فَزِعْتُ فيهِ بِآمالِـيْ إِلى الكَذِبِ

حَتَّى إِذا لَم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أَمَلًا

                        شَرِقْتُ بِالدَّمْعِ حَتَّى كادَ يَشْرَقُ بي

تَعَثَّرَتْ بِهِ في الأَفْواهِ أَلْسُنُها

                    والبُرْدُ في الطُّرْقِ والأَقْلامُ في الكُتُبِ

كَأَنَّ فَعْلَةَ لَمْ تَمْلَأْ مَواكِبُها

                               دِيارَ بَكْرٍ ولَمْ تَخْلَعْ ولَمْ تَهَبِ

و"فَعْلَة" هذه هي (خَوْلَة)، أخت (سيف الدَّولة).  وكانت لها في نفس الشاعر مودَّة، بلغت حدَّ زعمهم أنَّه كان يُحبُّها.  ومهما يكن من صِحَّة هذا، فإنَّ عبارة "فَعْلَة" تؤسِّس لنا ما أشرنا إليه في المقال الماضي ممَّا أصبح يُعرف اليوم في دعوات الزَّواج في مجتمعنا المحلِّي بـ"كريمة فلان"، تحاشيًا للتصريح باسم المرأة؛ فلقد بات اسم المرأة "عورة" أيضًا!  على أن التعبير بـ"فَعْلَة" أفظع من التعبير بـ"كريمة"!  ولا مسوِّغ لمحو اسم المرأة؛ لا من الوجهة الاجتماعيَّة ولا السياسيَّة، سِوَى (الحياء) المرَضِيِّ المتوارث من حضور المرأة، في أيِّ سياق، وبأيِّ صفة. غير أنَّ الشاعر قد أساء من حيث توخَّى الإحسان، أو قل: من حيث توخَّى توقِّي اللَّوم الاجتماعي؛ حتى أوشك بكلمته هذه يتحوَّل بقصيدته من رثاء (فَعْلَة) تلك إلى هجائها!  إنَّه القلق المزري أمام المرأة، يفعل فعله، فإنْ خرج شيطانه من الباب وَلَجَ من الشبَّاك؛ كأنه لا مفرَّ منه- في مجتمع فحوليٍّ معتَّق- إلَّا إليه.

ماذا عن "فَعْلَة" أبي الطيِّب؟

لقد كان (أبو الطيِّب) يراعي أنَّه لم يكن لدَى (أبي المِسْك) في (مِصْر)، لتعبق روائح الحُريَّة نِسبيًّا، طِيبًا ومِسكًا، بل كان لدَى (سَيف الدَّولة)، في محيطٍ من الأعراب!  وبالرغم من أن "فَعْلَة" قد حجَّبها شاعرنا في القصيدة، فإنَّ ذلك لم يمنعه من التغزَّل الحِسِّي بها:

يَعْلَمْنَ حِيْنَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسِمِها

                                ولَيسَ يَعْلَمُ إِلَّا اللهُ بِالشَّنَبِ

و(الشَّنَب) هنا لا علاقة لها بمعنى: شَعر الشارب، بل يعني: جمال ثغرها وعذوبة ريقه. وإلَّا لو كانت "فَعْلَة" ذات شَنَب بالمعنى الأوَّل لما كان ما كان، بل لما كانت "فَعْلَةً" أصلًا!

ومن طرائف (أبي الطيِّب) أنَّه قد يجمع بين العبقريَّة والحُمق في نَصٍّ واحد!  فأوَّلًا، ما دمتَ، يا شاعرنا، قد صرَّحت باسم أخيها، وأسهبتَ في الثناء عليه، فإنَّ كِتمانك اسم أُخته لا يُقدِّم ولا يؤخِّر.  بل لقد اعترفت أنت بذلك، بقولك: "ومَنْ يَصِفْكِ فَقَد سَمَّاكِ لِلعَرَبِ"!  فأين ستذهب من (العَرَب)، بعد أن كنَّيتَ تكنيةً أفضحَ من التصريح؟! وثانيًا، إنَّ تكنيتك عن تلك الأميرة بلقب "فَعْلَة"، فيه فِعلٌ مسيءٌ للأميرة ولأخيها معًا. ولا يَبعُد أن يُصبِح قولك نبزًا للأمير نفسه؛ فإذا الناس يكنُّونه بـ(أخي فَعْلَة): جاء (أخو فَعْلَة)، ذهب (أخو فَعْلَة)، بدل لقبه (سيف الدَّولة)!  وهذا محتملٌ، من شانئيه، على الأقل. ثمَّ إنَّك تَعلَم أنَّ التكنية لدَى العَرَب لها إيحاءاتها، وهي بهذه المادَّة اللغوية لا تكون إلَّا فيما يُسترذَل ذِكره؛ وتَعلَم تكنية العَرَب بـ(ابن الفاعلة)، مثلًا.  ولعلَّك تعلم أيضًا أنَّ (الأخطل التغلبي)(1) قد عَرَّض بقومٍ ساخِرًا، فقال:

إِنَّ بَني زَيْدٍ مَليحُو الشَّكْـلِ

                       كَمْ فيهِمِ مِن (فَعْلَةٍ) و(فَعْلِ)!

ثمَّ قِلْ لي بربِّك، أهذا مقام التغزُّل بفَعْلَتك، كائنةً من كانت، وأنت ترثيها، وتتظاهر بالحياء حتى من الإشارة إلى اسمها؟!  وأيُّ شاعرٍ يتغزَّل بحُسْن مَبسِم امرأةٍ (فَعْلَةٍ) ميِّتةٍ وبأسنانها وريقها؟!  لقد كان (دُرَيْد بن الصمَّة) أَقَلَّ جفاءً منك، وأكثر حكمة، لمَّا استهلَّ قصيدة رثاء بالغزل.  وكان كذلك (تميم بن أُبيِّ بن مُقْبِل العجلاني)، لمَّا ختمَ قصيدته في رثاء الخليفة الثالث (عثمان بن عفَّان) بالغَزَل، فعُدَّ ذلك جفاءً أعرابيًّا منه، لم يُسبَق إلى مثله ولم يُلحَق.(2)

أمَّا بيتك، يا (أبا الطَّيِّب):

وإِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنثَى لَقَد خُلِقَتْ

                        كَريمَةً غَيْرَ أُنْثَى العَقْلِ والحَسَبِ

فتذكيرٌ بتقنية الاستثناء، التي توقَّفنا عندها في المقال الماضي.  فالسيِّدة المرثيَّة هنا، هي مثل (أُمِّ سيف الدَّولة) تمامًا، ليست بأُنثى كالنِّساء، وإنْ كان ظاهرها يوهم بأنها امرأة!  ولكن- سبحان الله- "خُلِقَتْ أُنْثَى"!  ولله في خلقه شؤون! تخيَّلوا أنَّ "فَعْلَة" المتنبِّي قد خُلِقَتْ أُنْثَى، ومع ذلك- ويا للمفارقة- لَقَد خُلِقَت "غَير أُنْثَى العَقلِ والحَسَبِ"!  ذلك لأنَّ العقل ذُكوريٌّ، أساسًا، حسب فلسفة (أبي الطيِّب)، التي توسَّع فيها من بَعده تلميذه النجيب "فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة": (أبو العلاء المعرِّي) توسُّعًا فاضحًا، في قصيدة الوَأْد، التي سبق أن أشرنا إلى أنها البرهان على أن عقليَّة وَأْدِ المرأة لم تنته بانتهاء العصر الجاهلي، بل استمرَّت- وإنْ نظريًّا وشِعريًّا- خلال العصور الإسلاميَّة، كما يشهد بذلك الشِّعر العَرَبي. 

وفي المساق التالي نواصل تفصيل ذلك.(3)

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

..............................

(1) (1996)، ديوانه، صنعة: السُّكَّري، رواية: ابن حبيب، تحقيق: فخر الدين قباوة، (دمشق: دار الفكر)، 463.

(2) انظر: (1955)، العُمدة في صناعة الشِّعر ونقده، باعتناء: محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد، (مصر: مطبعة السعادة)، 2: 152.

(3)  هذا المقال جزء سابع من ورقة بحثٍ حِواريَّةٍ قُدِّمت في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

 https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY

 

 

حاتم حميد محسنكتب افلاطون بغزارة، وافكاره كانت إبداعية ومنطقية وقوية. أعماله تشكل حجر الزاوية للعديد من الموضوعات: الابستيمولوجي، الجماليات، الميتافيزيقا، السياسة، وعلم النفس.

اثّر افلاطون ايضا في المسيحية، والتي أصبحت بدورها نوعا جديدا من الدين. لاشيء في الحياة يمكن التعامل معه بشكل منعزل. وراء كل فكرة، او شخص او اكتشاف او اختراع او مشروع شبكة مخفية من الظروف التي قادت لذلك. وهذا ينطبق بقوة على الأكاديمية. وكما ذكر اسحق نيوتن مرة، نحن جميعنا "نقف على أكتاف العظماء". الفلسفة هي كذلك، تقريبا كل مفكريها البارزين قرأوا وناقشوا وتحدثوا عن أفكار مع معاصريهم. أفكار ارسطو كانت جوابا لإفلاطون، القانونية الصينية كانت نقدا للكونفوشيوسية. ديفد هيوم وآدم سمث كانا صديقان حميمان، فولتير وجان جاك روسو كثيرا ما هاجما بعضهما، توماس هوبز كان في مراسلة دائمة مع ديكارت. لذا، من الصعب الجواب على السؤال: منْ كان الفيلسوف الأكثر أصالة؟ لكن هذا لا يعني اننا لن نحاول الجواب.

أصل الشجرة

في الغالب كل قضية فلسفية (في الغرب) تتصدرها مقدمة تبدأ بعبارة، "بدأ في اليونان القديمة". من بين هؤلاء المفكرين الأصلاء، اعتُبر افلاطون هو الأول. هناك عبارة مقتبسة شهيرة من A. N. Whitehead تقول، "أفضل وصف عام للثقافة الفلسفية الاوربية هي انها تتألف من سلسلة من هوامش لإفلاطون". لا شك، هناك بعض الحقيقة في هذا. افلاطون كتب بكثافة، وفي كل من حواراته والجمهورية نجد اسس الفلسفة السياسية، والابستيمولوجي، والميتافيزيقا والجماليات. هو كان عالم نفس قبل ان يظهر مصطلح علم النفس: تقسيمه الثلاثي للنفس الى ايروس (الرغبة) و ثيموس (الروح او العاطفة) و لوغوس (العقلانية) تتطابق تماما مع تقسيمات فرويد الثلاثة الهو والأنا والأنا العليا.

كان افلاطون قد حدد قواعد اللعبة الفلسفية التي كان فيها الحوار والنقاش والديالكتيك والسجال العقلاني هو الطريقة المثلى لعمل الفلسفة. اليوم، نفترض ان الجدال الجيد يجب ان يكون منطقيا، وان معظم الناس وفي أغلب الأوقات يريدون اكتشاف حقيقة الكون (Truth)، وكل هذا يأتي من افلاطون. (من الصعب العثور على شيء مشابه له في التقاليد والثقافة الشرقية).

هناك فقط مشكلة واحدة، وهي من الصعب القول كم كان افلاطون أصيلا وكم كان سلفا صدى للايديولوجية السائدة انذاك في جزيرة البيلوبونيز اليونانية . جميع حوارات افلاطون تحتوي على نسخة قصصية لإستاذه وصديقه سقراط الذي كان تقريبا الشخصية الأعظم حكمة والفائز دوماً في النقاشات. سقراط ذاته لم يكتب ابدا اي شيء (وفي الحقيقة يبدو انه كان يعارض هذا النوع الجديد من الكتابة)، لذا نحن تُركنا نخمن كم مقدار ما نسميه افلاطوني يأتي حقا من استاذه سقراط. ربما كله، وربما لاشيء منه. كذلك، افلاطون يلمح الى فلاسفة فُقدوا لوقت طويل، مثل ديوتيما التي يُعتقد كانت اول امرأة فيلسوفة وحتى معلمة لسقراط. لذا فان العديد من هؤلاء المفكرين "ما قبل سقراط" كتبوا فعلا، لكن أعمالهم ضاعت ولم تصل الينا، لذا علينا ان نثق مرة اخرى بافلاطون والمصادر اللاحقة. (الأكثر أهمية وثراءً من بين هذه المصادر هو كتاب حياة وأفكار فلاسفة بارزين للكاتب ديوجين لارتيوس). ولكن مع فقدان الدليل، نحن مجبرون لإعطاء افلاطون حقه – حتى لو كان فقط اول من كتب الأفكار.

كيف أثّر افلاطون في المسيحية

اذا كانت الفلسفة الغربية والاسلوب الذي تمت به هي فقط "هوامش لإفلاطون"، عندئذ من الملائم القول ان افكار افلاطون تختبئ تقريبا في خلفية كل فيلسوف قرأناه. مفكرون مثل ديكارت ونيتشة وفرويد كانوا اما يجيبون افلاطون او يضيفون الى افكاره. يمكن القول ان ما هو أكثر اهمية من ذلك هو مدى تأثير الإفلاطونية على المسيحية، الدين الاكبر في الارض. آباء الكنيسة الأوائل كانوا غارقين في التعاليم اليهودية والفلسفة اليونانية، الأخيرة كانت يهيمن عليها افلاطون وأتباع مدرسته (الاكاديمية).

أفكار افلاطون عن عالم الأشكال – الذي هو عالم تام اُزيل من عالمنا الفاسد – اتخذت طريقها للعقيدة المسيحية الرسمية. العديد من الافكار حول آثام الجسد الفاني تأثرت بافلاطون. في قصة الكهف، جادل افلاطون اننا يجب ان لا ننغمس في النزوات والرغبات الأرضية (ايروس) وانما يجب ان نتأمل ونتفلسف (اللوغوس). جميع هذه الافكار تسللت الى الكنيسة الوليدة. في الحقيقة، يفتتح انجيل يوحنا بالآية "في البداية كان اللوغس (الكلمة)، والكلمة كانت عند الله، والله هو الكلمة".

لا يزال معنا

مع تأثير افلاطون على المسيحية، توفرت لدينا طريقة جديدة كليا في عمل الفلسفة او – في هذه الحالة الثيولوجي. المسيحية هي نوع أصلي من الايمان كان نصفه يهودي ونصفه الآخر يوناني. هيمن افلاطون على الفلسفة الغربية لقرون وسيبقى حيا بميراثه في تفضيل الفكر والعقلانية على شهواتنا الدنيوية. تسمية "لاعقلاني" لاتزال تسمية سيئة. وحتى عندما يزحف ارسطو نحو الثيولوجيا المسيحية عن طريق توما الاكويني في القرن الثالث عشر الميلادي وتأثير ثيولوجيين آخرين امثال اوغستين وارينوس و اوراغن، لكنهم لم يتركوا ابدا نفس العمق والتفرد الذي تركته أفكار افلاطون الأصلية.

 

حاتم حميد محسن

 

مجدي ابراهيممرويات الصُّلحاء ومرائيهم كثيرة نافعة مؤثرة، تخضع لأنداء الخيال وتجود بالسعة في إطاره، بين أيدينا مرويّة من مرائي الزهاد الأوائل، جاءت قطعة دالة ذات خصوبة فاعلة وخيال رحيب، إذ كانت سبباً في توبة مالك بن دينار (ت 131هـ)، يرويها بنفسه عن نفسه؛ لتكشف عن خصائص السرد الفني في رقائق الزهاد الأوائل، يتضمنها الرمز الصوفي في بواكيره الأولى، وتحيطها العبرة الدالة على حركة الروح تجاه الآجلة، ومفارقة العوالق الشاغلة بالدنيا وأسبابها، واتخاذ القرآن الكريم مقاصد العمل الموصّل إلى الآخرة، فهو أصفى وسيلة وأنقاها، وأجل غاية وأسماها، وأبلغها طريقاً لربط المسير بالمصير، ولوصل العمل بالخلود، ولكشف العبرة الدالة من أقرب طريق في هذا الوجود.

ولا أقل عندنا من التنبيه إلى أن مثل هذه السرديات الفنية في رقائق الزهاد الأوائل تكاد تخلو من تناول الدراسات الحديثة المنظمة ودراستها بمنهجية ذوقية تبرز مقاصدها وتجلي دلالاتها في إطار وعي علوي وعلى ضوء سبحات الخيال الديني الذي وظفها بهذه الكيفية، وهو توظيف لا شك مقصود لا زيف فيه بل صادق ودالُّ كل الصدق الخالص وكل الدلالة الباقيّة.

فلا نكاد نقرأ بحوثاً متخصصة (ماجستير أو دكتوراة) ولا دراسات تناولت مثل هذه السرديات الفنية في رقائق الزهاد كنقطة بحثية تكشف ما بها من دلالات رمزية وتوجهات روحية سبقت النزوع الصوفي الأصيل، ووصلت الطارق بالتليد، وأقامت القنطرة التي تم العبور عليها من الصدر الأول وما تلاه إلى القرن الثالث وما بعده؛ والروح في الإسلام هى الروح، والتّوجّه هو التوجه، ناهيك عن فعل القرآن الواصب في القلوب يدوم ولا ينقطع، ويتصل بالشعور الديني العميق في اتجاه حركة فاعلة قويمة يعوّل عليها الرجاء في لقاء الله، ثم يربط الدين بالدنيا، والدنيا بالآخرة؛ لتتصل قلوب العاملين تحقيقاً بالباقي دون الزائل؛ ولترتفع فوق غواشي الحُجُب المانعة عن لقاء الله.

لم نشأ أن نُرِد قصة توبة "مالك بن دينار" هنا إلا لتوجه الوعي بالقرآن في ارتقاء النظرة المحققة وسمو قصدها إليه؛ كونه أصل الأصول الرواسخ للوقوف على أسرار البقاء بين الدين والدنيا والآخرة، وهى بلا شك أسرار لم تنفصل عن تعميق المحاولة في قراءة القرآن قراءة ذوقية بالقلب والإحساس لا بالحواس الظاهرية؛ فمن جمال الرموز التي وردت بالمرويّة ما من شأنه أن يتصل بمقاصد العمل فَتَرِقُّ لها قلوب الجلاميد، وتوحي بالصدق الذي يداعب خيال العاملين في إطار هذا التوجه ويمس مسّاً مباشراً قيم القرآن إنْ في الوجود وإنْ في الخلود كما بينه التساؤل الاستفهامي الذي طرحه مالك بن دينار على ابنته: وأنتم تعرفون القرآن؟ لتجيبه من فورها: نحن أعرف به منكم؟ أي نحن في خلودنا أعرف بالقرآن منكم، إذ كنتم في الدنيا لا تعرفونه على الحقيقة.

وهذا رمز آخر لما توحيه قيم القرآن من فاعلية التأثير المباشر في الوجود وفي الخلود سواء. لكأنما القرآن كما يكون في الدنيا مبعث استقامة وسعادة؛ فهو في الآخرة كذلك وأكثر من ذلك: سبب النور السرمدي والسعادة التامة الكاملة؛ لأن عرفان القرآن في الآخرة عرفان حقيقة سطعت بقوتها. أمّا عرفانه الدنيوي فلم يكن بالكمال الذي هو به في الآخرة: مستقر النور ومستقر قرار الحقائق ساطعة على ما هى عليه.

رُوي عن مالك بن دينار أنه سُئل عن سبب توبته فقال: كنتُ شرطياً منهمكاً على شرب الخمر. ثم إنّني اشتريت جارية نفيسة؛ ووقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتاً، فشغفتُ بها؛ فلما دَبّتْ على الأرض ازدادت في قلبي حباً، وألِفَتني وألِفتها.

قال: فكنتُ إذا وضعتُ المسكر بين يدي جاءت إليّ وجاذبتني عليه وَهَرَقَتْهُ على ثوبي. فلمّا تم لها سنتان ماتت؛ فأكمدني حزنها. فلمّا كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة الجمعة، بتُّ ثملاً من الخمر، ولم أصلِّ فيها عشاء الآخرة. فرأيتُ فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، ونُفخ في الصور وبُعثرت القبور وحُشر الخلائق، وأنا معهم. فسمعتُ حِسّاً من ورائي، فالتفتُ، فإذا أنا بتنّين أعظم ما يكون أسودَ أزرقَ قد فتح فاه مُسرعاً نحوي. فمررتُ بين يديه هارباً فزعاً مرعوباً . فمررتُ في طريقي بشيخ نقي الثوب، طيّب الرائحة؛ فسَلمتُ عليه فرد السلام. فقلت: أيّها الشيخ ! أجرني من هذا التنّين، أجارك الله ! فبكي الشيخ، وقال لي: أنا ضعيفُ وهذا أقوى مني وما أقدر عليه، ولكن مُرْ فأسرع فلعلَّ الله أن يتيح لك ما ينجيك منه.

فولّيت هارباً على وجهي؛ فصعدت على شَرَف من شُرَف القيامة، فأشرفتُ على طبقات النيران، فنظرتُ إلى هولها. وكدتُ أهوي فيها من فزع التنّين؛ فصاح بي صائح: ارجع، فلستَ من أهلها! فاطمأنّيتُ إلى قوله ورجعت، ورجع التنّين في طلبي. فأتيت الشيخ، فقلت: يا شيخ ! سألتك أن تجيرني من هذا التنّين فلم تفعل. فبكى الشيخ، وقال: أنا ضعيف ولكن سِرْ إلى هذا الجبل، فإنّ فيه ودائع المسلمين، فإنّ كان لك فيه وديعة فستنصرك.

قال: فنظرتُ إلى جبل مستدير من فضّة، وفيه كُوىً مُخَرَّقة وستور معلقة على كل خوخة وكَوَّة مصراعان من الذهب الأحمر مُفصلة باليواقيت مكوكَبة بالدُّر، على كل مصراع ستر من الحرير. فلمّا نظرت إلى الجبل ولّيت هارباً والتنين من ورائي؛ حتى إذا قربْتُ منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا ! فلعلّ لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوِّه. فإذا الستور قد رُفعت والمصاريع قد فُتحت، فأشرف عليَّ من تلك المخرَّمات أطفالٌ بوجوه كالأقمار.

وقرب التنّين مني، فتحيَّرت في أمري. فصاح بعض الأطفال: ويحكم! أشرفوا كلّكم فقد قرب منه عدوّه. فأشرفوا فوجاً بعد فوج؛ وإذا بابنتي التي ماتت قد أشرفت عليّ معهم.

فلمّا رأتني، بكت وقالت: أبي، والله! ثمّ وثَبتْ في كفّة من نور كرَمْية السَّهم حتى مثلت بين يديّ. فمدّت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقتُ بها، ومدَّت يدها اليُمنى إلى التنّين فولَّى هارباً.

ــ ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي، وقالت: يا أبتِ:" أَلمْ يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قُلُوُبُهُم لذكر الله". فبكيت وقلت: يا بنيّة! وأنتم تعرفون القرآن. فقالت: يا أبتِ! نحن أعرَف به منكم. قلت: فأخبريني عن التنّين الذي أراد أن يهلكني. قالت: ذلك عملك السوء قوّيتَه فأراد أن يغرقك في نهار جهنم. قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مَرَرتُ به في طريقي. قالت: يا أبتِ! ذلك عملك الصالح أَضْعَفْتَه حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء. قلت: يا بنّية! وما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أُسْكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم. قال مالك: فانتبهتُ فزعاً وأصبحتُ فأرَقْتُ  المسكر وكسرت آلته وتبتُ إلى الله عز وجل. وهذا كان سببُ توبتي" (أ. هـ).

فلئن كنا بإزاء لون من ألوان عقيدة البعث والآخرة في خيال مرائي الزاهدين، فإنَّ هذه السرديات الفنية في رقائق الزهاد؛ لتوحي بمعطيات ذوقية هادفة، تقوم على خصوبة الخيال الخلاق، وتدفع إلى العمل على شرعة القرآن، وترقي من مأثر التبعة الباطنة، وتحقق أغراضها مع التأمل في سِيَر الأقوياء العاملين؛ لأنها تدفعهم إلى عمل علوي حقيقٌ بالسعي إليه جدير بمباشرته في يقين الثقة والاطمئنان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

سامي عبد العالإزاء عملية "القلْب الثقافي" (أي الإحالة إلى الماضي)، يشير التصور الافتراضي للأطفال بوصفهم زماننا الآتي دون استئذانٍ. والغريب في هذا السياق أنْ يتعامل البعضُ مع الزمن كأنَّه يتوقف على وجوده حصرياً. وهذا غير صحيح ولا حقيقي بالمرة. إنه تصور قائم على الوهم كمَنْ ينظر إلى النجوم معتقداً أنه يسيّرها بإشاراته بمجرد رفع أُصبعه إلى السماء. هذا التصور يؤسّس لأغلب مفاهيم المعرفة والأخلاق والسياسية في ثقافتنا العربية، وهو بمثابة القاعدة الأولى للإستبداد الذي يتسرب بعناوين شتى إلى مجالات الحياة المختلفة.

في حين أنه يجب أنْ نتوقع ماهية الآتي دون بلوغه إلاَّ بمواصفاته، أي لابد من التفكير في الإنفتاح لا العودة إلى الوراء، في الإنطلاق لا الإنكفاء، وفي الانكشاف لا التغطية. هكذا تجري دفقات الحياة ضمن حركة الإنسان. ولو ترقبنا الآتي قياساً على ذلك، فلن يعدُّ المستقبلُ زمناً، لقد غدا قدَّراً أنطولوجياً لا مفر منه. وأحياناً قد يأتى كلعنة عاصفة تجتاحنا باستفهام ملعُون[1]: ماذا فعل العرب بحاضرهم، وماذا أعدُّوا لأطفال المستقبل بينهم؟!

الميلاد: ماضياً أم مستقبلاً؟

ذلك الوضع هو ما سيُطرح يومياً بصدد هذا الجانب من الحياة ( ليذكرنا بشبح اللعنة الإجتماعية المدمرة للإنسان كما في بؤساء فيكتور هيجو ). إن ميلادُ طفلٍ ليس ميلاداً عابراً على ما نعتقد، لكنه مسؤولية ألقاها إلينا المستقبل ذاته. ميلاد إحتفى به عمرو ابن أم كلثوم بشكل طقوسي عارم دالاً على موروثات نريد التخلص منها: " إن بلغ الفطامَ لنا رضيعٌ، تخرُ الجبابرُ له ساجدينا". لأنَّ كل لحظةٍ في زمن الأطفال، أصبحت تجاوزاً للواقع، كل فعل لمشاغباتهم غدا ًكسراً للحقيقة، كل حركة مفاجئةٍ أضحت تحطيماً للإعتياد، كل تخيل لدهشتهم أمسى موتاً للتفكير وتحولاً له. هنالك تتولد الصور وأشكال الحياة والآمال والطموحات، والانتهاك للقديم وصراع الأجيال، والاختلاف بين فينةٍ وأخرى.

لا أبالغ، فإن الزمن المستقبلي غريزة في أعماق الفضول الوجودي، أي أنَّه  يقع ضمن الفضول الطفولي بالأساس، حيث لا ينقطع فضول كهذا عن السريان داخل الكائن البشري وإنْ بلغ أرذل العمر. ويجب ألّا نذهب بعيداً، فهناك مجتمعات مستقبلية بالفعل لا بالتوهم. والأغلب أنَّها تعيش بأُطر المستقبل، آلياته، خياله، علاقاته نتيجة اهتمامها الكبير بالغد. وعبر تفاصيل قضاياها الحياتية، تفسح مجالاً لإيقاع الزمن الخفي (مثل بعض المجتمعات الغربية).

وحتى في الماضي الغابر، ماذا كان يفعل الكهان والسحرة والعرافون وضاربو التمائم وقارئو النجوم إلاَّ طقوساً للزمن القادم. هذا المستقبل الغامض- الواضح بتلك الصيغة المركبة. ولذلك فإنَّ الثقافات التقليدية التي لا تتطور ستُطرح ببساطة في بورصة المتاحف كتراث إنساني عالمي، وسيشارك أصحابُها أنفسهم في حفظها، في دفنها بقدر ما سيشارك الآخرون فيه. لينطبق عليهم المثلُ القائلُ: " يقتلون القتيلَ ويمشون في جنازته "، أو كالدبة التي قتلت صاحبها بحجر بينما كانت تريد هشَّ الذُبابَ عنه!!

إذن المستقبل بكل تأكيد هو أطفالُنا على نحو ملموس، تلك البراعم الغضة التي ستجتاح هيكلَّنا القديم، هيكل ثقافي كم تعبدنا خلاله وقدسناه، فحلّ محل الزمن المتغير. ومن ثمَّ جاءت المفارقة: كيف نخاطبُ طفلاً كُنّاه يوماً ولم نعشه؟! بأية طريقة نعطيه حياةً نحن قاسيناها عَلّه يعبر عن أملٍّ جديدٍ؟ لقد أورثنا الطفولة بنيةَ الواقع الإجتماعي المهترئ وغير المتطور، واقع أثقلته تقاليد ثقافيةٌ في حاجةٍ إلى مراجعة صارمةٍ. وحتى العبارة العابرة " لعب عيال" توثِّق كخطاب شائع في موقف ساخرٍ أو آخر هذا الحطَ من شأن الطفولة. على الرغم من أنَّ هذا اللعب هو المسار الذي يجدد هواء المجتمعات وينعش الأفكار ويطور ما تكلس من أمور!!

الواضح أنَّ المجتمعات العربية تجاهلت كائناً افتراضياً كهذا مثلما تجاهلت مستقبلها نفسه. والإشارةُ سانحة إلى كونها مجتمعات قد تشاغلَّت عن صناعة المستقبل[2] كما تشاغلَّت عن إبداع جوانب الحياة قاطبةً. كانت الطفولةُ في تلك المجتمعات مستقبلاً أهملته، وأعطته ظهرها، فوجدته بالتبعية كارثةً أمامها. ولذلك كثيراً ما كان أطفالُّها هم الزمنَ المكروه، هم الزمن المنسي الشاهد على خطاياها. بدليل أننا نغتصب الطفولة حينما نعاجِّل طفلاً بأن يكون رجلاً، أو نتحدث معه على أنه كذلك بكلمات هرِّمة ضد مسار الحياة!! نحن نفعل باصرار كمن يُنْضج ثماراً في غير أوانها!!

الثقافة العربية نفسها ستنذر باحتمال أن ينكسر القِدْر الفخار في عبارة ( اقلب القدر على فمها تطلع البنت لأمها) المرموز بها إلى التقاليد. وعكس ذلك تقول عبارة أخرى" إنْ كبر إبنّكَ خاويه". لكن ألم يكُّن الإبن منذ قليل موضوعاً لقمع تربوي؟! الموضوع يحملُ الوجهين: فالقِدْر الذي هو الفخار، هذا الهش في صلابته معرَّض لخطر التحطم، إذ كيف تلعب الثقافةُ أدوارَ القولبة فيما لا قالب له إلا هشاشته؟! قطعاً كل ما تم تعبئته من ماء الحياة الإجتماعية، ماء التقاليد والقيم سينسكب، سيتسرب في لمحة عينٍ. منْ يخاوي من، الأب تجاه إبنه أم الإبن تجاه أبيه؟ لنلاحظ أنَّ" الكِّبَر" يحملُ الزمنَ القادم الذي تحدثت عنه، بينما المثل يؤشر إلى شيء عميق هو: أن الطفلَّ عندما يكبر، فسيكون في زمنٍ غير زماننا، إذن لابد أنْ نخاوي الزمنَ نفسه( أي نتحسب لتحولاته ونعمل على التهيؤ لها). لابد أن تبذل المحاولات كي نأمّن غوائل الزمن، ولكن ليس من وسيلةِ لأنْ نأمنه دون التخطيط لمستقبلٍ أفضل.

في المقابل لن يملك الأب ولا الإبن زمنهما مهما تقاربا أو تباعدا، لأنَّ الإنسانَ (بمصطلح هيدجر: الدازاينDasien) هو كائنٌ زمنى في أساسه، يخترقه الزمن، يحيطه الزمن، وتعد ماهيته زمانيةً، إنه يشعر بتناهيه في نفسه وتبادلياً يشعره الزمن بتناهي وجوده. إنَّ الموجود هناك، أي هذا الدازاين، سيكشف تناهي الثقافة والحقيقة، وبالتالي تناهي القوالب التي صاغتها لأجله حياتياً. ولئن حاولنا معرفة أهم التحديات التي تواجه هذا الكائن الآن، فإنها معطيات وأحداث تعمل عبر الثقافة عملَ ضربات حفائر اللغة ونخرِّها ( ألا نتذكَّر طيور نقار الخشب الباحثة عن يرقات العسل أو الديدان الصغيرة )، إذ تترك أثراً أو تفتح فضاءً لمعنى أو تحرِّك راسباً. يُشار بذلك أنَّ صياغة خطاب الطفولة ستظل في حاجة إلى معجم معرفي مغاير، وإلى مستويات من التعبير، وإلى أساليب جديدة في التكوين والأداء.

خطورة الطفولة

الطفولة إشارات وعلامات قابلة للتأويل داخل الثقافة، أي أن إشارات تمرُدها وتحديها لسلطة القيم وخرقها لهيمنة الأفكار والتراتب الإجتماعي يكشف طبيعة الثقافة. الطفولة رمز العبث الحر بهذه الأشياء جميعاً ومجال للتلاعب الساخر بها. وهذا الأمر من تلك الزاوية أمر ايجابي تماماً رغم آثاره الجانبية الكثيرة. إنَّ انحراف الإمكانية، الرفض، التغيُّر، الكسر، التمرد هي فراغات مستحيلة الملء داخل كيان الإنسان. ولدى الكيان الطفولي يصبح التمردُ والرفض قويين.

وما لم نواكب هذا الكيان الطفولي النزق والبريء بنظام معرفي وتربوي متطور، فإنَّه سيمثلُ تحدياً حياتياً للقولبة التربوية، ولن تكون التربيةُ هنالك إلا تجلياً للقمعِ الثقافي. والنظام المفترض يجب أن يتيح مساحة للإبداع والإبتكار، ويجب أن يحرر القدرات والمواهب من القيود المجانية. هناك مثل متأخر دال في هذا الصدد: "يا م أَمّنْ الرجالَ يا م أَمّنْ الميّه في الغربال"، ولكن لماذا الرجال تحديداً بخلاف النساء؟ لأن الرجال رموز لإمكانية الأطفال الذكور فيما بعد. الرجال كانوا شكل المستقبل فيهم، بل الرجال بمثابة المستقبل كلِّه من واقع أنَّ البنتَّ موءودة ودُفنت، وأنَّ خروجها النهائي (الطقوسي) كان تحت وصاية الرجل. وفي الحالتين (الزواج والقبر)، يعد الخروجان الأنثويان كليهما موت، وعليه لن يبقى إلاَّ الرجالُ. كما أنّ المثل بالتأكيد لم يقُله الرجال، بل قاله الجانب الصامت من المجتمع، الجانب الذي يمثل بحسب التقاليد عورة وافتضاحاً وهو النساء.

وبالطبع فإنَّ مقصود العبارة هو إمساك عنق الرجال بمقابض السلطة، وليكن قمع النساء جارياً في الخفاء. مع أنَّ العبارة السابقة تحمل الشيء ونقيضه جنباً إلى جنب، فالإغواء مزدوج وسيذهب بالطبع إلى إمرأةٍ هي نفسها تُحذّر المجتمع كله( من النساء) عن طريق الرجال. فالرجال لن يكونوا موضع ثقة تحت عين النساء إلاً بعيداً عن المرأة، وهذا مستحيل بالقطع. لأنَّ الطرف الآخر في أية علاقة ذكورية هو الأنثى بطبيعة الحال، فالرجل لعوب، لأن هناك إمرأة لعوب والعكس صحيح.

لكن النقطة الحيوية أنَّ دلالة عدم أن نأمّن للرجال هي ذاتها دلالة تغيُر الإنسان وتمردَّه. وأنَّ مكانة الرجال كأنماط مهيمنة تأكيد على أن التغيُر قد يشمل الحياةَ، المجتمعَ نفسه. والإشارة هنا ستنطوي أيضاً على تغيُر الفرد، وشخصه الإعتباري والنظرةِ إلى العالم وصورةِ الحقائق الإجتماعية. وتواتر الماء ما بين القِدْرةِ والغربال يعني استحالة إمساك سلوك الإنسان وطاقاته عبر أُطر مغلقة. فالطفولة هنا رغبة، فضول، جموح في الخيال، نشوّة لا تنتهي، سعادة وجودية، لعب وانهماك في الواقع، وذلك مما يجعل الطفولةَ مصدراً لتجديد رؤيتنا للحياة.

الوعي بالأزمات

لعل الطفل هو أكبر أزمة فعلية في الواقع. وهو جزء  فاعل من جسم الثقافة أو هكذا يجب أن يكون[3]. فالوعي يجب أن يستوعب المواقف التي تجسدها الطفولة بناء على جذور الثقافة العربية، وكيف تتسق أنسجة هذه الثقافة مع المساحات الأخرى في الحياة. كثيراً ما نرتكب خطأ نسيان الأزمات ونتجاهلها دون دراسة ولا تحديد، وبخاصة في المجالين الإجتماعي والسياسي، غير أن الأزمات تتناسل، هي تغيب بفعل جوانب الثقافة هنا أو هناك، لكنها سرعان ما تظهر أشدَّ شراسةً وفتكاً. والرأى المرجح أنَّ الثقافة تغدو أعظم تأثيراً وهيمنةً حينما لا نشعر بها، وقد لا نراها متربصة بالكيانات التي تشكلُّها، لكنها تضغط عليها وتحكم قبضتها في سرية وتكتمٍ.

والأطفال يدخلون في دائرة هذه الكيانات، هناك عادة قميئة في المجتمعات العربية أنَّ الطفل مجرد قطعةَ أثاثٍ بشري ملقاة في المنزل وهو أخر موضوع تفكّر فيه الأسرة، إنه الكائن اللا مفكَّر فيه، وربما لا تنافسه في موقعه هذا إلا المرأةُ. بمعنى أنهما فائضُ وجودٍ، هما منسيِّان مقارنة بالإهتمامات والأعمال الأخرى، ولا يُلتفت إليهما عادةً إلا لاحقاً، كأنهما قلادتان في معصم  أصحاب الذاكرة المركزية(الرجال). وهذا أبرز وجوه الأزمات الإجتماعية الطاحنة، لأن الطفلَّ، وطبعاً المرأة،  كلاهما يمتص بشكل غير مباشر كافة الصدمات والآثار ويفرزاها سُماً ثقافياً، وعلى أساس أنهما لم يكونا في بؤرة الحياة، فإنهما سيغدوان خيطاً أصيلاً من أزماتنا دون أن نعرف أحياناً!!

صناعة الحياة

هناك سؤال حقيقي حول عدم قدرة المجتمعات العربية على إبداع الحياة. فمَنْ لا يبدع نمط الحياة لا يستطيع أن يحياها. ونحن لا نهتم بالطفولة، لكوننا لا نجيد فن الحياة، ولا نفهمها في أعماقنا، في إحساسنا، في غرائزنا، ولا في الطبيعة المحيطة بنا. والحياة العربية سؤال دموي بلون الدماء التي ملأت تاريخ العرب القديم والحديث، لقد كان فخرهم دماءً، كان هجاؤهم دماءً، حتى حبهم كان دماءً وبكاءً على الأطلال، كانت غزواتهم دماء، كان صراعهم دماءً، كانت ثوراتهم دماء، كانت مشاعرهم دماءً في ماءٍ!! ومازالت الأم العربية في القرى والأرياف المصرية حين تتوعد طفلها تلاحقه قائلةً: "سأشرب من دمكَّ لو فعلتَ كذا.. وكذا"!!! هل تخيلتم إلى أي مدى يتم قتل الطفولة رمزياً داخلنا، وكيف نعطي الطفلَّ انطباعاً بأن معنى الدماء عمل تربوي. وفي الأحداث الربيعية الأخيرة التي عاشتها المجتمعات العربية، شاهد الأطفال كميات من الدماء لم تشاهدها أجيال وأجيال في مجتمعات أخرى.

لقد أضحت صورُ الدماء كأنها أمور إعتيادية، وغدت صور الأطفال المقتولين، الأطفال المشوهين، الأطفال الباكين، الأطفال الخائفين، الأطفال المشردين، الأطفال اللاجئين أشياء نمطية إعلامياً. أخطر ما فعله الإعلام المعاصر هو ترديد الشيء الإستثنائي على أنَّه شيء مألوف وقابل للتكرار سواء في الحروب أو ظواهر الأستبداد والتخلف. الخطاب الإعلامي جعل من الدماء لغةً يفهما الأطفال (ببراءة) مع اضطراب الأحوال الإجتماعية والسياسية، جعلها لغة للقتل والثأر والبتر والإستئصال. وعندما تتلقى البراءةُ مشاهدَ مروعةً تنقلب إلى سلوك عنيف، فالطفل نظراً لمخاوفه الدائمة، ولخياله القوي، يتصور نفسَّه من بين الضحايا، وعلى ذات الطريقة يتصور أقرانه وأخوته غرقى في دمائهم. ولذلك هناك جانب من التحدي كيف نجعل الأطفال يعيشوا بهجة حياتهم، كيف يلعبوا وهم في سعادة غامرةٍ دون كوابيس الدماء؟!

عالم الديجيتال

إنَّه تحدى الواقع الإفتراضي، نشاط الصورة، الأيقونات، الرموز، الأفعال الإفتراضية البديلة، الخيال التقني واسع الحركة والتخلُّق. وكلها موضوعات ترتبط بشكل أو آخر بالتقنيات والفنون الإلكترونية، وهي موضوعات أصبحت فضاءً للعب الطفولي وتجسيداً له، في الوقت نفسه تمتص كافة طاقاتهم حين تشعرهم بالسعادة، إذ ذاك ينصرفون بشحناتها تجاه الموضوعات الواقعية، وتجاه حقائق المجتمع. ليس معقولاً أن نتعامل مع أطفالِ التكنولوجيا بخطاب( قلب القِدرة على فمها )، أو بخطاب: " إبْنِّك على ما تربيه وزوجك على ما تعوديه".

ومن أسف أن التربية والعادة في المجتمع العربي هما الشيء نفسه، يتبادلان الأدوار ويتواطئان أثناء الممارسة، فإذا أرادَ الطفلُّ أن ينتقل من مرحلة الطفولة، مرحلة الزمن المفتوح والخيال الجامح والفعل المتهور، إلى الرجولة فُرض عليه الخضوع إلى التعود في الحالتين.

ليس تحدي التكنولوجيا مادياً كما قد يفهمه البعضُ من جهة التأكيد على إمداد مؤسسات الطفولة بأجهزة وتقنيات عصرية، إنما هو في الحقيقة تحدي للبقعة المفرَّغة من المجتمع، بقعة مراوغة خارج المؤسسات، هي"بقعة الخطاب العام" عندما توفر خيالاً موازياً لقدرات الطفل. في هذا الصدد لم تتسع اللغة العربية حتى الآن- من داخلها-إلى مفاهيم العالم الإفتراضي ونظرياته. كانت ومازالت لغتنا المتعلمة لغةً تراثية بإمتيازٍ، لذلك يستمد الخيالُ التقني في ضوء تعبيراتها مخزونَّه الدلالي من مفردات الصحراء وحيوانات البداوة وتهويمات الجنيات والسراب وقت القيظ، وبقايا الأطلال.

حتى أن هناك من يفسر الخيال ابتداءً بــ"رباط الخيل" الموجود في القرآن،  وهناك من يطلق على السينما " دار الخيالة". وبصرف النظر عن كون التفسير محتملاً أم لا، فإنَّ  للخيل علاقة تاريخية بالتراث أقرب من علاقته ذاتها بالحياة في عصر المعلوماتية والإتصالات الافتراضية. والطفل على الرغم من أنه يعرف (الخيول العربية الأصيلة)، إلا أنه بات أكثر درايةً بحيوانات إفتراصية غير أصيلةٍ، وبات يعْرف عنها بصورة أعمق مما يعرف عن تراثه كله. وبدا واضحاً له أن مجتمعه العربي مازال يربي الخيول العربية الأصيلة بينما يخلو المجتمع ومعارفه الراهنة من أيّة أصالةٍ راهنة. إذن على الرغم من أن الخيالَّ يمتدُ إلى مالا نهاية إلاَّ أن الثقافة تردّعه، تقهره تحت تاريخية الواقع المعيش. لأنه في بيئة تستأثر حيواناتهُا بالأصالةِ دون الإنسان، ينعدم مجتمعُ المعرفة المفترض أن يشبع الخيال الطفولي.

معرفة دون حدود

الطفل كائن مستقبلي بالطبيعة، إذن كيف يمكن إعداده نفسياً وقيمياً وسلوكياً ليعيش زمنه ضمن تلك المجالات على اختلافها؟! كيف يتسنى بناء مؤسسات وبرامج ومواد تربوية وفنون بمعايير المستقبل لا الماضي؟! وفي الوقت ذاته لا يبدو الأمرُ سهلاً، لأن التربيةَ كلٌّ لا يتجزأ عبر جوانب المجتمعات. ويفترض أنه إذ تعطينا التربية طرَّفاً من الخيط الممتد إلى الماضي، فإنها ترمي بالطرف الآخر تجاه القادِّم كحياةٍ بأكملِّها. بمعنى أننا لا نستطيع الانخراطَ في أية عملية تربوية دون تجديد الواقع وحل مشكلاته وإعادة النظر إلى القديم وترميمه، وكذلك إنْ أردنا مكانةً في التاريخ، فلابد من تصور هذا المستقبل على نحو مختلفٍ.

نحن نطرح هذا مع علمنا بافتقاد ثقافتنا العربية إلى ما نحاول إلى تقديمه مستقبلاً، فالتربية الشائعة كما قلت ببساطة لون من المحاكاة والقولبة والقمع وفقاً لما قلدناه وتقولبنا في إطاره، بينما التربية المنفتحةُ إذن تربيةٌ متطورةٌ. وبالإنفتاح على العوالم والثقافات نجدُ أن هناك رفضاً واسعاً لكل ما يقدم تربوياً ولا يناسب قدرات الأطفال ولا عالمهم( هو رفض بلسان حالهم ). ومع محاولة تقديم المناسب، سنكتشف أننا لم نعش هذه الطفولة: فمن أين سيأتي الخيال والفكر حتى نخرجهم من" أرجُوحة التاريخ" العربي عندما سنجد القديم مستقبلاً والمستقبل قديماً!! إنه التحدي بصدد الخطاب: ماهي الأساليب التي نستخدمها لإيجاد صياغات لغوية لا تلجأ للتلقين والحفظ والقولبة؟ فأنماط الخطابات التربوية السائدة في الثقافة العربية أنماط لإغتيال الطفولة ليست أكثر.

المعرفة أضحت قوةً لا قبلَّ للمجتمعات التراثية بها، فالدول المتقدمة معرفياً تعيش في عالم آخر بالحقيقة لا المجاز، المعرفة استراتيجيات للمستقبل، لتصور الغد (كأنه عالم مغاير). والتعليم يعالج هذه النظرة المنهجية لأي بناء معرفي من خلال ترجمته إلى صيغ للخطاب التربوي والثقافي. وضروري أنْ يواكب في مقرراتهِ وصياغاته وطرائق تدريسه: ما معنى أنْ يعرف الإنسان، وكيف يعرف وما هي آفاق معرفته، وكيف يغير معرفته، وكيف ينسى ما تعلَّمه بسهولة؟ والطفولة مجال حي وإفتراضي يجعلنا قادرين على التعايش مع هكذا معرفة.

إن المعرفة المتغيرة جزء من خطاب الطفولة، فلا نستطيع مخاطبة الطفل دون معرفةٍ عميقةٍ بطبيعة هذه المرحلة وتطورها، ولا نستطيع تعليمه دون تقنيات ولا مناهج جديدةٍ. واللغة حتى تصبح مؤثرةً يجب اعتمادها على بلاغة الفكرةِ، بلاغة الصورةِ لا سجع الألفاظ ومهابة النصوص. ولعلنا نلاحظ في ثقافتنا العربية أنه نظراً للبطانات البلاغية للعبارات بموازاة قهر الواقع، فقد اختفت بلاغة المفاهيم، لأنَّ الأخيرةَ تحتاج إلى رؤية وحرية ومعايير عقلانية من أجل الصياغة والتلقي والفهم. وفي حالة غياب أشياء كهذه يسود خطاب الخرافة، هكذا سنجد أنَّ معظم الحكايات التي خاطبت الأطفال كانت قصصاً مملوءةً بالعفاريت والجنيات والساحرات والأشرار وبنات السلطان ومناكيد العبيد والجواري وقصص المتسولين والظرفاء، كانت قصصاً تقدم لهم خيالاً منتفخاً في مقابل ضألة الواقع وتقزُمه، وكانت لا تعطيهم معرفة بالحياة، بل تطبع دلالة الألفاظ بسحرية الأفكار وتهويماتها. ويظهر أن هذا مكون من مكونات الخطاب العام، فقد بلورت " ألف ليلة وليلة " مثالاً تاريخياً على إنتاج الصور البلاغية والخطابية اللاعقلانية.

المجتمع المدني

إنَّ تحول لغة المعارف والتداول من لغة سلطوية، لاهوتية، لغة الأرقاء والجواري والعبيد إلى لغة الحقوق والحريات والتسامح لايعني أكثر من ضرورة تغيير الخطاب الخاص بالطفولة، وتغيير نمط الحياة السائد جذرياً. لأنَّ فائض لغة السلطة والقهر أصبحت راشحةً في كل مكان من الخيال الجمعي. كثيراً ما نُطلق على الطفل المهذب (المؤدّب) اسم الطفل (الأمير). وكلمة الأمير ذات مخزون سياسي كما هو معروف، لكن نظراً لأنَّ السياسةَ شكلَّت في النسيج الثقافي العربي النموذج الأعلى والمطلق مختلطاً فيه الديني والأخلاقي والإقتصادي والإجتماعي، فقد كانت لفظةَ (الأمير) اسقاطاً لكل هذه المحمولات على ذلك الكائن الإفتراضي. كان ذلك بالطبع اسقاطاً ثقافياً غير واعي. وبينما كان المدلول الأخلاقي في المقدمة ليناسب الحالة، فقد أصبح مدلولاً جارياً كنقطة تمويه مؤقت هو الآخر لإستعادة القمع والتسلُّط.

والمجتمع المدني يمثل تحدياً لكل ما ينتمي إلى خطاب الطفولة ومفاهيمه، لم يغب سوادُ الوجوه الذي جاء به القرآن واصفاً من يُبشْر بالأنثى: " وإذا بُشرَ أحدُهم بالأنثي ظل وجههُ مُسوداً وهو كظيم"، علامة جسدية من علامات الخطاب الثقافي، لكأن سوادُ الوجه نتيجة مولد الأنثى هو إشارة إلى التجاور الدلالي مع تدني النظرة إلى الوجوه السوداء في الواقع الإجتماعي. وإضافة إلى ذلك لم تختف عادة دفن الإناث، وأد البنات، هذه الظاهرة ( الجاهلية ) عن حق. كل ذلك أخذ اشكالاً خطابية جديدة، حتى أنَّ خطاب (قلب القُدُور) أقلُها وضوحاً، هناك تحقير دائم للمرأة وممارسة علنية وخفية للعنف اللفظي والجسدي إزائها، وهناك قتل للمرأة بسبب الفضيحة، بصمات المثل الشعبي تقول: " يا م خلِّف البنات يا م لاحقك العار حتى الممات". بجانب ذلك لا يُعترف بحقوق الأطفال إبتداء، وينتشر العنف الواقع عليهم، هم أول الضحايا وأخر الناجين من اللعنة الإجتماعية.

طفل العولمة

لم يعد وجود الطفل محلياً، بل أصبح طفلاً كونياً. أدواته الفنية وأفلامه، معارفه، المواد الغذائية التي يتناولها، ألعابه الإلكترونية، ملابسه، الصور التي تغلف مقتنياته.. كل هذه الوسائط تعكس ثقافة عولمية. إن فيلماً للرسوم المتحركة مثل توم وجيريTom and Jerry  جَسّد ثقافة خارج نطاق المعايير المحلية. ومع كونه مُعبراً عن صراع بين القط والفأر، إلاَّ أنه مثلَّ إسقاطاً عولمياً لكيفية بث نمط  من الخيال العابر للحدود. فكائنات الفيلم معروفة تمام المعرفة، غير أن الدلالة التي تُعطّى للصراع شيء آخر، إنها قابلة لأن تُحملّ بحمولات ثقافية وسياسية وإجتماعية، وربما طرح فيلم كهذا ليتجاوز الثوابت الثقافية رغم أننا لا نرى فيه من تلك الزاوية تكُّلفاً ظاهراً. ولنلاحظ أنَّ توم وجيري كان يحظى بنسبة مشاهدة عالية من الأطفال، بل كانوا يتماهون بأنفسهم ضمن مغامرات القط والفأر فتكون المشاهد والموضوعات والرموز أفعالاً بالإنابةٍ. لقد تجاوز الفيلم الأعمار بمعنى إقبال كل مراحل الطفولة على مشاهدته. ومن جهة اللغة نجده غيرَ مصحوبٍ بأي حوار أو كلمات، مكتفياً بالحركة والأفعال الافتراضية. الفيلم صامت بينما تقوم الأشكال والموسيقى والتقنيات بدور اللغة، وأخذت في صياغة الخطاب الذي يحمل الرسالَّة ليتلقاها الأطفال في الموعد والمكان الرمزيين.

المشكلة أنَّه لم تعد تجدي اللغة التقليدية التي إعتاد عليها أطفالُنا، هناك دراما الصور، صراع العلامات، اللغة ذاتها أضحت مهددة بالصمت الذي يجسد المعاني، لتغدو لغةً بمفاهيم أخرى، ولتأخذ شكلَّ كتابة تصويريةٍ أشبه بالكتابة الهيروغليفية القديمة في الحضارة الفرعونية. لنتخيل ما أحدثته العولمة، هل استوعبنا رمزيتها، هي هيروغليفية سيميائية من نوع جديد، نظراً لسيادة الحروف التصويرية أمام الأصوات والكلام المنطوق.إذ ذاك تصبح الصورةُ لغةً لها قوانينها وقواعدها الفنية، ولها تأثيراتها، ولو ركزنا على ذاكرة الأطفال لوجدناها تتأثر بالصور أكثر من الأصوات. وهذا تحدي جذري، لأن ثقافتنا العربية ترتَّدُ في أصولِّها إلى مرجعيات شفاهية، الذاكرة لدينا ذاكرة منطوقة، ذاكرة صوتية بملء الكون والحقائق والمقدسات. فالقرآن حينما يأتي على ذكر حواس الإنسان يقدّم الأُذن على كافة حواس الإنسان الآخرى: "إنَّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُ أولئك كان عنه مسئولاً".

القرآن يؤكد شيوع الأذُن وسيادتها دلالياً في الثقافة العربية، فمازلنا نردد أثناء الحديث اليومي: "إن للحطيان آذاناً" خوفاً من إبلاغ الكلام إلى آخرين، والكلام بهذه الآذان المتنصته كان مكوناً من مكونات المؤامرات والدسائس والفتن الدينية والاجتماعية. وفي ديوان العرب كان الشعرُ يتم تناقلُه وإلقاؤه مشافهةً، لدرجة قول الشاعر العربي في سياق الحب "إنَّ الأذنَ تعشقُ قبلَّ العين أحياناً"، وكانت تقاس قدرة الشاعر الفحل بقدرته على قرض الشعر شفاهةً. لذلك إستمر تأثرنا بهذه الفحولة الشعرية أملاً في" التفحُل الإجتماعي"، فهناك ثقافة الإشاعة التي تنتشر كما تنتشر النيران في الهشيم. السياسة تدار وكم أديرت بالإشاعة، وكانت الحركة الإجتماعية تتسارع وتيرتها بالإشاعة، الزواج، الطلاق، الطقوس والمناسبات أشياء تُفعلَّ بالإشاعة، معرفة الرأي العام يُجس نبضهُ بالإشاعة، التنمية الإقتصادية، الشراء والبيوع تجري بالإشاعة، تحقيق الطموحات والأهداف الشخصية تقاس درجات قبولها أو رفضها بالإشاعة، حتى غدت الإشاعة الصوتية قانوناً من قوانين ( الفيزياء الإجتماعية ) لتأثير التربية والمعرفة على السلوك في المواقف الحياتية.

وسرعان ما ترجمت هذه الظاهرة في عالم الطفولة بتصور شعبي مؤداه أنَّ "العيال" مصدر نقل الأخبار والحكايات والخطابات الأسرية، يُقال في موقف سماع الأخبار: " خذوا فألَّكم من عيالكم". ليس المقصود بذلك التفاؤل في كل الأحول، بل عبر الأمرُ عن حديث الطفل بكل ما يسمع، فهو الأُذن الخلفية للعائلة العربية والكاميرا الخفية في المناسبات والطقوس والعلاقات. وقد وردت كلمة العيال كدال على الأطفال، وهي آتية من كونهم معِيلِّين، أي وجوهم وجود طفيلي في دائرة أولياء الأمر والنهي. ولا يعدُّ هذا حطاً من شأنهم فحسب بل يضعهم في مكانة مسلوبي الإراة والوجود.

هكذا تعبر الثقافة عن" أخذ الفأل " بواو الجمع ( خذوا فألكم ) التي ترتد إلى أصحاب القوة في العائلة، وفألكم جاء بصيغة النسب، أي أن الأمر في النهاية منكم وإليكم. والعيال في هذا السياق ما هم إلاَّ مجرد وجود سلبي مرتين: مرةً لأنهم عيالكم، فلا جديد ولا رأي لهم من جهة الرفض والقبول: ومرة تاليةً لأنهم وسطاء لنفاذ الفأل والنميمة. والقضية بصدد خطاب الطفولة كالتالي: كيف يتم تحول الإهتمام من الأذن السامعة إلى الأذن التي ترى وتحس وتتذوق وتتألم وتشم؟ الطفل كتلة من الطاقات الحية نتيجة هذا الإندماج بين الحواس، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك خطاب يلبى قدراته واندهاشه المتنوع؟

 

د. سامي عبد العال

..........................

[1]- الأسئلة ملعونة، لأنها تفتح عمل المجهول (المفاجيء / الفاضح / غير التقليدي / الشيطاني) إذ يجري البحث عن وضوحه الخفي. ومن يطّلع على إجاباتها يلاحقه المجهول، تلاحقه الشكوك وبخاصة وسط إهمال المجتمعات العربية لقضايا معروفة كقضايا الطفولة والمستقبل والخطاب والسلطة. وإذا كان الواقع بائساً، فإن من يقاربه أو يقترب منه لا بد أن تلاحقه  اللعنات من كل حدب وصوبٍ، لعنة السياسة، لعنة الفضيحة، لعنة التقاليد. السؤال نفسه ناتج عن واقع اللعنة كما أشار هيجو، فكيف يعيشه الإنسان بلا ملاحقة؟! عليه أن يعيشه كما يوجد، عليه أن يعمل مروضاً للعنات، لو تخيلنا وظيفة جديدة للمفكر فإنه يطرح الأسئلة لإكتشاف اللعنات وتراكمها وكيفية تواطؤها مع مفاهيم اللامساس والمحرم والفضائح والعيب. لابد أن يتعلم المفكر ويتدرب ليل نهار على طرائق ترويض اللعنات وأثرها.  إن كل سؤال عما هي أسباب البؤس ومصدره، سيكون الاستفهام بتداعياته مصدراً للشقاء، مصدراً لمس مأخوذ بالشكوك واللعنات. السؤال الملعون بمثابة السؤال الذي يلاحقك وأنت تعيش في إجابته المترامية بحجم الحياة، وبفضل مراوغة اللعنة، فإن الإنسان لا يرى إجابته الضخمة موضوعاً لذات السؤال، فالأخير يحتاج إلى وعي مغاير بينما الإجابة تتقمصك في كل مكان. السؤال الملعون سؤال الأزمة المتناسلة  حين لا نعرف بدايتَّها ولا نهايتَّها. وإن كنا  ندري أنها أزمة، فهي تطرح إجابات على أية أسئلة محتملة، كما لو كانت غير متعنيةٍ بكيانها ولا بتداعياتها. السؤال الملعون سؤال نهم كالثقب الأسود لا تسد فجوته أيةُ إجابة. السؤال الملعونة لهو سؤال نعرف إجابتَّه ولكن لم نستطع تحديدها ولا تأسيسها ولا النظر خلفها مثلما تصنع الدوامات، لأننا ما أن نبادر بالإجابة عليه، حتى نفقد زخم الاستفهام، نفقد الإستفهام ذاته نتيجة الدوار الذي نصاب به.

[2]- عدم الإهتمام بالمستقبل في الثقافة العربية فعل خلفي للتأثر بالفكر الديني السلفي. وناتج عن سوء فهم حقيقي لمفاهيم القَدّر والزمن والدنيا والإرادة الإنسانية. فحينما يكون إنسانٌ بصدد الحديث عن المستقبل تقال له عبارة دالة:"لا تتأله على الله". وكأنه يحاول اغتصاب القدرة الإلهية في خلق  أحداث المستقبل، من جهة أخرى يقال في هذا الشأن أيضاً لا يجب أن تتحدث حديثاً هو من أفعال المنجمين والعرافين. في إشارة إلى أن ذلك اشتراك في انتهاك الحجب والتنبوء بما لا يصح. ولا يعني ذلك فقط عدم الخوض في المسائل الدينية بل إنغلاق العقل معرفياً أمام مسائل المعرفة والتخطيط والحقائق والتحليلات المستقبلية. لأن الثقافة تمدد دلالة المحرمات الدينية إلى أن تكون محرمات ثقافية معرفية. لنأخذ مقولة الإمام على بن أبي طالب حينما سئل عن القدر فقال " طريق مظلم فلا تسلكوه وبحر عميق فلا تلجوه وسر الله فلا تتكلفوه " (علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، جمع واختيار أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، دار العلم للملايين، بيروت لبنان 1982 صـ 489).  فقد جاءت كلمة القَدّر قريبةً من القِدْر بل الاختلاف بينهما موجود في التشكيل والنطق فحسب. كانت معالجة القِدْر الوارة في صفحات المتن بالملء من القيم والتقاليد، أي تم قلبه إلى الأرض. إي تم وضعه في حالة موت غامض أو واضح المهم أنه قد انتهى إلى الانكفاء على الماضي. أما حديث المستقبل في القَدّر، فهو طريق مظلم، موحش، غير محتمل السير فيه، والمقولة تنهي بصورة قاطعة عن السير خلاله، وهو أيضاً بحر عميق متلاطم الأمواج ولا يعدو أن يكون في الأخير سراً من أسرار الله. إذ ذاك ماذا ننتظر من الثقافة العربية في نظرتها إلى الآتي؟ إنها ستعمم هذا النهي وعدم الإقتراب حتى ولو كان على أسس معرفية واستراتيجية. وليس مصادفة أن تغيب مباحث المستقبل إلا من مؤلفات حول قيام الساعة وووصف الجنة والنار والصراط. حيث يترك من زاوية ثانية  المجال واسعاً لكتب العرافة والنبوءات وللخطاب الديني الأخروي فقط. حتى أن القارئ يظن كون الحقيقة كل الحقيقة لدى هذه المصادر حصراً. والغريب أن يفهم الخطباء والفقهاء والدعاه هذه اللمحة فكان حديثهم عن المستقبل منعدماً في غير خطاب الوعيد، خطاب العذاب والعقاب الذي أعده الله للكافرين والعصاه والمذنبين. واحتكر هؤلاء الحديث عن المستقبل وحرموه على غيرهم حتى يضمنوا  ولاء العامة وخضوع متلقي الخطاب لأفكارهم واتجاهاتهم. وبذلك مثل احتكار المستقبل رصيداً ضمنياً لصدق الخطاب على أساس أنهم يعرفون أخبار الجنة والنار رميا منهم باتجاه الغيب.

[3] - الوعي بوصفه تحدياً ولا سيما الوعي بالأزمات يعتبر معنى جديداً بالإجمال على إيقاع الثقافة العربية. نأخذ هنا قول المتنبي لشرح القضية: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم". الوعي الشقي وعي يهتم بالمشكلات وكيفية إلتقاطها وتشخيصها في نفس الوقت الذي ينعم غيره من أنماط الوعي بالحياة ولو كانت كلها جهالة في جهالةٍ. والوعي بالأزمات معناه أنه وعي مبدع لكونه يعطي المحيط الذي يجري فيه إهتماماً تساؤلياً، وهو وعي ينطوي على المبادرة والنقد والطرح  والقدرة على التجاوز وإبداع حلول مبتكرة للمشكلات التقليدية. وإذا كان المتنبي قد وضع صاحب العقل في مقابل أخو الجهالة فليس ذلك إلا نقداً للواقع الثقافي المرير، واقع شقي ومع ذلك يعد جنة بالنسبة لصاحب الجهالة، فهو أفيونه الذي لايستطيعالإبتعاد عنه، ولو خرج منه سيشعر بأعراض انسحابية مميته.

أخذ المعجم العربي الوعي بمعنى الوعاء كما ور بلسان العرب:" الوَعْيُ: حِفْظ القلبِ الشيءَ. وعَى الشيء والحديث يَعِيه وَعْياًوأَوْعاه: حَفِظَه وفَهِمَه وقَبِلَه، فهو واعٍ، وفلان أَوْعَى من فلانأَي أَحْفَظُ وأَفْهَمُ". الوعاء يساوي الاحتواء، الإمتلاء، ولزياة الإمعان في معطى الإحتواء أن يربط الوعي بالحفظ وهو ما يدل على الثبات وإبقاء المحفوظ قيد الرعاية والنقل. وقيل إن القلب هو وعاء الحفظ. والقلب محل عمل الشيء الثابت، وسواء أكان القلب يعني العقلَّ أم القلب كما هو معروف، فإن الوعي يظل مطبوعاً بهذا المدلول الحافظ ومهما قيل من محاولة الفهم فإنه فهم بموجب لحفظ لا التغيير أو النقد. في هذا الإطار من الصعوبة بمكان ألا تشكل فكرة الوعي بالأزمات ( وعي مأزوم ومتجاوز) تحطيماً لقيود الوعي في القلب. وأرح أن الوعي جاء بمعنى ثبات المحتوى في القلب أي بمفهوم الحفظ، لأن القلب في العربية من التقلب والتذبذب وحين يقول المعجم الحفظ في القلب كان يهف إلى الإبقاء على الشيء رغم تقلبات الأهواء والعواطف، أي الإحتواء في القلب رغم كونه متقلباً ومتأرجحاً.

ويمكن أن نتفهم ذلك  المعنى في إطار الدين على أساس الإخلاص والتطلع إلى اليقين  والإيمان كما جاء"في الحديث: نَضَّر الله امرأً سمع مَقالَتي فوَعاها، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعى من سامِعٍ. الأَزهري: الوَعِيُّ الحافِظُ الكَيِّسُ الفَقِيه. وفي حديث أَبي أُمامة: لا يُعَذِّبُ اللهُ قَلْباً وَعَى القُرآنَ؛ قال ابن الأَثير: أَي عقَلَه إِيماناً به وعَمَلاً، فأَما من حَفِظ أَلفاظَه وضَيَّعَ حُدوده فإِنه غير واعٍ له". لكن كعادة الثقافة العربية  تطرح المفاهيم  بنوع من الخلط بين الدلالات الدينية وغيرها لعدة أسباب: 1-  يمثل الوقع الديني للألفاظ وقعاً تأسيسياً للقاموس وحركة المعاني، الأمر الذي حعل البصمة الدينية موجودة بشكل أو بآخر في لغة التداول. 2- غياب الممارسة اتاريخية لدلالات جديدة للمفاهيم بحيث يمنحها أبعاداً مختلفة كما أشار ابن الأثير  بالحفط على أنه فاعلية العقل والعمل. 3- شيوع خطابات التقليد في الثقافة تاالعربية جعلها حافظة للمفاهيم مع الإبقاء على على قوالبها الجاهزة. 4- إهتمام التعليم والتربية بالحفظ كمحتوى وأداة للكائن الإفتراضي.لأنه أي الحفظ حركة حياة ورؤية للمستقبل، ولست بعيداً عن الصواب عندما أقول إن الحفظ شكل عصوراً من التأليف والكتابة والفهم والشروح والفقه ورؤى العالم والتاريخ.

 

 

تَحَدَّثَ بعضُ فلاسفةِ الاخلاق الغربيينَ عن الكائنات التي تمتلكُ إِحساساً وشعوراً بحيثُ تَحُسُّ بالألمِ وتَشْعُرُ باللّذَّةِ، وقالوا: بأَنها متساوِيَةٌ أَخلاقِيّاً، فهذا الفريقُ من فلاسِفَةِ الأخلاقِ لا يُفَرِّقُ بين قتلِ فَأرَةٍ في عرضِ الطريقِ وبينَ قتلِ انسانٍ؛ لأَنَّ المقياسَ عندهم هو الاحساس والشعور باللذة والأَلَمِ؛ ولذلك فجميع الكائناتِ الحَيَّةِ تتساوى وفقَ هذا المقياسِ؛ ولذلك لا وجود لنظرة أَنَّ الانسان مخلوقٌ متفردٌ أوكلَ اللهُ اليهِ مهمةَ الخلافةِ على هذهِ الارض، فهو لايتفوق على الكائنات؛ بل انَّهُ جزءٌ من الطبيعةِ وهذا الكون، وهو يخضعُ لقوانينِ الطَّبيعةِ كغيرهِ من الكائناتِ الحَيَّةِ.

 وهذهِ النَّظرَةُ لمْ تُمَيِّزْ بينَ المَرتَبَةِ الوجوديَّةِ للكائناتِ الحَيَّةِ وبينَ المرتبَةِ الحُقوقِيَّةِ، والمراتب الوجودية تستلزمُ مراتبَ حقوقيّةٍ تستحقها كل مرتبة من مراتب الوجود؛ فالمراتب الوجودية المختلفة تستلزم تفاوتاً في المراتب الحقوقية، امّا المراتب الوجودية للنوع الواحد فهي تتساوى مع المراتب الحقوقيَّة لنفسِ النوع.

انا استخدم المصطلح واعني بهِ معنىً مُحَدَّداً، الفلاسفةُ والعُرَفاء لايستخدمونَ المُصطَلَحَ بهذا المعنى . أَقصدُ بمراتب الوجود، أَنَّ الوجودَ على مراتبَ مختلفةٍ، فالهيولى (المادة الاولى) والتي هي مادةٌ محضةٌ خالِيّةٌ من أَيَّةِ صورَةٍ، هي اَدنى مرتبةٍ في مراتبِ الوجود، ويأتي الجماد وبعده النبات الذي هو أعلى رتبةً وجوديَّةً من الجماد ويترتب على المرتبة الوجوديَّة للنبات مرتبة حقوقيّة أعلى من مرتبةِ الجماد، والحيوان لهُ مرتبةٌ وُجوديَّةٌ أَعلى من مرتبةِ النبات؛ ولذا فهو يتمتع بمرتبة حقوقيّة تفوق مرتبةَ النبات، ويأتي الانسان ليحتل أعلى المراتب الوجودية في سُلَّمِ الوجودِ ولذلك فهو يتمتع بمرتبة حقوقيّة تفوق المراتب الحقوقيّة للحيوان والنبات والجماد. هذا في الانواع المختلفة، أَمّا في نفس النوع فتتساوى المرتبة الوجوديّة والمرتبة الحقوقيّة؛ فالنوع الانسانيُّ على سبيل المثال يتساوى افرادُهُ حقوقياً وان اختلفوا في مراتبهم الوجوديّة . احد أَعضاء مجلس النواب العراقيّ انتقد الامام عليّاً قائلاً: انه يتحدث عن نفسه بتميّزٍ عن بقية الناس، مثل قول الامام علي عليه السلام في الخطبة الشقشقيّة:

(ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير). هذا النائبُ لم يُفَرِّقُ بين المرتبةِ الوجوديّة لامير المؤمنين عليه السلام وبين المرتبة الحقوقيّة .

 الامام علي (ع) يتحدث عن مرتبته الوجوديّة، وعن ملكاته الذاتيّة، وهذه لايشاركهُ فيها أحَدٌ، أمّا مرتبتُهُ الحقوقيّةُ فيتساوى فيها مع ابسط افراد رعيته، بل قد يأخُذث أَقَلَّ من حقه، فقد اتى السوقِ يوماً هوَ وغلامُهُ قنبر فاشترى قميصينِ احدهما بدرهمين والاخر بثلاثةِ دراهمَ فأَعطى القميص الذي ثمنُهُ ثلاثة دراهمَ لغلامهِ واخذ القميص الذي ثمنه درهمين، واعترض قنبر وقال له: سيدي انت ترتقي المنبر وترمُقُكَ الناس ُبابصارِها، فالقميص الذي ثمنه ثلاثة دراهم يليق بك، فاجابه الامام (ع): وانك شاب ولك شرهة الشباب فهذا القميص يناسبك . في المراتب الحقوقية للنوع الواحد تتساوى الحقوق رغم الاختلاف في المراتب الوجوديّة .

فجوابنا لاولئك الفلاسفة الغربيين: ان الانسان كائن متفردٌ في خصائصه ومراتبه الوجوديّة؛ لذلك كان له التفوق والامتياز على سائر الكائنات؛ لانَّ مراتبهُ الوجوديّةَ تستلزم مراتب حقوقيّة تميزه على الكائنات الاخرى .وهناك قانون كوني: ان الادنى يضحى به من اجل الأعلى.

 

زعيم الخيرالله

 

 

صالح الفهديثمَّة تغيُّراتٍ قيميَّةٍ حادَّة في مجتمعاتنا، دَعونا باستماتةٍ إلى إلالتفاتِ إليها ولا ثمَّةَ من منصتٍ، ولا من مُجيب!! والأمرُ ليس مقتصراً على هشاشة القيمِ في المجتمع بسبب المؤثرات بل إن المؤسسات الحكومية قد أسهمت في هذا التضعضع القِيمي، وقد قلتُ ذلك بصراحةً في جلسةٍ عُقدت بمجلس الدولة وفي ورقةٍ لي قدَّمتها في جامعة السلطان قابوس منذُ سنوات.

لقد سعيتُ أن أبوحَ ما ينضحُ به ضميري الوطني الخالص أن لدينا تقهقرٌ قيمي عام وحادَّ يصيبُ ثقافتنا، وهويتنا، وبناء شخصياتنا في مقتل، ولكن يبدو أننا لا نريد أن ننعتق من خَدَر العيش في أمجادِ الماضي وبطولاته، ونلوي أعناقنا إليه أكثرَ مما نشرئبُّ بها نحو آفاق المستقبل..!

في ندوةٍ عقدت بإحدى الكليات بعنوان "القيم العمانية" تكلَّمتُ فيها بواقعية عمَّا أصابَ قيمنا من هشاشة وضعف بسبب مؤثراتٍ كثيرة داخليةً وخارجية، فثار أحد المشاركين معي في الحوار وتحدَّث قائلا: أن القيم العمانية أصيلة، وأنها عصيَّةً عن التاثُّر، وراسخة وعريقة وغير ذلك من الكلام الإنشائي المنقطعِ عن حالِ الواقعِ المعاش، أيَّ أنه كلامٌ حفظته الذاكرة، وحوته الكتب، فرددتُ عليه: بأن لا أحد هُنا يشكك في أصالةِ القيم العمانية وفي صلابتها، لكننا يجب أن نكون واقعيين في حديثنا عمَّا أصابَ قيمنا من تأثيرات عميقة أصابها بأضرارٍ جسيمةٍ تمظهرت في عدَّة صور من هشاشة البناء الأُسري، والعُرى المجتمعية، والأخلاقيات الشخصية والوظيفية، وضعف الإِنتماء الوطني، وتخلخل الهوية الوطنية وغير ذلك.

كل ذلك يحتِّم علينا أن نقفَ حازمين صادقين بكل مسؤولية كي نواجه هذا التيَّار الجارف الذي غضَّ عنه النظرَ كثيرٌ من صنَّاع القرار، وقد بحَّ صوتنا ونحن ننبِّه إلى ما جرفه هذا التيَّار وما سينتهي إليه الحال، ويصيرُ إليه المآل، ولكن الإستجابةَ ضعيفةٌ إن لم تكن معدومةً للأسف، فلم يتبقَ لنا سوى المساعي الشخصية على ما تملكه من إمكاناتٍ متواضعة.

لنقرأ ما كتبه المفكِّر البحريني علي محمد فخرو في مقاله" الانتقال إلى الثورة في القيم" يقول: "ما يهمنا التأكيد عليه مرة ثانية هو أننا، نحن العرب، كأفراد وجماعات ومجتمعات، نواجه نفس المشهد في حياتنا اليومية. وأننا، نحن أيضا، لدينا فوضى في مرجعيات القيم وأولوياتها والمبادئ التي تقف وراءها وفي مكانتها في كل نشاطاتنا المادية والمعنوية. وهذا يستوجب أن يصبح هذا الموضوع أحد أهم مواضيع الساعة في الحياة الفكرية والسياسة والاجتماعية والثقافية العربية.

وفي الواقع فإن مهمتنا مزدوجة ومضاعفة. فمن جهة علينا صدُّ الهجمة الثقافية العولمية الخارجية المليئة بمعاداة الكثير من القيم الانسانية وقيمنا، ومن جهة ثانية علينا معالجة ما اعترى قيمنا من أمراض وعلل واهمال بسبب تخلفنا الحضاري الذاتي عبر عدَّة قرون" ويوجِّه المفكر علي فخرو نداءً صريحاً لا مواراة فيه ولا مجاملة فيقول: "ولذلك يهمنا شد انتباه شابات وشبان الأمة، المناضلين من أجل احداث تغييرات كبرى في مجتمعاتهم المستقبلية، لأن يعطوا مكانة خاصة لموضوع تثوير القيم في مكونات وأهداف ومنهجيات حراكاتهم الجماهيرية المستقبلية".

إنَّ ما قالهُ هذا المفكر الحكيم هو عينُ المنطق الذي ندعو إليه؛ فالحفاظُ على القيمِ من المؤثرات ليس بإقامةِ أسوارٍ خرسانيةٍ صلدةٍ وإنَّما ببناءٍ قيمي عصيٍّ على المؤثرات، وأذكرُ هُنا أن شخصاً سألني حين عَلمَ أن إبني يدرسُ في مدينة مانشستر الإنجليزية: هل وضعتَ له كاميرا في شقَّته لمراقبته؟ طبعاً هذا السؤال يعبِّرُ عن عقليَّةِ الرجلِ السطحية، وتوهانهِ الفكري، وافتقاره إلى أُسس التنشئة الأُسرية، فأجبته: نعم وضعتُ له كاميرا ولكن ليس في شقَّته، وإنما في ضميره، فانا قد أنشأته على القيم الكريمة، والخصال الرفيعة، فليس بحاجة إلى رقابةِ كاميرا، لأنَّه يملكُ ضميراً قيمياً قد أصبحَ هو رقيبه، ومرجعه، وموجهه.

حين أسمى أحد الأُخوة ابنته بإسم برنامجي "قِيم" شعرتُ بسعادةٍ كبيرة، وقلتُ في نفسي لو لم يحقق برنامجي إلَّا هذا لكفى, الشاهدُ من هذا كلُّه أن علينا واجباً فرضاً لا واجبَ كفاية في صيانة القيم، وما لم يكن صنَّاع القرار في صدارة الاهتمام والاعتناء فإن الجهود على صدقها وتفانيها ستظلُّ قاصرةً عن بلوغ أهدافها ومراميها، لكن ذلك لا يمنعنا من مواصلة جهودنا للحفاظ على قيمنا التي تشكِّل رأسَ مال هُويتنا، وقوامَ شخصياتنا، وأساسُ كياننا.  

 

د. صالح الفهدي

 

محمد بنيعيشأولا: المهن الإنسانية بين شرط الوفاء والضمان

موضوع الضمان المهني هو موضوع ذو شجون وذو قرون وذو حصون . فالمهن كلها لها اعتبارها وقيمتها الاجتماعية والاقتصادية والمالية والصناعية والتجارية والنفسية . واحترام المهن المنتجة والمفيدة للحياة العامة وما يقتضيه الاجتماع البشري لكي يستقيم حاله هو دليل النضج والوعي والشعور بالوحدة الاجتماعية والوطنية، بل العالمية حينما تصبح بعض المهن مطلبا إنسانيا محضا . ومن بين هذه المهن الشريفة والتي تأخذ الصدارة في الترتيب من حيث الضرورة والسمو والدقة والعلم نجد علم الطب وما ينم إليه بصلة صحيحة وسليمة.

والفقهاء المسلمون قد ناقشوا موضوع الطب والوفاء المهني فيه، ومن ثم أصدروا فتاوى في الموضوع تلزم الطبيب أن يكون متخصصا أولا، ثم بعد ذلك تلزمه بأن يكون ضامنا للسلامة من خلال معالجته حتى ينال أجره! أما إذا لم يبرؤ المريض وفي حالات عادية وليست معقدة فالأجر يبقى معلقا إلى حينه بل قد يؤدي دية الخطأ إذا ترتبت عنه مضاعفات. إذ في الحالات المعقدة يرى ابن رشد أن "أشياء كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصناع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد موقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة"1 وعن الضمان المهني يقول: "وأصل مذهب مالك أن الصناع يضمنون كل ما أتى على أيديهم من حرف أو كسر في المصنوع أو قطع إذا عمله في حانوته وإن كان صاحبه قاعدا معه، إلا فيما كان فيه تغرير من الأعمال، مثل ثقب الجوهر ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران، والطبيب يموت العليل من معالجته وكذلك البيطار إلا أن يعلم أنه تعدى فيضمن حينئذ، وأما الطبيب وما أشبهه إذا أخطأ في فعله وكان من أهل المعرفة فلا شيء عليه في النفس والدية على العاقلة فيما فوق الثلث وفي ماله فيما دون الثلث. وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية، قيل في ماله وقيل على العاقلة"2 .

وهذه الفتاوى تبين لنا أن القانون كفيل بضبط المهن وتوجيهها نحو خدمة المجتمع وتحقيق راحته وازدهاره لا السعي إلى إفقاره وابتزازه وإهدار صحته من غير متابعة، حتى قد نجد في العصور الغابرة كما يؤرخ لها، أنّ في عهد حمورابي البابلي (1728-1686ق.م) كانت توجد القوانين التي تحتوي عليها ما ينظم مهنة الطب، حيث حددت الأجر الذي يتقاضاه الطبيب أو الجراح مقابل العلاج الذي يقدمه وبناء على الوضع الاجتماعي للمريض (أحد النبلاء، تاجر، أو عبد)، كما حددت العقوبة التي توقع على الطبيب إذا فشل في أداء مهمته: "إذا قام الطبيب  بإجراء عملية جراحية كبيرة لأحد النبلاء منقذا حياته، فإنه يحصل على عشرة من الشيكلات الفضية أما إذا توفي هذا النبيل فتقطع يد الجراح، أما إذا تسبب الطبيب في وفاة أحد العبيد، فإنه يقوم بتعويض صاحبه بعبد آخر"3  كما أنه عند المصريين حسب ما يبدو –كما يؤرخ له- "لم يكن الأطباء يطلبون أتعابا لكنهم كانوا يتقاضون باعتبارهم موظفين في الدولة راتبا ثابتا في صورة غذاء وثياب في أغلب الأحيان..."

فالنتائج العكسية للمهن والحرف بشتى أنواعها إذا لم يعقلن سيرها وتقسيمها ويقنن إجراؤها ووظيفتها ستعود مسؤوليتها بالدرجة الأولى على مناهج التعليم في الجامعات وكذلك التوعية في الجوامع ومنابر الإعلام الرسمي والحزبي والجمعوي بشتى أشكاله، كما قد تكون ناتجة عن غياب التكوين الخلقي وضعف ترسيخ العلوم الإسلامية في نفوس الطلبة ذوي الاتجاهات المهنية البحتة في دراساتهم، مما أفرز انشطارية سلوكية متناقضة في ميدانها، رغم أنها في البداية قد تلقن العلوم على اعتبارها ذات بعد إنساني محض، لكنها في النهاية تصير إلى منحى أناني، وبطالة فكرية لا يستطيع معها الشخص أن يتخلص من المحسوسات نحو المعقولات.

ثانيا: الوظيفة المهنية ومظاهر الاستغلال بحسب الحاجة والطلب

وعلى هذا النموذج الطبي قس ما بقي من مهن وحرف، إذ كل ذي مهنة أو حرفة إلا ويحتكرها لصالح منفعته المادية الصرفة، وبالتالي يتطاول فيها على اختصاص غيره –إلا من رحم الله- وتتحول الحرف إلى حفر لإسقاط الآخر على أم رأسه، فكم من سيارات عطبت وكم من ثلاجات وتلفزات عطلت، وكم من بنايات ومنشآت شوهت وهدمت، بسبب التسيب المهني وبسبب غياب الفكر السليم الذي يضع الأمور في مكانها المناسب ويراعي الخصوصية والتخصص، ومن ثم وقع المجتمع في بطالة فكرية وعطل مزمن رغم ما يبدو من مظاهر التقدم والنمو حسب زعم المتسيسين والإعلاميين، ولكنها مظاهر فئوية مزيفة ومصنوعة بالإخراجات التلفزية والسينمائية، كخدع وتمويهات ليس إلا، أما الواقع فإنه يخفي مرارة وأزمة طاحنة تحتاج إلى إعادة الهيكلة الجدرية وصياغة المفهوم الحقيقي للعلم النافع والسياسة الجادة حتى يتم التكامل والتواصل وتصير مجتمعاتنا ذات مساهمة فعلية في صنع الحضارة الثابتة والمستعدة لكي تدخل التاريخ الذهبي جديدا من بابه الواسع.

إن ترسيخ الشره المادي عند ذوي المهن المرتبطة بالمجتمع وما تعم به البلوى كما يقول فقهاؤها سواء كانت في المجال القضائي كالمحاماة مثلا أو الصحي كالطب والصيدلية وأيضا في مجالات الماء والكهرباء وإنتاج المواد الاستهلاكية مع خوصصتها بغير قيود قانونية وأخلاقية ملزمة، قد يترتب عنه شعور نفسي شاذ ومريض ربما يصير معه الشخص عدوا للمجتمع في قرارة نفسه وباطنه من حيث يدري أو لا يريد، إذ سيصير سلوكهم رغم اختلاف وظائفهم على نمط سلوك بائع الكفن، لأن هذا الأخير في عمق نفسه يتمنى أن يكثر الموتى في البلد حتى ينفذ ما لديه من أثوبة معدة للتكفين!

وهو نفس الشعور الذي قد ينتاب المحامي مثلا، إذ قد يتمنى أن تكثر الخصومات وتتعقد المسائل حتى يكون له دور البطل في حل القضايا واكتساب الموكلين وما يأتي معهم من رزق، تتفاوت مقاديره بحسب مستوى كبر أو حجم القضية‍.

وأيضا فإن الطبيب ينتابه نفس الشعور، وهو تمني حصول الأمراض وكثرة ظهورها وانتشارها حتى يجد ما يعالج ويتعيش بمداخيله على حساب المرضى، وربما قد يتحول الطب إلى شعبذة كما أشرنا قبل من أجل استدرار الأموال بغير مبرر أخلاقي أو صحي معقول.

ونفس الشيء قد يحدث عند منتجي المواد الأولية للاستهلاك في المجال الفلاحي أو الصناعي، إذ الإنتاج يبقى رهينا بالعرض والطلب ولكن بصورة شاذة وغير أخلاقية، أي أن الطلب سيصبح مفتعلا بالاحتكار ثم يأتي بعده العرض ولكن على حساب الطاقة الشرائية للمجتمع، من أجل تحقيق الاغتناء الفاحش وتحقيق الفوارق الطبقية بغير توسط.

وهذه الشذوذات المهنية ذات خلفيات قانونية وسياسية مدروسة بتأثير بطالة فكرية، ربما قد تتعمدها بعض الحكومات من أجل افتعال المشاكل داخل المجتمع وشغله بما يلهيه من الضرورات وسد الحاجيات والخصومات وأداء المستحقات، مما يعني اعتماد الخزينة العامة على حساب تلك الاختلالات الاجتماعية والالزام بواسطتها قانونيا، فتكون تلك الحكومات بمثابة بائع الكفن الذي يتعيش على حساب الموتى، أي أنها تبني اقتصادها على المظالم والباطل الذي ليس وراءه طائل.

وبالتالي كما يقول ابن خلدون "الظلم مؤذن بخراب العمران" ويلخص هذه المعاني كلها قول النبي صلى الله عليه وسلم : "الظلم ظلمات غدا يوم القيامة". يقول الله تعالى : "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" صدق الله العظيم

 

د. محمد بنيعيش

..........................

1- ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مكتبة المعارف الرباط ج 2 ص 50

2- ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج2 ص 236.

3- جان شارل سورنيا: تاريخ الطب من فن المداواة إلى علم التشخيص. 4- ترجمة إبراهيم البجلاتي سلسلة عالم المعرفة عدد 281 ص 25.

نفس المرجع ص30.

 

ليلى الدسوقيمن يقرأ العصر الفرعونى ثم الفتح الاغريقى لمصر على يد الاسكندر الاكبر عام 332 ق . م ودخول البلاد عهدا جديد بطموحات الاسكندر الاكبر الى العالمية (تلميذ ارسطو الذى يدعو الى العالمية) حتى اخر حكم البطالمة الذين تسموا باسم بطليموس الاول حتى كانت موقعة اكتيوم البحرية وهزيمة كليوباترا عام 31 ق.م وفتحت صفحة جديدة لحكم البلاد مع الفتح الرومانى للبلاد (مصر مقبرة الغزاة وضيعة الشرق القديم)

بالرغم من استيلاء الاسكندر الاكبر على مصر فمن البديهى ان يطبق قانون المنتصر اى القانون الاغريقى على المهزوم (ان المنتصر يفرض قانونه على المهزوم) ويتوارى القانون المصرى ولكن حدث العكس بل اعلن البطالمة منذ فجر الاحتلال ودخولهم البلاد على احترام الديانة المصرية وايضا على احترام القانون المصرى وتركت الحرية كاملة للمصريين فى مجال العقيدة والتشريع

فالقانون فى كل زمان ومكان جزء لا يتجزا من الحضارة الانسانية فى بلد ما وفى عصر ما

ومصر الفرعونية بلغت علوا كبيرا فى سلم الحضارة الانسانية فلقد عاشت مصر قديما بمعزل عن باقى المجتمعات البشرية القديمة ومن هنا صنع العقل المصرى قانون نقى فى مبادئه صاف فى قواعده دون التاثر باى قوانين اخرى

كان القانون يخرج من فم الاله اوزوريس اله الخير ومن دار حوريس الكبرى دار العدالة ثم ان الفرعون باعتباره الها فكأن القانون قد خرج من فم الاله (الاله هو الخير والحق والعدل)

يقول الاله رع لكل الملوك " قل العدالة ، اصنع العدالة لان العدالة قادرة انها عظيمة انها سرمدية "

فالمصريون القدماء عبدوا الالهة معات الهة الحقيقة والعدالة واتخذوا منها نبعا من ينابيع القانون وكنا نرى قضاة المحكمة العليا " دار حوريس الكبرى " كل قاض يضع حول عنقه تمثال الالهة " معات " لتذكره ان يحكم بين الناس بالعدل لذلك اتصف القانون المصرى الفرعونى بالعدالة

ان الفرعون اله حى انه لا يموت انه يحيا باعماله ويفعل ما يحب اما لا يحبه لا يفعله

و هذه رسالة من احد ملوك الاسرة الثانية عشرة الى احد وزرائه بمناسبة تعيينه " ...و الذى يجب عليك عمله فى كل الاحوال ان تحافظ على القانون وعندما ياتى صاحب شكوى فاحرص على ان يتم كل شى طبقا لما يقضى به القانون وما يقضى به نظامه حتى يصل كل شخص الى حقه ...."

و امتد العدل من الحاكم الى القضاه

يقول القاضى رمنوكا فى عهد الملك منكاورع فى نقوش وجدت على قبره تذكارا لما كان يحكم به:

" ان الذى يحب الملك والاله انوبيس على قمة جبله لا ياتى باذى لمحتويات هذا القبر من القوم الذين سيصعدون الى الغرب " الدار الاخرة " اما من جهة هذا القبر الابدى فانى قد اقمته لانى كنت مقربا لدى الملك والناس ولم يحدث قط انى اغتصبت اى شى من اى انسان لهذا القبر لانى اذكر يوم الحساب فى الغرب " الدار الاخرة "

و عرف القانون المصرى الفرعونى (قانون الملك بوكخوريس) كل صور العقود المسماة وغير المسماة الرضائية (العقد شريعة المتعاقدين) والشكلية وايضا عرف التامينات العينية والشخصية

ساد المجتمع المصرى ابعاد القانون والقى ظلاله على قوانين العالم القديم بدءا من القانون اليونانى "قانون صولون" والقانون الرومانى "قانون الالواح الاثنى عشر" وعند نهايته موسوعة جوستنيان اخر اباطرة الرومان حيث كانت مصر ولاية رومانية وتعايش القانون الرومانى مع القانون المصرى

فالقانون المصرى الوضعى المعاصر استمد كثيرا من القانون الفرنسى الذى امر بوضعه " نابليون بونابرت " بتشكيل لجنة من كبار فقهاء فرنساء لصياغة القانون الذى استمد من موسوعة جوستنيان اخر اباطرة الرومان بالاضافة الى قانون الالواح الاثنى عشر (شكلت لجنة للذهاب الى اثينا للاطلاع على القانون اليونانى الشهير قانون صولون الذى زار مصر واطلع على قانون الملك بوكخوريس (الاسرة الخامسة والعشرون) وكان عام 595 ق. م واخذ من هذا القانون كثيرا من قواعده التى شكلت قانون الالواح الاثنى عشر) الذى اتصف بالدقة فى الصياغة القانونية واخذت الموسوعة منه كثير من قواعده القانونية

و ايضا واضعى قانون الالواح الاثنى عشر انفسهم اطلعوا على قانون بوكخوريس واشادوا به فى ساحة الفوروم الكبرى

و هكذا نرى بكل وضوح ان القانون المصرى الفرعونى (قانون الملك بوكخوريس) عاش مع الزمن فاعلا ومفعولا مع القوانين التى التقى بها على جسر تاريخه الممتد عبر الزمن

وان قانون نابليون الذى يمثل المصدر التاريخى للقانون المصرى المعاصر اخذ من منابع القانون الرومانى (الرومان الذين ابدعوا فى صياغة وصناعة القانون وكما قال خطيبهم شيشيرون نحن قوم اختارتنا الطبيعة لنحمل رسالة القانون الى العالم اجمعين " والذى له صلة متفاعلة مع القانون المصرى القديم (قانون الملك بوكخوريس)

لذا يمكن القول بكل ثقة " هذه بضاعتنا قد ردت إلينا "

 

ليلى الدسوقى

 

صادق السامرائيالأقلام العربية المفكرة تتعبد في محراب ديكارت (أبو الفلسفة)، فمنذ أن أطلق صرخته، "أنا أفكر إذا أنا موجود"، وحاول الشك في وجوده، ومن شكوكه أثبت وجوده، فالشك أوصله للتفكير، وعندما يفكر يتحسس وجوده بمعانيه المطلقة.

والعرب بمفكريهم ومصلحيهم ورواد نهضتهم تمسكوا بهذا الخط، وكأنه الطريق الذي لا طريق سواه للمعرفة، وتناسوا عناصر الإدراك والمعرفة الحقيقية، ولا يزالون يتحدثون عن الشك ويضعون ديكارت في مراتب علوية، خصوصا الذين يستنسخون ويتبعون ويعتمدون على الأجنبي، الذي يحسبونه صاحب العقل الفائق!!

ولا يُعرف لماذا لا يطرحون أسئلة بأساليب مقتدرة على الإتيان بأجوبة عملية لا نظرية، فأكثرهم يختبئون وراء لماذا، ويرتعبون من كيف!!

ولا تجد دراسة أو بحث أو طرح فكري وفلسفي وإجتماعي يتناول موضوع كيف نتقدم، ولو فتشتم في ما كتبوه، منذ منتصف القرن التاسع عشر، فلن تجدوا إلا البحوث والدراسات ذات الأجوبة النظرية الخاوية عن لماذا!!

بينما المجتمعات المتقدمة تجاوزت مرحلة لماذا وتفكر بمنطلقات كيف، فالأسئلة المطروحة تبدأ بكيف، ولا تعير إهتماما كبيرا للماذا إلا عندما يتعلق الأمر بإيجاد كيفيات وآليات ذات قيمة عملية وإنجازية.

فالواقع الثقافي للأمة حساس من كلمة "الشك"، بل إن التساؤل يكاد يكون محرما في بعض الموضوعات، فلماذا عجز المفكرون عن إيجاد إقترابات أخرى، ولماذا هم ديكارتيون، وعندنا الكندي والفارابي وإبن سينا والغزالي والمعري، إضافة لإبن رشد وغيره الكثيرون؟!!

لماذا لا ننطلق من جوهرنا الحضاري لمواجهة التحديات، بدلا من النزعة الديكارتية المثيرة لأليات الدفاع والظن بالسوء؟!!

والدنيا تتقدم، وبسرعة وتتجاوز المراحل تلو المراحل، ونحن نتمسك بما عفا عليه الزمن وغادرته المجتمعات، فالذين يتمنطقون بمذهب ديكارت، هل يجدون مَن يكتب عنه ببلاده في القرن الحالي، وهل تجمَّدوا عند مذهبه وما أنتجوا فيلسوفا بعده؟

إن الجهود العربية تُستهلك في نشاطات تتسبب بأضرار حضارية قاسية يصعب علاجها، لتكرارها وإزمانها وتعضلها في خنادق ومتاهات ذات أترسة إنفعالية وإنتماءات عاطفية، تبرمج الأدمغة وترهنها بما لا ينفعها.

فكلما قرأنا لمفكر من مفكرينا، نجده قد حصل على شهادته من جامعة أجنبية وتأثر بهذا الأستاذ أو ذاك، وراح يطبق رؤية أستاذه على الواقع الذي لا يمت بصلة إليه، فيفرض عليه نظريات مستنبطة في مجتمعات أخرى، وبموجبها يتخذ منهج بحثه ويصل إلى إستنتاجاته التي يتصورها راجحة، وما هي إلا تفاعلات خيالية مع واقع لا يعرفه.

وتلك معضلة المفكرين العرب، التي أدّت إلى فشلهم في صناعة التغيير، والتيار الثقافي الذي يمكّن الأجيال من التعبير عن إرادتها الحضارية المعاصرة.

وعندما تواجههم بالحقيقة المريرة، يغضبون، ولا يتدبرون ولايتفكرون، ويتفاعلون بإصرار مع مفردات الواقع بنظريات الآخرين!!

 

د. صادق السامرائي

3\9\2021

 

 

سامي عبد العاللنُحاول مرةً بعد مرةٍ طرح (قضية الطفولة) من الأمام في المستقبل، أي نأتيها بعد الموعد في الغد المفتوح. إذْ ذاك سنجد الطُفولة كياناً افتراضياً قابلاً للتشكيل، وستظل وضعيتها مسألة شائكةً لها كافة الاحتمالات منذ أنْ كان المستقبل مجهُولاً في تاريخ البشر. إنّ الطفولة بالفعل هي كياننا نحن وقد أُلقِيّ به على طول المدى دون تحديدٍ. فالأطفالُ أولادَّنا حين يستوعبوا وجودَّنا الضيق في وجودِّهم المفتوح، هم أحلامنا القادمة المتسِّعة إلى مالا توقُف، ويمثلون هدفنا الباقي حيث لا نمتلك مصيرَّه. ومن ثمَّ ونحن إزاء خطابٍ منتظَر لوجودهم القادم، فلِمَ لا نكون إذن بصدد شيء (جديدٍ)، مثل الزمن، التاريخ، الحياة؟!

على الأقل هنالك شيءٌ من غير الممكنِ الآن معرفته في حقيقة أطفالنا، أي ها هو (إنسانهم) يعبر عن تخلُق مختلف، مخاض مغاير يجب مراقبة تفاعلاته في صمتٍ وعنايةٍ وانفتاح. ذلك من واقع تحديات(العصر، المعرفة، التربية، التكنولوجيا) المفتوحة على اتجاهات شتى. فالعناصر المذكورة تقع دوماً في مرحلة التكوين المستمر، وتشترك في واقع ما، في تحول ما خارجنا الآن بإعتبارها إشارات. إنَّ ما تُسطِّره الطفولة على صفحات الحياة فيما بعد أكثر مما نراه، لنتريث قليلاً، فإدعاء المعرفة والتربية وسط  التحول الزمني يضر بنا، بمعرفتنا ضرراً بالغاً.

إنّ تصوراً مفتوحاً للطفولة لهو أمر صادِم لكل تاريخ الثقافة العربية، صادِّم لموروثات التربية (النفسية، الدينية، الوطنية، السياسية، الإجتماعية، الأخلاقية). بالتحديد هو تصور مزلزل للقيم السائدة، حين تؤكد العبارة الشعبية السائرة سريان النار في الهشيم حول البنات وأمهاتهن:" إقلب القِدْرةَ على فمْها، تَخرجُ البنتُ لأُمها ". وهي عبارة تنقل مضامين تربوية واجتماعية بالدرجة الأولى. فالقِدْرة نوع من الأواني الفخارية المستعملة لأغراض الطعام والشراب، والفم هو رمز الكلام والشبع والسلطة الإجتماعية(الخطاب)، والعلاقة تشترك في الصلصال الذي هو مادة خلق الإنسان والفخار والزمن. وعملية القلب المشار إليها هي التطابق الثقافي بين الأصل (الأم) والفرع (البنت)، بين (الأب) و(الإبن)، بين (المرجعية) و(التطبيق)، بين (الماضي) و(المستقبل)، بين (التام) و(الناقص)، بين (اللفظ) و(المعنى).

إنَّ العبارة الشعبية الآنفة هي عبارة أساسية تحتاج تفسيراً مختلفاً فيما هو آتٍ من المقال. وتباعاً يمكن أنْ نفهم القلْبَ بفعل (الإنكفاء، الوضع، الانزال) على شيء ثابتٍ، بينما تكون البنتُ بمثابة الحياة (الزمن، الرغبة، الحاضنة النوعية). فالمرأة هي المحبوبة، الزوجة، المرأة الولُود، وهي الأمومة، الطبيعة، الحقيقة، حاضنةُ الأصول وأخيراً هي جماع ذلك كله الذي هو الثقافة. إذن" القَلْبُ الثقافي " عملية شاملة، تستغرق الحياة كلها لضمان الهيمنة على الكائنات الإفتراضية (الأطفال).

تحتوى عملية " القلب الثقافي" لحياة الأطفال في هذا الاتجاه على عدة آليات مع النقاط  التي ستذكر بالأعلى، آليات تؤهل تلك العملية لإستغراق الحياة بمجملها وتعود حاكمة بمسار كيانهم الأفتراضي، مع العلم بأنَّ تلك الآليات ملتحمةٌ بالتاريخ الناتح عن حركة المجتمعات العربية لدرجة الرمي نحو الغد:

أولاً: التحويل transformation:

قَلْب الشيء .. أي لُب تَحْويلُه عن وجهه المنظور إلى وجه آخر، وقد انْقَلَب بذلك تماماً. وقَلَبَ الشيءَ، وقَلَّبه: حَوَّله ظَهْراً لبَطْنٍ. التحويل لجوهر الطفولة والتعامل معها كما يبدو فعل مقصود ضمن تحديدات الثقافة، وبخاصة أنَّ النتيجة المترتبة على التربية تنتظر التحقق، فالقلب ثقافياً بمثابة وضع المحصلة ضمن الوجه المُراد الوصول إليه. وحين يُقال قلَبتُ شيئاً أي وضعته على وجهةٍ أريدُها. والقلب الثقافي يتماس مع فكرة التفريغ التي سأشير إليها لا حقاً، فقلبُ الشيء معناه إنكبابه على حدوده العليا وبمقدار ما تنكفيء الحدود العلياً على الأرض بمقدار ما يسقط ما في جوفه، وتفرّغ حمولته ضماناً لتمام الإلتصاق بالأرض، والأرض هنا هي بنية المجتمع.

وطبعاً لا يتم هذا المعنى التربوي في الثقافة بمضمونه المادي، لأنَّ درجة التحويل بالنسبة للأطفال نوعٌ من التعويد والترميز والصياغة مرةً أخرى، وإعاة تأكيد على الأصول في حضورهم، وإلاَّ لما ذكر المثل كلمة (تَطْلَع)، أي (تخرج) البنتُ مشابهة لأمها التي هي الثقافة، وكيف ستخرج ما لم يكن ثمة تحويلٌ بمضمون القلب العنيف وتعديل الإتجاهات وتمريرها؟!

ثانياً: تحديد المصير(العاقبة) destiny determination:

يستهدف القلب الثقافي الوصول بالمقلوب(الطفل) إلى عاقبته القصوى، أي معرفة مصيره والتأكُّد منه. لذلك يقال قلّب الأمور، أي أتى على أوجهها لمعرفة مصيرها، كالعراف الذي يقلب الدلائل والإشارات والإمارات بحثاُ عن تصريف الأمور والإطلاع على العواقب. والثقافة العربية لا تطلق مقولة " قلّب القدرة " لمجرد النظر، بل لتعيين  الإفتراض المنظور إليه زمناً وتكويناً. والتقليب بما يحتمله من حركة يكون ذا نشاط في فضاء الثقافة ذاتها، أي أنَّ الحركة أوضاع تاريخية مع كثافة المعطيات وأسس ترسيخها.

والبحث والنظر ممارستان ثقافيتان على الأصالة تجريان وفق القواعد العامة المعترف بها. فحتى إذا كان هناك إعتقاد بأن التقليب في حياة الطفل يحتمل التغيير، فإن التغيير يتمُّ إلى الداخل الموروث لا الخارج. لهذا، فإنَّ قلب القِدْرةَ على فمها يقصد به تحديداً السيطرة على المضمون الداخلي، والتشكيل في العمق. وحقاً لا يتم هذا دون تركيز كثافة العملية (التحويل) على مثول الداخل، أي القيم والأفكار والسلوك، إلى طابع الثقافة. ولو كان التحويل عملاً برانياً كما يبدو، فإن تحديد العاقبة يعمل بالأعماق، بالنهايات والكل. فالنتيجة المترتبة على عملية القلب أتصور أن تكون ختاتمية بهذا المنطق.

ثالثاً: النضْج (الإستواء) maturity:

يرمز التقليب في الثقافة العربية إلى إمكانية النضج مثلما يقلَّب الخبزَ على بطنه بعد أن نضج ظهرهُ. ولا يخفى علينا أنَّ الطفل إذا بلغ سن الرشد يقال له ناضج، غير أن الثقافة تراوح عملياتها التربوية والأخلاقية ضمن القلب من أجل رؤية آثار النضج في وعيه ومشاعره وسلوكياته. ولذلك كثيراً ما يطلق على الطفل عربياً لقب رجل لمجرد أنه ذكر ويتم التعامل معه بهذه الطريقة. والزمن يلعب دوراً مهماً في تلك الآلية، فمن مرحلة إلى أخرى تكثف الثقافة العربية حضور أصولها في المستقبل. والنضح يمثل أثر التقليب بين المكونات حتى تتفاعل مع المعنى المطروح للإنسان والأخلاق والغاية من الفعل.

وليس أوضّح على ذلك من أننا حين نحاول إنضاج الطعام، نأخذ في تقليب قوامه وتحريك مكوناته في القدر. وتحرك الثقافة العربية فاعليتها بالفكر الديني الأخلاقي، وقد أوضحت هذه النقطة في المتن أيضاً. مع أن تلك النقطة ليست مضمونةً، بمعنى قد يكون النضح إنحرافاً. لهذا يقال في  اللغة العربية " اقْلِبـي قَلابِ؛ يُضْرَب للرجل يَقْلِبُ لسانَه، فيَضَعُه حيث شاءَ "، فإذا ظهرت السقطة يشار عليه بإعادة الكلام إلى موضعه، إذن القلب يكون لتدارك السقطات، غير أنها لا تذهب تماماً، هي تبقى بالرغم من إزاله شكلها.

رابعاً: العودة (الإنصراف)back :

يأخذ القلب بزمام الموضوع (الطفل - الإنسان) للعودة إلى حالةٍ مرجوّة. والعودة تعني فصداً العودة إلى المرجعية، إلى الأنماط الأولية في البنية الثقافية. فالأمومة مكون أولِّي، وحيث تخرج البنتُ لها وظيفياً أنما تمثل عودة لدلالة  الثقافة الأم في المجتمع، أي دلالة الإنصراف نحو الثبات والتقاليد ونمط القيم. والخروج هو ماض بوضع التعود، والتعود يغني مسار العودة بشكل متواصل دون كللٍ ولا مللٍ.

وهذا إجمالاً مفهوم التربية في الثقافة العربية، من حيث كونها تمارين لا تنتهي على طرق العودة نحو القواعد المعمول بها في المجتمعات. وفي هذا السياق يعبر عن العودة بالإنصراف، الإرسال إلى موطن العودة والإستقرار. فحينما يقلب المعلم التلاميذ، فإنه يرسلهم إلى منازلهم (إلى حاضنتهم الإجتماعية)، والمنقلب هو الذهاب إلى المنصرف، أي الموضع الأخير للإنقلاب. والإنقلاب الرجوع مطلقاً، بشكل نهائي لا محيد عنه.

خامساً: التعاطف والتعقل Empathy and prudence :

يطلق المعجم العربي على القلب كعضو في جسم الإنسان معنيين. معنى "القلب " المعروف كموضع رمزي للعواطف والمشاعر والحب، ومعنى" العقل" كأداة للوعي والفهم والتدبر والتفكير. والإشارة واضحة في إختلاط المعنيين، فعملية القلب تسير بالاثنين معاًـ ولعل الكائن المقلوب (الكائن الافتراضي) يرجع مصيراً ونضجاً وتحولاً إلى الأم، وكأنَّ المثل يقول إن عملية القلب تجري على مستوى العواطف والوعي معاً، عملية القلب تعاطفاً وعملية القلب وعياً تثبيتاً للعودة بكلا الجانبين.

وبالتالي يشير فعل القلبُ إلى أنَّه لا منفذ ثقافياً إلاَّ بالرجوع مرةً نهائية إلى الأصل. ومع ذلك، فتلك الحقيقة ليست نهائية ولن تكون، فأخطر شيء هو غلق (القدر – الثقافة) لتنضج العواطف مع الوعى، فلا هذا سيختلط بتلك ولا تلك ستنتهي إلى ذاك، إنما الاثنان سيمثلان خطراً دائماً وهو ما سنراه متجلياً في مفاهيم الكائن الإفتراضي.

سادساً: الخُلوص (اللُب) purity:

يعنى أن القلبَ موضع الخلوص ولُبه، ويقال جئتك بهذا الأمر قلباً أي جئتك به خالصاً ومحضاً ولا تشوبه شائبة. وعملية القلب الثقافي الرجوع بالبنت، الطفل، خالصاً إلى مرجعية الثقافة الموثوق بها، أي تدل العملية على ضرورة تفريغ أولا، تطهير معنوي وسلوكي مما عساه أن يتعارض مع قيم الأمومة ومن ثم يجري الإنصراف إلى الإلتقاء بالماهية المنتظرة في قادم الأيام.

ويؤكد معنى كهذا على أنَّ  التربية، فعل القلب هو طريق الخلاص من شوائب العصر، وأنَّه لا مفر من الإنقلاب رجوعاً إلى الجوهر النقي، أي إلى ما يجعل العملية نقية وشفافة. وفي الحقيقة، يعد هذا التصور للخلوص تصوراً غير دقيق، لأنه يفترض النقاء والخلوص بالمفهوم المادي على أنَّه أخلاقي بالتبعية، مع أنَّ هناك تلوثاً أثناء العودة واختلاطاً بين المستويات، وسيكونان في النهاية نوعاً من العنف بإسم النقاء الذي لن يحدث.

سابعاً: التطويق والتزيين banding and decorating:

القلب أيضاً هو سوار يُوضع في اليد أو حول الرقبة إذا كان كبيراً ومناسباً، إذن تكون تربية الأطفال بفعل القلب نوعاً من ممارسة التطويق، التقليد، التزيين بدلالة أخلاقية ليس أبعد. وكثيراً ما نستعمل الألفاظ الدالة على الجمال في موضع التحلي بالقيم الحميدة كما يقال هذه أخلاق جميلة، فلان جميل الخصال وسمح الأفعال. وبدلالة (التطويق والتزيين) يتم تسلل التقاليد والقيود والمفاهيم الضيقة إلى وعي أطفالنا بألفاظ جمالية. وهذه النقطة إمتداداً للنقطة السابقة من جانب أنَّ القيم في شكلها البرّاق إنما تحمل نمطاً من التصور والفكر المقلد، حتى أنها تخلق موضوعها مرة ثانية بعد أن تقيده وتوثق قدراته. وتصبح تلك القيم رجوعاً لنمط من العبودية الموروثة بحقيقة التربية ووسائلها.

ثامناً: النَضْح والحرْث leaching and plowing:

يشير القلب إلى كلمة قريبة بمعنى" القليب" أي البئر القديم الذي لا ربَّ له ولا حافر قائم به. وتصبح التربية تجاه الأطفال عملية نضح أي رشح، أو عملية استرشاح من إستنباط الماء(نسغ التقاليد والأفعال) مجدداً. ذلك في إشارة دالةٍ على أنَّ مفاهيم الحياة وأسرارها ترجع إلى الماء (التقليد) الذي يسري في عروق أطفالنا، ماء الأخلاق والحقيقة والحياة والقيم. وهذا تصور موروث يخرج من ثقافة البداوة التي أسست لمعاني المعجم وواصل سريانه حتى الآن. والمِقْلِّب أي المحراث الذي تُقلب به الأرض، لأنَّ الطفل حين يتأرجح بين القديم والجديد سيحدث له تحريكٌ للمشاعر وحرثٌ للمفاهيم وتكون تلك الخطوة تمهيداً للقلب بالإنكفاء والصياغة النهائية.

تاسعاً: التقولب والتشكيل:molding and formulization

يجيء فعل القلب بمعنى القولبة وسأستخدم هذا المعنى كثيراً في المتن للتعبير عن شكل التربية والتفكير. ولا تتم عملية القلب الثقافي إلاَّ في وجود (القوالب الجاهزة) التي تصاغ فيها المشاعر والدلالات التي نأخذها للأشياء ونحدد مسارها في هذا الإطار. وأغلب الظن أنَّ اللغة المؤرخة ترتبط بشكل أو بآخر بهذا المعنى. فالألفاظ في العربية ليست حوامل دلالات فقط، بل تطبع ببلاغتها، بفصاحتها الآثار التي تتركها. وهي لا تتركها مهملةً من الشكل واللون، بل تشكلها وتلونها في السياقات المختلفة. ومن هنا فالمفاهيم المحدودة بحدود التصور والتفكير مازالت طابعة لمعاني العبارات.

ودلالة (القُدور الفخارية) من جهة أخرى واضحة المادة حيث(الطين، الصلصال)، وهما مادتان مرتبطتان بفعل الخلق الإلهي والإنساني لأدوات الحياة. أيضاً الدلالة واضحة الوظيفة (التقنين، التهذيب، التشكيل). وقد يقول قائل: إنتظر قليلاً هناك شيءٌ مفاجيء آخر: أأنت قلتَّ الخلقَ الإلهي؟! طبعاً فذلك معناه أن الثقافة " تنسخ " وجودَ الإله وأثرَه في تحويل الوعي، المشاعر، الإحساس، الجسد إلى عمليات تفريخ للمعطيات والدلالات الخاصة بها[1].

وبالتالي فالثقافة العربية تتعامل (وفقاً لفكرة الخلق) مع الطفل بوصفه: قِدْراً لا طاقة، وعاءً لا محتوى، صورة لا فعلاً، إنه محض قِدْر من فخار بنتظر الإنكفاء!! والعمليات التربوية والثقافية التي تُفرض بها أُطر التشكيل أشبهُ بالنار كمادة ثالثة لتحويل الطين إلى صلصال. أما الفاعلون الذكوريون، الرجال، الآباء بوصفهم أنماطاً للهيمنة الإجتماعية، فيحاولون دمغه، بصمَهُ بحرْفية القوالبِ والتقاليدِ السلطوية[2].

وجدير بالملاحظة في هذا المجال أنَّ الطفل يعودُ (عندما يشب على الطوق) ليرجمنا من جديد بالعبارات والألفاظ التي نكررها ولم نُولها عنايةً، ألا يكرر الأطفالُ الكلمات نفسَها التي نلوكها لهم ؟! ألم نقُل لهم بذلك كونوا نُسخاً ثفافية حياتيةً مما ألفينا عليه آباءنا؟! ألم نطلب منهم ضمناً أنْ يعيشوا في عالم اللغة المشبع بالتسلط والقهر وهو كل ما يمتلكونه كصغار الآن؟

والغريب أنْ الواقع الإجتماعي يظل يردد هذا المعنى في العبارة الشعبية الجارية على ألسنتنا أيضاً: " من شابَه أبَاه فما ظلَم "، بينما ذلك القول بمعايير المستقبل هو جريمة ما بعدها جريمة مع سبق الإصرار والترصد. فهذا الكائن الافتراضي (الذي يمتلك المستقبل كل المستقبل بينما نغرق نحن في الماضي) إنما حُددّت إقامته ثقافياً في لغة سلبيةٍ، في خطابات العنف والكراهية. ومقولتا الأبوة والأمومة يشكلان معنى الحياة وآلية عملها بواسطة تلك اللغة على الأصالة[3].

هناك تعبئة للكائن الإفتراضي بالقيم كما نُعبِّئ القِدْرَ بالماء أو الرمال أو الهواء، وإلاَّ فإنه سيُترك للفراغ متلاعباً به، ولا ينتج إلاَّ صوتَ الصفير.

القِدْرُ إطار سلبي هش لتلقي المحتوى، وكم كان فعلُ التعبئة واسعَ الإنتشار بين مفردات الممارسة السياسية والإجتماعية (مثل: تعبئة عسكرية، تعبئة سياسية، حملة توعية، حشد جمعي).

لا توجد إرادةٌ حرة للطفلِ، نفي أية إمكانية للطفل مثلما لا توجد إرادة للقِدْرِ، هما أداتان دون الإعتراف بكيانهما.

القِدْرُ قابلٌ للكسر، للتحطيم، ويفترض السياق أنه في حالة عدم الاستجابة للقلب الثقافي، لابد أن يتحطم القِدْر. ولذلك كثيراً ما يقال للأب من الناس في سياق تربوي إزاء تأديب إبنته: " إكسر للبنت ضلعاً يظهر (ينمو) لها ضلعان"!! وهو القول العنيف الذي يردده المجتمع لا الأفراد فقط.

العنفُ أساسُ عملية القَلْب الثقافي، فلم يكن مطروحاً ما إذا كان الطفل متقبلاً لهذا العمل من عدمه، هو في كل الأوقات سيكون مكسوراً، مشروخاً، مهشماً بمعنى مخالف للنقطة الأولى.

ذكر "الفم" يستحضر معه وجودَ اللغة، الفمْ موضع حسي لنطق اللغة، واللغة هي اللسان الرمزي، وهي إشارة بالمثل إلى ضرورة توظيف الخطاب الثقافي ضمن عملية القلب.

يعبر الفم عن الرغبة في الإشباع، سواء أكان بالطعام، أم الرضاعة بالنسبة للطفل، أم بالخيال بالنسبة للكائن الإفتراضي. وهو رمز ثقافي يشير إلى ملء الرغبة بمعطى اجتماعي، بل قد يتم إغلاق الفم تماماً بمقابلته على الأرض كي تصبح النتيجةُ هي عملية " المشابهة " للأم. وتوجد الأم هنا كأيقونة إجتماعية مثلما أنَّ الأرض أيقونه لاهوتية طبيعية.

لا نجانبَ الصواب إذا قلنا إنَّ جذر القِدْرَ قريب الصلة بالقَدَّر، أي كانها يقول إن عملية القلْب الثقافي قدَّر محتوم بمنزلة حتمية"الفاعل المجهول"القائم بها. والمجهول يفيد التعدد في الفاعل، ويصح ذلك العمل لأفراد المجتمع كل المجتمع. فالثقافة العربيةُ بهذا الخطاب تسندُ لأي فاعل دورَ النائبِ عنها لتنفيذ عملية القلب، وسواء أكان أحداً قريباً أم بعيداً، مرتبطاً بالموضوع أم غير مرتبط، فإنه يأخذ موقع الثقافة السائدة لتنفيذ المهمة. ويتضح هذا الدور أكثر في الخطاب الديني فكل جماعة دينية كانت ومازالت تتحدث بالإنابة عن (الأصلِ) أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، تتصرف معتقدةً أنها بمفردها" الفرقة الوحيدة الناجية ".

حتى لا يكون القِدْرُ افتراضياً انحرافياً، مفتوحاً إلى الأعلى، كان لابد من قلبه إلى الأسفل، أي إلى الأرض بكل رمزيتها. وليس هذا بعيداً عن عبارة شائعة أخرى: " في كل حياتها لا تخرج المرأةُ من بيت أبيها إلاَّ مرتين فقط، مرةً إلى بيتِ زوجها، والأخرى إلى قبرِّها ".

والمثلان (مثلُ القِدْرة ومثل خروج المرأة) خطابان ثقافيان يرسمان مسارات الأنثى (طفلة وشابة وعجوزاً ثم جثة) في المجتمع العربي: مسار الأب (هيمنة الثقافة، غلبة الحقائق الإجتماعية الراسخة)، ومسار التعبئة (قلب القِدرة، أقنعة القارورة الأنثوية)، ومسار الزوج (المتمم لعملية القلب، آليته ونتاجه وعلاقاته)، ومسار القبر(درء الفضيحة، غلق القِدْرةِ تماماً)، وأخيراً مسار موت اللغة (دفنُ العورة كعلامةٍ ومعنى، كتم الصوت والإغواء). وبالتالي لن يفلت أثرُ الزواجِ ونتاجه، أي الأطفال، من جميع آليات القلب العنيفة بمعانيها السابقة.

 

د. سامي عبد العال

........................

[1] - تنطوي الثقافة على بعد خَلْقِي بالفعل، لأنها تنمط الخيال وتحدد نحت الجسد تغطيته وتهندس المعتقدات. فإذا كان الإله قد خلق الطبيعة والحياة، فإن الثقافة تدمجهما في إطار تحولات دلالية لأهداف الإنسان وسلوكه. وبذلك تتعامل الثقافة مع تلك التحولات على إنها عملية فنية. لهذا نطلق على الإبداع الفني (خلقاً فنياً). وهذه مماثلة تظل سارية المفعول تجاه  أفق الكائنات التي تعيش عبر المجال الثقافي. ففي الثقافة كما يقول الناقد كمال أبو ديب" ثمة عمليات وآليات بواسطتها يحوّل الإنسان موضوعات الرغبة وصيغ التنظيم الطبيعي إلى فن واستراتيجيةٍ. وفي هذا السياق تعد الأبنية التصورية والعقلية المسؤولة عن توليد هذه العمليات والتقنيات والنتاجات جزءاً من الثقافة كذلك ".

Kamal Abu-Deeb, The Post Modernism, As a Radical cultural critique, with special reference to Arabic culture, Thaqafat(English side: Texts in English), A Journal for the Arts and Cultural studies, Published by the College of arts, University of Bahrain, Number: 10, Spring 2004. P.249.

والثقافة كما يبدو عملية صهر للغرائز والإنطباعات والعلامات الطبيعية، صهر لإعادة خلقها في شكل من القيمة والدلالة. وبذلك فإن الخلق هو فاعلية ثقافية .cultural activity بهذا المعنى، فإنَّ الوسائل والمحتوى والإجراءات والعملية الخاصة بالتحويل transformation هي ذاتها أيضاً فاعليات ثقافية. وليس أبلغ من قدرة الثقافة على إنضاج وتطوير الأشياء المادية إلى أشياء إنسانية من أنَّ الحالات والأفعال  والإحساسات الطبيعية يتم تحويلها إلى قيم أخلاقية، وهي بدورها التي تتطور إلى أنساق للقيم systems of values إذ تعاير وتقيم السلوك البشري ونمط العيش(  Ibid, P250.).

[2] -  طرحت الثقافة العربية معاني الطفولة عبر القوالب السلوكية والذهنية في تاريخها، وتلقائياً يتجدد  المعنى مع متعلقات الطفل، المرأة،  الأسرة، القبيلة ومع الاعتناء بقضاياها. فاللغة والمعجم والخطاب بطرحها للمعاني إنما لا تغمض العين عن أطياف القوالب الجاهزة والمحتملة. لأن  القوالب السلوكية تضمن وجودها علي التوالي بحكم أوضاع التربية. بل يعمل المعنى على الإتيان بالقالب إن لم يحل بديلاً عنه أو جزءاً منه على الأقل. القالب يتخفف من الحدث الأول، يتخفف من البصمة المحفورة في تضاعيفة ليأخذ صعوده الدلالي ضمن العبارا المتداولة.لذلك تأتي  نفس المعاني بمصاحبة  التشبيهات في الخطابات الأدبية  والحياتية حين تحتفي بالميلاد والحياة، والحب، والطبيعة. ولكن مع ذلك تحمل ذات المعاني طاقة على تحطيم القوالب، فالطفل تربوياً  عبارة عن مفهوم المستقبل وبالتالي يجد مكانه في المعجم كموضوع لنمط العيش السائد، للذائقة الجمالية المسيطرة وللخيال الزمني المطروح، وفي نفس الوقت يتم الإعتراف بأن الطفل بذرة غضة، بنان ناعم لم يتشكل بعد، برعم قابل للنمو، جذر رقيق لين وطري. والوتيرتان(التنميط والمجهول) يكشفان عن بعضهما في شكل دراماتيكي لغوي. ويظهر أن مساحة الخيال واللعب في جذر الطفولة المعجمي مساحة كبيرة، وهي غير محكومة بأطر، بل متجدد ة وقابلة لعدة  تشكيلات شعرية، مثل الجمال الأنثوي، الجمال الطبيعي، وصف الحيوانات و الفخر بالقبيلة.

جاء في لسان العرب لابن منظور بصدد الجذر المبدئي طفل "الطِّفْلُ: البَنان الرَّخْص. المحكم: الطَّفْل، بالفتح، الرَّخْص الناعم والأُنثى طَفْلة"(ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، تحقيق نخبة من الأساتذة، دار المعارف القاهرة، د. ت، ص 2681).  هكذا يتخطط معنى الطفل من الأشياء دالاً على الأصبع أو الأنمل الناعم، بالتحديد طرف الأصبع الغض. وهو ما هو إذ يعبر عن  الهشاشة والمسيرة المحتملة للنمو. ألا يستطيع أن يكون بناناً قوياً؟! بالتأكيد لكن حتى يكون بناناً قوياً يحتوي  طرف الأصبع على ثلاث علامات. علامات لو حللناها لكانت مهمة في سياق الطفولة على الرغم من أنها لا تشير إليها عيناً.الأولى علامة البصمة، فالأصبع يحمل هوية الشخص. والبصمة لها استعمالات إجتماعية سياسية في ترسيخ الحقائق ودعم القوانين وتأكيد الحقوق وتستخدم كآلية للفرز الجنائي. والطفل كبنان سيستمر مستقبله في نفس الطريق متمتعاً بذات الوجود والتراتب والتخطيط، فالبصمة " فيزياء سياسية " لإثبات الهوية الفردية وإكتشاف المجهول. وهي في المجتمع العربي تحتل مكانة مهمة لأنها تنقل  معنى التميز الطبيعي لا الفكري. وهو ما يعنى أن البصمة دال طبيعي جسدي له الحقيقة عنما تغيب الحقوق وتختفي المواطنة التي تعتمد على بصمة الحقوق والحريات. الثانية: علامة الإشارة، فالأصبع حين يقوى سيكون أداة إشارة إلى الإتجاهات والأشياء والتحذير والقبول والرفض.

إن لغة الأصابع تكمل حركة الروح والجس والفكر بشكل عام . مدلول ذلك أن الأصابع التي تشير تستند إلى جسم الثقافة لا جسم الفرد، إذن الأصبع بنان ثقافي حين يشير وحين يشار به إلى أيقوناتها. فعلى سبيل المثال يقال للرجل المهم إنه شخص يشار إليه بالبنان. معنى هذا أن الطفل سيظل مؤشراً إجتماعياً لحقائق أخرى في الحياة. الثالثة: علامة القوة، فالأصابع أعضاء في قبضة اليد وانبساطها. وفي حالة انبساط الأصابع تستعمل للسلام  بالأيدي أو لتشبيك الأطراف لتدل على وضع معين وتستخم للتحذير. وفي حالة انقباضها تمثل القوة والبطش. ويقال في العربية الحاكم الفلاني يحكم البلا بقبضة من حديد، ويُضرب بها السطح للدلالة على ايقاع القوة، الغلبة، السيطرة على من يخالف. والأطفال كبنان هم في قبضة المجتمع لا يتركهم إنما يأخذ بهم في طريق القبض لا البسط، وحينما يكون شخص قابضاً أصابعه فإنه يقبض عادة على شيء ثمين، والأطفال يقبض المجتمع بهم على موروثاته وعلى مستقبله.

لذلك قال أَبو الهيثم كما ورد بلسان العرب " الصَّبيُّ يُدْعى طِفْلاً حين يسقط من بطن أُمه إِلى أَن يَحتلم" (ابن منظور، لسان العرب، الجزء الثاني، ص2682). والسؤال أين يسقط؟! إذا كان المقصود الخروج إلى الحياة، فهذا المعنى يشير إلى الميلاد وتحصيل حاصل. غير أن السقوط يعنى الميلاد الثقافي لأن الطفل سيسقط بالفعل في قبضة المجتمع، في أتون الثقافة. والسقوط يذكرنا بسقوط آدم وحواء من الجنة، من النعيم قبل قانون الأرض التي سكناها. والطفل قبل السقوط كان في الجنة بالفعل، كان في الرحم (الأمومي) البيولوجي، ثم هبط إلى الرحم الثقافي، هبط إلى الأرض. والأرض هي التي ستتلقى فم القِدْرة لكي لا تخرج الطفلة إلا إلى أمها.

[3]- الطفل يري في وجود الأب والأم معاني القوة والسلطة والحقيقة، ببساطة هما  مركز الحياة لا غيرها، ويرتبط رسم الطريق الذي سيسلكه من أول الأمور العادية حتى إختياراته في الحياة بهذه المعاني، لهذا نقول في اللهجة المصرية"من له ظهر لا يُضرَّب على بطنه"، والمقصود بهذا القول من كانت علاقاته الإجتماعية قوية ماكان لأحد أن يمتد إليه بسوء ، وماكانت لأدواره في المجتمع أن تعطل بل ستشق له المسالك سهلة وبسيطة  بموجب عيشه في كنف القوة الأبويهوإتساعها في المجتمع.ورأى فرويد في الأهل من وجهة نظر الأطفال مصدراً لكل دلالات السلطة المستندين إليها، بل هم مصدر الاعتقادات التي تشكل نظامهم الفكري، حتى أنه أكد على ضرورة تلمس درجات  التفكير بطاً بما يحصله الأطفال من الروابط الأبوية والأمومية.

Sigmund Freud, Family Romance (1909), Collected Papers, London, the Hogarth press 1950, PP 69-74.

 

ثامر الحاج امينالانغلاق أو الجمود الفكري واحدة من أخطر المشكلات التي يواجهها العقل البشري، الذي من مظاهره  التعصب المقيت ورفض قبول الرأي الآخر وكذلك القفز على الواقع، وعندما نصف الانغلاق بالمشكلة الخطيرة ذلك ان الخوف من مواجهة التغيير والحماس والاصرار على القناعات والدفاع الأعمى عنها ورفض أي نقاش فيها ينقلب الى عناد وجهل، واذا ما سلمّنا ان هذا الأمر طبيعي ويحدث في مرحلة المراهقة الفكرية التي يعيشها الانسان في بدايات تشكيل وعيه وانفتاحه على الأفكار التي يصف ارهاصاتها الكاتب البرازيلي باولو كويلو (اننا نحاول تفسير الأمور وفق ما نريد، لا وفق ما هي عليه) ولكن من غير الطبيعي ان يبقى الانسان سائرا في ضوء منطق يشوبه القصور والادراك المعتل بعدما يزداد خبرة ونضجا وبعد اصطدام قناعاته بصخرة الواقع .

 هناك من يعتقد ان العناد والمكابرة في التمسك بالرأي دليل على قوة الشخصية، وهذا خطأ جسيم ذلك ان الانسان كيفما كان مستواه المعرفي ومهاراته وقناعاته فانه قابل للتغيير ويبقى بحاجة الى مراجعة افكاره وآرائه التي هي عرضة للتصدع والاهتزاز، فالمفاهيم تتجدد والقناعات تتغير نتيجة المتغيرات المتعددة سواء على صعيد وعيه الشخصي او المتغيرات التي يتعرض لها محيطه، لذا فما عادت صفة المكابرة في التمسك بالرأي صفة حسنة تنسب الى الثقة بالنفس انما هي دليل على ضيق الأفق والانغلاق .

لقد قرأنا أدبيات الاقدمين الكبار فوجدناهم قد تخلصوا من داء التحجر وأقروا ان لا رأي كامل الصحة بالمطلق و أبقوا باب المراجعة واحتمال الخطأ مفتوحا،  فالإمام الشافعي 150 ــ 204 هـ يطرح موقفه في هذا الشأن بدرجة عالية من التواضع والحكمة بقوله (رأيُنا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب) وقبله كان موقف الامام ابو حنيفة 80 ــ 150 هـ منسجما مع هذا التوجه في ضرورة التواضع وعدم التزمت بالرأي وذلك بقوله (رأيُنا هذا أفضل ما قدرْنا عليه فمن جاءنا بأفضل منه قبلناه)، وامتدت ثقافة التواضع والاقرار بالمتغيرات الى عصرنا الحديث حيث سئُل الفيلسوف الانكليزي "برتراند رسل 1872 ــ 1970 م": هل انت مستعد للموت دفاعاً عن أفكارك؟ قال: لا . أنا متأكد من قيمة الحياة، ولكني لست متأكداً من صحة افكاري .

 

ثامر الحاج أمين

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن المواطنة والهوية المدنية من خلال الوثيقة حيث نجد أن لها ثلاثة أركان، هي الانتماء للأرض، والمشاركة، والمساواة، وهنا نبدأ مع العنصر الأول وهو مكونات المجتمع المدني من خلال الوثيقة، حيث نجد أن تلك المكونات تتكون من المسلمين، واليهود، وبعض الوثنيين، بالإضافة إلي بعض من إخواننا المسيحيين، والمسلمون منهم الأنصار والمهاجرين، والأنصار تضمنت قبيلتي الأوس والخزرج، وأما اليهود؛ فنعني بهم أي القبائل اليهودية التي كانت تسكن المدينة المنورة، ومن ذلك يهود بني قريظة، ويهود بنو النضير، ويهود بنو قينقاع، وغيرهم، وأما بغض الوثنيين من الأوس، والخزرج وغيرهم الذين ظلوا علي معتقداتهم ولم يدخلوا الإسلام، وأما المسلمون ونعني بهم المهاجرين والأنصار، وقد اعتبرتهم الوثيقة فيما بينهم، فضت بذلك علي القبلية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية، حيث اعتبرت قبيلتي الأوس والخزرج " أمة".. ومعني كلمة " أمة " ؛ أي جماعة بشرية متماسكة، كما أقرت الوثيقة الحقوق بينهم دون تفريق في ذلك بين قبيلة وأخري، وهذه الوثيقة اعتبرتهم إخوة فيما بينهم، فقال الله تعالي " إنما المؤمنون إخوة"، وهذا فيما يتعلق بمكونات المجتمع المدني بالنسبة للمسلمين.

والمكون الثاني للمجتمع المدني، وهم اليهود، وقد جاء في نص الوثيقة أن اليهود أمة مع المؤمنين، حيث لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وهنا نجد أن الوثيقة قد اعترفت لليهود بالحقوق المدنية والدينية، كما اعترفت لهم بحرية ممارسة الدين، وحرية ممارسة المعتقد، وأساس مواطنتهم هو الولاء للدولة الإسلامية، لأن حق المواطنة لا يستلزم وحدة العقيدة، ولا وحدة العنصر .

والمكون الثالث لدستور المدينة المنورة، وهم الوثنيون، ونقصد بذلك ممن بقي من الأوس والخزرج، وقد قبل بهم النبي رضوان الله عليه، وألزمهم ببعض الواجبات، فقد اعترف عليه السلام بوجودهم وألزمهم بألا يجيروا أحد من الخارجين عن قيم المواطنة، وبهذا يكون العرب جزءً من هذه لكونهم من الموالي، فحسب الأعراف العربية إذا دخلت قبيلة أو عشيرة في معاهدة، فإن حلفائها السابقون يكونون طرفاً غير مباشر في تلك المعاهدات، وجاء في الوثيقة لليهود ينهم وللمسلمين دينهم ومواليهم وأنفسهم.

ونستفيد من ذلك أن المواطنة من خلال وثيقة المدينة المنورة أنها جاءت  لترسي مبادئ العيش المشترك والوئام والمحبة والتعاون بين أتباع الأديان والأعراق المختلفة الذين يعيشون سويًا.. فأكد فيها النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله على احترام "الاختلافات" ونبذ "الخلافات" وأقر التعددية الدينية وحرية الاعتقاد فجاء فيها: «لليهود دينهم وللمسلمين دينهم‏،‏ مواليهم وأنفسهم‏،‏ إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ- أي يهلك-‏ إلا نفسه وأهل بيته" (6).

وليس ذلك فحسب.. بل أكد النبي صلى الله عليه وآلة وسلم على أن اليهود وغيرهم من غير المسلمين فى المدينة هم مواطنو الدولة الإسلامية لهم الحقوق والواجبات‏، وعنصر من عناصرها‏ دون تمييز‏ فقال فى الصحيفة‏: «‏وإنه من تبعنا من يهود،‏ فإن له النصر والأسوة غير مظلومين‏،‏ ولا متناصر عليهم‏»،‏ كذلك قال‏: «‏وإن يهود بنى عوف أمة مع المؤمنين» أى ضمن دولة المسلمين (7).‏

كما حفظت تلك الوثيقة المحمدية حقوق غير المسلمين المالية والاقتصادية، فجاء فيها: "وإنّ على اليهود نفقاته، وعلى المسلمين نفقاتهم»، وأشركهم فى المسؤولية والمواطنة والدفاع عن وطنهم فقال: «إنّ بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأنّ بينهم النصح والنصيحة، والبرّ دون الإثم، وإنّه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإنّ النصر للمظلوم، وإنّ اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين" (8).

كذلك حوت الوثيقة علي  كثيرًا من المبادئ الدستورية التي تسهم بشكلٍ كبيرٍ في تأسيس حياةٍ مدنيةٍ تعطي حقوقًا متساويةً لكل سكان المدينة بعيدًا عن أعراقهم وأديانهم، كما يلاحظ على الوثيقة تركها الإشارة إلى الفئات المهددة للوجود السياسي الاجتماعي للدولة الإسلامية سواء من المنتمين إلى الأنا (المنافقون، والفاسقون، والمرتدون)، أو إلى الآخر الداخلي (أهل الكتاب المحاربون وغيرهم)، واقتصار الحديث على الآخر الخارجي (قريش أو غيرها)، مما يدل على المستوى المتقدم في التفكير السياسي السليم للقيادة النبوية، التي أرادت من الوثيقة أن تكون وثيقة موادعة مع الآخر الداخلي، تطمينا له بضمان حقوقه وواجباته من جهة، وتعزيزا لثقة أفراد الجماعة المؤمنة بعضهم بالبعض الآخر من جهة أخرى، لتكون الحصيلة تحصين الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية في مواجهة الخطر الخارجي المحدق بها، وجعل نموذج الدولة الذي يبشر به المشروع السياسي الإسلامي مشروعاً جاذبا ومحفزاً للآخرين للانضمام إليه (9).

والسؤال الآن : إذا كانت نظرية العقد الاجتماعي، واحدة من النظريات المفسرة لنشوء الدولة تاريخيا، فهل ترقى وثيقة المدينة لتكون العقد الاجتماعي الأول للاجتماع السياسي الإسلامي الذي أرسى أسسه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد هجرته المباركة من مكة إلى يثرب؟

إن الجابة عن هذا التساؤل بحاجة إلى معالجة الوثيقة من حيث القواعد التأسيسية للدولة التي أنتجته لقيم المواطنة وهي تتجسد علي النحو التالي:

1- مفهوم الأمة: عملت وثيقة المدينة على إزالة الغموض حول مفهوم الأمة، فقد حددت تصورين لهذا المفهوم: الأول: ضيق قائم على الانتماء الديني، والثاني واسع قائم على الانتماء السياسي. فالأمة في الإطار الديني مثلتها الجماعة المؤمنة، وهذه الأمة قابلة للتوسع بقبول آخرين للمشروع السياسي والعقائدي للدولة الإسلامية، أما الأمة بمفهومها السياسي الواسع، فتتسع لتشمل أكثر من جماعة دينية واحدة، مما يجعل المجتمع الإسلامي سياسياً متكون من فئات عدة لها انتماءات دينية مختلفة، كما وضحت ذلك الفقرة "25" التي نصت على :" وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم"، وهذا النص بسياقه السياسي جعل المواطنة ركيزة مهمة من ركائز المجتمع السياسي الإسلامي، قد تتساوى مع الانتماء الديني حين يكون المجتمع السياسي كله ذا انتماء ديني واحد، فيتحد في الآخر المعاش، مفهوم الأمة مع مفهوم الوطن، والدولة، والمواطنة، وقد لا تتحد هذه المفاهيم في مصداق واحد، فتكون أمتان أو أكثر في الانتماء الديني في وطن واحد، ومجتمع سياسي واحد، ودولة واحدة، فالأمة الواحدة في المعنى السياسي التنظيمي للوثيقة، تشكل مجتمعا سياسيا واحداً مكوناً من أمتين من حيث الانتماء الديني وقد يتكون من أكثر من أمتين في بعض الأحيان (10).

2- القيادة السياسية العليا في الدولة: حددت الوثيقة الجهة التي تمثل القيادة العليا في الدولة الإسلامية –آنذاك- من خلال النص على قيادة النبي (صلى الله عليه واله وسلم) للأمة السياسية، ورئاسته للدولة، ومرجعيته لها وتحديد القيادة العليا، من الأمور الحيوية التي البد أن تنص عليها المواثيق الدستورية، وعدم إغفال ذلك في نص الوثيقة يعزز قيمتها الدستورية المهمة (11).

2- نطاق سيادة الدولة (حدودها الجغرافية): نصت الوثيقة علي أن ثمة مكاناً محددا تسري فيه أحكام  الوثيقة، له حدوده المعلومة، التي يكون تجاوزها خروجا عن هذا المكان، وعدم تجاوزها قعودا فيه، وإن الدولة الإسلامية –آنذاك- لها أرض ضمن حدود، والانتماء إلى مجتمعها السياسي، يكون بالانتماء إلى هذه الأرض، وقوانينها وأوامرها السياسية نافذة المفعول على أرضها، وضمن حدودها، وعلى المنتمين إليها دون غيرهم، وإن كانوا مسلمين. وحدود هذه الدولة قابلة للتوسع والامتداد، بانضمام آخرين إلى مشروعها السياسي والعقائدي، ويدل على تحديد النطاق الجغرافي للدولة، قيام الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) بإرسال بعض أصحابه لبناء أعلام تحدد حدود الدولة من الجهات الأربع (12).

4- تنظيم الحقوق والحريات ومتطلبات الأمن: حرص الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) من خلال وضع الوثيقة على تنظيم الحقوق والحريات ومتطلبات الأمن في الدولة الإسلامية –آنذاك- وفق الظروف والمعطيات الحاكمة للمجتمع السياسي.

وثمة نقطة أخري مهمة وجديرة بالإشارة، وهي أن الوثيقة دعت إلي الاعتراف للآخر بجملة من الحقوق  الإنسانية المهمة، ومنها:   الحق في المواطنة، والحق في حرية الاعتقاد، والحق في المشاركة السياسية، والحق في حرية التنقل (13)، التكافل والتضامن فيما بين المسلمين، فهم جميعا مسؤولون عن بعضهم في شؤون دنياهم وآخرتهم... العدل، إن العدل التام الكفيل بفض نزاعات المسلمين وخصوماتهم وخلافاتهم وتنظيم شؤونهم، إنما هو في شريعة الله تعالى وحكمه، وهو ما تضمنه كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واقتضته مقاصد الشريعة وقواعدها في رعاية المصالح ودرء المفاسد.

كما وضعت الوثيقة الدستورية حقوقا وواجبات للمواطنين في الدولة دون النظر إلى الانتماء الديني والقبلي، وأشارت الصحيفة إلى المساواة بين أفراد الدولة في السلم والحرب، كما حددت الوثيقة لمواطنيها على حد سواء كيفية العلاقة مع القوى المعادية لها فمنعت إقامة علاقات تجارية أو مالية أو خاصة مع هؤلاء الأعداء حتى وإن كان الفرد في الدولة يتشارك معهم في الانتماء كالشرك، وبينت الصحيفة صراحة مفهوم المواطنة في مواطنيها من اتباع الديانة اليهودية حين حددت لهم واجبات وحقوق كما هي للمسلمين في حماية الدولة وأمنها، كما وضعت الصحيفة أسس الدولة الحديثة والقواعد الديمقراطية للدولة الإسلامية في مقدمتها المساواة تبين جميع رعايا الدولة وهذا أساس مفهوم المواطنة في النظم الديمقراطية وأعطت المثال الحقيقي للحرية التي لا تزال الإنسانية تبحث عنها إلى يومنا هذا (14).

 

اٍلأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط

........................

الهوامش

6- هاني ضوة: وثيقة المدينة.. دستور نبوي أسس لمبادئ المواطنة الكاملة «1-2».. المصري اليوم ..

7- المرجع نفسه.

8- المرجع نفسه.

9- خالد عليوي جياد: حقوق الآخر في ضوء وثيقة المدينة المنورة : تأصيل إسلامي لمبدأ التعايش، مجلة رسالة الحقوق، السنة الرابعة. العدد الثاني..2102 م،  ص ص 154-155.

10- المرجع نفسه، ص 157.

11- المرجع نفسه، ص 158.

12- المرجع نفسه والصفحة نفسها.

13- المرجع نفسه، ص 159.

14- د. حامد الرفاعي: الإسلام وحقوق الإنسان وواجباته، رابطة العالم الإسلامي،  السنة الساسة عشر، العدد 146عام 1419هـ، ص99.

 

 

 

 

علاء شدهان القرشيرينيه جينو (كينون)، أو عبد الواحد يحيى نموذجًا

يمثل كتابه: هيئة الكم وعلامات آخر الزمان، أو بترجمة أخرى: نهاية الكم وعلامات آخر الزمان، خلاصة جهده وكتبه، وهو نفسه يعتبره الجزء المكمل والتفصيلي لكتابه الأقدم: أزمة العالم الحديث.

من المؤكد أن عصره عَرَفَ أزمةً روحيةً، فقد أهملت بيئته؛ التي يعرفها في الغرب؛ الحياة الروحية للأفراد، في ظل تطور الصناعة، وفلسفة السوق، وتشييء الإنسان، وآليته، وبرمجة العيش، وشيوع الإلحاد، وغير ذلك. وقد عرف هو – بفضل سابقيه – هذه الأزمة، ولمسها في نفسه ووجدانه، وفي مجتمعه وأحوال أقرانه.

أعثره حظه العاثر على بقايا إسماعيليةٍ كان بعضها «مكتوبًا» في مكتبات باريس العظيمة، وبعضها «حيًّا» في أزقة القاهرة وحواريها. فلجأ إليها مستغيثا بها، باحثًا عن إجاباتٍ لتساؤلاته الروحية التي أقضت مضجعه، وأطارت نومه، وأرقته، وأسهرته.

قبل كل شيء يجب أن أمر سريعا على Philosophical Theosophy وقد تعوّدت أن أختصرها في شخص واحد هو Plotinus، لأنه يمثل بحق أهم الأفكار التي تنتمي إلى Religions of ancient India، والتي انتقلت إلى اليونان قديما، حيث يمكن العثور بسهولة على تأثيراتها في ما وصل إلينا من Orpheus وأساطيره حول الموت والحياة والأعداد وأفعالها وموسيقاه التي تأثر بها كلُّ واحد تزعّم مذهبًا غنوصيًا من بعده، كما في حالة Pythagoras.

يعتنق Plotinus بِحَذَرٍ عقيدة دورات الحياة المتصلة بعقيدة أعمق metempsychosis والتي تحدث عنها سقراط فيما كتبه عنه أفلاطون في محاوراته، خاصّةً في ما فصّله حول العربة الإلهية، والأرواح الخيرة، وسقوط الأرواح الشريرة، بعد احتراق أجنحتها، لتتسافل في عوالم الظلال، ولتحرم من الخلود، بعد تزاوجها بالأجساد في عالم المادة، واستمرار الفناء والعودة كل 3000 سنة، أو 5000 سنة، أو 10.000 سنة أو ما يقاربها، في عملية تناسخ مستمرة وأبدية، مما أنتج لاحقًا التقويم الدهري أو الزمني أو الدّوري للعالم. ولا يشك Plotinus أن الشر هو التقييد، أي العدم اللا مطلق الذي يحيط كل وجود بحدود عدمية لتتحقق الماهية، ومن التقييد الذي هو شر محض أو سبب للشرور جسد الإنسان، الذي يقيد الروح التائقة بطبيعتها العلوية إلى الكمال واللا نهاية، لذلك فإن إهمال الجسد يعني الاهتمام بالروح لتندرج في الوحدة الحقيقية، وتغادر الكثرة، وإن كان يعتقد بأن الوحدة هي عين الكثرة، وأن الكثرة هي عين الوحدة. إلا أن هذه حقيقة لا يمكن سبر غورها بالجسد الفاني.

ثم طَوّر Neo-Platonist Damascus أفكار Plotinus، في القرن الخامس الميلادي وقبله وبعده، واستورد Early Church Fathers هذه الأفكار إيما تطويرٍ، وقد وجدوا فيها تفسيرًا لأهم وأعمق رموزهم الدينية، ومعتقداتهم المسيحية، فطابقوا بين الأقانيم الثلاثة لــ Plotinus وهي الأول، والروح، والعقل، وهي ثالوثه الخاص به. وبين الأب والابن والروح القدس، وغير ذلك من الرموز في ثالوث مسيحي هذه المرة.

تطور كل ذلك إلى Philosophical Theosophy. وجد فيها معتنقوها تفسيرا لمعتقداتهم القديمة حول ماهية الحياة والوجود والإله والروح والخلاص الذي لا يكف عن التفلّت في كل مرة. وتنوعت المذاهب والفرق، خاصة Esoteric doctrines in Islam. وهي كثيرة في القرون الثلاثة الأولى الإسلامية.

إلا أنها بلغت ذروتها على يد المسلمين منذ القرن الثاني الإسلامي. قبل الفارابي، طور الإسماعيليون في سوريا، وفي السَّلَمية - على وجه الدقة - أفكارهم حول الخلاص، والموعود، والحياة والموت، ودورات الحياة الألفية، والتناسخ، وأغلب ما كان يتداوله المنتمون إلى Esoteric doctrines in Islam من قبلهم كفرق الغُلاة والفرق السرية وأمثالها. وهي أيضًا وفرت الإطار الغنوصي والفلسفي لمعتقدات هذه الفرق السرية والباطنية التي ما تزال بقاياها حية حتى اليوم في مختلف الفرق الدينية الإسلامية في أرجاء الكوكب. يمثل «بدّ العارف» لابن سبعين هذا الاتجاه أفضل تمثيل، فليس البد، والبددة، سوى بودا والبودية نفسها، مع مواءمتها للأفكار الإسلامية.

تخضع الأفكار المستمدة من Gnosticism دائما لبيئتها الثقافية. فنجد الفيلسوف قديمًا يحاول مواءمتها مع فلسفته، واللاهوتي مع لاهوته، والرياضي مع رياضياته، والمهندس مع هندسته، وهكذا. لذلك نقرأ في كتاباتهم – كما في حالة رينيه جينو – الهندسة المقدَّسة، والهندسة الظاهرة، والعلم الباطل والعلم الحق، وهكذا. ولا يعنون بالعلوم الحقة سوى العلوم التي تؤدي وظيفتها باتجاه الغنوصية كهدف أسمى.

لا يعدو رينيه جينو أحدًا ممن سبقه، لكنه يتميز عنهم بتميّز عصره الذي تطورت فيه العلوم تطورًا كبيرًا. فلو افترضنا مثلًا مفكرًا غنوصيًا إسماعيليًا كـــ «ابن حيّون = القاضي أبي حنيفة النعمان»، عاش في بيئة رينيه جينو، أو أن رينيه جينو عاش في بيئة ابن حيّون، لوقع الحدث نفسه تمامًا. وكذلك في حالة جابر بن حيان، حيث وظف الكيمياء كلها للبرهنة على عقيدته الغنوصية التي لا أشك أنها عقيدة إسماعيلية أو متصلة بها، وقد كان يؤمن بأن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق إمام باطن، بينما موسى الكاظم إمام ظاهر، وهكذا وضع لكل إمامٍ ظاهرٍ إمامًا باطنًا يشاكله.

كان على رينيه جينو، وأمثاله الغنوصيين، أن يبرهنوا على الأوهام التي اختصرها Plotinus قبل أن يبنوا عليها رؤيتهم الكلية حول الكون والعالم والحياة، وقبل أن يؤسسوا نظامًا كاملًا من الأوهام والتهويمات المتصلة بالإنسان ومصيره وهدفه ووظيفته في دنياه وحياته وعيشه. لا أن يسارعوا إلى اعتناقها، ومن ثم التورط في عمليات المواءمة التي لا تفكك الوهم عن الحقيقة، ولا الخطأ من الصواب، ولا يهمها ذلك، ولا تستهدفه، ولا تبغيه. إنما تهدف إلى البرهنة على صحة إرث قديم تركه غنوصي حالم في لحظة جوعٍ. تلك اللحظات التي يعذبون فيها الجسد بالجوع والعطش والسهر والتعب، لتتمكن الروح من الخروج، والطيران، والتحليق، في عوالم تتغذى على الجوع والعطش والسهر والتعب.

 

بقلم: علاء شدهان القرشي

 

نور الدين بنبلاأصبح بني آدم اليوم يعيش في دوامة  لا تسعفه قواه في تخطي حدودها رغما عن كل محاولاته الانقلابية التي تبحث في العبث المجهول و تتجرأ على القيم و على كل ما تعارف عليه المجتمع من عادات وتقاليد.. ورغم غوصه في بحر الحداثة والعصرنة باعتبارهما قنطرة لا مناص له من المرور عليها للوصول إلى بقعة الضوء التي تتراءى له من بعيد، يود لو يمسكها بيديه   للظفر بمستقبل ينعم فيه بحياة أبدية مع جهله للمصير الذي ينتظره.. رغم كل ذلك فأنسنته تَشُدُّه بقوة إلى عالمه القابع في ذاته.. وهو يحمل على الدوام حنين العودة إلى زمن البداية.. زمن الحكاية في ليال مقمرة صافية يخترقها نقيق الضفادع وصرير الجنادب.. زمن أنين صوت الْجَدَّةِ وهو يعبق المكان حين تمتطي صهوة جوادها وتطلق العنان لمخيالها، فتَشْدَه الأبصار ويُطْبَقُ الصمت على أفواه الأحفاد.. وتنشرح الصدور شوقا في مغامرة تنقلهم إلى عوالم تختلط فيها الوقائع والأحداث… وتَحَوَّلَ تَحَلُّقَهم حولها الى مسرح فيه يغنون ويهتفون ويَتَأَوَّهون من جراء كل حركة أو كلمة أو لقطة تجسدها الجدة.

وجميعنا لن ينسى  الجدة كمَجْمَعَ العطفِ والمحبة، ومورد الحكمة والرزانة، ومرجعا تحمل صفحاته عناوين لحكايات شعبية منها استخلصنا  دروسا وعبرا شكلت بنية لمختلف مكونات  الفعل التربوي أنذاك، بحيث اِسْتُثْمِرَتْ القيم الجمالية والاجتماعية والسياسية، وآفاق التخيل المتنوعة المستخلصة من هذه الحكايات في بناء شخصية مغربية قوية لأجيال الستينات والسبعينات والثمانينات..

والمؤكد حاليا أن ناشئة اليوم تواجه غزوا إعلاميا وتكنولوجيا قاسيا زاغ بها عن أخذ المشعل للحفاظ على الحكي الشعبي وتذوقه من أفواه السلف: فأفلام الكارتون التي تبثها قنوات عربية للأطفال تتضمن برامج معربة لقصص ما يسمى بالخيال العلمي، والأمر في الحقيقة لا يمت إلى العلم بأية صلة ،هي قصص منتقات وموجهة تهدف الى جَزِّ الناشئة المغربية خاصة والعربية عامة من عمقها العربي والإسلامي وكمثال على ذلك نجد قصصا متحركة شخصياتها أخذت الألوهية بصفاتها وقوتها الخارقة التي لاتقهر، وصفة الخلق من عدم وهنا وجب النظر الى هذا الحكي المنظور من جانب الحمولة الثقافية الفارغة من القيم الأصيلة التي تحافظ على الهوية المغربية  العربية الاسلامية لأبناءنا.. وألعاب الهاتف الجوال التي تأسست أحداثها وشخصياتها على نقل ونشر العنف والعدوان بين الأطفال حتى أصبحوا يفكرون بعضلاتهم قبل التفكير بعقولهم..

هذا التغيير في سلوكياتهم و الذي أحدثته التكنولوجيا في زمن العولمة ساهم في اندثار الحكي الشعبي المغربي كتراث شفهي، حرمهم (أبناءنا) من جلسات الحكي العائلية الرائعة حول الجدة منارة المعرفة والثقافة والتسلية. . ونحن أطفال كبار تجاوزنا الأربعينات والخمسينات ،ازداد شوقنا لها بشكل كبير خصوصا حينما نجد أنفسنا في خلوة انفرادية واضطرارية.. وسط  أسرة متناثرة الأبناء حول أركان البيت.

 

نورالدين بنبلا

 

محمد بنيعيش1) إن الجانب الاقتصادي بأشكاله وأنماطه وأرقامه، فيما نرى، قد يبدو تابعا للقانوني والسياسي والعلمي لا محالة، وقد يبقى عند القطيعة مع هذه المكونات مبنيا على الهشاشة وعدم التوازن وغياب التخطيط المستقبلي ذي الأمد البعيد، وكذلك اعتماد الريع الآتي والاستهلاكي المؤقت، إضافة إلى سوء توزيع الثروة وغياب الاستشارة السياسية في القضايا الاقتصادية،وأيضا إلغاء الموازنة بين الإنتاج والاستهلاك والادخار، هذا مع اندحار التلازم الذاتي بين الخبرة الاقتصادية والأمانة الخلقية ثم منع استقلال الاقتصادي بوظيفته عند الممارسة.

وكل هذه النقائص وغيرها قد أدت وتؤدي إلى فوضى اجتماعية وخاصة على مستوى الصناعات والمهن والحرف، إذ ستصبح الشركات المحلية،ومعها الأجنبية الضعيفة، ذات تطفل على الإنتاج بسبب ضعف المراقبة القانونية من جهة،وبسبب نقص التخصص في أطرها، أو ضحالة الاعتمادات في رأسمالها، لا تستطيع بواسطتها تمويل المشاريع التي تولت إنجازها، وبالتالي عدم القدرة على المنافسة وابتزاز أموال الجماهير بسلع ومنتجات رديئة ومزيفة، إضافة إلى الاعتماد شبه الكلي على البنوك الربوية ذات النسب المائوية المجحفة والتناسل السرطاني الممحق، وكذلك أموال المخدرات وتعاطيها المستشري والسافك لقيم الفكر والأعمال!

وقد تبدو هذه الفوضى إما على مستوى المهن ذات الطابع الإنساني المتعلق بصحته الجسدية وحتى النفسية كالطب مثلا، أو ذات الاهتمام المادي وهو ذو ارتباط إنساني أيضا وضروري كالفلاحة والصناعة والهندسة وما إلى ذلك من تفرعات، مع العلم أن الكل يدخل في حكم المهن الضرورية للمجتمع والتي تحتاج إلى تقنين وتخطيط وتوزيع، حتى يستقيم حاله فيما تعم به البلوى كما يعبر فقهاؤنا.

فالعلوم المهنية تنقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة كما يقول الغزالي: "أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين، فلا يتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفايات،فإن أصول الصناعات أيضا من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة، فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وارشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه، فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله... إلخ"1

وعند غياب هذا الوعي بدور العلوم المهنية وتموضعها الاجتماعي وتقنينها تصبح المهن والحرف محتكرة ومهملة وغير منظمة، بحيث قد تجد وتسمع في المجال الطبي مثلا نوعا من التسيب على مستوى الاختصاصات سواء بالنسبة لذوي الشواهد الرسمية أو المتطفلين على الميدان الطبي بتقمص المهن،عبر الدكاكين أو المواقع الإلكترونية السائبة، ومزاولتها بغير مراقبة قانونية وتفتيش دوري، إذ غالب من يزور طبيبا في عيادته أو صيدليا من هذا النموذج، ولا تعميم، إلا ويخرج بوصفة من ركام الأدوية قد لا تسمن ولا تغني في علاجه أحيانا كثيرة،وإنما هي عبارة عن استدراج فني للعودة إلى العيادة من جديد وبالمقابل أداء فاتورة الاستشارة مضاعفة.

2) إضافة إلى هذا تنوع أجهزة الاستكشاف الطبي التي أصبحت عبارة عن وسيلة للشعبذة الطبية واستنزاف أموال المرضى بغير حق. فهذا يطلب منه ما لا يكاد يحصى من التحليلات وذاك توصف له أشعة تلو الأشعة وبأثمنة باهضة جدا قد يبيع معها المريض كل ممتلكاته وربما تذهب معها حياته فلا يكاد يحصل على علاج فعال لمرضه، وخاصة في غياب القانون الصارم والضامن لسلامة الصحة والمتابعة في حالة عدم وجود نتيجة علاجية بعد التداوي، إذ الطب أصبح في عدة مرافقه ومراكزه ومزاوليه عبارة عن رمي في عماية، ومجرد مجازفة بالمال والصحة في آن واحد.

فلا المال يبقى مصونا ومحفوظا ولا الصحة أو البرء قد يصير مضمونا ومغلبا، وبهذا المآل صار الطب الجسدي يتنافس مع ما يمكن الاصطلاح عليه بالطب الروحاني، ذي الاعتماد على الرموز والأوفاق بالتواصل مع عالم الجن في تحليلاته وتخميناته لمقاومة السحر والعين وما إلى ذلك مما في فلكه، إذ الكل أصبح مغيبا في دهاليز الأسرار الإشعاعية والنارية، فهذا بأشعة اللايزر والسكانير والإيكوغرافي، والآخر بالبخور والعطور، والمريض بين الفريقين مغرور ومبهور!

فعوض أن كان الطب بشقيه الجسماني والروحاني وسيلة لمنع النزيف والهذيان فقد أصبح مجالا لاستنزاف المال وراحة الإنسان، وخاصة بعد التناسل السرطاني للمصحات الخاصة، وشروطها الباهضة في العلاج كإحدى أخطر المظاهر السلبية للخوصصة في المجالات الحيوية والاجتماعية التي كان من المفروض أن تبقى مؤممة ومعممة، كوكالات الماء والكهرباء مثلا.

فأي صحة ستبقى حينما يصبح المريض جالسا على الحديدة كما يقال! إذ صار فقيرا مدقعا لا يملك ما يعول به نفسه ولا أسرته بسبب ما أنفقه على الأشعة والأجهزة وأذره على الأسرّة ذات النجوم الخمسة والدكاترة المرحبين من أموال طائلة غير مضمونة الوفاء أو الشفاء وبعده يموت مغبونا لا هو بصحته يسعد ولا إلى ماله يتودد!

أو ليست هذه هي الشعبذة الطبية والمقامرة باسم علم شريف كان الأولى بأصحابه أن يرتقوا على المطامع المادية الجامحة، ويراعوا الوجه الإنساني فيه حتى يبارك الله لهم في عملهم وييسر الشفاء على أيديهم؟

فلقد أحسن أبو حامد الغزالي حينما قال: "فمهما أضيف الفقه إلى الطب ظهر شرفه"2 وأيضا ما قاله الشافعي "علمان شريفان وضعهما ضعة متعاطيهما: الطب والنجوم"3.

وبالمناسبة أتذكر المسرحية والكوميديا الرائعة "Knock" لجول رومان، والتي شخصت هذا الداء تشخيصا ساخرا وموضوعية حيث فصل بين حقيقة الطبيب(le médecin) والمشعوذ أو الدجالcharlatant ،حيث ينبغي على كل متردد أو متطفل على مهنة الطب أو متطبب أن يراجعها ليكشف أسرار المهن والتلاعب بها تحت ألقاب مزيفة ومظاهر وألفاظ منمقة...وهذا ما قد يحدث في كل المهن وخاصة ذات الطابع الإنساني المحض حيث اختبار الضمير قبل الأمير.

 

الدكتور محمد بنيعيش

......................

1- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1 ص 23.

2- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1 ص 26.

3- داود بن عمر الانطاكي: تذكرة أولي الالباب والجامع للعجب العجاب – المكتبة الثقافية ج1 ص 5.

 

 

محمود محمد عليكثرت في العقد الأخير من القرن العشرين الكتابات حول المواطنة بمفهومها العالمي الجديد، وتوالت في الظهور العديد من الاستراتيجيات السياسية وما يلزمها من استراتيجيات تربوية بغية تعميق قيم تربوية تجعل الأفراد أكثر تفاعلاً وانخراطاً في ذلك المفهوم الجديد للمواطنة الذي يحاول وفق المنطق الديمقراطي الغربي المعاصر– إحلال هوية جديدة وحيدة محل الهويات المختلفة المتشابكة والتي تنشأ علي أساس الديانة– الجنس – العرق والطبقة الاجتماعية والنوع، وتؤكد أن " الهوية المدنية" هي الهوية الوحيدة التي تمتلك المساواة لكل المواطنين في الدولة بغض النظر عن الاختلافات السابقة؛ إذ إن الهوية المدنية مشاعة لكل المواطنين، وترتكز هذه الهوية المدنية علي الالتزام الحر بمبادئ مدنية معينة، وقيم الديمقراطية التي تذوب في طياتها الاختلافات الجنسية والعرقية، بل والدينية لتصبح" الهوية المدنية" هي الرابط الذي يضم المواطنين جميعاً في نظام سياسي وحيد (1)

وهنا وجدنا الكثير من الباحثين والدارسين يؤكدون علي أن المواطنة كلمة استحدثت للتعبير عن تحديد الوضع الحقوقي والسياسي للفرد في المجتمع، والمواطن هو إنسان يستقر في بقعة أرض معينة وينتسب إليها، أي مكان الإقامة، ويعود مفهوم المواطنة قديمًا إلى زمن الديمقراطية المباشرة الإغريقية التي تعتبر أساس ديمقراطية العالم اليوم. وجوهر المواطنة يعتمد على انتماء الفرد وولائه لوطنه، وهذا يحتم أن تكون المواطنة قائمة على أساسيين جوهريين هما: المشاركة فى الحكم، والمساواة بين جميع المواطنين (2).

وفي هذه الورقة سأحاول أن أغرد خارج السرب، حيث أن المواطنة في اعتقادي ليس مفهوم غربي حديث، بل المواطنة مفهوم قديم قدم الإنسان علي الأرض، والمواطنة علاقة عضوية تربط الإنسان بالمكان وتتوافر هذه المواطنة بقدر ما تتوافر قيم المشاركة الاجتماعية والمشاركة في الحياة السياسية والعلاقة بنظام الحكم وعدم الإنسان بالتهميش وقبول الآخر، وكذلك تشير المواطنة إلي الحقوق التي تكفلها الدولة لمن يحمل جنسيتها والالتزامات التي تفرضها عليه، أو قد تعني مشاركة الفرد في أمور وطنه، وما يشعره بالانتماء إليه، وباختصار شديد، فالمواطنة تعني المساواة بين أبناء الوطن الواحد في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم علي أي أساس كان، سواء أكان هذا التمييز عنصري أو عرقي أو ديني، فالمواطنون سواسية في المجتمع.

وهنا في هذه الورقة أتناول قضية مبدأ المواطنة ممثلا في سيدنا رسول صلي الله عليه وسلم بوصفه رئيس الدولة العربية - الإسلامية، حيث ظل عليه الصلاة والسلام ثلاثة عشر عاما يدعو إلى الإسلام حتى هيأ لله قيام دول إسلامية في المدينة المنورة، وهاجر صلي الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة فوجد فيها غير مسلمين سكنوا المدينة من قديم فمنهم من كان على شرك، ومنهم من كان من أهل الكتاب وتحديدا اليهود، ومن المعلوم أن أي دول لها أركان: شعب، وأرض، ودستور، ورئيس الدولة، فالشعب هو كل من سكن المدينة من مسلمين ويهود ومشركين، والأرض أو الوطن: المدينة المنورة، ورئيس الدولة ممثلا في شخص رسول صلي الله عليه وسلم، بقي الدستور الذي سيحكم العلاقة بين المسلمين وغيرهم، فلم يتجه تفكير النبي صلي الله عليه وسلم إلى رسم سياسة للإبعاد أو المصادرة والإلغاء بل قبل عن طيب خاطر وجود اليهود والوثنية وعرض على الفريقين أن يعاهدهم معاهدة الند للند على أن لهم دينهم وله دينه (3).

فكان المثال أو النموذج الأول للمواطنة  (صحيفة أو وثيقة المدينة المنورة)، وهي وثيقة النبي صلي الله عليه وسلم بوضعها بعد الهجرة إلي المدينة المنورة، والتي تسمي بصحيفة المدينة، أو دستور المدينة، وبمحتوي هذه الوثيقة أصبح الجميع مجتمعاً واحداً، ويداً واحدة في حفظ المدينة، وفي صد أي عدوان عليها من الخارج، فنقول وثيقة المدينة هي أول دستور مدني في تاريخ الدولة الإسلامية، وقد تمت كتابة هذه الوثيقة فور هجرة النبي صلي الله عليه وسلم إلى المدينة.

وقد سُميت في المصادر القديمة بالكتاب والصحيفة، وأُطلقت الأبحاث الحديثة عليها لفظة “الدستور” ولقد تعرض الدكتور أكرم ضياء العمري في كتابه "السيرة النبوية الصحيحة" لدراسة طرق ورود الوثيقة، وقال:” ترتقي بمجموعها إلى مرتبة الأحاديث الصحيحة”، وبيّن أن أسلوب الوثيقة ينمُّ عن أصالتها، فنصوصها مكونة من كلمات وتعابير كانت مألوفة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قلّ استعمالها فيما بعد، حتى أصبحت مغلقة على غير المتعمقين في دراسة تلك الفترة وليس في هذه الوثيقة نصوص تمدح أو تقدح فرداً أو جماعة، أو تخص أحد بالإطراء، أو الذم، لذلك يمكن القول بأنها وثيقة أصلية، وغير مزورة (4).

ولقد عرف الإسلام هذا الحق ورسخه منذ أربعة عشر قرنًا، فحين هاجر الرسول  إلى المدينة وجد فيها عقائد مختلفة وقبائل شتى، تشكلت بعد استقراره إلى فئات ثلاث في ذلك المجتمع الجديد، هم: المسلمون، واليهود، والعرب المشركون، ويتألف المسلمون من المهاجرين والأنصار الذين يتألفون بدورهم من الأوس والخزرج، وهو ما يمثل نسيجا غريبا ومخالفا لتقاليد العرب وأعرافهم في ذلك الوقت في الجزيرة العربية (5).

ولم تقتصر هذه الوثيقة على تنظيم علاقات المسلمين مع غيرهم، وإنما تعرض جانب كبير – بل هو الجانب الأكبر – منها إلى تقرير قواعد كلية، وأسس عملية للعلاقات بين المسلمين أنفسهم" كما اعتبرها " من أهم الوثائق القانونية، التي لا بد أن يدرسها علماء القانون والتشريع بدقة متناهية، لاستخلاص الدلائل والأحكام منها، وأيضاً لمعرفة الغايات التي يرمي لها الإسلام، والضوابط التي يرتضيها، ومقارنتها بغيره

وهذه الوثيقة اشتملت علي أربعة بنود رئيسة وثمان وأربعين (48) فقرة في العلاقة والمواطنة والتعايش. والبنود هي:-

البند الأول: الأمن الجماعي والتعايش السلمي بين جميع مواطني دولة المدينة. البند الثاني: ضمان حرية الاعتقاد والتعبد. البند الثالث: ضمان المساواة التامة لمواطني دولة المدينة في المشاركة الفاعلة في مجالات الحياة المختلفة تحقيقا لمبدأ أصيل تقوم عليه الدول الحديثة في عالم اليوم وهو مبدأ المواطنة الكاملة فضمن دستور المدينة هذا الحق لكل ساكنيها في وقت لم يكن العالم يعي معنى كلمة الوطن بالتزاماته وواجباته. البند الرابع: ترسيخ إقرار مبدأ المسؤولية الفردية وأصل هذه المسؤولية الإعلان عن النظام وأخذ الموافقة عليه. وعلى أثر هذه الوثيقة زادت رقعة معاملة المسلمين لغير المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وآله على أساس مبدأ التسامح الذي فاضت به نصوص القرآن الكريم وبينته السيرة النبوية قولا وفعلا بعد ذلك. وتعد هذه المعاهدة الوثيقة الأولى التي احتوت على بنود محققة للمواطنة وحقوق المواطنين وواجباتهم من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية.

كذلك هذه الوثيقة حددت حقوق المواطن وواجباته دون تفريق بين مسلم وصاحب كتاب أو مشرك، فالجميع لهم حقوق عليهم واجبات ما داموا يعيشون في ظل الدولة الإسلامية، ويتمتعون بأمنها واستقرارها، فبعد هجرة نبي الرجمة إلي المدينة المنورة، كان المجتمع في المدينة المنورة، ما بين المسلمين، أو اليهود، أو بعض الوثنيين، فكان لا بد من وجود دستور، أو قانون ينظم العلاقات بين هذه  الطوائف، وهذه الفئات، فقام المصطفي صلوات الله عليه بوضع صحيفة وثيقة المدينة لكي ينظم العلاقات بين هذه الطوائف الموجودة في المدينة المنورة .

وهنا نقول بأن الهدف من وثيقة المدينة المنورة يهدف هذا الدستور أو هذه الوثيقة إلي تحسين العلاقات وتنظيم العلاقات بين مختلف الطوائف والجماعات في المدينة، وعلي رأسها المهاجرين والنصار والفصائل اليهودية وغيرهم، وحتي يتمكن بمقتضاه المسلمون واليهود وجميع الفصائل من التصدي لأي عدوان خارجي علي المدينة المنورة ؛ أي أن يتحد الجميع في الدفاع عن المدينة المنورة.

وكذلك نقول أيضا لقد صيغت في وثيقة المدينة المنورة علي قيم المواطنة  واستفاد منها الغرب، وهذه الوثيقة تحتوي علي 47 بند، فلو قرأنا هذه الوثيقة سنكتشف أنها أعلنت حقوق الإنسان العالمي بـ " 1850" سنة، وسنكتشف أن بها مبدأ الليبرالية، والمواطنة في أفضل تطبيقاتها، فلقد أرسي نبي الرحمة دولة المدينة جاءت من المدينة المنورة، وقام بوضع هذا الدستور من هذه الوثيقة، وهي لا تزيد عن أربع ورقات، وفيه الكل يدافع عن المدينة مثل لليهودي أن يؤمن كما يشاء، وكذلك المسيحي، ولمن لا يؤمن بدين أن يعتنق ما يشاء، وهذه مفاهيم جدية تماما وتقدمية بكل ما تحويه الكلمة من معني، فالمسلم فليس هناك فرق بين مسلم الأنصار ومسلم أصحاب المدينة، علاوة علي دعوتها علي أن الدفاع عن الوطن واجب مقدس للجميع، ومن هنا أرسي قواعد المواطنة بكل ما تحمله الكلمة من معني .

ولو استعرضنا هذه الوثيقة نجد إنها بالفعل تدشن لتأسيس دولة مدنية علي أعلي مستوي، من خلال الحديث عن مجال المواطنة، وأٍساسها، وشعارها، وعمادها، فأما فيما يخص مجال المواطنة فإنها تستوعب جميع المواطنين في ديارهم، دون إهدار حقوق غير المسلمين الذين يسكنون داخل الدولة الإسلامية، وأما أساس المواطنة فتعول علي الحرية وعدم الاستبداد والظلم، وأما شعار المواطنة فتعني المساواة بين الموطنين في الحقوق والواجبات، ودون النظر للدين أو المذهب، أو العرق، وأما عماد المواطنة فتعول علي كوها تمثل نظام سياسي يخدم الجميع ونظام اجتماعي يعتمد علي حب الوطن ومراعاة السلوك العملي المعبر عن احترام حقوق الوطن علي أبناءه، كما أنها نظام قانوني لمعرفة حقوق الإنسان والمواطن وواجباته تجاه الوطن وتجاه غيره من أفراد الوطن ... وللحديث بقية..

 

اٍلأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة اسيوط

..................

الهوامش

1- Joh I. Cogan and Ray Derricott, citizenship for the 21 St century an international perspective on education, Kogan page, England, 1999, pp. 103: 107.

2- د . حنا عيسى: الدين والمواطنة علاقة وثيقة ووطيدة، مقال منشور بتاريخ تاريخ النشر : 2014-11-03

3- د.حسين مؤنس: دراسات في السيرة النبوية، الناشر الزهراء للإعلام العربي، ط 2، القاهرة، 128.

4- أكرم ضياء العمري:  السيرة النبوية الصحيحة، مكتبة العلوم والحكم، 1415 – 1994، ص 145-148.

5- الدكتور علي جمعة: وثيقة المدينة ودستور المواطنة.. مقال منشور بتاريخ Jan 15, 2011.

 

 

محمود محمد عليعرفتنا السوسيولوجيا بأن "الفقر" حالة إنسانية، أما "التسول" فمهنة احترافية. الفقر موجود في كل زمان ومكان، كان كذلك وسيبقى دائماً، وفى الحالة الإنسانية الطبيعية لا يُستخدم الفقر كوسيلة للتسول، وينطبق على من يعيش هذه الحالة ويترفع عن السقوط فى وهدة استغلالها قول الخالق العظيم: "لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحْصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِى الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا".. أما المتسول المحترف فغير ذلك، فهو يؤدى وظيفة تروج في سياقات معينة وذلك حسب قول محمود خليل في كتابه التسول الإرادي،

إن "التسول" في نظر كثير من الفلاسفة أصبح غطاء للبلطجة والإجرام. الانفلات الأمني هو المسئول الأول عن هذه الظاهرة إلي جانب ارتفاع معدلات الفقر واتساع دائرة الجريمة، ولذلك رأينا أن "التسول" يزداد بين الأطفال والكبار لكن المشكلة تكمن عند الطفل الذي نحكم علي مستقبله بالضياع فهو يهرب من المدرسة ويمتهن مثل هذه المهنة لسهولتها كما أنه يعمل في الوقت الذي يريده ويمارس كل ما هو غير أخلاقي دون رقيب أو رادع.

وتتضح أهمية دراسة "التسول" كموضوع يمثل أحد مظاهر السلوك المنحرف للاعتبارات التالية (7):

الاعتبار الأول: أصبح "التسول" ظاهرة اجتماعيه تعاني منها الدول المتخلفة، أو النامية بصفة عامة، واتخذ شكلا حادا مهددا للمجتمع ، فأمتد إلى وسائل المواصلات، والشوارع، وأماكن الانتظار العامة، والحدائق، والمتنزهات، وأصبح من المألوف أن تجد في كل مكان من يمد يده للناس معترضاً طريقهم طالباً المساعدة .

الاعتبار الثاني: اجتاح "التسول" كافة الفئات السنية من الطفولة حتى الشيخوخة، ومن الذكورة إلى الأنوثة، وأصبح من العسير التعامل معه قانونياً في ظل هذا التغلغل الاجتماعي ورده إلى عوامله الاجتماعية الطبقية، أو النوعية الاقتصادية، بل وحتى النفسية المميزة ، ما يشكل صعوبة في دراسة هذه الظاهرة لحصارها، وعالجها، ووضع الحلول في طريق استفحالها .

الاعتبار الثالث: أن "التسول ظاهرة مستمرة باستمرار التكدس البشري في المدن وزيادة عدد المهجرين للمناطق الأخرى والمجاورة والمتخلفين مع ضعف فرص العمل والإنتاج .

الاعتبار الرابع: ازدياد حجم المشكلة خلال بعض المناسبات؛ وخاصة المناسبات الدينية والأعياد وشهر رمضان، والذي يشكل غير حضاري.

وظاهرة "التسول" أضحت لها شبكة كبري في العالم العربي، حيث ينتشر المتسولون في عزب ومناطق نائية وغالباً ما يكون زعيم الشبكة رجلاً أو امرأة استباح "التسول" لنفسه من خلال جمع أطفال متشردين ويلبي لهم رغبتهم الوحيدة في الإيواء والنوم والأكل فقط، أي يكتفي بمكان مسقوف، ونظير ذلك يقوم بتشغيلهم بطريقة غير مشروعة، في أعمال التسول الشحاذين واستدرار عطف المارة، أو التوجه إلي المنازل، وأماكن التجمع، أو في الأسواق وغيرها، وهنا أضحت ظاهرة "التسول":"تجارة وعمل للأفراد"، لما لها من كسب مادي يساعدهم في تحمل أعباء الحياة، وتعد صفقة مربحة تخضع لمقياس اقتصادي محض غير قابل للخسارة، أم أنه مشروع تسول كبير بفكرة اقتصادية شاذة.

علاوة علي أن "التسول" أضحي يمثل سوسيولوجياً كارثة يترتب عليها ارتفاع معدل الجريمة؛ خاصة وأن من ينتمون إلى مهنة "التسول" أغلبهم من الشباب وبمجرد حصولهم علي الأموال من الممكن أن يتجهوا إلى الإدمان.

ويمكن تقسم المتسولون سوسيولوجياً إلي ثلاثة أصناف:

1-الصنف الأول: ويطلق عليهم " المتنطعون" وهم الذين حققوا ثروات طائلة، وتضاعفت دخولهم بصورة غير متوقعة، لا عن مواهب فيهم، قدر ما هي خبطات حظ، أو ارتباك واقع.

2-الصنف الثاني: ويطلق عليهم " المضطرون" وهم الذين دهستهم ظروف الحياة، وضغطتهم الأوضاع المعيشية، بصورة جعلتهم شديدة الحساسية لأى شخص يطلب منها المعونة أو المساعدة، فتجدها تعطيه قدر طاقتها بلا تردد، ودون بحث.

3- الصنف الثالث: ويطلق عليهم " المحتالين" ، وهم الذين يذهبون إلى البيوت بحجة أن بهم أمراض في أجسامهم ومحتاجين للعلاج.

4- الصنف الرابع: ويطلق عليهم "المتوارثون" وهم الذين يعتبرون التسول أمرًا وراثيًا لا يمكن إغلاقه إلا بالوسيلة المادية فقط، لأن التسول ما هو إلا للكسب المادي، فضلًا عن أن بعضهم يستخدمون التسول كتجارة واستثمار مربح.

ويعد العامل الاقتصادي من أهم العوامل المسببة للتسول علي صعيد الفرد والمجتمع ، وقد اختلف فلاسفة علم الاجتماع في الموقف من مدي أهمية هذا العامل عند بحثهم للظواهر الاجتماعية ، ومن ذلك المواقف المتناقضة تجاه الفقر والبطالة ، والتي تمثلت في موقفين:

الموقف الأول: ويطلق عليه موقف فلاسفة "الرأسمالية"، وهو موقف مادي ينطلق من العقيدة الفردية السائدة في المجتمعات الغربية الرأسمالية التي تري بأن الفقير مسؤول عن فقره ، وأن بإمكانه أن يعمل بجد مثابرة من أجل أن ينجح في منافسة الآخرين ، ومن ثم يصبح الفرد الذي يثابر في عمله ويصبح غنياً والذي فشل يصبح فقيراً .

الموقف الثاني: وتمثله الفلسفة "الماركسية" التي انطلقت في تحليها لأوضاع الأسرة والمرأة نظرتها القائلة بالتفسير المادي للتاريخ والمجتمع ، والمتضمن وجود مظالم اجتماعية وانعدام العدالة الاجتماعية ، وسيطرة القيم المادية علي العلاقات الاجتماعية عبر التاريخ (8)؛ وهذا يعني أن المجتمع يبقي في حالة صراع يشتغل فيه الطبقة الفقيرة ، وهذا الصراع لا ينتهي إلا في وجود مجتمع اشتراكي خال من الطبقات تسوده حكم البروليتاريا (9).

وهناك حالات- فعلاً- إنسانية مؤلمة جدًّا موجودة في حالات "التسول"، وفي حالات بعض المتسولين، لكن هذه الحالة يجب معالجتها أيضاً، ظاهرة "التسول" يجب معالجتها، الجمعيات وكذلك الدولة من جانبها، المؤسسات المختلفة، المجتمع بنفسه أن يحاول أن يساهم في معالجة هذه الظاهرة التي تعد ظاهرة خطيرة، وتتحول في بعض الحالات لبعض الناس إلى عادة محببة؛ لأنه يرى فيها مصدراً سهلاً للدخل بدلاً عن العمل، وهذه جريمة، جريمة من يتجه وهو غير مضطر لفعل ذلك، فيجب أن يتعاون الجميع في احتواء هذه الظاهرة من جانب المجتمع نفسه، ومن جانب الدولة نفسها، من المؤسسات والجمعيات أن تسعى لمعالجة ظاهرة "التسول"، ومساعدة الناس المضطرين أو الذين يعانون من ظروف صعبة من خلال العمل، من خلال الإحسان، من خلال الرعاية.

حتى القرض، مهم جدًّا رعاية هذا الجانب، إلى جانب الإحسان، إلى جانب الهبة، الصدقة، العطاء، مهم أيضاً القرض، في بعض البلدان هناك تجارب جيدة للقرض الحسن، القرض غير الربوي، أما القرض بالربا وعلى أساس الربا فهو محرم، وهو لا يمثل أي مساعدة، هو استغلال، هو عمل انتهازي لا إنساني لابتزاز الناس بحسب ظروفهم، وعلى أساس الاستغلال لمعاناتهم، لكن القرض غير الربوي هو إحسان، هو خدمة كبيرة يقدمها الإنسان إلى أخيه الإنسان، وتعاونٌ مهم، هو من التعاون على البر والتقوى، فيه أجر، فيه فضل، له أهمية، له قيمة إنسانية وأخلاقية وإيمانية ودينية، القرض في حالة العسرة إلى حالة الميسرة.

وعلى مستوى الناس فيما بينهم أن يتعاطف هذا مع ذاك ويقرضه عند الظروف الصعبة، في الوقت نفسه المؤسسات التي يمكن إنشاؤها لتقديم هذه الخدمة للبعض الآخر من الناس، مع أن المؤسسات لا يجب أن تكون بديلاً عن تعاون الناس فيما بينهم، أبناء المجتمع فيما بينهم؛ لأن هذا يساهم في تعزيز الروابط الأخوية، يساعد في تعزيز الأمن الاجتماعي والاستقرار فيما بين الناس، ويقلص الجرائم، يعزز من حالة المحبة والإخاء والمودة فيما بين أبناء المجتمع.

وهنا يشير أحد علماء الاجتماع إلى أن "التسول" ينشأ من البيئة دون أي تدخل من العمليات والميكانيزمات النفسية وهو يصف المتسولين بأنهم ضحايا ظروف خاصة اتسمت بعدم الاطمئنان والضمان الاجتماعي، لأسباب متعلقة بالانخفاض الشديد لمستوى المعيشة الذين يعيشون في ظله، أو أنهم ضحايا مزيج من هذا وذاك، ويرى أخر أن التسول " مظهر من مظاهر الخلل الاجتماعي أو شكلاً من أشكال الباثولوجية الاجتماعية وقد عرف د. منير التسول بأنه: ( موقف اجتماعي يخضع فيه المتسول لعامل أو أكثر من العوامل ذات القوى السببية مما يؤدي إلى ممارسة هذه المهنة، أو السلوك غير المتوافق عليه) (10).

بينما يشير علماء النفس بأن "التسول" يختلف عن النظرة العامة له، حيث يركز علماء النفس اهتمامهم العملي على شخصية المتسول ومراحل تصور هذه الشخصية، مما يؤدي إلى انحرافات نفسية حادة قد تقود إلى ممارسة التسول، كما يؤكد على أن ظاهرة التسول من الظواهر التي تنشأ نتيجة عدم توافق المتسول أو سـوء تكيفـه مـع المجتمع اليمني الذي ينشأ فيه وهذا يعود إلى اضطرابات شخصيته بوجه عام (11).

خلاصة القول إن ظاهرة "التسول" ظاهرة غير حضارية فهي تعطي انطباعاً وتصوراً سيئاً وغير محمود عن المجتمع الذي تظهر فيه وقد أمتهن هذه الظاهرة كثير م ضعفاء النفوس، الذين يستغلون عطف الناس وطيبتهم.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...............

الهوامش

7- لقاء عبد الهادي مسير وآخرون: المرجع نفسه، ص 1753

8- شيبسبتولين: الفلسفة الماركسية اللينينية، ترجمة: لويس اسكاروس، دار الثقافة الجديدة ، القاهرة، 1978 ،ص13.

9- السيد حنفي عوض: علم الاجتماع السياسي، مدخل الى الاتجاهات والمجالات ، دار التوفيق النموذجية للطباعة، القاهرة ، 1985م، ص99.

10- د. عادل الشرجبي: التسول ، دراسة سوسيو انثربولوجيه عن التسول في العاصمة صنعاء- ١٩٩٩م.

11- أ.د. حسين حسن سليمان: السلوك الإنساني والبيئة الاجتماعية بين النظرية والتطبيق، المؤسـسة الجامعيـة للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ٢٠٠٥م.

 

 

عبد الله الفيفي(الخطاب الإيجابي نسبيًّا: المتنبِّي)

ذَكَرنا في المساق السابق أنه قد يُحسَب (لأبي الطيِّب المتنبِّي)- مع عروبيَّته الصميمة- أنَّه خالفَ في شِعره بعض التمييز العنصري ضِدّ المرأة، الذي تجلَّى لدَى الشعراء العَرَب وغيرهم، من سابقيه ولاحقيه، ومنهم (البحتري) و(المعرِّي)؛ فرثَى جَدَّته، ورثَى أُمَّ (سيف الدَّولة)، ورثَى أُخته. وقد تبيَّن أنَّ مثل هذا الحِسِّ الإنسانيِّ كان شاحبًا في الشِّعر العَرَبيِّ القديم بعامَّة. وناقشنا في ذلك المقال القصيدة الأولى في رثاء جَدَّته، وهي ذات المطلع:

أَلا لا أَرَى الأَحداثَ حَمْدًا ولا ذَمَّا

فَما بَطْشُها جَهلًا ولا كَفُّها حِلْما

واليوم نناقش قصيدته الثانية في رثاء والدة (سيف الدولة)، وهي ذات المطلع:

نُعِدُّ المَشرَفِيَّةَ والعَوالي

وتَقتُلُنا المَنُوْنُ بِلا قِتالِ

ومنها أبياته:

وهَذا أَوَّلُ النَّاعينَ طُرًّا

لِأَوَّلِ مَيتَةٍ في ذا الجَلالِ

كَأَنَّ المَوتَ لَم يَفجَعْ بِنَفسٍ

ولَم يَخطُرْ لِـمَخلوقٍ بِبالِ

صَلاةُ اللهِ خالِقِنا حَنوطٌ

عَلى الوَجهِ المُكَفَّنِ بِالجَمالِ

عَلى المَدفونِ قَبْلَ التُّربِ صَوْنًا

وقَبْلَ اللَّحدِ في كَرَمِ الخِلالِ

وهو يَعُدُّ صَون المرأة هنا بمثابة دَفْنها، والتذرُّعَ ببعض القِيَم المحافِظة بمنزلة لَحْدها حيَّةً. وكذلك كان العَرَب يفعلون، وما زالوا. بل ابتكروا في القرون المتأخِّرة من ألوان الصِّيانة ما لم تعرفه الجاهليَّة الأولَى. حتى لقد صاروا يئدون اسم المرأة نفسه؛ الذي أضحى عورةً لدى أشاوسهم؛ لا يجوز البوح به، لا عن دِيانة، بل عن جاهليَّةٍ مبتدعة، أَضَلُّ من الجاهليَّات الأُولى سبيلًا. لذا باتت المرأة بلا اسم، بل هي: "كريمة فلان" في دعوات الزواج! ويا لها من كرامة! وباتت تُجَرَّد من انتسابها إلى القبيلة، أو إلى لقب العائلة؛ فليست بـ"فلانة الفلانيَّة"- كما كان العَرَب ينسبون النساء- بل هي: "فلانة الفلاني"؛ من حيث إنَّ الانتساب إلى القبيلة أو العائلة ليس من حقِّها، بل من حقِّ أبيها. وحين يُضطرون للاعتراف بأن ثمَّة امرأة- فالزواج لا يكون إلَّا بين رجلٍ وامرأة- فهي (كريمة فلان الفلاني). في سلسلةٍ من الاختراعات، التي يُبدِع فيها العُربان دائمًا، ولله درُّهم! وهو تطوُّرٌ لم يكن عصر (المتنبِّي، -354هـ= 965م) قد توصَّل إليه، غير أن بِذاره كانت آخذةً في التبلور، مع مثل هذه الفكرة: "المَدفونِ قَبْلَ التُّربِ صَونًا/ وقَبلَ اللَّحدِ في كَرَمِ الخِلالِ!" ثمَّ يستدرِك (أبو الطيِّب):

ولَيسَتْ كَالإِناثِ ولا اللَّواتي

تُعَدُّ لَها القُبورُ مِنَ الحِجالِ

وهنا يَرِد الاستثناء النمطيُّ، الذي أشرنا إليه في مقال سابق. فمع أنه قلَّما رثَى شاعرٌ عربيٌّ امرأة، فإنه إذا جُنَّ ففعل، سارع إلى الاعتذار، بالإعلان عن هذا الاستثناء: المرثيَّة ليست كسائر النساء، أيها الناس، بل ليست بامرأةٍ أصلًا، وإلَّا لما استأهلتْ الرثاء! إنَّ الشاعر بهذا يحاول تعميد نفسه، للتطهُّر من رجس رثاء النساء، الذي رأينا من قَبل أنه كان يُعَدُّ عيبًا، وعجزًا، وممَّا يُقتل دونه الشعراء حياءً، إنْ خطر لهم في بال! ليقول المسكين لمجتمعه: كلَّا، لستُ بقليل الحياء، ولا بمجنون، ولا بعاجز، لكنَّني إزاء امرأةٍ استثنائيَّة، "ولَيسَتْ كَالإِناثِ"، ولو كانت كالإناث، ما ارتكبتُ حماقة هذا المنكَر، فاخترقتُ خطَّه العنصريَّ الأحمر!

ثمَّ يقفز (المتنبِّي) عن فرسه الإنسانيِّ، ليُذكِّرنا بما سوف يصرِّح به (المعرِّي) بعده، ممعنًا في شرح أسبابه. وهو أنَّ المرأة الطبيعيَّة- غير الاستثنائيَّة في مثل مقام أمَّهات سيوف الدُّول- مكانها معروف، حسب العادات والتقاليد العربيَّة العريقة، وهو أن "تُعَدُّ لَها القُبورُ مِنَ الحِجالِ"! ألم يقل فيلسوف الشعراء (أبو العلاء المعرِّي)- لا عَرَّى الله نظمه ولا تفلسفه من الأتباع مَدَى الدهر!- فالرجل محلَّ إعجابٍ منقطع النظير ممَّن يَعدُّونه مفكِّرًا إنسانيًّا، لا يُشَقُّ له ظلام:

ودَفْـنٌ والحوادثُ مُفْجِعـَاتٌ

لإحداهنَّ إحْدَى المَكْرُمـاتِ!

في دعوةٍ صريحةٍ إلى وأد المرأة، ساقها في زمرة أبياتٍ، تنضح نورًا على نور! لا حاجة لإعادتها، فليرجع إليها من شاء في المقال الأوَّل من هذه السلسلة.

تلك، إذن، هي "إحدى المكرمات"، التي توارثها الناس، حتى صارت في أدبيات الأعراس لدينا: "كريمة فلان الفلاني"! وتلك هي "الحِجال"، التي أشار إليها (المتنبِّي) في بيته؛ فالنساء هنَّ "رَبَّات الحِجال"، أي صواحب المقاصير، أو الأخبية، التي تُجعَل للنساء كالقبور في حياتهن، وإذا متن صارت قبورُهن حِجالَهن الأبديَّة. ثمَّ يقول أبو الطيِّب:

ولَو كانَ النِساءُ كَمَنْ فَقَدْنا

لَفُضِّلَتِ النِّساءُ عَلى الرِّجالِ

لو...، و"لو تفتح عمل الشيطان"، كما يقال! وهنا يؤكِّد استثنائيَّة السيِّدة التي تورَّط في رثائها. فـ(لو): حرف امتناع لامتناع، حسب وصف النُّحاة: يمتنع أن يكون النساء كالمرثيَّة هذه، أمِّ سيف الدولة؛ ولذا لا غرابة أن لا يخطر في ذهنٍ أن تُفضَّل امرأةٌ على رجل. والمفاضلة فيروسٌ ثقافيٌّ عَرَبيٌّ في كلِّ شأن. فإمَّا أن يكون الرجال أفضل من النساء، وهذا ما وجدنا عليه آباءنا، منذ 150 سنة قبل الإسلام تقريبًا، وإمَّا أن يكون النساء أفضل من الرجال، وهذا هو المستحيل بعينه. اللهم إلَّا إذا كانت المرأة أميرة، وابنها سيف دولة، والشاعر أبا طيِّبٍ متنبِّئًا، في حالةٍ لا يُحسَد عليها من الارتباك؛ في بلاط (سيفٍ) بين خوفٍ ورجاء! عندئذٍ فقط تنحلُّ عُقَدُه المتوارثة، وتقع المعجزات، وتنقلب السُّنن والأعراف، فتصبح المرأة، لا مساوية للرجل في الكرامة الإنسانيَّة فحسب، بل هي أكثر من ذلك: مفضَّلةٌ عليه. مع ضرورة التنويه من الشاعر بأن "لكلِّ مقامٍ مقال"، ولا سيما عند الشعراء!

على أن الشاعر قد عاد فجأة إلى صوابه، بعد ما أسرف عليه من أغلال اللفِّ والدوران في دهاليز التقاليد، والكَرِّ والفَرِّ بين واجب الرثاء وأعراف المجتمع، ليقول بيتًا، لو هداه الله إليه منذ البدء، لكفاه مغبَّة اللتِّ والعجن الذي اضطُرَّ إليه؛ للتخلُّص من المؤاخذات الجماهيريَّة، التي كان يتوقع سياطها. وهو بيته الذي سار في شهرته ليسبق القصيدة كلَّها، وإن كانت شُهرةً إنَّما اكتسبها لما اقترفه من كسر النسق القارِّ:

وما التَّأنيثُ لِاسمِ الشَّمسِ عَيبٌ

ولا التَّذكيرُ فَخرٌ لِلهِلالِ

وما كان لهذا البيت أن ينال شهرةً، حتى أصبح مضربَ المثل والحِكمة، لولا أنه صادف عقولًا ترى في تقرير هذه الحقيقة البدهيَّة شِعريَّةً لافتةً، بل مدهشة. ولو قيل في أُمَّةٍ أخرى، مختلفة القِيَم، لنُظِر إليه على أنه لغوٌ سخيف؛ حيث لا يُنظَر إلى التأنيث على أنه عيبٌ أصلًا، ولا إلى التذكير على أنه فخر؛ فليسا سِوَى نوعَين متكاملَين، لكلِّ منهما وظيفته ومكانته وامتيازه النوعي. على أنَّ (التَأنيث لاسمِ الشَّمس، والتَّذكير للقمر) لم يأت من فراغ في لسان العَرَب، بل لهما جذورهما الميثولوجيَّة. من حيث كان العَرَب يعتقدون أنَّ الشمسَ امرأةٌ، والقمرَ رجُلٌ، وأنهما زوجان، وقد أنجبا بنتًا، سمَّياها: (الزُّهرة). وانطلقت آلهتهم المتعدِّدة- اللَّات، والعُزى، ومناة، وود، وشهر، والمقة، وغيرها- من هذا المعتقَد الشمسيِّ والقمريِّ والزُّهري. ومن هنا فإنَّ التَأنيث لِاسمِ الشَّمسِ عيبٌ، حسب الثقافة العَرَبيَّة الأُسطوريَّة، والتَّذكير فخرٌ للهلال. وانقسمت القبائل العربيَّة في تقديسها هذين الأقنومين، وبعضها مزج في اعتقاده بينهما معًا.(1) ومن ثمَّ كان تشبيه الرجل بالشمس، في مقام المديح، غير مستساغ، إلَّا في نهايات العصر الجاهلي، بعد أن أوشكت تلك العقائد تنحلَّ من النفوس، أو يمسُّها الاختلاط في التعبير. فوجدنا (النابغة الذبياني) يقول، مثلًا:

فَـإِنَّكَ شَـمــسٌ، والمُـلوكُ كَواكِـبٌ،

إِذا طَلَعَـتْ، لَم يَبـْدُ مِنـهُنَّ كَوكَبُ

ويُعدُّ هذا انحرافًا عن أعراف المديح الغالبة العتيقة، أيَّام كان الرجل (قمر 14)، أي: بدرًا. فكانت (بَرَّة بنت عبد المُطَّلِب)، ترثي (شَيـبـة الحَمْد: عبد المُطَّلِب بن هاشم بن عبد مَناف) قائلةً:

لَهُ فَــضْـــلُ مَــجْـــدٍ عـلى قـَومِــهِ

مُـنــيــرٌ يَـُلوْحُ كَـضَــوءِ القَـمَــرْ

وفي المقال التالي، نحاول الإجابة عن السؤال: لماذا بدا (المتنبِّي) مستقيم الطبع والإنسانيَّة في رثاء جَدَّته، بخلاف رثاء والدة (سيف الدولة)، الذي غلب عليه التصنُّع، ومداجاة الأعراف، ما أوقعه في حَيْصَ بَيْص؟(2)

 

بقلم: أ. د.عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

.............................

(1)  في كتابي: (2014)، مفاتيح القصيدة الجاهليَّـة: نحو رؤية نقديَّـة جديدة عبر المكتشفات الحديثة في الآثار والميثولوجيا، (إربد- الأردن: عالم الكتب الحديث)، تفصيل، لمن شاء. ونسخته الإلكترونيَّة متاحة على الرابط:  https://archive.org/details/Pre-islamicPoem

(2)  هذا المقال جزء سادس من ورقة بحثٍ حِواريَّةٍ قُدِّمت في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY