يعتبر دور الملاحظ في فيزياء الكوانطا جزء لا يتجزأ من إشكاليات ابيستمولوجية انبثقت مع البدايات الأولى لتشكلها على يد الآباء المؤسسين لها أمثال "نيلس بور"، "اينشتاين" و"شرودينجر"...ألخ. ففي الفيزياء الكلاسيكية لم يكن ليطرح هذا الدور  بشكل ملح على إعتبار أن الملاحظ (أو المجرب) غالبا ما اعتبر تدخله تدخلا سلبيا يكتفي فيه بتسجيل معطيات موجودة بشكل موضوعي، أي: باستقلال تام عن ذاته. لكن هذا الوضع سرعان ما تغير خصوصا مع محاولة العلماء تقديم تفسير لما يسمى ب"تجربة الشقين" double- slit experiment ، وهي التجربة التي يبدو فيها سلوك "النسق الفيزيائي" المدروس (ذرات، فوتونات، إليكترونات، جزيئات ...إلخ.) متغيرا بحسب تدخل الملاحظ من عدمه، وهو ما لا نجد له نظيرا في الفيزياء الكلاسيكية. ففي التجربة الأولى (على يسار القارئ) حيث لا حضور لملاحظ، يظهر سلوك "النسق المدروس" موجي undulatory، في حين أن التجربة الثانية (على يمين القارئ) تكشف لنا عن سلوك مغاير، سلوك جسيمي corpuscular بعد تدخل الملاحظ (عبر وساطة جهاز رصد).

2518 الكوانتم 1

منذ ذلك الحين سينصب النقاش حول ما إذا كان فصل الموضوعات الكوانطية عن الملاحظ، أو الذات العارفة، ممكنا أم لا. إجمالا نستطيع القول بأن الآراء توزعت ما بين من يقول بإمكانية ذلك ("اينشتاين" و"شرودينجر" مثلا)، وبين من يرون بأن النسق المدروس والنسق الملاحظ يشكلان معا كلا لا يمكن تجزيئه ("فون نيومان" و"نيلس بور" مثلا). تمخض عن هذا النقاش نتائج ابيستمولوجية وفلسفية (بل وحتى ميتافيزيقية)  همت قضايا: "الموضوعية العلمية"، "طبيعة الواقع"، "معنى القياس"، و"الحتمانية الفيزيائية"...إلخ.

في هذه الورقة سنحاول تقديم قراءة لهذه الإشكالية من خلال مقال صادر بمجلة Annalen der Physik (1) الألمانية العريقة، مقال للباحثين "شان يو" Shan Yu و"دانكو نيكولاي" Danko Nikolié. لقد دأبت بعض تأويلات فيزياء الكوانطا على إرجاع "انهيار دالة الموجة" wave function collapse إلى تدخل "وعي" الملاحظ، بشكل يبدو معه هذا الأخير كما لو كان "علة فاعلة" تمنح الموضوعات قيم محددة (سواء تعلق الأمر بالموقع، السرعة، الطاقة ...إلخ.)، وسبب ذلك، كما يطرح ذلك المبدأ الأول لفيزياء الكوانطا، أي مبدأ التراكب principle of superposition ، هو أنه قبل إجرائنا للقياس لا نعلم بالضبط القيم العددية لهذا المتغير أو ذاك، بحيث قد يحتل النسق المدروس مجالا بأكمله يصير معه موقعه، على سبيل المثال، هو حاصل جمع x+y+z...لذا وحده القياس قادر على إنهاء حالة التراكب هاته، وبالتالي حصول النسق على قيمة محددة. وهو ما أثار سجالا طويلا ما بين "اينشتاين" و"بور" دون أن يجد له حلا نهائيا (2). لكن ما يهمنا في الورقة الحالية هو بيان كيف حاول الباحثين، "يو" و"نيكولاي"، معالجة الوجه الأخر المتعلقة بدور الملاحظ، وخصوصا "الوعي" في عملية الانهيار تلك.

إن هدف المقال الذي عنواناه ب "لا حاجة لميكانيكا الكوانطا بمقولة الوعي"  Quantum Mechanics needs no Consciousness هو إثبات خطأ فرضية الوعي ودوره المزعوم، بحسب رأيهما، في انهيار الموجة. وتقول هذه الفرضية: "من الضروري أن يتشكل داخل ذهن الملاحظ تمثل ظاهراتي صريح لنتيجة القياس الكوانطي لدالة موجة (حالة متراكبة) حتى ينهار النسق المدروس بشكل يكتسب معه حالة خاصة واحدة." (3) إذن ما هو السبيل الذي سلكاه لبيان عدم جدوى هذه الفرضية؟ لنختصر الخطوات التي اعتمداها في النقط الآتية:

- سيظهر شكل التداخل (الصورة أعلاه يسارا) interference pattern  إذا لم يتمكن الملاحظ (أو المجرب) من تسجيل المعلومة المتعلقة "بالمسار الذي سلكه الفوتون" which path، وعليه يرى "يو" و"نيكولاي" بأنه يتوقع العثور على شكل تداخل عند D⁰ (أنظر الشكل أدناه) في الحالات التالية:

1- إن لم تجرى أي محاولة لقياس "أي مسار سلكه الفوتون"، بمعنى أخر ما لم يتم تشغيل جهازي الرصد عند D₁ وD₂.

2- إذا تم فعلا قياس المعلومة الخاصة "بالمسار الذي سلكه الفوتون" أثناء تشغيل جهازي الرصد السابقين (عند D₁ وD₂) بغرض التفاعل مع الفوتونات الواردة من L وR، لكن نتائج ذلك القياس لم تلتقط بواسطة الجهاز "الماكروسكوبي"، مما يعني أن الملاحظ البشري لم يتمكن من إدراكها (أي النتائج).

3-الحالة الثالثة والأخيرة التي عرضها الباحثان تقول: تم فعلا قياس تلك المعلومة بواسطة الجهاز الماكروسكوبي الموجود عند  D₁وD₂، لكن، رغم تمكن النظام الحسي للملاحظ من التقاطها، إلا أن تشتت "وعيه"، لسبب من الأسباب، حال دون إدراكه لها، أي ما حدث، كما يقول الباحثان، هو فقط تشكل تمثلات ذهنية غير-ظاهراتية (أي غير واعية).

بعد عرضهما لهذه التوقعات الثلاثة، لجأ "يو" و"نيكولاي" إلى انتقادها الواحدة تلو الأخرى، وهو الانتقاد الذي يمكننا اختصار مضامينه كالأتي:

نقد التوقع الأول: الإمكانية المبدئية لانجاز عملية القياس، قياس "مسار الفوتون"، كافية وحدها لحدوث الانهيار، من تم يصبح التوقع الأول الخاص بفرضية تدخل الوعي غير صحيحة.

نقد التوقع الثاني: في مجموعة أخرى من التجارب، كما يقول الباحثان، تم قياس معلومة "مسار الفوتون"، دون أن يتمكن الجهاز الماكروسكوبي" من تسجيلها، وبالتالي لم يتمكن الملاحظ من الوعي بها، ومع ذلك لم يتم في هذه الشروط العثور على التداخل.

نقد التوقع الثالث: لا وجود، بحسب "يو" و"نيكولاي"، لأي محاولة لاختبار التوقع الثالث، لكن يكفي التوقعين السابقين في نظرهما لبيان عدم صحة التوقع الأخير. بصيغة أخرى، إذا لم يظهر عند الشاشة D⁰ شكل يفيد التداخل حين لم تلتقط عين الملاحظ "مسار الفوتون"، فإن الأمر نفسه يلزم أن يحدث في حالة ما إذا بلغ شبكية عينه دون أن يتمكن من الوعي به، مما يؤكد في نظرهما عدم ضرورة "وعي الملاحظ" كشرط للتداخل، وبالتالي عدم صحة الفرضية التي انطلاقا منها.

خلاصة: هل حسم الباحثان إشكالية "دور الملاحظ" في فيزياء الكوانطا؟ في اعتقادي الشخصي لا أرى بأن المسالة قد حسمت فعلا لاعتبارين على الأقل: الاعتبار الأول فلسفي، ويخص التغير الذي طرأ على مفهوم الحقيقة منذ "كانط"، تغير أضحت معه هذه الأخيرة موضوع إتفاق بين- ذاتي intersubjectif نتيجة المأزق الديكارتي الذي قادت إليه مقاربته الانطولوجية لعلاقة الفكر بالواقع (يبقى مع ذلك من الضروري إضفاء طابع نسبي على هذا الموقف في ظل المراجعات النقدية الكبرى للكانطية في ضوء المستجدات العلمية الحالية، وهو ما أتركه لمقال قيد الانجاز)، مما منح دورا محوريا للوعي البشري. هذا الاعتبار الأول يقودنا إلى الثاني، وهو ذو طبيعة فيزيائية. صحيح أن "كانط" قد ظل رهين فيزياء ورياضيات عصره، لكن "حدسه الفلسفي" العميق فتح الباب أمام تأويلات ساهمت بشكل كبير في تقدم المعرفة العلمية (وإن كانت لها نقائص وأخطاء كثيرة) وأقصد بذلك التأويل الوضعاني positiviste. لقد أكد"بور" (وإن لم يكن من البساطة إدراجه ضمن هذا التيار أو ذاك لأسباب يطول شرحها) على أن النسق الفيزيائي+ أجهزة الرصد المختلفة لا يشكلان عناصر منفصلة عن بعضها البعض، بل يشكلان كلا لا يقبل القسمة، ومع أنه لم يشر إلى الملاحظ، فإنه بكل تأكيد جزء من هذا النظام الكلي، مما يقودنا إلى التساؤل الشائك حول ما إذا كان للعالم خصائص ذاتية مستقلة عن وجودنا كذوات ملاحظة وواعية. 2518 الكوانتم 2

كمال الكوطي، باحث في فلسفة العلوم، المغرب.

........................

الهوامش:

1-Ann.Phys.(Berlin) 523, No.11,931-938 (2011) /DOI  10.1002/andp.201100078

2- أهم نقاط هذا السجال ارتبطت بما إذا كان الواقع (أو النسق المدروس) يمتلك خصائص قبل إجراء أي قياس.

3- أنظر الصفحة 932 من المقال أعلاه.

 

 

حاتم حميد محسنمنذ بداية عصر الالكترون، اصبح من السهل للباحثين الانخراط مع عامة الناس في الوصول الى المصادر الثمينة للمعلومات والتي لم تكن متاحة بطريقة اخرى. هذا يتضح في ما نشره موقع (المحادثة) اخيرا من رسالة لم تكن معروفة كُتبت عام 1949 من قبل اينشتاين، ناقش فيها الرياضي والفيزيائي الألماني المولد قضية النحل والطيور وما اذا كانت مبادئ الفيزياء الجديدة يمكن صياغتها عبر دراسة حواس الحيوان. عثر الناشر (The conversation) على الرسالة ولأول مرة عام 2019، بعد ان قرأت المتقاعدة جودي ديفس Judith Davys التي تعيش في بريطانيا مقالة نشرها الموقع حول القدرات الرياضية للنحل. هي اتصلت بالناشر للحديث عن الرسالة التي عمرها 72 سنة، وهي الرسالة التي وجّهها اينشتاين لزوجها كلاين ديفس Glyn Davys. التحقيق في هذه الوثيقة الثمينة استغرق سنة كاملة.

لقاء رئيسي

كان آينشتاين واحدا من أعظم المفكرين في القرن العشرين، بالاضافة الى كونه متحدث ممتاز. خياله ساعده في صياغة العديد من التكنلوجيات التي تطبع عصر المعلومات اليوم. فمثلا، نظرية اينشتاين في النسبية العامة تحكم البناء الواسع النطاق للكون، والتي بدورها تساعد في إجراء تصحيحات في نظام الـ GPS المُستخدم في التلفونات الذكية. في عام 1921، مُنح اينشتاين جائزة نوبل لدراسته حول "التأثير الكهروضوئي". هذا التأثير يصف كيف يستطيع الضوء ازالة الالكترونات من الذرات، وهو المبدأ الذي تعتمد عليه اليوم عمليات الخلايا الشمسية.

في عام 1933، ترك آينشتاين المانيا ليعمل في جامعة برنستون الامريكية. وهنا في ابريل من عام 1949 التقى مع العالم كارل فون فرش Karl Von Frisch اثناء محاضرة. كان فون فرش زائرا لبرنستون ليعرض بحثه الجديد عن كيفية انتقال النحل بفاعلية اكبر مستخدما نماذج استقطاب للضوء المتناثر من السماء. هو استخدم هذه المعلومات في ترجمة لغة الرقص الشهيرة للنحل، والتي بسببها استلم في النهاية جائزة نوبل. وبعد يوم من حضور اينشتاين لمحاضرة فريش، اجتمع الباحثان في لقاء خاص. ورغم ان هذا الاجتماع لم يُوثق رسميا، لكن الرسالة المكتشفة اخيرا من اينشتاين تعطي افكارا حول الاشياء التي جرت مناقشتها.

سلوك الحيوان من منظور فيزيائي

من المحتمل ان رسالة اينشتاين كانت جوابا لإستفسار تسلّمه من غلاين ديفيس. وفي عام 1942، ومع اشتداد الحرب العالمية الثانية، التحق ديفس بالبحرية الملكية البريطانية . حيث تدرّب كمهندس وبحث في مواضيع تتضمن الاستعمال المبكر للرادار لإكتشاف السفن والطائرات. هذه التكنلوجيا الوليدة بقيت سرا في ذلك الوقت. وبالمصادفة التامة، وفي نفس الوقت تم اكتشاف استشعار السونار الحيوي في الخفاش، وهو ما أثار انتباه الناس الى ان الحيوان ربما لديه حواس مختلفة عن الانسان. ومع فقدان أي مراسلات سابقة بين ديفس واينشتاين، لكن ما يثير الاهتمام هو الشيء الذي حفزه للكتابة الى الفيزيائي الشهير.

لقد بدأ الناشر رحلة البحث عبر الاون لاين في أرشيف الأخبار المنشورة في انجلترا عام 1949. ومن خلال البحث وجد ان استنتاجات فون فرش عن حركة النحل كانت سلفا اخبارا هامة في تموز من تلك السنة، وجرت تغطيتها ايضا من قبل صحيفة الغارديان في لندن.

الأخبار ناقشت تحديدا كيف يستعمل النحل ضوءاً مستقطبا للحركة. وهكذا يُحتمل ان هذا هو ما حفز ديفس ليكتب الى اينشتاين. من المحتمل ايضا ان رسالة ديفس الاولى لاينشتاين ذكرت خصيصا النحل وان اينشتاين أجاب: "انا مطّلع جيدا على التحقيقات الرائعة للسيد فرش".

يبدو ان افكار فون فرش حول الادراك الحسي للنحل بقيت ضمن افكار اينشتاين منذ ان التقى العالمان صدفة في برينستون . في رسالته لديفس، يقترح اينشتاين ايضا ان النحل لكي يوسع معرفتنا بالفيزياء، سنحتاج لملاحظة انواع جديدة من السلوك. ومن اللافت، انه من الواضح خلال كتابته بان اينشتاين تصور ان اكتشافات جديدة قد تظهر من دراسة سلوك الحيوانات. كتب اينشتاين:

من المتوقع ان التحقيقات في سلوك الطيور المهاجرة والحمام الزاجل ربما تقود في يوم ما الى فهم بعض العمليات الفيزيائية التي لم تُعرف بعد.

افكار اينشتاين تبدو صحيحة، مرة اخرى

الآن، وبعد اكثر من 70 سنة منذ ان ارسل اينشتاين رسالته، تكشف البحوث اسرار الكيفية التي تتحرك بها الطيور المهاجرة اثناء الطيران لآلاف الكيلومترات لتصل وبدقة لوجهتها المقصودة. في عام 2008، اُجري بحث عن الطائر المغرد thrushes الذي رُبط بجهاز إرسال لاسلكي كشف ولأول مرة، ان هذه الطيور تستخدم شكلا من البوصلة المغناطيسية كمرشد أساسي لها اثناء الطيران. احدى النظريات عن أصل الاحساس المغناطيسي في الطيور هي في استعمال العشوائية والتشابك الكوانتمي quantum randomness&entanglement(1). كلا هذين المفهومين الفيزيائيين اقترحهما اينشتاين اول مرة، لكن رغم ان اينشتاين كان احد مؤسسي فيزياء الكوانتم، فهو كان غير مرتاح لنتائجها. وكما ذكر مرة في عبارته الشهيرة"الله لايلعب بالنرد" وهو ما يوضح معارضته للعشوائية الكامنة في قلب ميكانيكا الكوانتم. وفي ورقة هامة عام 1935، أدخل اينشتاين ومؤلفين آخرين هما بورس بولوسكي و ناثان روزن مفهوم التشابك الكوانتمي. ومن الملفت، ان المفهوم اُدخل كفشل مفاهيمي لميكانيكا الكوانتم، بدلا من ان يكون احد الاجزاء المركزية المميزة لها. ربما من المفارقة، ان احدى النظريات الرائدة عن أصل الحس المغناطيسي في الطيور هو استعمال العشوائية والتشابك الكوانتمي. هذه النظرية تقترح ان التفاعلات الكيميائية الزوجية الجوهرية في الكريبتوكروميس التي تشير الى البروتينات الموجودة في نباتات وحيوانات معينة انما تتأثر بمجال المغناطيسية الأرضي، وهكذا تشكل الأساس للبوصلة المغناطيسية البايولوجية للطيور.

ورغم ان آينشتاين لايتفق مع التشابك الكوانتمي، لكن رغبته للتأمل في الكيفية التي نتعلم بها أشياء جديدة من الادراك الحسي للحيوان يشير الى انه كان مسرورا بالطريقة التي وسّعت بها البحوث المتصلة بهجرة الطيور حدود فهمنا للفيزياء. في الحقيقة، ان رسالة اينشتاين لديفس هي دليل لمدى انفتاحه للامكانات الجديدة لحقل الفيزياء المُلاحظ في الطبيعة. انها توضح، مرة اخرى، كم هو كان واعيا بما يمكن ان يكتشفه المرء لو يتخذ رؤية مختلفة عن العالم.

The conversation, May 12, 2021، الباحثون المشاركون في المقال: ادرين دير استاذ مشارك في جامعة RMIT الاسترالية، و اندريه غرينتري استاذ في فيزياء الكوانتم في جامعة RMIT وزميل المجلس الاسترالي للبحوث، و جار غاركيا زميل بحث في نفس الجامعة. 

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) العشوائية هي النقص الظاهر في الشكل او في تنبؤية الحدث. السلسلة العشوائية من الأحداث او الرموز او الخطوات عادة ليس لها نظام ولاتتبع شكلا مفهوما. طبقا لميكانيكا الكوانتم، ان التجربة التي يتم فيها السيطرة على كل العوامل الملائمة سببيا، لاتزال بعض مظاهر المحصلة تتغير عشوائيا، ولهذا فان ميكانيكا الكوانتم لا تحدد محصلة تجربة معينة وانما فقط تضع احتمالات لها. اما مفهوم التشابك الكمي فيشير الى عدم امكانية الوصف الكامل لمكوّن واحد بدون اعتبار المكونات الاخرى. في التشابك الكوانتمي تتولد او تتفاعل جسيمات بحيث لا يمكن وصف الحالة الكمية لجسيم معين بشكل مستقل عن الجسيمات الاخرى حتى لو كانت تفصل بينها مسافات كبيرة.

 

 

نموذج "فيرنر هايزنبرغ"

تقوم ميكانيكا الكوانطا على مبادئ أساسية شكلت جزءا من الغرابة التي ميزت ولا زالت تميز هذه النظرية الفيزيائية الحديثة (1):

أولهما: هو مبدأ التراكب principe de superposition، ويعبر عنه رياضيا بالصيغة التالية:

2462 كوانتم 1

فإذا كانت حالة état نسق فيزيائي هي A، وكانت B حالة ثانية مميزة لنفس النسق، فإن A+B هي أيضا حالة ممكنة، الأمر الذي لا يتماشى مع حدسنا المألوف: إذ أن الشيء إما أنه يوجد في الموقع A أو B (نفس الشيء يصدق على السرعة...ألخ)، وبالتالي لا يمكنه أن يوجد في الموقعين معا.

الثاني: يخص معادلة "شرودينجر" Schrödinger الشهيرة التي تصف لنا تطور نسق فيزيائي في الزمن، وصيغتها الرياضية هي كالآتي:

2462 كوانتم 2

أي الطاقة الإجمالية للنسق هي حاصل جمع الطاقة الكامنة بالطاقة الحركية.

أما الثالث: فيعود للفيزيائي المجري "فون نيومان" Von Neumann، ويتعلق بانهيار أو إختزال دالة الموجة (أو متجه الحالة vecteur d’état)، ويقول بأن عملية قياس النسق المدروس عادة ما تؤدي إلى إنهاء حالة التراكب، وبالتالي الحصول على حالة محددة، وهي الحالة التي قد تكون إما A أو B وليس A+B ، ويعبر عنه رياضيا بالصيغة التالية:

2462 كوانتم 3لكن التساؤل المطروح، هو: أي المبدأين سنختار لوصف النسق الفيزيائي، معادلة "شرودينجر" أم المبدأ القائل بانهيار دالة الموجة؟ هنا بالضبط يتجلى ما أصطلح على تسميته بمشكلة القياس في ميكانيكا الكوانطا. الأكثر من ذلك هو أن هذه المبادئ الثلاثة جعلت من مفهوم الواقع، ومن خلاله الحقيقة، مفهوما إشكاليا، فما الذي نعنيه بالواقع والحقيقة في هذه النظرية؟ بمعنى أخر هل هناك واقع منفصل عن الذات الملاحظة؟ وهل الحقيقة العلمية، بلغة "فان فريزن" Van Fraassen(2)، إبداع أم إكتشاف؟ (3). لن نجانب الصواب إن نحن قلنا بأن "هايزنبرغ" ينزع إلى اعتبار الحقيقة العلمية إبداعا وليس إكتشافا، فحين يقول: "لا تمثل المعادلات الرياضية الطبيعة بل المعرفة التي لدينا حولها." (4) فإن هذا يعني أن مهمة العلم لم تعد كما كانت في السابق، أي وصفا للطبيعة، أو استنساخا سلبي لمعطيات منظمة موجودة هاهنا قبل تدخل العقل،  بل وصفا للتجارب التي يقيمها العلماء، وهي التجارب التي أضحت أكثر دقة بفعل التقدم الذي أحرزته الفيزياء الذرية. من هنا بدأت تطفو على السطح مشكلات أساسية تخص منح تفسير، كما يقول "هايزنبرغ"، فلسفي لنظرية الكوانطا، وهو ما قاد أيضا إلى تضارب ما بين أراء العلماء بلغ حد التناقض. هذا الوضع ذهب ببعض الآباء المؤسسين ("اينشتاين" على رأسهم) لهذه النظرية إلى درجة اعتبارها ناقصة وغير مكتملة، لأنها في نظرهم لا تستجيب لنموذج الحقيقة العلمية القديم، وعلى وجه الخصوص نموذج الواقعانية الفيزيائية le réalisme physique  الذي طبع الفيزياء الكلاسيكية. لكن هل هذا يعني أن الإطار النظري الذي شكلته هذه الفيزياء الأخيرة طيلة ثلاثة قرون هو إطار نهائي يلزم أن تخضع لمفاهيمه وقوانينه مجمل الظواهر الطبيعية؟

بخصوص هذه المسألة اعتبر "هايزنبرغ" بأن لا وجود لما أسماه "بالحلول النهائية"، فقد أوضح بأن مجال علم الطبيعة الدقيق لم يعرف أبدا مثل هذه الحلول سوى في بعض مجالات التجربة المحدودة جدا. هكذا، على سبيل المثال، وجدت المشكلات التي طرحتها مفاهيم الميكانيكا النيوتونية Newtonien حلها النهائي داخل قوانين "نيوتن" والخلاصات الرياضية الناتجة عنها. لكن هذه الحلول لا تتجاوز المفاهيم والتساؤلات التي تطرحها تلك الميكانيكا، لهذا لم يكن بالإمكان إخضاع علم الكهرباء مثلا للتحليل القائم على هذه المفاهيم. من تم عمل هذا العلم الجديد على تشييد أنساق مفاهيمية مختلفة، بشكل مكن القوانين الطبيعية لعلم الكهرباء من إكتساب صياغة رياضية نهائية. من هذا المنطلق يدل مفهوم "نهائي"، عند تطبيقه على العلوم الطبيعية الدقيقة، على وجود أنساق مفاهيمية، وقوانين تشكل كلا منغلقا قابلا للصياغة الرياضية؛ أنساق تصدق على بعض مجالات التجربة، حيث تكتسي صلاحية كونية، بشكل لا تقبل معه تغييرا أو تجديدا. لهذا لا يمكن أن نأمل تمثيل حقول جديدة من التجربة بإعتماد نفس المفاهيم والقوانين. تماما كما هو الحال في فيزياء الكوانطا حيث لا تستطيع مفاهيمها وقوانينها أن توصف بكونها نهائية إلا بهذا المعنى المحدود جدا حيث تصير المعرفة العلمية ثابتة بشكل نهائي داخل هذه اللغة الرياضية أو تلك. فالقوانين المعبرة عن الحق، مثلا، متغيرة بتغير الشروط والظروف ومع بروز كل مستجد جديد وطارئ، لكن فكرة الحق موجودة في ذاتها دوما وأبدا. نفس التحليل يصدق على علوم الطبيعة، التي تنطلق من تصور مفاده بأنه بالإمكان دوما فهم الطبيعة في كل ميدان جديد من ميادين التجربة، وبالتالي لا يمكن إضفاء طابع الإطلاقية على نسق نظري سابق مهما كانت النجاحات التي راكمها. ويكفي هنا التذكير بالنقاش الذي دار حول طبيعة الضوء، والتصورات النظرية المتضاربة بشأنه، وحول أيضا حقيقة وجود الذرات من عدمه، وإن كانت تمثل البناء النهائي للمادة، وإن كانت المادة جسيمات أم موجات...ألخ.

لكن، لا يجب أن يقودنا، بحسب "هايزنبرغ"، هذا الوضع إلى التقليل من قيمة وصلابة الأساس الذي يقوم عليه صرح العلوم الطبيعة، بل المطلوب هو فقط تغيير التصور المعتاد الذي لدينا حول مفهوم "الحقيقة العلمية". لذا يجب التأقلم مع وضع المعرفة الجديد حيث لم يعد بالإمكان "موضعة الطبيعة" objectivation de la nature، بقدر ما يلزمنا بناء علاقة معها. لهذا يقول "هايزنبرغ": "إذا كان مسموحا لنا الحديث عن صورة الطبيعة كما تقدمها لنا علومنا الدقيقة الحالية، فإن ما يلزمنا فهمه من هذا القول ليس صورة الطبيعة، بل صورة علاقتنا بها."(5). لم يعد ممكنا اعتبار ذلك التقسيم "الديكارتي" القديم للكون إلى وقائع موضوعية تجري في زمكان espace-temps (الجوهر الممتد) من جهة، ونفس بشرية âme humaine (جوهر مفكر) تنعكس عليها تلك الوقائع من جهة ثانية، لم يعد ممكنا اعتباره نقطة بداية إن نحن أردنا فهم علوم الطبيعة الحديثة. بعبارة أخرى، إن المواجهة ما بين ذات عارفة بمقولاتها الخالدة(الفكر) وموضوع معرفة (الواقع) ماثل أمامها لم تعد صالحة لفهم خاصية التلازم الجدلي ما بين الذات والموضوع، حيث الأول يغير مفاهيمه وقوانينه بتفاعله مع واقع لا ينفك ينضب حيوية وعطاء مع كل اتساع لنطاق التجربة، وكل نفاذ لعمقها. إن الجانب الأهم، في نظر "هايزنبرغ"، هي شبكة العلاقات التي تربط الإنسان بالطبيعة باعتبارها الهدف الرئيس للعلم. وبفضلها، أي بفضل تلك العلاقات، نصير باعتبارنا مخلوقات فيزيائية حية أجزاء تابعة للطبيعة، لكن من منطلق أننا بشر نجعل منها في نفس الآن موضوعا لفكرنا ولممارستنا (6). وبما أن العلم لم يعد ينظر إلى الطبيعة كمتفرج، فإنه قد أصبح يتعرف على نفسه كجزء من تأثيرات متبادلة ما بين الطبيعة والإنسان. خلاصة القول: لم تعد الحقيقة صورة لواقع في ذاته منفصل عنا، بقدر ما هي صياغة وبناء نظري صادر عن تفاعل جدلي للذات العارفة مع موضوع التجربة.

 

كمال الكوطي

.......................

الهوامش:

1-  أقول حديثة وليس معاصرة بحيث دأب المهتمون بتاريخ وفلسفة العلوم إلى اعتبار الفيزياء الكلاسيكية تلك التي تمتد من "جاليلي" إلى "اينشتاين"، بينما خصصوا سمة حديثة لفيزياء ما بعد "اينشتاين"، فيزياء الكوانطا.

2-  للمزيد من التفاصيل أنظر كتابه:  The scientifique image : Oxford University Press Inc, New York, 1980.

3- لكثرة التفاصيل المرتبطة بهذه الإشكالية سأركز باختصار شديد في هذه الورقة على موقف "هايزنبرغ".

4- Heisenberg Werner : La nature dans la physique contemporaine, Editions Gallimard, 1962, p., 138

5- المرجع نفسه، أي: La nature dans la physique contemporaine, p., 142

6- تصور "هايزنبرغ" لعلاقة التداخل ما بين الذات الباحثة وموضوع البحث ناتج عن موقفه من مسألة القياس، وهو التصور الذي يتقاسمه مع كل من "نيلس بور" و"فولفجونج باولي"...، لكن "شرودينجر" عارضه لرفضه الشديد لما يسمى "بانهيار دالة الموجة"أو  "متجه الحالة" l’effondrement de la fonction d’onde ou du vecteur d’état.

 

 

جواد بشارةعن مجلة كوانتوم

إعداد وترجمة د. جواد بشارة

تحاول كيارا مارليتو بناء نظرية رئيسية - مجموعة من الأفكار الأساسية جدًا بحيث تتبعها جميع النظريات الأخرى. خطوتها الأولى: استدعاء المستحيل.

نشأت نظرية الباني من العمل في نظرية المعلومات الكمومية. تهدف إلى أن تكون واسعة بما يكفي لتغطية المجالات التي لا يمكن وصفها بطرق التفكير التقليدية، مثل فيزياء الحياة وفيزياء المعلومات. إذ تتطلب الفيزياء الأساسية الفيزياء أسئلة وأجوبة الفيزياء الكمومية والفيزياء النظرية ومعضلة الرقم الأولي وغيرها من المواضيع وأكبر أفكار الكوانتوم في الرياضيات.

يقال إن القيود في الفن تؤدي إلى الإبداع. يبدو أن الشيء نفسه ينطبق على الكون. من خلال فرض قيود على الطبيعة، فإن قوانين الفيزياء تزاحم أروع الإبداعات الموجودة في الواقع. قلل من سرعة الضوء، وفجأة يمكن أن يتقلص الفضاء، ويمكن أن يتباطأ الزمن إذا ازدادت. الحد من القدرة على تقسيم الطاقة إلى وحدات صغيرة بلا حدود، وكل غرابة ميكانيكا الكم تزدهر. كتبت عالمة الفيزياء كيارا مارليتو: "إن التصريح عن شيء مستحيل يؤدي إلى المزيد من الأشياء الممكنة". "بقدر ما يبدو هذا غريبًا، فهو شائع في فيزياء الكموم."

نشأت كيارا مارليتو في تورينو بشمال إيطاليا، ودرست الهندسة الفيزيائية والفيزياء النظرية قبل أن تكمل الدكتوراه في جامعة أكسفورد، حيث أصبحت مهتمة بالمعلومات الكمومية والبيولوجيا النظرية. لكن حياتها تغيرت عندما حضرت محاضرة ألقاها ديفيد دويتش David Deutsch، وهو فيزيائي آخر من جامعة أكسفورد ورائد في مجال الحوسبة الكمومية. كان هذا ما ادعى أنه نظرية جديدة جذرية للتفسيرات. كانت تسمى نظرية الباني théorie des constructeurs، ووفقًا لدويتش، فإنها ستعمل كنوع من النظرية الفوقية الأكثر جوهرية حتى من الفيزياء الأساسية لدينا – أي أعمق من النسبية العامة، وأكثر دقة من ميكانيكا الكموم. إن وسمه بالعالم الطموح سيكون بخساً بحقه.

2434 بشارة 1رسم توضيحي للجاذبية على شكل جسيمات

كانت كيارا مارليتو، البالغة من العمر 22 عامًا، مدمنة على محاضرات هذا الأستاذ. في عام 2011، تعاونت مع دويتش Deutsch وقضيا معًا العقد الماضي في تحويل نظرية البناء إلى برنامج بحث كامل.

الغرض من نظرية المنشئ أو الباني هو إعادة كتابة قوانين الفيزياء من حيث المبادئ العامة التي تتخذ شكل الوقائع المضادة contrefactuels - عبارات وتصريحات، أي حول ما هو ممكن وما هو مستحيل. هذا هو النهج الذي قاد ألبرت أينشتاين إلى نظرياته عن النسبية. لقد بدأ أيضًا بمبادئ غير واقعية من قبيل: من المستحيل تجاوز سرعة الضوء؛ من المستحيل معرفة الفرق بين الجاذبية والتسارع.

تهدف نظرية المنشئين أو البنائين أكثر إلى إنها تأمل في تقديم المبادئ الكامنة وراء فئة واسعة من النظريات في الفيزياء، بما في ذلك تلك التي لم نكن نملكها حتى الآن، مثل نظرية الجاذبية الكمومية التي توحد ميكانيكا الكموم مع النسبية العامة. كما تسعى نظرية البناة، إلى توفير أم لكل النظريات - "علم القدرة والعجز أو الممكن وغير الممكن، أي العلم الكامل الذي يأخذ مكان نظرية كل شيء: Science du Can and Can't«، وهو عنوان كتاب مارليتو الجديد.

يبقى أن نرى ما إذا كانت نظرية المنشئ قادرة حقًا على تحقيق ذلك، وإلى أي مدى تختلف حقًا عن الفيزياء. حتى الآن، اجتمعت مجلة Quanta مع Marletto عبر Zoom والبريد الإلكتروني لمعرفة كيفية عمل النظرية وما قد تعنيه لفهمنا للكون والتكنولوجيا وحتى الحياة نفسها. تم اختصار المقابلة وتحريرها من أجل الوضوح.

- في قلب نظرية المنشئ la théorie des constructeurs   هناك الشعور بأن شيئًا ما مفقود في مقاربتنا المعتادة للفيزياء.

تُصاغ القوانين المعيارية للفيزياء - مثل نظرية الكموم والنسبية العامة وحتى قوانين نيوتن - من حيث مسارات الأشياء trajectoires d'objets وما يحدث لها في ظل ظروف أولية معينة. لكن هناك ظواهر معينة في الطبيعة لا يمكنك التقاطها تمامًا من حيث المسارات - ظواهر مثل فيزياء الحياة أو فيزياء المعلومات. ولالتقاطهم، أنت بحاجة إلى الحقائق المضادة contrefactuels.

2434 بشارة 2

- وما هي هذه الحقائق المضادة؟

تُستخدم كلمة "مضاد للواقع" بطرق مختلفة، لكنني أعني هنا شيئًا واحدًا محددًا: الواقع المقابل هو بيان حول التحولات الممكنة والمستحيلة في نظام مادي. يكون التحول ممكنًا عندما يكون لديك "مُنشئ" يمكنه أداء مهمة ثم الاحتفاظ بالقدرة على تنفيذها مرة أخرى. في علم الأحياء نسميه محفزًا catalyseur، لكن بشكل عام، يمكن أن نسميه منشئ constructeur أو باني.

في النهج الحالي أو المقاربة الحالية للفيزياء، تمتلك بعض القوانين بالفعل هذا الهيكل المضاد مثل- الحفاظ على الطاقة أو قانون حفظ الطاقة la conservation de l’énergie، على سبيل المثال، هو الادعاء بأنه من المستحيل وجود آلة دائمة الحركة mouvement perpétuel.

تشرح كيارا مارليتو سبب فشل الأساليب التقليدية للفيزياء في حالات مهمة مثل نظرية المعلومات، وكيف يمكن أن تنجح نظرية المنشئ أو الباني.

- إذن، المنشئ هو آلة الحركة الدائمة، والواقع المضاد ينص على أن هذا التحول من الطاقة القابلة للاستخدام إلى طاقة قابلة للاستخدام غير ممكن؟

نعم. تظهر المواقف المضادة في القوانين الحالية، لكن هذه القوانين تعتبر من الدرجة الثانية. لم يتم دمجها بإخلاص. تضع نظرية الباني الحقائق المضادة في أساس الفيزياء، بحيث يمكن صياغة القوانين الأساسية بهذه المصطلحات.

- كيف سيعمل هذا في مجال الممارسة؟

على سبيل المثال، ضع في اعتبارك الجاذبية الكمومية. يقول بعض الناس، "لماذا نحتاج حتى إلى تكميم quantifier الثقالة أو تحديد مقدار الجاذبية في ظل عدم وجود دليل تجريبي على ذلك؟" يمكن أن يكون لدينا نظرية كلاسيكية عن الجاذبية ونظرية كمومية لكل شيء آخر. والحال، توفر لنا نظرية المنشئ أو الباني أساسًا نظريًا قويًا وعامة لاختبار تجريبي من شأنه أن يثبت أن الجاذبية أو الثقالة يجب أن تكون كمومية.

تم اقتراح هذا الاختبار من قبلي ومن وفلاتكو فيدرال Vlatko Vedral، وبشكل مستقل عنا عن طريق سوجاتو بوسSougato Bose ومعاونيه. يذهب الأمر على هذا النحو: تقيس خصائص كتلتين كموميتين تتفاعلان مع بعضهما البعض عن طريق الجاذبية فقط. إذا طورا تشابكًا enchevêtrement، يمكنك أن تستنتج شيئًا قويًا جدًا عن الوسيط الذي تسبب في التشابك الكمومي l’intrication، وهو الجاذبية. يسمح لك هذا باستنتاج أن الوسيط لا يمكن أن يكون كلاسيكيًا – بل يجب أن يكون ذو خصائص كمومية.

الآن، كما أثبتت أنا و فلاتكو، فإن الطريقة الأكثر عمومية للوصول إلى هذا الاستنتاج هي استخدام مبدأ نظرية المنشئ المسمى "التشغيل البيني interopérabilité "، مما يعني أنه إذا كان من الممكن إنشاء التشابك محليًا عبر وسيط، فيجب أن يكون هذا الوسط كموميًا . لا يهم كيف تكون الجاذبية الكمومية - سواء كانت تدور حول الجاذبية الكمومية، أو نظرية الأوتار، أو أي شيء آخر - ولكن يجب أن تكون نظرية كمومية. إنه اختبار لا يمكنك تصوره إلا على هذا المستوى من العمومية من خلال التفكير من حيث مبادئ نظرية المنشئ en termes de principes de la théorie du constructeur.

- يبدو أن الحقائق المضادة تلعب دورًا أكبر بكثير أو أكثر تقييدًا في نظرية الكموم مما هي عليه في النظرية الكلاسيكية. يمكن للمرء أن يجادل بأن هذا هو الدرس المستفاد من نظرية الكموم - أنه لا يمكننا أن نقول فقط "هذا ما يحدث بالفعل في العالم" بطريقة دقيقة لا لبس فيها. هل هذا ما يتطلب صياغة مختلفة للقوانين الفيزيائية؟

هناك العديد من الحقائق المضادة contrefactuels في نظرية الكموم، لكنها صحيحة أيضًا في الفيزياء الكلاسيكية! المعلومات الكمومية والكلاسيكية وجهان لنفس مجموعة الخصائص النظرية للمعلوماتية. ما يميز المعلومات الكمومية هو أن لها خاصيتين إضافيتين معاكستين أو مضادتين contrefactuelles.

أولاً، يحتوي على متغيرين للمعلومات على الأقل - على سبيل المثال، الموضع والسرعة la position et la vitesse - حيث يستحيل نسخ أو قياس كليهما في وقت واحد بدقة عالية على نحو تعسفي. ثانيًا، يجب أن يكون من الممكن عكس جميع التحولات على هذه المتغيرات.

لذا فإن نظرية الكموم لديها المزيد من الحقائق أو الوقائع المضادة، لكنك لا تزال بحاجة إلى الحقائق المضادة للتعبير بشكل كامل عن نظرية المعلومات الكلاسيكية وحتى الديناميكا الحرارية الكلاسيكية. لا يمكن استيعاب مفاهيم مثل العمل والحرارة بشكل كامل مع المسارات وقوانين الحركة، لأنه في التصميم القياسي يُنظر إليها على أنها ناشئة وتقريبية. في نظرية المنشئ، يمكننا التحدث عنها باستخدام عبارات دقيقة حول التحولات الممكنة والمستحيلة.

- حسنًا، يكون التحويل ممكنًا إذا كان المنشئ القادر على تنفيذ هذا التحويل موجودًا. هل يتعين عليك بعد ذلك تقديم دليل على أنه من الممكن بناء كل مُنشئ؟ هل تعاني أو تواجه تراجع régression لانهائي؟

أعتقد أنك بحاجة إلى تغيير الميول أو الاتجاه la tendance. خذ الديناميكا الحرارية la thermodynamique. عندما كنت تنظرًا بأن آلة الحركة الدائمة مستحيلة، فإن هذا الادعاء ليس شيئًا يجب عليك إثباته بشكل شامل من خلال التحقق من جميع النماذج الممكنة لآلة الحركة الدائمة، باستخدام ظروف أولية مختلفة وديناميكيات مختلفة لكل منها. إذا كان عليك القيام بذلك، فستكون تلك مهمة مرهقة للغاية!

ما تفعله هو توضيح القانون من حيث المهام الممكنة والمستحيلة ومن ثم تحديد العواقب. على سبيل المثال، إذا كان لديك هذا البيان العام الذي يفيد بأن الآلات ذات الحركة الدائمة مستحيلة، فيمكنك دمجها مع عبارات أخرى تفيد بأن المهام الأخرى ممكنة أو غير ممكنة وتحديد أن المحرك الحراري ممكن. وهذا يمنحك الكثير من القوة التنبؤية. هذا هو المنطق. أنت تعتبر هذه العبارات كونها بمثابة أساسية وجوهرية  fondamentales.

- عرّف ديفيد دويتش نظرية المُنشئ على أنها النظرية التي يمكن أو لا يمكن أن تحدث فيها التحولات ولماذا. ما زلت أجد صعوبة في فهم كيف تقدم نظرية البناء هذه الــ "لماذا".

بادئ ذي بدء، دعني أوضح أنه سواء كنت تستخدم نظرية المُنشئ أو تستخدم النهج الحالي أو المقاربة الحالية، فنحن ببساطة نتعامل مع تقدير للقوانين الفعلية. ويمكن أن تكون هذه الافتراضات خاطئة دائمًا. لكن إذا اشتريت نظرية الباني، فإن المفتاح هو أن التخمين البسيط للقوانين الديناميكية لن يكون كافيًا لالتقاط كل الواقع المادي. أنت بحاجة إلى مبادئ إضافية، قدمتها نظرية المنشئين  la théorie des constructeurs  لذلك أعتقد أن ديفيد يصر على أن نظرية البناء ليست مجرد قائمة بالأشياء الممكنة والأشياء المستحيلة. هذه هي النظرية التفسيرية للسبب الذي يجعل نموذجًا معينًا للمهام الممكنة والمستحيلة يجسد أفضل ما نعرفه حاليًا عن الواقع المادي. إذا أردت أن تتحدى هذه النظرية التفسيرية، يمكنك ذلك. لكن التخمين هو أنه أيا كان التفسير الذي قد تتوصل إليه لتحسين هذا، يجب التعبير عنه في حد ذاته من حيث المهام الممكنة والمستحيلة.

- هل ستكون هناك مجموعة بدائية من المهام في الأسفل؟ على سبيل المثال، في حساب التفاضل والتكامل، من خلال بعض العمليات المنطقية الأساسية، يمكن إنشاء جميع العمليات المنطقية الأخرى. تخيل أن هناك عددًا قليلاً من المنشئات الأساسية التي يمكن من خلالها إنشاء جميع المنشئات الأخرى؟

باختصار، نعم، على الرغم من أنه شيء لم نطوره بالفعل بعد. توقع جون فون نيومان، الفيزيائي والرياضياتي العظيم، آلة يعتقد أنها أكثر عمومية من كمبيوتر تورينغ  Turing العالمي. أطلق عليه فون نيومان لقب باني عالمي constructeur universel. لقد أدرك أنه إذا فكرت في بعض المهام التي، على سبيل المثال، يمكن للأنظمة الحية القيام بها، مثل عمل نسخ من نفسها، فلن تتمكن آلة تورينغ العالمية من القيام بذلك. لا يستطيع جهاز الكومبيوتر الماك Mac الخاص بي صنع جهاز Mac آخر من مواد خام مملة أو مهملة، على الرغم من أنني أتمنى ذلك! لذلك سأل فون نيومان: ما الذي يجب أن أضيفه إلى آلة تورينغ حتى تصبح آلة أكثر قوة يمكن بناؤها؟ اتضح أنك بحاجة إلى إضافة عدد من الأشياء: مجموعة من الأدوات التي تسمح للآلة بالاستيلاء على المواد الخام وتجميعها، والقدرة على قراءة تعليمات التجميع، وما إلى ذلك.

المُنشئ العالمي هو نظير لآلة تورينغ بمعنى أنه يُعتقد أنه قادر على أداء جميع المهام المسموح بها جسديًا. ولا نعرف ما إذا كان هذا ممكنًا وفقًا لقوانين الفيزياء لدينا. والسبب في أننا لا نعرف، حتى بعد 70 عامًا من اقتراح فون نيومان لهذا، هو أنه لم يأخذ أحد بالاقتراح الأصلي وربطه بالفيزياء.

بمجرد أن تتمكن نظرية المُنشئ من تعريف المُنشئ العالمي من الناحية المادية وفهم المبادئ التي تسمح لك بالقول إن المُنشئ العام ممكن، فسنحصل على إجابة لسؤالك - سنعرف ما هي البوابات الأولية أو المهام. العناصر الأولية التي يمكن للمُنشئ العالمي أن يستدعيها عند محاولة أداء مهمة معقدة.

 

الجاذبية الكمومية

يجد الفيزيائيون طريقة لرؤية "ابتسامة" الجاذبية الكمومية

عادة ما نعتقد أننا نبدأ بالفيزياء الأساسية ثم نطور التكنولوجيا كتطبيق لتلك الأفكار. يبدو أن الأمر يسير في الاتجاه الآخر- يبدأ بإمكانية وجود تقنية، وهذا يقودنا إلى الفيزياء الأساسية.

وأعتقد حقاً أنه أمر مريح. من خلال دراسة خصائص شيء يبدو تقنيًا للغاية - مثل الكمبيوتر أو المُنشئ - ينتهي بك الأمر بدراسة الميزات الأعمق لقوانين الفيزياء. هذا شيء أدهشني عندما بدأت دراسة المعلومات الكمومية l'information quantique  لأول مرة.

اعتقدت في البداية أن المعلومات الكمومية كانت مجرد تطبيق غريب الأطوار لفيزياء الكموم على الحوسبة - لكن هذا ليس صحيحًا. إنها أفضل أداة لدينا لفهم نظرية الكموم نفسها. القياس، EPR، التشابك: كل هذه الأشياء التي كانت مربكة للغاية حتى للآباء المؤسسين لنظرية الكموم تم وضعها بشكل صحيح من قبل أشخاص يعملون في المعلومات الكمومية، وفي الوقت نفسه، كانوا يعملون على بناء جهاز كمبيوتر. كمومي عالمي.

إنه لأمر رائع جدًا أن تتمكن من القيام بشيء مفيد جدًا في التكنولوجيا مثل التشفير ولكن في نفس الوقت تدرس أساسيات التشابك l'intrication والتراكبات des superpositions وما إلى ذلك. في نظرية المنشئ، نحاول اتباع نفس النوع من المنطق ولكن على مستوى أكثر عمومية.

- لذا فإن التكنولوجيا التي يمكن أن تنبثق من نظرية المنشئ ستكون شيئًا مثل طابعة ثلاثية الأبعاد متعددة الاستخدامات، قادرة على بناء أي شيء مادي، بما في ذلك نسخة من نفسه. إنه منشئ عالمي.

نعم.

- هل سيكون المُنشئ العالمي أيضًا حاسوبًا كموميًا عالميًا؟ أم هل يجب أن نكون قادرين فقط على الطباعة ثلاثية الأبعاد لأجهزة الكمبيوتر الكمومية؟

من الأفضل التفكير في أدلة جهاز معين قابل للبرمجة، حيث يكون الدليل هو مجموعة المهام أو التحولات التي يمكن للجهاز تنفيذها عندما يتلقى برنامج الإدخال الصحيح. وبهذا المعنى، فإن كونك حاسوبًا كموميًا أو أن تكون قادرًا على بناء كمبيوتر كمومي بمواد كافية هو في الأساس نفس الشيء - لأنه بمجرد أن تتمكن آلة من بناء آلة أخرى، فإن الآلة الأولى لديها ذخيرة من الثانية في حد ذاتها.. يحتوي المنشيء العالمي Le constructeur universel Universal Builder على جميع الحسابات المسموح بها فعليًا في دليله الخاص، مما يعني أنه كمبيوتر عالمي أيضًا.

- ويمكن للباني الشامل أو العلمي le constructeur universel أن ينتج أنظمة حية؟

نعم. يُنظر إلى فيزياء الحياة على أنها جزء فرعي من هذه النظرية الأكثر عمومية للمنشئ العالمي. ويمكنك أن تتخيل كيف يمكن لفهم أفضل للأسس النظرية لمنشئ قوانين الفيزياء أن يمنحك طرقًا لبرمجة المنشئ العالمي لأداء المهام ذات الصلة في هذا المجال.

لذلك، على سبيل المثال، بالنسبة للبيولوجيا الكمومية la biologie quantique، قد تفكر في المنشئ العالمي على أنه مبرمج لتقليد ما يحدث في خلية نباتية عند حدوث عملية التمثيل الضوئي، ثم التفكير في طرق لتحسين ذلك. يمكنك تخيل جميع أنواع الماكينات النانوية القابلة للبرمجة والتي تعتبر حالات محددة من المنشئ أو الباني العالمي مبرمجة لمهام محددة. ويجب أن تكون مجموعة المبادئ التي يقوم عليها كل هذا والتي سنكتشفها أثناء دراستنا لنظرية المنشئ. هذه هي الرؤية.

- إذن، يمكن لمنشئ عالمي أن يبني نظامًا حيًا، لكن النظام الحي نفسه هو نوع من باني للاستخدامات الخاصة؟

الحمض النووي هو مكرر un réplicateur ويحتوي على التعليمات لبناء الخلية، فالخلية هي الناقلة القادرة على قراءة هذه التعليمات، وبناء نسخة جديدة من نفسها، ونسخ التعليمات وإدخالها في الخلية الجديدة. وفي نظرية الباني، يمكنك تفسير سبب كون هذه الآلية الوحيدة القابلة للتطبيق الممكنة إذا كنت تريد استنساخًا ذاتيًا موثوقًا، وفقًا لقوانين الفيزياء غير المصممة خصيصًا للحياة. لذا فهذه ليست فقط إحدى الطرق التي يمكن أن تعمل بها الحياة وفقًا لقوانين الفيزياء لدينا، ولكنها الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تعمل بها. إنها سمة مميزة للأنظمة الحية، سواء تم بناؤها باستخدام الكيمياء الموجودة على الأرض أم لا.

في النهاية، ما نحتاجه هو نظرية لما يميز الحياة عن غير الحياة، وحتى الآن لا توجد إجابة كمومية وتنبؤية. ما هي القوانين التي تقوم عليها هذه الظاهرة؟ ما ينقصنا ليس علم الأحياء - فقد قام علماء الأحياء بعملهم بالفعل؛ لقد عملوا بشكل جميل مع نظرية التطور. يتعين على علماء الفيزياء الآن حل المشكلة ضمن حدود الفيزياء الأساسية. وآمل أن توفر نظرية المنشئ الأدوات اللازمة لمعالجة هذه المشكلة.

 

 

جواد بشارةإعداد وترجمة د. جواد بشارة

ولدت اللانهاية من الخيال، بعد أرسطو في القرن الأول قبل الميلاد، نشر العلماء، على مدى قرون، كنوز من المخيلة لتمثيل وتصور الكون بشكل عقلاني يتجاوز اتساعه وسائل المراقبة التي بحوزتنا آنذاك.

الكون الوحيد أو الكون المتعدد؟ كيف نتخيل المساحات التي تتجاوز وسائل التحقيق لدينا؟ تدور أسئلة العلم المعاصر هذه عبر الزمن منذ القرن الرابع قبل الميلاد، عندما تخلى العلماء اليونانيون عن نشأة الكون الأسطورية لإعطاء تماسك عقلاني للظواهر الفلكية، وتتوافق هذه الأخيرة مع أطروحات أرسطو بشأن السماء. تظهر مراقبة النجوم، على وجه الخصوص، أنها تدور حول محور القطبين، وتشكل الأبراج التي لا يزال شكلها متطابقًا. بالنسبة للفيلسوف اليوناني، تلاه بطليموس في طرحه هذا وأعتبر أن الكون برمته مغلق أي أن كل شيء مغلق في هذا "القبو السماوي" أو "الجرم السماوي من النجوم الثابتة". إن فلاسفة ذلك الزمان يتخيلونها على أنها كرة مادية، تتمحور حول الأرض ويتم نقل حركتها إلى الأجرام السماوية السفلية للكواكب، والشمس والقمر. المسلم به أنه في أعقاب ديموقريطس وأبيقور، يفترض بعض الفلاسفة كونًا لا نهائيًا تتخطاه الذرات، لكن هذا الرسم البياني لا يأخذ في الاعتبار الانتظام

حركات النجوم. من خلال العرب، تم تبني علم الكونيات هذا من قبل علماء مسيحيين في العصور الوسطى. إنه لا يتعارض مع الكتاب المقدس ويحتفظ بإحدى صفاته للخالق ألا وهي صفة: اللانهائية. أخيرًا، تبنى توما الأكويني، أطروحة أرسطو، التي جعلت من الكرة السماوية دليلاً على وجود الله. لم يكن هناك أحد يتصور بعد ذلك أن الكون سوف يمتد إلى أبعد من ذلك. في أحسن الأحوال - كما يقترح نيكولاس دي كو Nicolas de Cues - يقترح المرء أن هذه الكرة الكونية ستكون "غير محددة". في القرن السادس عشر، كانت مساهمة كوبرنيكوس غامضة. على الرغم من تمركزه حول الشمس، إلا أن الكون الذي تصوره يظل محصورًا في مجال النجوم الثابتة. ومع ذلك، يدفع مثل هذا التحول الجرم السماوي النجمي بعيدًا جدًا عن زحل. يستنتج الكوبرنيكي جيوردانو برونو من هذا أن الكون لانهائي ومليء بعدد لا نهائي من "العوالم". وكانت الأطروحة الهرطقية، من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية، قد قادته إلى المحرقة وهو حي في عام 1600. ومثاله المأساوي يدفع علماء الفلك "المبتكرين والمجددين" إلى توخي الحذر، حتى لو اعتقدوا، مثل غاليليو، أن الكون غير محدود أو لا يصرحون بحدوده، فالتلسكوبات في ذلك الوقت لم تكون قوية بما يكفي لدراسة الظواهر البعيدة جدا. ولذلك فإن التركيبات الكونية للقرن الثامن عشر هي افتراضية (دوامات ديكارت، بينما كانت تنتظر سدم كانط ولابلاس في القرن التالي). ترك مساحة كبيرة للخيال. البعض، مثل باسكال، يغضب من عتبة هذه "المساحات اللانهائية"، والبعض الآخر، مثل سيرانو دي بيرجيراك Cyrano de Bergerac، يستمتعون في تطوير شخصياتهم الرومانسية.".

إن مفهوم الحدود "رمزي" في الخيال العلمي، لجعل أبطاله يسافرون إلى أقاصي الكون، يجب أن يتغلب الخيال العلمي على عدم وجود إجابة دقيقة من العلماء حول طبيعة تخوم الكون.

إن موضوع استكشاف الفضاء هو قديم قدم الخيال العلمي. برنارد دي فونتنيل Fontenelle (1657-1757) يستحضر النجوم الصالحة للحياة عام 1686 في كتابه مقابلات حول تعددية العوالم؛ واليوم فإن هذا الموضوع هو في قلب أوبرا الفضاء، الذي تجسد في ملحمة وتحفة حرب النجوم السينمائية ومجموعتها من الكواكب.

هذه العوالم مفصولة عن بعضها بمسافات كبيرة، لكننا لسنا في التخوم الكونية والتي تعني أبعد نقطة على الحدود، أو النقطة الأكثر بعدًا ". باستثناء   بول أندرسون في التو صفر Poul Anderson in Tau zero (1967) أو ليو سيكسين في الموت الخالد الذي لايموت Liu Cixin in The Immortal Death (2010)، فقد خاطر عدد قليل جدًا من المؤلفين بذلك، لأن حدود الكون تشكل العديد من المشاكل التي لا يحلها العلم. ومع ذلك، فإن إبداع المؤلفين يتغذى من النظريات العلمية. المشكلة الأولى: النقل والانتقال والسفر بين المجرات والنجوم. كيفية السفر لمسافات لا حصر لها والتي تفصل بين المجرات. يستخدم البعض نظرية الثقوب الدودية في الزمكان، والتي تربط على الفور نقطتين بعيدتين جدًا، كما في فيلم رحلة بين النجوم Interstellaire (2014) لكريستوفر نولان.

لكن قدرة الإنسان على المشي عبر ثقب دودي دون أن يصاب بأذى أمر غير قابل للتصديق. تأتي الصعوبة الأخرى من حقيقة أن المؤلفين يجدون صعوبة في تخيل ذلك في مكان آخر. هناك أيضًا، لا يساعدهم علماء الكونيات لأنهم يدرسون الكون الذي يمكن الوصول إليه بواسطة الأدوات الرصدية. لكن "التخوم" هي "حدود". ماذا وراء هذه الحدود، ماذا يوجد خارج الكون؟ علماء الفيزياء الفلكية ليس لديهم إجابات. لذا، لاستكشاف المناطق البعيدة، يمتلك المؤلفون حيل ماكرة. قاموا بتجسيدها بإبداع، كما في فيلم أودسية الفضاء 2001: A Space Odyssey (1968)، إخراج ستانلي كوبريك والذي كتب سيناريو الفيلمهو الروائي آرثر سي كلارك. يذهب البطل في المشهد الأخير بعيدًا جدًا في الفضاء، تقذفه قوة ذكاء لا أرضي لحضارة فضائية ذكية ومتطورة، للوصول إلى مكان يرى فيه نفسه يشيخ ويموت ثم يعود إلى ولادته. تتحول الرحلة إلى أقصى مدى، إلى حلقة، وإلى دورة. يخترع الفنانون "استراتيجيات تجنب" أخرى، مثل الكون المتعدد (خارج كوننا هناك أكوان أخرى) أو جدلية بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر كما هو الحال في سلسلة أفلام الرجال ذوي البدلات السود Men in Black، حيث الكون كله ليس أكثر من كرة، لعبة من كائنات فضائية عملاقة. أخيرًا، في سلسلة أفلام ومسلسلات ستار نريك Star Trek، يأخذ الاستكشاف شكل لقاءات مع حضارات مختلفة. في هذه الحالة، تكون الحدود في كل مرة بمثابة هي لقاء الآخر.".

 

 

جواد بشارةسعى العلماء منذ بدء الثورة العلمية في القرن السابع عشر ولغاية اليوم، إلى دفع الحدود المتعارف عليها لمعلوماتهم ومعارفهم العلمية وفتح أبواب جديدة لأبعاد كونية وزمكانية أخرى، وعلى رأس تلك الجهود، زيارة أكوان موازية أو مجاورة أو متداخلة، معترف بوجودها نظرياً، والعودة من الزيارة لتقديم شهادة عيان علمية على وجودها. يعتبر البعض ذلك هذيان خيالي علمي لكنه أمر ممكن حسب نظرية الأوتار الفائقة، وكذلك بالنسبة لباحثين في تجربة " همهمة" Murmure الذي يدعون أنهم سوف يثبتون مختبرياً وتجريبياً وجود عوالم أخرى ممكنة تسميها نظرية الأوتار البرانات أو الأغشية الكونيةbranes بمساعد طرق علمية دقيقة جداً وهي بمثابة دفق جديد لتخصص علمي يبحث عن الجديد، وهو أمر من شأنه أن يهز أركان النظريات الفيزيائية القائمة ومن بينها النموذج القياسي أو المعياري في الكوسمولوجيا أو علم الكونيات. ومن المفارقات إن إثبات نظرية تعدد الأكوان من شأنه أن يحل معضلة ولغز تمدد الكون المرئي وابتعاد أفقه وتضاعف حجمه، فأين يحدث هذا الازدياد في حجم الكون والتمدد الكوني وفي أي حيز مكاني؟

تمدد الكون وتجاذب المادة:

يصور تمدد الكون أحيانا على أنه قوة تدفع الجسيمات أو الأجسام بعيدا عن بعضها. ورغم أن هذا التصور صحيحا من وجهة تأثير الثابت الكوني إلا أن تلك الصورة ليست صحيحة بالكامل. يعتقد العلماء أنه قد مر على الكون مرحلة كان فيها ابتعاد الأجسام بعيدا عن بعضها تحت تأثير القصور الذاتي حيث كانت الأجسام في الكون تتطاير متفرقة عن بعضها البعض لسبب غير معلوم- أغلب الظن كنتيجة للتضخم الكوني واستمر على تمدده ولكن بمعدل يقل باستمرار بسبب قوة الجاذبية بين المادة.

وبالإضافة إلى انخفاض سرعة تمدد الكون ككل فإن الجاذبية قد عملت موضعيا على تكاثف بعضا من المادة هنا وهناك مكونة نجوما ومجرات. وعندما تتكون أجرام وتتشكل تحت تأثير الجاذبية فإنها تنفصل عن التمدد العام لمقاييس الكون لتغلب قوى الجذب حيث تتكاثف المادة.

وبعدما تترابط الأجرام مع بعضها البعض فهي لا تنفصل ثانيا عن بعضها. ولهذا فإن مجرة المرأة المسلسلة أندروميد التي ترتبط بمجرتنا درب التبانة نجدها وكأنها تسقط علينا (تتحرك في اتجاهنا وتقترب منا ونقترب منها) ولا تبتعد. نحن موجودون في مجموعة المجرات المحلية (المجموعة المحلية وتتكون من مجرة درب التبانة والمرأة المسلسلة الكبيرة مثلنا ونحو 30 من المجرات الصغير الأخرى)، ولا تزداد المسافات بينها. فإذا ما خرجنا من المجموعة المحلية نجد أن تمدد الكون ساريا ويمكن قياسه ورصده. وعلى الرغم من ذلك نجد أن تشكيلات كبيرة في الكون تصل إلى حد مجموعات وعناقيد المجرات تترك التمدد العام للكون الذي يسمى «سريان هابل» وتحتفظ بترابطها. إزاء هذا المشهد غير القابل للتصور نجد أننا لا شيء يذكر في هذا الوجود، لا الأرض لها قيمة وتأثير ولا النظام الشمسي الذي يحتويها ولا المجرة التي تأوي نظامنا الشمسي وهي درب التبانة هي الحدود القصوى للعالم، بل ولا حتى كوننا المرئي المتخم بالأسرار والألغاز. الجسيمات الأولية للوجود الكلي المطلق، لانهائية العدد وتمتلك طاقة لانهائية وهي بمثابة أكوان متعددة، ككوننا المرئي ومحتوياته، وهي تشكل بنية وهيكيلية الكون المطلق الحي العاقل الصمد، السرمدي، الأبدي الأزلي، اللامحدود واللانهائي، والذي لا يوجد وجود آخر غيره، لا يخلق شيئاً، ولم يخلقه أحد، وكل ما موجود في هذا الوجود إن هو إلا جزء منه ومن مكوناته فهو الموجود بذاته ولذاته.

عندما أصابته بالرصاصة في المنتصف، يختفي البطل، ليعود فجأة إلى الظهور على بعد أمتار قليلة. يمكن أن يكون إتقان القفز من كون إلى آخر بمثابة إنقاذ للحياة. أو تجمد الدم ... عندما يجد أبطال القصة أنفسهم فجأة غارقين في عالم موازٍ مظلم وجليدي، دون معرفة كيفية الهروب، يكون هذا مقبولاً ولكن في السينما فقط.

تشكل الأكوان المتوازية والأبعاد الخفية الأخرى أرضًا خصبة للخيال، من مسلسل الأشياء الغريبة Stranger Things إلى دراغون بال وآفنجرز ونهاية اللعبة Avengers: Endgame إلى Dragon Ball Z. وفي كثير من الأحيان، في الإطار الكلاسيكي الحالي لمثل هذه القصص، هناك شخصية تجسد صوت العلم، وإعطاء مصداقية للخيال: نعم، من الممكن أن توجد عوالم أخرى إلى جانب عالمنا أو كوننا المرئي، دون أن نكون على علم بذلك. نعم، يمكن لكوننا والأكوان الأخرى، من الناحية النظرية، أن يتواصلوا من خلال بُعد جديد، لم يتم اكتشافه بعد ولكنه قابل للحياة علميًا. قد لا يتطابق الطرح النظري مع الواقع ولا ما يكتبه كتاب السيناريو له انعكاس في الواقع: إن وجود الأكوان المتوازية هو فرضية ذات مصداقية تامة، والتي تقوم على مفاهيم جادة جدًا للفيزياء. أما بالنسبة للتواصل بين هذه الأكوان التي تتجاهل بعضها البعض.. فهناك، يطلق المبدعون عنان أفكارهم في كافة الاتجاهات وفي جميع سبل التخيل والمخيلة: الآلهة القديمة، وكائنات خارج الأرض، والآلات السرية، والقوى الخاصة، إلخ. الكثير من الناشطين في مجال الخيال العلمي ووسائلهم التعبيرية المختلفة، ليس لديهم، هذه المرة، أي شيء علمي عنهم. على الأقل كان هذا هو الحال، إلى أن وضع هؤلاء الباحثون الجريؤون، وفي رؤوسهم ذلك العناد الأسطوري، أن يحققوا لقاء الأكوان.

في السنوات الأخيرة، عمل فريق من المتخصصين المختارين بعناية على تهيئة الظروف لأروع لقاء يمكن لعشاق الخيال العلمي والفيزيائيين على حد سواء أن يحلموا به. لأنه، بالطبع، للشروع في رحلة إلى العوالم المتعددة، ولإدراك ذلك، يجب على المرء أولاً أن يتبنى أكثر النظريات إثارة في الفيزياء المعاصرة. تلك التي تهدف إلى شرح الكون المرئي بالكامل أو بالأحرى كشف حقيقة الأكوان المتعددة.

البرانات أو الأغشية والعوالم البرانية

BRANES ET MONDES BRANAIR

من بين هذه الأخيرة نظرية الأوتار. ووفقًا للتفسيرات المختلفة لها، فإن الأساس الذي يعتمد عليه الباحثون الجريؤون العابرون للعالم: وجود أبعاد إضافية لكوننا. سيكون الكون المرئي محصورًا داخل جسم كوني يسمى "غشاء- بران"، له ثلاثة أبعاد مكانية، بالإضافة إلى البعد الزمني: ثم يجري الحديث هنا عن 3 أغشية. سوف يتطور هذا الغشاء داخل فضاء زمكاني أكبر يسمى "الجزء الأكبرBULK"، والذي يمكن أن يضم العديد من العوالم المتذبذبة الأخرى، بطريقة ورقة ثنائية الأبعاد تكون في الواقع في مساحة ثلاثية الأبعاد تحتوي على أوراق أخرى وستكون هناك أبعاد إضافية لكوننا المرئي، من المحتمل أن ترتبط هذه الــ " الأغشية الثلاثة" المختلفة فيما بينها، هل هذه جرأة؟  نعم، ولكن لسبب وجيه وهو أن الفيزياء مخلصة أخيرًا للواقع! لأنه بمجرد أن توجد "عوالم الأغشية mondes branaires" في صندوق أدواتهم النظرية، يمكن للفيزيائيين تطوير سلسلة جديدة كاملة من النماذج الفيزيائية والكونية، والتي تفسر بعض أوجه القصور التي تقوض النموذج القياسي أو المعياري لفيزياء الجسيمات، والتي، على الرغم من عيوبها، تضع إطارًا للجميع في مجال البحث في الفيزياء. يمكن للأغشية الأخرى، على سبيل المثال، أن تمارس جاذبية ثقالية على كوننا، وبالتالي تقدم تفسيرًا لواحد من أعظم ألغاز الفيزياء الحالية: وهي المادة السوداء أو المظلمة. ينبع الانفجار العظيم أو أصل الكون، في الواقع، من تصادم عنيف بين غشاءنا وأغشية كونية أخرى.

ومع ذلك، فإن هذه التفسيرات المذهلة لعالمنا ولتلك العوالم التي ربما تحيط به، لديها نقطة ضعف كبيرة: إنها تنبع مباشرة من نظرية الأوتار. وعلى هذا النحو، فإنها تظل افتراضية، في غياب دليل تجريبي على أنها تصف الواقع بالفعل ... في جميع أبعاده.

هذا ليس بسبب عدم التشكيك في الطبيعة: حاولت العديد من المجموعات البحثية إثبات اتساق هذه النظرية. في العقود الأخيرة من القرن العشرين وفي بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ولغاية نهاية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، كان هناك الكثير من الآمال المعلقة على مصادم الجسيمات الشهير LHC، وهو مسرّع الجسيمات الأوروبي العظيم، والذي اعتقد الفيزيائيون أنه قادر على اكتشاف عائلة مما يسمى بالجسيمات فائقة التناظر، التي تنبأت بها نظرية الأوتار. ولكن بعد مرور عشر سنوات، لم يتم العثور على أي إشارة إيجابية لصالح هذا الافتراض، على الرغم من المحاولات العديدة ومستويات الطاقة الاستثنائية التي تم تحقيقها في المسرع. حاولت تجارب أخرى رفيعة المستوى الكشف مباشرة عن وجود أبعاد صغيرة مخفية. "تتنبأ نظرية الأوتار أيضًا أنه في وجود أبعاد أخرى، فإن الغرافيتون، وهو الجسيم الذي يمكن أن يحمل قوة الجاذبية يتحلل إلى فوتونين نشيطين للغاية "، كما تكشف فيروز مالك، من جامعة غرونوبل. حيث عملت الباحثة لأكثر من عشر سنوات على تجربة في مصادم الهادرونات، والتي تهدف إلى الكشف عن مثل هذه الأزواج من الفوتونات عالية الطاقة. بالنسبة لكتاب الخيال العلمي والمنظرين المخضرمين على حد سواء، لا يزال وجود أبعاد إضافية وأغشية تخمينًا محتملاً حتى اليوم. ومع ذلك، فإن الإخفاقات المتتالية لتجارب XXL التي أجريت في مسرعات الجسيمات الكبيرة دفعت بعض الباحثين إلى البحث عن مسار بديل، وواعد جدًا ظهر على شكل رسم تخطيطي نظري مؤخرًا، والذي يتمتع بميزة هائلة لإثبات أن الأكوان المتوازية يمكن أن تكون ضمن مجال الاكتشاف، والأفضل من ذلك: إثبات وجود أبعاد خفية يمكن أن يتم دون بناء مسرعات عملاقة جديدة ومكلفة.

إن هذا الطريق البديل هو الذي استعاره الباحثون المتحمسون الذي يتواجدون في أصل تجربة تسمى Murmure، والهدف المعلن منها هو تسليط الضوء على وجود غشاء كوني آخر بعيدًا عن غشاءنا الكوني الذي يوجد فيه كوننا المرئي.

البحث عن الأدلة:

تقدمت هذه التجربة، في تكتم، خطوة بخطوة، لمدة خمسة عشر عامًا. وفي الأشهر الأخيرة اثارت حماس علماء الفيزياء. وبهذا الصدد يحذر باتريك بيتر، مدير الأبحاث في CNRS وعالم الفيزياء الفلكية في معهد الفيزياء الفلكية في باريس: "إذا حققت مثل هذه التجربة هدفها، فلن تؤدي بالضرورة إلى التحقق من صحة نظرية الأوتار. لكن التداعيات على الفيزياء سيكون لها عواقب كبيرة وسوف لا تقل عن ضخامة صراع الجبابرة ".

هذه الأبحاث من النوع الجديد، وهذه الطرق المتقاطعة المؤدية إلى أكوان أخرى، يقف وراءها العالم  الفيزيائي ميكائيل سارازين Michael Sarrazin، باحث مشارك في معهد يوتينام Utinam  في جامعة بورغون-فرانش-كومتي Bourgogne في بيزانسون وجامعة نامور في بلجيكا ، فهو المحرض والمنسق الرئيسي. فما هي خصوصيتها؟ مسار فكري شديد الانحدار يعرف كيفية العثور على الخبراء الأكثر قدرة على حل كل تحد جديد يفتحه البحث عن البعد الخامس. بدأ كل شيء، بالنسبة لميكائيل سارازين، بتمرين أساسي: التحديد الدقيق لما يمكن أن يشكل أخيرًا إثباتًا قويًا ومقبولًا. "بدأ كل شيء بالأفكار التي كانت لدينا منذ عام 2005 مع زميلي فابريس بيتي Fabrice Petit، من مركز أبحاث الخزف البلجيكي في مونس " كما يتذكر الباحث. " لقد درسنا بشكل منهجي النظريات التي تؤدي إلى فرضية الأكوان المتوازية، من أجل تحديد ما إذا كان تبادل المادة ممكنًا بين عالمنا وعالم آخر، من خلال بُعد إضافي". وهو هدف طموح وهذا أقل ما يقال عنه كما يذكرنا باتريك بيترPatrick Peter، "من الناحية النظرية، يتعلق الأمر بإثنين من الأغشية أو البرانيات. محكمان تمامًا لا يمكن اختراقهما فيما يتعلق ببعضهم البعض: ولا شيء يمكن أن يدخلهما أو يخرج منهما. لكن هذا دون احتساب فيزياء الكموم أو أخذها بالاعتبار، فإحدى خصائصها الرئيسية، تأثير النفقeffet tunnel! "هذا الأخير يسمح للجسيم، في ظل ظروف معينة، بعبور ما يسميه الفيزيائيون حاجزًا محتملاً أو كامناً. وببساطة، يمكن للجسيم أن يمر بطريقة ما عبر جدار. حدث لا يمكن تصوره تمامًا في الميكانيكا الكلاسيكية، ولكنه يصف جيدًا الواقع الغريب للعالم الكمومي، "ومع ذلك، ففي عام 2010، أثبتت أنا وفابريس بيتي أن تأثير النفق يمكن أن يسمح لجسيم من كوننا بالمرور إلى كون آخر ذو 3 أغشية، من خلال بعد رابع مكاني والذي سيكون نوعًا من النفق الذي يربط بين العالمين، كما يقول مايكل سارازين. وبشكل حتمي، كلما اقترب الغشاءان من بعضهما البعض، زاد احتمال حدوث مثل هذا التبادل للمادة. " وهكذا تم وضع حجر الأساس الأول للمسار المؤدي إلى الأبعاد المخفية للكون. والخطوة الثانية تتمثل في ابتكار بروتوكول تجريبي قادر على التقاط الظاهرة المرغوبة، وقبل كل شيء، في إيجاد الجسيم الجاهز للقيام بالرحلة بين العوالم.

ينبغي إيجاد أو إنتاج هذه الجسيم، وتفادي تعرضه للإزعاج من محيطه، وإرساله إلى بران أو غشاء آخر ... واستعادته. في عام 2011، التقى ميشيل سارازين مع العالم التجريبي غيوم بينول Guillaume Pignolمن مختبر الفيزياء دون الذرية وعلم الكونيات في جامعة غرينوبل الألب. وهو متخصص في فيزياء النيوترونات، ويقترح أن الجسيم المفضل لديه الذي يمكن أن يكون المرشح المثالي لتسليط الضوء على تبادل محتمل للمادة بين غشاءين هو النيوترون. "يمكن للجسيمات الأخرى من الناحية النظرية أن تقوم بالخدعة، لكن النيوترون لا يزال يتمتع ببعض المزايا، كما يوضح غيوم بينول Guillaume Pignol. " بالفعل، كما يوحي اسمه، هو جسيم محايد، لا يتفاعل عن طريق القوة الكهرومغناطيسية، الأمر الذي يقتلع شوكة من أقدامنا. علاوة على ذلك، لدينا الوسائل اللازمة لإنتاج كميات كبيرة منه بسهولة، ولدينا معرفة جيدة إلى حد ما بفيزياء النيوترونات ". على مدار المناقشات، حدد الباحثان مفهومًا للتجربة من شأنه أن يختبر تبادل المادة بين غشاءنا الكوني وأغشية كونية أخرى.

الفكرة الأساسية هي إرسال تدفق من النيوترونات في اتجاه حاجز غير سالك على الإطلاق ; ويستحيل اختراقه بالنسبة لهم. ولكن قبل الوصول إلى هذا الجدار، يجب أن تمر النيوترونات عبر مادة تسمى الوسيط modérateur والمنظم، والتي ستجبر جزءًا صغيرًا منها على الاختفاء في غشاء آخر - إذا كان هذا موجودًا. يوضح غيوم بينول: "في كل اصطدام مع نواة ذرية، يكون للنيوترون احتمال ضئيل للغاية في أن يُلقى في هذا الكون المجاور لنا". ستصبح هذه الجسيمات "الشبحية" بعد ذلك قادرة مؤقتًا على عبور العقبة التي تواجهها من خلال تجاوزها عبر هذا الكون الخفي، كما لو كانت تستطيع المرور من تحت الباب. لكن التجربة لا تنتهي عند هذا الحد. في الواقع، فإن الاختفاء البسيط لبعض الجسيمات داخل الحشد الهائل من النيوترونات الموجودة في التدفق لن يتم ملاحظته ولن يكون من الممكن اكتشافه تمامًا".

أيضا، وللتأكد من مرور الجسيم من غشاء إلى آخر، فإن الباحثين قاطعين: من الضروري، بمجرد تجاوز الجدار، إعادة ظهور النيوترونات في كوننا. وهذا ممكن، لأنه وفقًا للنظرية، بعد المرور عبر الوسط المعتدل، يجب أن ينتهي الأمر بالنيوترونات المخفية في حالتين متراكبتين في ما يعرف بالتراكب الكمومي Superposition quantique: في كل من غشاءنا وفي أغشية أخرى. هذا التفسير، الذي يتعارض مع الفطرة السليمة ويخالف قوانين الميكانيكا الكلاسيكية، هو مع ذلك طبيعي تمامًا للفيزيائيين الذين اعتادوا العمل في عالم الكموم الكوانتوم. أيضًا، من الممكن نظريًا تحويل هذه النيوترونات مرة أخرى إلى غشاءنا، من خلال زيادة فرصها في التفاعل مرة أخرى مع المادة داخل مواد أخرى، هذه المرة تسمى العملية التجديد régénérant. "في نهاية التجربة، سينتظر الكاشف أي ناجين من هذه الرحلة ذهابًا وإيابًا بين البرانين أو الغشائين، كما يخلص ميكائيل سارازين يعتمد نجاح التجربة على كمية النيترونات المسماة العابرة للجدار، المستعادة بين الغشاءين والتي وضعت على نحو بديهي في أحدث جهاز لدينا. في السنوات التالية، سينتقل الفيزيائيون إلى المرحلة الثالثة من عملهم: التصميم الملموس لجهاز السماح بقياس حساس بما يكفي ليكون قابلاً للاستغلال وذا مصداقية، أولاً وقبل كل شيء، يجب أن يجدوا فريقًا علميًا قادرًا على إنتاج كمية كبيرة من النيوترونات.

سيأتي بعد ذلك باحثان آخران لتقوية الفريق: جاكوب لامبلين ، المتخصص في التجارب في فيزياء النيوترينو واكتشاف المادة المظلمة في جامعة غرينوبل - ألب، وغاي تيروان من جامعة نامور، وهو خبير في قياسات الضوضاء المنخفضة في الفيزياء النووية. " في هذا النوع من التجارب، من الضروري التخلص من الكشف عن النيوترونات الطفيلية، التي كانت ستصل إلى الكاشف بوسائل أخرى - التفاعل مع الأشعة الكونية، والنشاط الإشعاعي الطبيعي، وما إلى ذلك "، يكشف غاي تيروان. ويواصل شرحه:" من الضروري أولاً وضع درع ثانٍ، وهذه المرة حول الكاشف، مما يجعل من الممكن تجنب خطر تلوث الأخير قدر الإمكان ". يقترح الباحث بعد ذلك، من خلال فكرة جدار نيوترون، إحاطة الكاشف بغلاف من طبقتين - البولي إيثيلين وكربون البورون - مما يجعل من الممكن امتصاص غالبية النيوترونات القادمة من الخارج. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل هذه الاحتياطات، فإن احتمالية التلوث ما زالت غير صفرية. "إذا كنا قادرين على اكتشاف النيوترونات، كان علينا التأكد من التمييز بين الإشارة الفعالة والضوضاء المتبقية البسيطة، كما يتابع جاكوب لامبلين. لذلك حددنا التوقيع المميز الذي يجب أن تتركه النيوترونات القادمة من الغشاء المخفي، وأيها سيكون مختلف جذريًا عن النيوترونات الأخرى ".

نحن إذن في عام 2015. اكتملت المرحلة الدقيقة من الاستعدادات، والفريق جاهز لمعمودية النار. هل ستقوم النيوترونات بالالتفاف عبر غشاء قريب من غشاءنا؟ لقد وصلت الإثارة إلى ذروتها. لمدة أسبوع كامل في معهد بول لانجفان peule-Langevin Institute، حاولت مجموعة صغيرة من علماء الفيزياء المتهورين، المستحيل: اكتشاف مرور الجسيمات في عالم غير كوننا. "سقطت النتائج بسرعة، ولم نكتشف أي فائض كبير في النيوترونات، أفاد جاكوب لامبلين على الفور، ولكن هل هذه هي نهاية القصة؟ على العكس!" هذا لم يبطل بأي حال سيناريو العوالم المتعددة. كانت هذه التجربة الأولى مجرد رسم تخطيطي، مما سمح لنا بوضع حد أعلى لاحتمال انتقال النيوترون من غشاء إلى آخر. "إذا لم يجد الباحثون النيوترونات المتوقعة في كاشفهم، فهذا يعني ببساطة أن هذه الجسيمات أقل احتمالية من المتوقع للتحول من عالم إلى آخر. ومع ذلك، فإن هذا الرقم يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالمسافة بين الغشاءين - فكلما اقتربوا، زاد عدد النيوترونات. لذلك، تمكن الفيزيائيون من إظهار أن الغشاءين بداهة مفصولين بما لا يقل عن 1.4 × 10 33 رن، وهذا يعني 87 مرة من طول بلانك - والذي يمكن أن تبدأ الجاذبية منه في إحداث تأثيرات كمومية. "من ناحية أخرى، ليس لدينا حد أعلى، وإذا كان من المفترض أن يكون اللون البني بعيدًا جدًا، فهناك فرصة ضئيلة لأن نشهد اختفاء وعودة للنيوترونات. يعترف مايكل سارازين. ومع ذلك، فإن نجاح هذا الاختبار التجريبي الأول حفزنا حقًا على الاستمرار في هذا الاتجاه. لقد أظهرنا أنه من الممكن اختبار مثل هذه السيناريوهات بجهاز بسيط نسبيًا مقارنة بمسرعات الجسيمات الضخمة! "

ثم تأتي المرحلة الرابعة من عمل الباحثين: البحث عن التحسينات الممكنة. خطوة صعبة، لكنها شائعة في العلوم التجريبية وفوق كل شيء، الأكثر جرأة. يقول الفيزيائي إن الفريق مسلح بالشجاعة والتواضع والصبر من أجل الوصول إلى نتيجة في مفاعل دي مول. على وجه الخصوص، "عملت على تحسين المادة التي تسمح بتجديد النيوترونات المخبأة في غشاءنا. "كانت هذه بالفعل إحدى نقاط الضعف في المحاولة السابقة: قد تكون بعض النيوترونات قد فوتت العودة إلى الغشاء لدينا بسبب نقص كفاءة المجدد أو الوسيط."

العودة إلى عالمنا:

في تجربة Murmure، قام الفيزيائيون بإحاطة كاشف الهليوم 3 بطبقة سميكة من الرصاص. لقد مكنتهم الحجج النظرية بالفعل من تقدير أن هذه المادة تعمل مثل الهوائي، وتوجه النيوترونات التي تمر في غشاء آخر نحو عالمنا. تم إجراء تحسينات مهمة أخرى، لا سيما تحت تأثير ضوضاء الخلفية المرتبطة بالتفاعل مع النيوترونات خارج التجربة. تقع نتائج تجربة Murmure في نهاية عام 2020. للأسف ... على الرغم من التحسينات العديدة، لم تكشف هذه التجربة الجديدة عن النيوترونات الزائدة أيضًا. "لقد أدركنا أخيرًا أن مفاعل دي مول كان أقل قدرة على إرسال النيوترونات من غشاء إلى آخر من السابق"، كما يحلل مايكل سارازين. " وبالفعل، كانت طبقة المادة المعتدلة تأمل في حمل النيوترونات نحوها. لم يكن الغشاء المخفي سميكاً بدرجة كافية. ومع ذلك، فإن التحسينات التي أجريناها لم تذهب سدى، لأنها جعلت من الممكن تعويض هذه المشكلة: نحصل على نفس النتيجة تقريبًا على الحد الأدنى للمسافة بين الغشاءين، مع تدفق نيوتروني أضعف بكثير". لذلك فإن البحث عن البعد الخامس بعيد عن هنا! يأمل الفريق الصغير من الفيزيائيين في السنوات القادمة أن يتمكنوا من تنفيذ تجربتهم المحسنة في مفاعل آخر، من أجل استغلال إمكاناته الكاملة. "حتى لو بدت هذه النتائج مخيبة للآمال للوهلة الأولى، فقد أتاحت التجربة مرة أخرى إمكانية وضع قيود على بعض النماذج النظرية الحالية، كما فعلت كورالين ستاسر نسبيًا. وقد تمكنا من تأكيد الحد الذي تم تعيينه لاحتمالية مرور الجسيمات من عالم إلى آخر، وعلى أقل مسافة بين هاتين الغشائين - البرانين، وهي أمر مهم بالفعل في فهم هذه الفيزياء خارج النموذج القياسي أو المعياري". هذا ليس كل شيء. لقد أدرك الباحثون أيضًا أنه في مكان آخر كان من الممكن مواصلة سعيهم من خلال تجارب أخرى غير تجاربهم! لقد أدركوا، من خلال تشريح نتائجهم، أنه يمكنهم البحث عن علامات الاختفاء التلقائي والظهور من جديد للنيوترونات في نتائج التجارب الأخرى التي أجريت بالفعل، والتي يمكن الوصول إلى قاعدة بياناتها في موقع NEUTRINOS TO THE RESCUE

"على وجه الخصوص، نحن نعمل بالفعل مع نتائج تجربة الاستريو، التي تم تركيبها في نهاية عام 2016 في معهد peule-Langevin Institute، وكان الهدف منها دراسة جسيمات تسمى النيوترينوات ، في محاولة لإثبات بعض خصائصها الغريبة، حسب جاكوب لامبلين. في الواقع، اتضح أن كاشف النيوترينو فعال أيضًا في العثور على النيوترينوات. كانت التجربة في مفهومها قريبة إلى حد ما من مفهومنا، فقد تمكنت من التقاط بعض البيانات، دون حساب المحرضين للاختفاء التلقائي ومظاهر النيوترونات التي توقعنا رؤيتها! لذلك نحن في بحث كامل عن مثل هذه الأحداث بين بيانات هذه التجربة التي اكتملت الآن ". ربما يكون باحثون آخرون ذوو أهداف أقل تشويشًا قد شهدوا بالفعل، دون معرفة ذلك، مجيء وذهاب الجسيمات بين عالمين. ومن ثم فإن نتائجهم ستثبت بالصدفة وجود أكوان متوازية. ما لم تكن تجربة الكتم مصدر إلهام لعلماء آخرين عازمين بنفس القدر. يمكنهم بدورهم إطلاق عدد قليل من النيوترونات في ألغاز مفاعل تجريبي ومحاولة اكتشاف الآثار من عالم آخر.

المياه الثقيلة كمادة معتدلة وسيطة:

وسرعان ما أدركوا أن الحل الأمثل هو إجراء التجربة في مفاعل أبحاث نووي من نوع آخر. في الواقع، فإن ظاهرة الانشطار التي تحدث داخل المفاعل، والتي تتكون من انقسام ذرة ثقيلة إلى ذرتين أصغر حجمًا لإطلاق الطاقة، تكون مصحوبة بانبعاث نيوترونات، بمعدل اثنين أو ثلاثة أو أكثر، تتولد مع كل تفاعل. من الممكن بعد ذلك استعادة التدفق المنتظم والمسيطر عليه لهذه الجسيمات المحايدة داخل هذه الأجهزة، والتي تتناسب تمامًا مع متطلبات التجربة.

معهد بول لانجفان paule-Langevin في غرونوبل ، وهي منظمة بحثية متخصصة في فيزياء النيوترونات التي يشارك فيها Guillaume Pigno! سبق أن عملت في إطار تجارب أخرى، ثم طرحت نفسها كمرشح مثالي لجهازهم. يصف ميخائيل سارازين: "كان علينا تعويض هذه المعدات المتطورة والأجهزة التي كانت موجودة بالفعل هناك". وبمجرد خروجهم من قلب المفاعل، يجب أن تمر النيوترونات عبر طبقة من الماء الثقيل. جزيئات H20 لها ذرات الهيدروجين الخاصة بها مستبدلة بنظيرها الثقيل، الديوتيريوم، الذي تحتوي نواته على نيوترون إضافي ". تسمح هذه المادة، المؤهلة لتكون وسيطًا، في المفاعل النووي، بإبطاء الجسيمات دون امتصاصها - تساهم التصادمات المتعددة بين النيوترونات وجزيئات الماء الثقيل في كفاءة التفاعل المتسلسل. لكن اتضح أنه كجزء من التجربة، فإن للنيوترونات أيضًا فرصة لتمرير غشاء مخفي عند كل اصطدام مع ذرة أخرى. باختصار: إن وجود هذا الوسيط نعمة حقيقية للباحثين. في كل مكان سيكون هناك بركة كبيرة من الماء الخفيف ثم جدار خرساني سميك، يعملان معًا كدرع للنيوترونات. من الناحية النظرية، لا يمكن لأي نيوترون أن يمر عبر هذا الجدار المزدوج. أخيرًا، سيتم وضع كاشف النيوترون بعد هذا الحاجز غير السالك. سيكون ممتلئًا بغاز الهليوم -3، وهو مركب يستخدم بانتظام للكشف عن وجود النيوترونات والذي من شأنه، علاوة على ذلك، تجديد النيوترونات مؤقتًا في الغشاء المخفي، مما يتسبب في عودتها إلى كوننا.

ومع ذلك، يشعر الباحثون في هذه المرحلة أنهم سيحتاجون إلى بعض المساعدة. يتضمن البروتوكول الذي ابتكروه خبرة عالية المستوى في اكتشاف الجسيمات بكميات صغيرة بصورة تبعث على السخرية، والمعروفة أيضًا باسم قياسات منخفضة الضوضاء في أحد الغشائين وتعد هذه بالفعل خطوة مهمة في فهم هذه الفيزياء بما يتجاوز النموذج القياسي. "وهذا ليس كل شيء. لقد فهم الباحثون أيضًا أنه من الممكن مواصلة سعيهم من خلال تجارب أخرى غير تجاربهم! لقد أدركوا، من خلال تشريح نتائجهم، أنه يمكنهم البحث عن علامات الاختفاء والظهور التلقائي للنيوترونات في نتائج التجارب الأخرى التي تم إجراؤها بالفعل، للإنقاذ "على وجه الخصوص، نحن نعمل بالفعل مع نتائج تجربة Stereo ، التي تم تركيبها منذ نهاية عام 2016 في معهد Paule-Langevin Institute ، والتي كان الهدف منها دراسة الجسيمات المسماة النيوترينوات، في محاولة لتسليط الضوء على بعض خصائصها الغريبة ، يربط جاكوب لامبلين. في الواقع، اتضح أن كاشف النيوترينو فعال أيضًا في إيجاد النيوترونات.!.: التجربة في مفهومها قريبة جدًا من مفهومنا، فقد تمكنت من التقاط الاختفاء التلقائي والظهور للنيوترونات دون أن يدرك المحرضون ذلك. من المتوقع أن نرى! لذلك نحن في بحث كامل عن مثل هذه الأحداث من بين بيانات هذه التجربة التي اكتملت الآن. "ربما يكون باحثون آخرون ذوو أهداف أقل تشعبا قد شهدوا بالفعل، دون معرفة ذلك، أي مجيء وذهاب الجسيمات بين عالمين. وستكون نتائجهم مصادفة بعد ذلك لكي تحمل دليلًا على وجود أكوان متوازية. ما لم تكن تجربة الكتم مصدر إلهام لعلماء آخرين مصممين بشكل متساوٍ. عل دفع دفق نيوترونات في أركان مفاعل تجريبي ومحاولة اكتشاف آثار عالم آخر ... يمكن لهذه بدورها إطلاق عدد قليل من النيوترونات في أركانا مفاعل تجريبي ومحاولة الكشف عن آثار لعالم آخر ملتفة على نفسها، وبطول قصير للغاية. من خلال هذه النظرية، نعلم لماذا لا تدرك حواسنا ولا أجهزة القياس لدينا البعد الخامس في حياتنا اليوميًة. "إن التشابه بين البراغيث والأكروبات يسمح لنا بتشكيل تمثيل تقريبي لما هو عليه هذا البعد الخامس الافتراضي، يشرح جورجي دفالي.

خذ بهلوانًا يمشي على سلك. على الرغم من كل جهوده، لن يتمكن أبدًا من التحرك في أكثر من بُعد واحد: للأمام أو للخلف. من ناحية أخرى، يمكن للرقاقة الموجودة على نفس السلك الوصول إلى بُعد إضافي أصغر. وهكذا يمكن أن يتحرك Ble في جميع الاتجاهات حول الحبل وينتهي به الأمر إلى الولوج إلى ذلك البعد الإضافي. لذلك سنكون كل تلك البهلوانات التي لا تتوفر لها سوى ثلاثة أبعاد مكانية، ضمن مساحة أكبر بكثير بأبعاد 10، 20، 26. استحوذ مفهوم البعد الإضافي تدريجياً على جزء من المجتمع العلمي. في الثمانينيات، أخذ بعض المنظرين الفكرة مرة أخرى، دائمًا بهدف توحيد التفاعلات الأساسية - الآن أربعة وهي الجاذبية والكهرومغناطيسية، بعد اكتشاف التفاعلات النووية القوية والضعيفة حسب جورجي دفالي. وفقًا لإصدارات هذه النظرية، يتكون الزمكان لدينا من 10 أو 11 أو حتى 26 بعدًا، معظمها صغير جدًا على وجه الخصوص، طور علماء فيزياء الجسيمات نظرية الأوتار، وهي نموذج توحيد رائع قائم على فكرة تمثيل جميع الجسيمات الأولية على أنها أوتار مهتزة صغيرة أحادية البعد ومرة أخرى، استغرق الأمر بضعة عقود." حتى يكون هذا رائعًا وأنيقًا" ولكي تعمل النظرية، كان من الضروري للغاية إضافة أبعاد مكانية إلى كوننا "، كما يشهد جورجي دفالي. ولكون تلك الأبعاد المكانية صغيرة للغاية لا يمكننا تجربة الحركة وفقًا لها، بل إن بعض الاختلافات في نظرية الأوتار تقترح فكرة رائعة مفادها أن الكون الذي نتطور فيه ليس سوى نوع من الجزر المعزولة داخل `` مساحة زمكان أكبر بكثير، تمتلك أبعادًا إضافية عديدة. ومن هذه الفكرة نشأت مفاهيم "الغشاء" والكون الموازي لكوننا: فهذا الأخير هو واحد من بين أكوان أخرى يتمتع بثلاثة أبعاد مكانية، بالإضافة إلى بعد زمني واحد، فإن الكون المرئي الذي نحن فيه لن يكون سوى غشاء واحد من بين عدد لامتناهي من الأغشية - الأكوان.

"الكتلة": الكل بأبعاد متعددة. يُطلق على حجم الزمكان الذي يحتوي على جميع الأغشية اسم الكتلة. سيكون لها أكثر من ثلاثة أبعاد ، بما في ذلك الأبعاد الكبيرة والصغيرة.

ربط مخفي بين الأغشية فيما بينها يمكن أن تكون بعض أبعاد المادة السائبة عبارة عن قنوات اتصال بين أغشية. يمكن للجسيمات مثل الجاذبية أن تنتقل من غشاء إلى آخر عبر هذه الأبعاد.

النيوترون، رائد الرحلة إلى الحياة الأخرى في الكون الموازي. من بين عدد كبير من الجسيمات المعروفة للفيزيائيين، كان من الضروري اختيار الجسيمات الأكثر قدرة على الهروب سالمة من هذه الرحلة ذهابًا وإيابًا إلى عالم آخر. وقع الاختيار أخيرًا على النيوترون، وهو جسيم موجود في نواة الذرات، وهو غير أولي لأنه يتكون من ثلاثة كواركات (اثنان "علويان" وواحد "مهرج"). كما يوحي اسمه، فإن النيوترون محايد كهربائيًا، مما يعني أنه لا يخضع لتأثيرات التفاعل الكهرومغناطيسي وبالتالي يسهل مهمة المجربين. بالإضافة إلى ذلك، فإن جسده معروف جيدًا، ويسهل اختباره بكميات كبيرة في مفاعل الانشطار النووي.

في أصل الأكوان المتوازية:

منذ بداية القرن العشرين، واجه الفيزيائيون تحديًا: لتوحيد التفاعلات الأساسية التي تحكم سلوك المادة. "منذ نجاح توحيد الظواهر المغناطيسية والكهربائية في القرن الحادي عشر" بواسطة جيمس ماكسويل، كان الفيزيائيون يبحثون عن نظريات موحدة جديدة، حتى عن نظرية كل شيء، والتي من شأنها أن تصف جميع الأفعال المتداخلة المعروفة في بطريقة فريدة ومتماسكة ، كما يذكر عبد الحق جوادي ، مدير الأبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية  في النظرية التوحيدية CNRS Unified Theory. يأخذ هذا المسعى خطوة إلى الأمام في عام 1921، عندما قدم الألماني تيودور كالوزا أحد النماذج الأولى لتوحيد القوتين الأساسيتين الفريدين المعروفتين آنذاك: الجاذبية والكهرومغناطيسية. يوضح كلوزا أنه من الممكن الجمع بين المعادلات التي تصف هاتين الظاهرتين المتميزتين تحت نفس النظرية الموحدة. إلا أن الفيزيائي يسن شرطًا: من الضروري أن نضيف إلى كوننا بعدًا إضافيًا صادمًا، البعد الخامس؟ من الناحية النظرية، لا شيء يمنع إضافة بُعد واحد أو أكثر إلى الزمكان، وهو تقليديًا رباعي الأبعاد إنشونال (ثلاثة أبعاد للفضاء وواحد من الزمن)، كما هو موصوف منذ أن طور أينشتاين نظريته النسبية. من المسلم به أنه "من الناحية العملية، من المعقد للغاية إضافة بُعد زمني، تحت طائلة انتهاك مبدأ السببية المقدس، كما يعترف جورجي دفالي، المنظر في معهد ماكس بلانك للفيزياء في ميونيخ (ألمانيا). إضافة الأبعاد المكانية بالإضافة إلى الثلاثة التي نلاحظها بشكل يومي لا تشكل مشكلة حقيقية ولكن إذا كانت هذه الأبعاد الإضافية موجودة، فكيف لا يمكننا رؤيتها ونشعر بوجودها؟ بعد بحث كلوزا، السويدي أوسكار كلاين يجيب على السؤال، ويعطي البعد الخامس شكلاً.

أوسكار كلاين (1894-1977) في عام 1926 أكمل نظرية كلوزا، من خلال إعطاء الأبعاد الجديدة شكلاً ملفوفًا وطولًا قصيرًا جدًا، قام جيمس ماكسويل (1831-1879) بتوحيد الكهرباء والمغناطيسية تحت معادلة واحدة، مما أثار حماس خلفائه. ألبرت أينشتاين (1879-1955) طور نظرية النسبية العامة، موضحًا بأن المكان والزمان لا ينفصلان.

تيودور كلوزا (1885-1954) كان أول من تخيل في عام 1921، نظرية تنطوي على وجود أبعاد إضافية.

نظرية الأوتار La théorie des cordes:

ماذا لو لم تكن اللبنات الأساسية للكون جسيمات نقطية، بل خيوطًا صغيرة؟ وهكذا، مثل أوتار الجيتار التي تولد نغمات مختلفة عن طريق الاهتزاز على ترددات مختلفة، يمكن لهذه الأوتار أن تلد كل الجسيمات التي نعرفها، وفقًا لطريقة الرنين ... دمج قوة الجاذبية فيما يسمى بالنهج المضطرب، وهي طريقة رياضياتية هائلة طورها الفيزيائي الأمريكي ريتشارد فاينمان، والسماح بتطبيق مبادئ ميكانيكا الكموم على التفاعلات القوية والضعيفة والكهرومغناطيسية. لأنه إذا أمكن وصف هذه القوى الثلاث على المستوى المجهري لتشكيل النموذج القياسي أو المعياري لفيزياء الجسيمات، فإن أي محاولة لفعل الشيء نفسه مع الجاذبية قد انتهت حتى ذلك الحين بفشل لاذع ...

حلم العالم الفيزيائي:

من الناحية التاريخية، فإن ما يسمى بنظرية الأوتار هي إذن أول من لتوحيد القوى الأربع، وهي النظرية التي حلم بها كل فيزيائي! ومع ذلك، نظرًا للعديد من الحالات الشاذة النظرية التي تمت مواجهتها أثناء استخدامها في الزمكان لدينا، كان على الخبراء افتراض وجود أبعاد مكانية إضافية، والتي لن نتمكن من الوصول إليها نظرًا لصغر حجمها. لإثبات محدودية هذه النظرية، حاول الفيزيائيون، في أوائل عام 2010، الكشف في مصادمات الجسيمات الكبيرة عن وجود عائلة جديدة من الجسيمات تنبأت بها هذه النظرية: وهي الجسيمات فائقة التناظر.

لسوء الحظ، لم يتم الكشف عن أية إشارة إيجابية حتى الآن. لذلك فإن نظرية الأوتار تراوح دائمًا إلى حد ما في نفس النقطة. لكن اكتشاف أبعاد مكانية إضافية يمكن أن يغير قواعد اللعبة.

الثقالة الكمومية الحلقية:

للتوفيق بين ميكانيكا الكموم والنسبية العامة، يعتقد أنصار نظرية الأوتار أنه من الضروري التمسك بقوة بالشكلية الرياضياتية، ولا سيما نهج ريتشارد فاينمان المضطرب الشهير. لكن ... ماذا لو كان الأخير غير متوافق تمامًا مع قوة الجاذبية؟ لأن النهج المضطرب يعمل بشكل مثالي في إطار كون أحادي ثابت، بالطبع؛ لا يزال من الصعب دمج الجانب الديناميكي والمنحني للزمكان الذي قدمته النسبية العامة، والتي تميل إلى إزعاج العديد من علماء الفيزياء. بدلاً من إدخال تعديل على بنية المادة، من الجسيمات إلى الأوتار، فإن استراتيجية أخرى لتحديد مقدار الجاذبية ستتألف ببساطة من أخذ معادلات النسبية العامة، وإعادة صياغتها. تم تنفيذ هذه المهمة الشاقة لأول مرة في عام 1986 من قبل الفيزيائي الهندي أبهاي أشتيكار، مما مهد الطريق للبديل الرئيسي لنظرية الأوتار: الجاذبية الكمومية الحلقية Gravité quantique en boucle.

تمييز الزمان والمكان:

يشير هذا الأخير إلى أنه على المستوى المجهري أو ما دون الذري، يكون الزمكان منفصلاً، أي أن مساحات وأحجام الفضاء لا يمكن أن تأخذ أي قيمة، ولكن يتم تحديدها كمومياً. - تشبه إلى حد ما الإلكترونات التي يمكن أن تأخذ فقط حيزاً محددًا للغاية يدور حول نواة الذرة. لذلك، تنص هذه النظرية على أنه على مقياس اللامتناهي في الصغر، فإن الفضاء ليس متصلًا على الإطلاق، ولكنه يتكون من حبيبات بدائية تسمى كوانتا مجال الجاذبية. لاختبار صحة هذه النظرية تجريبياً، يمكن للفيزيائيين، على سبيل المثال، محاولة اكتشاف هذا التشخيص التقديري للزمكان باستخدام الأشعة عالية الطاقة، أو حتى البحث عن توقيع في قلب الإشعاع الكهرومغناطيسي الكوني، الذي انتشر عقب أقل من مائة ألف سنة بعد الانفجار العظيم. لاحظ أن الجاذبية الكمومية الحلقية لا تفترض وجود أكوان متوازية أو أبعاد إضافية. لكن لا يوجد ما يثبت أنها غير قادرة على دمج مثل هذه المفاهيم.

نحو فيزياء عالية الدقة:

استهداف ظواهر معينة بدلاً من اختبار النظرية ككل: هذا هو النهج الجديد لنظام يتوق إلى سد الثغرات في النموذج القياسي.

لم يعد الأمر سراً: بعد القرن العشرين المزدهر بشكل خاص، أصبحت فيزياء الجسيمات الآن كمن يسير في مغامرة عبور الصحراء، بل حتى يمكننا القول إنها في أزمة، وفقًا لبعض المتخصصين. في الواقع، على مر السنين، أظهر النموذج القياسي، وهو نظرية رائعة تم تطويرها لوصف اللبنات الأولى وتفاعلات المادة قدر الإمكان، أنه غير قادر على حل ألغاز المادة السوداء المظلمة والطاقة المعتمة أو الداكنة أو المظلمة، للتوفيق بين الجاذبية والجسيمات الجديدة. أو لتثبيت معادلات الطاقة العالية جدًا، والتي من شأنها من الناحية النظرية أن تعطي بوزون هيغز كتلة قريبة من اللانهاية ...

من أجل سد هذه الثغرات، أطلق المنظرون بتهور مطلب البحث عن فيزياء جديدة، وتطوير نماذج شاملة من الثراء والتنوع المجنون: جسيمات غريبة، وقوى إضافية، وتماثلات خفية، وأبعاد إضافية ... لسوء الحظ، التجارب لم تثبت أو تؤكد أي من هذه الفرضيات. الأسوأ من ذلك: أن الأمل الذي وُضع في أوائل العقد الأول من القرن الحالي في تجارب كبيرة جدًا مثل مصادم الهادرونات الكبير (LHC) قد تلاشى بسبب الافتقار إلى حدوث اختراق كبير.

في مواجهة الجدار، قرر فيزيائيون مثل ميشيل سارازين، باحث مشارك في معهد أوتينام (جامعات بورغون-فرانش-كومتي ونامور، في بلجيكا)، وزملاؤه ... تغيير الحجم. بدلاً من الاستثمار في المشاريع الضخمة التي ستستغرق عقودًا لإكمالها، فإنهم يعملون الآن في "فيزياء عالية الدقة"، وتتمثل الميزة الأولى والهائلة في تقليل التكاليف والقوى العاملة: عندما يكلف LHC ما يقرب من 4 مليار يورو وتحشد الوكالة الأوروبية سيرن CERN 17500 عقل علمي، فإن تكلفة تجربة Murmure تكلف حوالي 50000 يورو لفريق من عشرة علماء، بما في ذلك طلاب الدكتوراه.

منطق بحث آخر:

"أكثر من مجرد اختلاف بسيط في الوسائل، فإن منطق البحث بأكمله هو الذي يختلف، كما يصر مايكل سارازين. من خلال إجراء تصادمات الجسيمات، يجمع المجربون كميات هائلة من البيانات، ويمكنهم في نفس الوقت اختبار كمية البيانات. نحن نركز على اكتشاف ظاهرة واحدة دقيقة ". بعبارة أخرى، إذا كانت مصادمات الجسيمات تعمل مثل سفن الصيد، فتقوم بإلقاء شبكة واسعة من أجل جمع أكبر قدر ممكن من المواد القابلة للاستغلال، فإن تجارب مثل Murmure الهمهمة تكون أقرب إلى الصيد بالصنارة: أقل كفاءة من حيث الكمية، ولكنها أكثر استهدافًا بشكل غير محدود.

كريستوفر سميث، المنظر في مختبر الفيزياء دون الذرية وعلم الكونيات في غرونوبل، يختبر هذا التغيير الجذري في النموذج بشكل مباشر. أمضى الباحث سنوات في مصادم الهادرونات العملاق LHC دون كلل في تعقب علامات الفيزياء الجديدة، لا سيما من خلال البحث عن جسيمات افتراضية تنبأت بها نظرية كالوزا-كلاين Kaluza-Klein. انضم الآن إلى مجموعة Frontier Intensity Research Group، التي تتخذ خيارًا شائعًا بشكل متزايد لاستكشاف هذه الفيزياء الجديدة عن طريق زيادة "لمعان" التجربة - فهم الدقة - بدلاً من مقياس طاقتها. "لقد وصلنا إلى حد ما إلى حدود الطاقة الخاصة بـ UfC فيما يتعلق بالبحث عن هذه الجسيمات الغريبة، مما سمح لنا بتحسين النماذج التي تنبأت بوجودها، كما يؤكد كريستوفر سميث. بتوليد مصادمات طاقة أعلى، يمكننا جميعًا الاستمرار في هذا" البحث، على وجه الخصوص بفضل هذه الملاحظة، شاركت فيروز مالك، من جامعة غرونوبل، عن طيب خاطر. حاولت الكشف عن وجود أبعاد إضافية في LHC، من خلال دراسة أزواج من الفوتونات عالية الطاقة، دون أن نضع أيدينا على ما كنا نأمل في العثور عليه، تعترف الفيزيائية. بالإضافة إلى ذلك، كلما زادت طاقة هذه الاصطدامات، زادت ضوضاء الخلفية، مما يجعل تحديد الشذوذ المحتمل أكثر صعوبة. " هذا هو السبب في أن هذه التجارب الأكثر تواضعًا، والتي تحاول هزيمة النموذج القياسي أو المعياري من خلال العديد من نقاط الدخول الأخرى، هي حقًا أنفاس من الهواء النقي بالنسبة لنا ".

تم العثور على هذا الحماس في السنوات الأخيرة في الأدبيات العلمية، والتي تزخر بنتائج التجارب المماثلة، التي جمعتها فرق صغيرة في وقت قصير جدًا. Guillaume Pigno غيوم بينو، ! في مختبر الفيزياء وعلم الكونيات تحت الذري، متخصص في الدقة العالية، يستخدم بشكل أساسي النيوترون (والذي يتطلب بالتأكيد مفاعل أبحاث نووي ليس مقعدًا مختبريًا تمامًا، بل بناء مختبر صغير بالفعل وأرخص بكثير من مصادم الجسيمات). بالإضافة إلى مساهمته في Murmure، عمل في مجال ذي صلة ورائع بنفس القدر: وهو البحث عن المادة السوداء أو المظلمة. في الواقع، هناك العديد من الأسباب التي تدفع الباحثين اليوم إلى تعقب هذه المادة المجهولة الماهية. سيكون هناك مرشحًا جيدًا للمادة السوداء أو المظلمة. يقول غيوم بينوGuillaume Pigno: "ستكون النيوترونات قادرة - في حالات نادرة وعندما يتم دفعها هناك عن طريق تطبيق مجال مغناطيسي قادرة لتتأرجح من الحالة المعتادة إلى حالة النيوترونات المرآة". ثم نحاول بعد ذلك اكتشاف مثل هذه الأحداث في التجارب التي هي نوعاً ما تشبه النفخة ". الفكرة هي استخدام شعاع من النيوترونات ومحاولة مشاهدة الاختفاء بعفوية من هذه الجسيمات في وجود مجال مغناطيسي: وبواسطة جهاز بسيط وفعال وقابل للتحقيق بتكلفة منخفضة مرة أخرى.

ومن جانب جامعة واشنطن، هناك فريق صغير آخر - تضمنت دراسته الأخيرة 5 باحثين - يحاول منذ عام 2007 تكرار تجربة مماثلة لتجربة كافنديش، مما يجعل من الممكن تحديد قيمة ثابت الجاذبية.. مسلحين بمعدات دقيقة جيدة تكون قياسية في أي مختبر، يسعون جاهدين لضبط القياسات لتحديد مدى تأثير ثابت الجاذبية اللامتناهي في الصغر.

تجربة لا تفشل حقًا أبدًا:

بالنسبة إلى غي تيروين Guy Terwagne، في نامور، "تُظهر هذه السلسلة من التجارب أنه لا يزال بإمكاننا القيام بفيزياء الجسيمات على جميع المستويات". باختيار عدم اختبار النظرية ككل بعد الآن، كما هو الحال في مسرعات الجسيمات، ولكن ببساطة اختبار التأثيرات المستهدفة التي تنبأت بها نماذج معينة، يضع المجربون قيودًا صارمة بشكل متزايد على الأخيرة، تاركين المنظرين للقيام بذلك. وهو أمر غير محتمل أكثر فأكثر مع انخفاض النتائج، بينما يظهر البعض الآخر أكثر قوة. لذا فإن التجربة لا تفشل أبدًا. حتى عندما لا يتم تحقيق هدفها النهائي حقًا، تظل نتائجه وبروتوكول ffi قابلين للاستغلال "، مع تقرير مخاطر المنفعة الممتازة "، يؤكد! المنظر باتريك بيتر، مدير الأبحاث في المركز الوطني للبحوث العلمية والفيزياء الفلكية في معهد باريس للفيزياء الفلكية:" على عكس أخواتهم الهادرونات العملاقة، لن يكون الأمر خطيرًا إذا لم يكن هناك تأثير غريب. من خلال هذه التجارب، نظرًا لتكلفتها المنخفضة للغاية. من ناحية أخرى، إذا وجدنا شيئًا ما، يمكن أن يؤدي إلى ثورة مفاهيمية حقيقية! "

لم يتم الفوز بالمعركة حتى نكتشف أخيرًا ما يكمن وراء النموذج القياسي أو المعياري. لكن الآن أصبح جيشًا حقيقيًا من جنود المشاة يسيرون جنبًا إلى جنب مع آلات الحرب مثل LHC. معرفة أن اختراقًا طفيفًا في دفاعات العدو يمكن أن يكون كافيًا لإخلال فهمنا تمامًا لــ اللامتناهي في الصغر.  الباحثون يتجهون الآن إلى المعدات الموجود من بينها (مفاعل الأبحاث BR2 المستخدم في مشروع Murmure). ينحرف النموذج القياسي بعيدًا جدًا عن المسار اليساري. هذه واحدة من المشاكل الكبيرة للنموذج القياسي أو المعياري: في حين أن جميع الجسيمات يمكن أن توجد نظريًا في نسختين- اليسار واليمين في لغة الفيزيائيين - بعض النيوترينوات لوحظ فقط في نسختها اليسرى. نتيجة مؤسفة، بالنظر إلى أن مثل هذا الانتهاك للتناظر ليس له سبب للوجود بالنسبة للمنظرين. من أجل استعادة التوازن، تخيلوا بعد ذلك عائلة أخرى من الجسيمات اليمنى، والتي من شأنها أن تعيد التوازن - هذا هو أصل مادة المرآة، التي يصعب اكتشافها لأنها لن تتفاعل مع جسيمات النموذج.

 

إعداد وتحرير وترجمة د. جواد بشارة

 

ملحق"4"

ما معنى " التكنولوجيا"؟

المقطع الأول "تكنو" تعني المهارة أو الفن، والمقطع الثاني "لوجيا" وتعني دراسة أو علم، وكلمة تكنولوجيا مجتمعة علم المهارة، وعلم التطبيق، أو علم المهارة الفنية، أي أنها تقوم بأداء الأعمال بناء على خطط مسبقة، تؤديها بكل مهارة وإتقان لكي يكون عملك غير مكرر فالتكنولوجيا تعني التميز .

اما "الرقمية"

معناها تقنية تتمحور حول وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام الالكتروني ويسمى كذلك الرقمي اي "التطبيقات" ، البيانات الكبيرة والرسوم والطباعة ثلاثية الأبعاد والسحابة والزوم والبريد الالكتروني وكل ما يتعلق بالاتصالات والمعلومات عبر التراسل المباشر وغير المباشر والنشر والطباعة الرقمية "الطباعة الالكترونية" وتخزين البيانات والمعلومات وارشفتها عبر الانترنيت .ويمكن اختصار كل ذلك باحد المصطلحين : "العالم الرقمي" او "عصر المعلوماتية" .

نحن الان فعلا رغم تباين واختلاف المستويات الثقافية والعلمية للبلدان بعصر المعلوماتية ، لا يمكن لنا الاستغناء عن ادواته التي اختصرت المسافات والوقت والتخزين والتراسل وغيرها من ضرورات الحياة اليومية اثناء اداء العمل او خارجه باوقات الفراغ .

انه عصر التقنيات الجديدة والتكنولوجيا "الرقمية" الجديدة لدرجة لا يمكننا الاستغناء عن اداواته او وسائطه وهما : الموبايل والكمبيوتر وتفرعاتهما كاللوحي والاي فون وسواها من الوسائط الرقمية التي اصبحت من مسلتزمات حياتنا المعاصرة .

التكنولوجيا الرقمية دخلت تقريبا بجميع مقتنياتنا المنزلية والشخصية لانها غير مقتصرة على الموبابل والكمبيوتر الاداتين الرئيسيتين للعالم الرقمي ، كالادوات المنزلية والكاميرات "دكيتال" والفيديو الرقمي والافلام وأدوات التصوير السينمائي وطرق العرض والمؤثرات البصرية المرتبطة بالاعلام المرئي وسواها مما انتجته التكنولوجيا الرقمية في عصرنا "عصر المعلوماتية" .

وبما ان تلك التكنولوجيا اصبحت متداولة بدون حدود فاننا نستعملها بشكل يومي دون التفكير بما توفره لنا من سهولة وديناميكية وسرعة وقوة اداء ودقة كاننا قد اعتدنا عليها مسبقا دون البحث عن خفاياها التي تبعدنا اكثر واكثر عن مجاراة تطورات عصرنا الذي توفره التكنولوجيا الرقمية . وما زلنا نقف في الصفوف الخلفية لاستكشاف هذا العالم الجديد الذي لا يتجاوز عمرة اكثر من ثلاثة عقود . واستخدامنا لمنتجاته دون المشاركة بابتكاراته او الدخول بعمليات التصنيع التي ترفد تطوراته المستمرة ولا تكاد تمر الساعات الا ونحن على موعد مع اكتشافات وتطورات جديدة تفوق سابقاتها سواء على مستوى التصنيع او الاداء او السرعة والدقة .

السؤال موجه للمعنيين في دولنا العربية الى متى نقف في الصفوف الخلفية لتطورات عصرنا؟ كمتفرجين ومستخدمين دون ان نشارك مشاركة حقيقية بتطوير وانتاج تلك التقنيات التي بدأت منذ اكثر من عقد ترسم الملامح الحقيقية للمستقبل ؟

بينما تشهد دول اسيا تنافسا محموما على دخول اسواق صناعات التكنولوجيا الرقمية بواسطة ابتكاراتها وصناعاتها وسهولة استخدامها في كافة شؤون الحياة على قدم المساوة مع كبرى الشركات التكنولوجية العالمية في الغرب .

نحن في الوطن العربي في الواقع لسنا سوى متفرجين ومستهلكين للصناعات والتكنولوجيا الرقمية بعد ان فاتنا اللحاق من قبل بالثورة الصناعية الكبرى التي اجتاحت العالم بداية ومنتصف القرن الماضي؟ وها نحن الان وبعد اكثر من ثلاثة عقود على الثورة الجديدة نقف في نفس المكان في الصفوف الخلفية لهذه الثورة التي غيرت طرق تفكيرنا واساليب العمل والانتاج كمستهلكين دون المشاركة الحقيقية على مستوى التصنيع والانتاج والابتكار .

لا احد يلام بالتأكيد في تخلفنا ماضيا وحاضرا سوى سياسيينا وانظمتنا القمعية الغارقة بالفساد والتخلف . تكرر نفسها منذ اكثر من قرن بهيئة اديولوجيات غير قابلة للنقد والتقويم والتطور او دينية وطائفية اكثر تخلفا، تعاني من نفس الامراض منذ اكثر من قرن . وازاء هذا الواقع السياسي والانظمة القمعية المتعاقبة لا غرابة ان تكرس تلك الانظمة الفساد والتخلف او ان نجد انفسنا في الصفوف الخلفية للاحداث والتطورات والثورات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية .

لهذا انا من دعاة ترسيخ مبدأ "التعليم المدمج" ويعني التعليم التقليدي "الكلاسيكي" مع التعليم الالكتروني "الرقمي" بوقت مبكر من الدراسة قبل المتوسطة لانه سيكون من الصعب ايجاد وظائف او اعمال للفروع العلمية والادبية او المهنية لمن لا يجيد التعامل مع الكمبيوتر او العالم الرقمي وتقنياته وبرامجه . وتنمية الذهن والقدرة على التعامل مع المشكلات التقنية للمنتجات والصناعات الرقمية اوالبرامج الجديدة "المستحدثة" او "المطورة" .

قيس العذاري

22.2.2021

...................

توضيح :

هناك اشكالية واضحة في التعريف بالمصطلحات الاجنبية المكونة من مقطعين او اكثر والسبب ان كل مقطع له معنى يختلف عن المقطع اللاحق والمصطلح المكون من مجموع المقاطع له معنى اخر يختلف عن معاني المقاطع المكون منها . لذا دائما ما يحدث الالتباس لدى الدارسين والباحثين في استخدام المصطلحات الاجنبية المكونة من دمج مقطعين او اكثر ، والطريقة الصحيحة لاستخدام مثل هذه المصطلحات في الدراسات والبحوث شرح معنى كل مقطع ومن ثم المصطلح المكون منها لكي لا يحدث سوء فهم او الالتباس باستخدام المصطلحات الاجنبية في الدراسات والبحوث .

هناك مراجع عديدة وموسوعات متخصصة بشرح المصطلحات الاجنبية يمكن الرجوع اليها للوصول الى الدقة العلمية اللازمة لاستخدام المصطلحات الاجنبية في الدراسات والبحوث .

والابامكان استخدام خانة البحث search ووكبيديا فهما اكثر دقة في البحث عن معاني المصطلحات المؤلفة من مقطين او اكثر او المصطلحات المركبة .

 

 

عامر هشام الصفارفي العلم كما في السياسة لابد من أن نرصد حدوث ثورات تسعى للتغيير بعد أن جاء واقع الحال بأسئلة تتحدى الأنسان وطموحه نحو الأفضل دائما. وكما في السياسة فليست كل ثورة بناجحة، بل وحتى أن نجحت الثورات فلن يكون تحقيق أهدافها مضمونا..

واليوم ونحن نشهد التطورات الكبيرة التي فرضتها فايروسات الكورونا أو الكوفيد19 على بني البشر لابد من أن نرصد دروسها لتستمر خدمة أيجابية متواصلة مع ثورة العلم عبر التاريخ.

يقول لورنس برينسيبيه في كتاب له بعنوان الثورة العلمية والتي حصرها في أوروبا بين عامي 1500-1700م، أن هذه الثورة كانت قد أنطلقت من خلال أهتمام الأوروبيين بالعالم الطبيعي من حولهم وتفاعلهم معه، حيث أدت هذه الثورة الى فتوحات علمية في شتى المجالات؛ فعبر أمعان النظر من خلال التليسكوبات الآخذة في التطور، تمكّن الأوربيون من رؤية عوالم هائلة جديدة؛ أقمار لم يكونوا يحلمون بها حول كوكب المشتري مثلا، وحلقات كوكب زحل، وعدد لا حصر له من النجوم الجديدة. وبواسطة التقنيات الحديثة اليوم صار الناس يتحدثون مع بعضهم البعض بالصورة والصوت وهم على بعد آلاف الأميال..ثم أن البشر تمكّن من أستخدام ميكروسكوبات المختبرات العظيمة للكشف عن تراكيب جزيئية دقيقة لمخلوقات في الكون فيها ما يمرض الأنسان فيؤذيه، وفيها ما يتعايش معه فيفيده. ومن هنا تأتي بشائر الثورة العلمية الجديدة، والتي تتحدّد معالمها اليوم أكثر من أي وقت مضى، فكأن أنتشار وباء الكورونا وفايروس الكوفيد 19 المستجّد قد كان بداية الأنطلاق التي أنتظرها العلماء.

ولابد من تحديد بعض صفات ثورة العلم الجديدة:

* لقد تم التركيز مؤخرا على أستخدام النظريات العلمية وتطبيقاتها غير السريرية في مجالات العلوم الصرفة ومجال الأختبار السريري، وبما يسرّع من الحصول على النتائج المرجوة من التنظير العلمي والأجتهاد البحثي.

* لقد تم التعاون بشكل مدهش وأيجابي بين مراكز البحوث الجامعية الأكاديمية من جهة، ومختبرات الصناعة والأنتاج من جهة أخرى، لفائدة تحقيق التجربة الدوائية لخدمة الأنسان. ولم يكن ذلك ممكنا لولا توفر الأرادة والقيادة العلمية لجميع الأطراف في هذه العملية المعقدة... أيمانا بدور الجميع في أحداث ثورة علم ينتظرها كل البشر. وكمثال حي على ذلك هو التوجه العلمي الصارم والسريع لشركات الأدوية العظمى والجامعات لتجربة لقاحات مضادة للكورونا، وبأستخدام تقنيات أنتاج غير مسبوقة، لتحقيق النتائج المطلوبة، وبالتالي أتاحة الفرصة أمام السياسي ورجل الدولة بأتخاذ قرارات صعبة بفتح أغلاق المدن، وجعل عجلة الأقتصاد في الدول تدور من جديد.

أن سرعة التوصل الى لقاحات مضادة للكورونا خلال فترة تقل عن عام واحد، أنما ستكون علامة فارقة في قرننا الجديد، دلالة على ما يمكن أن يتحقق في حالة التعاون بين الأكاديمي ورجل الأعمال، بتوفر القرار السياسي، وتوفر المال اللازم.

* لقد توضح أكثر اليوم من أي وقت مضى الدور الكبير للأعلام بفروعه وتخصصاته المختلفة، في حشد الرأي العام وتثقيفه وأطلاعه على ما يمكن أن يشكّل تهديدا للصحة العامة، وعلى أهمية الألتزام بطرق وأساليب الوقاية من المرض. كما ساهم الأعلام خلال فترة الأشهر القليلة الماضية بالتصدي للخرافات والشائعات حول أهمية اللقاحات لمجابهة وباء الكورونا، مما سيثبت الدور المهم الذي سيكون عليه الأعلام العلمي الصحي بالذات في المستقبل، بصدد التوعية وأيجاد رأي عام يساعد المسؤول السياسي في أتمام عملية البناء على كافة الأصعدة.  وكما يذكر مؤلف كتاب الثورة العلمية الذي أشرت أليه، فأن العلم لا يقتصر على دراسة المعارف الخاصة بالعلم الطبيعي وتكديسها؛ فبدءا من أواخر العصور الوسطى، وصولا الى يومنا هذا، تزايد أستخدام المعرفة العلمية من أجل تغيير ذلك العالم، ومنح البشر سيطرة أكبر عليه.  

 

عامر هشام الصفار

 

 

جواد بشارةإعداد وترجمة د. جواد بشارة

المادة الأصلية:


المادة الأصلية الأولى للكون المرئي البدئي لم تعد سراً مجهولاً مائة مليون مليار ذرة ديوتريوم حوصرت وقصفت إلى أن تم إعادة توفير أو إنتاج الشروط والظروف الأساسية التي كانت سائدة في بداية كل شيء يتعلق بمادة الكون المرئي البدئي أي دقيقة بعد حدوث الانفجار العظيم البغ بانغ. ولقد تم تحليل ردود أفعال وتفاعلات تلك الذرات وأعطت القيم التي يفتقدها علم الكوسمولوجيا أو علم الكونيات، أي كمية المادة الأصلية للكون المرئي البدئي. فخلال عامين تحت الأرض   في مختبر غران ساسو Gran Sasso في إيطاليا قام علماء تجربة لونا Luna بتسريع البروتونات لينتجوا، بمساعدة كاشفات في غاية الحساسية photodétecteurs Ultrasensibles تفاعل نووي كالذي حصل إبان الكون البدئي.

21.01 كغم بالضبط لكل متر مكعب. إذن هذه هي كمية المادة الأصلية في الكون بعد ثانية فقط من الانفجار العظيم، عندما كانت درجة حرارة الكون ثابتة حوالي1 مليار درجة. تمثل المادة التي بالكاد ولدت نسبة ضئيلة من محتويات الكون، حيث غرقت في 20 مليار مليار مليار مليار فوتون لكل متر مكعب، والفوتونات هي جسيمات الضوء. "هذا الرقم هائل لأنه يعود إلى أقرب وقت تركت فيه قوانين الفيزياء كما نعرفها حفريات يمكن فحصها تجريبيًا"، كما يقول بريان فيلدز من جامعة إلينوي. في الواقع، قبل ثانية، المادة الأصلية نفسها لم تكن موجودة ... فكيف ظهرت الأو انبثقت المادة الأولى. قبل 13.8 مليار سنة، من مرق أو حساء الطاقة النقية الذي شكل الكون بعد ذلك؟ لقد عرف الفيزيائيون السيناريو منذ ذلك الحين! "" هناك مقال نُشر في عام 1948بهذا الخصوص. تحدث عن التركيب النووي البدائي الشهير: أولاً، يتم تجميع الكواركات مكونة البروتونات، والنيوترونات؛ التي اجتمعت معًا في نوى ذرية: لتشكل عناصر الهيدروجين والديوتيريوم. والتريتيوم ، والهيليوم ... وفي سياق ظهورها ، اصطدمت كل هذه الذرات ودمرت بعضها البعض وفقًا لاثني عشر تفاعلًا نوويًا مختلفًا (انظر الرسم البياني) باستثناء أحد هذه التفاعلات ، احتراق الديوتيريوم - تدميره بالبروتونات -. ظل هذا التفاعل غامضاً. وقد تم بالفعل تنفيذ تدابير بهذا الصدد في السبعينيات. لكن دقتها كانت بعيدة عن أن تكون كافية. يقول كارلو جوستافينو، عالم فيزياء في معهد الفيزياء النووية في فراسكاتي (إيطاليا): "ظهرت آخر عقبة لم تكن تتميز بشكل جيد" ، وكانت هي آخر عقبة لا يزال يتعين التغلب عليها من أجل التقدير الدقيق لكثافة المادة والطاقة في الثانية الأولى من الكون ". ومع ذلك، فقد حدد الفيزيائيون لفترة طويلة أن هذا الديوتيريوم ، على وجه التحديد ، هو المفتاح الذي يسمح بالوصول إلى كثافة المادة الأصلية المعروفة باسم "باريونيك" للكون: النيوترونات والبروتونات التي ستكون كل الذرات منها وذلك لسبب بسيط: فعلى عكس الذرات البدائية الأخرى، فإنه يتشكل فقط في هذه اللحظة. بعد ثلاث دقائق من الانفجار الكبير. لذلك فإن كميته هي مسند ثابت يمكن الاعتماد عليه ... للعودة في الوقت المناسب. كان لا يزال من الضروري قياس هذا الاحتراق الشهير للديوتيريوم ، وبالتالي تحديد كميته بدقة بواسطة كاشفات فائقة الحساسية. وعلى أساس هذه الملاحظات كان لدى كارلو جوستافينو وعالم الكونيات ماكس بيتيني فكرة مجنونة. في مؤتمر في أستراليا عام 2003: إعادة إنتاج تفاعل الاحتراق، لإخضاعه للدراسة والتحليل. في ذلك الوقت، كانوا بالفعل يبتكرون بروتوكولًا: قصف عينة غازية تحتوي على 1.7.1017 ذرة من الديوتيريوم لكل 100،000 مليار بروتون في الثانية، تسارعت إلى سرعات ممثلة لتلك التي كانت تحكمها في بداية الكون. ثم تم تعداد الاصطدامات، من خلال ومضات الضوء الصغيرة التي تنتجها، بفضل أجهزة الكشف الضوئية فائقة الحساسية. وأخيرًا حساب كفاءة التفاعل. الا إذا، في كثير من الأحيان، يتبين أن الأفكار البسيطة على الورق معقدة أثناء التطبيق... تُقصف الأرض باستمرار بالأشعة الكونية القادمة من الفضاء. تتفاعل مع الغلاف الجوي وتنتج ميونات مما يؤدي إلى تدافع أجهزة الكشف الضوئي، كما توضح ساندرا زافاتاريلي، أحد الأشخاص المسؤولين عن تجربة لونا. وهذا هو السبب الذي جعل من الضروري إجراء التجربة تحت الأرض، محمية من الميونات الكونية ... في هذه الحالة في غران ساسو Gran Sasso ، أكبر مختبر تحت الأرض في العالم ، على بعد 120 كم من روما ... وتحت 1.4 كم من الصخور. بدأت التجربة في عام 2017. .. كانت الصعوبة الأكبر هي التحكم في معاملات وإعدادات القياس طوال التجربة، وكذلك ثبات التيار الكهربائي الذي يسرع شعاع البروتونات. أو الكثافة المستهدفة لعينة الديوتيريوم. وتقليل ضوضاء الخلفية قدر الإمكان. كما يروي زميله ماريالويزا أليوتا. بمتوسط معدل 10 تصادمات في الدقيقة، استغرق الأمر عامًا كاملاً من أجل جمع البيانات حتى تكون النتيجة ذات صلة إحصائيًا. وأخيرا، قبل بضعة أشهر، حصل الباحثون على معدل تفاعلهم الثمين، والذي حقنوه في برنامج كمبيوتر خاص بهم،بارتبينوب Partbenope.   للوصول بالحسابات لكثافة الباريونات، ثانية واحدة بعد الانفجار العظيم: 21.01 كغجم / م3. وهي قيمة منخفضة بشكل يبعث على السخرية مقارنةً بالمياه على الأرض. 1000 كجم / م3. نعم، ولكن على كوكب ما، فإن المادة مركزة للغاية: الكون ككل فارغ بشكل أساسي، واليوم يحتوي فقط على 0.252 باريون لكل متر مكعب ... أو باريون واحد فقط لكل 4 م3. أثناء التركيب النووي. بدأ التوسع بالكاد، وكانت الأحجام أكثر ضغطًا بنحو 5.1025 مرة عما عليه اليوم. يبدو أن هذه الكثافة البالغة 21.01 كغم / م 3 تؤكد بدقة لا تصدق النماذج الحديثة لفيزياء الجسيمات وعلم الكونيات ... أي النظرية بأكملها، التي تشكلت خطوة بخطوة منذ السبعينياتلتطور مادة الكون. يقول براين فيلدز: "نعم، إنه بالتأكيد انتصار للنموذج المعياري. إنها النتيجة الأكثر إثارة. يضيف ماكس بيتيني. تتوافق هذه القيمة مع قيمة تلسكوب بلانك الفضائي، بين عامي 2010 و 2013 ، في الواقع ، لاحظ القمر الصناعي الأوروبي أول ضوء للكون ، انبعث بعد 380.000 سنة من الانفجار العظيم ، وقدمت الاختلافات الطفيفة في درجة حرارته تقديرًا دقيقًا بشكل مخيف لجميع المعلمات الكونية ، مثل معدل توسع الكون نحو ، عمره الدقيق ، و ... كثافته الباريونية الأولية ، أكبر بنسبة 0.18٪ فقط من تلك التي قاسها فريق لونا تبدو حقيقة وقوعها على نفس الشكل تقريبًا وكأنها معجزة صغيرة. يردد ماكس بيتيني: "لا أعرف ما إذا كان بإمكانك تخيل ما يعنيه الوقوع على نفس قيمة بلانك إلى هذه الدرجة من الدقة، وقبل كل شيء بطريقة مختلفة تمامًا". هذا ليس كل شيء: المعلمات الكونية التي يقيسها بلانك كلها مترابطة، لذا ت تجربة لونا جميعها الآن. بالتأكيد ... لكن فريقًا آخر، بقيادة Cy ril Pitrou سيريل بيترو في معهد الفيزياء الفلكية في باريس، يعتقد أنهم عثروا على ثغرة. بعد استنساخ حسابات الإيطاليين، وجدوا فرقًا بسيطًا بين قيمة لونا وقيمة بلانك. تقول إليزابيث فانجيوني: "كنا حريصين على إعادة هذه الحسابات. كنا نعلم أن النتائج ستنهار قريبًا، لذلك أعددنا مقالًا كان كل ما علينا فعله هو إدخال قيمتها". وهكذا، في بداية ديسمبر الماضي، بعد أسبوعين فقط من فريق لونا، تمكن الباحثون الفرنسيون من تقديم تفسيرهم الخاص للنتائج ... وانتهى بهم الأمر بقيمة 1.88٪ أقل من بلانك: 20.62 كغم / م 3! فجوة صغيرة، اعتبرها كارلو جوستافينو ليست بذات قيمة. بالنسبة له، إنه ببساطة ناجمة عن حيز الخطأ المسموح به لأي تجربة. "ستلاحظ أننا نواجه فروقًا طفيفة؛ الضبط المثالي صعب، حتى بالنسبة لمثل هذه الرموز الرقمية المتقنة والمعقدة،" لكن بالنسبة للفرنسيين، ليس هناك شك في أن الاختلاف بين القيمتين كبير: "يستخدم الفريقان نفس البيانات النووية ونفس الملاحظات، لكننا لا نصل إلى نفس القيمة أو إلى نفس النتيجة التي توصلوا إليها، يشرح جان فيليب أوزان، المتخصص العالمي في نظريات تباين الثوابت. وهذا يدل على أن هناك افتراضات مختلفة في قلب الحسابات، لا سيما حول طريقة تمرير البيانات حول معدلات تم قياس الاحتراق بواسطة لونا بكميات متوسطها عند درجة حرارة ضرورية للتنبؤات الكونية. ومع ذلك، لدينا حجج قوية للاعتقاد بأن نهجنا أكثر منطقية من الناحية المادية، وبالتالي فإن التوتر بين لونا وبلانك حقيقي".

هذا النموذج القياسي اليائس:

وهذا سيكون بالفعل أخبارًا جيدة! لأنه إذا كان التحقق من صحة النموذج القياسي نتيجة جيدة، فهو أيضًا ميؤوس منه قليلاً. يعرف الفيزيائيون أن هذا النموذج لا يروي القصة كاملة: فهو لا يقول شيئًا عن الطاقة الداكنة أو المعتمة أو السوداء أو المظلمة ولا عن المادة السوداء أو المظلمة. لذلك يتجاهل 95٪ من محتوى الكون! منذ بضع سنوات، يبحث الباحثون عن أدنى عيب في النموذج، حيث يمكنهم الإسراع في البحث عن فيزياء المستقبل، بدءًا من طبيعة هذه المواد السوداء أو المظلمة الغامضة. "هذا السيناريو حيث يكون" كل شيء على ما يرام "محبطًا بعض الشيء، لأنني أود أن أرى ما هو أبعد من النموذج القياسي"، حتى يتعرف كارلو جوستافينو. وفقًا لسيريل بيتروـ Cyril Pitrou ، هناك ثلاث فرضيات لشرح الاختلاف. فإما أننا ببساطة مخطئون بشأن الكمية النهائية من الديوتيريوم الناتج عن التخليق النووي، والتي يعتمد عليها الفريق الفرنسي. "لأنه بدلاً من الرجوع إلى كثافة الباريونات، فإن الكمبيوتر يقوم البرنامج بالعكس: يتم إدخال كميات أولية مختلفة من الباريونات فيه، ويتم تدوير كود التنبؤ بوفرة الديوتيريوم في نهاية التخليق النووي، والذي يحاكي التفاعلات النووية مثل احتراق الديوتيريوم. بمقارنة كمية الديوتيريوم المتبقية المتوقعة في نهاية التخليق النووي، بتلك الملاحظة أو المرصودة في الكون كما يوضح الباحث. لذلك إذا تبين أن تركيز الديوتيريوم أقل قليلاً مما قاسه الإنجليز، فسوف يرتفع قليلاً في الكثافة الأولية للباريونات ... والتوتر مع بلانك يختفي ". ومع ذلك، فإن هذه الكمية هي أيضًا مغامرة علمية بحد ذاتها، والتي تطلبت خمسة عشر عامًا من العمل من قبل علماء الفلك ريان كوك وماكس بيتيني، من جامعة كام بريدج، حيث قاموا أولاً بتتبع أبعد سحب للغاز في البيانات التي تم جمعها بواسطة مسح Sloan Digital Sky Survey.  ووجدوا عشرات الآلاف منهم. ثم اختاروا الأكثر عزلة، والأقل ازدحاماً بالنجوم ... وبالتالي أولئك الذين يكون تركيبهم الكيميائي هو الأكثر تمثيلاً لتركيبهم. ثم اختاروا أكثر النجوم انعزالًا والأقل اكتظاظًا ... وبالتالي أولئك الذين يكون تركيبهم الكيميائي هو الأكثر تمثيلًا لتركيب الكون البدائي في نهاية أطروحة النيوكليوزين. "أنا شخصياً قمت بتمرين تتبع التطور الكوني للديوتيريوم في الكون بين نهاية التركيب النووي ومليار سنة، هو الزمن الذي رصد فيه الفريق الإنجليزي غيومهم السبعة، وأؤكد أن نسبتها لم تتغير في هذه الفترة الزمنية "، كما تقول إليزابيث فانجيوني. ". لقد عزلوا سبعة، سبع غيوم عذراء بحجم مجرة ، ولكنها بعيدة 12 مليار سنة عن الأرض، لقد وجهوا أفضل التلسكوبات في العالم. تلسكوب: VLT في تشيلي وتلسكوب كيك في هاواي؛ كانت المسافة كبيرة بمكان، حتى أنه مع هذه الأجهزة العملاقة، تطلب التحليل الطيفي ليلة كاملة من المراقبة! يوضح ماكس بيتيني: "كان هذا هو الحد الأدنى للتمييز بين الخطوط الطيفية للديوتيريوم والهيدروجين.

هل الثوابت خاضعة للسؤال ومعترض عليها؟

الفرضية الثانية: معدلات التفاعل. إن احتراق الديوتيريوم الذي تم قياسه بواسطة لونا يحظى بالإجماع. ولكنه واحد فقط من الاثني عشر تفاعلاً التي تحكم التركيب النووي الذي يتكامل فيه النموذج الأقصىprimat. على وجه الخصوص، هناك اثنان آخران يتعلقان أيضًا بتدهور الديوتيريوم. تقليديا، من المقدر أن يتم التحكم في معدلها بشكل جيد، ولكن من يدري؟ "إذا كانت هذه أقل فاعلية بقليل مما يتم قياسه حاليًا، فإن التنبؤات النظرية ستميل إلى تدمير كمية أقل من الديوتيريوم لنفس الكمية الأولية من الباريونات، وبالتالي تقليل الجهد"، حسب تحليل سيريل بيترو.  أخيرًا، الفرضية الثالثة، الأكثر روعة على الإطلاق: الفرق بين القيمتين، قيم بلانك وقيم سحابة الديوتيريوم التي تم قصفها ببروتونات لونا، قد يعني أن الفيزياء نفسها غير صحيحة. "يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن النموذج القياسي هو بناء نظري، مما يجعل من الممكن تفسير جميع القياسات والملاحظات واختبار تناسقها. يتذكر جان فيليب أوزان. عندما تزداد دقة القياسات، يطرح السؤال حول صحة النموذج ". على وجه الخصوص، يعتمد النموذج القياسي على 22 من الثوابت الأساسية التي تحدد شدة التفاعلات بين الجسيمات وكذلك كتلتها. سرعة الضوء في الفراغ، لأشهرها: أو ثابت البنية الدقيقة: ثابت يرمي، الخ. والحال، إن بعض النظريات التي تدعي تجاوز النموذج المعياري تقترح أنه ربما لاتكون ثابتة كما نعتقد. فقيمها قد تكون مختلفة عن القيم التي كانت موجودة في أصل الكون البدئي، عما نقيسه اليوم في المختبرات، والذي من شأنه أن يكون له تداعيات متتالية على خصائص الباريونات وتشكل الذرات الأولية. مع ذلك، فإن بعض النظريات التي تتظاهر بأنها تذهب إلى أبعد من ذلك تشير إلى أنها قد لا تكون ثابتة كما أعتقد! كانت قيمتها تختلف في أصل الكون عما تم قياسه في المختبر اليوم ... سيكون لهذا عواقب متتالية على خصائص الباريونات وتكوين الذرات الأولى. وبالتالي فإن طاقة الارتباط بين النيوترون والبروتون التي تشكل نواة الديوتيريوم تؤثر على اللحظة التي قد تكون قد تشكلت منها في الكون البدائي. إذا كانت طاقة الربط أكبر ، فربما تكون قد تشكلت في وقت سابق. يتم تدميره بشكل أكثر كفاءة من خلال تفاعل لونا ، في نهاية التخليق النووي ، سيبقى أقل. يمكن أن يفسر هذا سبب انخفاض كثافة الباريونات التي حسبتها الرئيسيات عن تلك التي قيسها بلانك من الخلفية المنتشرة. أمثلة أخرى: إذا كانت نسبة الكتلة 0.1٪ بين البروتون والنيوترون أو إذا تغير زمن اضمحلال النيوترون. هذا من شأنه أن يؤثر على كمية النيوترونات المتاحة في بداية التخليق النووي. وبالتالي على كمية نوى الذرات التي يمكن وبالتالي على كمية نوى الذرات التي يمكن أن تكونت. ويخلص جان فيليب أوزان إلى أن "التوترات التي نشأت في السنوات الأخيرة مع تحسين الإجراءات يمكن أن تحمل معها بذور تطور النموذج القياسي القادم". ولكي نحسم الموضوع يجب أولاً استبعاد الفرضيتين الأوليين. وننتظر، في السنوات العشر القادمة. مجيء تلسكوبات من الجيل الجديد، مثل ELT أو TMT ، من أجل إعادة قياس كمية الديوتيريوم السائد في السحب الرقيقة للهيدروجين في عمق الكون. لكن بحلول ذلك الوقت. يحلم المنظرون بالفعل بإعادة بناء الفيزياء أو التأسيس لفيزياء جديدة. الكرة في ملعب الفيزيائيين. الأمر متروك لهم للاتفاق من الآن فصاعدًا على نماذجهم الرقمية "، كما يدعو ماكس بتيني Max Pettini." وسواء كان هناك توتر أم لا، فإن النجاح المذهل لـ Luna سيحفز بلا شك دراسة الأزمنة الكونية في أوقات أبعد. من التخليق النووي الباريوني، كما يعد بريان فيلدز. بفضل سحابة صغيرة من ذرات الديوتيريوم مدفونة في جبل إيطالي، قمنا بتحديد كمية المادة الأولى في الكون البدئي... وأطلقنا الفيزياء في مغامرة جديدة.

الليثيوم: الشذوذ البدائي الآخر مثل الديوتيريوم، تم إنتاج الليثيوم بكميات دقيقة أثناء التخليق النووي البدائي. إن وفرته التي لوحظت في الكون كانت أقل بثلاث مرات من تلك المستخلصة من ملاحظات بلانك! هذه المرة، كان الاختلاف واضحاً، لم يعد وارداً التحجج بهوامش الخطأ. "فحتى يومنا هذا. أكبر مشكلة في التخليق النووي البدائي، كما تقدر ساندرا زافا تاريللي Sandra Zavatarelli ، من فريق لونا. الاختلاف الكبير مع الديوتيريوم هو أننا هذه المرة لا نعتقد أن الحل سيأتي من تفاعلات الفيزياء النووية، بل من عدم اليقين بشأن الملاحظات الفلكية. " استمر لغز الليثيوم لمدة 40 عامًا ". هذا نجاح كبير لنظرية التخليق النووي البدائي، والتي هي في حد ذاتها واحدة من الركائز الثلاث التي تستند إليها نظرية الانفجار الأعظم ... على الأقل كتقريب أولي، لأن حساباتنا يبدو أنها تشير إلى انحراف بسيط عن حسابات وقياسات  تلسكوب بلانك، التي لا يمكن استيعابها إلا من خلال هوامش الخطأ. إذا تم تأكيد التوتر في السنوات القادمة. فقد يكون ذلك عيبًا في النموذج القياسي ويمكن من خلاله استكشاف فيزياء المستقبل. " "نتيجة لونا هي تأكيد رائع للنموذج القياسي لفيزياء الجسيمات وعلم الكونيات. وتتزامن نتائجهما مع نتائج ساتل بلانك، مع أقل من فرق 0.2٪. لا أعرف ما إذا كان بإمكانك تخيل ما يعنيه الحصول على نفس القيمة بهذه الدرجة من الدقة، وقبل كل شيء بطريقة مختلفة تمامًا. خاصة وأن المعلمات الكونية التي قاسها بلانك كلها مترابطة: لذلك تأكدت جميعها الآن من خلال هذه التجربة الجديدة! "

المادة المختفية:

المادة المخفية أخيرًا تم كشف النقاب عنها:

ظل جزء من المادة العادية بعيد المنال لعقود. تمكن فريق من الباحثين من اكتشافه، في شكل غاز، في الداخل خيوط المجرية لكوننا. "مسألة المادة الخفية للكون أو المادة المختفية في الكون... فهي لم تعد مخفية أو مختفية ! فقد تم استخراجها من مخبئها داخل فجوات ولقطات كونية عمرها ثلاثين عامًا وتم تحليلها من قبل فريق علمي من معهد الفيزياء الفلكية الفضائية التابع لجامعة باريس de l'Institut D’astrophysique spatiale (CNRS/ université Paris-Saclay) .  تجدر الإشارة بدءاً: بأنت المادة الخفية لا علاقة لها با"المادة السوداء أو المظلمة" الشهيرة، والتي تشكل حوالي ربع الكون والتي يجهل طبيعتها وماهيتها وحقيقتها باحثو وعلماء الفيزياء تمامًا. فالمادة الخفية هي جزء من المادة العادية المؤلفة من النيوترونات والبروتونات التي هي أساس كل الذرات. وتوجد على شكلين كما توضح عالمة الفيزياء الفلكية نبيلا آغانيم Nabila Agha nim التي شاركت في الدراسة المنشورة في نوفمبر في علم الفلك وعلم الفيزياء الفلكية&Astro physics la revueAstronomy

شكل مكثف، من النجوم والثقوب السوداء والكواكب، ... وشكل "مخفف" من: الغاز، وخاصة الهيدروجين. عندما نراقب الكون البعيد جدًا، عندما كان عمره 370000 سنة، بدت المادة العادية على وشك الاكتمال، ولكن عندما ننظر إلى شريحة من الكون أقرب إلينا، فإننا ندرك أن نسبة 40٪  من المادة قد تبخرت. وإن هذه النسية من المادة هي التي تلعب لعبة الغميضة مع العلماء بين الاختفاء والظهور منذ عقود عديدة والتي تمكن الفريق الفرنسي من الكشف عنها أخيراً ". ولإجراء تحقيقهم، كان لدى العلماء دليل: البحث أولاً في الشكل المخفف. يكمن التفسير في الواقع في بنية كوننا ذاتها وعلى المقاييس والنطاقات الضخمة، حيث لم تعد مجرتنا درب التبانة سوى نقطة واحدة ضائعة بين مليارات من النقاط الأخرى. منذ حوالي عقدين من الزمن، عرف علماء الكونيات المظهر العام للكون بفضل عمليات المحاكاة الحاسوبية بواسطة الكومبيوتر. فهذه تعيد إنتاج التطور الكوني، منذ ولادة الكون المرئي حتى اليوم، انطلاقاً من التكوين في المادة والطاقة للكون البدائي، ومعدل توسعه وبعض المعلمات أو المعايير الأخرى. النتيجة: المشهد المذهل لـ "شبكة كونية "حيث تشكل مجموعات الآلاف من المجرات عقدًا مرتبطة ببعضها البعض بواسطة خيوط، وهي نفسها منسوجة من المجرات. يمكن أن تصل هذه الخيوط إلى 300 مليون سنة ضوئية، وهي أبعاد يصعب تخيلها، مقارنة بالقطر الهائل بالفعل لمجرتنا 100،000 سنة ضوئية. لكن هذه المحاكاة، التي تعطي "جغرافيا" الكون، توفر أيضًا معلومات حول "تعداده" بطريقة ما. تشير إلى أنه بمرور الوقت، يتركز غاز الهيدروجين والهيليوم الذي لم يتشكل بعد على شكل حشود وعناقيد مجرية، يتركز في الشبكات المجرية المتشابكة. هذا هو المكان الذي قرر فيه الباحثون تعقب المواد المخفية أو المختفية la matière cachée. المشكلة: إن هذا الغاز لايتيح مهمة رؤيته بسهولة أي لا يمكن رؤية هذا الغاز بسهولة، فمن المسلم به أن درجة حرارته (بين 100000 و 10 ملايين درجة) يجب أن تجعله من الناحية النظرية يلمع في مجال الأشعة السينية، ولكن نظرًا لأنه مخفف للغاية ، فقد شك الباحثون منذ فترة طويلة في أن هذا البث أو الانبعاث قد حدث فعلاً  حتى حدوث تحول درامي للأحداث ، في عام 2018. تم الإبلاغ عن أول ملاحظة من قبل الفيزيائي الإيطالي فابريزيو نيكاسترو Fabrizio Nicastro  وفريقه من المعهد الوطني للفيزياء الفلكية في روما. إن الانبعاث الغازي يحدث داخل خيوط مجرية مضاءة بواسطة كوازارات ، وهو مصدر ضوء شديد للغاية يقع خلفه. تمتص محتويات الشعيرة الشبكية الضوء جزئيًا، ومن خلال مراقبة أطوال الموجات التي تم أخذ عينات منها، استنتج الفريق الإيطالي وجود غاز الهيدروجين. ملاحظة لطيفة ... لكنها غير مباشرة وفي شبكة filament خيطية واحدة: لم ير الفريق انبعاث أشعة إكس X بالمعنى الدقيق للكلمة. تم تجميع الملايين من اللقطات. "كان هدفنا إذن مراقبة الغاز بشكل مباشر وفي عدد كبير من الخيوط" ، تتابع نبيلة أغانم. أولاً، كان علينا تحديد موقعها، لكي نعرف أين نبحث. لهذا، استخدمنا بيانات من Sloan Digital Sky Survey ، وهو أكثر التلسكوبات دقة في قراءة الأجسام السماوية التي تم تحديثها للتو. وما أن يتم تشخيص ورصد الشبكة الخيطية  (حوالي 25000) ، "قمنا بإجراء أول قياس غير مباشر للغاز باستخدام ما نسميه الخلفية الكونية المنتشرة "، يضيف عالم الفيزياء الفلكية هيديكي تانيموراHideki Tanimura ، عضو فريق Institut d'astro physiquepatiale (C RS / جامعة باريس ساكلاي). إن أقدم ضوء انبعث - بعد 370،000 سنة من الانفجار العظيم - الخلفية الكونية الميكروية المنتشرة تشكل نوعًا من قاع الكون. يقول هيديكي تانيمورا: "كل شيء تراه في الفضاء موجود بالضرورة في المقدمة، بما في ذلك اغاز الشبكة الخيطية". في عام 2019، جاء الفريق لالتقاط "الظل" الذي شكله هذا الغاز على الخلفية المنتشرة، وهو ما يسمى تأثير سونايف زليدوفيتش Sunyaev Zel'dovich. نتيجة أولى مشجعة للغاية! لم يبق شيء سوى الانتقال من الظل ... إلى الضوء من نوع أشعة إكس السينية. لهذا، أظهر الفريق براعة. "لم نكن نعرف ما إذا كان الانبعاث قابل للتلقي ويمكن استقباله بواسطة تلسكوبات الأشعة السينية ولم نتمكن من اللجوء إلى عمليات رصد تعاقبي جديد. فريق عمل فابريزيو نيكاسترو Fabrizio Nicastrof استخدم ثمانية عشر يوما من وقت التلسكوب لكنه لم يعثر سوى على شبكة خيطية واحدة filamentلاستغلالها اكما تذكر نبيلة أغانم." عندا طرأت لدينا فكرة البحث عن ذلك الانبعاث الإشعاعي من خلال تجميع آلاف لقطات التلسكوب الألماني

روسات [الذي تم سحبه من مداره في عام 2011] والتي تتطابق مع مناطق الكون التي تتواجد فيها الشبكات الخيطية أو حيث نجد الخيوط الغازية. وتمكنا من ملاحظة المزيد من 15000 منها! "ثم يذهب الفريق إلى أبعد مدى "لتكديس" الصور من نفس المنطقة. مبدأ القياس بسيط: الانبعاث منخفض للغاية، إذ يتم إنتاج عدد قليل من الفوتونات. بالإضافة إلى ذلك، فقد غرقوا في الضوضاء الطفيليّة المحيطة، مثل التشويش على البث الإذاعي. لكن بإضافة الصور، تمكن الباحثون من تجميع فوتونات X لتعزيزها، مع إنها بطبيعتها عشوائية. من خلال تراكم هذه الضوضاء، يمكن أن نحصل على متوسط قيمة قريب من O. "إنها مهمة كبيرة وعمل شاق على البيانات. ومن أجل البحث عن الخيوط وتحليلها، نلجأ إلى استخدام خوارزميات التعرف على الأنماط والإحصاءات وما إلى ذلك، من أجل إزالة جميع المصادر غير المرغوب فيها للأشعة السينية، مثل الثقوب السوداء الهائلة في قلب المجرات ... "، تحدد هيديكي تانإيمورا. لا يزال يتعين تحديد جميع خزانات الغاز. وهكذا انتهى التوهج الخافت للغاز بالسطوع على هذه الصور، على قطعة من الكون تقع بين 2.6 و 7.1 مليار سنة ضوئية من الأرض! هل يمكننا أن نقول إنه تم توضيح غموض المادة المخفية؟ ليس كليا. لأنه لا يزال يتعين تحديد كمية هذا الغاز. "لذلك، سيكون ذلك ضروريا مراقبة ورصد مقطع أكبر من الكون، حسب نبيلة أغانم. واختتمت نبيلة أغانم بالقول: "من أجل ذلك، سيكون من الضروري مراقبة جزء أكبر من الكون. سيتعين علينا أيضًا تقليل الضوضاء الطفيلية من أجل "رؤية" هذا الغاز بشكل أفضل، والذي لا نعرف كثافته ودرجة حرارته بدقة. بالإضافة إلى أن دراستنا ركزت فقط على خيوط المجرة بينما لوحظ الغاز أيضًا، على مستوى أصغر المقاييس، في "جسور المادة" التي تربط مجموعات وعناقيد وأكداس المجرات. لذلك يجب جرد كل هذه الاحتياطيات الغازية» إذا كانت المادة الخفية قد تم كشفها، لذلك لا يزال ينتظر أن يتم احتسابها. عضو فريق معهد الفيزياء الفلكية الفضائية يذكرنا بأن غاز الهيدروجين والهيليوم يشكلان المادة "الخفية" القديمة تقريبا بقدم الكون. بدأ تكوين الهيليوم بعد حوالي ثلاث دقائق من الانفجار العظيم. ثم بدا الكون وكأنه "حساء جسيمات" شديد السخونة مكون من 12٪ نيوترون و88٪ بروتونات. هذا الخلل يرجع جزئيًا إلى حقيقة كون النيوترون غير مستقر: بعد 880 ثانية في المتوسط يتحول إلى بروتون. وتصف سيريل بيترو Cyril Pitrou ، الفيزيائية في معهد الفيزياء الفلكية في باريس: "لتحقيق الاستقرار فيه ، يجب تجميعه مع بروتون". يحدث هذا بعد ثلاث دقائق من الانفجار العظيم، عندما تنخفض درجة حرارة الكون إلى أقل من مليار درجة. يتفاعل البروتون مع نيوترون لتشكيل نواة الديوتيريوم. ثم تتبع أنواع أخرى من التفاعلات بعضها البعض حتى تصل جميعها تقريبًا ينتهي الأمر بالنيوترونات في نوى الهليوم 4 [نظير الهليوم]. هذا هو التركيب النووي البدائي ، الذي يجب تمييزه عن "النجم" الذي يحدث بعد ذلك بكثير في قلب النجوم. تستغرق هذه الخطوة دقيقتين فقط في نهايتها يكون الكون قد تكون من نوى الهيليوم 4 (24٪) والبروتونات (76٪) ، وهي أيضًا نوى ذرات الهيدروجين ، وأخيرًا جزء من الديوتيريوم (نظير الهيدروجين) وتحدث الخطوة التالية بعد 370000 سنة ، عندما كان الكون في درجة 3000 درجة مئوية فقط. الإلكترونات، حتى الآن حرة، وسوف ترتبط بالنواة لتشكيل الذرات. يؤدي التقاطها إلى إطلاق فوتونات لا يمكنها التنقل بحرية. هكذا يظهر الضوء الأول للكون، ما يسمى بالخلفية الكونية المنتشرة.  إن دراستها المتعمقة، ولا سيما بفضل الملاحظات من القمر الصناعي بلانك، تسمح أن نقيس بدقة نسبة المادة البدائية موجودة في ذلك الوقت ومقارنتها بالتنبؤات النظرية، بناءً على دراسة التفاعلات بين النوى. وهو ما قد يكشف عن بعض المفاجآت، كما أشارت سيريل بيترو للتو في دراسة نُشرت في 23 نوفمبر 2020 على موقع Arxiv الإلكتروني ". القياسات الدقيقة الأحدث لمعلمات واحدة من ثلاثة ردود فعل أساسية ينتج عن التخليق النووي البدائي كمية من المادة العادية قليلا أقل أهمية من تلك الملاحظة في الخلفية الكونية المنتشرة. يجب إجراء قياسات على التفاعلين الآخرين، ولكن إذا استمر الخلاف، فإن الأصل من هذا النقص في المادة العادية. "

الأستاذ هيرفي دول HERVÉ DOLE  في معهد الفيزياء الفلكية الفضائية في أورساي (إيسون) ونائب رئيس جامعة باريس ساكلاي يقول إن هذه النتيجة تؤكد نماذج تطور الكون » "كان من المتوقع وجود مادة عادية مخبأة في الشبكة الخيطية: لقد تنبأت بها عمليات المحاكاة ، وقد حدثت بالفعل ملاحظات غير مباشرة ، ولكن على أساس مخصص. ومع ذلك، في علم الكونيات، من الصعب المرور من حالات قليلة، وأحيانًا شديدة الخصوصية أو اكتشافات حدثت بالصدفة، إلى العموميات، فريق نبيلة أغانم توصل لهذه النتيجة باستخدام طريقة معروفة، بسيطة وقوية للغاية: تكديس الصور، التي استخدمتها بنفسي لقياس الأشعة تحت الحمراء للمجرات. لقد أخذوا في الاعتبار كمية كبيرة جدًا من البيانات التي أدت إلى هذا العمل "النظيف" للغاية، مع إشارة تبرز بوضوح. نحن بلا شك نتخذ خطوة إلى الأمام، وهذا أمر مريح - أو نادم، الأمر نسبي- لأنه يثبت صحة نماذج تطور الكون ، ولكن أيضًا الاستنتاجات المتعلقة بتكوينه بناءً على الخلفية الكونية المنتشرة.ت شكلت الذرات الأولى في الكون من البروتونات والنيوترونات التي ملأت الكون بعد الانفجار العظيم. عندما تنخفض درجة الحرارة أدناه اندمجت المليار درجة والبروتونات والنيوترونات لتكوين الديوتيريوم (تفاعل 1) والفوتونات، جسيمات الطاقة النقية. ثم حدثت سلسلة من ردود الفعل من الديوتيريوم ، أهمها موضحة هنا. في نهاية هذا التركيب النووي البدائي، يتكون الكون أساسًا من الهيليوم 4 ج • هو) والبروتونات. التفاعلات الثلاثة الرئيسية للتخليق النووي البدائي نيوترون بروتون ديوتيريوم فوتون 0 + + ديوتيريوم بروتون هيليوم 3 و} + + ديوتيريوم هيليوم 3 وهيليوم 4.

شطحات ميتافيزيقية؟

عندما يقيّم إيلون ماسك ELON MUSK الحضارات الخارجية غير الأرضية:

صنع إيلون ماسك اسمًا لنفسه مرة أخرى من خلال التلميح إلى وجود حضارات قديمة خارج كوكب الأرض. وفقًا للملياردير الأمريكي، فإن الحياة الذكية من الممكن أن تختفي في الفضاء المأهول دون اكتشاف تكنولوجيا الفضاء. لهذا السبب فإن الأبحاث التي أجراها البشر تظل عبثًا. هذا البيان بالإضافة إلى فرضيات أخرى تم طرحها في محاولة لشرح "مفارقة فيرمي.  يبدو أن نظرية الرئيس التنفيذي لشركة سبيس إكس مستوحاة من دراسة نشرها علماء في مختبر الدفع النفاث ووكالة ناسا الفضائية ومعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في ديسمبر الماضي. جادل الباحثون بأن البشر هم آخر من ولد في مجرة درب التبانة. كانت هناك حضارات أخرى خارج كوكب الأرض، لكنها قد تكون انقرضت. تذكر أن الفيزيائي إنريكو فيرمي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1938 لمشاركته في تصميم أول قنبلة ذرية. في عام 1950، كان أول من شكك في وجود حضارات خارج كوكب الأرض وإمكانية وجودها بيننا بمعادلته الشهيرة وإنها ربما تعرضت إلى نوبات شبيهة بتلك الموجودة في الأرض؟ لن أتفاجأ إذا كانت هناك حضارات ازدهرت في مجرتنا وانهارت تدريجياً. كما وجدت حضارات عظيمة مثل حضارة السومريين، المصريين القدماء والبابليين. لقد تمكنوا من الوصول إلى تقنيات رائعة، لكنهم جميعًا هلكوا. يمكن أن تحدث أحداث مماثلة على كواكب أخرى يقول " ايلون مسك على الرغم من سنوات من البحث، لا تزال المفارقة قائمة. ومع ذلك، فإن هذا لا يمنع أكثر من واحد، حتى الأكثر عقلانية، من النظر في الاحتمال. هذه هي الطريقة التي ظهرت بها التكهنات في كل مكان. توجد الآن قوائم طويلة من الشهادات المتعلقة بتفشي الالظاهرة. حتى أن بعض الباحثين ، مثل أولئك في SETIمعهد  ، يستثمرون في البحث والتطوير لطرق أفضل لاكتشاف الحضارات الذكية خارج كوكب الأرض.  وللعثور على حضارة خارج كوكب الأرض، قد تضطر إلى البحث عن الثقوب السوداء وهي نظرية مبنية على معادلة فرانك دريك ظهرت الحضارات على الأرض متأخرة، وفقًا لباحثي مختبر الدفع النفاث. للوصول إلى هذا الاستنتاج، اعتمدوا على معادلة صاغها في عام 1961 عالم الفلك فرانك دريك. سمحت لهم هذه الصيغة بحساب احتمالات وجود حضارات خارج كوكب الأرض من عدد النجوم في مجرتنا وعدد الكواكب المناسبة للحياة. لاحظ أن البحث يدمج أحدث البيانات التي تم الحصول عليها من الأبحاث حول الكواكب الخارجية والمناطق الصالحة للسكن.  وهناك أيضاً نظرية الغابة المظلمة لشرح عدم وجود اتصال مع حضارة خارج كوكب الأرض لكي يكون الكوكب مناسبًا للحياة، يجب أن يفي بعدد من الشروط، مثل أن يكون على الأقل على مسافة 13000 سنة ضوئية بعيدًا عن مركز مجرته. لذلك سيكون من المحتمل للغاية أن هذه الحضارات الافتراضية القديمة خارج كوكب الأرض كان عليها التعامل مع تقلبات الطبيعة. كان من الممكن أن يكونوا تحت تهديد دائم بالدمار، تمامًا مثل الجنس البشري، حتى يحدث ما لا رجعة فيه. من بين الأسباب المحتملة التي كان من الممكن أن يكون سبب اختفائها هو الإشعاع، والتقدم التكنولوجي السيئ التحكم، وتغير المناخ، وحتى التدمير الذاتي.

هل يمكن أن يكون هناك كون مرآة على الجانب الآخر من الانفجار العظيم؟

إنه سيناريو خيال علمي حقيقي: قد يكون هناك أكوان أخرى غير كوننا. وحتى أكوان متعددة! منظور يجعلك تشعر بالدوار ... ولكن تتلاقى حوله الآن العديد من نظريات الفيزياء. نحن مقيدون بواحدة من مئات المليارات من الكواكب في مجرة درب التبانة، مجرة واحدة من بين 2000 مليار أخرى في الكون ... والتي بدورها قد تكون حبة غبار مفقودة بين بلايين آخرين؟ فكرة "الكون المتعدد" تجعلك تشعر بالدوار. ومع ذلك، فإن وجودها يتبع بشكل طبيعي العديد من النظريات الفيزيائية الحالية الأكثر صلابة، والنسبية العامة، والتضخم، والفيزياء الكمومية ... تعترف كل منها بإمكانية وجود كون متعدد، يتمتع بخصائصه الخاصة. وبالتالي، لن يكون هناك كون واحد ، بل العديد من الأكوان المتعددة! كانت الأكوان المتوازية تدور حولنا. أطروحة دافع عنها بجدية شديدة باحثون مثل ستيفن هوكينغ الشهير أو الفرنسي أوريليان بارو. المشكلة هي أنه ليس لدينا أي دليل على ذلك. الأسوأ من ذلك، لا أحد يعرف ما إذا كان من الممكن رصدها! "في الماضي، كان الكون على علاقة سببية مع كون آخر واحتفظ بأثرها. لا شيء أقل تأكيدًا، "يخشى فيليب براكس، أخصائي التضخم في الوكالة الأوروبية للفضاء CEA. لا يزال بعض الباحثين يقومون بهذا الرهان، ويتتبعون إشارات غير مفسرة يمكن تفسيرها على أنها آثار اتصال مع عالم آخر. أحدث مثال: تجربة أنيتا، التي أجرتها وكالة ناسا في القارة القطبية الجنوبية. في عام 2016، اكتشف بالون الطقس الستراتوسفير ثلاثة نيوترينوات عالية الطاقة للغاية لم يتمكن أحد من تفسير أصلها ... حتى الربيع الماضي. باحث من جامعة مدينة نيويورك هو لويس آنكرودوكي Luis Anchordoqui   اقترح بالفعل أن هذه النيوترينوات يمكن أن تكون دليلًا غير مباشر على أنه سيكون هناك كون مرآة "على الجانب الآخر من الانفجار الأعظم". وُلد في نفس الوقت مثل عالمنا، وسوف يكون مليئًا بالمادة المضادة ويجري الزمن فيه ... إلى الوراء ! ...

 

د. جواد بشارة

 

محمود محمد عليفي هذا المقال ننهي حديثا فيما يخص الثقافة الفلكية عند قدمائنا الشرقيين وتجلياتها عند الإغريق، حيث نناقش قضية مهمة تدور حول ما أخذه الفلكيون اليونانيون من علم الفلك عند قدماء الشرقيين؛ وهنا نقول لقد أخذ اليونانيين جل معارفهم الفلكية من المصريين والبابليين وهناك دلائل كثيرة على هذا، منها أن طاليس أخذ دورة الكسوف المتعاقبة عن القدماء المصريين والبابليين، الأمر الذى حدا به لأن يتنبأ للأيونيين باحتجاب ضوء النهار وحدد فى اثناء العام الذى وقع فيه هذا الاحتجاب بالفعل . كما أخذ " انكسمندر الملطى " (610-545 ق.م) عن المصريين والبابليين "آلة المزولة "واسمها فى اليونانية Gnomon . ويقول سارتون "وكان اختراع هذه الآلة فى بابل ومصر، ولكنها من البساطة، بحيث يمكن أن طاليس أو انكسمندر أو بعض اليونانيين الأوائل أعاد اختراعها".

ويعلل مؤرخ العلم الأمريكي "جورج سارتون" سبب اهتمام طاليس وانكسمندر وغيرهما بعلم الفلك إلى أنه من المحتمل جداً أن تكون المنابع الشرقية زادت فى تحريك فضولهم . ذلك أن البحارة والتجار الذين وفدوا إلى مطلية كانوا يجلبون معهم أفكار بابلية ومصرية .

ومن ناحية أخرى نجد "كليوستراتوس التنيدى " واحد من اليونانيين المهتميين بعلم الفلك، ويعزى الباحثون إليه أنه استطاع بفضل مشاهداتة الفلكية فى "تنيدوس " تحديد زمن الانقلابين بالضبط أن يدرك صور البروج منطقة وهمية فى السماء على جانبي فلك البروج، والحقيقة أن كليوستراتوس أخذ هذه الفكرة عن الفلكيين فى بابل، حيث كانوا يدركون أنه من المستحيل رؤية مسارات القمر والكواكب أثناء أى مدة من الزمن دون أن يدرك الرائى أن هذة الاجرام السماوية تسير فى منطقة ضيقة نسبياً، وأنها ليست بعيدة من جهة خط العرض عن الشمس (أو كما يقول فلك البروج).

كما ينسب إلى كيلوستراتوس التنيدى كشفاً آخر، وهو دورة فلكية فى ثمانية أعوام، وهى مدة تشتمل على عدد من الأيام والشهور القمرية والسنوات 365 وربع يوما × 8=2922 يوماً =99 شهراً، وكانت هذه الدورة معروفة كذلك للبابليين، ولعل كيلوستراتوس أخذها عنهم، أو أن تحديدهم للشهور والسنين يسر له إعادة كشفها، ولم تكن هذه الدورة إلا أولى دورات أخرى متعددة اكتشفها الفلكيون اليونانيون بين فينه وأخرى لخدمة أغراض التقويم .

وإذا انتقلنا إلى فيثاغورس (850- 497 ق.م) نجد أنه أول من نادى هو وأتباعه بكروية الارض، ولا يعرف كيف تم لهم ذلك . ومن المحتمل أنهم استعاروا هذه الفكرة من المصريين والبابليين، وقد أمكن بهذه الفرضية تفسير ظاهرة الكسوف والخسوف.

وهناك فلكيون يونانيون استفادوا استفادة كبيرة من الفلك المصري والبابلي، نذكر منهم على سبيل المثال : "يدوكسوس الكيندى " الذى يروى عنه المؤرخون أنه رحل إلى مصر للتعلم، حيث لبث ستة عشر شهراً فى مصر (فيما بين سنة 378وسنة 364) خالط في أثنائها الكهنة العلماء، وكان قد درس قبل ذلك فى الأكاديمية، وألم بالفلك الفيثاغورى، فلم يرضه كل ذلك، ولما كان فى تفكيره دقة أسخطه نقص الأرصاد فى هذا الفلك، ولم يكتف بما حصل عليه من أرصاد مصرية، بل عمل بأرصاد جديدة، وأقام لذلك مرصداً بين "هيلوبوليس " و"كركيسورا" ظل معروفاً حتى زمن الإمبراطور" اغسطس " (27 ق.م-14م) ثم بنى بعد ذلك مرصداً آخر فى بلدة "تينودوس" ولم يكن رصداً سهلاً، وكان آنا ذاك لايرى من خطوط العرض العليا، ويرجع علم " يودكسوس" بالفلك المصرى إلى المدة التى قضاها فى مصر، فهل كان ملما أيضاً بالفلك البابلى وهو أغزر مادة من الفلك المصرى . ليس لدينا ما يدل على أنه رحل إلى ما بين النهرين أو إلى فارس، ولكنه كان العلم القديم حق المعرفة.

وهذه المعرفة الواسعة التى اكتسبها "يودكسوس" أتاحت له أن يبتكر نظريات فلكية كثيرة ومن أشهرها اختراعه نظرية الكرات المتحدة المركز والتوسع فيها، وبهذا يعد مؤسس الفلك العلمى وأحد عظماء الفلكيين فى جميع العصور".

ونفس الشئ يقال عن أفلاطون، فقد تعلم من الشرقيين أموراً فلكية كثيرة، فمثلاً يعزى إليه زمن دورة كل من القمر والشمس والزهرة، واعتقد أن أزمنه دورات كل من الثلاث الأخيرة متساوية وأنها سنة واحدة، ولكنه لم يعرف أزمنه دورات الكواكب الأخرى، وهو مع ذلك يتكلم عن السنة الكبيرة عندما تعود الدورات الثمان إلى نقطة ابتدائها "دورات الأجرام السبعة مضافاً إليها دورة الكرة الخارجية" وتساوى هذه السنة الكبيرة 36000 سنة، فكيف قدرها، وأنه لم يقس شيئاً ، بل أخذها عما تواتر عن البابليين من فكرة النظام الستينى (42)، فمن بين أسس العدد 60 يوجد أس خاص يكثر وروده فى الألواح القديمة وهو 460=12،960،000، وهذا هو الرقم الهندسى عند افلاطون، وأن 12،960،000 يوم =36،000 سنة لكل منها 360 يوم، وهى " السنة الأفلاطونية العظمى " "مقدار مدة الدورة البابلية " وأن حياة الإنسان التى تمتد إلى مائة عام تحتوى على 36،000 يوم، أى  على عدد من الأيام بقدر ما تحتوي السنة العظمى من السنين، وهكذا فإن" العدد الهندسى " أى العدد الذى يحكم الارض ويضبط الحياة على الارض من أصل بابلى ولا ريب .

وإذا انتقلنا إلى" أرسطو" نجد أنه كان على دارية بالفلك المصرى، والبابلى، حيث يقول" تاتون": " أورد سيمبلكوس " Simplicus أنه بخلال فتوحات الاسكندر، أرسل كاليستان Callisthene إلى حالة أرسطو كشفاً بملاحظات الكشوف الفلكية الجارية منذ 1900 سنة قبل تلك الحقبة ". ومن خلال إطلاع أرسطو على تلك الكشوف استطاع التوصل لإثبات أن الأرض كروية لا محالة لكى يتحقق التماثل والتوازن، ثم إن العناصر التى تتراكم عليها تأتيها من جميع نواحيها، فلابد لهذه المتراكمات من أن تكون على شكل كرة . زد على ذلك أن حافة الظل أثناء خسوف القمر مستديرة دائماً، وإذا سار الإنسان شمالاً أو جنوباً تغير وضع نجوم السماء فتظهر نجوم لم يكن يراها من قبل، وتختفى نجوم كان يراها، وكون تغير ضئيل فى موضعنا " على خط الزوال " يؤدى إلى مثل هذا الاختلاف الكبير برهان على أن الأرض صغير، بالإضافة إلى غيرها، وإليك ما يقوله أرسطو فى ذلك :" هناك تغير كبير ؛ أعنى فى النجوم التى فوق رؤوسنا، وإن سار الإنسان شمالاً أو جنوباً، فإن النجوم التى تظهر له هى غير النجوم التى كان يراها من قبل،والواقع أن بعض النجوم التى ترى فى مصر وعلى مقربة من قبرص لا يمكن رؤيتها فى الأقاليم الشمالية . والنجوم التى لا تغيب أبداً فى الشمال تطلع وتغرب فى البقاع الجنوبية . كل هذا دليل على أن الأرض مستديرة وعلى أنها ليست كبيرة المقدار، ولولا أنها كذلك لما كان لهذا التغير الطفيف فى المكان هذا الأثر العاجل، ومن ثم لا ينبغى أن نجاوز الحد فى رد رأى القائلين بأن هناك اتصالا بين الجهات المحيطة بعمودى هرقل The Piller of hercules " جبل طارق" والجهات التى حول الهند، وربما يترتب على ذلك من أن المحيط واحد، ولهؤلاء دليل آخر هو مجرد الفيلة فى هذين الإقليمين مع بعد الشقة بينهما، فكأنهم يرون فى اشتراك الاقليمين فى هذه الخاصية دليلاً على اتصالهما ".

ولاشك فى أن هذا النص يدل دلالة واضحة على مدى تأثر أرسطو بالفلك عند المصريين والبابليين، وأن وفرة الأرصاد الشمسية والقمرية والكوكبية لدى اليونانيين فى القرنين الخامس والرابع ق.م، تدل على أنها قد جاءت من مصر ومن بابل ؛ حيث ذكر سيمبلكوس فى شرحه لكتاب Decaelo لأرسطو أن لدى المصريين كنزا من الأرصاد عن 630.00 وأن البابليين جمعوا أرصاد 1440000 سنة، ونقل سيمبلكوس عن بورفيروس تقديراً متواضعاً ؛ حيث ذكر أن الأرصاد التى كالليستنيس من بابل بناء على طلب أرسطو كانت من 31000 سنة وكل هذا إلى الخيال أقرب، وإن كان من الثابت أنه كان فى متناول الباحثين اليونانيين أرصاد شرقية لقرون عدة، وأنها كانت كافية لأغراض وقد حصلوا عليها من مصر ومن بابل ولا يمكن أن يكونوا قد حصلوا عليها فى بلادهم، ففى بلادهم آثر رجال العلم أن ينقطعوا للبحث الفلسفى كل على طريقته ولم توجد قط على مر العصور هيئة ترى الدأب على جميع الارصاد الفلكية وما مبالغات سيمبلكوس إلا إشادة بقدم علم الفلك عند المشارقة وباتصاله اتصالاً يدعو إلى الأعجاب ".

ولم تنقطع آثار المعارف الفلكية المصرية والبابلية عن اليونانيين فى القرنين الخامس والرابع، بل اشتدت وزادت بكثير خلال القرون اللاحقة، وخاصة فى القرنين الثانى والأول ق.م.

وكتاب " المجسطى " خير دليل على ذلك ؛ حيث يعرض فيه بطليموس نصوصاً كثيرة تبين ما عسى أن يكون للمصريين والبابليين من أثر فى تقدم الفلك اليونانى، فمثلاً يقول بطليموس أن نظريات " هيبارخوس " عن حركة القمر وحركات الكواكب السيارة مستمدة لدرجة ما بين الأرصاد البابلية ".

كما برهن الأب "كوجلر" على أن العينات التى أوجدها هيبارخوس لطول الشهر والوسطى والقمرى، والنجمى، والفلكى، والعقدي " تنطبق تماماً على العينات التى وجدت فى الألواح الكلدانية المعاصرة .

ومن ناحية أخرى فإن بعض مؤرخى العلم المنصفين قد حاولوا أن يبينوا أثر الفلك الشرقى فى تقدم الفلك اليونانى، فمثلاً يذكر سارتون أن الأفكار التنجيمية التى انبعثت من فارس وبابل، قد دمجت فى عهد باكر بتصورات الفيثاغوريين والأفلاطونيين . كما يذكر أيضاً أن التقويم اليوناني الذى أسس سنة 45 ق.م، قام على أساس التقويم المصرى القديم 50). كما يذكر أيضاً أن البابليين كانوا أول من فكروا فى أسبوع يتالف من سبعة أيام، فعند البابليين نشأت فكرة الأيام السبعة من أصل كواكبى (ذلك أنهم عرفوا سبعة كواكب سيارة تشمل الشمس والقمر) . وقد شاع استعمال فكرة هذه الأيام فى الأزمنة الهيلنستية، فكانت أسماء الكواكب تترجم إلى اليونانية أو تعطى ما يقابها من أسماء مصرية فى مصر فى عهد البطالمة.

مما سبق يتضح لنا أن علم الفلك عند اليونان لم يأت على غير مثال، بل كان نتيجة جهود الشرقيين السابقين فى مصر وبابل وفارس والهند ثم حاول فلكيو اليونان أن ينظموا ما أخذوه عن الشرقيين، فكان ذلك الفلك اليونانى .

وهناك حقيقة نود أن نشير إليها هنا ألا وهي يجب أن لا نغفلها، وهى أننا فى أى جيل من الأجيال السابقة لا نجد مفكرا ما ممن ينسب إليهم أبداع أو ابتكار أو أصالة أو تجديد فى عصره، إلا ونجده قد تأثر بصورة أو بأخرى وبدرجة أو بأخرى، بمفكر آخر أو أكثر من المفكرين السابقين عليه، أو المعاصرين له ممن يشاركون أو يماثلونه فى الاهتمام بهذا المجال الفكرى أو ذاك . ذلك لأن المفكر لا يبدأ من فراغ ولا ينطلق من نقطة الصفر، وإنما ينشأ ويتربى فكريا أولاً وأخيراً على تراث السابقين .

وإذا كان اليونانيون قد أخذوا كثيراً عن المصريين والبابلين أصول علم الفلك، فإن هذا لا يفضى إلى إلغاء شخصياتهم العملية ومعطياتهم الإبداعية فى مجال علم الفلك، بل بالعكس أن لديهم طاقات متجددة ومبادرات خلاقة أضافت إلى رصيد الإنسانية قيمة لا تقدر .

ولكى نبين جهود وإبداعات اليونانيين فى علم الفلك، لا نجد بداً من أن نغض النظر بعض الشئ عن الترتيب الزمنى، ذلك لأن جهودهم وإبداعاتهم فى مجال علم الفلك لا حصر لها  ونكتفى ببعض الأمثلة وذلك فيما يلى :

1- افتراض الفيثاغوريون أن الأجرام السماوية ذات شكل كروى وأنها فى مدارات دائرية، وأنكروا أن تكون الأرض ثابتة فى مركز الكون، وجعلوا بدلاً منها ناراً مركزية، وأحدثوا بذلك ثورة على التصور القديم بهيئة الفلك، وقد شاعت فكرة كروية الأرض، وأخذ بها أغلب فلاسفة الإغريق . غير أنهم اعتقدوا أنها ثابتة فى مركز الكون، وكان الفيثاغوريون يقديون الأرقام ويرون أن لها صفات خاصة، وتصوروا السماء ذاتها على أنها توافق أرقام، وأن المسافات بين الأجرام السماوية إنما تخضع هى الأخرى لنسب رقمية معينة، وكانوا يرون فى الرقم عشرة صفات عجيبة واعتبروه عددا تاماً كاملاً؛ حيث يضم خصائص الأعداد، وعلية فإن الأجرام السماوية لابد أن تكون عشرة، ولما كانت الأجرام المعروفة وقتذاك تسعة فقط " الشمس، الأرض، القمر، عطارد، الزهرة، المريخ، المشترى، زحل، النجوم، الثوابت " فقد أضافوا جرماً عاشراً، جعلوه أرضا مقابلة . واعتقد الفيثاغوريون أن الشمس والقمر والكواكب، كأنها مرتكزة على كرات مجسمة وتدور حول النارية المرتكزة، ويتولد عن دورانها الموسيقى السماوية،، وأن الأرض تدور من الشرق إلى الغرب " ولا يعرف كيف تم لهم معرفة ذلك مرة كل يوم " نهاره وليلة " . أما الشمس فإنها تدور حول النار المركزية مرة كل عام، وعللوا عدم رؤية النار المركزية بأن وجه الأرض المقابل لنا يتحرك دائماً بعيداً عن هذه النار المركزية . كذلك عللوا عدم رؤية الأرض المقابلة بوجود النار المركزية دائما بين الأرضين .

2- يحظي الفكر اليوناني في العصر الهيليني بعلماء وفلاسفة اهتموا اهتماماً كبيراً بعلم الفلك من أهمهم "يودكسوس"، الذي اشتهر في علم الفلك بنظرية الكرة المتمركزة، تلك النظرية الجميلة التي ابتدعها ليفسر الحركة الظاهرية للسيارات، وبصفة خاصة النقط التي تبدو ثابته فيها وما يظهر عليها من التراجع، والنظرية تصدق أيضاً علي الشمس والقمر، وقد استخدم يودكسوس لكل منها ثلاث كرات، وقد مثل حركة كل سيارة كأنها ناشئة من دوران أربع كرات متداخلة متحدة المركز مع الأرض وتتصل علي الوجه التإلي، كل كرة من الكرات الداخلة تدور حول قطر ثبت طرفاه ( القطبان ) في الكرة التالية التي تحيط بها. فأما الكرة الخارجية فتتمثل الدورة اليومية، والثانية تمثل حركة على محيط الدائرة البروجية، وقطباً الكرة الثالثة مثبتان فى الكرة السابقة، وقطبا الكرة الرابعة ويحملان السيارة مثبته على خط استوائها قد ثبتا على الكرة الثالثة ورتب فرع الدوران واتجاهاته بحيث ترسم السيارة على الكرة الثابتة منحنيات يسمى حدوة لحصان أو شكل حرف ثمانية بالغة الإفرنجية، وهو يقع على طول الدائرة (البروجية) ويتناصف بها والترتيب بأجمعه يدل علي ذكاء هندسى خارق .

3- فى القرن الثانى بعد الميلاد جمع كلوديوس بطليموس " 90- 167م" الذى أسماه العرب بطليموس القلوزى أو القلوذى " كل المعارف المتاحة فى الفلك ونسق بينها وشرحها وهذبها وأزال غموض بعضها وأضاف إليها وضمها فى كتابه المشهور " التصنيف الرياضى " ويقع فى 13 مجلداً، وترجمه العرب باسم " المجسطى " وشرح فيه بطليموس الظواهر الفلكية وحركات الشمس والكواكب وطول اليوم وأوقات الشروق والغروب للنجوم فى مختلف المناطق على سطح الأرض، وأتى بالبراهين الصحيحة على كروية الأرض، وذكر شيئاً عن المثلثات الكروية، وطول السنة والشهر القمرى، وشرح أدوات الرصد وأهمها الإسطرلاب، وظاهرتى الكسوف والخسوف، وقد ظل هذا الكتاب المرجع الأساس لعلم الفلك فى الشرق والغرب بعد ذلك .

وقبل بطليموس كانت لعلماء الاسكندرية فى الفلك آراء مبتكرة فى علم الفلك، من أهمهم " أريستارخوس " " ت23 ق.م " وقد أحدث أريستارخون ثورة فى التصور الفلكى القديم للكون " هيئة الفلك " بأن جعل النجوم الثوابت والشمس ساكنة لا تتحرك وجعل الأرض والكواكب السيارة هى التى تتحرك حول الشمس فى محيط دائرة الشمس مركزها، وهو بذلك قد أحل الشمس محل النار المركزية فى نظام الفيثاغوريين، وافترض أريستارخون أن الأرض تدور فى فلك مائل، وفى نفس الوقت تدور حول محورها الذى تدور علية، واعترض معاصروا أريستارخون " من أمثال " بطليموس " على هذه النظرية ولم يقبلوها، والتى تعتبر أعظم اكتشاف فلكى فى العصور القديمة،ولكنه لم يكتب له الذيوع والشهرة وتمسك الفلكيون بالتصور

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد علينعود ونستأنف حديثنا حول الثقافة الفلكية عند قدمائنا الشرقيين وتجلياتها عند الإغريق، وهنا نناقش الثقافة الفلكية عند العراقيين والصينيين والهنود، وهنا نقول: اهتم العراقيون؛ وبالأخص البابليون بعلم الفلك اهتماماً كبيراً، لدرجة أن قدماء اليونانيين كانوا يعزون إليهم نشأة علم الفلك.

ويكفينا فى هذا الصدد أن البابليين كانوا فى علم الفلك شأنهم شأن قدماء المصريين، حيث سجلوا مشاهدات دقيقة عن مواقع الاجرام السماوية لمدة تربوا عن ألفى سنة، وعرفوا الكواكب السيارة، واكتشفوا الكسوف والخسوف، ووصفوا المزولة والساعات المائية .

غير أنه كعاده دعاة المعجزة اليونانية التنكر للشرقيين القدماء، فلقد انتقد "دى بورج" (في كتابه " تراث العالم القديم) الفلك البابلي، حيث ذهب بأنه فلك قائم على نزعة عملية بحتة خالية من أى نظرية، وفى هذا يقول " أن الفلك البابلي قائم على الملاحظة، غير أن مجرد الملاحظة ليس بعلم . ويتضح هذا عندما نبحث عن النفع الذى حققه الفلكيون البابليون من هذه السجلات، وبينما كشف الإغريقي فى قرن واحد من الزمان السبب الحقيقي للكسوف والخسوف، فإن البابليين لم يواتهم أبداً حتى أن يصلوا إلى التفسير المعقول لهما، لقد استخدموا معطياتهم لأغراض فلكية خالصة، فإذا حدث أن كسوفا أعقبة مرة، حرب مع عيلام، فإن حرباً مع عيلام كأن قد تنبئ به من حدوث الكسوف، والملاحظة مهما كانت دقتها التي ينتفع بها لمجرد أن تكون أساساً لاستنتاجات يجمع فيها، لا يأتي من وراها معرفة علمية .

والحقيقة أن النظرة فيها تحيز واضح وبعد عن الحقيقة، والصواب، فلم تكن  المعارف الفلكية عند البابليين كلها قائمة على الخيال والتنجيم، ويكفينا دليلاً لإثبات تهافت هذه النظرة أن البابليين استطاعوا أن يضعوا تقويماً فلكياً يستند أساساً على حركة القمر " تقويم قمري"، حيث جعلوا طول الشهر القمري يتراوح ما بين 29 و30 يوماً بالتتابع؛ ومعنى أن الشهر ذا التسعة وعشرين يوماً يعقبه شهر ذو ثلاثين يوماً، وهكذا حتى ينقضي العام، ولذا جاء معدل اثنى عشرا قمريا "384 يوماً " جاء بعام أطول من السنة الشمسية، ولكى يوفقوا بين الدورتين القمرية والشمسية استخدم البابليين اثنى عشرة شهراً قمرياً، مع إضافة شهر ثالث عشر عند الضرورة، وصار التقويم نموذجاً للتقاويم اليهودية والإغريقية أو الرومانية بعد ذلك،حتى منتصف القرن الأول قبل الميلاد .

ولما كانت طبيعة الشهر القمري تدعو إلى تقسيمه فترات متميزة بأوجه القمر،  فقد قسم البابليين الشهر إلى فترات كل منها سبعة أيام، غير أن الأسابيع البابلية لم تكن مستمرة فى نظام تتابعها مثل أسابيعنا الآن، بحيث لا يتقيد أول الاسبوع بأول الشهر، بل كان نظام الأسبوع البابلي هو ضرورة أن يكون اليوم الأول من كل شهر هو اليوم من الأسبوع الذى يقع فيه، وقسم البابليون اليوم إلى 24 ساعة والساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة 60 ثانية، حسب النظام الستينى .

كما توصل البابليون إلى كشف ظاهرتي الكسوف والخسوف و كما عرفوا المزولة الشمسية والساعة المائية والبولو Polos وهى أداه كان يستعملها البابليون، وكانت مؤلفة من نصف كرة جوفاء قطرها كبير وحدبتها نحو السماء، وعلق فوق هذه الكرة بشكل مثبت مع مركزها جلة صغيرة تعترض نور الشمس، أما ظلها فينفذ على السطح الداخلي للكرة، وهكذا ترسم حركة الشمس فى باطن البولو . أما انحناء دائرة البروج فيقرأ مباشرة فى الآلة، وكذلك تاريخ تساوى الفصول وتاريخ انقلاب الشمس الصيفي والشتوي.

وعن طريق استخدام تلك الأدوات استطاع البابليون رصد مجموعات نجمية كثيرة، وأهم أرصاد البابليون لتلك المجموعات إرصادهم الخاصة بالزهرة ؛ حيث عرفوا أول ظهور الزهرة، وأخر ظهورها، أى عند غروب الشمس وشروقها، كما عرفوا طول مدة اختفائها، كما عرفوا اقترانها "584"يوماً، وأدركوا مدة الثماني السنوات التي تعود فيها الزهرة إلى الظهور، فتظهر خمس مرات فى نفس المواضع كما تشاهد من الارض .

كما عرف البابليون أن القمر والكواكب السيارة ولا تبتعد  فى حركتها مسافة بعيدة فى خط العرض عن مدار الشمس فى منطقة البروج، كما رصدوا المواضع النسبية للكواكب والنجوم  فى تلك المنطقة الضيقة من السماء، ثم أنهم حسبوا مدة قران عطارد بخطأ لا يتجاوز الخمسة الأيام، على أن الكبير فى ميدان  المعرفة الفلكية هو المعرفة العامة، إذ الواقع كما يقول "جورج سارتون" أنهم المؤسسون للفلك العلمي، وأن النتائج المدهشة التي حصل عليها الفلكيون الكلدانيون والإغريق من بعدهم أمكن تحقيقها بفضل استنادها إلى الأساس البابلي .

ومن ناحية أخرى لا ننكر أن الفلك البابلي كان مرتبطاً بالتنجيم إلى حد ما فمثلاً:

1- ربط البابليون بين الظواهر الفلكية والأحداث التى تقع على الأرض، فإذا أحاطت بالقمر هالة معتمة دل ذلك على أن الشهر ماطر، وإذا أحاطت هالة، وكانت فتحتها نحو الجنوب، هبت الرياح من الجنوب، وإذا كان المريخ مرئياً فى شهر يوليو "تموز " كان ذلك إنذار بوقوع هجوم عسكرى، وإذا شوهد عطارد فى الشمال، وقعت حرب فى ذات الجهه، وإن دنا المريخ من الجوزاء.. كان ذلك إنذار بموت الملك ووقوع الفتن والفوضى التى تعم البلاد.. وغير ذلك من التنبؤات الغربية فى التراث البابلى.

2- حين رصد البابليون ظاهرة خسوف القمر، اعتبروا هذا الخسوف فألاً حسناً، وأعوزه إلى عمل الشياطيين التى تحاربه وتمنع ظهوره، وكان على الكهنة أن يشعلوا ناراً على مذابح الدقورات، وينشدون الأناشيد الدينية، وخلال خسوف القمر يتخلى الناس على غطاء رؤوسهم المعتاد ويغطونها  بثيابهم، ولكى لا تصيب المدينة الكوارث، كان على الناس أن يعلو صراخهم ويشتد عويلهم وينوحوا حتي ينتهى الخسوف، ويظهر القمر من جديد وعندئذ يتوقف الناس عن الصراخ ويطفئ الكهنة النار التى أشعلوها فى مذابح الدقورات.

3- حين رصد البابليون المجموعة النجمية، قسموها إلى اثنى عشرة مجموعة أو برجاً، وتصوروا أن لكل  برج رئيسي من الآلهة المستشارين، وكانوا يعتقدون أن الشمس تقوم بزيارة هذة الأبراج وتبقى شهراً فى ضيافة كل واحد منها على التوالي، وهكذا حتى ينتهى العام تكون الشمس قد زارت الاثني عشر برجاً، ومكثت ثلاثين يوماً عند كل برج ما عدا الأخير، فإنها تظل فى زيارته لمدة خمسة وثلاثين يوماً، وبذلك تكون الشمس قد أتمت 365 يوماً فى زيارة المجموعات النجمية (أى سنة شمسية). ويقال أن هذه المجموعات النجمية الأنثى عشر أصبحت الآن تشكل دائرة البروج " (زودياك) وكما أن هناك أجرام سماوية فى السماء العليا تؤثر على الأحياء وتحدد مصائرهم، واعتقد البابليون أيضاً أن هناك أجرام سماوية غير مرئية فى السماء السفلى وتؤثر على الأصوات فى العالم الآخر.

ولاشك أن السعي إلى التنجيم والتنبؤ بالطالع كان من أهم الأسباب التى حفزت البابليون على الاهتمام  بعلم الفلك  .

وننتقل للحديث عن الثقافة الفلكية عند الصينين والهنود، حيث تأثرت شعوب الشرق الأقصى بالفلك عند المصريين والبابليين، فنجد أن الصينيين قد عرفوا السنة الشمسية المكونة من 365 يوماً وربع اليوم، ثم السنة القمرية وتتكون من12أو13 شهراً قمرياً. وعرفوا الدورات الفلكية التى تتراوح مدتها من19 إلى 76 سنة وحتى 31420 سنة .

كما عرف الصينيون المجموعات النجمية وحصروا منها 28 مجموعة نجمية أو برجاً وعرفوا كسوف الشمس وخسوف القمر . كما وصفوا الجداول الفلكية واستخدموا أدوات رصد أهمها: المزولة الشمسية والساعة المائية 000 وغيرها .

وأما الهنود فقد كان شأنهم شأن الصينيين فقد اهتموا بعلم الفلك: حيث رصدوا مجموعتين من النجوم تضم إحداهما 27 نجماً، والأخرى 18 نجماً، واعتبروا هذه المجموعة بمثابة بيوت القمر التى ينزل فيها تباعاً فى دورانه الشهري الذى يستغرق 27 يوماً أو 28 يوماً و .واستخدم الهنود تقويماً شمسياً وآخر قمرياً، وقسموا السنة إلى360 يوماً موزعة على اثنى عشر شهرا، وجاء ذكر لاسم شهر ثالث عشر الصافى من 25 أو 26 يوماً وأحياناً 30 يوماً، وذلك لسد الفرق بين القمرية والسنة الشمسية،وكانت تضاف هذه الأشهر الإضافية كل خمس سنوات وبعدها يعتبر كل من قد أكمل عدداً من الدورات الكاملة، وطول دورة الخمس سنوات هذه 1830 يوماً "60 شهراً كل منها 30 يوماً . بالإضافة إلى شهر آخر" وقسموا السنة إلى ثلاث فصول متساوية طول كل منها أربعة أشهر وعرفوا الأسبوع الذى يتألف من سبعة أيام تسمى بأسماء الكواكب.

ومن ناحية أخرى اعتقد الهنود القدماء فى وجود دورات فلكية معينة تتم فى الكون وتكمل فيها بعض الاجرام السماوية دورة خاصة إحداهما فى سنة "الإلهية " طولها 360 يوماً إلهياً  وهى تعادل360 سنة شمسية، وكان لدى فلكى الهنود سنة كونية كبرى، وهى حقبة زمنية تتواجد فيها مجموعة من الأجرام السماوية فى موقع معين بعد أن يكون كل منها قد أتم عدداً كاملاً من الدورات الكاملة، وكان طول هذه السنة الكونية 4320000 سنة شمسية وهى تساوى 1200 سنة الهية "12000×360=432000 " .

والجدير بالذكر أن المؤرخ العربي أحمد ابن أبى يعقوب ذكر فى كتابة "تاريخ اليعقوبي " هذا النص: " ... وقالت الهند ان الله عز وجل خلق الكواكب فى أول دقيقة وهو أول يوم فى الدنيا ثم سيرها فى ذلك الموضع فى أسرع  من طرفه العين، فجعل لكل كوكب  منها سيرا معلوما حتى يوافى جميعها فى عدة أيام السند هند إلى ذلك الموضع الذى خلقت أيام الدنيا من السند هند منذ أول ما دارت الكواكب إلى أن تجتمع  جميعا فى دقيقة الحمل كما كانت يوم خلقت " دورة كاملة "4320000000 سنة شمسية .

ومن ناحية أخرى يذكر "البيروني" أن للهنود اهتمامات فلكية، منها أنهم أحصوا جداول فلكية ورصدوا حركات الكواكب وخسوفات الشمس والقمر ونظام الكون وأعمال أخرى خاصة بالتنجيم .بالإضافة إلى وصف بعض أدوات الرصد كالمزولة الشمسية وجهاز الكرة ذات الحلقات "الكرة المحلقة ....الخ" .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

جواد بشارةمن الكون الواحد إلى الكون المتعدد: De l’Univers au multivers

`` كم عدد العوالم المعطلة، والمفقودة، التي تبددت، وأصلحت وتبددت ربما في كل لحظة، في أماكن بعيدة ... حيث تستمر الحركة وستستمر في دمج مجموعات من المادة، حتى أنهم حصلوا على بعض الترتيبات التي يمكنهم المثابرة فيها؟ " دينيس ديدرو، رسالة عن المكفوفين.

هل نظرية الكون المتعدد خيال علمي أم حقيقة علمية؟ يمكن أن توجد أكوان موازية، سواء تمكن علماء الكون من إثبات ذلك أم لا. علم الفلك يدرس موضوع الأكوان المتعددة وكذلك علم الكونيات الكوسمولوجيا ويتكون الكون المتعدد من عدة أكوان منفصلة ومتميزة، والسؤال هو هل نعيش في كون متعدد؟ لقد فكر الحالمون في اليقظة ومؤلفو الخيال العلمي في الأكوان الموازية وطالما وصف العلماء أكواننا متجاورة ومتباعدة ومتداخلة ومتوازية لكنها تظل غامضة ومحض خيال. يحتوي كوننا على كل ما نعرفه - من الكواكب والنجوم والمجرات إلى المكان والزمان نفسه. وهو حقًا مذهل في الحجم، ويمتد على حوالي 93 مليار سنة ضوئية، وفقًا لتقديرات علماء الفلك. هذا أكثر مما يمكن أن يأمل جنسنا في استكشافه. ولكن ماذا لو لم يكن كوننا هو الوحيد؟ ماذا لو كانت الأكوان البديلة تتنقل على طول المدى الزمكاني دون أن يتم اكتشافها، "بجوار" عالمنا؟ يسمي علماء الكونيات هذه الفكرة بالكون المتعدد، وهناك سبب وجيه للنظر في هذا المفهوم. في الواقع، يعتمد العديد من أفضل النماذج العلمية لإنشاء كوننا في الواقع على وجود كون متعدد. نظريات تشير إلى أكوان بديلة لم يتم دفع فكرة الكون المتعدد إلى المجتمع من قبل كتّاب الخيال العلمي الخياليين فحسب، بل ولدت من مبادئ أخرى، مثل نظرية الأوتار وميكانيكا الكموم. حتى نظرية التضخم الكوني، التي تقع في قلب الأفكار الحالية لعلماء الفلك حول كوننا، تتنبأ بوجود كون متعدد. قد يعج الكون المتعدد بأكوان أخرى متطابقة تقريبًا مع كوننا - أو قد تكون مختلفة بشكل لا يمكن تصوره. في كلتا الحالتين، تفتح عوالم الأكوان المتوازية العديد من الاحتمالات المثيرة للاهتمام (والمحيرة للعقل). كما تصور العديد من المؤلفين على مر السنين، إذا كان هناك أكوان أخرى لا حصر لها، فهناك على الأقل بعض الأكوان التي تحتوي على أشباه أو نسخ من نفسك. لكن هذه النسخ البديلة منك قد تواجه أيضًا حقيقة فيزيائية مختلفة تمامًا، لأن قوانين الطبيعة ليست بالضرورة هي نفسها لكل كون. الأنواع الأربعة من الأكوان المتوازية وفقًا لعالم الرياضيات وعالم الكونيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ماكس تغمارك Max Tegmark، يمكن أن يأتي الكون الموازي بأربع نكهات مختلفة. لا يمكن أن يكون للكون الموازي شيء جديد نوعيًا ومختلفًا عن كوننا. يمكن أن يكون للكون الموازي قوانين أساسية مختلفة تمامًا للفيزياء. يمكن أن يكون للكون الموازي نفس القوانين الأساسية للفيزياء، لكنه بدأ بشروط أولية مختلفة. يمكن أن يكون للكون الموازي نفس القوانين الأساسية للفيزياء، لكن بلوائح داخلية فعالة مختلفة. رفض العديد من العلماء فكرة الكون المتعدد على مر السنين بسبب حقيقة واحدة بسيطة: إذا لم تتمكن من مغادرة كوننا، فلا توجد طريقة لإثبات وجود أي أكوان أخرى. ومع ذلك، لا يتفق الجميع مع هذه الفرضية، نحتاج لدليل على وجود كون متعدد فكيف نثبت أننا نعيش في كون متعدد؟ إذا اصطدم كوننا بآخر، فسيقدم بعض الأدلة - رغم أنه من غير الواضح ما إذا كنا سنبقى على قيد الحياة لدراسته. وقد اقترح بعض المنظرين أن الأكوان المتصادمة يمكن أن تترك بقعًا باردة أو نقاطًا ساخنة على الخلفية الكونية الميكروية (CMB)، الشفق اللاحق للانفجار العظيم. إذا كان الأمر كذلك، يجب أن نكون قادرين على اكتشاف تلك البقع من خلال عمليات مسح السماء المتقدمة. قد توفر موجات الجاذبية - تموجات في نسيج الزمكان - دليلاً يدعم نظرية التضخم الكوني. تتنبأ النظرية بأن موجات الجاذبية المتبقية من الانفجار العظيم يمكن أن تضع تجعيدات صغيرة في CMB، والتي تبحث عنها بعض التلسكوبات بنشاط اليوم. إذا تمكن الباحثون من اكتشاف مثل هذه التجاعيد في الخلفية الأحفورية الميكروية الإشعاعية المنتشرة CMB - كما اعتقدوا في عام 2014 - فقد يؤدي ذلك في النهاية إلى تعزيز الدعم لفكرة وجود شخص آخر هناك، يمارس حياته اليومية في عالم بديل، مما يثبت صحة كتاب الخيال العلمي مرة اخرى. أو ربما لا. ربما ليس لدينا عدد لا يحصى من الأقارب الكونيين. وربما هذا ليس بالأمر السيئ.

 مصطلح "الكون المتعدد multivers " استخدم لأول مرة في 1895 من قبل عالم النفس الأمريكي وليام جيمس William James في سياق الأخلاق: "الطبيعة المرئية هي فقط اللدونة واللامبالاة، كون أخلاقي متعدد، إذا جاز التعبير، بدلاً من كونًا أخلاقيًا واحداً"، كما كتب وليام جيمس. اليوم، دخلت المذهب الجديد مفردات بعض علماء الفيزياء النظرية ولكن بمعنى مختلف جذريًا، في إشارة إلى وجود الكون بالمعنى المادي والحقيقي للمصطلح. حاول أرسطو في كتابه الميتافيزيقيا إثبات وحدة الكون – وهي حجة تم تناولها بشكل ملحوظ في القرن التاسع من قبل عالم الرياضيات ثابت بن قرة ومعلقين آخرين. لكن في العصور الوسطى بدأت الأصوات تتحدى العقيدة الأرسطية. تساءل الغزالي في الشرق وجون دونس سكوت Jean Duns Scot في الغرب عما إذا كان الله قد خلق "أفضل ما في كل العوالم الممكنة"، معترفًا ضمنيًا أنه كان بإمكانه خلق أكوان أو عوالم أخرى. إن الإدانة الصادرة في عام 1277 من قبل أسقف باريس إتيان تيمبير Étienne Tempier  ضد 219 اقتراحًا فلسفيًا ولاهوتيًا من ذوي الإلهام الأرسطي أو الرشدي ( نسبة لإبن رشد) شجب بشكل خاص فكرة تفرد العالم، لأن ذلك، وفقًا له، يأتي على عكس القدرة الإلهية المطلقة. . في مقالاته وأبحاثه عن الثيوديسية Essais de théodicée  التي نُشرت عام 1710، تخيل جوتفريد فيلهلم لايبنيز Gottfried Wilhelm Leibniz أنه يمكن أن يكون هناك عدد لا نهائي من الأكوان مزودة بقوانين طبيعة مختلفة، شريطة ألا تؤدي إلى تناقضات منطقية. ومع ذلك، فإن حجة لايبنيز تصطدم بالعائق الفلسفي الذي طرحه أرسطو بالفعل فيما يتعلق بمفهوم اللانهاية "الحالية" - والتي ستتحقق فعليًا في الطبيعة - مقابل فكرة اللانهاية "المحتملة". - التي يمكن أن توجد فقط كخيال مفيد للفكر، بدون نظير مادي أو فيزيائي • وفقًا للتقليد الأرسطي، قدر لايبنيز أن عددًا لا نهائيًا من الأكوان المتماسكة منطقيًا لا يمكن أن تكون "في الواقع" حتى من قبل إله كلي القدرة dieu omnipotent، وأن هذا الأخير كان سيختار العالم الحالي على أساس معيار كونه "الأفضل". le meilleur possible إن الرد المذهل على الصراع الصارخ بين التصور اللايبنيزي لكون واحد، الذي يُفترض أنه أفضل ما يمكن، والواقع التاريخي الذي لا يتوقف أبدًا عن إثبات العكس، ليس بأي حال من الأحوال نظامًا فلسفيًا، بل نظامًا ماديًا، فيزيائي -رياضياتي physico-mathématique، تروق للمفارقة الظاهرة لـ "الضبط الدقيق réglage fin " للمعلمات والمعايير الكونية paramètres cosmologiques والتفسير المحتمل لهذا من حيث الكون المتعدد المادي multivers physique أو التعدد الكوني الفيزيائي.

 الهشاشة الظاهرة للكائنات الحية:

 اعتبر عالم الفيزياء الفلكية البريطاني مارتن ريس Martin Rees أنه في عالم به قوانين فيزيائية تعسفية، كانت ظروف ظهور الحياة غير محتملة للغاية، لأنها تتطلب ضبطًا دقيقًا للغاية بين قيم ستة ثوابت عالمية وظروف ظهور الهياكل المعقدة مثل تلك الموجودة في الكائنات الحية. وبحسب قوله فإن هذه الأرقام الستة هي: - عدد أبعاد الفضاء ؛ فمنذ عام 1917، جادل بول إهرنفست Paul Ehrenfest جادل بأن الحياة - كما نعرفها على أي حال - يمكن أن توجد فقط في الزمكان الرباعي الأبعاد، وإلا فإن الأنظمة الذرية والكواكبية ستكون غير مستقرة - النسبة بين شدة تفاعل الجاذبية والتفاعل الكهرومغناطيسي الذي يعتمد عليه تكوين النجوم جزء من الطاقة الكتلية للنواة الذرية أطلق في التفاعلات النووية، ويسمح للنجوم بتكوين ذرات ثقيلة عن طريق الاندماج ؛ قيم الثابت الكوني والكثافة الكلية للمادة -الطاقة في الكون، والتي تنظم معدل التوسع الكوني ؛ - الجزء من الكتلة -الطاقة masse-énergie لعنقود من المجرات، المطلوب لتفريقها ثقاليًا، والذي يعتمد عليه التوزيع الواسع النطاق للهياكل الفلكية. وفقًا لريس، فإن أي انحراف، مهما كان صغيراً، عن القيم التي تمتلكها هذه الثوابت العالمية في كوننا من شأنه أن يمنع ظهور الكائنات الحية. حتى لو كان بإمكان المرء مناقشة هذا الاختيار المحدد لستة ثوابت أساسية لتقييد مظهر الحياة، تظل الحقيقة أن أي اختلاف لعدد معين من الثوابت في الفيزياء (مثل مضاعفة كتلة البروتون) غير مواتية له، وقد سبق وريس في هذا الاتجاه باحثين مثل روبرت ديك Robert Dicke أو براندون كارتر Brandon Carter  أو جون بارو John Barrow. والذين طوروا مفهوم "المبدأ الكوني الأنثروبي principe anthropique cosmologique «، والذي بموجبه لا يمكن للحياة أن تظهر إلا في كون قوانينه الفيزيائية قريبة جدًا من تلك التي تسود في عالمنا. نظرًا لأن هذه القوانين تستند إلى ثوابت عالمية ثابتة بمرور الوقت، فإن هذا يعني أن مجموعة محدودة للغاية من الشروط الأولية هي فقط مواتية لتطوير التعقيد la complexité. هذه مفارقة، على الأقل ظاهرياً، تسمى "الضبط الدقيق" للبارامترات الكونية. Réglage fin des paramètres cosmologiques. أول تبرير ممكن هو "التصميم الذكي" dessein intelligentفي هذه الحالة اعتناق أطروحة الروح الإبداعية الخلاقة Esprit Créateur التي كانت ستختار بحكمة وبدقة شديدة ضمن مجموعة لا نهائية من القيم الأولية المحتملة تلك التي تسمح بوجودنا. على الرغم من أن هذا المنطق يستند إلى نتائج ذات طبيعة فيزيائية، فإن نفس هذا المنطق يتضمن أو ينطوي على وجود إله خالق هو من ضبط المعايير الكونية وهذا ليس بأي حال من الأحوال تفسيرًا علميًا (إنه ليس حتى ليس تفسيراً لاهوتًا جيدًا.). بشكل عام، يوضح تاريخ العلم أن تقدم المعرفة يسقط بشكل منهجي جميع أنواع التفكير النهائي finaliste - الحالة الأكثر إقناعًا هي حالة نظرية الانتقاء الطبيعي، والتي وفقًا للبنى المعقدة التي لوحظت في النباتات والحيوانات هي نتيجة الطفرات العشوائية mutations au hasard وهي نتيجة عمل حرفي هاوي bricolage ناجح، وليس اختراع أو تصميم مبرمج. قامت نظرية تشارلز داروين بتفكيك "حجة الساعة" التي اقترحها القس الإنجليزي ويليام بالي William Paley في عام 1802، والتي وفقًا لها، أظهرت الساعات، مثل النباتات والحيوانات، من خلال بنائها المعقد تصميمًا تصوره ذكاء متفوق. une intelligence supérieure لذلك اقترح الباحثون في الفيزياء الأساسية physique fondamentale تفسيرًا آخر للضبط الدقيق، والذي وفقًا له يكون كوننا الخاص جدًا مجرد إدراك أو إنجاز عشوائي ضمن مجموعة كبيرة جدًا، بل وحتى لانهائية من الأكوان "المتوازية d'univers « parallèles " التي تجمع جميع الاختلافات والتنويعات الممكنة لثوابت الطبيعة: التي تفرز كونناً تعددياً ، سنجد أنفسنا في هذا الكون المرئي الذي نعيش فيه و الذي يبدو مميزًا جدًا بالنسبة لنا فقط لأنه الوحيد الذي يجمع ظروف وجودنا. لم يعد هذا تفكيرًا لاهوتيًا بل تفكيرًا علميًا، حتى لو كان قائمًا على نظريات فيزيائية أساسية لا تزال قيد التطوير ولم يتم اختبارها تجريبيًا. يعتمد حل المفارقة هناك على تأثير اختيار النوع "الأنثروبي الضعيف" de type anthropique faible " حيث تتلاشى الصدف المزعومة في كون متعدد عادي. مع هذا النجاح المعرفي الواضح، اكتسب مفهوم الأكوان المتعددة شعبية كبيرة، كما يتضح من الأعمال الشعبية العديدة التي كتبها باحثون مشهورون روجوا لها (ميشيو كاكو Michio Kaku، وألكسندر فيلينكين Alexander Vilenkin، وستيفن هوكينغ Stephen Hawking، وبريان غرين Brian Greene)، إلى حد إحداث بعض الخراب الفلسفي في دوائر فكرية معينة، لم يتدرب سوى القليل منها على الانضباط الصارم في العادة للفيزياء النظرية. والحال، حتى لو بدا قادرًا على حل مفارقة الضبط الدقيق réglage fin، لا تثبت الحجة البشرية الأنثروبية الضعيفة الوجود الحقيقي للكون المتعدد. ليس لأن كوننا منظم بدقة يجب أن يكون بالضرورة جزءًا من مجموعة من الأكوان الأخرى. قد تكون المبادئ الفيزيائية التي تم تجاهلها حتى الآن تزيد بشكل كبير من احتمالية أن يكون الكون فريدًا، بينما لا يزال يمتلك للوهلة الأولى الخصائص غير المحتملة التي نلاحظها - كما هو الحال في لعبة النرد المزورة حيث تسجل جميع أسطح النرد الرقم ستة. هذا هو السبب الذي دفع العديد من الباحثين إلى البحث عن نظرية أساسية حقيقية لكل شيء Théorie du Tout ، والتي من شأنها أن تثبت قوانينها أن كونًا مثل كوننا فريد من نوعه لأنه لا مفر منه ... وهذا سيشكل بلا شك الإجابة الأكثر اقتصادا وأناقة على السؤال الشهير الذي طرحه ألبرت أينشتاين: "هل كان لدى الله خيار عندما خلق الكون؟" " لكن كما رأينا، فإن نظرية كل شيء بعيدة عن متناولنا حاليًا، وربما تظل كذلك لفترة طويلة قادمة، أو حتى يمكن ألا توجد في مكان آخر غير حلم الفيزيائيين الباحثين عن التوحيد. يمكننا أن نؤمن بها ونأمل في تحقيقها أو الوصول إليها يومًا ما، ولكن في غضون ذلك، بسبب عدم وجود أي شيء أفضل، لدينا الحق في أن نأخذ على محمل الجد العدد المتزايد من الباحثين الذين يعتبرون أن الكون المتعدد يفسر مشكلة الضبط بشكل أفضل من نظرية كل شيء الافتراضية. التبريرات المادية الفيزيائية للكون المتعدد: Les justifications physiques du multivers

 يبدو أن مفهوم الكون المتعدد يتدفق بشكل طبيعي من عدة نماذج مستخدمة الآن في فروع مختلفة من الفيزياء الأساسية. قائمة شاملة لجميع أنواع الأكوان المتعددة ستكون خارج نطاق هذا الفصل لأنها تحتاج لعدة كتب لشرحها. سأقتصر هنا على ذكر خمسة منها، مختلفة تمامًا عن بعضها البعض، وسأقوم بشرح نشأتهم بإيجاز. الأكوان المتعددة لميكانيكا الكموم في تفسير إيفريت Everett لميكانيكا الكموم، فهذاالأخير،تاريخياً هو أول نظرية في الفيزياء المعاصرة تدرس بجدية وجود عوالم متعددة de mondes multiples، وذلك بفضل التفسير الذي اقترحه هيوغ إيفريت Hugh Everett في عام 1957 للانتقال بين المستويين المجهري والماكروسكوبي للنظام أثناء "اختزال دالة الموجة réduction de la fonction d'onde "، بمعنى آخر للقياس. لنتذكر أنه في ميكانيكا الكموم تكون الحالة العامة للنظام عبارة عن تراكب لحالات superposition d'états تتأثر باحتمالات مختلفة، يتم وصف الكل بدالة موجية يحكم تطورها الزمني معادلة شرودنغر Schrodinger، والتي هي قابل للعكس وحتمية. وأشهر مثال على ذلك هو قط شرودنغر المحبوسة في صندوق مرتبط بقنينة من السم ومقيداً بتفكك ذري لنواة مشعة. قبل أي قياس، تثبت الدالة الموجية للقطة أن حالة الحيوان هي تراكب بين حالة "قطة ميتة" وحالة "قطة حية" في آن واحد مع احتمالات متطابقة. بعد القياس، يبدو أن "المسلم به" هو أن الحالة العيانية للقطة هي فقط إما ميتة أو حية. بعبارة أخرى، دمر قياس النظام تراكب الحالات وخفض أو اختزل دالة الموجة إلى حالة كلاسيكية واحدة. هذا على الأقل هو التفسير المعتاد لميكانيكا الكموم، استنادًا إلى مدرسة كوبنهاغن، والتي لا تذهب دون طرح بعض الصعوبات المعرفية لأن عملية القياس تدخل عدم انعكاس ينتهك الحتمية المتأصلة في معادلة شرودنغر، وهي خاصية تسمى القابلية للانعكاس الدقيق أو التوحيدية.  microréversibilité ou unitarite في تفسير إيفريت، لا يقلل القياس بأي حال من الأحوال من دالة الموجة إلى حالة واحدة ؛ على العكس من ذلك، كل الحالات الممكنة تستمر في الوجود، لكن في أكوان منفصلة. في الحالة البسيطة جدًا للقطة، فإن هذا الأخيرة ميت بالفعل في أحد الأكوان (على سبيل المثال، المكان الذي يوجد فيه الراصد الذي أجرى القياس)، ولكنها حية تمامًا في كون آخر. وهكذا، عند كل قياس، يتم إنشاء العديد من الأكوان كلما كانت هناك حالات متراكبة في دالة الموجة قبل القياس. في الأكوان المتعددة على غرار إيفريت، هناك دالة موجية واحدة فقط تتطور بطريقة وحدوية، دون أن تتفرع. من ناحية أخرى، بالنسبة لكل مراقب يتحرك في كون معين، تنقسم الدالة الموجية بشكل لا رجعة فيه مع كل قياس يتم إجراؤه. يقدم هذا الكون المتعدد الكمومي بالتالي بنية شجرية، على غرار التفرع الشجري، حيث يزداد عدد العوالم التي يتم إنشاؤها باستمرار بمرور الوقت، بينما تظل محدودة. كما يبدو محيرًا، فإن تفسير إيفريت أكثر تحفظًا من تفسير كوبنهاغن، من حيث أنه يأخذ افتراضات نظرية الكموم في ظاهرها، ولا سيما من خلال الحفاظ على خاصية الوحدة. الكون المتعدد لعلم الكون التضخمي: Le multivers des cosmologies inflatoires

 يعتمد النموذج القياسي لعلم الكونيات النسبي على حل متجانس مكانيًا ومتناحيًا homogène   et isotrope لمعادلات آينشتاين، ويتم تنفيذه بواسطة مرحلة أولية افتراضية من التوسع السريع للغاية، المعروفة بالتضخم l'inflation. لا توجد نظرية حقيقية متماسكة للتضخم، ولكن هناك مجموعة من "السيناريوهات" تؤدي إلى تنوع كبير في النماذج والمعلمات والمعايير القابلة للتعديل التي تجعل من الممكن تفسير أي بيانات كونية تجريبية. بشكل عام، تفترض سيناريوهات التضخم وجود حقل أو مجال طاقة ذو ضغط سلبي قوي يسمى التضخم "inflation"، وهو مشابه لشكل من أشكال الفراغ الكمومي vide quantique ، والذي وجد لفترة وجيزة في وقت مبكر جدًا من تاريخ الكون (عادةً في الجزء I0-35  من الثانية الأولى، قد يسرّع بشدة تمدد عامل القياس من خلال إعطائه معدلًا أسيًا. على وجه الخصوص، كان هذا من شأنه أن يجعل منطقة الفضاء حيث نتواجد، تنمو بعامل لا يقل عن 1026، أو حتى أكثر حسب النماذج، والتي تتوافق مع القيمة المنخفضة جدًا للانحناء المكاني و التجانس الكبير للخلفية الكونية المنتشرة. بالإضافة إلى ذلك، خلال مرحلة التضخم، يتم تضخيم التقلبات الكمومية للفراغ وإحضارها إلى المقاييس العيانية أو النطاقات الماكروسكوبية، حيث تفقد طابعها الكمومي. يمكن بعد ذلك تكثيف عدم التجانس الناتج عن الفراغ تحت تأثير الجاذبية، مما يؤدي إلى ظهور الهياكل المرصودة. هناك المئات من نماذج التضخم. في سيناريو "التضخم الفوضوي inflation chaotique " الذي اقترحه أندريه ليندي Andrei Linde عام 1983، لم تحدث عملية التوسع بشكل متجانس في الفضاء؛ من مكان إلى آخر، أدى التضخم إلى توسيع التقلبات الكمومية للفراغ إلى فقاعات عملاقة، وهي نظرية الأكوان- الفقاعات، فكل فقاعة عبارة عن كون، ويمثل كوننا المرئي جزءًا صغيرًا فقط من إحدى هذه الفقاعات. أما بالنسبة للأكوان الفقاعية الأخرى univers-bulles، فيمكنها أن ترث جميع الخصائص الفيزيائية الممكنة والتي يمكن تخيلها، بسبب الطبيعة العشوائية والمتقلبة للفراغ الكمومي: فقاعات في حالة توسع وانكماش أوتقلص، وأخرى في حالة توسع دائم، بعضها مليء بالنجوم، ,أخرى "فارغة"، أو مليئة بالإشعاع فقط، أو بثقوب سوداء، إلخ. في "التضخم الأبدي inflation éternelle "، تكون التقلبات الكمومية في مجال التضخم كبيرة بما يكفي لتسبب انتقال مناطق مختلفة من الكون من حالة فراغ إلى أخرى، ومن هنا جاءت فكرة التضخم الكوني الأبدي حيث تخرج المناطق التي تخضع لتقلبات منخفضة من آلية التوسع الأسي والاستقرار (ستكون هذه حال منطقتنا)، بينما في عدد لا حصر له من المناطق الأخرى يستمر التوسع الأسي إلى أجل غير مسمى، ويتم تشكيل فقاعات منفصلة بشكل كبير عن بعضها البعض، ولكل منها قوانينها الفيزيائية الخاصة. الكون المتعدد المتضخم الناتج على هذا النحو هو لانهائي ويؤدي إلى بنية كسورية شبيهة بالشجرة structure fractale arborescente من الأكوان التي يكون لكل منها سلف واحد فقط: ألا وهو الفراغ البدائي le vide primordial. لاحظ أن الافتراضات اللازمة لتطوير التضخم الأبدي لم يتم التحقق منها بدقة.

 الكون المتعدد لنظرية الأوتار: Le multivers de la théorie des cordes

 أذكر بإيجاز شديد أن نظريات الأوتار المختلفة، وكذلك النظرية القصوى المحتملة أو الميتانظرية métathéorie وهي النظرية M-theory (M) التي من المفترض أن تشملها جميعًا، تتطلب من ناحية أن الزمكان، الموصوف تقليديًا باستخدام ثلاثة أبعاد مكانية و وبعد الزمني، يكتسب عددًا معينًا من الأبعاد المكانية الإضافية، ومن ناحية أخرى، يستدعي تكامل التناظر الفائق لوصف الجسيمات الأولية المختلفة وتفاعلاتها.

كما يتطلب الإدراك "الفعال" لنظرية الأوتار في الزمكان الفيزيائي وجود حالات مستقرة أو فوق مستقرة أو غير مستقرة للفراغ الكمومي. حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم يكن أي منها معروفًا، إلى أن بدأ رافائيل بوسو Raphael Bousso وجوزيف بولشينسكي Joseph Polchinski في اكتشاف مدى حلول نظرية الأوتار من خلال إظهار التنوع الشديد في الحدود الدنيا المحلية الفراغات المحتملة، المقابلة للأكوان غير المستقرة. تم اقتراح آليات تثبيت الفراغ من قبل العديد من النظريين، الذين وجدوا أن جميع الفراغات التي تصف الأكوان المتوسعة بشكل كبير كانت قابلة للاستقرار واستقرت في النهاية في فقاعات- أكوان ذات خصائص فيزيائية موحدة. وقدر عدد هذه الفراغات بحوالي 10500، إن لم يكن أكثر من ذلك بكثير. ثم طور ليونارد سسكيند Leonard Susskind سيناريو "المشهد الكوني paysage cosmique "، بناءً على دراسة انتقالات الطور بين الفراغات المختلفة لنظريات الأوتار. المشهد الكوني يعني هنا مجموعة هائلة من الفراغات المزودة عمليا بكل قيمة يمكن تخيلها. في مناطق معينة من المشهد هناك "فراغات" يمكن مقارنتها بـ "السهل" بارتفاع صفري، تكون الفراغات متماثلة للغاية ويكون الثابت الكوني صفرًا تمامًا (وهو ما يتعارض مع الملاحظات الرصدية في كوننا المرئي). لكن هذه الفراغات مستقرة بشكل هامشي ويمكن أن تكون متحمسة؛ بالابتعاد عن السهل، نجد الوديان والتلال حيث ينكسر التناظر الفائق. الوديان هي حدود دنيا محلية تقدم طاقة الفراغ الخاصة بها، في مثل هذا العدد بحيث يوجد بالضرورة واحدة على الأقل يمكن أن تتوافق مع القيمة الملاحظة اليوم للثابت الكوني الكوسمولوجي. ولكن، وفقًا لسسكيند وأتباعه، فإن جميع الحدود الدنيا المحلية هي أكوان مادية فيزيائية في حد ذاتها، ومن هنا فإن الأكوان المتعددة الشاسعة للغاية، وإن لم تكن غير محدودة، مرتبطة بمشاهد نظريات الأوتار.

 الكون المتعدد للجاذبية الكمومية الحلقية: Le multivers de la gravité quantique à boucles

 لقد أكدت بالفعل عدة مرات أنه في النسبية العامة الكلاسيكية وفي ظل فرضيات عامة للغاية، فإن القوانين التي تحكم مصير المادة داخل الثقوب السوداء تؤدي حتما إلى حيث يصبح الانحناء والكميات أو القيم الفيزيائية الأخرى لانهاية. الشيء نفسه ينطبق على نماذج علم الكونيات مما يؤدي إلى الفرادة الثقالية singularité gravitationnelle خلال الانفجار العظيم البغ بانغ ومع ذلك، قبل الوصول إلى التفرد أو الفرادة، لا يمكن وصف الدينمايك الصحيح، إلا من خلال نظرية كوانتية أو كمومية للجاذبية théorie quantique de ­

la gravitation   أو بواسطة علم الكونيات الارتدادي غير الكمومي cosmologies à rebond non quantique في وقت مبكر من الستينيات، تكهن جون ويلر John Wheeler وبرايس ديويت Bryce DeWitt ، أن من المتوقع أن تعكس تأثيرات الجاذبية الكمومية الانهيار وتوليد التوسع. وبالتالي، لن ينتهي الزمن في التفردات، وستكون هناك مناطق جديدة من الزمكان في حالة التوسع في مستقبل ما يمكن أن يكون من الناحية «الكلاسيكي حالة فرادة. أعطت الجاذبية الكمومية الحلقية أساسًا صلبًا نسبيًا لهذه التخمينات. إن الإنهيار الثقالي يتوقف قبل الفرادة بسبب وجود تفاعل طارد شديد يتجلى فقط على مقياس بلانك يؤدي إلى ارتداد إلى حالة إنهيار. يمكننا نمذجة هذا، بافتراض أن الانفجار العظيم الخاص بنا هو إعادة ارتداد في كون مضيف أوسع بثير، وأنه يوجد في كل ثقب أسود انفجار كبير، أي كون جديد، نوع من طائر الفينيق phénix الذي يولد من جديد من رماده. بدأ الفيزيائي الأمريكي لي سمولين Lee Smolin من قناعة في التطور؛ مما دفعه إلى التفكير في أجيال من الأكوان وأضاف فرضية داروينية بحتة: في كل انفجار كبير جديد، تتغير قيم الثوابت الأساسية بشكل كبير. وعلى نحو عشوائي، لكن قليلًا جدًا - تمامًا كما هو الحال في الكائنات الحية، تختلف جينات الأطفال قليلاً جدًا عن جينات الوالدين. هذه المقدمات تجعل من الممكن بناء نظرية تطورية للكون يكون فيها كون مثل كوننا سينتج حتمًا في يوم أو آخر، لأن الكون سوف يتطور وفقًا لقوانين الانتقاء الطبيعي على أساس نجاح التكاثر البسيط. كون ينتج الكثير من الثقوب السوداء، والكون الذي ينتج الكثير من الثقوب السوداء هو كون خصب. سيكون لجميع المتحدرين منه معايير متشابهة جدًا والتي ستؤدي إلى ثقوب سوداء أكثر أو أقل، وبالتالي إعادة إنتاج نفسه أو يتكاثر أكثر أو أقل. وبالتالي يتم تعزيز إنتاجية الثقب الأسود عبر الأجيال. وفقًا لبعض التقديرات، تحدد الثقوب السوداء النجمية أو المجرية البدائية نوع الكون الذي يحتويها، فإن كوننا يحتوي على 1018 ثقبًا أسود على الأقل؛ لذلك كان سينتج أكبر عدد من الأكوان الأطفال. يشبه الكون المتعدد الذي يتكون من الثقب الأسود شجرة عائلة غير محدودة مؤقتًا، حيث يكون لكل كون سلف ونسب.

 الكون الرياضاتي المتعدد: Le multivers mathématique

 بدءًا من مسلمة تقول بأن كوننا المادي هو بنية رياضياتية، افترض عالم الكونيات الأمريكي من أصل سويدي ماكس تيغمارك Max Tegmark أن جميع الهياكل الرياضياتية هي أكوان حقيقية جدًا. هذا يعني أن العناصر الأساسية للواقع لن تكون المكان، ولا الزمن، ولا الجسيمات الأولية وتفاعلاتها، ولا حتى الفراغ الكمومي، ولكن الإطار الرياضياتي الأكثر عمومية والذي تندرج فيه جميع نظريات الفيزياء الأساسية كحالات خاصة جدًا. من الواضح أنه نموذج الأكوان المتعددة الأكثر تخمينًا وربما الأغنى، والذي يحتوي على وجه الخصوص على جميع الأكوان المتعددة المذكورة سابقًا. ومع ذلك، في مواجهة الصعوبات التي ينطوي عليها تحديد البنية الرياضياتية بشكل صحيح، ومع الأخذ في الاعتبار عدم اكتمال النظم البديهية التي تظهرها نظرية غوديل عن اللاتكاملية l'incomplétude، قام تيغمارك لاحقًا بتقييد اقتراحه لكون متعدد رياضياتي إلى مجموعة (لا نهائية دائمًا) من الأكوان القابلة للحساب، والتي تتوافق مع جميع الهياكل الرياضياتية التي لا تحتوي على اقتراح غير قابل للتقرير بمعنى الذي قصده غوديل .

هل يمكننا إثبات الكون المتعدد؟ Peut-on prouver le multivers ?

` إنهم لا يسعون إلى بناء نظريات وأسباب لتفسير الحقائق المرصودة، لكنهم يبحثون عن الحقائق لإدخالها في بعض النظريات والآراء الخاصة بهم، وهم يسعون فقط إلى استيعابها. وهم يستمدون قناعتهم ليس من الحقائق، بل من المنطق. أرسطو: دراسة عن السماء

لقد رأينا للتو أن الأساليب المتنوعة للغاية في الفيزياء الأساسية تشير، بشكل عام تقريبًا، إلى أكوان متعددة تحتوي على عدد كبير جدًا، بل وحتى لانهائي من الأكوان. في كل من هذه النظريات، سيكون من الضروري إضافة قيود صارمة لتقليل عدد الأكوان المحتملة إلى واحد، في حين أن النظريات المعنية، خالية من هذه القيود، تكون أكثر "نقية" وأكثر أناقة، حتى لو كانت يتم الحصول على البساطة الوجودية على حساب وفرة من الأكوان المتميزة. تكشف هذه النظريات أيضًا عن أكوان متعددة ذات أشكال متنوعة للغاية: في الأكوان المتعددة للتضخم الفوضوي le multi­ vers de l'inflation chaotique تكون الأكوان المختلفة مفصولة عن بعضها بمسافات هائلة ؛ في نظرية الأوتار، تتكشف وتنتشر في أبعاد إضافية للفضاء ؛ في نظرية الجاذبية الحلقية، تتبع بعضهما البعض وتتعاقب على مر الزمن، مفصولين بمراحل ارتداد، وفي ميكانيكا الكموم، على غرار إيفريت، يتباعدون على طول خطوط زمنية مختلفة بينما يتعايشون في نفس المكان. ومع ذلك، إذا كنا راضين عن البحث عن حل لمشكلة الضبط الدقيق المذكورة أعلاه، فلا داعي للقلق بشأن هذه التفاصيل الدقيقة: في هذا المستوى، تكون جميع الأكوان المتعددة متكافئة إلى حد ما. حقيقة أن عددا من النظريات الحديثة في الفيزياء الأساسية (ولكن ليس الكل) يتنبأ بشكل أو بأن نوعًا ما من الأكوان المتعددة تضيف مصداقية إلى وجودها الفعلي؟ نود أن نصدق ذلك إذا تذكرنا أن النظرية البحتة قد تنبأت بشكل متكرر بظواهر لم نشاهدها من قبل. وغالبًا ما يُستشهد بمثال البوز يترون positron، الجسيم المضاد للإلكترون. الذي تنبأ به في عام 1928، بول ديراك وصاغ المعادلة النسبية التي تصف الإلكترون ووجد أنها اعترفت بالحلول الرياضياتية التي يتوافق جزء منها فقط مع الإلكترون، في حين أن الجزء الآخر لا يبدو منطقيًا. في عام 1931، انتهى به الأمر إلى إعطائها معنى فيزيائيًا من خلال اقتراح وجود جسيم جديد، وهو الإلكترون المضاد. تم اكتشاف الأخير في الواقع في العام التالي في الأشعة الكونية. تم التنبؤ أيضًا بأشياء أخرى في الفيزياء مثل النيوترينوات والنجوم النيوترونية والثقوب السوداء وموجات الجاذبية أو بوزون هيغز إنجليرت Higgs-Englert  قبل أن يتم الكشف عنها من خلال الملاحظة. أو التجربة. ومع ذلك، بالمقارنة مع الحالات السابقة، فإن حالة الكون المتعدد تطرح مشاكل محددة في النظام المعرفي. الأول هو إمكانية التحقق منه. من الواضح أن الدليل المباشر على وجود كون متعدد بعيد المنال في الوقت الحاضر، لكن هذا ليس اعتراضًا قاتلاً. كان هذا هو الحال أيضًا لفترة طويلة بالنسبة للثقوب السوداء، التي اعتمد وجودها فقط على أدلة غير مباشرة، حتى تم الكشف عنها مؤخرًا (في نهاية عام 2015) عن طريق موجات الجاذبية المنبعثة من اندماج أزواج من الثقوب السوداء، متبوعة بأول صورة تلسكوبية للثقب الأسود فائق الكتلة M87 * تم تسليمها في أبريل 2019. الدليل غير المباشر ممكن أيضاً. أندريه ليندي Andrei Linde هو أول فيزيائي اقترح نموذجًا دقيقًا نسبيًا للكون المتعدد. كما ذكرت بإيجاز أعلاه، فإن الفكرة الأساسية لعلم الكونيات التضخمي la cosmologie inflatoire هي توليد مناطق شاسعة من الفضاء (والتي سيكون كوننا المرئي من بينها ضمن مجموعة فرعية متجانسة متوافقة مع الملاحظات والرصد) ولكنها مستقلة سببيًا، كل منها يتم تزويدها بخصائص فيزيائية مختلفة. للتمييز بين هذه المناطق المتضخمة من الكون بشكل كبير و "الأكوان الأخرى" المفترضة تمامًا والمنفصلة عن بعضها البعض والتي تنبأت بها النماذج الأخرى، أطلق عليها ليند اسم الميني أكوان أو "الأكوان الصغيرة mini-univers " (أو "الكون" للجيب ". univers de poche في هذه الحالة المحددة، المصطلح "الكون المتعدد" ينطبق على جميع الأكوان الصغيرة داخل نطاق الكون الفريد المتضخم بشكل هائل. وهو الكون المطلق أو الكلي. اعتقد الباحثون مؤخرًا أنهم اكتشفوا إشعاعًا متحجرًا في الميكروويف، وهذا الصدى البارد للانفجار العظيم، وآثار الاصطدام بين الأكوان الصغيرة "كما تخيلها ليند" وكوننا المرئي. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات تروق لعدد من الفرضيات والتفسيرات بعيدة المنال بحيث لا تتمتع بدرجة من المصداقية، على الأقل حتى يلغي أحدها أي تفسير بديل (والذي، في رأيي، من غير المحتمل أن يحدث). المشكلة المعرفية الثانية التي تواجه مفهوم الكون المتعدد، وهي بلا شك أكثر خطورة من سابقتها، هي قابليته للدحض. تم تعميق مفهوم القابلية للدحض في الثلاثينيات من قبل فيلسوف العلم كارل بوبر Karl Popper، والذي بالنسبة له، لم يكن المبدأ الذي بموجبه يكون التوافق مع التجربة هو المعيار الوحيد الكافي لحقيقة النظرية العلمية وصلاحيتها وهو مبدأ لن يكون كافيا وحدهً، نظراً لعدم وجود "تجربة حاسمة" لتأكيد البيان. لذلك اقترح بوبر معيار القابلية للدحض بدلاً من معيار القابلية للتحقق ليس لتوصيف الحقيقة، ولكن لبقاء النظرية العلمية: البيان énoncé قابل للتطبيق علميًا فقط إذا كان يتوافق مع ملاحظة أو تجربة من المحتمل أن تتعارض معها. على سبيل المثال، نظرية التطور الداروينية قابلة للدحض: يكفي اكتشاف أرانب أحفورية تعود إلى عصر ما قبل الحقبة الكمبرية Précambrien لإبطالها. وبالمثل، فإن نموذج الانفجار العظيم قابل للدحض: يكفي العثور على نجم أقدم من عمر الكون المحسوب في النموذج. لكن ليس لأن هذين النموذجين لم يتم دحضهما (حتى الآن) أنهما مثبتتان! وبالتالي فإن القابلية للدحض هي طريقة لرفض التصريحات العلمية. والبيانات الأشياء التي لا يمكن مواجهتها بالتجربة. الوضعية كان لموقف بوبر الصارم إلى حد ما فيما بعد تأثير كبير جدًا في فلسفة العلم لدرجة أنه، حتى لو ارتفعت المفاهيم المعرفية الأخرى الأكثر مرونة ضد بوبر، في أذهان العديد من الباحثين الحاليين. يظل عدم قابلية نموذج أو نظرية للدحض إشارة تحذير معرفية. من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن الجدل حول دحض لقد تجاوز الكون المتعدد لنظرية الأوتار المسألة البسيطة المتمثلة في المواجهة العلمية المعتادة والصحية، ليؤدي إلى تبادلات خبيثة وليست مشرفة دائمًا بين علماء الفيزياء البارزين من الآراء المتعارضة • في الواقع، ما تمت مناقشته لم يكن الكون المتعدد في حد ذاته، ولكن الإطار النظري نفسه، أي المشهد الكوني لنظرية الأوتار. ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن الأكوان المتعددة التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن ميكانيكا الكموم، أو الكوسمولوجيا المتضخمة أو الجاذبية الحلقية لم تتم مناقشتها بشكل خاص فيما يتعلق بدحضها. في فرنسا، يعتبر الباحث أورليان بارو

 Aurélien Barrau مدافعًا قويًا للمفهوم وفقا له، الكون المتعدد العام - لأسباب أكثر فلسفية من كونها تقنية. يجادل بأن أي نظرية للكون المتعدد "مثيرة للاهتمام علميًا" قادرة على عمل تنبؤات حول كوننا، والتي يمكن اختبارها تجريبيًا. إذا نجحت النظرية في الاختبارات، فإنها تكتسب المصداقية والكون المتعدد الذي تتنبأ به أيضًا؛ إذا فشلت، يتم دحضها. بهذا المعنى، يمكن دحض نظريات الكون المتعدد. يبدو أن المنطق مشكوك فيه. أولاً، سيكون من الضروري تحديد الأكوان المتعددة الأكثر "اهتمامًا علميًا" من الأكوان الأخرى - على سبيل المثال تلك التي تضم بالضرورة كونًا مشابهًا تمامًا لكوننا. في هذا الصدد، تم بالفعل حذف بعض النماذج المحددة للغاية من نظرية الأوتار. بعد ذلك، فإن أي دليل تجريبي يمكننا جمعه في كوننا سيكون، بحكم الواقع، دائمًا متوافقًا مع هذا أو ذاك أو مع تلك الأكوان المتعددة "المثيرة للاهتمام علميًا". يبدو بالفعل أنه، مثلما لا يوجد حد لعدد الأكوان المحتملة، لا يوجد حد على ما يبدو لعدد الأكوان المتعددة المحتملة أو الممكنة.

جنون لطيف:

" لا يجب أن تكون في أي مكان، لكي تكون في كل مكان. " ميشيل دي مونتاين، Michel    DE MONTAIGNE, Essais  ابحاث، 1، 8

 في هذه المرحلة من الارتباك، يتساءل المرء لماذا سيتطلب الأمر الكثير من المتاعب لإثبات إمكانية التحقق أو دحض نماذج الأكوان المتعددة. للاستمرار في العمل بهدوء، ألا يكفي تبني الموقف المعرفي الذي دعا إليه فيلسوف العلم بول فييرابند Paul Feyerabend، والذي يتمثل في رفض أي منهج توجيهي؟ وفقًا له، "في الواقع، يتقدم العلم خلال تاريخه باستخدام جميع الأساليب المتاحة لفرض نظرية أو أخرى، بحيث تكون القاعدة المنهجية الصالحة الوحيدة لتحديد تقدم العلم هي "اللاسلطوية المعرفية"، والتي يمكن تلخيصها بالصيغة البسيطة "كل شيء جيد". في هذا الترتيب من الأفكار تم وضع مفهوم الكون الرياضياتي المتعدد. في كتابه عام 1986 حول تعددية العوالم، الفلسفة On the Plurality of Worlds, le philo­

sophe طرح ديفيد لويس David Lewis فرضية "الواقعية النموذجية" réalisme modal، والتي بموجبها توجد جميع العوالم الممكنة بالفعل في شكل أكوان غير متصلة. إنه نوع من ذكريات "مجموعة كل العوالم الممكنة" التي استند إليها لايبنيز ذات مرة. كانت الأسباب التي دفعت لويس إلى الترويج للواقعية الشكلية مختلفة نوعًا ما عن تلك التي قدمها الفيزيائيون عمومًا. تدور عوالم لويس حول إعادة بناء الحس السليم. يقول لويس أننا، في الفطرة السليمة، نتلاعب بالأحكام الشرطية "المخالفة للواقع" - أي الأحكام التي كان من الممكن أن تحدث ولكنها لم تحدث - والتي لها قيم الحقيقة. كيف نفسر قيمة الحقيقة لحكم يقع تحت الفطرة السليمة مثل "لو تركت الزجاج" لكان قد سقط "، عندما لا يتعلق الأمر بشيء يمكن ملاحظته؟ يؤكد لويس أن قيمته تعتمد الحقيقة على العوالم المحتملة الأخرى حيث تم إطلاق الزجاج. هناك بالتأكيد عدد لا نهائي من هذه العوالم، ولكن إذا حددنا "مقياس القرب" بين العوالم المحتملة، فسنقول إنها الحقيقة. أن "الزجاج ينكسر في أقرب العوالم" مما يعطي قيمة الحقيقة للحكم المضاد الذي تم ذكره في البداية. لذلك فإن عوالم لويس المحتملة مبنية ومبنية من حيث القرب لتحليل منطق الفطرة السليمة. لا علاقة لها بالأكوان غير المترابطة للكون المتعدد للفيزياء. وعادة ما يتم تقديم هذا الأخير من حيث عدد الأكوان الكبير بشكل لا يمكن تصوره ولكنه محدود. كما رأينا، فإن عدد الأكوان المرتبطة بنظرية الأوتار الفائقة هو 10500 على الأقل - وهو رقم هائل جدًا إلى جانبه يعتبر عدد الذرات في كوننا المرئي غير مهم. مع تقدم النظرية (على كل حال على المسار الصحيح)، تكتشف المزيد والمزيد من المتغيرات؛ نحن نتحدث بالفعل عن 10100000 ربما هم في النهاية عدد لا حصر له. آلان غوث Alan Guth، أحد آباء نموذج التضخم، مقتنع بذلك: "عندما بدأ التضخم، لم يكن ليخلق كونًا واحداً فقط، بل عدد لانهائي من الأكوان. ." . الواقعية الشكلية التي يدعمها لويس تجلب إلى حيز التنفيذ كل العوالم الممكنة، الكل يقابل ربما لانهاية غير قابلة للعد. أتذكر أن المعدود هو أصغر اللانهائيات الرياضياتية، المقابلة للكاردينال من مجموعة الأعداد الصحيحة. لكن مجموعة الأعداد الحقيقية لها عدد لا نهائي من الرتب الأعلى، غير القابلة للعد • الآن الكون المتعدد ومع ذلك، فإن الكون المتعدد "النهائي الأقصى أو الكلي ultime " الذي دعا إليه تغمارك Tegmark يقع ضمن هذه الفئة الأخيرة. ووفقًا له، فإن جميع الهياكل الرياضياتية ستتحقق من منظور الأكوان الفيزيائية، والتي يمكن تلخيصها من خلال المعادلة البسيطة الرياضيات = الفيزياء Mathématiques = Physique. على سبيل المثال، معادلات نظرية كل شيء (نظرية M أو أي نظرية أخرى يمكن تخيلها) هي مجرد تراكيب رياضياتية من بين أمور أخرى، معقدة بما يكفي لمنحنا الوقت للتفكير فيها. وبالتالي، فإن الكون الرياضياتي المتعدد هو الكون المتعدد "النهائي الأقصى المتسامي الكلي الشامل" لأنه يحتوي بالضرورة على جميع الأكوان المتعددة لجميع النظريات الممكنة في الفيزياء. يلغي الكون الرياضياتي المتعدد الحاجة إلى شرح سبب عيشنا في كيان أو إنجاز خاص réalisation particulière : إن وجود عالم مضياف للإنسان هو صدفة لا ينبغي أن تفاجأ بعد الآن، إنها نتيجة بسيطة إحصائية. من بين العدد اللامتناهي من الأكوان، يجب أن يكون عالمنا موجودًا تمامًا كما سيكون هناك دائمًا شخص ما يرسم الأرقام الستة الصحيحة للعبة اللوتو إذا لعب عدد كافٍ من الأشخاص. من السهل جدًا حساب أنه إذا لعب جميع البشر اللوتو على الأرض، فسيكون هناك أكثر من 1000 فائز في كل سحب! للوهلة الأولى، يبدو أن الكون المتعدد الرياضياتي يتعارض مع مبدأ البساطة المقدس، يُطلق عليه أيضًا "شفرة أوكامOckham's razor" rasoir d'Ockham، من اسم هذا اللاهوتي الإنجليزي من القرن الحادي عشر الذي قال: "من غير المجدي أن نحقق بوسائل أكثر ما يكفي لإنتاج بعدد أقل من الوسائل. بعبارة أخرى، في مجموعة من النماذج التي تشرح الحقائق، يجب إعطاء الأفضلية للنموذج الذي يستدعي الحد الأدنى من عدد الفرضيات. غالبًا ما لعب مبدأ البساطة دورًا إرشاديًا في تاريخ العلم في فرز النماذج والنظريات المتنافسة • ولكن يمكن أن يقودنا الحدس بسهولة إلى الضلال في البحث عما هي البساطة حقًا. إن مجموع كل معادلات نظرية الأوتار محددة تعتبر مجموعة معادلات نظرية الأوتار بمعنى معين "أبسط" من أي من حلولها الخاصة، لأنها تعرض المزيد من التماثلات أو التناظرات symétries وتستخدم عددًا أقل من المعلمات أو الإعدادات المجانية. Paramètres libres

 يعتبر العديد من الفيزيائيين النظريين أطروحة ماكس تغمارك Tegmark خيالية بحتة وغير كفؤ رياضياتيًا • على سبيل المثال، يستدعي Tegmark مفهوم القياس على مساحة الهياكل الرياضية المحتملة، والتي لا يمتلكها أحد لا يزال بإمكانه إعطاء معنى رياضياتي محدد. لكن لا يجب بالضرورة التغاضي عن الفكاهة والأهواء في هذه الأمور. قارن مارتن ريس Martin Rees، الكون المتعدد بمتجر ملابس كبير: إذا كان الاختيار كبيرًا بما يكفي، فلن يفاجأ أحد بالعثور على شيء يناسبه. بهذا المعنى، لكنا وجدنا كوننا الخاص. من ناحيتي، سأختتم هذه المناقشة بإحالة القارئ إلى Fontenelle. ألقى في صحبة ساحرة محادثاته حول تعددية العوالم، تردد في أن يقسم أن "هذا كان صحيحًا" بينما قال إنه يحب أن يكون صحيحًا من أجل المتعة التي كان يتمتع بها في تصديقها. وماذا رد عليه الماركيز؟ حسنًا، "بما أن جنونك لطيف جدًا، أعطني إياه." سأؤمن بالنجوم كيفما تشاء، طالما أجدها ممتعة "!

ماذا كان يوجد قبل البغ بانغ؟:

 مَنْ سأل هذا السؤال: قبل الدهر أو قبل بداية الزمن، هل كان هناك شيء؟ في حين أن الكلمة السابقة تدل أو تنطوي على فكرة الزمن، تتصرف تمامًا كما لو كانت تسأل: "في الزمن الذي سبق بداية الزمن، هل كان هناك شيء؟ (xm siècle). Guillaume n'AUVERGNE, De Universo

نحن نعتبر عمومًا الانفجار العظيم بداية لكل شيء، ونمنع أنفسنا من التفكير فيما ربما حدث قبل ذلك. إذا التزمنا بالنسبية العامة الكلاسيكية وحلول فريدمان-لومتر Friedmann-Lemaître الكونية المستخدمة في النموذج القياسي، فإن مسألة "قبل الانفجار العظيم" ببساطة لا معنى لها. في هذه النظرية، يشير الانفجار العظيم إلى أن الزمن نفسه بدأ بالتزامن مع الفضاء والمادة والطاقة قبل 13.8 مليار سنة. حتى بداية هذا القرن، كان السؤال الذي يُطرح كثيرًا في مؤتمرات الترويج للانفجار العظيم يُحرج المتحدث. كان عليه بشكل عام أن يرد على ذلك التخيل للزمن، كان عليه عمومًا أن يقول إن تخيل حقبة قبل الانفجار العظيم هو كالبحث عن لحظة قبل وجود الزمن نفسه. من الواضح أن هذه الإجابة لم ترضي أحدا. هناك طرفة بشأن السؤال المماثل الذي طرح على القديس أوغسطينوس منذ زمن بعيد (وإن كان في سياق مختلف): "ماذا كان الله يفعل قبل خلق العالم؟»، وإجابته، بلا شك، ملفقة، "كان يعد الجحيم لمن يسأل هذا السؤال"! " لحسن الحظ، تغير هذا الرأي. فمن ناحية، لم يعد علماء الكونيات المعاصرين يخشون الجحيم، ومن ناحية أخرى يحاولون إيجاد حلول يمكن أن تأتي من فيزياء الكموم. فبنفس الطريقة التي حلت بها نظرية الكموم مشكلة فرادة أو تفرد la singularité نموذج رذرفورد Rutherford الكوكبي للذرة، فلماذا، من خلال دمجه في النسبية العامة، لن يلغي أيضًا الفرادة أو التفرد الذي يمثل بداية الزمن؟ تُحرج المفردات الفيزيائيين لأنها مرتبطة بقيم لا حصر لها من الكميات والقيم الفيزيائية أو الهندسية، مثل درجة الحرارة أو كثافة الطاقة أو انحناء الفضاء. منذ بدايات علم الكون النسبي والنموذج الأول "للذرة البدائية" الذي طوره جورج لومتر في عام 1931، كان يشتبه في أن السيناريو الكلاسيكي لم يعد صحيحًا عندما خضع الكون الشاب لقوانين فيزياء الكموم. لكن على مدى عقود، لم يكن لدى الباحثين أي شيء آخر ليقدموه. لم يروا حتى التسعينيات كيف يمكن لمقاربات الجاذبية الكمومية أن تجعل التفرد الأصلي يظهر. لقد أصبح بالنسبة لبعضهم، ولكن ليس جميعهم، أحد أهدافهم الرئيسية. لذلك لا شيء يمنع من تخيل أن الكون كان يمكن أن يكون موجودًا قبل الانفجار العظيم، لم يعد هذا الأخير حالة فردية، بل انتقالًا عنيفًا بين حالتين مختلفتين من الكون. الاستعداد لمراعاة ما قد يحدث "قبل الأصل" ليست سوى أحدث الانتكاسات الفكرية التي تبعت بعضها البعض لآلاف السنين. واجه الفلاسفة واللاهوتيون من جميع الثقافات والأديان مسألة بداية الزمن. هل تعود شجرة عائلتنا إلى الأبد في الماضي، أم أنها تتجذر في مرحلة ما؟ دافع أرسطو عن غياب البداية من خلال التذرع بالمبدأ الذي بموجبه لا يمكن لأي شيء أن ينشأ من العدم: إذا كان الكون لا يمكن أن يولد من العدم، فلا بد أنه كان موجودًا دائمًا، ويجب أن يمتد الوقت إلى أجل غير مسمى في الماضي مثلما في المستقبل. اتخذ اللاهوتيون المسيحيون وجهة نظر معاكسة. وفقًا لهم، الله، الموجود خارج المكان والزمان، خلقهم جنبًا إلى جنب مع جوانب أخرى من العالم. ماذا كان يفعل من قبل؟ ببساطة لم يكن هناك من قبل... قادت نظرية النسبية العامة علماء الكونيات إلى استنتاج مماثل، على الرغم من استنادهم إلى حجج عقلانية أخرى، وهي أن الاستقراء في الماضي لنماذج فريدمان لومتر يأتي حتماً مع الزمن صفر.

تفضل نظريات الجاذبية الكمومية إثبات صحة طرح أرسطو بجعل التفرد يختفي. لسوء الحظ، فهم لا يحلون المعادلات التي تصف الكون في المنطقة المجاورة مباشرة للانفجار العظيم. على سبيل المثال، الحسابات في نظرية الأوتار ممكنة فقط عند الطاقة المنخفضة، أي عندما تتفاعل الأوتار بشكل ضعيف مع بعضها البعض. ولكن في الانفجار العظيم بالتحديد، تكون الأوتار متشابكة للغاية وتتفاعل بأقوى طريقة ... وتواجه نفس الصعوبات في نظريات أخرى. ومع ذلك، هناك نماذج مختلفة تتجاوز النسبية العامة تخاطر بوصف جوانب معينة من "ما قبل الانفجار العظيم". أي تصف الكون قبل الانفجار العظيم كما في «علم الكونيات الارتدادي"، والذي بالمناسبة لا يقع بالضرورة في إطار الجاذبية الكمومية. وينطبق الشيء نفسه على نظرية آينشتاين-كارتان d'Einstein-Cartan، التي تستند إلى الهندسة مع الالتواء التي يجعل نظريات هوكينغ-بنروز الكلاسيكية حول الحدوث الحتمي l'occurrence inévitable للفرادات لم تعد تنطبق. في الواقع، يسمح الالتواء بتمديد جسيمات الفرميونية مكانيًا وليس باعتبارها نقطية ponctuelles، مما يتجنب تكوين التفردات عن طريق استبدالها بالارتداد. لنتذكر أيضًا أن نظرية الجاذبية الكمومي الحلقية la théorie de la gravitation quantique à boucles، من خلال افتراض القيم القصوى المحدودة للانحناء والكميات الفيزيائية المرتبطة به، يستبدل أيضًا تفرد الانفجار العظيم بارتداد كبير. كان الكون قبله موجودًا مسبقًا وخضع لانكماش سريع. من جانبها، تتسم نظرية الأوتار بالمرونة لدرجة أنها تقبل "سيناريوهات" عديدة مما قبل الانفجار العظيم. تم الاقتراح الأول في عام 1992 من قبل غابرييل فينيزيانو Gabriele Veneziano و موريزيو غاسبيريني Maurizio Gasperini. تستغل مقاربتهم واحدة من أكثر الخصائص المحيرة لنظرية الأوتار المسماة "الثنائية dualité ": يمكننا وصف الحالة النشطة التي يكون فيها الكون في لحظة معينة من حيث حجمه بطريقتين مختلفتين، ولكن يرتبط كل منهما بالآخر بواسطة عنصر معين، بالتناظر symétrie الخاص والازدواجية أو الثنائية. من وجهة نظر طاقوية، لا يمكن تمييز كون أكبر بمرات من مقياس بلانك (lQ-33 سنتيمتر) عن كون أصغر بمقدار l / R مرة. لذلك لم يعد هناك أي عائق أمام الاعتراف بأن الكون كان من الممكن أن يكون أصغر وأصغر كلما عدنا بالزمن إلى الوراء، ولاستقراء ما بعد الانفجار العظيم. لا يصبح أكثر وأكثر سخونة ولا يزداد كثافة: الازدواجية أو الثنائية تضمن، على العكس من ذلك، أنه يمكن وصفه بأنه عالم يزداد اتساعًا وبرودة متزايدة. نتيجة لذلك، سيكون الكون ما قبل الانفجار العظيم عبارة صورة معكوسة للكون اللاحق. دعونا نأخذ مرة أخرى في هذا السياق تاريخها في وقت مضى قبل 14 مليار سنة من الانفجار الكبير التقليدي، لنقل 50 مليار. الكون عبارة عن مساحة شاسعة متجمدة، شبه فارغة، يمر بها عدد قليل من حقول الطاقة. تتأرجح وتتقلب هذه الحقول الكوانتية بنسب متفاوتة بحكم مبدأ عدم اليقين الكمومي ؛ مع مرور الوقت، تزداد قوى التفاعل وتتقلب هذه المجالات بنسب مختلفة وفق مبدأ الريبة أوعدم اليقين الكمومي ؛ ومع مضي الزمن، تزداد قوى التفاعل حدة في بعض المناطق، وتبدأ المادة في التجمع، وتتراكم على حساب المناطق المجاورة. يتم نقل هذه الكتل grumeaux فجأة إلى ما وراء نقطة اللاعودة وتنخرط في عملية انهيار لا رجعة فيها: تتشكل الثقوب السوداء. المادة المحاصرة بالداخل تعزل نفسها، وينقسم الكون إلى قطع منفصلة. داخل كل ثقب أسود، تزداد كثافة المادة باستمرار. ينهار الفضاء فجأة على نفسه في عملية "انكماش" déflation (صورة معكوسة للتضخم)، مصحوبًا بارتفاع مهول في درجة الحرارة. تتركز كل الطاقة في حجم مجهري. عندما تصل الكثافة ودرجة الحرارة والانحناء إلى القيم القصوى التي تسمح بها نظرية الأوتار، فإن هذه الكميات "ترتد" وتبدأ في الانخفاض. لذلك فإن الانفجار العظيم ليس سوى اللحظة التي يحدث فيها هذا الانعكاس. من هناك، يصبح الحدث هو قصة التوسع الذي وصفه علم الكونيات القياسي. هناك سيناريو مختلف تمامًا ناتج عن امتداد لنظرية الأوتار: وهو نموذج الإيكبيروتيك le modèle ekpyrotique إذ يشير إلى نموذج العودة الأبدي الذي دعا إليه فلاسفة العصور القديمة الرواقيين، فإنه يقدم دورة لا نهاية لها من حرائق الكون تليها تطورات متطابقة لأكوان جديدة. يقال إن الانفجار العظيم هو تبادل هائل للطاقة يحدث عندما تتلامس أغشية ثلاثية الأبعاد branes tridimensionnelles. كوننا المكون من 3 غشاء، يطفو في الكون الفائق ذي الأبعاد الإضافية، قد خضع بالفعل لأكثر من انفجار كبير واحد، وسيتكرر هذا الحدث. على الرغم من مغرياتها، فإن كل هذه النماذج تثير تكهنات ميتافيزيقية أكثر مما تثيره النظريات الفيزيائية، لأنها لا تستند إلى أي حسابات موثوقة. ومع ذلك، يبحث علماء الكون عن عواقب يمكن ملاحظتها تجعل من الممكن التفاوض بينهم. من الكون السابق يمكن أن تبقى آثار موجات الجاذبية، التي يختلف توزيعها في الترددات العالية والمنخفضة وفقًا للنماذج. يمكن أن تساعد ملاحظات كاشفات الجاذبية Virgo و LICQ على الأرض ومستقبلاً LISA في الفضاء في الاختيار بينهما، حتى لو كنا بالكاد نصدق ذلك. يبدو على أي حال أنه، بغض النظر عن النهج المستخدم لمحاولة توحيد النسبية العامة وفيزياء الكموم، فإن الإنفجار العظيم Big Bang بالمعنى الضيق قد تم التخلص منه باعتباره فرديًا أو فرادة كونية، وإعادة اكتشاف خلود الزمن الماضي، وبالتالي القضاء على المفهوم اللاهوتي الإشكالي لـ " السبب الأول «. أو المسبب الأول".

 علم الكون المطابق الدوري لبنروز: La cosmologie conforme cyclique de Penrose

 "يرتبط البحث المجنون باكتشافات غير متوقعة" بول فاليري، بخصوص Eureka لإدغارآلان بو

ينهي جون بيير لومينيت هذا الفصل من كتابه بمناقشة ونقد النظرية الكونية الأكثر إسرافًا، من وجهة نظره، من بين كل تلك التي سبق عرضها أعلاه. سأخصص بضع صفحات لها بطريقة استثنائية، ليس لأنه يؤمن بها، ولكن لأنها تنبع من واحدة من أقوى الشخصيات العلمية التي قابلها على الإطلاق والتي لا تزال تظهر حتى اليوم، في العالم. البالغ من العمر 88 عاماً، وإبداع استثنائي. وهو يشير هنا إلى روجر بنوروز، المذكور عدة مرات في فصول مختلفة كتاب" رغوة الزمكان". قدم السير روجر بنروز مساهمة عميقة في تجديد النسبية العامة خلال الستينيات والسبعينيات، مع الاستفادة من مفاهيم وطرق الهندسة الجبرية والطوبولوجيا التفاضلية. نحن مدينون له بالنظرية الأولى حول الفرادات singularities المتعلقة بفيزياء الثقوب السوداء، وبالتعاون مع ستيفن هوكينغ، أظهر النظرية الثانية المتعلقة هذه المرة بعلم الكونيات النسبية. لكن لديه العديد من الخيوط الأخرى لقوسه. في عام 1958، أثناء الدردشة مع والده، وهو طبيب نفساني، وكان يخربش رسومات صغيرة على ورقة، وجد الشاب روجرز بينروز شكلاً أو نمطًا غريبًا يشبه المثلث للوهلة الأولى، ولكن من المستحيل بناؤه في الفضاء العادي ثلاثي الأبعاد. بعد أن نشر مقال له في مجلة علم النفس يصف فيه رسمه الذي سماه «مثلث بنروز triangle de Penrose " وعدد قليل من الرسوما والتخطيطات والأشكال المستحيلة الأخرى من نفس النوع، اتصل به الفنان الهولندي موريتس كورنيلس إيشر Maurits Cornelis Escher: وكان هذا الأخير يرسم منذ فترة طويلة أشكال مجردة مستحيلة دون أن يعرف أنها كانت أشياء رياضياتية جديدة ومدهشة. بعد تبادلات مثمرة بينهما، استوحى إيشر الإلهام من عمل بنروز في نسختين شهيرتين بعنوان الشلال Chute d'eau، والتي تستخدم مثلث بنروز، والصعود والنزول Montée et descente,، والتي تُظهر سلمًا مستحيلًا لايمكن للمرء أن يصعد وينزل عليه إلى ما لا نهاية، مع البقاء على نفس المستوى . اشتهر بيرنوز Penrose أيضًا باكتشافه في عام 1974 لأسقف مكونة من شكلين (على سبيل المثال البنتاغون والماس pentagones et des losanges)، والتي لها خاصية تغطية سطح بالكامل بطريقة غير دورية. بدا الأمر وكأنه ترفيه رياضياتي جميل حتى اكتشاف شبه البلورات، في عام 1984، وهي مواد غريبة ذات بنية منظمة بقوة مثل تلك الموجودة في البلورات cristaux، ولكن ليس بشكل دوري. في السنوات 1990، خلال عشاء مع صديقه المشترك براندون كارتر Brandon Carter (والذي كان بنروز أستاذه قبل خمسة عشر عامًا قبل أن يصبح كارتر بدوره مشرفًا على أطروحة جون بيير لومينيت!)، أتيحت له الفرصة لمناقشة تعاونه مع إيشر، والتبليط غير الدوري، وبشكل عام العلاقات بين العلم والفن والهندسة. أظهر بنروز شرائح من بعض الأسقف غير الدورية التي حصل عليها ببراءة اختراع والتي تستخدمها اليوم شركات البلاط، مضيفًا بكل روح الدعابة البريطانية أنه في النهاية يمكنك كسب المال من خلال الاكتشافات الرياضياتية، وهو أمر نادر إلى حد ما! تساءل روجر بنروز، أحد أتباع المفهوم الأفلاطوني للرياضيات الذي بموجبه يكون جمال وأناقة القوانين بمثابة علامات على الحقيقة، في الروابط بين الوعي البشري وقوانين الفيزياء. يعتقد أن أجهزة الكمبيوتر تعمل مثل آلات تورينغ من حيث الخوارزميات، وهي غير قادرة بشكل أساسي على نمذجة الذكاء والوعي، والتي هي خوارزمية جزئيًا فقط. لا يستبعد بينروز إمكانية الذكاء الاصطناعي على أساس العمليات الكمومية، لأنه، حسب رأيه، فإن العمليات الكمومية processus quantiques، ولا سيما تقليل الحزمة الموجية (وهي جوهرياً غير حتمية في الأساس)، هي التي تلعب دورها في سبر ظاهرة وعي - والإدراك. وهكذا اقترح حلولًا بيولوجية تسمح لظاهرة التراكب الكمومي بالحدوث في الدماغ، الأمر الذي جعل جميع الباحثين في العلوم المعرفية يصرخون - هذا هو الثمن الذي يجب دفعه مقابل الأصالة.

 لكن دعنا نصل إلى علم الكونيات الذي يهمنا هنا، وما ورد أعلاه لم يكن غير ضروري حيث سنرى أن كل شيء متصل في ذهن بنروز. من الواضح أنه عالج المشكلة الهائلة المتمثلة في توحيد مفاهيم فيزياء الكموم مع تلك الخاصة بالفيزياء النسبية. لذلك اقترح في عام 1967 نظريته عن twisteurs "الملتوية"، وفي عام 1971، نظرية شبكات السبينات réseaux de spins. تم تطبيق الأول على نطاق واسع على نظرية الأوتار في إطار مراسلة AdS / CFT، والثاني على أساس الجاذبية الكمومية الحلقية. كما رأينا، هاتان النظريتان مرشحتان جادتان لعنوان نظرية الجاذبية الكمية ويمكنهما حل السؤال: "ماذا كان هناك قبل الانفجار العظيم؟" لا يخفي بنروز حقيقة أنه لا يؤمن كثيرًا بنظرية الأوتار وأبعادها المكانية الإضافية. كما أنه غير راضٍ عن نظرية التضخم. وإذا كانت هذه الأخير نجحت بالفعل في اجتياز العديد من الاختبارات فذلك بفضل قياسات الإشعاع الأحفوري التي أجراها تلسكوبات WMAP و Planck، فذلك ليس كافياً لكي يتم إثباتها بأي حال من الأحوال، وبالتالي لا ينبغي أن تكون جزءًا من النموذج القياسي لعلم الكونيات، على الرغم من رغبة العديد من الفيزيائيين الذين روجوا لها. لطالما وجد بنروز الحلول التي قدمتها نظرية التضخم للمشاكل، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، للنموذج الكوني القياسي خاطئة، على وجه الخصوص لأنها لا تحل لغز الحالة الأولية الخاصة جدًا للكون، وصلة ذلك بـ المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية. إن مسألة مكانة المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية second principe de la thermodynamique في علم الكون النسبي قديمة. يعود تاريخها إلى عمل الفيزيائي الأمريكي ريتشارد تولمان Richard Tolman، بناءً على النماذج الأولى للأكوان الديناميكية التي اكتشفها ألكسندر فريدمان في عام 1922. عادة يبدأ نموذج فريدمان "المغلق" وينتهي في التفرد singularité,أو الفرادة، لكن مؤلفه اقترح إمكانية حل دائري cycloïdale يتم فيه توسيع الكون المغلق ويتقلص على التوالي عددًا كبيرًا من المرات. إذا قبل المرء معادلات "غريبة" معينة لحالة المادة، يحصل المرء بشكل فعال على حل حيث يتأرجح نصف قطر الفضاء بين قيمة دنيا (حالة الحد الأقصى من الضغط) وقيمة قصوى (حالة الحد الأدنى من الضغط). في نهاية عمله الأخير عام 1924 تم الاستشهاد به بالفعل، الكون كمكان وزمان، L'Univers comme espace et temps يقدم فريدمان، وإن كان بإيجاز شديد، حلول "الأكوان المتغيرة" univers variables التي اكتشفها ونشرها في شكل تقني قبل عامين. يكتب على وجه الخصوص: "يولد النوع المتغير للكون مجموعة أكثر عمومية من النماذج: في بعض الحالات، يبدأ نصف قطر انحناء الكون من قيمة معينة ويزداد باستمرار بمرور الزمن ؛ في حالات أخرى، يتغير نصف قطر الانحناء بشكل دوري، يتقلص الكون إلى نقطة حجمها صفر، ثم من هذه النقطة، يزداد نصف القطر إلى قيمة قصوى معينة، ثم يتناقص مرة أخرى ليصبح نقطة مرة أخرى، وهكذا. ويضيف عالم الكونيات الروسي ذلك "لا يخلو من التذكير ببعض المفاهيم الأسطورية عن الهندوس فيما يتعلق بـ" دورات الوجود ".إن مفاهيم الأكوان الدورية أو المتذبذبة شائعة جدًا في الأساطير المختلفة. بين الهندوس، كل دورة من الكون هي "كالبا" أو "يوم براهما"، والتي تستمر منذ 4320 مليون سنة. فيشنو، الذي يتحكم في الكون، لديه حياة من مائة "سنة كونية"، كل منها يحتوي على 360 كالبا. بعد 36000 دورة تقابل ما يقرب من 150 تريليون سنة أرضية، يقترب العالم من نهايته وتبقى الروح فقط. بعد فترة زمنية غير محددة، يظهر عالم جديد وفيشنو Vishnu جديد، وتستأنف الدورة. لاحظ أن طول يوم براهما قريب جدًا من العمر المنسوب إلى كوكبنا والنظام الشمسي (4.56 مليار سنة)، وبنفس الترتيب من حيث الحجم مثل عمر الكون في علم الكونيات الحديث! ومع ذلك، فإن هذه الذكريات الغريبة لعلم الكونيات الهندوسي التي ذكرها ألكسندر فريدمان لم تأخذ في الاعتبار المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية. في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، كان ريتشارد تولمان Richard Tolman  مهتمًا بنموذج فريدمان الدوري، حيث يمر الكون بمراحل متتالية من الانكماش والتوسع، وذلك منذ الأزل، بدون بداية أو نهاية. وفقًا لتولمان، كان لابد من استبدال التفردات أو الفرادات الأولية والنهائية من خلال تكوينات صغيرة جدًا وكثيفة جدًا من الأكوان، من نوع "الذرة البدائية" التي اقترحها لومتر Lematre للتو. ومع ذلك، قاده عمله ليُظهر في عام 1934 أن الفكرة يجب أن تفشل بسبب المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية. هذا يثبت أن إنتروبيا النظام المغلق - وهي حالة الكون المغلق - يمكن أن تزداد بمرور الوقت فقط. وفقًا لحسابات تولمان، يجب أن تكون كل بداية لدورة كون جديدة مصحوبة بزيادة في إنتروبيا المادة والإشعاع الذي كانت تحتويه سابقًا. ومع ذلك، فإن إنتروبيا كوننا الحالي محدودة ومنخفضة جدًا في النهاية، وهذا لا يتفق مع فرضية وجود عدد كبير جدًا، بل غير محدود، من الدورات السابقة لدورتنا. نحن نعلم اليوم أن الكون يتوسع بسرعة بسبب محتواه السائد في الطاقة المظلمة الطاردة. يبدو أن هندسته قريبة جدًا من كونها إقليدية، على الرغم من أن التحليلات الأخيرة لتلسكوب بلانك التي تميل إلى تفضيل مساحة من الانحناء الإيجابي قليلاً. على أي حال، إذا تم وصف الطاقة المظلمة جيدًا بواسطة ثابت كوني أو مجال متغير من الجوهر يبقيها دائمًا نابذة، فإن كوننا سيواصل تمدده المتسارع إلى الأبد. من الواضح أن هذا يغلق الباب أمام كون دوري. سيكون لكوننا حياة واحدة فقط، أبدية بالتأكيد ولكن محكومًا عليها بالانحلال بلا هوادة، كل الهياكل المعقدة في كوننا ستختفي بمجرد استنفاد مصادر الطاقة الموجودة في النجوم وفي الأشكال الأخرى. يرفض روجر بنروز هذه الفكرة. النظرية التي اقترحها منذ ذلك الحين ويُطلق على عام 2010 علم الكون المطابق الدوري la cosmologie conforme cyclique (اختصار CCC)، وباستخدام تعبير نيلز بور المعروف جيدًا، من الجنون بما يكفي أن تكون دقيقًا! لفهم CCC، دعنا أولاً نأخذ منعطفًا بسيطًا من خلال مفهوم التحويل المطابق، وهو مصطلح ينطبق بشكل عام في الهندسة على التحول الذي يحافظ على الزوايا بدلاً من الحفاظ على الأطوال (وهي حالة الاستدارة أو التدويرات le cas des trans­ lations ou des rotations,، وهي وبالتالي غير متوافقة). في الستينيات من القرن الماضي، أظهر بنروز بالفعل كيف يمكن مطابقة المخططات للزمكان اللانهائي، التي تصف جميع أحداث الكون في تاريخ معين، بمساعدة التحويل المطابق. بالضبط مع مربع واحد بحجم محدود. بعده، استخدم براندون كارتر هذه التقنية للوصف الكامل للثقوب السوداء. وبالتالي، فإن مخططات بنروز كارتر تجعل من الممكن تمثيل الخصائص السببية للثقب الأسود أو النموذج الكوني بكفاءة عالية، على ورقة، بما في ذلك اللانهايات الزمنية والمكانية المحتملة. بداهة، هذه مسألة خدعة رياضياتية لتمثيلها بطريقة محدودة خصائص الزمكان التي تتكشف إلى ما لا نهاية. بالفعل في نهاية القرن الحادي عشر، تصور هنري بوانكاريه تمثيلًا مطابقًا لسطح قطعي لانهائي plan hyperbolique في شكل قرص منتهي يُدرج فيه الفضاء المحدب hyperbolique بأكمله. كان موريتس كورنليس إيشر قد أنتج، مرة أخرى، في نهاية 1950 سلسلة من المطبوعات بعنوان الحدود الدائرية Circular Limit- Limite circulaire، والتي استخدم فيها التمثيل المطابق لـتصميم بوانكاريه Poincaré مع نموذجه في علم الكونيات المطابق الدوري، بدأ روجر بنروز باللعب بطريقة مماثلة مع معادلات النسبية العامة، ولكن بدلاً من اعتبار التحولات المطابقة كأداة رياضياتية للمهن التعليمية أو الفنية، كان مقتنعًا بأن التكافؤ المطابق بين حالة من التوسع اللانهائي للكون والحالة البدائية المحدودة كانت حقيقة فيزيائية! هذا ليس واضحًا، لأنه يتطلب وصف المراحل الأولية والنهائية للكون بمحتوى جسيمي من كتلة صفرية، وإلا فسيتم فقد التناظر المطابق. بالنسبة للمرحلة الأولى، تبدو الأمور جيدة في وقت أقرب. يُعتقد أنه عندما كانت درجة الحرارة مرتفعة بدرجة كافية، كان حقل هيغز المسؤول اليوم عن كتلة الجسيمات يساوي صفرًا، وهو ما ألغى فعليًا كتلة الجسيمات الأخرى. وحتى بدون هذا المجال أو الحقل، كانت الطاقات الحركية للجسيمات بعد الانفجار العظيم عالية جدًا لدرجة أنها هيمنت إلى حد كبير على تلك المرتبطة بكتلها. لذلك حدث كل شيء كما لو أن جميع الجسيمات الموجودة في الكون الصغير البدئي كانت بلا كتلة بالفعل.

 بالنسبة لمستقبل الكون البعيد، فإن السؤال أكثر إشكالية. ليس هناك ما يشير إلى أن كتل الإلكترونات أو الكواركات سوف تلغي بعضها البعض يومًا ما وأن الكون سيتكون فقط من جسيمات عديمة الكتلة. ومع ذلك، يمكننا استدعاء سيناريوهات غير مؤكدة مثل تفكك البروتونات، والتبخر الكمومي للثقوب السوداء أو حتى بحر من الثقوب السوداء الافتراضية التي تبتلع جزيئات المادة لبصقها في شكل فوتونات وتحويل كل محتوى المادة في الكون إلى ضوء. بعض الآليات الموجودة في نظريات الأوتار ذات الأبعاد المكانية الإضافية تسمح أيضًا لكتل الجسيمات بالتطور بمرور الوقت لتصبح صفرًا في النهاية. افترض إذن أن هذا الشرط قد تم التحقق منه في مستقبل بعيد جدًا (ليس بالضرورة غير محدود). لنتذكر إذن أنه في نظرية النسبية، لا يوجد وقت للجسيمات ذات الكتلة الصفرية التي تسافر بسرعة الضوء؛ حتى كلمة الخلود ليس لها معنى بالنسبة لها. يعتقد بنروز أنه مثلما لا ترى الفوتونات مرور الزمن، فإن هندسة الزمكان لن تتذكر الزمن الذي يمر، ولن يتم حساب سوى بنيته المطابقة sa structure conforme. المقياس La métrique، الذي يجعل من الممكن عادة إعطاء معنى لفترات الزمان والمكان، يفسح المجال لخصائص مطابقة. ومن ثم يصبح من الممكن رياضياتيًا ربط الزمكان النهائي بمرحلته الأولية من التوسع، وهذا دون وجود مشكلة مرتبطة بالتفرد الكوني الذي يحظر عادةً القيام بذلك. عند تطبيق نفس الفكرة على زمكان رباعي الأبعاد، فإن الفكرة نفسها تجعل من الممكن اعتبار الكون الإقليدي اللامتناهي في الزمان والمكان على أنه مكافئ لكون مفرط كروي محدود univers hypersphérique fini، والذي يتمدد ويتقلص في تناوب دائم، بطريقة مماثلة للانفجارات والنكماشات أو التقلصات الكبيرة الكبيرة Big Bang et Big Crunch  لأكوان الفينيكس des univers-phénix. لذلك سيكون كوننا دوريًا، حيث يولد من جديد باستمرار لمغامرة جديدة بعد فترة يسميها بنروز "eon". وهذا المصطلح، المشتق من اليونانية القديمة، يعني في البداية "الحياة" أو "أن تكون" قبل أن يتطور تدريجيًا نحو فكرة "شبه الخلود". في علم الكون المطابق الدوري، يختبر الكون سلسلة من تعاقب الدهور une succession d'éons. كانت الحقبة السابقة، قبل الانفجار العظيم، تشبه تلك التي نعرفها اليوم: المجرات المتجمعة في مجموعات احتلت الفضاء، مع وجود ثقوب سوداء في قلوبها أكبر بمليارات المرات من كتلة الشمس. تحت تأثير الجاذبية، انجذب العديد منهم، ووضعوا في مدار مشترك، ليندمجوا أخيرًا في رقصة الفالس النهائية. أطلق اندماجهم Leur coalescence طاقة هائلة في شكل موجات الجاذبية. انتشرت هذه الموجات بشكل كروي في الزمكان وتشويهه أثناء عبورها. لن يقتصر الأمر على غزوهم لكون الدهر le cosmos de l'éon  السابق، ولكنهم تركوا بصماتهم في إشعاع الخلفية لدهرنا notre propre éon، في شكل مناطق حلقية حيث تقل تقلبات درجات الحرارة. وبالتالي، لن يكون الانفجار العظيم بداية كل شيء، ولم تكن مرحلة التضخم التي يُستشهد بها تقليديًا لتحدث أبدًا. في نوفمبر 2010، نشر بنروز بالتعاون مع عالم الفلك الأرمني فاهي غروزاديان Vahé Gurzadyan مقالًا على الإنترنت أثار ضجة: زعموا أنهم رصدوا شذوذًا في تقلبات درجات الحرارة للإشعاع الأحفوري المسجل بواسطة التلسكوب الفضائي WMAP، والتي تظهر في شكل الدوائر التي تنبأت بها نظرية CCC. نظرًا لسمعة Penrose العالية، احتدم النقاش بسرعة. لقد أشار المتخصصون في تحليل الإشعاع الأحفوري عن حق إلى أنه في خريطة معقدة مثل تلك الخاصة بتباين درجة الحرارة، يمكن للمرء أن يجد جميع الأنماط الممكنة والتي يمكن تخيلها دون أن يعني هذا أي شيء بخلاف الصدفة الإحصائية الخالصة ''. حتى أن فريقًا كنديًا استمتع بالبحث عن مثلثات متحدة المركز متساوية الأضلاع بدلاً من الدوائر، ووجدوها! بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من القفزة العملاقة التي تحققت بفضل مهمة بلانك، التي أعطت في عام 2013 خرائط أكثر دقة لتقلبات درجة الحرارة للإشعاع الأحفوري وكذلك التقلبات في استقطابها، لم يأت شيء على الإطلاق لتأكيد تحليلات بنروز وغورزاديان. يذهب فقط لإظهار أن أناقة نموذج CCC ليست كافية لضمان صدقيتها لكن ذلك لم يثبط عزيمته ولا يزال مبتكرًا كما كان دائمًا، قدم روجر بنروز طريقة جديدة لاختبار نظريته بافتراض التناظر المطابق لمعادلاته ووجود مجال طاقة مشابه لذلك المرتبط ببوزون Brout- هيغز إنغلرتEnglert-Higgs في نموذج الجسيمات القياسي. يصف هذا المجال الجسيمات عديمة الكتلة في الأصل، ولكنها ستصبح ضخمة بعد الانفجار العظيم. مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالجاذبية، سيكون ترتيب الحجم الطبيعي لكتلة هذه الجسيمات بترتيب كتلة بلانك، أو حوالي 10-5 جرام. يقترح بنروز أن هذه الجسيمات هي مرشح طبيعي لعنوان المادة المظلمة غير الباريونية. وهي حساسة لقوة الجاذبية وحدها، سيكون من الصعب جدًا اكتشافها، تمامًا مثل WIMPs  في النموذج القياسي، والأسوأ من ذلك، من المستحيل إعادة إنشائها بشكل مصطنع في المسرعات الأرضية، لأنها ثقيلة جدًا. عمد بنروز هذه الجسيمات الجديدة باسم "érébons"، في إشارة إلى Erebos (بالفرنسية، érèbe)، الإله الجهنمي للأساطير اليونانية المولودة من الفوضى، مجسدة ظلام العالم السفلي. يفترض أن الأيروس غير مستقر وأنه يمكن أن يتفكك عن طريق التحول إلى موجات الجاذبية الكروية. لا تتفكك جميع هذه الحركات في نفس الوقت، فالموجات المنبعثة ستجمع لتشكل ضجيجًا في الخلفية يسمى العشوائية stochastique,، وهذا يعني التقلب في الشدة والترددات بشكل عشوائي، كما تفعل مجموعة الحصى الصغيرة. يتم رميها عشوائيًا، في الوقت المناسب والفضاء على سطح البركة. سيظل من الضروري أن يكون لهذه الموجات سعة كافية لدخول نطاق تردد أجهزة الكشف ولكي تحدث كثيرًا بشكل كافٍ. تكمن المشكلة في عدم وجود تنبؤ دقيق بخصائص موجات الجاذبية الناتجة عن اضمحلال الإيربونات الافتراضية ذاتها hypothétiques érébons. اتساعها وتردداتها، أو عدد المصادر لكل وحدة زمنية كدالة للمسافة أو الموقع على القبو السماوي، إذ هي غير معروفة على الإطلاق. لا بأس. في يونيو 2017 فريق من الباحثين المقيم في الدنمارك قال الفريق إنه وجد نتيجة غريبة عند تحليل الإشارات التي تم التقاطها بواسطة كاشفات موجات الجاذبية خلال الأحداث الثلاثة الأولى المسماة GW150914 و GW151226 و GW170104، أي تم الكشف عنها على التوالي في 14 سبتمبر 2015 و 26 ديسمبر 2015 ثم 4 يناير كانت هذه الإشارات موضوع دراسات مكثفة من قبل أعضاء فريق تعاون LIGO في الولايات المتحدة وفيرغو في أوروبا، ويتم تفسيرها على أنها مرور الأمواج على الأرض الناتجة عن اندماج الثقوب السوداء النجمية في الأنظمة الثنائية. ولكن، وفقًا للباحثين الدنماركيين، ستحتوي البيانات التي تم جمعها على مكون إضافي ظل دون أن يلاحظه أحد حتى ذلك الحين، والذي من شأنه أن يكشف عن ضوضاء خلفية لموجات الجاذبية. اقتنص روجر بنروز الفرصة وافترض أن هذا هو الضجيج العشوائي الناتج عن تفكك أذرعه. بالنسبة لباحثي LIGO-Virgo، المكون الإضافي الذي وجده زملاؤهم الدنماركيون كان ناتجًا عن خطأ يتعلق بفهم ضعيف للبيانات العامة التي يقدمها التعاون. وحتى لو كان مثل هذا المكون موجودًا، إذا كان بسبب موجات الجاذبية المرتبطة بانحلال الأيروس، فيجب العثور عليه في جميع البيانات وليس فقط أثناء مراقبة الأحداث الثلاثة الأولى. من غير المحتمل بشكل مطلق أن تمر الموجة الثقالية الناتجة عن التفكك العشوائي للإيربون عن طريق الصدفة وبدقة شديدة في نفس الوقت الذي تمر فيه موجة الجاذبية الناتجة عن اندماج ثقبين أسودين، لم يحدث ذلك قبل أو بعد ذلك. يجب أيضًا رؤية ارتباط ضوضاء الخلفية المرتبط بـ eros الإيروس في البحث الذي تم إجراؤه بواسطة كواشف LIGO و Virgo والآن KAGRA في اليابان. ومع ذلك، إذا تم اكتشاف اندماجات جديدة للثقوب السوداء الثنائية منذ عام 2017، فلن تظهر ضوضاء في الخلفية بخلاف تلك الخاصة بالأدوات. في الوقت الحاضر، لا أعرف ما إذا كان السير روجر بنروز سيجد جديدًا بخصوص هذه الفكرة لإثبات تصوره الأفلاطوني للعالم ... على أي حال، هذا النوع من البحث الاستفزازي وربما المحكوم عليه بالفشل مثير للاهتمام، لأنه يجعل من الممكن أن يشرح للطلاب والباحثين الشباب الحاجة إلى التفكير خارج النماذج القياسية، فقط اختبار متانة هذا الأخير. وفوق كل شيء، كما كتب الشاعر نوفاليس: "النظريات مثل الصيد: فقط من يرمي يجازف بالإمساك بشيء! "

الأكوان المتعددة في كون مطلق لامتناهي كلي القدرة ودائم التطور، حي وعاقل، هو المخرج الممكن من مأزق أو معضلة الألوهية الدينية:

إن لغز الألوهية بين اللاهوت والناسوت، معضلة واجهت وماتزال تواجه البشرية على مر العصور، والمقصود هنا تحديداً باللاهوت الرؤية الدينية أما الناسوت فهو الرؤية البشرية، بعبارة أخرى التناقض بين الرؤية الميثولوجية والرؤية العلمانية المادية. ومسألة الألوهية هذه تواجه البشر منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة عندما كان البشر الأوائل يعيشون كبقية دواب الأرض وفق الدوافع الغريزية والبقاء على قيد الحياة . نشأ التحدي منذ نشوء الوعي وملكة التفكير التي ميزت الإنسان عن الحيوان . بالطبع مسألة ظهور الوعي والتفكير العقلي عند الإنسان تحتاج للعديد من الأبحاث والدراسات والكثير من الكتب والمؤلفات لكشف جذور نشؤها وتطورها عند الإنسان أي كيفية ظهور الذكار الذي جعل البشر يفكر ويتأمل ويتساءل في أعماقه عن هذا الخوف من المجهول ومن مخاطر الطبيعة وتحدياتها كالزلازل والبراكين والعواصف والأعاصير والفيضانات والجفاف وافتراس السباع الجائعة ورهبته من الشمس والقمر والخسوف والكسوف . أعتقد البشر الأوائل إن في الطبيعة قوى خفية عليا فتاكة تهدده إذا لم يذعن ويطيع ويقدم القرابين . ثم تبلورت هذه العلاقة بين الإنسان والطبيعة وقواها الخفية لتأخذ أشكالاً وأسماء مختلفة لآلهة متعددة ومتخصصة يمثلها كهنة وعرافون وسحرة ومشعوذون للسيطرة على القطعان البشرية الهائمة وتدجينها وقيادتها. ثم تطورت الحياة الاجتماعية وظهرت الحضارات المجتمعية الوثنية المنظمة منذ العصر السومري ومن ثم الآشوري والبابلي والحضارة الفرعونية والحضارة الإغريقية لغاية ظهور الديانات التوحيدية التي اختلقت فكرة الإله الواحد الخالق والقادر على كل شيء والذي سوقته المؤسسات الدينية الأرضية الكنسية واستعبدت البشر باسمه.ومنذ ذلك الحين توالت القوانين والتشريعات والمحرمات ومفاهيم الحلال والحرام والعقاب والثواب والآخرة ويوم الحساب والجنة والنار والجحيم والفردوس ورسخت الخرافات والأساطير في رؤوس مليارات البشر وعقولهم وجعلتهم يصدقون ادعاءات الأنبياء ومعجزاتهم التي تخرق قوانين الطبيعة والتي يجب على البشر تصديقها وعدم التشكيك بها أو معارضتها تبلورت المشكلة اللغز المتعلقة بالألوهية ولم يتمكن أحد من تقديم صورة حقيقية أو وصف حقيقي مقنع وقابل للاثبات لهذا الإله الواحد. فتارة هو كائن قابل للتشبيه والتجسيد ويشبه البشر ويتشرك مهم بالعديد من الصفات والسلوكيات من قبيل الغيرة والانتقام والغضب والمكر وخصوصاً قدرته على لإتيان الشر . وتارة هو كائن خارج عن التصور ولايشبهه شيء ويعلو أو يسمو على الصفات والتشييئ وهو خالق للزمان وخارجه وخالق للمكان وخارجه . ثم دخل العلم، مواصلاً مهمة الفلسفة في العهود القديمة التي نازعت الأديان سلطانها وآيديولوجيتها، لكن دخول العلم حلبة الصراع زاد المشكلة تعقيداً ولم ينجح في إثبات عدم وجود هذا الإله الواح ولا إثبات وجوده. ومن ثم ظهرت النزعات الارتدادية والهرطقية والإلحادية والطوائف الانشقاقية واشتعلت المعرك الدامية بين المؤسسات الدينية والمؤسسات العلمية، بين علماء الدين وعلماء الطبيعة، بين الدين والعلم، بين اللاهون والناسوت.

أفرز العلم كم هائل من النظريات والفرضيات المليئة بالثغرات والحلقات المفقودة والافتراضيات النظرية المتخمة باللانهايات والفرادات عن الكون والحياة والتطور، فيما توغل الدين في الخرافات والماوراءيات والغيبيات الميتافيزيقية عن الخلق والحياة والإله الديني الثيولوجي وأدخلت البشرية في مأزق لابد للخروج منه ببديل يكون مقبولاً ومقنعاً علمياً ودينياً في آن واحد. رسمت الأديان، في أفضل الأحوال، صورة مثلى عن إله خارق، خرج الزمن وخارج المكان لايحتويه شيء وهو أكبر من كل شيء،أزلي أبدي سرمدي كلي القدر، خير، كلي العلم،خالق للكون والحياة، لم يلد ولم يولد، لانهائي في أبعاده وصفاته وماهيته . فيما تحدث العلم عن كون مرئي، كان ثابتاً ساكنا مستقراً لايتغير وأبدي، لكن العلم تطور وغير هذه الصورة إلى كون ديناميكي متحرك ومتطور ومتغير له بداية وستكون له حتماً نهاية محدود في الزمان والمكان موجود بذاته لم يخلقه أحد " كون من لاشيء" . فلا الدين وأتباعه يتقبلون النظرة العلمية ولا العلم وأتباعه يتقبلون النظرة الدينية للكون والطبيعة والحياة، وماتزال الحرب الشعواء دائرة بينهم. ليس كل المتدينيين وليس كل رجال الدين يتقبلون الرؤية الدينية الأرثوذوكسية، وليس كل العلماء يتقبلون بلا نقاش الرؤية المادية المحضة للكون والحياة. آن الأوان اليوم لطرح فرضية بديلة علمية ولاهوتية في آن واحد مع بعض التنازلات من هذا الطرف وذاك لتقريب المواقف والمفاهيم . وهذه الفرضية هي الكون المتعدد المطلق الكلي الحي العاقل الكلي القدرة لا بداية له ولانهاية لم يخلقه أحد ولم يخلق أحد فهو المطلق الوحيد واللانهائي الوحيد وماعداه نسبي وجزئي فهو اللامتناهي السامي وهو الوحيد الموجود في الوجود لأنه هو الوجود كله " كما تقول نظرية وحدة الوجود الصوفية" وكل شيء آخر في هذا الوجود هو جزء لايتجزأ منه. ونعني بالمتعدد هنا أن فيه عدد لانهائي من الأكوان على غرار كوننا المرئي تشبه وتختلف عن كوننا المرئي لانهائية العدد ولكل منها مكوناته وقوانينه وثوابته الخاصة كما هو الحال في كوننا المرئي الذي ندرسه ونعيش فيه من اللامتناهي في الصغر" الجسيمات الأولوية"، إلى اللامتناهي في الكبر" الأقمار والكواكب والنجوم والمجرات والسدم وأكداس أو عناقيد الجرات والحشود المجرية" وكافة المكونات المادية الأخرى من مادة وطاقة بكل أشكالها وأنواعها ومسمياتها، بما فيها نحن البشر والكائنات الحية الأخرى والنبتات والجماد " لكل دوره المحدد في هذه التركيبة وكل شيء متصل ببعضه ومرتبط ببعضه بتفاعلات لانعرف إلا الجزء اليسير منها الآن فكوننا المرئي ليس سوى جسيم أولي لامتناهي في الصغر في كينونة الكون المطلق الحي الكلي المتسامي والإنسان هو جزء من هذا الكيان الكلي اللامحدود والمطلق والذي يمكننا أن نسميه " الله" .

 

د. جواد بشارة

........................

لمعرفة اكثر

From the Big Bang to the Living: قابل جان بيير لومينيت وهوبير ريفز

مقال بقلم Laurent Sacco نُشر في 02/07/2011

 

 

 

 

بقلم: ماريا تممينغ

ترجمة وتجرير: بدر ثاني

رصدت محطة الفضاء الدولية نوعًا غريبًا من البرق المقلوب رأسًا على عقب يسمى طائرة زرقاء (مصورة) تنطلق من سحابة رعدية إلى طبقة الستراتوسفير في عام 2019.

تنطلق النفاثات الزرقاء إلى الأعلى من السحب الرعدية إلى طبقة الستراتوسفير، لتصل إلى ارتفاعات تصل إلى حوالي 50 كيلومترًا في أقل من ثانية. في حين أن البرق العادي يثير مزيجًا من الغازات في الغلاف الجوي السفلي ليتوهج باللون الأبيض، فإن النفاثات الزرقاء تثير في الغالب نيتروجين الستراتوسفير لخلق لونها الأزرق المميز.

2187 النفاثة الزرقاء

شوهدت هذه النفاثات من الأرض والطائرات لسنوات، ولكن من الصعب معرفة كيف تتشكل دون أن ترتفع فوق السحاب. الآن، رصدت الأجهزة الموجودة في محطة الفضاء الدولية نفاثة زرقاء تنبثق من انفجار قصير للغاية ولامع للكهرباء بالقرب من قمة سحابة رعدية، حسبما أفاد باحثون على الإنترنت في 20 يناير في مجلة Nature.

يقول فيكتور باسكو-عالم فيزياء الفضاء في ولاية بنسلفانيا، والذي لم يشارك في العمل-: يعد فهم النفاثات الزرقاء وظواهر الغلاف الجوي العلوي الأخرى المتعلقة بالعواصف الرعدية، مثل العفاريت والجان، أمرًا مهمًا لأن هذه الأحداث يمكن أن تؤثر في كيفية انتقال موجات الراديو عبر الهواء، خاصة تأثيرها المحتمل على تقنيات الاتصال.

لاحظت الكاميرات وأجهزة استشعار الضوء التي تسمى مقاييس الضوء في محطة الفضاء أن النفاثة الزرقاء تتدفق في عاصفة فوق المحيط الهادئ، بالقرب من جزيرة ناورو، في فبراير 2019. يقول تورستن نوبيرت-عالم فيزياء الغلاف الجوي بجامعة التقنية في الدنمارك "كل شيء يبدأ باعتقادي وكأنه انفجار أزرق". ويضيف: "كان ذلك الانفجار وميضًا مدته 10 ميكروثانية من الضوء الأزرق الساطع بالقرب من أعلى السحابة، على ارتفاع حوالي 16 كيلومترًا. فمن النقطة المضيئة تلك، انطلقت نفاثة زرقاء إلى طبقة الستراتوسفير، لتصل إلى ارتفاع حوالي 52 كيلومترًا على مدى عدة مئات من الميلي ثانية. "

ويقول نيوبرت أيضا: "إن الشرارة التي ولّدت النفاثة الزرقاء ربما كانت نوعًا خاصًا من التفريغ الكهربائي قصير المدى داخل السحابة الرعدية. وتتشكل صواعق البرق العادية عن طريق التفريغ بين مناطق سحابة مشحونة بشكل معاكس - أو سحابة وأرض - تفصل بينهما عدة كيلومترات. كما يقول نيوبرت: " ولكن المزج المضطرب العالي في السحابة قد يجلب مناطق مشحونة معاكسة على بعد كيلومتر واحد من بعضها البعض، مما ينتج عنه دفعات قصيرة جدًا ولكن قوية من التيار الكهربائي. رأى الباحثون أدلة على مثل هذه التصريفات عالية الطاقة وقصيرة المدى في نبضات موجات الراديو من العواصف الرعدية المكتشفة بواسطة الهوائيات الأرضية.

 

.....................

رابط المقال:

Space station detectors spot the source of weird ‘blue jet’ lightning | Science News

 

 

جواد بشارةقراءة في كتاب جون بيير لومينيت "رغوة الزمكان L’écume de l’espace-temps

النماذج القياسية للجسيمات وعلم الكونيات وتعدد الأكوان ومعضلة ماقبل البغ بانغ الانفجار العظيم.

كل ما تحتاج لمعرفته حول الكون مع جان بيير لومينيت، عالم الفيزياء الفلكية الشهير، جان بيير لومينيت، يتحدث إلينا عن الكواكب الخارجية والطاقة المظلمة والثقوب السوداء خلال هذه المقابلة وخلال العرض الموجز لمحتويات كتابه الأخير رغوة الزمكان الصادر حديثاً في أكتوبر 2020.أود التنويه إلى أن جون بيير لومينيت يحتل مكانة مرموقة في الوسط العلمي إلا أنه لايتردد في أن يقرن نفسه بالفطاحل من العلماء من باب تقليل أهمية الآخرين لإبراز نفسه وتسويق أهميته ومكانته ودوره. فلقد كرس ثلاث فصول للعبقري البريطاني الراحل ستيفن هوكينغ ليخلص إلا أن شهرته أكبر من منجزه العلمي ونفس الشيء مع علماء آخرين من قامة روجر بينروز الذي انتقد بشدة وقلل من أهمية ومصداقية نظريته الجديدة عن الكون المتطابق الدوري ccc وكذلك الاستخفاف بأعمدة نظرية الأوتار الفائقة وبالنظرية نفسها من أمثال برايان غرين ونقد نظرية الأكوان المتعددة التي تحدث عنها باسهاب ماكس تيغمارك وأورليان بارو وكرسا لها كتابين هما الكون الرياضياتي للأول والكون التعددي للثاني.

لمدة 35 عامًا تقريبًا، سعى أينشتاين إلى نظرية موحدة للمادة، والزمكان، ودمج قوة الجاذبية بالقوة الكهرومغناطيسية، والقادرة أيضًا على تفسير الظواهر الكمومية. منذ ما يقرب من 50 عامًا، تم استئناف هذا البحث ذي الآثار الفلسفية العميقة. في أحدث أعماله، يخبرنا عالم الفيزياء الفلكية الشهير جان بيير لومينيت عن المسارات السبعة التي تم استكشافها حول هذا الموضوع للوصول إلى نظرية الجاذبية الكمومية.

2186 رغوة الزمكان 1

موضوع جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام والذي كان مثار اهتمام القائمين على هذه الجائزة هو العلماء الذين ساهموا باكتشاف وتطوير وتصوير الثقوب السوداء. تخيل العلماء النظريون الثقوب السوداء قبل عقود من عمليات الرصد والمراقبة والملاحظات الفلكية التي جعلت وجودها ممكنًا. أصبح الوجود ملموسًا بشكل أكبر بفضل تقدمين حديثين. من ناحية، منذ عام 2015، تم الكشف عن موجات الجاذبية المنبعثة أثناء اندماج ثقبين أسودين، مع تسجيل عشرات من هذه الأحداث حتى الآن. من ناحية أخرى، قبل بضعة أشهر، أنتجت شبكة من التلسكوبات الراديوية الصورة الأولى لثقب أسود: الصورة الضخمة الهائلة، التي تحتل مركز المجرة M87.

وهكذا تدخل الملاحظات الفلكية لهذه الأجسام حقبة جديدة. وسوف يقدمون معلومات طال انتظارها عن هذه النجوم الضخمة والمضغوطة لدرجة أن جاذبيتها تمنع الضوء من الهروب منها. وهو حدث منتظر للغاية على وجه الخصوص لأن الثقوب السوداء تشكل صعوبة كبيرة للمنظرين وجون بيير لومينيت من أحد أهم المتخصصين بالثقوب السوداء. في عام 1974، قدر الباحث البريطاني الشهير ستيفن هوكينغ أن الثقب الأسود يجب أن يصدر إشعاعًا ضعيفًا، وبالتالي فإن هذا "التبخر" ينتهي، بعد وقت طويل جدًا، بجعله يختفي. لكن هذه الظاهرة تعني أن المعلومات المتعلقة بالمادة التي يبتلعها النجم ستضيع إلى الأبد، وهذا يتعارض مع قوانين فيزياء الكموم.

كيف يتم حل هذه المفارقة؟ يقدم الفيزيائي الأمريكي ستيفن غيدينغز دراسة السبل الرئيسية التي تم النظر فيها. يتضمن البعض منها مراجعة المفاهيم الأساسية للفيزياء. لفرز ذلك، ستكون الملاحظات المستقبلية حاسمة. علاوة على ذلك، ربما يرتبط حل مفارقة المعلومات داخل الثقب الأسود بمشكلة أكبر: عدم التوافق الحالي بين نظرية النسبية العامة، التي تصف الثقوب السوداء، ونظرية الكموم. وهكذا، تشكل هذه النجوم الغريبة اليوم مصيدة للفيزياء النظرية، لكن من الممكن أن تجلب لها الخلاص غدًا.

الثقالة أو الجاذبية الكمومية، هل هي رغوة الزمكان، هل هي مفتاح الانفجار العظيم وظهور الكائنات الحية؟ من هذا التساؤل المهم ينطلق جون بيير لومينيت لعرض أفكاره عبر فصول كتابه " رغوة الزمكان".

تقرر إعادة فتح المكتبات، بعد إغلاقها بسبب الحجر الصحي لمكافحة فيروس كورونا، لذا اغتنمت الفرصة للحصول على كتاب رغوة الزمكان أو "زبد الزمكان"، ملحمة نهاية العام، بقلم جان بيير لومينيت، الذي نُشر في أكتوبر 2020 بواسطة إصدارات Odile Jacob. تمتعت بقراءته، " فالكتاب يتعامل مع الجاذبية الكمومية ومناهجها المختلفة لمحاولة حل عدد من الصعوبات في الفيزياء الحالية: توحيد النسبية العامة وميكانيكا الكموم، والقضاء على الجاذبية المتفردة، فهم طبيعة المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة، ومفارقة المعلومات المرتبطة بالثقوب السوداء، ودور الفراغ الكمومي، والكون المتعدد، وجبهة الانفجار العظيم، إلخ.

المناهج السبعة التي تمت مناقشتها هي الجاذبية الكمومية الحلقية، ونظرية الأوتار الفائقة، والهندسة غير التبادلية، والمجموعات السببية، والجاذبية الآمنة المقاربة، والتثليث الديناميكي السببي، والجاذبية الناشئة. وبصرف النظر عن الأولين، لم يتم الكشف عن أي شيء حتى الآن لعامة الناس ".

نحن مدينون بالكتاب لشخصية معروفة جيدًا لعشاق فيزياء الثقوب السوداء والأكوان المنهارة التي ستتعرفون عليها فورًا عندما يقدمها بنفسه. بالنسبة لأولئك الذين لديهم الوقت والإرادة لمعرفة المزيد، إليكم شيء لوضع الكتاب في منظور بسيط وحتى اكتشاف بعض أجزاء منه.

الفلسفة الطبيعية، مفتاح أساسي للفلسفة:

لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء؟ ما هي مكانة الإنسان في الطبيعة؟ هذه الأسئلة فلسفية وكانت موضوع تأملات المفكرين اليونانيين، سواء أكانوا قبليين أم لا، ولكن أيضًا وربما حتى بشكل خاص من الفيدا الهندية وديانات الهندوس الذين ندين لهم بتعريفنا بملحمة الأوبنشاد. ومع ذلك، يبدو أن الإغريق كانوا أول من فهم أنه من أجل الأمل في حل هذه الأسئلة، كان من الضروري الجمع بين الرؤية البديهية المسبقة للعقل البشري، المستحثة والمستوحاة من التجربة الشعرية للظواهر الطبيعية، مع التصوف ومطالب الفكر العقلاني والرياضياتي، كبداية، ثم السعي للحصول على جزء من الإجابات من خلال ذلك الجزء من الفلسفة الذي كان لا يزال يُسمى في عصر نيوتن بالفلسفة الطبيعية.

يمكن العثور على ذروة هذا المفهوم بلا شك في حوارات أفلاطون والجمهورية وتيماوس على وجه الخصوص، وأهميتها تكمن، كما قال الفيلسوف وعالم الرياضيات ألفريد نورث وايتهيد بالفعل في عمله الشهير "العملية والواقع"، "أضمن توصيف عام للتقليد الفلسفي الأوروبي هو أنه يتكون من سلسلة من الهوامش لأفلاطون".

لا يزال واضحًا بشكل خاص في أعمال ونصوص مؤسسي الفيزياء الحديثة - من أينشتاين إلى أوبنهايمر مروراً بـهايزنبرغ (تشكل ذهني من خلال دراسة الفلسفة وأفلاطون وما إلى ذلك)، وباولي وشرودنغر - - الذي أنتج أيضًا الفيزياء الحديثة بلا شك كصدى لما قاله بالفعل أرخيتاس من تارانتو، عالم الرياضيات والفلك والمهندس والفيلسوف الفيثاغوري العظيم لأفلاطون: "يمكننا القول أن الفلسفة هي رغبة أن يعرفوا ويفهموا الأشياء بأنفسهم، متحدون بالفضيلة العملية، مستوحين ذلك من حب العلم وتحقق الغاية بواسطته. بداية الفلسفة هي علم الطبيعة. البيئة والحياة العملية؛ مصطلح العلم نفسه ".

الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء وولفانغ باولي (1900-1958) في السنوات عام 1930. نحن مدينون له بالعديد من المساهمات في نظرية المجال الكمومي وفيزياء الجسيمات، والنيوترينوات، ونظرية CPT، ونظرية دوران الإلكترون، ناهيك عن النظريات التي توقعها (نظريات القياس والكالوزا- كلاين - Kaluza-Klein) لكنه تحدث فقط في مراسلاته مع زملائه. مثل آينشتاين وهايزنبرغ وشرودنغر، ارتبط فكره وعمله ارتباطًا وثيقًا بأعمال العديد من الفلاسفة ونشأ، كما قال هايزنبرغ عنه، من نوع من التصوف العقلاني. يمكننا أن نقتنع بهذا من خلال هذا الإعلان: "أنا أدافع عن حق غير محدود للعقل للتحكم في أنظمة الفكر. ومع ذلك، فإنني أشير إلى طريقة غير عقلانية للمعرفة، والتي يتم اكتسابها بموارد أخرى غير العقل. أعتقد أن هذا النمط غير العقلاني للمعرفة أساسي وضروري. لا يوجد فكر فحسب، بل هناك أيضًا غريزة، وعاطفة، وحدس، وما إلى ذلك، ويبدو لي أن هذه الوظائف النفسية الإضافية ذات أهمية قصوى حيثما يتم إدراك امتلاء البشر. "؛ ويضيف قائلاً: "آمل ألا يؤكد أحد حتى الآن أن النظريات يتم استنتاجها من خلال التفكير المنطقي الصارم المستمد من مذكرات التجارب المعملية، وهي وجهة نظر كانت لا تزال عصرية تمامًا في ذلك الوقت.. تُبنى النظريات من خلال فهم مستوحى من المواد التجريبية، وهو الفهم الذي يمكن تحقيقه على أفضل وجه، وفقًا لآراء أفلاطون، كمراسلات ناشئة بين الصور الداخلية وسلوك الأشياء الخارجية. تثبت إمكانية الفهم هذه مرة أخرى وجود نزعات نموذجية تنظم كل من الظروف الداخلية والخارجية للبشر ".

كل هذه الاعتبارات تهدف فقط إلى المساعدة في تفسير سبب البحث عن نظرية الكموم للجاذبية وتوليف قوانين الفيزياء، والتي يجب أن تتوج بتوحيد نظرياتنا عن المادة، فهذا الموضوع والهدف المنشود يسحر علماء الفيزياء والزمكان والقوى لأن الفيزيائي بيتر بيرغمان، المتعاون مع ألبرت أينشتاين ورائد نظرية الجاذبية الكمومية، قال: "في كثير من الجوانب، لا يقوم الفيزيائي النظري إلا إذا اقترن بالفيلسوف وقيل عنه: هل هذا فيلسوف في ثوب العالم؟ ".

تلتقي الفلسفة والفيزياء على مقياس بلانك:

كل تطور الكون تحكمه "في نهاية المطاف" نظرية الجاذبية الكمومية التي توحد كل قوى وجسيمات المادة المعروفة. مثل هذه النظرية يجب أن تجعل من الممكن، أو على الأقل نأمل بذلك، فهم المرحلة البدائية للغاية من الكون البدائي وبنيته العامة، بحيث يكون من الممكن على الأرجح تحديد ما إذا كان ظهور الحياة والوعي ما هو إلا ظاهرة ظاهرية تنتجها أكوان متعددة عشوائية تمامًا، تلعب بلا هدف بأشكال الزمكان والمادة التي يحتويها منذ الأبد. إذا كان ينبغي النظر في فرضية معاكسة ودراستها على النحو الذي اقترحه بعض الفيزيائيين المؤيدين لأطروحة المبدأ الأنثروبي القوي - بالنسبة لقراءة اللغة الإنجليزية الفضولية، هناك عمل رائع يتعامل مع المبدأ الأنثروبي: المبدأ الكوني الأنثروبولوجي بواسطة جون بارو وفرانك تيبلر.

حتى أن عالم الكونيات أندريه ليند قد تكهن حول إمكانية توحيد المادة ليس فقط مع المكان والزمان للجاذبية الكمومية ولكن أيضًا توحيد نهائي مع فيزياء العقل التي لم يتم اكتشافها بعد (انظر نهاية كتابه الجسيمات: الفيزياء وعلم الكونيات التضخمية ص.230-232). من المثير للاهتمام مقارنة أفكار ليند حول هذا الموضوع بتكهنات روجر بنروز الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء فيما يتعلق بنظرية للوعي، تتضمن الأخيرة تأثيرات الجاذبية الكمومية على مستوى ما يسميه الفيزيائيون على وجه الخصوص هيكل الرغوة للزمكان من الفيزيائي الشهير جون ويلر. ونحن نعلم أن باولي كان منشغلاً بشدة بنظرية توحد الروح والمادة.

2186 رغوة الزمكان 2

في الخلفية، أعلى اليسار، إحدى النظريات الوحدوية التي اقترحها ألبرت أينشتاين مع استخدام الأعداد المركبة مثل فيزياء الكموم.

نحن نعلم أن رأيه في طبيعة الإبداع، فيما يتعلق بالفيزياء النظرية وأهميتها الفلسفية، كان قريبًا جدًا من رأي باولي كما تثبت الاقتباسات التالية: "إن المهمة العليا للفيزيائي هي الوصول إلى هذه القوانين الأولية العالمية التي من خلالها يمكن بناء الكون عن طريق الاستنتاج المطلق. لا يوجد مسار منطقي لهذه القوانين. فقط الحدس، على أساس الفهم الودي للتجربة، يمكنه الوصول إليهم "و" فكرة في الفيزياء النظرية ... لا تنشأ في الخارج وبشكل مستقل عن التجربة؛ ولا يمكن اشتقاقها من التجربة من خلال إجراء منطقي بحت. يتم إنتاجه من خلال عمل إبداعي. بمجرد الحصول على فكرة نظرية، من الجيد التمسك بها حتى تصل إلى نتيجة لا يمكن الدفاع عنها ". عن 2015 المعهد الأمريكي للفيزياء.

على أي حال، أظهر بنروز في منتصف الستينيات - في ظل ظروف معينة معقولة جدًا، وفي الواقع، والتي تبدو حتمية من الناحية العملية - أن نجمًا نفد وقوده النووي وهو ضخم جدًا يجب أن ينهار لإعطاء ثقب أسود كما أوضح أنه، في إطار معادلات نظرية النسبية العامة، يجب أن يحدث تفرد للزمكان داخل هذا الثقب الأسود، التفرد حيث انحناء الفضاء والكثافة يجب أن تصبح المادة لانهائية ولا تسمح بعد الآن بأي تنبؤ بالحالة النهائية لانهيار مادة الزمكان في النسبية العامة.

لاحقًا، سيتعاون بينروز مع ستيفن هوكينغ لإثبات أن تفرد الزمكان يجب أن يكون موجودًا أيضًا في نظرية أينشتاين عند تطبيقها لبناء النموذج الكوني للانفجار العظيم الذي تشير إليه. هذا في الواقع ليس مفاجئًا جدًا. إن هندسة الزمكان داخل نجم منهار جاذبيًا تشبه إلى حد بعيد هندسة الزمكان في نموذج من نوع الانفجار الكبير عن طريق عكس اتجاه مسار الزمن، الانهيار أصبح توسعًا من التفرد الأولي أو الفرادة الكونية التي ولد منها الانفجار العظيم. لكنها كارثة لأنها تعني أننا لا نستطيع حقًا فهم ما الذي يحدد ولادة الكون الذي يمكن ملاحظته، وبالتالي لماذا يتميز بالخصائص التي نراها فيما يتعلق ببنيته وتطوره. ومع ذلك، في كلتا الحالتين، الانفجار العظيم والثقب الأسود، ينتهي بنا المطاف بزمكان أصغر من ذرة بالقرب من التفرد، مما يعني أنه يجب علينا تطبيق نظرية الجسيمات الأولية وفيزياء مقياس الذرة أو في النطاق مادون المجهري أي اللامتناهي في الصغر وبالتالي نظرية الكموم. كما أوضح جون ويلر، يجب أن يؤدي الجمع بين نظرية الكموم ونظرية النسبية العامة إلى علم الكونيات الكمومية. كما يشير أيضًا إلى أنه في مقاييس زمنية قصيرة جدًا، تلك التي تسمى بلانك، إذا قارنا، كما هو معتاد، سلوك الزمكان بسلوك السائل، فإن الأخير يصبح شديد الاضطراب بما يعادل الفقاعات والرغاوي التي تتشكل مع رغوة الأمواج.

لسوء الحظ، ثبت أن البحث عن نظرية كمومية للجاذبية أكثر صعوبة مما كان يتصور. تم اقتراح العديد من النظريات لهذا الغرض وأكثرها شيوعًا هي تلك الخاصة بنظرية الأوتار الفائقة ونظريات الجاذبية الكمومية الحلقية. لكن هناك أمورًا أخرى مثل تلك التي تستند إلى الهندسة غير التبادلية للفائز بميدالية فيلدز، الفرنسي آلان كونيس، أو تلك الخاصة بالمثلثات الديناميكية السببية. تقوم هذه النظريات الموحدة والجاذبية الكمومية أحيانًا بعمل تنبؤات يمكنها حل الألغاز المرتبطة بالفيزياء بالوجود المفترض للمادة والطاقة السوداوين أو المظلمتين. يمكن أن يكون لها آثار على مفهوم الأكوان المتعددة، وبالتالي، كما أشرنا بالفعل، على الأسئلة المرتبطة بالمبدأ الأنثروبي وبالتالي بمكانة الإنسان، وبشكل أكثر واقعية من الأحياء، في أسرار الحياة والتطور الكوني.

أعمدة الحكمة السبعة:

جان بيير لومينيت معروف جيدًا، ولا سيما من خلال المقابلات التي أجراها والمحاضرات التي ألقاها، ناهيك عن العديد من أعماله وكتبه التبسيطية حول فيزياء الثقوب السوداء، وتاريخ العلوم المتعلقة باختراع الانفجار العظيم أو مكانة اللانهاية في الفيزياء وعلم الكونيات؛ يشتهر جان بيير لومينيت أيضًا بعمله الرائد في الفيزياء الفلكية للثقوب السوداء، من الصورة الأولى لمظهرها المحسوب على الكمبيوتر إلى حدوث الفطائر النجمية، مما أدى إلى ظهور ملاحظات ناجحة، كما يتضح من حدث تعاون Horizon Telescope. فهو تمامًا مثل أينشتاين أو هايزنبرغ، فإن جان بيير لومينيت موسيقي أيضًا، وهذا ليس مفاجئًا عندما نعلم أنه منذ أكثر من 2000 عام، قال آرتشيتاس بالفعل أن علم الفلك والرياضيات والموسيقى كانت تخصصات شقيقة. مثل أينشتاين وهايزنبرغ وشرودنغر وباولي أيضًا، لا تخلو أعماله من تفاعلات مع الأدب والفلسفة والفن بشكل عام.

يحمل أحدث أعماله التي نشرتها أوديل جاكوب علامات هذا التنوع الخلاق، وأثناء استكشافه للبحث عن عالم الجاذبية الكمومية وتوحيد الفيزياء في جوانبها غير المعروفة بالضرورة لعامة الناس، فهو أيضًا نداء حيوي لـ مفهوم وممارسة للعلم أثبت جدارته من كبلر إلى بنروز، بعيدًا عن الأوصاف الجافة لفلسفة وضعية معينة أو السلوكيات الغريبة المهتاجة لهيدغر الذي ادعى أن العلم لم يعتقد بعد ذلك أنه هو نفسه كان غير قادر على سبر الحقيقة كدليل لا لبس فيه، ولا ننسى حقيقة أن هيدغر كان لا يزال عضوًا، في أبريل 1942، في لجنة فلسفة القانون، وهي هيئة نازية، كما أظهر الفيلسوفة سيدوني كيلرير قبل بضع سنوات.

أول ما تم تقديمه للعمل من السنوات 1950-1960 يتعلق في البداية بما يسمى بالنهج الكنسي للجاذبية الكمومية والذي أدى إلى نظرية الجاذبية الكمومية الحلقية، ثم حلقة علم الكونيات الكمومية مما يجعل من الممكن القضاء على الفرادة الكونية singularité أو التفرد الكوني الأولي للانفجار العظيم وحتى تخيل ما قبل الانفجار العظيم.

الجاذبية وعلم الكونيات الكمومي في حلقات هي من بين فرضيات العمل التي تم استكشافها لنظريات الكموم للجاذبية. وهي تستند إلى معادلة ويلر-ديويت الشهيرة وتسمح بالنظر فيما قبل الانفجار العظيم والأكوان الموازية، تمامًا مثل نظرية الأوتار الفائقة. حسب جون بيير لومينيت

من الجاذبية الكمية الحلقية إلى الهندسة غير التبادلية:

تقترح نظرية الجاذبية الكمومية الحلقية أن الزمكان يمكن أن يكون متقطعًا، فما الذي يمكن أن يغيره لأفكارنا حول توحيد الفيزياء؟

في آخر ملحق لكتابه الشهير "معنى النسبية"، كشف ألبرت أينشتاين عن نتائج سعيه الدؤوب لتوحيد قوانين الفيزياء من خلال تعميم معادلات النسبية العامة. يجب أن تكون حقول المادة والقوة مظهرًا من مظاهر الهندسة الجديدة للزمكان المنحني. كان يأمل في أن يتمكن أيضًا من استنباط نسخة أعمق من ميكانيكا الكموم، حتمية تمامًا وقائمة على مجال مستمر.

وبوضوح، أنهى الأب اللامع لنظرية النسبية العامة، مع ذلك ملحقه بهذا الإعلان: "يمكننا تقديم أسباب وجيهة لشرح سبب عدم إمكانية تمثيل الواقع على الإطلاق بمجال مستمر. يبدو أنه يتبع على وجه اليقين من الظواهر الكمومية أن نظامًا محدودًا من الطاقة المحدودة يمكن وصفه بالكامل بسلسلة محدودة من الأرقام (أرقام كمومية). لا يبدو أن هذا يتفق مع نظرية الاستمرارية وينبغي أن يؤدي إلى محاولة إيجاد نظرية جبرية بحتة لوصف الواقع. لكن لا أحد يعرف كيفية الحصول على الأساس لمثل هذه النظرية. "

يعود تاريخ هذه الكلمات إلى عام 1954 وتظهر كنبوءة وكتحية جديدة لعبقرية أينشتاين عندما يلاحظ المرء عمل عالم الرياضيات الفرنسي آلان كونيس فيما يتعلق بالتطبيقات المحتملة لنظريته في الهندسة غير التبادلية لمشاكل توحيد قوانين الفيزياء في بحثه الموسوم مقدمة في الهندسة غير التبادلية وتطبيقاتها لتوحيد الفيزياء والذي حاز عليه جائزة نوبل.

كرست المجلات المتخصصة العديد من المقالات لهذه الهندسة، وفي كتابه، تناول جان بيير لومينيت أيضًا نظريات آلان كونيس.

إن ملحمة البحث عن الجاذبية الكمومية لم تنته بعد، واليوم لدينا سبب أقل للاختلاف مع روح ما قاله عالم الرياضيات العظيم هيرمان ويل بالفعل في ختام كتابه الشهير دورة حول نظرية النسبية قبل بداية العشرينيات: "الشخص الذي يقيس المسافة المقطوعة، من المقياس الإقليدي إلى المجال المتري المتغير اعتمادًا على المادة ويحتوي على مظاهر الجاذبية والكهرومغناطيسية، الشخص الذي يسعى إلى احتضان ما لدينا في لمحة مكشوف ومفتت بالضرورة، يجب أن يشعر هذا الشخص بالحرية، كما لو كان يخرج من قفص حيث كان محبوسًا حتى الآن ؛ يجب أن يكون مشبعًا باليقين بأن عقلنا ليس فقط حاجزًا إنسانيًا مؤقتًا للنضال من أجل الحياة، ولكنه تطور بالرغم من كل المزالق والأخطاء حتى نقطة حيث يمكنها اعتناق الحقيقة بموضوعية. وصلت بعض الأوتار القوية لهذا التناغم بين الكرات التي حلم بها فيثاغورس وكبلر إلى آذاننا ".

قام عالم الرياضيات والفيزياء العظيم هيرمان ويل، أكثر طلاب هيلبرت موهبة، بالكثير لإظهار أهمية المجموعات في فيزياء الكموم. نحن مدينون له أيضًا بكتاب ترويج صغير ممتاز حول مفهوم المجموعة (التناظر والرياضيات الحديثة) والصلات مع مفهوم التناظر في العلوم الطبيعية، سواء كان ذلك في علم البلورات أو علم الأحياء أو للنظرية النسبية، حتى في المجال الفني. ومع ذلك، يمكننا أيضًا الاستمرار في الاشتراك في إعلان ألبرت أينشتاين هذا بعد 50 عامًا من الاجترار المستمر للعالم الكمومي. "شيء واحد تعلمته على مدى العمر الطويل هو أن كل علومنا، مقاسة بالواقع، بدائية وطفولية. ومع ذلك فهو أغلى ما لدينا ".

"لقد ولدت في بيئة، لا أعرف من أين أتيت أو إلى أين سأذهب أو من أنا. هذ هي حالتي مثل حال كل واحد منكم. حقيقة أن كل رجل كان دائمًا في هذا حتى لو كان يواجه النهاية وسيظل هناك دائمًا لا يعلمني شيئًا. كل ما يمكننا ملاحظته لأنفسنا حول السؤال الملح عن أصلنا ووجهتنا هو البيئة الحالية.

لهذا السبب نحن حريصون على معرفة كل ما في وسعنا حول هذا الموضوع. هذا ما يتكون منه العلم، المعرفة، هذا هو المصدر الحقيقي لكل الجهود الروحية البشرية. نحن نحاول أن نكتشف قدر الإمكان عن السياق المكاني والزماني الذي وضعنا فيه ولادتنا. وفي هذا الجهد نجد الفرح، ونجده ممتعًا للغاية (ألن يكون هذا هو الغرض الذي نحن هنا من أجله؟). هذا ما قاله أحد آباء ميكانيكا الكموم، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء إروين شرودنغر. لقد وفرت ميكانيكا موجات المادة التي تحكمها المعادلة التي تحمل اسمه نظرة ثاقبة لخصائص الذرات والجزيئات. اكتشف مع أينشتاين في عام 1935 ظاهرة التشابك الكمومي التي ضمنتها معادلته. كان إروين شرودنغر شغوفًا أيضًا بالفلسفة. كانت هذه هي الأطروحة التي دافع عنها إروين شرودنجر في عام 1950 في إحدى المحاضرات العامة الأربع بعنوان "العلم كعنصر أساسي في الإنسانية". حتى أنه أضاف، باعتباره أحد مؤسسي ميكانيكا الكموم، بعد أن عمل على توضيح طبيعة الحياة وظهور المادة في نموذج نسبي لعلم الكونيات: "المعرفة المعزولة التي حصل عليها مجموعة من المتخصصين في مجال ضيق ليس لها في حد ذاتها قيمة من أي نوع؛ لها قيمة فقط في التوليف الذي يوحدها مع بقية المعرفة وفقط بقدر ما تساهم حقًا، في هذا التوليف، في الإجابة على السؤال: من نحن؟ "نحن نعلم الآن أننا على الأقل غبار النجوم لاستخدام التعبير الذي غالبًا ما يستخدمه هيوبرت ريفز وربما نعيش في كون به زمكان متكدس، كما يقترح جان بيير لومينيت.

حلم التوحيد:

 لطالما كان طموح الفيزياء هو شرح التنوع الحقيقي للواقع من خلال وحدة أساسية. يشرح قانون واحد سقوط التفاحات وحركة القمر، وآخر يشرح كلاً من الكهرباء والمغناطيسية. من خلال تجميع الظواهر المختلفة معًا في أوصاف فريدة، تمكن الفيزيائيون من وصف جميع الظواهر الطبيعية المعروفة · باستخدام أربع قوى جوهرية فقط، عرفت باسم "التفاعلات الأساسية". الثقالة تفسر الجاذبية وسقوط الأجسام، ولكن أيضًا المد والجزر ومسارات القمر والكواكب والنجوم والمجرات، حتى توسع الكون. تم وصفها بكفاءة ملحوظة من خلال نظرية النسبية العامة التي صاغها ألبرت أينشتاين. يشمل التفاعل الكهرومغناطيسي جميع الظواهر الكهربائية والمغناطيسية والضوء والتفاعلات الكيميائية أو البيولوجية أي علم الأحياء - في الواقع، تقريبًا جميع ظواهر الحياة اليومية باستثناء الجاذبية. يتم وصفها بشكل كلاسيكي بواسطة النظرية الكهرومغناطيسية لماكسويل. بعد حل العديد من المشاكل التقنية، ظهرت نظرية أكثر اكتمالا، وهي في آن واحد نسبية وكمومية في نفس الوقت، وتحمل اسم الديناميكا الكهربائية الكمومية. Électro¬ dynamique quantique.

 يضمن التفاعل النووي القويL’interaction nucléaire forte تماسك النوى الذرية، وبالتالي وجود المادة التي نعرفها والتي تشكلنا. يتم وصفه بواسطة نظرية الديناميكا اللونية الكمومية. La chromo¬ dynamique quantique.

 التفاعل النووي الضعيف يسبب الاضمحلال الراديوي النشط للجسيمات دون الذرية ويسمح بالانصهار الحراري أو الاندماج النووي la fusion thermonucléaire ¬ بين النجوم. ويتم وصفه بواسطة النظرية الكهروضعيفة. La théorie électrofaible تم تسليط الضوء على هذين التفاعلين الأخيرين فقط في منتصف القرن العشرين، عندما بدأ فهم بنية النوى الذرية. تم تصنيفهما على أنهما "نوويان" لأنهما يمارسان فقط في مقياس النوى الذرية؛ وبالتالي فهي تفاعلات قصيرة المدى للغاية. ومن ناحية أخرى، فإن التفاعل الثقالي l’interaction gravitationnelle (الذي يكون تأثيره ضئيلًا على النطاق المجهري) والتفاعل الكهرومغناطيسي l'interaction électromagnétique لهما نطاق لانهائي، وتتناقص شدتهما مع مربع المسافة بينهما. أربع تفاعلات لشرح كل الظواهر الفيزيائية وهي قليلة. لكن هذا لا يزال كثيرًا بالنسبة للمنظرين الباحثين عن الوحدة أو توحيد القوانين الفيزيائية الجوهرية. فهم يريدون تقليل هذا العدد. هل يمكن أن تكون التفاعلات الأساسية الأربعة جوانب أو مستويات مختلفة لنفس الواقع الذي يمكن وصفه على مستوى أعمق - أي، يتم التعبير عنه من خلال تفاعل واحد موصوف بواسطة "نظرية وحدوية توحيدية؟»، وتسمى أيضًا نظرية كل شيء Théorie du Tout؟ في غضون ذلك، قد يكون هذا الهدف بعيد المنال، عملية التوحيد تم الحصول عليها جزئيًا في إطار ما يسمى بنموذج الجسيمات "القياسي". يستخدم تعبير "النموذج القياسي أو النموذج المعياري modèle standard " بشكل عام للإشارة إلى نموذج علمي متماسك بدرجة كافية ومستقر لكسب الإجماع بين الخبراء في هذا المجال. وغني عن القول إن صفة "نظرية متماسكة" أمر ضروري لأنه لا يمكن أن يحتوي نموذج علمي توافقي على تناقضات، سواء كانت ذات طبيعة نظرية (يجب ألا تكون الرياضيات الأساسية غير متسقة، والقوانين الأساسية لـ الفيزياء المعروفة، مثل السببية أو الحفاظ على الطاقة، يجب ألا تنتهك)، أو تجريبية (لا يمكن أن يكون النموذج القياسي الذي يتعارض مع التجارب أو الملاحظات بمثابة نموذج قياسي معياري) . يتجاهل مصطلح "مستقر" حقيقة أن النموذج يجب أن يتم إنشاؤه على أسس صلبة بدرجة كافية حتى نتمكن من الاعتماد عليه من أجل تفسير جميع الظواهر التي تقع ضمن المجال. من الناحية اللغوية، يأتي مصطلح المعيار من الحامل الصلب القديم bas francique  stand hard، المستخدم لتعيين معايير القياس مثل النقود والأوزان المستقرة إلى حد ما والثابتة لتحديد المعيار، متوسط القيمة المرجعية. يلبي النموذج القياسي أو المعياري لفيزياء الجسيمات، الذي يصف الجسيمات الأولية وتفاعلاتها، والنموذج القياسي أو المعياري لعلم الكونيات le modèle standard de la cosmologie، الذي يصف بنية الكون المرئي والمراحل الرئيسية لتطوره، هذه المعايير تمامًا. هذا لا يضمن استدامتها بأي حال من الأحوال: وهي مثل أي نموذج، محكوم عليها بالتغير بمرور الوقت اعتمادًا على تطور معرفتنا. لذلك فمن الصحي والشرعي التشكيك في "ما وراء" هذه النماذج القياسية

نموذج الجسيمات المعياري أو القياسي Le modèle standard des particules

إن النظرية الحالية هي التي تجعل من الممكن شرح جميع الظواهر التي يمكن ملاحظتها على مستوى الجسيمات، دون معالجة تفاعل الجاذبية. على الصعيدين الكمومي والنسبية في آن واحد، يحتوي النموذج القياسي للجسيمات على تفاعلين متميزين: التفاعل القوي الموصوف بالديناميكا اللونية الكمومية، والتفاعل الكهروضعيف، وهو توحيد التفاعل الضعيف والكهرومغناطيسية. يتم تفسير جميع هذه التفاعلات المختلفة من خلال تبادل "البوزونات المقيسة bosons de jauge " بين الجسيمات الأولية المسماة الفرميونات. Fermions. يشتمل النموذج القياسي أيضًا علب بوزونات Brout-Englert Higgs ااختصار BEH)، المرتبط بمجال قوة جديد كان موجودًا فقط في الكون البدائي للغاية، وهو حقل هيغز le champ de Higgs، وهو شكل من أشكال طاقة الفراغ الكمومي. نقرأ بشكل عام أن بوزون BEH هو الذي أعطى، في الأيام الأولى للكون، كتلة لجسيمات أخرى (باستثناء الفوتون). وفي الواقع، تفاعلت الجسيمات، عديمة الكتلة في البداية، بشكل أو بآخر مع مجال أو حقل هيغز، وهذا التفاعل هو الذي أعطاها القصور الذاتي l'inertie الذي نخلط بينه وبين الكتلة la masse. وبالتالي، فإن كتلة الجسيمات، بمعنى ما، لا تأتي من تلقاء نفسها، بل تأتي من نوع من "الاحتكاك" بالفراغ. الجسيمات الأولية للنموذج القياسي هي 25 جسيماً بينها : 12 بوزونا، وهي نواقل التفاعلات المختلفة، وهي: - الفوتون الذي ينقل التفاعل الكهرومغناطيسي ؛ - 8 غلوونات، والتي تنقل التفاعل القوي ؛ - 3 بوزونات W+, و w- و Z0، والتي تنقل التفاعل الكهروضعيف. • 12 فرميونا، وهي جزيئات من مادة خاضعة لتفاعلات، مقسمة إلى فئتين: - 6 كواركات وكواركاتها المضادة، والتي تشكل جميع الجسيمات المركبة (مثل البروتون أو النيوترون) ؛ - 6 لبتونات (بما في ذلك الإلكترون والنيوترينو) ومضاداتها. • 1 بوزون هيغز BEH، الذي يعطي كتلة للفرميونات الأولية والبوزونات W و Z0 •

ما وراء النموذج القياسي:

 تم إنشاء النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات في التسعينيات " وهو يعمل" بشكل رائع، لكنه لا يمثل النظرية النهائية للفيزياء، والسبب الرئيسي هو غياب الجاذبية في هذه النظرية المعيارية. ولكن، حتى من خلال التمسك بالتفاعلات الأساسية الثلاثة الأخرى، فإن النموذج القياسي غير قادر على تفسير نسب الكتلة بين الجسيمات المختلفة (ما يسمى بمشكلة التسلسل الهرمي problème dit de la hiérarchie)، ويتوقع كتلة صفرية من النيوترينوات بينما هذا ليس موجوداً في الواقع. إنه لا يأخذ في الحسبان تكوين المادة السوداء أو المظلمة غير الذرية التي يبدو أنها موجودة في الكون، ولا طبيعة الطاقة السوداء أو المظلمة التي تسرع توسع الكون. أخيرًا، إنه لا يوحد فعليًا التفاعلات الكهرومغناطيسية، والتفاعلات النووية الضعيفة والقوية في تفاعل واحد يمكن للمرء أن يطلق عليه "الطاقة النووية". أو الكهرونووي électronucléaire .

في هذا الصدد، بعد النجاحات المبكرة لنظرية الكهرو ضعيفة la théorie électro¬ faible التي وحدت جزئيًا الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة، بدا أن الطريق إلى هذا التوحيد الأكثر اكتمالًا يمكن الوصول إليه بسرعة. في وقت مبكر من سبعينيات القرن الماضي، اقترح شيلدون غلاشو وهوارد جورجي Sheldon Glashow et Howard Georgi النظرية الموحدة الكبرى (GUT Grand Unified Theory) بناءً على شكليات فيزيائية رياضية مشتركة مشتقة من نظرية مجال القياس الكمي. كان التنبؤ الرئيسي لهذه النظرية الجديدة هو تفكك البروتونات، وبالتالي تفكك المادة العادية التي تشكلنا (مع احتمال ضئيل بما يكفي بحيث لا يزال أمامنا بضع مليارات من السنين!). لكن تبين أن النتائج التجريبية تتعارض مع هذه التوقعات: لا يمكن ملاحظة أي تحلل للبروتون، مما يضمن عمر البروتون لأكثر من 1035 عامًا. لذلك لا يبدو أن نظرية التوحيد العظيم صحيحة.

 من المفارقات، في سياق النسبية العامة، أن الجاذبية ليست قوة أو تفاعل. في هذا الوصف، وهو هندسي بحت، فإن أي شكل من أشكال الطاقة يحني الزمكان. تتحرك الأجسام الضخمة في هذا الزمكان دون التعرض لقوة الجاذبية، متبعةً الجيوديسية géodésiques المكافئة للخطوط المستقيمة في الفضاء بدون انحناء. بما أن النسبية العامة ليست نظرية للحقول الكمومية، فهي لا تفترض وجود جسيم وسيط للجاذبية. ولكن، نظرًا لأن العديد من الفيزيائيين مقتنعون بأن الجاذبية أو الثقالة تفاعل أساسي وأنه سيكون لها يومًا ما نظريتها الكمومية، فقد قاموا بتعميد الجسيم المسؤول عن الجاذبية (إن وجد وأسموه غرافيتون graviton) وابتكروا تجارب من شأنها أن تسمح أو تقود لاكتشافه. لم ينجح أي منها حتى الآن. لملء هذه الفجوات العديدة، طور الفيزيائيون امتدادات للنموذج القياسي مثل التناظر الفائق la supersymétrie والجاذبية أو الثقالة الفائقة la supergravité والنظريات ذات أبعاد الزمكان الإضافية أو حتى النماذج المركبة les modèles composites. لقد كرس جيلين من الباحثين حياتهم لاستكشاف هذه الاحتمالات المختلفة، ولكن حتى الآن لم يتم ملاحظة أي من الجسيمات الجديدة التي تنبأت بها هذه الامتدادات extensions للنظريات، سواء بشكل طبيعي من الكون أو بشكل مصطنع أثناء التجارب التي تم إجراؤها فيمصادم الجسيمات العملاق LHC، وهو أكبر مسرع للجسيمات في العالم.

النموذج القياسي لعلم الكونيات: Le modèle standard de la cosmologie

 النموذج القياسي لعلم الكونيات المعروف بــ ACDM، المبني حول الفكرة المركزية للانفجار العظيم Big Bang، خضع للعديد من التعديلات في العقود الأخيرة. مطابقة بنجاح قيود الرصد والمراقبة والملاحظة الجديدة، لا تزال هناك بعض المناطق الرمادية التي فشل النموذج في تسليط الضوء عليها، والتي تشكل مصدر نقاش حاد في المجتمع العلمي. هذا هو السبب في أن النموذج لديه معارضون. ومع ذلك، لا أحد منهم قادر اليوم على تقديم مثل هذا النموذج العلمي البديل المرضي أو المقبول، والذي من شأنه أن يفسر جميع الملاحظات التي تمت خلال القرن الماضي. لفهم حدود النموذج القياسي بشكل أفضل، دعونا نرى كيف يتم بناء النموذج الكوني بشكل عام. الشيء المادي المدروس، وهو هنا الكون، له خصوصية كونه فريدًا وغير قابل للتكرار. على عكس العديد من الظواهر الفيزيائية الأخرى، فإن هذا يمنع أي مقارنة وأي نهج تجريبي ذي طبيعة إحصائية. de nature statistique نحن أيضًا مراقبون موجودون داخل هذا الكائن أو الشيء الذي نريد دراسته، سواء من حيث الموقع المكاني أو لحظة الملاحظة. لذلك فإن الرؤية التي يمكن أن نحصل عليها عن الكون خاصة جدًا ومحدودة في الجزء الذي يمكن ملاحظته. ينتج عن هذا افتراضان أساسيان على الأقل: الأول هو أن أي نموذج كوني قياسي يجب أن يقدم حلاً علميًا يجعل من الممكن حساب جميع الملاحظات التي تم إجراؤها. قد لا يكون مثل هذا الحل فريدًا، ولا يوجد ما يثبت تفرده المحتمل. الفرضية الثانية هي أن قوانين الفيزياء التي نلاحظها محليًا - على الأرض وفي المختبرات وفي بيئتنا المباشرة - صالحة في أي نقطة أخرى في الكون وفي أي لحظة أخرى من تاريخه. هذه الفرضية ليست تافهة، وقبل كل شيء، لم يتم توضيحها. حتى بدون تغيير القوانين، يمكن لمعايير مختلفة مع ذلك أن تتطور وتتغير. وهكذا، تم إجراء العديد من التجارب لقياس ترتيب حجم التباين المحتمل بمرور الوقت للثابت الشمولي للجاذبية أو الثقالة أو سرعة الضوء في الفراغ. العديد من المقاربات والمناهج النظرية، مثل نظرية الأوتار la théorie des cordes، تأخذ في الاعتبار الاختلافات المحتملة في الثوابت الأساسية على نطاقات زمنية كبيرة، لكنها مقيدة بشدة بالملاحظات، التي ليست كذلك أي التي لا تظهر أي اختلاف قابل للقياس على مجمل التطور الكوني. بالإضافة إلى هذين الافتراضين المبدئيين، فإن النموذج الكوني المعياري أو القياسي le modèle standard cosmologique ¬ تم بناؤه حول أربع افتراضات رئيسية. الأول هو صحة نظرية النسبية العامة، والتي تقدم تفسيرًا متماسكًا لظواهر الجاذبية التي نلاحظها، والتي تتوافق تنبؤاتها بشكل استثنائي مع جميع القياسات التي تم إجراؤها. ومع ذلك، هناك العديد من النظريات البديلة التي، على الرغم من اختلافها العميق عن النسبية العامة، تؤدي إلى نفس التنبؤات ولكنها تختلف عندما يتعلق الأمر بوصف بدايات الكون. لأن المشكلة موجودة: النموذج القياسي لعلم الكونيات يُدخل نظريتين مع أسس غير متوافقة، النسبية العامة للهندسة "على النطاق الكبير" للزمكان والفيزياء الكمومية للسلوك المجهري لمحتواها المادي والطاقوي. إنها مواجهة مباشرة بين فيزياء "المستمر" continu أو المتصل، حيث يُنظر إلى الزمكان على أنه متشعب أو متغير سلس، وفيزياء "غير متصل discontinu «، حيث يكون للزمكان بنية يمكن وصفها بأنها "حبيبية " granulaire، حتى أنه لا يمكن وصفها بأنها أقل من طول بلانك (حوالي 10-33 سم)، والذي سيمثل نوعًا ما حجم أصغر الحبوب التي وصفتها نظرياتنا الفيزيائية. تصبح المشكلة مستعصية على الحل عندما يقترب المرء من "لحظة الصفر" المفترضة للكون، الانفجار العظيم، لأن أيًا من النظريتين غير كافيتين لوصف سلوك الكون في جواره. إن مجالات صدق كل منهم عفا عليها الزمن، ويحتاج الفيزيائي إلى أدوات أخرى لفهم ما حدث بالفعل أثناء الانفجار العظيم، أو حتى إذا كان موجودًا. الفرضية الثانية للنموذج القياسي الكوني هي الوصف الذي أعطي للمادة بواسطة قوانين الفيزياء المعروفة. على سبيل المثال، منحنيات سرعة دوران المجرات، وديناميات المجرات داخل مجموعاتها أو حشودها leurs amas، أو تكوين هياكل كبيرة ليست قابلة للتفسير، عبر النسبية . بشكل عام، وذلك بفضل إدخال كمية كبيرة من المادة السوداء أو المظلمة غير الذرية، التي يؤثر تأثيرها أو فعلها الثقالي على المادة المضيئة. وبالمثل، لا يمكن فهم التوسع المتسارع للكون، إلا في النموذج الكوني القياسي، من خلال افتراض وجود شكل من أشكال الطاقة الطاردة répulsive، وهي الطاقة السوداء أو المعتمة أو المظلمة، التي تمثل حاليًا ثلثي إجمالي محتوى الطاقة في الكون. من الواضح أن إدخال هذه المكونات الكونية الجديدة له تأثير مباشر على النموذج القياسي الآخر، وهو نموذج الجسيمات: ما هي طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة؟ هل يجب أن نكتشف جسيمات جديدة؟ تؤكد هذه الأسئلة على الارتباط العميق الموجود بين فيزياء "اللامتناهي في الصغر" وفيزياء " اللامتناهي" في الكبر". تستدعي الفرضية الثالثة خصائص معينة لتناظر الزمكان والتي تجعل من الممكن حل معادلات أينشتاين للنسبية العامة. إنها تعكس الإيزوتروبي l'isotropie (أي عدم وجود اتجاه مميز) الذي لوحظ في شعاع الخلفية الكونية أو حتى في توزيع المجرات على نطاقات كبيرة جدًا. ينتج عن هذا التناظر انخفاض جذري في عدد الاحتمالات لتحديد مقياس الكون. في الواقع، يقدم الإيزوتروبي اثنين فقط من الاحتمالات: إما أن كوننا متماثل كرويًا symétrie sphérique، ونحن موجودون بالقرب من مركزه، أو أنه متناح أو إيزوتروب isotrope عند كل نقطة من نقاطه، وهو ما يُترجم بحقيقة أن الكون متجانس مكانيًا بالإضافة إلى كونه موحد الخواص. هذا الاحتمال الثاني يشكل ما يسمى بالمبدأ الكوني le principe cosmologique. وبغياب القدرة على الحسم واتخاذ القرار من خلال الملاحظات، فهذا هو الذي يتم الاحتفاظ به كمسلمة للنموذج القياسي، بافتراض أنه لا يوجد سبب يجعلنا نحن المراقبين نحتل مكانًا متميزًا في الكون. يؤدي هذا إلى حل رياضياتي دقيق لمعادلات أينشتاين، مقياس فريدمان-لومتر la métrique de Friedmann-Lemaître، الذي سمي على اسم مكتشفيه الأوائل في عشرينيات القرن الماضي. يخبرنا أن شرائح الفضاء، محليًا، متناحية إيزوتروب ومتجانسة homogènes et isotropes ولا يمكن أن تكون هندستها إلا من ثلاثة أنواع مختلفة فقط، وهي كروية ذات انحناء إيجابي sphérique à courbure positive، أو إقليدية مع انحناء صفري euclidienne à courbure nulle  أو تحدبية بانحناء سلبي. hyperbolique à courbure négative الفرضية الرابعة تتعلق بالهيكل العام لـ الكون، والذي لا يمكن استنتاجه من الهندسة المرصودة محليًا. على سبيل المثال مقياس فريدمان-لومتر la métrique de Friedmann-Lemaître، تحتوي الأسطوانة على نفس المقياس أو نفس الهندسة المحلية مثل المستوى plan، لكن هيكلها sa topologie، أي شكلها العام، مختلف تمامًا. لقد كرس العالم الفرنسي جون بيير لومينيت أكثر من عشرين عامًا من العمل لهذا المجال الرائع من البحث الذي سماهسنة 1995 "الهيكل الكوني topologie cosmique ". تكمن المشكلة في أنه من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل، تحديد شكل الكون بفضل الملاحظات والرصد فقط، خاصةً عندما يتجاوز حجمه نصف قطر الجزء المرئي منه. في الختام، يسمح النموذج القياسي لعلم الكونيات شرح بطريقة بسيطة واقتصادية نسبيًا جميع الملاحظات التي لدينا حاليًا على الكون واسع النطاق، من ديناميات المجرات إلى تكوين الهياكل الكبيرة، بما في ذلك توسع الفضاء، الوفرة النسبية للذرات المختلفة وخواص إشعاع الخلفية الكونية. لا يوجد نموذج مثالي، إلا أنه يعاني من بعض المناطق الرمادية التي من المرغوب توضحيها: من بينها، تعد طبيعة المادة المظلمة غير الذرية وهي نقطة حاسمة، وإدخال الطاقة المظلمة التي تهيمن تمامًا على محتوى الطاقة في الكون. يعاني النموذج أيضًا من عدم اليقين فيما يتعلق بعملية التضخم المحتملة التي قد يكون الكون قد اختبرها في مهده، والعلاقة بين التقلبات الكمومية البدائية les fluctuations quantiques primordiales وولادة الأجسام ذات الحجم الفلكي الأول .لاحظ أيضًا أن التعيين ذاته للنموذج الكوني القياسي، modèle standard

cosmologique ACDM، والذي تسبب في الفوز بجائزة نوبل في الفيزياء لعام 2019 لأحد المبادرين جيمس بيبلز James Peebles، يؤكد هذا بشكل متناقض المشاكل المحتملة. المصطلح A هو الرمز التقليدي للثابت الكوني، والذي لا يعرف على وجه اليقين ما إذا كان يجب تحديده مع الطاقة المظلمة التي تسرع من التوسع الكوني. يشير الرمز DM (المادة المظلمة Dark Matter) إلى أنه من أجل حساب حركات وتشكيل الهياكل الفلكية الكبيرة، يجب إدخال شكل من أشكال المادة المظلمة ذات الطبيعة غير المعروفة، حيث يشير الحرف C (بارد Cold) إلى أنه يمكن أن يكون " بارد "، وهذا يعني أنه متحرك بسرعات منخفضة مقارنة بسرعات الضوء.

أوفي حالة قرب إلى لحظة الانفجار العظيم، تكمن المشكلة في الفيزياء ككل، لأنها تتعلق بخصائص المادة بمقاييس المسافة والطاقة التي تتجاوز مجالات صحة وصلاحية ركيزتان أساسيتان للنموذج الكوني القياسي، ألا وهما النسبية العامة وميكانيكا الكموم. من الضروري إذن اللجوء إلى نظرية أكثر عمومية تشمل هاتين النظريتين، تمامًا كما تم استيعاب نظرية نيوتن في الجاذبية الكونية قبل قرن من الزمان بواسطة نظرية أينشتاين. يعتقد العديد من الفيزيائيين أن نظرية الجاذبية الكمومية théorie de gravitation quantique ضرورية لحل الأسئلة المتعلقة بالمادة السوداء أو المظلمة والطاقة المعتمة أو المظلمة، وتبرير بحثهم بهذه الحجة. ومع ذلك، فإن الثابت الكوني، الموجود بالفعل في النسبية العامة الكلاسيكية، يفسر تمامًا الطاقة المظلمة، بينما يمكن تفسير المادة المظلمة غير الذرية من خلال ما يسمى بالنيوترينوات العقيمة. في حين أن هذه المكونات الكونية تنطوي على فيزياء تتجاوز نموذج الجسيمات القياسي، فإنها لا تتطلب بالضرورة قياس الجاذبية. في الواقع، المبرر الوحيد المقنع لنظرية الجاذبية الكمومية، إلى جانب توحيد ركيزتي الفيزياء الحالية، هو القضاء على التفردات l'élimination des singularités. ولكن، هناك مرة أخرى، يمكننا الاستغناء عنها باستخدام علم الكونيات الارتدادي les cosmologies à rebond ...

وحدات بلانك:  Les unités de Planck

 يتم التحكم في مقياس الظواهر الفيزيائية المعروفة من خلال ثلاثة ثوابت أساسية: 

- سرعة الضوء في الفراغ c كلم/ثانية, 3000000 (299792458 م / ث) ثابتة المقياس الذي تكون فيه التأثيرات النسبية هي الغالبة ؛

- ثابت نيوتن G (6,673.10-11 m3/kg.s2) يقيس شدة تأثيرات الجاذبية ؛

 - ثابت بلانك المخفض fi= h/(2rr) (1,054.10-34 kg.m 2/s ) يميز مقياس التأثيرات الكمومية. في وقت مبكر من عام 1899، أشار الفيزيائي الألماني ماكس بلانك (1858-1947) إلى أنه يمكن الجمع بين هذه الثوابت بثلاث طرق مختلفة لإعطاء الوحدات الأساسية للطول والزمن والكتلة: -

 طول بلانك، Lp = [fi GlcT 12 = 1,61.10-35  mètre، هو a نوع من الطول الموجي الأدنى، أو "كم الفضاء" quantum d'espace ؛ -

زمن بلانك، tp = [fi G/c5 ] 112  = 5,39.10-44 seconde،، هو الزمن الذي يستغرقه الضوء في السفر بطول بلانك، أي مقدار الزمن الكمومي quantum de temps - كتلة بلانك، Mr = [fi c/GJl12  = 2,18.10-s  kilogramme، ومع ذلك، ليس كمًا للكتلة. في الواقع، إذا بدت كبيرة نسبيًا (تساوي تقريبًا كتلة حشرة السوس acarien)، فهي في الواقع بمقياس الحجمين الآخرين ؛ يمثل في الواقع كتلة الثقب الأسود الذي سيكون نصف قطره هو طول بلانك ووقت التبخر الكمومي d'évaporation quantique، أي زمن بلانك

 - يكمن جمال وحدات بلانك بشكل عام وطول بلانك بشكل خاص في أنه من خلال اعتمادها كمراجع لا يهم الوحدات التي يتم اختيارها لأخذ القياسات. سواء كنت فرنسيًا أو صينيًا أو أمريكيًا أو حتى من المريخ، فالجميع كذلك سوف يتفق على نفس الطول أو نفس الوقت. فيما يتعلق بوحداته، كتب بلانك نفسه في مقالته إلى أكاديمية العلوم البروسية: "سوف يحتفظون بالضرورة بمعناهم لجميع الأزمنة وجميع الحضارات، حتى غير البشرية وكائنات خارج الأرض، ويمكن للمرء أن يقوم بتعيينها كوحدات طبيعية. " ما المعنى العميق الذي يمكن أن نعطيه لهذه الكميات؟ هذه هي المقادير التي تصبح فيها تأثيرات الجاذبية والكمومية والنسبية ذات شدة مماثلة في نفس الوقت. على سبيل المثال، في نماذج Big Bang، كان زمن بلانك هو الزمن الذي كان من المقرر أن يخضع الكون الناشئ خلاله بشكل أساسي للتأثيرات الكمومية. يشير هذا إلى أن الوصف الصحيح للزمكان والمادة في الكون المبكر جدًا، وبالمثل داخل الثقوب السوداء، يتطلب نظرية تجمع بين الجاذبية النسبية وميكانيكا الكموم. القوى الأساسية الأربع المعروفة:

- القوة الشديدة (strong force) (النووية) وهي تعمل في نواة الذرة وتربط بين البروتونات والنيوترونات.

- القوة النووية الضعيفة (weak force) وهي تعمل داخل نواة الذرة وهي المسؤولة عن النشاط الأشعاعي لنواة الذرة.

- قوة الجاذبية أو الثقالة (gravity) وهذه تعمل بين الكتل، ويبلغ مداها إلي مالا نهاية. وقوة الجاذبية تعمل بين جميع الأجسام، وتظهر واضحة في التكوين الكري للأجسام السماوية من كواكب وشـموس، وكذلك تتحكم في أفلاك الكواكب حول الشمس، ودوران المجرات.

- القوة الكهرومغناطيسية هي التي تربط الإلكترونات بأنوية الذرات، وتربط الذرات بعضها البعض مكونة جزيئات وهي القوة المتحكمة في البنية البلورية. والقوة الشديدة هي التي تربط الكواركات في نواة الذرة وتربط ومكونات النواة (البروتونات) رغم شحناتها المتنافرة الموجبة. وقوة الجاذبية هي التي تكوّر الأرض وتكور الشمس وتجعل الكواكب تدور في أفلاك حول الشمس، وهي التي تربط المجرات بعضها البعض، وهي التي تجعلنا منجذبين إلى الأرض.

 هذا هو ما يسعى إليه العلماء منذ أكثر من قرن من الزمن.

لابد من التذكير بأن أهم الثوابت هو " الثابت الكوني" الذي أضافه آينشتاين لمعادلاته في بداية القرن العشرين ثم تخلى عنه واعتبره أكبر خطأ ارتكبه في حياته العلمية ثم عاد " الثابت الكوني هذه المرة على شكل الطاقة السوداء أو المعتمة او المظلمة" التي يعتقد أنها تتسبب في تسارع التوسع الكوني.

لإنقاذ الموقف، اعتقد علماء فيزياء الطاقة العالية بعد ذلك أن الثابت الكوني قد لا يكون ثابتًا حقًا. على سبيل المثال، اقترح روبرت كالدويل ومعاونوه في عام 1998 وجود كيان جديد، عنصر خامس، من شأنه أن يضفي على الفضاء نفس المسحة، تمامًا كما فعل الأثير في كون أرسطو، وهذا العنصر الخامس يسمى "الجوهر". تم اختيار المصطلح من قبل الباحثين لتطبيقه على مجال الطاقة الجديد الافتراضي هذا. والذي يُعزى إلى اختلاف بطيء للغاية، لا يزال من الممكن تمثيله في نماذج الكون باستخدام المصطلح الكوني، والذي يتوقف عندئذٍ عن تعريفه على أنه ثابت. يمكن تفسيره دائمًا على أنه ما يبقى في الكون عند إزالة كل المادة وكل الإشعاع منه. وبهذا المعنى، فإن الجوهر يتوافق مع شكل معين من الفراغ، ولكنه أكثر مرونة من الثابت الكوني لأنه يتغير بمرور الوقت. قيمة هذا المجال، عالية للغاية في الكون البدائي (لذلك وفقًا لحسابات علماء فيزياء الطاقة العالية. ستنخفض القيمة بشدة أثناء التطور الكوني، ووفقًا للقيمة التي يقيسها علماء الفلك اليوم. بتعبير أدق، فإن مجال الجوهر سيتطور بشكل طبيعي نحو الجاذب مما يمنحه قيمة منخفضة مهما كانت قيمته الأصلية. وبالتالي، فإن عددًا كبيرًا من الظروف الأولية المختلفة للانفجار العظيم سيؤدي إلى نفس الكون الحالي – يجب أن ننتبه بدقة للالتفاتة اللطيفة! التي قادتنا نحو نهج آخر هو نظرية الأوتار، الممتدة من نظرية التناظر الفائق المقصود منها تضمين وصف للغرافيتون وكذلك أحد أكثر مقترحاتها الأكثر إثارة للدهشة الذي يتعلق بالتعدد الكوني أو الكون المتعدد. نظرية الأوتار، كما قلنا هي امتداد للتناظر الفائق الذي يهدف إلى تضمين وصف للغرافيتون، وهو الجسيم المكون للثقالة أو الجاذبية، أكثر مؤيديها حماسة (وشهرة) مثل ليونارد سسكيند وبرايان غرين وماكس تغمرك Brian Greene أو Max Tegmark الذين يأملون في تحويل الإخفاق في الإقناع والتوضيح إلى تحايل رياضياتي جديد أكثر إسرافًا بكثير من ذلك الخاص بالجوهر أو العنصر الخامس quintessence: إذا لم نفهم القيم التي تأخذها الثوابت الأساسية في كوننا، فيكفي الافتراض أن كوننا ينتمي إلى مجموعة لا نهائية تقريبًا وغير قابلة للرصد من الأكوان المتنوعة، كل منها مزود بمعلمات ومعايير موزعة عشوائيًا. في "مشهد" الكون المتعدد، يكون الثابت الكوني كبيرًا بشكل غير عادي في معظم الحالات، ولكن لا بد أن يكون هناك كون بعيد الاحتمال حيث يكون الثابت الكوني صفرًا تمامًا، وكون آخر غير محتمل تمامًا حيث يكون له "القيمة الصحيحة". كما هو حال كوننا بالطبع. لذلك، بالنسبة لهم، يمتلك كوننا المعلمات والمعطيات غير المحتملة التي يمتلكها هو فقط لأن هذه المعلمات والمعايير والمعطيات هي التي تجعله صالحًا للسكن، وبالتالي باستخدام حجة من النوع الأنثروبي التي تبدت حدودها أعلاه. تعد النظرية M، امتداداً لنظرية الأوتار التي اقترحها إدوارد ويتن، وتطمح لأكثر من ذلك. وفقًا لمؤيديها، في عالم "الأغشية" متعدد الأبعاد الذي نشأ من النظرية أم M، يمكن استيراد الطاقة المظلمة المقاسة في غشاء الكون من الأبعاد الإضافية لـ "المصفوفة" التي سيكون مغمورًا فيها. يرى باحثون آخرون أصل التنافر الكوني في التفاعلات المحتملة بين الأغشية - والتي ترقى إلى القضاء على أي لجوء إلى الطاقة المظلمة. هذا لا يلقي أي ضوء على المشكلة، إذا تذكرنا أن النظرية M هي أكثر غموضًا من الطاقة المظلمة، التي لها على الأقل تأثيرات ملحوظة على سرعة التوسع الكوني. كما نرى، لا توجد أي من هذه النظريات الجديدة، مهما كانت مثيرة من هي قادرة على أن تحل الصعوبات بشكل أفضل من إصداراتها السابقة التي تتعاطى مع الطاقة المنخفضة. ففي كل مرة يتم دفع المشاكل إلى الوراء أكثر قليلاً، مما يزيل قدرًا من الخيال مثل النظريات المذكورة أعلاه: فيزياء موحدة تمامًا والتي ستكون على وشك الانتهاء. أتجاهل محاولات أخرى لا حصر لها لشرح طبيعة الطاقة المظلمة. حتى أن بعض الباحثين ينكرون وجودها، على سبيل المثال من خلال استدعاء كون غير متجانس بدلاً من نموذج فريدمان-لومتر المتجانس القياسي؛ في هذه الحالة، ستختلف سرعة التمدد في الزمان والمكان وفقًا للاختلافات في الكثافة، ولن تكون الطاقة المظلمة أكثر من مجرد قطعة أثرية. باختصار، يتم نشر اقتراح جديد للطاقة المظلمة في المتوسط كل شهر. يكفي القول إن الوضع مشوش إلى حد ما. قبل بضع سنوات، تطوع جيرارد هوفت، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1999، لكتابة مقال في مجلة بعنوان "100 حل لمشكلة الثابت الكوني، ولماذا جميعها خاطئة". قرر أخيرًا ترك المهمة لأحد طلاب الدكتوراه تحت إشرافه، معتبرًا أنها ستكون تمرينًا جيدًا للطالب في هذه المرحلة، من المشكوك فيه ما إذا كان اكتشاف التسارع الكوني، الذي يعتبر أحيانًا الأهم في العشرين عامًا الماضية في الفيزياء، يؤدي إلى الكثير من الالتواءات النظرية. من ناحية أخرى، يمكننا أن نعتقد أن الأمر يتطلب المزيد من الخيال والإبداع لإخراج الفيزياء النظرية مما نعتقد أنه طريق مسدود. من ناحية أخرى، يمكن للمرء أيضًا أن يتساءل عما إذا كانت الفيزياء الحالية لا تعاني من فائض من الخيال مقارنة بنقص البيانات التجريبية. بالإضافة إلى ذلك، يصبح الخيال، رأس المال للإبداع العلمي، غير منتج إذا لم يطرح الأسئلة الصحيحة. من غير المجدي أن نتعجب من حقيقة أن التناظر يمكن أن يوحد الجسيمات الأولية والتفاعلات الأساسية إذا كان الفيلسوف وعالم الرياضيات جوتفريد فيلهلم ليبنيز يؤمن بذلك في القرن الثامن عشر، ومؤخرًا المنظر البريطاني روجر بنروز، نحن نفهم الطبيعة بشكل أساسي، كلما بدت لنا قوانينها أقل تناسقًا. لقد رأينا أن ظاهرة التسارع الكوني يمكن وصفها ببساطة من خلال الثابت الكوني الكلاسيكي لمعادلات أينشتاين، دون اللجوء إلى الفيزياء الجديدة. لكن مجرد كونها أبسط تفسيراً وأكثرها طبيعية لا يعني أنها التفسير الصحيح: على مدى خمسة وعشرين قرناً من ممارستها، لم تتوقف العلوم، وجميع التخصصات مجتمعة. عن مفاجأتنا. ولكن إذا لم يكن الثابت الكوني المرتبط بالفراغ الكمومي هو الذي يسبب التسارع الملحوظ للتوسع الكوني، فما هو السبب الذي يقف وراء التسارع في التوسع الكوني؟ من خلال طرح مشكلة التوافق بين الوصف الكلاسيكي للمكان والزمان والجاذبية مع الطبيعة الكمومية للمادة التي لا تزال غامضة. تشير خطورة الطاقة المظلمة إلى أن شيئًا أساسيًا مفقود في فهمنا للكون المادي. على هذا النحو، يمكن أن يكون توضيحها بمثابة دليل حول كيفية تطوير نظرية جيدة للجاذبية الكمومية. كما هو الحال مع القضاء على التفردات أو حل مفارقة الانتروبيا للثقب الأسود، مثلما يعتبر تفسير القيمة الصحيحة لكثافة الطاقة المظلمة هو اختبار لهذه النظريات. سنرى أنه فيما يتعلق بالثابت الكوسمولوجي أو الكوني حيث فشتل نظرية الأوتار، فإن المناهج الأخرى مثل الجاذبية الكمومية الحلقية، والجاذبية الآمنة مقاربًا أو حتى المجموعات السببية لم تنجح. إنها تحية فريدة من نوعها إلى عباقرة مثل آينشتاين ولوميتر لنرى كيف سلك "الحمل الصغير، أي الراهب جورج لومتر" الذي ناقشوه بأدب في مؤتمر باسادينا منذ أكثر من ثمانين عامًا، مسارًا متعرجًا لا تزال نهايته غير مرئية.

معادلات الطاقة المظلمة:

هل يمكننا تخيل أجهزة تجريبية قادرة على تقييد النماذج المختلفة للطاقة المظلمة بشكل أفضل؟ يتميز هذا العامل " أي الطاقة السوداء أو المظلمة" بالضغط السلبي. هذا الأخير يعادل في الواقع التوتر، تمامًا مثل الأجسام المرنة والألواح المطاطية أيضًا، عند الشد، يوجد ضغط سلبي كامن موجه إلى الداخل. يتضح أنه عندما يكون ضغط الطاقة المظلمة أقل من ثلث كثافة الطاقة، تتغير قوة الجاذبية وتصبح نابذة. المعلمة الرئيسية هي معادلة الحالة التي تشرح العلاقة بين الضغط p للطاقة المظلمة وكثافة طاقتها p في p = wpc2، حيث w هو معلمة paramètre تعتمد على طبيعة الطاقة. للحصول على طاقة طاردة، يجب أن تكون w سالبة وأقل من -1/3. تنص إحدى المعادلات الأساسية للنموذج الكوني القياسي (المعروف بمعادلة فريدمان الثانية) على أن معدل تمدد الكون يتناسب مع- (p + 3p / c2). في الفيزياء اليومية، تكون الكثافة p والضغط p موجبة، لذا فإن معدل التمدد سالب، وهو ما يتوافق مع التباطؤ. ولكن إذا أخذنا في الاعتبار مجال طاقة يكون فيه (p + 3p / c2) سالبًا، يصبح معدل التمدد موجبًا ونحصل على تسارع. كما رأى لومتر في عام 1934، فإن الثابت الكوني الفراغ الكمومي يتميزان بـ w = -1 ؛ ولذلك فهي طاردة للغاية. أشكال أخرى من الطاقة المظلمة، مثل نماذج العنصر الخامس modèles de quintessence، والتي تترواح قيمة w فيها بين -1 و -113. يتميز الشكل الأكثر تطرفاً للطاقة النابذة أو الطاردة d'énergie répulsive، والمعروف باسم "الطاقة الوهمية énergie fantôme أو الطاقة الشبح"، بـ w <-1. المرونة النظرية تسمح أيضا إلى معادلة الحالة]'équation d’état  بأن تتغير بشكل تعسفي بمرور الوقت. وضع علماء الفلك برامج مراقبة طموحة قادرة على تقييد القيم الممكنة لـ w، وبذلك تكون نماذج الطاقة المظلمة مختلفة. الرهان أو التحدي كبير بالنسبة لعلم الكونيات لأنه، كما سنرى لاحقاً، فإن المستقبل طويل الأمد لكوننا يعتمد كليًا عليه.

 مسح الطاقة المظلمة Le Dark Energy Survey ويختصر بــ DES  هو برنامج مسح ضوئي دولي للأشعة تحت الحمراء وبالقرب من الأشعة تحت الحمراء باستخدام تلسكوب قطره 4 أمتار يقع في تشيلي ومجهز بكاميرا قوية عالية الوضوح للغاية. هدفه هو رسم خرائط لمئات الملايين من المجرات. يحلل DES البنية واسعة النطاق للكون باستخدام أربعة مؤشرات مختلفة:المستعر الأكبر أو السوبر نوفا من نوع la supernovae للكشف عن تاريخ توسع الكون، والتذبذبات الصوتية الباريونية للكشف عن توزيع المجرات ثلاثية الأبعاد، وتوزيع العناقيد المجرية، واستخدام عدسات الجاذبية الضعيفة. تتكون هذه الطريقة من قياس تشوه شكل المجرات تحت تأثير عدسة الجاذبية الناتجة عن المادة المرئية والمظلمة الموجودة بين الأرض وهذه المجرات. درجة التشويه تجعل من الممكن استنتاج كيفية توزيع المادة المظلمة، عن طريق طرح تأثير المادة المرصودة. برنامج المراقبة، الذي بدأ في عام 2012 واكتمل في يناير 2019، جمع كمية هائلة من البيانات التي بدأ تحليلها للتو. ستتولى مهمة إقليدس Euclid مسألة التتابع، وهو تلسكوب تابع لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، ومن المقرر إطلاقه في المدار الأرضي في غام 2022.  يشير اسمه إلى عالم الرياضيات والفلك العظيم في العصور القديمة، والذي كان قادرًا على قياس الزمن من ظل عصا عالقة في الأرض. ستستمر ملاحظات هذه الأداة الجديدة، التي تغطي 10 مليارات مصدر فلكي، ست سنوات على الأقل. تعتمد المهمة على قياسات القص الثقالي cisaillement gravitationnel والتحديد عن طريق التحليل الطيفي spectroscopie لمسافة المجرات المعنية. تم تطوير العديد من الطرق للكشف عن خصائصها على مدى السنوات الماضية. واحدة من أكثرها فعالية هي عدسة الجاذبية الضعيفة، والمستخدمة بالفعل في برنامج DES. علاوة على ذلك، من خلال قياس الانزياح الطيفي décalage spectral نحو اللون الأحمر للمجرات في الخلفية (انعكاس لعصر صورة المجرة)، يمكننا علاوة على ذلك، من خلال قياس الانزياح الطيفي نحو اللون الأحمر للمجرات في الخلفية (انعكاس عمر صورة المجرة)، يمكننا تقدير كيفية تطور ظاهرة التشويه بمرور الوقت. الهدف النهائي هو تحديد المعلمة w لمعادلة الحالة المتعلقة بضغط الطاقة المظلمة وكثافتها، بدقة 2٪ فيما يتعلق بجزءها الثابت، و 10٪  من أجل أن يعكس المكون تباينًا محتملاً لهذا الضغط بمرور الوقت - أي مرتبط بالتحول أو الانزياح الطيفي نحو الأحمر. إذا تبين أن المعلمة w قريبة جدًا من -1، فإن نظرية النسبية العامة وثابتها الكوني ستعطي حسابًا جيدًا لمعدل تمدد الكون ووجود الطاقة المظلمة. من ناحية أخرى، فإن الاختلاف الكبير في المعامل w يعني إما وجود شكل آخر من أشكال الطاقة المظلمة، أو مراجعة للنظرية النسبية العامة.

 مستقبل الكون والطاقة المظلمة:

 يعتمد تطور الكون بشكل أساسي على الكثافة الكلية للمادة والطاقة التي يحتويها في جميع أشكالها. عندما يقوم علماء الفيزياء الفلكية بتقييم ذلك، فإنهم يواجهون عددًا من المضاعفات والتعقيدات. سيطرت أشكال مختلفة من الطاقة بدورها على مسار التطور الكوني وفرضت ديناميكياته، أي، تغير عامل المقياس المكاني R بمرور الوقت – وهو عامل مقياس يمكن تحديده بالنسبة لنصف قطر الكون المرئي. يمكننا التمييز بين أربع مراحل تقريبًا. الأولى، المرحلة الافتراضية، وهي الفترة القصيرة جدًا من التضخم، حيث كان R يتوسع بشكل كبير تحت تأثير شكل متطرف من طاقة الفراغ d'énergie du vide. خلال هذه الفترة كان من الممكن إنشاء المادة. في المرحلة الثانية، سيطر الإشعاع، ولكن مع انخفاض كثافة طاقته مثل R-4 بينما زادت R، في المرحلة الثالثة حلت محلها المادة، أو تم استبدالها بالمادة، التي تقل كثافتها فقط كـ R-3 • لـ لأسباب مماثلة، في المرحلة الرابعة، استحوذت الطاقة المظلمة على امتداد ما يزيد عن 7 مليارات سنة، وهي تهيمن على الكون الحالي. تأثيرها هو تسريع التوسع، وإن كان بسرعة أقل مما كان عليه أثناء التضخم. نحن لا نعرف إلى أين ستقودنا تلك الطاقة الغامضة السوداء أو المظلمة، لأننا لا نعرف طبيعتها الحقيقية ولا نعرف قانون التباين الخاص بها بمرور الوقت. ولا ماهيتها الحقيقية. أخيرًا، دعونا نلخص عواقب الفرضيات المختلفة المتعلقة بالطاقة المظلمة على المستقبل البعيد جدًا للكون. • إذا كانت الطاقة المظلمة ثابتة، فإنها ستهيمن أكثر فأكثر على التوازن الطاقوي في الكون، وسيستمر التوسع الملحوظ للفضاء في التسارع حتى يصبح أسيًا exponentielle. ستتحطم الهياكل غير المتصلة ثقاليًا بالفعل وستبتعد أجزائها عن بعضها البعض بسرعات ظاهرة أكبر من سرعة الضوء. سوف يمنعنا التسارع في النهاية من مراقبة أجزاء مهمة من الكون والتي يمكن رؤيتها اليوم: وبعد حوالي 100 مليار سنة، ستكون جميع المجرات شديدة الانزياح نحو الأحمر بحيث لا يمكن ملاحظتها أو رصدها. ومع ذلك، فإن الهياكل المرتبطة بالجاذبية، مثل المجرات وأنظمة الكواكب، ستبقى كذلك. لذا فإن النظام الشمسي أو مجرة درب التبانة سيظلان كما هو عليه حالهما الآن، بينما سيبدو باقي الكون وكأنه يهرب منا. إن ما يسمى سيناريو البغ تشيلي Big Chili (التبريد الكبير grand refroidissement) وهو، في المستوى الحالية لمعرفتنا، السيناريو الأكثر منطقية. • إذا انخفضت كثافة الطاقة المظلمة في المستقبل (النمط الجوهري أو نموذج العصر الخامس modèle de quintessence)، فيمكن أن تصبح المادة مهيمنة مرة أخرى. سينمو الأفق الكوني ليكشف لنا عن جزء أكبر من الكون. ستنتصر الثقالة الجذابة مرة أخرى ولن يتوقف التوسع عن التسارع فحسب، بل سينعكس أيضًا، وسوف ينكمش الكون ككل ليختفي فقط في أنكماشة كبيرة Big Crunch قد تحدث خلال 18 مليار سنة.  على العكس من ذلك، إذا زادت الطاقة المظلمة بمرور الوقت، أو إذا هيمنت عليها الطاقة الوهمية شديدة التنافر، فإن الفضاء سوف يتوسع بمعدل متزايد باستمرار، وسوف يتسارع التسارع نفسه. في هذه الحالة، ستكون النتيجة تمزق كبير Big Rip قاتل أي grand déchirement تمزق عظيم مدمر، وذلك في حال أصبح التسارع غير محدود تقريبًا بعد فترة زمنية محدودة. سيتم تمزيق كل مادة في الكون، حتى الذرات، بسبب توسع الفضاء. في السيناريو الأكثر تطرفًا، قد يحدث هذا الحدث "بالكاد" بعد 22 مليار سنة. أولاً، سيتم فصل المجرات عن بعضها البعض وستتحلل العناقيد المجرية. حوالي 60 مليون سنة قبل التمزق الكبير Big Rip، ستكون الجاذبية أضعف من أن تحافظ على تماسك مجرتنا التي ستتشتت ؛ قبل ثلاثة أشهر من الانهيار الكبير، سيتمزق النظام الشمسي. في الدقيقة الاخيرة، النجوم والكواكب سيتم تمزيقها، في الجزء I0-19  من الثانية، قبل ذلك، سيتم تدمير الذرات والأنوية أو النوى الذرية نفسها، تاركة كوناً فارغاً بدون أي بنية.أو هيكيلية

2186 رغوة الزمكان 3

إذا تم تقليل الطاقة المظلمة إلى طاقة الفراغ الكمومي وظلت ثابتة بمرور الوقت، فسوف تهيمن أكثر فأكثر على طاقة المادة والتوسع، وسيظل الكون متسارعًا ليؤدي إلى البرود الكبير Big Chili (المنحنى الأوسط). إذا كانت الطاقة المظلمة مجالًا متغيرًا جوهريًا بمرور الوقت، فيمكنها تغيير معادلة الحالة وتصبح جاذبة. لذلك يصبح الإنكماش الكبير Big Crunch ممكناً مرة أخرى ويمكن أن يحدث في غضون 18 مليار سنة (منحنى القاع). إذا تم استيعاب الطاقة المظلمة في طاقة فانتوم وهمية أو شبحية أكثر كثافة وأكثر إثارة للنبذ ، فإن توسع الكون سيصبح سريعًا أسيًا لينتج عنه تمزق كبير Big Rip (منحنى علوي).

 

د. جواد بشارة

 

بقلم: إميلي كونوفر

ترجمة وتحرير: بدر ثاني


تتوهج مجرة درب التبانة بضباب أشعة جاما، مع طاقات تتجاوز أي شيء يمكن لعلماء الفيزياء إنتاجه على الأرض، وفقًا لبحث جديد. تم الكشف عن أشعة جاما- في الدراسة التي ستنشر في رسائل المراجعة الفيزيائية-أنها جاءت من جميع أنحاء قرص المجرة، ووصلت ما يقرب من كوادريليون (1015) إلكترون فولت، المعروف باسم بيتا إلكترون فولت أو (PeV).

تشير أشعة جاما المنتشرة هذه إلى وجود مسرعات جسيمات كونية قوية داخل مجرة درب التبانة. ويعتقد الفيزيائيون أن مثل هذه المسرعات هي مصدر الأشعة الكونية الغامضة عالية الطاقة، والجسيمات المشحونة التي تتجه عبر المجرة، تتحطم أحيانا على الأرض. عندما تصطدم الأشعة الكونية - التي تتكون أساسًا من البروتونات- بالحطام النجمي، يمكن أن تنتج أشعة جاما، التي هي شكل من أشكال الضوء عالي الطاقة.

يتوقع بعض العلماء أنه يمكن لبعض البيئات المجرية أن تزيد من سرعة جسيمات الأشعة الكونية إلى أكثر منPeV. وبالمقارنة، فإن مصادم الهادرون الكبير- وهو مُسرع الجسيمات الرئيسي المصنوع بواسطة البشر- يسرع البروتونات إلى 6.5 تريليون إلكترون فولت. لكن علماء الفيزياء لم يحددوا بشكل قاطع أي مسرعات كونية طبيعية قادرة على الوصول إلىPeV، والمعروفة

 باسم (PeVatrons). وتشير أحد الاحتمالات أن بقايا المستعر الأعظم، وبقايا النجوم المتفجرة، وموجات الصدمة المستضافة يمكنها تسريع الأشعة الكونية لمثل هذه الطاقات.

وفي حالة وجودPeVatrons، فإن الأشعة الكونية التي تنبعث منها سوف تتخلل المجرة، مما ينتج عنه انتشار وهجا لأشعة جاما ذات الطاقات الشديدة. فهذا بالضبط ما وجده الباحثون في تجربة Tibet AS-gamma. حيث يقول الفيزيائي ديفيد حنا من جامعة ماكجيل في مونتريال، والذي لم يشارك في الدراسة: "من الجيد أن ترى الأشياء تتلاءم معًا". ويعتقد العلماء أنه بعد انبعاث الأشعة الكونية من أماكن ولادتها، فإنها تجوب المجرة، ملتوية حول مجالاتها المغناطيسية. كما يقول عالم الفيزياء الفلكية باولو ليباري من المعهد الوطني للفيزياء النووية في روما، والذي لم يشارك في البحث أيضا: "نحن نعيش في فقاعة من الأشعة الكونية". ونظرًا لعدم انحراف أشعة جاما عن طريق المجالات المغناطيسية، فأنها تشير إلى مصادرها، مما يكشف عن مكان وجود الأشعة الكونية المتجولة. كما أن الجديد في الدراسة أنها تمنحك "معلومات حول كيفية ملء هذه الجسيمات للمجرة".

وبالرغم أن المجرة تتخللها أشعة جاما منخفضة الطاقة، لكنها تتطلب أشعة عالية الطاقة لفهم الأشعة الكونية ذات الطاقة الأعلى. تقول عالمة الفيزياء الفلكية إيلينا أورلاندو من جامعة ستانفورد، والتي لم تشارك في البحث: "بشكل عام، كلما زادت طاقة أشعة جاما، زادت طاقة الأشعة الكونية

ومن ثم، الكشف ... يخبرنا أن الأشعة الكونية PeV تنشأ وتنتشر في قرص المجرة ".

لاحظ العلماء في تجربة Tibet AS-gamma في الصين أن أشعة جاما ذات طاقات تتراوح بين حوالي 100 تريليون وكوادريليون إلكترون فولت قد جاءت من منطقة السماء التي يغطيها قرص مجرة درب التبانة. كما جاء البحث عن المصادر المحتملة للأشعة ذات 38 أعلى طاقة، وفوق 398 تريليون إلكترون فولت فارغًا، مما يدعم فكرة أن أشعة جاما جاءت من الأشعة الكونية التي كانت تجول حول المجرة. وفيما حملت الأشعة أعلى طاقة بحوالي 957 تريليون إلكترون فولت، فقد رفض الباحثون التعليق على الدراسة.

كما سبق للعلماء أن رأوا أشعة جاما شديدة النشاط من مصادر فردية داخل مجرة درب التبانة، مثل سديم السرطان، وهو بقايا المستعر الأعظم. فيما يمكن إنتاج هذه الأشعة بطريقة مختلفة، بواسطة إشعاع الإلكترونات لها أثناء الدوران داخل المسرع الكوني.

 

..........................

رابط المقال:

Milky Way’s newfound high-energy glow hints at cosmic rays’ secrets | Science News

 

محمود محمد عليعلم الفلك يُعنى بدارسة الأجسام السماوية والظواهر التي تحدث خارج الغلاف الجوي للأرض، فالفلك أسهم في إدراك الإنسان لنفسه وفهمه لأحواله وبالتالي إدراكه لما يحدثه من تأثير على الأرض التي يعيش عليها. فلولا الفلك مثلا لما أدرك الإنسان أن الأرض تدور حول الشمس، أو وجود المجموعة الشمسية. ولما عرف أن أفعاله الملوثة للبيئة أحدثت ثقبا في طبقة الأوزون التي تحميه. ما كان سيدرك نشاط الشمس وأثر الرياح الشمسية على الاتصالات الأرضية.

وفي كتاب لنا نشرناه عام 1997م بعنوان " الأصول الشرقية للعلم اليوناني"، بينا أن حضارات الشرق القديم ربطت آلهتهم مع الأجرام السماوية، وربطوا تحركات تلك الأجرام بتنبؤاتهم لما سيحصل في المستقبل، وهذا ما نسميه الآنْ بعلم التنجيم الذي هو بعيد كل البعد عن علم الفلك الحديث مع كل حقائقه وأدواته. والآنْ، مع تقدم فهمنا للعالم، نجد أنفسنا ورؤيتنا للعالم أكثر ارتباطًا بالنجوم. فمع اكتشافنا أنَّ العناصر الأساسية التي تشكل النجوم والسدم هي نفس العناصر التي تشكل أجسادنا، زادت درجة ارتباطنا مع الكون؛ ولا تزال هناك العديد من الأسئلة التي يسعى الفلكيون للإجابة عليها مثل: “كم عمرنا؟"، "ما هو مصير الكون؟"، وربما الأكثر إثارة للاهتمام هو “ما مدى تميز كوننا؟ وهل يمكن لكون مختلف قليلًا أنْ يدعم الحياة؟"، والسعي وراء تلك الأسئلة هو جزء أساسي من كونك إنسانًا، ولكن في عالم يتحتم على المرء تبرير سعيه وراء المعرفة.

من هذا المنطلق يمكن القول أن قدماء الشرقيين كانوا متقدمين تقدماً رائعاً فى العلوم الفلكية ؛ حيث عرفوا طريقة رصد النجوم والكواكب واستخدام أدوات رصد مناسبة، مثل المزولة والساعات المائية وغيرها. كما عرفوا أيضاً التقويم الشمسي والتقويم القمري ؛ حيث قسموا السنة إلى اثني عشر شهرا والشهر إلى ثلاثين يوماً، فتكون السنة الشمسية  365 يوم، فى حين تكون السنة القمرية  354 يوم، كما رصدوا ظاهرتى الكسوف والخسوف . بالإضافة إلى معلومات فلكية كثيرة سوف نوضحها بالتفصيل خلال هذا الفصل.

غير أن بعض الغربيين يرون أن الفلك الشرقي موجه لأغراض تتعلق بالسحر والتنجيم، وبالتالي فهم يأبون أن يطلقوا اسم العلم على تلك المعلومات الفلكية الرائعة التى توصل إليها قدماء الشرقيين، فمثلاً يقول "بيرنت" عن الفلك البابلي أنه: "قائم على أعراض تتعلق بالتنجيم مثل قراءة الطالع وما أشبهه "، فى حين يقول "سانت هلير " (في مقدمته لترجمة كتاب الكون والفساد أرسطو )عن الفلك المصري بأنه" " يعتمد علي مشاهدات مضبوطة، ولكنها  ليس لها علم فلكى ".

وفى الوقت الذى يقف فيه هؤلاء الغربيون هذا الموقف من الفلك الشرقى، نجدهم يعزون للفلك اليوناني كل خير؛ حيث يصفونه بأنه فلك علمي منظم أفاد البشرية افادة كبيرة، فنجد "بيرنت " في كتابه فجر الفلسفة اليونانية يقول: ":" أن أهم تطورات تنسب للفلك القديم هى من انتاج  العبقرية اليونانية فقد توصلوا:

أ- إلى أن الأرض كروية وليست مستقرة على شئ.

ب- كما اكتشفوا النظرية الحقيقية عن الخسوف.

ج- كما توصلوا إلى أن الأرض ليست وسط الكون، بل اكتشفوا الخطوة الأخيرة، أى أنها تدورحول الشمس،وإنما نذ كر ذلك لنبين عظم الفجوة بين علم اليونانيين ومثيله عند من سبقهم.

وهذه النظرة تنطوى على قدر كبير من التحيز والبعد عن الموضوعية، ولذلك سوف نفندها خلال هذا الفصل.

وسبيلنا الآن في هذا المقال هو عرض اسهامات قدماء الشرقيين فى علم الفلك  ؛ حيث كانت شعوب معظم الحضارات الشرقية القديمة شعوبا زراعية، لأن هذه الحضارات ظهرت علي ضفاف انهار كبري، وكانت عملية الزراعة  تتطلب من أجل نجاحها، معلومات فلكية كثيرة ؛ إذ أن من الضروري حساب المواسم الزراعية حتى يمكن زرع المحصول فى الوقت المناسب، ولا بد من توقيت دقيق لعمليات وضع البذور ورى الأرض وجنى المحصول ... الخ فضلاً عن ضرورة حساب مواعيد فيضان النهر والتغير فى حالة الطقس، وهكذا كان من الضروري أن تعرف هذه الحضارات حساب الفصول والسنين، وكانت أدق التقويمات الفلكية هى التى عرفتها حضارات زراعية عريقة، كالحضارة  المصرية القديمة وحضارة وادى الرافدين وغيرهما .

وكان من العوامل الأخرى التى أدت إلى تقدم علم الفلك فى هذه الحضارات، أن كثيراً من شعوبها كانت تمارس التجارة، وتحتاج إلى الملاحة البحرية على نطاق واسع،  ومن ثم كان الرصد الفلكى الدقيق ضرورياً فى عمليات توجيه السفن فى أعالى البحار.

وأخيراً فقد كان للمعتقدات والأديان الشعبية تأثير هام فى نمو معارف فلكية عملية كثيرة، وحسبنا أن نذكر فى هذا الصدد أهمية العقيدة  الدينية عند الفراعنة فى عمليات البناء الهائلة، التى تحققت تلبية لمطالب دينية، كالأهرامات والمعابد الضخمة،  وكذلك الحاجة إلى تخليد الإنسان، والرغبة فى قهر الاحساس بفائه التى حفزتهم إلى اكتساب المقدرة الخارقة على التحنيط والايمان بالتنجيم، ومعرفة الطالع من التطلع إلى النجوم الذى أعطى الناس فى تلك العهود طاقة هائلة من الصبر أتاحت لهم أن يقوموا بملاحظات وعمليات رصد مرهقة، أضافت إلى رصيد البشرية فى ميدان الفلك معلومات لها قيمة لا تقدر.

ولنذكر فى هذا الصدد أن الارتباط بين التنجيم وعلم الفلك، لم يكن فقد قائماً فى حضارات الشرق القديم ، بل كان موجوداً في كل العصور، حيث كانت ممارسة التنجيم تتطلب معرفة واسعة بالحقائق الفلكية، والأبراج التى يقول المنجمون أنهم يعرفون بها الطالع هى أشبه ما تكون بخريطة كبرى للسماء، تضم كثير من المعلومات الفلكية الصحيحة، واسم التنجيم ذاته يفترض معرفة النجوم، ومن ثم كان تدخلهم مع علم الفلك، بل ان كبار الفلكين كانوا فى الوقت ذاته منجمين، فمثلاً كان العلم الألماني  العظيم " كبلر" الذى حدد المدارات البيضاوية للكواكب، واهتدى إلى مجموعة من أعظم القوانين الفلكية الرياضية، كان يؤمن بالتنجيم ويمارسه، ولم يكن يعتقد أن ممارسته لة تتعارض – على أى نحو مع عمله الدقيق – بل إن السعي إلى جعل التنجيم والتنبؤ بالطالع، ربما كان واحد من أهم الأسباب التى حفزت العلماء على الاشتغال بعلم الفلك، والتي جعلت هذا العلم الذى يتناول ظواهر تبدو بعيدة كل البعد عن اهتمام الإنسان على وجه الارض، يصبح واحد من أقدم العلوم البشرية عهداً، ومن أدقها منهجاً، ولولا أن الحكام كانوا يحرصون على معرفة طالعهم، ويستشيرون  المنجمين فى قرارتهم الهامة لما أولوا لعلم الفلك ذلك الاهتمام وقدموا إليه ذلك التشجيع الذى أدى إلى نهوضه منذ وقت مبكر.

وإذا كان بعض الغربيين يفرقون بين الفلك الشرقي والفلك اليوناني، حيث يرون أن الفلك عند الشرقيين قائم على السحر والتنجيم، فى حين أن الفلك عند اليونانيين قائم على التنظيم العلمي،. فهذه التفرقة ليست موضوعية إذا اخضعناها للبحث العلمي الدقيق، إن المنطق والتاريخ يشهدان على أن قدماء الشرقيين قد وصلوا إلى مبتكرات فلكية أفادت اليونانيين الذين جاءوا بعد ذلك . حيث استفادوا من الموروث الفلكي عند السابقين عليهم، ثم وظفوه وبلوروه - فكانت أعمالهم الفلكية تعد ثمرة تأثير الشرقيين عليهم . ولزماً علينا هنا أن نثبت ذلك فنوضع مظاهر اهتمام الشرقيين القدماء بعلم الفلك، حيث نتكلم عن إرهاصات علم الفلك عند قدماء المصريين ثم عند البابليين ثم عند الهنود

وإذا انتقلنا إلي إرهاصات علم الفلك عند قدماء المصرين ؛ حيث تشهد بعض كتابات الغربيين فى تاريخ العلم نقداً شديداً للفلك  عند قدماء المصريين، فنجد "تاتون" يقول: " من العبث البحث فى النصوص المصرية عن إشارة واحدة إلى كسوف، وهذا  النقص فى الملاحظة يتعارض مع النصوص البابلية والكلدانية المعاصرة لهم، والتى تضمنت إشارات عديدة حول الوقائع الملحوظة من قبل الفلكيين . والصحيح أن حالة معارفنا عن علم الفلك المصرى، هى من الضألة بحيث يصعب أن نرى فى هذه الواقعة ظل جهل أو لا مبالاة من قبل المصريين  أكثر مما هى نقص فى المصادر.

ويسايره " فوريس" و"ديكستور هوز" (في كتابهما تاريخ العلم والتكنولوجيا)؛ حيث يقولا: " بالغ اليونايين كثيراً، كما بالغوا فى حالة الرياضيات، فى تقدير المصريين فى علم الفلك، والحقيقة أن علم الفلك المصري لم يتخطى مطلقاً المرحلة الابتدائية . إلا حين اتصل بعلم الفلك البابلي فى الفترة اليونانية ""300 ق.م" فليس لدينا سوى برديتين مصريتين  ديموطيقيتين مبنيتين على أصول أخرى تتناول علم الفلك .

والحقيقة ان هذه النقد يعتبر غير صحيح إلى حد ما، فلم يكن الفلك المصرى بدائياً بسيطاً ساذجاً لمجرد أنه لم توجد برديات كثيرة لشرح النظريات الفلكية، فقد كان الكهنة المصريون يعتبرونها " من أسرار المهنة " التى لا يجوز الاطلاع عليها. ورغم انعدام الوثائق عن معرفة الفلك المصري ظاهرياً و إلا  أنه كان يوجد فى مصر كتب فلكية أو على الأقل مجموعة تشبه المجموعات المماثلة بالنسبة إلى الحساب والطب . وقد كتبت فى العصر الهيلينستى مثل " بردية كارلسبرغ " التى دونت بعد الميلاد، هذا بالإضافة إلى وجود معلومات فلكية كثيرة يمكن تلمسها فى نقوش المقابر والمعابد مثل معبد " رمسيس الثالث " ومعبد " ابيدوس " ومعبد الآلهة "حتحور" بدندرة ...الخ، وهى تبين أن القدماء المصريين قد بذلوا جهوداً مبتكرة فى علم الفلك، وأن علماء الفلك المصريين مشغولون بقضايا علمية مثل قضية التقويم، وابتكار العام والشهر واليوم كوحدات فلكية لقياس الـزمن، وتقسيم النهار إلى 12 ساعة والليل إلى 12 ساعة، وكان اهتمامهم بالعالم غير المرئى قاصراً على الحياة بعد الموت، ولذلك لم يتحمسوا للتنجيم ؛ فى حين كان اهتمام اليونانيين لهذا العالم قاصرا على هذه الحياة المادية الملموسة، وظنوا أن التنجيم يمكن أن يؤدى بهم إلى فض مغاليقه .

فقد اكتشف المصريون القدماء منذ عهد الاسرة الأولى فكرة التقويم الشمسى، وقسما السنة إلى اثنى عشرا شهراً . وكل شهر إلى ثلاث سنـوات، بحيث تتكون السنة  من ستة وثلاثين عشرة "360 يوماً "، لكنهم سرعان ما أضافوا موسماً للأعياد مؤلفاً من خمسة أيام، فأصبحت سنتهم 365 يوم، وتبدأ السنة العادية فى أول يوم من الشهر " توت " وتبدأ السنة الفلكية أو سنة " العشري اليمانية " يوم يطلع هذا النجم بعد أن رصدوه عدة سنين، وذلك لأن مدة السنة العادية 365 يوماً، ومدة سنة الشعرى 365 وربع يوم، وهذا الاختلاف يجعل توافق طلوع الشمس والشعرى بصفة رأس السنة الفلكية، يتأخر يوماً كاملاً عن رأس السنة العادية  كل أربع سنوات، ومعنى ذلك أنه إذا وقع الفلكية فى أول شهر " توت "، فإنه بعد أربع  سنوات يقع فى اليوم التالي له، وبعد أربعين سنة يتأخر رأس السنة الفلكية من رأس السنة العادية عشرة أيام وهكذا، ومن ثم أدرك الفلكيون المصريون أن أول السنة الفلكية لا يقع أول السنة العادية إلا مرة كل 1460 عاماً، وهو ما يعرف بدورة "الشعرية اليمانية".

ولما كان من غير المقبول أن يبدأ فى مستهل السنة بعد مضى جزء منة "ربعه"،  وحتى لا يتسبب كسر اليوم فى تغيير مبدأ السنة على مر الايام فقد تغلب المصريين القدماء على هذه المشكلة باستنباط السنة "العادية " ذات الأيام الكاملة بدون كسور فيما يختص بعد السنيين فجعلوا فى كل دورة من أربع سنين، ثلاثة كل منها 365 يوماً، والسنة الرابعة 366 يوماً، مما جعل متوسط السنة-365 يوماً، والطريف أن كلمة " دورة " لازالت تعنى الرقم أربعة عند المصريين ويستخدمونها فى الريف المصري في إحصاء وعد بعض المنتجات الزراعية وغيرها . وتروى الأساطير المصرية القديمة أن آلهة الحكمة المصري " تحوت " قد اخترع العلوم كلها من 18000 سنة قبل الميلاد، وذلك خلال حكمة على ظهر الأرض البالغ ثلاثة آلاف من الأعوام . وأن أقدم الكتب فى كل علم من العلوم كانت من بين السنة والثلاثين ألف كتاب من الكتاب التى وضعها "توت " كما يروى المؤرخ المصري السمنودى" ماينتون " الذى عاش حوالى 300 سنة ق.م،ومن بين هذه العلوم علم الفلك والتقويم، وأنه قسم اليوم عشر ساعات، وكل ساعة مائة دقيقة، وكل دقيقة مائة ثانية.

ولم تقف جهود القدماء عند حد ابتكارهم للتقويم الشمسى، بل  كانوا  أول الشعوب معرفة بالنجوم، معرفة ترجع إلى أبعد عصر من عصور ما قبل التاريخ، لأن جو مصر الصافى ولطافة طقسها المنعش أثناء الليل حدا بالناس إلى التأمل فى حركات الأجرام السماوية، ولا بد أنهم لاحظوا أن النجوم موزعة توزيعاً غير متساو، وأنها مجموعات أو أبراج لها أشكال معينة يسهل التعرف عليها، ومن أساطيرهم الموغلة فى القدم أنهم تصوروا السماء كلها محاطة بجسم إلهة السماء" توت " التى  تحمل جسمها على يديها وقدميها، وهذه  النظرة الشاملة إلى السماء مكنت المصريين من التعرف على مجموعات سماوية شاسعة بالقياس إلى المجموعات الفلكية الحديثة التى توصل إليها الإنسان المعاصر بأحدث الأجهزة التكنولوجية وأكثرها تعقيداً . بل أنهم قاموا بدراسة منهجية لهذا المجموعات من خلال تقسيم منطقة واسعة على طول خط الاستواء إلى سته وثلاثين قسماً، يشمل كل منها أوسع النجوم والمجموعات أو أجزائها مما يمكن رصد ظهوره كل عشرة أيام متعاقبة، كما اكتشفوا العلاقة بين شروق الشعرى اليمانية والفيضان السنوي للنيل باعتباره أهم حدث فى الحياة المصرية وقوة الدفاع المتجددة لحضارتها، ومصدر  الرخاء لكل الشعب أو السبب فى ضنكه، إذا جاء منحفضاً،  فعلى الرغم من أن فيضان النيل لم يكن منتظماً دائماً، إلا أنهم اكتشفوا اتفاق هذا الحدث تماماً أو تقريباً مع شروق الشعرى اليمانية بصفتها أكثر النجوم تألقاً فى السماء.

كذلك تتجلى ريادة علماء الفلك المصريين فى استخدام أدوات فلكية بارعة مكنتهم من إجراء الرصد بدقة، ومن هذه الآلات: المزولة الشمسية "وهى عصا مستقيمة تنصب على سطح أفقى، ويكون لها ظل يتغير بتغير مسار الشمس، وتتجدد الساعة من طول ظل العصا، الذى يكون أقصر ما يمكن عند الظهيرة "، والساعة المائية التى تستخدم لتحديد الوقت فى الليل بصفة خاصة، وهى آلة ذات شكل أسطواني بها ثقب من أسفل يسمح بمرور الماء بصورة تدريجية، وعلى الآلة خطوط تدل على الساعة بصورة تدريجية  كلما انخفض مستوى الماء فيها، وهناك نوع آخر من هذه الساعات يعتمد على الامتلاء، حيث يسقط الماء فيه تدريجياً من إناء آخر .

ولاشك فى أن هذه الآلات قد ساعدت المصريين فى معرفة الكسوف والخسوف يقول " بلوتا خوس " اليوناني فى كتابة " ايزيس وأوزوريس ": " أن المصريين اكتشفوا ظاهرتى كسوف الشمس وخسوف القمر، وأنهم عللوا هاتين الظاهرتين مثلما تعللها نحن الآن، وكانو يعتقدون أن الشمس والقمر أبديان ومثلوها بثعبان يلتف على شكل دائرة، كما أنهم رمزوا للبروج التى تعرفها بأسماء بعض البلاد مثل برج الدلو الذى رمزوا له بجزيرة  " فيلة " أمام اسوان " وللمريخ برمز " أبو للونوليس " "إدفو " برمز " إسنا " وللمشترى برمز " أرمنت "وللحمل برمز " طيبة "  وللزهرة برمز "دندرة ".....وهكذا .

مما تقدم يتضح لنا أن الفلك المصري ليس فلكاً بدائياً بسيطاً كما يزعم بعض الغربيين،وإنما هو فلك علمي منظم " .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل - جامعة أسيوط

 

 

 

اكتشف علماء الفلك في مركز الفيزياء الفلكية هارفارد وسميثسونيان أول كوكب يشبه المشتري بدون سحب أو ضباب في غلافه الجوي المرئي. وقد نُشرت النتائج هذا الشهر في مجلة Astrophysical Journal Letters.

تم الكشف عن عملاق الغاز الذي أطلق عليه اسم(WASP-62b) لأول مرة في عام 2012 من خلال مسح جنوبي واسع الزاوية للبحث عن الكواكب (WASP)، ومع ذلك لم تتم دراسة غلافه الجوي عن كثب حتى الآن.

تقول منازا علام، طالبة الدراسات العليا في مركز الفيزياء الفلكية التي قادت الدراسة: "بالنسبة لرسالتي، كنت أعمل على توصيف الكواكب الخارجية حيث ألتقط الكواكب المكتشفة وأتابعها لأعرف غلافها الجوي."

يقع (WASP-62b) المعروف باسم "المشتري الساخن"، على بعد 575 سنة ضوئية وتبلغ كتلته حوالي نصف كتلة كوكب المشتري في نظامنا الشمسي. ومع ذلك، على عكس كوكب المشتري الذي يستغرق ما يقرب من 12 عامًا للدوران حول الشمس، يكمل (WASP-62b) دورانًا حول نجمه في أربعة أيام ونصف فقط. فهذا القرب من النجم يجعله شديد الحرارة، ومن هنا جاء اسم "المشتري الساخن".

باستخدام تلسكوب هابل الفضائي، سجلت منازا علام بيانات وملاحظات الكوكب مستخدمة التحليل الطيفي، ودراسة الإشعاع الكهرومغناطيسي للمساعدة في اكتشاف العناصر الكيميائية. كما راقبت على وجه التحديد (WASP-62b) أثناء اجتيازه أمام نجمه المضيف ثلاث مرات، وقامت برصد الضوء المرئي، الذي يمكنه اكتشاف وجود الصوديوم والبوتاسيوم في الغلاف الجوي للكوكب.

تقول منازا علام: "سأعترف بأنني في البداية لم أكن متحمسًا للغاية بشأن هذا الكوكب، ولكن بمجرد أن بدأت في إلقاء نظرة على البيانات، شعرت بالحماس ".

بينما لم يكن هناك دليل على وجود البوتاسيوم، كان وجود الصوديوم واضحًا بشكل لافت للنظر. وقد تمكن الفريق من رؤية خطوط امتصاص الصوديوم الكاملة في بياناتهم، أو بصماتها الكاملة. تشرح منازا علام أن السحب أو الضباب في الغلاف الجوي من شأنه أن يحجب الصوديوم، ولا يستطيع علماء الفلك عادة سوى تقديم تلميحات صغيرة لوجوده. وتقول: "هذا الدخان دليل قوي على أننا نرى جوًا واضحًا".

إن الكواكب الخالية من السحب نادرة للغاية؛ لذا يقدر علماء الفلك أن أقل من 7٪ من الكواكب الخارجية لها غلاف جوي صافٍ، وفقًا لبحث حديث. فعلى سبيل المثال، تم اكتشاف أول كوكب خارجي معروف له غلاف جوي صافٍ في عام 2018، يُسمى (WASP-96b)، ويُصنف على أنه كوكب زحل ساخن.

يعتقد علماء الفلك أن دراسة الكواكب الخارجية ذات الأغلفة الجوية الصافية يمكن أن تؤدي إلى فهم أفضل لكيفية تشكلها. تقول منازا علام "إن ندرتها تشير إلى حدوث شيء آخر أو أنها تشكلت بطريقة مختلفة عن معظم الكواكب. كما تسهل الأجواء الصافية أيضًا دراسة التركيب الكيميائي للكواكب، والتي يمكن أن تساعد في تحديد مكونات الكوكب.

مع إطلاق تلسكوب جيمس ويب الفضائي في وقت لاحق من هذا العام، يأمل الفريق في الحصول على فرص جديدة لدراسة وفهم (WASP-62b) بشكل أفضل. كما يجب أن تساعد تقنيات التلسكوب المحسّنة، مثل الدقة العالية والضبط الأحسن، على استكشاف الغلاف الجوي بشكل أقرب للبحث عن وجود المزيد من العناصر، مثل السيليكون.

 

ترجمة وتحرير: بدر ثاني

..........................

مصدر القصة:

المواد التي يقدمها مركز هارفارد سميثسونيان للفيزياء الفلكية.

Harvard-Smithsonian Center for Astrophysics.

رابط المقال:

https://www.sciencedaily.com/releases/2021/01/210121185411.htm

 

 

بقلم: كريستوفر كروكيت

ترجمة وتحرير: بدر ثاني


يعتبر الكون اليوم أدفأ عشرة مرات مما كان عليه قبل عشرة مليارات سنة، فبينما كان متوسط درجة حرارة الفضاء السحيق حوالي 200 ألف درجة مئوية (360 ألف درجة فهرنهايتية)، فإنها الآن ما يقرب من مليوني درجة مئوية (3.6 مليون درجة فهرنهايتية).

يقول يي كوان تشيانغ، عالم فيزياء فلكية في ولاية أوهايو جامعة كولومبوس، وقد قاد فريقًا بحثيًا لقياس درجة حرارة الكون:” هذه هي المرة الأولى التي يمكننا فيها تأكيد القيمة الدقيقة لدرجة حرارة الكون وكيف تتطور مع مرور الوقت". ونشر النتائج الجديدة في مجلة الفيزياء الفلكية (Astrophysical Journal.)  في 10 أكتوبر.

ويوضح تشيانغ أن تتبع درجات الحرارة يساعد علماء الفلك على فهم كيف بَنى الكون الهياكل الضخمة، وتشمل أيضا تجمعات المجرات الغنية بالنجوم، والمعروفة باسم العناقيد، التي يمكن أن تحتوي مئات المجرات المنتشرة عبر ملايين من السنين الضوئية.

عندما تتجمع العناقيد، فإنها تطلق طاقة، وتتحول الجاذبية إلى حرارة، مما يؤدي إلى ارتفاع الغاز المحيط. يقول تشيانغ:” يمكن لعلماء الفلك تحقيق تقدم، من خلال قياس مدى تغير درجة حرارة هذا الغاز بمرور الوقت".

الاحترار الكوني ليس مفاجأة

تقول مارتين لوكين عالمة الفيزياء الفلكية بجامعة تورنتو في كندا: "إن قياس درجة الحرارة الجديد ينسجم بشكل جيد مع ما توقعه علماء الفلك". وتستخدم مارتين نماذج الكمبيوتر وبيانات التلسكوب لفهم كيفية ارتباط الغاز والمجرات عبر الكون لتشكيل شبكة كونية. ويقوم الباحثون في هذه النماذج بإنشاء عوالم أطفال افتراضية حيث يحاكي الكمبيوتر الفيزياء. ثم يتيح برنامج الكمبيوتر للكون أن ينمو من تلقاء نفسه. فمن هنا، يرى العلماء مدى مطابقة تلك الأكوان الافتراضية مع الشيء الحقيقي. تقول مارتين لوكين: "تقوم هذه النماذج اليوم بعمل جيد في إعادة فحص المنظر من خلال التلسكوبات، خاصة عندما ترى أنك تحصل على هذا التسخين المستمر للغاز نتيجة تساقط المجرات في هذه المناطق الكثيفة الضخمة من الشبكة الكونية ".

إن قياسات درجة الحرارة الجديدة توفر لعلماء الفلك البيانات لتأكيد تلك المحاكاة. فمليوني درجة تبدو ساخنة جدًا، لكن لن تشعر بذلك إذا كنت في هذا الغاز وخلعت بدلة الفضاء الخاصة بك (نصيحة للمحترفين: لا تنزع ملابسك في الفضاء، إنها فكرة سيئة).

تقول مارتين لوكين "كيف نشعر كبشر بالحرارة على الأرض هو في الحقيقة من خلال نقل الطاقة الحرارية عندما نلمس شيئًا ما "، فيكون الموقد الساخن ساخنًا لأنه يحتوي على الكثير من الجزيئات تدور حوله. وتستمر في الاصطدام بيدك، ومع كل اصطدام تنقل الحرارة إليك. لكن في الفضاء، لا يوجد الكثير من الجزيئات، حتى الغاز بالقرب من العناقيد، تكون جزيئاته متباعدة جدًا. فلن تعرف حينئذ أنك محاط بالغاز، ولن تشعر بالحرارة. بل لن تشعر بشيء على الإطلاق.

كيف نقيس درجة حرارة الكون؟

لم يكن سهلا قياس درجة حرارة الغاز التي كانت موجودة منذ فترة طويلة. لكن التلسكوبات أصبحت الآن هي آلات الزمن، فعندما ينظر علماء الفلك بعيدًا، فإنهم ينظرون أيضًا إلى الماضي.

تخيل مجرة تقع على بعد مليار سنة ضوئية من الأرض. أخذ الضوء من تلك المجرة مليار سنة ليصل إلينا. فعندما ننظر إليها، فإننا لا نراها كما هي الآن. بل نشاهد ما كانت عليه قبل مليار سنة. لهذا السبب ذهب تشيانج وزملاؤه للبحث عن الغاز بالقرب من المجرات على مسافات عديدة من الأرض. حيث كان بعضها قريبًا، والبعض الآخر على بعد مليارات من السنين الضوئية.

ولأخذ درجة حرارة الغاز، حصل العلماء على مساعدة من ضوء قديم جدًا يسمى الخلفية الكونية الميكروية. وهو عبارة عن توهج ضعيف من كل الاتجاهات، وبقايا لم يمض وقت طويل عليها بعد الانفجار العظيم. (الانفجار العظيم (1) هو سبب بدء الكون، قبل حوالي 13.8 مليار سنة). فعندما ينتقل الضوء عبر الفضاء، يتدفق بعضا منه إلى غاز حول عناقيد المجرات، وتلتقط الطاقة من الإلكترونات التي تدور داخل هذا الغاز. فتعمل على تعزيز تردد الضوء بصورة قليلة. كما يعتمد مقدار تغير التردد أيضا على مدى سخونة الغاز.

نظر فريق تشيانج في البيانات القديمة من التلسكوبات في الفضاء التي رسمت الضوء الخلف، فبحثوا عن بقع حيث تم رفع التردد قليلاً، أبرزها مواقع الغاز الساخن في السماء. ثم قاموا بمطابقة هذه النتائج مع مسافات معروفة لعناقيد المجرات باستخدام تلسكوب على الأرض. ووضعوا كل هذا معًا لتحديد درجات حرارة السحب الغازية على مسافات مختلفة - وفي عدة نقاط زمنية. يقول تشيانج: "لقد فوجئنا بأنها عملت كما هو متوقع".

لكن تشيانغ لم ينته بعد من عمله، حيث يبحث وفريقه الآن في نوع آخر من الضوء يسمى الأشعة تحت الحمراء الكونية الخلفية التي تأتي من الغبار الدافئ في المجرات. فعند قياس درجة حرارة الفضاء، كان الفريق يتوخى الحذر حتى لا يترك هذا الضوء يعطل عملهم. ولهذه الأشعة أيضًا قصة ترويها، كما يقول تشيانج:” الأشعة تحت الحمراء الكونية الخلفية لها قصة عن تكوين المجرات ".

 

.....................

هوامش:

(1) الانفجار العظيم إحدى النظريات السائدة في الغرب حول نشأة الكون أما في الأسلام فإن الله هو خالق الكون.

رابط المقال:

https://www.sciencenewsforstudents.org/article/universe-getting-hotter-cosmic-warming

اقتباسات

Journal: Y.-K. Chiang et al. The cosmic thermal history probed by Sunyaev–Zeldovich effect tomography.

The Astrophysical Journal. Vol. 902, October 10, 2020. doi: 10.3847/1538-4357/abb403.

 

بقلم: كريستوفر كروكيت

ترجمة وتحرير: بدر ثاني


 

لا تدور كل الكواكب حول النجوم، فالبعض يتنقل عبر مجرتنا بمفرده. وقد وجد علماء الفلك أصغر هذه الكواكب المارقة حتى الآن. وتبلغ كتلته كتلة الأرض تقريبًا، مع عدم وجود شمس في سمائه، فدائمًا ما يكون الليل على هذا الكوكب المنعزل. وهذه السماء أكثر قتامة ومليئة بالمزيد من النجوم مما يمكن رؤيته من أي مكان على الأرض.

يقول برزيميك مروز عالم الفلك في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا في باسادينا، كاليفورنيا والذي قاد الفريق الذي اكتشف الكوكب: "يجب أن تكون السماء رائعة والجو باردًا. "

وجد علماء الفلك على مدار العشرين عامًا الماضية أقل من عشرين كوكبًا بدون نجوم في مجرتنا، معظمها عبارة عن كرات كبيرة من الغاز تشبه إلى حد كبير كوكب المشتري، لكن العلماء يعتقدون أن هذه العوالم هي قمة جبل جليدي هائل، فقد يكون هناك المليارات في انتظار اكتشافها.

كوكب مهم تقول ديانا دراغومير عالمة الفلك في جامعة نيو مكسيكو في البوكيرك. إن العثور على هذا الكوكب الصغير "ذو قيمة كبيرة". وتبحث عن الكواكب حول النجوم أكثر من تلك التي حول الشمس، حيث يساعدها هذا العمل في معرفة عدد العوالم التي قد تكون موطنًا لها بخلاف الأرض، وفيها شكل من أشكال الحياة.

ولربما لا توجد حياة على هذا الكوكب اليتيم المظلم المتجمد. ولكن من المهم أن يمنح الاكتشاف دراغومير والعلماء الآخرين معلومات عن العوالم التي يصعب الوصول إليها، وتقول: " أن الحقيقة التي وجدناها تعني الكثير، حتى لو كانت تطفو فقط، لأنها تعني أنها تشكلت فيها في المقام الأول ".

يعتقد علماء الفلك أن الكواكب اليتيمة تشكلت في أنظمة شمسية مثل كوكبنا، لكن شيء ما طرد الكوكب، فربما أطاحت به جاذبية كوكب أكبر، أو اقترب نجم عابر وأثارت جاذبيته كوكبًا أو اثنين. وتقول دراغومير" إن هذا الكوكب المكتشف حديثًا ربما يكون بعيدًا جدًا عن نجمه الأصلي، فلو كان قريبًا، فإن جاذبية النجم ستمنعه من الهروب. فغالبًا ما يصعب العثور على الكواكب، خاصة الصغيرة منها والبعيدة عن نجومها. فعلى الرغم من أننا نعتقد أن هناك كواكب بعيدة حول العديد من النجوم، إلا أننا لا نستطيع معرفة ذلك بالتأكيد، وإن العثور على واحد فقط مثل هذا الكوكب المكتشف، باستخدام تقنية أخرى، مفيد حقًا لأنه يضاف إلى عينة صغيرة. كما يخبرنا اكتشافه بأن هذه الكواكب الصغيرة على مسافة معقولة من النجم المتشكل ".

متى يكون الكوكب ليس كوكبا؟

يعتقد معظم الناس أن الكواكب هي أجسام تدور حول النجوم، أما الاتحاد الفلكي الدولي- الجهة المخولة بإطلاق التعاريف والأسماء الرسمية للأجسام في الفضاء- فيعتمد في تعريفه أن الكوكب يجب أن يدور حول نجم محدد؛ وهو الشمس، بينما الكواكب المارقة لا ينطبق عليها هذا التعريف، كما تقول جيسي كريستيانسن، عالمة الفلك في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا - مثل دراغومير- والتي تقوم أيضًا بحصر جميع أنواع الكواكب الموجودة هناك.

بينما يجادل الكثيرون الآن بأنه يجب تحديد الكوكب فقط من خلال كيفية تشكله، يذهب الاتحاد الفلكي الدولي إلى القول بأن الكوكب هو أي شيء كبير بما يكفي بحيث تتحول جاذبيته إلى كرة، وإلا سيكون كويكبًا متكتلًا أو مذنبًا، وإذا أصبح بتلك الضخامة بحيث يسحق الذرات معًا ويبدأ في التوهج، عندها سيكون نجما.

تخضع الكواكب المارقة للمراقبة بناء على كتلتها، لكن كريستيانسن تقول:  " مؤسساتنا لم تدرك حقيقة أن هذه الكواكب موجودة حتى الآن"، كما تعمل ناسا على تعقب الكواكب خارج النظام الشمسي وترصدها في قاعدة بيانات الكمبيوتر يطلق عليه أرشيف ناسا للكواكب خارج المجموعة الشمسية، لكن دراغومير تقول: "أن قاعدة البيانات لا تشمل حتى الآن العوالم اليتيمة، وأنهم بصدد إعادة تصميمها ليتمكنوا من استضافة هذه الكواكب.

احتمالات منخفضة

يكتشف علماء الفلك معظم الكواكب من خلال كيفية تأثيرها على النجوم التي تدور حولها، اما بالنسبة للكواكب اليتيمة فإنها لا تؤثر ولا حتى تصدر ضوءًا، لذلك لا يستطيع علماء الفلك رؤيتها.

 وعلى العكس، يمكن لها أن تبدل الضوء الصادر عن النجوم البعيدة جدًا حيث ُ تعرف هذه العملية باسم عدسة الجاذبية. فإذا مر جسم في الفضاء بين الأرض والنجم، فإن جاذبيته تركز الضوء من ذلك النجم على الأرض. يقول مروز: إنها مثل العدسة المكبرة". لشخص ما على الأرض، فإن النجم يضيء ككائن يمر به، وهذه هي الطريقة التي اكتشف بها الباحثون هذا الكوكب المارق الصغير.

في يونيو 2016، سطع نجم خافت في كوكب القوس قليلاً، ثم تلاشى مرة أخرى إلى وضعه الطبيعي، فقام مروز وفريقه بقياس الوقت الذي استغرقه النجم حتى يضيء ويخفت، حيث استغرق التغيير حوالي خمس ساعات، واستطاعوا من خلاله قياس كتلة الجسم التقريبية، وقد قدروها بأقل من ثلث كتلة الأرض أو بضخامة كوكبنا مرتين. وقد شاركوا اكتشافهم في 1 نوفمبر في مجلة الفيزياء الفلكية تمكن مروز وفريقه من قياس الزمن المستغرق بواسطة تلسكوب(OGLE) الموجود في صحراء أتاكاما في تشيلي، والذي يستخدم تجربة عدسة الجاذبية البصري، والموجه نحو أجزاء من مجرة درب التبانة التي بها الكثير من النجوم، مثل مركز المجرة. ثم يبحث عن التغييرات في الأضواء الصادرة عن النجوم، والتي تسببها الأجسام المظلمة العائمة.

إن احتمالات العثور على جسم واحد فقط هي احتمالات فلكية، حيث يجب أن تكون المحاذاة بين الأرض وبعض الأجسام وخلفية النجم مثالية تقريبًا. يقول مروز :  "إذا لاحظت نجمة واحدة فقط، يجب أن تنتظر في المتوسط مليون سنة قبل أن يمر أي جسم  ". كما لا أحد يريد الانتظار كل هذا الوقت، لذا لزيادة فرصهم ف بدلاً من مشاهدة نجمة واحدة، يشاهد العلماء ملايين النجوم، حيث يراقب تلسكوب OGLE 200 مليون نجم كل ليلة صافية، بحيث يلاحظ مروز وفريقه بضعة آلاف من العوامات كل عام، معظمها مجرد نجوم مظلمة.

ماذا بعد

يقول مروز:  "يدفع هذا الكوكب الصغير الحد الأقصى لما يمكن أن تفعله التلسكوبات مثل " OGLE ، ولإيجاد المزيد، يحتاج علماء الفلك إلى تلسكوب في الفضاء يكون على مستوى التحدي. حيث يأتي التلسكوب الروماني نانسي غريس الفضائي في الصدارة والذي من المقرر اطلاقه تقريبا عام 2025 وسيكون بحجم تلسكوب هابل الفضائي، وسيغطي مسافة 100 ضعف في السماء في آن واحد، وسمي التلسكوب الجديد باسم الرومانية نانسي جريس -أول رئيسة لعلماء الفلك في ناسا- حيث كتبت في عام 1959 أنها سوف تضع تلسكوبا في الفضاء سيسمح لعلماء الفلك بالعثور على الكواكب حول النجوم الأخرى ( لن يكون تلسكوبها أول من يكتشف الكواكب في الفضاء. حيث عثر التلسكوب كبلر الفضائي، على سبيل المثال على أكثر من 2700 كوكبا خارجيا قبل نفاذ غازه في عام 2018.) وسوف يدور التلسكوب الروماني بعيدًا عن الغلاف الجوي للأرض، مما سيمكنه من العثور على العديد من الكواكب المتجولة، والقيام بالكثير من المهام العلمية الأخرى.

يقول سامسون جونسون-عالم الفلك في جامعة ولاية أوهايو في كولومبوس-: "في الوقت الحالي، لا نعرف سوى القليل عن الكواكب الحرة". فبحسب جونسون وعلماء آخرين، فإن عدد الكواكب العائمة التي قد يجدها التلسكوب الروماني لا يقل عن 250 كوكبا، بعضها صغير مثل المريخ وقد نشروا هذه النتائج في سبتمبر بالمجلة الفلكية.

ويمكن لمثل هذه الاكتشافات أن تعطي علماء الفلك معلومات عن كيفية تشكل الكواكب، حيث تظهر بعض أنظمة الطاقة الشمسية الفوضى في مجرتنا التي أصبحت موطنا للكواكب ذات المدارات المائلة والمتباعدة بطرق غريبة.

يقول كريستيانسن: "أحد الأسئلة في المستقبل هو، أيهما أكثر شيوعًا؟" ، إذا كان التلسكوب الروماني يكتشف الكثير من الكواكب العائمة، فهذا يشير إلى أنها طُردت من منازلها وأن العديد من أنظمة الكواكب الحديثة فوضوية. كما أن النظام الشمسي كان فوضويًا ذات يوم.

 افترض علماء الفلك لمئات السنين أن هذا النظام يبدو لطيفا ومنظما دائمًا كما هو الآن، وأن أنظمة الكواكب الأخرى ستكون مشابهة له. لكن تنوع العوالم المكتشفة بما فيها الكواكب اليتيمة، غيرت هذه النظرة. فيما يعتقد بعض العلماء الآن أن النظام الشمسي فقد كوكبًا منذ فترة طويلة. ويقول كريستيانسن: " واحدة من الأشياء اللطيفة، والمدهشة، والمثيرة التي نتجت عن الكواكب الخارجية، هو اكتشاف أن هناك العديد من الأنواع المختلفة لأنظمة الكواكب."

مصطلحات:

الأرشيف: مكان جمع وتخزين المواد، بما في ذلك الأصوات ومقاطع الفيديو والبيانات والأشياء، بحيث يمكن العثور عليها واستخدامها عند الحاجة.  ويُعرف الأشخاص الذين يؤدون هذه المهمة باسم أمناء المحفوظات.

عالم الفلك: عالم يعمل في مجال البحث الذي يتعامل مع الأجرام السماوية والفضاء والكون المادي.

الغلاف الجوي: غلاف الغازات المحيط بالأرض أو كوكب آخر.

الذرة: الوحدة الأساسية للعنصر الكيميائي. تتكون الذرات من نواة كثيفة تحتوي بشكل إيجابي البروتونات المشحونة والنيوترونات غير المشحونة. تدور النواة حول سحابة من الإلكترونات سالبة الشحنة.

المتوسط: (في العلوم) مصطلح يشير إلى المتوسط الحسابي، وهو مجموع عناصر الأعداد الموجودة مقسومًا على عددها.

المذنب: جسم سماوي يتكون من نواة الجليد والغبار يكون المذنب "ذيله" الخلفي. عندما يمر بالقرب من الشمس والغاز والغبار المتبخرعن سطحه.

الكوكبة: مجموعة من النجوم البارزة تبدو قريبة من بعضها البعض في سماء الليل. يقسم علماء الفلك الجدد السماء إلى 88 كوكبة، 12 منها (المعروفة باسم الأبراج) تقع على طول مسار الشمس عبر السماء على مدار عام.  كانكري، الاسم اليوناني الأصلي لبرج السرطان، هو واحد من تلك الأبراج الاثني عشر.

الكوكب الخارجي: اختصار للكواكب خارج المجموعة الشمسية، إنه كوكب يدور حول نجم خارج النظام الشمسي.

التركيز: (في الفيزياء) النقطة التي تتلاقى عندها الأشعة (مثل الضوء أو الحرارة) وتتم أحيانًا بمساعدة عدسة.

المجرة: مجموعة من النجوم - وعادة ما تكون مادة مظلمة - جميعها مرتبطة ببعضها البعض بفعل الجاذبية. تحتوي المجرات العملاقة، مثل درب التبانة، غالبًا على أكثر من 100 مليار نجم. وقد تحتوي المجرات الخافتة على بضعة آلاف فقط. كما تحتوي بعض المجرات أيضًا على غاز وغبار تصنع منها نجومًا جديدة.

عدسة الجاذبية: تحريف الضوء بواسطة قوة الجاذبية الشديدة، مثلا عن طريق عناقيد من المجرات (أجسام ضخمة في الكون)، ويمكن للجاذبية أن تنحني أو تركز الضوء، مما يجعلها تبدو أكثر إشراقًا وفي مكان واحد أو أكثر في السماء.

الجاذبية: القوة التي تجذب الأجسام التي لها كتلة أو حجم بإتجاه أي شيء آخر له كتلة، وتزداد الجاذبية بازدياد كتلة الجسم.

مجلة: (في العلوم) منشور يشارك فيه العلماء نتائج أبحاثهم مع الخبراء (وفي بعض الأحيان حتى الجمهور). تنشر بعض المجلات أبحاثًا من جميع مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، بينما البعض الآخر خاص بموضوع واحد، وتخضع أفضل المجلات لمراجعة قريناتها فهي ترسل  مقالاتها إلى خبراء خارجيين لقراءتها ونقدها لتفادي أخطاء النشر والاحتيال.

المشتري: (في علم الفلك) أكبر كوكب في المجموعة الشمسية، وله أقصر طول نهار (10ساعات) وهوغاز عملاق، تشير كثافته المنخفضة إلى أنه يتكون من عناصر ضوئية مثل الهيدروجين والهيليوم. ويطلق هذا الكوكب أيضًا حرارة أكثر مما يتلقاه من الشمس حيث تضغط الجاذبية على كتلته (كما أنه ينكمش ببطء).

المريخ: رابع كوكب من جهة الشمس، على بعد كوكب واحد فقط من الأرض. يتخلله مواسم مثلها وجوّه رطبا وقطره لا يتجاوز نصف قطر الأرض.

الكتلة: رقم يُظهر مقدار مقاومة الجسم للتسريع والتباطؤ - بشكل أساسي قياس مقدار المادة التي يتكون منها.

درب التبانة: المجرة التي يوجد فيها النظام الشمسي للأرض.

المراقبة: اختبار شيء ما أو أخذ عينات منه أو مشاهدته، خاصة على أساس منتظم أو مستمر.

ناسا: اختصار للإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء. وقد تم إنشاء هذه الوكالة الأمريكية في عام 1958، وأصبحت رائدة في أبحاث الفضاء وتحفيز الاهتمام العام باستكشاف الفضاء، ومن خلالها أرسلت الولايات المتحدة رواد الفضاء إلى المدارات ولاحقا إلى القم، لدراسة الكواكب والأجرام السماوية الأخرى في نظامنا الشمسي.

المدار: المسار المنحني لجسم سماوي أو مركبة فضائية حول مجرة أو نجم أو كوكب أو قمر، وهو الدائرة الكاملة حول الجرم السماوي.

الكوكب: جسم سماوي كبير يدور حول النجم وعلى عكسه، لا يولد أي ضوء مرئي.

النظام الشمسي: الكواكب الثمانية الرئيسية وأقمارها في مدار حول الشمس، مع أجسام صغيرة على شكل كواكب قزمة وكويكبات ونيازك ومذنبات.

النجم: اللبنة الأساسية التي تتكون منها المجرات. وتتطور النجوم عندما تضغط الجاذبية على سحب الغاز لتصبح ساخنة بدرجة كافية، وينبعث ضوءا وأحيانًا إشعاعا كهرومغناطيسيا. وتعتبر الشمس أقرب نجم إلينا.

الشمس: النجم الموجود في مركز النظام الشمسي للأرض. يبعد حوالي 27000 سنة ضوئية عن مركز مجرة درب التبانة. ويطلق مصطلح الشمس أيضا على أي نجم شبيه بها.

التلسكوب: أداة لجمع الضوء تجعل الأشياء البعيدة تظهر أقرب من خلال استخدام العدسات أو مجموعة من المرايا والعدسات المنحنية. ومع ذلك، يقوم البعض بجمع انبعاثات الراديو (الطاقة المنبعثة من أجزاء مختلفة من الطيف الكهرومغناطيسي) عبر شبكة من الهوائيات.

 

......................

رابط المقال:

https://www.sciencenewsforstudents.org/article/rogue-planets-wander-galaxy-space

اقتباسات

 Journal: P. Mróz et al. A terrestrial-mass rogue planet candidate detected in the shortest-timescale microlensing event. The Astrophysical Journal Letters. Vol. 903, November 1, 2020. doi: 10.3847/2041-8213/abbfad.

Journal: S.A. Johnson et al. Predictions of the Nancy Grace Roman Space Telescope Galactic Exoplanet Survey. II. Free-floating Planet Detection Rates. The Astronomical Journal. Vol. 160, September 2020. doi: 10.3847/1538-3881/aba75b.

Journal: N.G. Roman. Planets of other suns. The Astronomical Journal. Vol. 64, October 1959. doi: 10.1086/108038

 

 

 

 

محمود محمد عليكثيراً ما نجتمع حول الطبيب الجراح عند خروجه من غرفة العمليات بعد انتهائه من إجراء العمل الجراحي لأحد من ذوينا، لنسأله عن ِحال المريض، وهل نجحت العملية، وهل هو بخير أم لا؟. وذلك على الرغم من عدم خروج المريض من غرفة العمليات. لأنه ما يزال تحت تأثير التخدير العامِّ الذي أجري له، إذ يحتاج لبعض الوقت حتى يتمكن من الخروج من غرفة العمليات بصحة وعافية، وقلما نتوجه بالشكر إلي ذلك الشخص الذي قام بتخديره ومن ثم بإنعاشه، وذلك لعدم إدراكنا َ أهمية هذا الشخص الذي يقومُ به في غرفة العمليات.

ولو أدركنا جميعا أن حياة مريضنا الغالي في غرفة العمليات مرتبطة مبدى جناح عملية التخدير من ً عدمها، قياسا إلي مدى نجاح العمل الجراحي، لكنا اجتمعنا أكثر حول الطبيب المخدر الذي قام بتخديره، وشكرناه أضعاف ما شكرنا به الطبيب الجراح؟. فإذا كان عمل الجراحة وغايتها هي استئصال ورم ما، أو تصحيح مشكلة أو اضطراب أصاب جسمنا، وإذا كان هذا العمل الجراحي، على أهميته وسموه، يسبب لنا ً آلاما مبرحة، فيما لو أجري لنا ونحن بكامل وعينا، فإن غاية التخدير هي جَعْلنا نفقد الإحساس بالألم، وما ينتج عن هذا العمل الجراحي من نتائج على أجسامنا، فيما لو أجري لنا ونحن بوعينا الكامل، وخير مثال نسوقه في هذا المجال المثال الأتي: ماذا تشعر لو ِجُرحت جرحاً صغيراً ؟، وما هي تأثيراته عليك وعلى علاماتك الحيوية ؟ فما بالك بجرح كبريٍ كافٍ لاستئصال ورم أو ما شابه؟

إن وظيفة الطبيب الخدر هي جعل المريض لا يشعر بكل هذ التأثيرات، ومن ثمَّ مراقبتها لو طرأ عليها أي طارئ.

والتخدير هي المواد التي تستخدم لتخفيف الآلام أو انتاج حالة من تخدير بعض أو كل الحواس، وخاصة اللمس التي تتوقف عن العمل، ويعد اكتشاف التخدير أحد الإنجازات العظمى فى تاريخ الحضارة الإنسانية.. فقبله كانت الجراحة قاصرة على العمليات الصغيرة التى لا مفر منها مثل البتر أو نزع السهام وخلع الضروس. وكانت الوسيلة الوحيدة لتخفيف آلام المريض قبل العملية أن يضرب بالهراوة على رأسه فجأة فيفقد الوعى. ولكنها وسيلة غير آمنة وقد تحدث نزيفاً داخلياً فى الرأس. أما الطريقة الأكثر استعمالاً فكانت أن يسقى المريض كمية كبيرة من الخمر حتى يفقد الشعور والإحساس وينام.. ولكنها أيضاً طريقة غير مأمونة لأن بعض الناس كان يصاب بالهياج من كثرة السكر ولا يمكن السيطرة عليه وبعضهم لا يفقد الإحساس بالألم مهما سكر.

وكانت الجراحة فى العصور الوسطى مرتبطة فى أذهان الناس بصورة أربعة رجال غلاظ يمسكون بالمريض من يديه وقدميه حتى لا يتحرك من شدة الألم. وفى التاريخ العربى كان أطباء الجاهلية يستعملون الخمر كمخدر.. فلما نزل الإسلام بتحريمها جاءوا إلى الرسول يسألونه أن يأذن لهم باستعمالها فى الطب كدواء أو مخدر فأبى ذلك وقال.

"إنها دواء وليست دواء- وما جعل الله شفاء أمتى فيما حرمه عليهم" ومن هذه اللحظة اتجه الأطباء المسلمون إلى طب الأعشاب للتخدير. فتوصلوا إلى ما سموه (المرقد) أى الدواء الذى يجعل المريض ينام ويرقد.. (Sleepener) وهو كما وصفه ابن سينا عبارة عن اسفنجة تنقع فى محلول من الأعشاب المركبة (مثل القنب العربى والزؤبان- والخشخاش وست الحسن) ثم تترك لتجف وقبل العملية توضع الإسفنجة فى فم المريض فإذا امتصت الأغشية المخاطية تلك العصارة استسلم المريض لرقاد عميق لا يشعر معه بألم الجراحة. وفى شرح هذا التأثير يقول ابن سينا فى كتابه القانون والتخدير يزيل الوجع لأنه يذهب بحس الجسم وإنما يذهب بحسه لأحد سببين إما يفرط التبريد وإما يسميه مضادة لقوة الجسم وقد يكون التخدير بالنوم فإن النوم أحد أسباب سكون الوجع".

ولم يقتصر استعمال أطباء المسلمين للتخدير على طريقة الاسفنجة وحدها بل كانوا يستعملونه لبوساً من الشرج أو شراباً من الفم.. وفى ذلك يقول الرازى فى كتابه الحاوى (جـ31 ص 643) عن البنج أنه: "إن جعل فى المقعدة فتيلة أنامت وقد يعمل منه شراب يبطل الحس" ويسف الرازى مدة التخدير فيقول "إنه يسبت ويبقى سباته ثلاث أو أربع ساعات لا يحس بشئ ولا يعقل" كذلك عرف المسلمون التخدير بالاستنشاق وهو ما جاء ذكره كثيراً فى قصصهم مثل ألف ليلة وليلة.. وفى ذلك يقول ابن سينا عن البنج "من استنشق رائحته عرض له سبات عميق من ساعته".

وقد ابتكر المسلمون نوعاً آخر من الإسفنجة هو الإسفنجة المنبهة المشبعة بالخل لإزالة تأثير المخدر وإفاقة المريض بعد الجراحة.

وإلى جانب التخدير العام فقد برع المسلمون فى التخدير الموضعى وخاصة فى حالة آلام الأسنان والأذن والرأس وفى ذلك يقول ابن البيطار عن البنج "يدهن به الصدغان فيجلب النوم المعتدل وينفع فى وجع الأذن قطوراً" فكانوا يصنعون منه دخاناً يسلطونه خلال أنبوبة فوق الأضراس لتخديرها وإزالة الألم قبل الجراحة.

وعن التخدير بالتبريد يقول ابن سينا فى كتابه القانون "ومن حملة ما يخدر الماء المبرد بالثلج تبريداً بالغاً" ويصف استعمال التبريد كمخدر موضعى كما فى جراحة الأسنان فيقول "يؤخذ الماء بالثلج أخذاً بعد أخذ حتى يخدر السن فيسكن الوجع وإن كان ربما زاد فى الابتداء". ثم يتحدث عن التبريد كمخدر قبل عمليات البتر وتعتبره هذه أول إشارة فى تاريخ العلم إلى التخدير بالتبريد وقد أصبح هذا العلم اليوم من أهم عناصر الجراحة الكبيرة فى عصرنا الحديث واستعمل خاصة فى العمليات الصعبة مثل عمليات (القلب المفتوح) واستئصال الرئة وزرع الكلى.

وهكذا يعتبر اكتشاف التخدير الخطوة الأولى فى تقدم علم الجراحة عند المسلمين وفى أوربا فيما بعد.

وقد أقر للمسلمين بالسبق فى ميدان التخدير والفضل فى نقله إلى أوربا الكثير من المستشرقين وفى ذلك تقول سبجريد هونكه في كتابها ( شمس العرب تسطع على الغرب، ص279): "وللعرب على الطب فضل آخر كبير فى غاية الأهمية. ونعنى به استخدام المرقد (أى المخدر) العام قبل العمليات الجراحية.. والتخدير العربى يختلف كل الاختلاف عن المشروبات المسكرة التى كان الهنود واليونان والرومان يجبرون مرضاهم على تناولها قبل الجراحة" ثم تقول "وينسب هذا الكشف العلمى مرة أخرى إلى طبيب إيطالى فى حين أن الحقيقة تقول والتاريخ يشهد أن فن الإسفنجة المرقدة عربى بحت لم يعرف من قبلهم".

ويقول (جوستاف لوبون) فى كتابه حضارة العرب ص 523. "ومن فضل العرب استعمالهم البنج (المرقد) الذى ظن أنه من مبتكرات العصر الحاضر".

وهنالك قرائن تشير إلى أنّ علماء الطب الإسلامي هم الذين اكتشفوا الغول (الكحول)، ومن المحتمل أيضًا أنّهم وبصورة عفوية اكتشفوا جذر الأثير (-O-)، هنالك مصادر موثوقة تؤكد أنّ الكندي قد استقطر الغول من النبيذ، ومع أنّ كلمة الكحول عربية صرفة وهي تحريف للكلمة الأصل "الغول" من "الاغتيال" وهو روح الخمرة التي وصفها العرب بأنّها تغتال العقل، كما أنّها وردت في القرآن الكريم الذي يصف خمر الجنة بأنّها خالية من الغول ولا تتسبب في صداع من يتناولها وذلك في الآية الكريمة {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ} [الصافات: 47] بالرغم من كل ذلك كانت هنالك محاولات لرد فضل هذه التسمية إلى مؤلفين من الغرب.

وهنالك دراسة أخرى عن تاريخ هذه المادة أجراها الأستاذ الدكتور محمد يحيى الهاشمي (1968) وأخذ فهيا بوجهة نظر هولميالرد، وذهب إلى أبعد من ذلك فذكر أنّ الكحول هو جمع الكحل، وكما سيتضح من هذا البحث فإنّ كلتا المطالعتين بعيدتان عن الصحة، فكلمة الكحول لا وجود لها في اللغة العربية طبقًا لجميع المعاجم والموسوعات والتراث الأدبي، وإنّما هنالك: الكحل: ما وضع في العين بمستشفي به، وهو اسم مادة ولا تجمع، وقد اعتاد العرب القول: "ناعم كالكحل" لوصف شدة نعومة المواد الصلبة، وهو قول أقرب إلى العامية منه إلى الفصحى.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط.

...............

1- التخدير في الطب الإسلامي وأثره على الحضارة الغربية.. مقال.

2-نزار مصطفي كحلة : التخدير والانعاش عبر التاريخ .. كتاب..