 علوم

رغوة الزمكان (2)

جواد بشارةمن الكون الواحد إلى الكون المتعدد: De l’Univers au multivers

`` كم عدد العوالم المعطلة، والمفقودة، التي تبددت، وأصلحت وتبددت ربما في كل لحظة، في أماكن بعيدة ... حيث تستمر الحركة وستستمر في دمج مجموعات من المادة، حتى أنهم حصلوا على بعض الترتيبات التي يمكنهم المثابرة فيها؟ " دينيس ديدرو، رسالة عن المكفوفين.

هل نظرية الكون المتعدد خيال علمي أم حقيقة علمية؟ يمكن أن توجد أكوان موازية، سواء تمكن علماء الكون من إثبات ذلك أم لا. علم الفلك يدرس موضوع الأكوان المتعددة وكذلك علم الكونيات الكوسمولوجيا ويتكون الكون المتعدد من عدة أكوان منفصلة ومتميزة، والسؤال هو هل نعيش في كون متعدد؟ لقد فكر الحالمون في اليقظة ومؤلفو الخيال العلمي في الأكوان الموازية وطالما وصف العلماء أكواننا متجاورة ومتباعدة ومتداخلة ومتوازية لكنها تظل غامضة ومحض خيال. يحتوي كوننا على كل ما نعرفه - من الكواكب والنجوم والمجرات إلى المكان والزمان نفسه. وهو حقًا مذهل في الحجم، ويمتد على حوالي 93 مليار سنة ضوئية، وفقًا لتقديرات علماء الفلك. هذا أكثر مما يمكن أن يأمل جنسنا في استكشافه. ولكن ماذا لو لم يكن كوننا هو الوحيد؟ ماذا لو كانت الأكوان البديلة تتنقل على طول المدى الزمكاني دون أن يتم اكتشافها، "بجوار" عالمنا؟ يسمي علماء الكونيات هذه الفكرة بالكون المتعدد، وهناك سبب وجيه للنظر في هذا المفهوم. في الواقع، يعتمد العديد من أفضل النماذج العلمية لإنشاء كوننا في الواقع على وجود كون متعدد. نظريات تشير إلى أكوان بديلة لم يتم دفع فكرة الكون المتعدد إلى المجتمع من قبل كتّاب الخيال العلمي الخياليين فحسب، بل ولدت من مبادئ أخرى، مثل نظرية الأوتار وميكانيكا الكموم. حتى نظرية التضخم الكوني، التي تقع في قلب الأفكار الحالية لعلماء الفلك حول كوننا، تتنبأ بوجود كون متعدد. قد يعج الكون المتعدد بأكوان أخرى متطابقة تقريبًا مع كوننا - أو قد تكون مختلفة بشكل لا يمكن تصوره. في كلتا الحالتين، تفتح عوالم الأكوان المتوازية العديد من الاحتمالات المثيرة للاهتمام (والمحيرة للعقل). كما تصور العديد من المؤلفين على مر السنين، إذا كان هناك أكوان أخرى لا حصر لها، فهناك على الأقل بعض الأكوان التي تحتوي على أشباه أو نسخ من نفسك. لكن هذه النسخ البديلة منك قد تواجه أيضًا حقيقة فيزيائية مختلفة تمامًا، لأن قوانين الطبيعة ليست بالضرورة هي نفسها لكل كون. الأنواع الأربعة من الأكوان المتوازية وفقًا لعالم الرياضيات وعالم الكونيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ماكس تغمارك Max Tegmark، يمكن أن يأتي الكون الموازي بأربع نكهات مختلفة. لا يمكن أن يكون للكون الموازي شيء جديد نوعيًا ومختلفًا عن كوننا. يمكن أن يكون للكون الموازي قوانين أساسية مختلفة تمامًا للفيزياء. يمكن أن يكون للكون الموازي نفس القوانين الأساسية للفيزياء، لكنه بدأ بشروط أولية مختلفة. يمكن أن يكون للكون الموازي نفس القوانين الأساسية للفيزياء، لكن بلوائح داخلية فعالة مختلفة. رفض العديد من العلماء فكرة الكون المتعدد على مر السنين بسبب حقيقة واحدة بسيطة: إذا لم تتمكن من مغادرة كوننا، فلا توجد طريقة لإثبات وجود أي أكوان أخرى. ومع ذلك، لا يتفق الجميع مع هذه الفرضية، نحتاج لدليل على وجود كون متعدد فكيف نثبت أننا نعيش في كون متعدد؟ إذا اصطدم كوننا بآخر، فسيقدم بعض الأدلة - رغم أنه من غير الواضح ما إذا كنا سنبقى على قيد الحياة لدراسته. وقد اقترح بعض المنظرين أن الأكوان المتصادمة يمكن أن تترك بقعًا باردة أو نقاطًا ساخنة على الخلفية الكونية الميكروية (CMB)، الشفق اللاحق للانفجار العظيم. إذا كان الأمر كذلك، يجب أن نكون قادرين على اكتشاف تلك البقع من خلال عمليات مسح السماء المتقدمة. قد توفر موجات الجاذبية - تموجات في نسيج الزمكان - دليلاً يدعم نظرية التضخم الكوني. تتنبأ النظرية بأن موجات الجاذبية المتبقية من الانفجار العظيم يمكن أن تضع تجعيدات صغيرة في CMB، والتي تبحث عنها بعض التلسكوبات بنشاط اليوم. إذا تمكن الباحثون من اكتشاف مثل هذه التجاعيد في الخلفية الأحفورية الميكروية الإشعاعية المنتشرة CMB - كما اعتقدوا في عام 2014 - فقد يؤدي ذلك في النهاية إلى تعزيز الدعم لفكرة وجود شخص آخر هناك، يمارس حياته اليومية في عالم بديل، مما يثبت صحة كتاب الخيال العلمي مرة اخرى. أو ربما لا. ربما ليس لدينا عدد لا يحصى من الأقارب الكونيين. وربما هذا ليس بالأمر السيئ.

 مصطلح "الكون المتعدد multivers " استخدم لأول مرة في 1895 من قبل عالم النفس الأمريكي وليام جيمس William James في سياق الأخلاق: "الطبيعة المرئية هي فقط اللدونة واللامبالاة، كون أخلاقي متعدد، إذا جاز التعبير، بدلاً من كونًا أخلاقيًا واحداً"، كما كتب وليام جيمس. اليوم، دخلت المذهب الجديد مفردات بعض علماء الفيزياء النظرية ولكن بمعنى مختلف جذريًا، في إشارة إلى وجود الكون بالمعنى المادي والحقيقي للمصطلح. حاول أرسطو في كتابه الميتافيزيقيا إثبات وحدة الكون – وهي حجة تم تناولها بشكل ملحوظ في القرن التاسع من قبل عالم الرياضيات ثابت بن قرة ومعلقين آخرين. لكن في العصور الوسطى بدأت الأصوات تتحدى العقيدة الأرسطية. تساءل الغزالي في الشرق وجون دونس سكوت Jean Duns Scot في الغرب عما إذا كان الله قد خلق "أفضل ما في كل العوالم الممكنة"، معترفًا ضمنيًا أنه كان بإمكانه خلق أكوان أو عوالم أخرى. إن الإدانة الصادرة في عام 1277 من قبل أسقف باريس إتيان تيمبير Étienne Tempier  ضد 219 اقتراحًا فلسفيًا ولاهوتيًا من ذوي الإلهام الأرسطي أو الرشدي ( نسبة لإبن رشد) شجب بشكل خاص فكرة تفرد العالم، لأن ذلك، وفقًا له، يأتي على عكس القدرة الإلهية المطلقة. . في مقالاته وأبحاثه عن الثيوديسية Essais de théodicée  التي نُشرت عام 1710، تخيل جوتفريد فيلهلم لايبنيز Gottfried Wilhelm Leibniz أنه يمكن أن يكون هناك عدد لا نهائي من الأكوان مزودة بقوانين طبيعة مختلفة، شريطة ألا تؤدي إلى تناقضات منطقية. ومع ذلك، فإن حجة لايبنيز تصطدم بالعائق الفلسفي الذي طرحه أرسطو بالفعل فيما يتعلق بمفهوم اللانهاية "الحالية" - والتي ستتحقق فعليًا في الطبيعة - مقابل فكرة اللانهاية "المحتملة". - التي يمكن أن توجد فقط كخيال مفيد للفكر، بدون نظير مادي أو فيزيائي • وفقًا للتقليد الأرسطي، قدر لايبنيز أن عددًا لا نهائيًا من الأكوان المتماسكة منطقيًا لا يمكن أن تكون "في الواقع" حتى من قبل إله كلي القدرة dieu omnipotent، وأن هذا الأخير كان سيختار العالم الحالي على أساس معيار كونه "الأفضل". le meilleur possible إن الرد المذهل على الصراع الصارخ بين التصور اللايبنيزي لكون واحد، الذي يُفترض أنه أفضل ما يمكن، والواقع التاريخي الذي لا يتوقف أبدًا عن إثبات العكس، ليس بأي حال من الأحوال نظامًا فلسفيًا، بل نظامًا ماديًا، فيزيائي -رياضياتي physico-mathématique، تروق للمفارقة الظاهرة لـ "الضبط الدقيق réglage fin " للمعلمات والمعايير الكونية paramètres cosmologiques والتفسير المحتمل لهذا من حيث الكون المتعدد المادي multivers physique أو التعدد الكوني الفيزيائي.

 الهشاشة الظاهرة للكائنات الحية:

 اعتبر عالم الفيزياء الفلكية البريطاني مارتن ريس Martin Rees أنه في عالم به قوانين فيزيائية تعسفية، كانت ظروف ظهور الحياة غير محتملة للغاية، لأنها تتطلب ضبطًا دقيقًا للغاية بين قيم ستة ثوابت عالمية وظروف ظهور الهياكل المعقدة مثل تلك الموجودة في الكائنات الحية. وبحسب قوله فإن هذه الأرقام الستة هي: - عدد أبعاد الفضاء ؛ فمنذ عام 1917، جادل بول إهرنفست Paul Ehrenfest جادل بأن الحياة - كما نعرفها على أي حال - يمكن أن توجد فقط في الزمكان الرباعي الأبعاد، وإلا فإن الأنظمة الذرية والكواكبية ستكون غير مستقرة - النسبة بين شدة تفاعل الجاذبية والتفاعل الكهرومغناطيسي الذي يعتمد عليه تكوين النجوم جزء من الطاقة الكتلية للنواة الذرية أطلق في التفاعلات النووية، ويسمح للنجوم بتكوين ذرات ثقيلة عن طريق الاندماج ؛ قيم الثابت الكوني والكثافة الكلية للمادة -الطاقة في الكون، والتي تنظم معدل التوسع الكوني ؛ - الجزء من الكتلة -الطاقة masse-énergie لعنقود من المجرات، المطلوب لتفريقها ثقاليًا، والذي يعتمد عليه التوزيع الواسع النطاق للهياكل الفلكية. وفقًا لريس، فإن أي انحراف، مهما كان صغيراً، عن القيم التي تمتلكها هذه الثوابت العالمية في كوننا من شأنه أن يمنع ظهور الكائنات الحية. حتى لو كان بإمكان المرء مناقشة هذا الاختيار المحدد لستة ثوابت أساسية لتقييد مظهر الحياة، تظل الحقيقة أن أي اختلاف لعدد معين من الثوابت في الفيزياء (مثل مضاعفة كتلة البروتون) غير مواتية له، وقد سبق وريس في هذا الاتجاه باحثين مثل روبرت ديك Robert Dicke أو براندون كارتر Brandon Carter  أو جون بارو John Barrow. والذين طوروا مفهوم "المبدأ الكوني الأنثروبي principe anthropique cosmologique «، والذي بموجبه لا يمكن للحياة أن تظهر إلا في كون قوانينه الفيزيائية قريبة جدًا من تلك التي تسود في عالمنا. نظرًا لأن هذه القوانين تستند إلى ثوابت عالمية ثابتة بمرور الوقت، فإن هذا يعني أن مجموعة محدودة للغاية من الشروط الأولية هي فقط مواتية لتطوير التعقيد la complexité. هذه مفارقة، على الأقل ظاهرياً، تسمى "الضبط الدقيق" للبارامترات الكونية. Réglage fin des paramètres cosmologiques. أول تبرير ممكن هو "التصميم الذكي" dessein intelligentفي هذه الحالة اعتناق أطروحة الروح الإبداعية الخلاقة Esprit Créateur التي كانت ستختار بحكمة وبدقة شديدة ضمن مجموعة لا نهائية من القيم الأولية المحتملة تلك التي تسمح بوجودنا. على الرغم من أن هذا المنطق يستند إلى نتائج ذات طبيعة فيزيائية، فإن نفس هذا المنطق يتضمن أو ينطوي على وجود إله خالق هو من ضبط المعايير الكونية وهذا ليس بأي حال من الأحوال تفسيرًا علميًا (إنه ليس حتى ليس تفسيراً لاهوتًا جيدًا.). بشكل عام، يوضح تاريخ العلم أن تقدم المعرفة يسقط بشكل منهجي جميع أنواع التفكير النهائي finaliste - الحالة الأكثر إقناعًا هي حالة نظرية الانتقاء الطبيعي، والتي وفقًا للبنى المعقدة التي لوحظت في النباتات والحيوانات هي نتيجة الطفرات العشوائية mutations au hasard وهي نتيجة عمل حرفي هاوي bricolage ناجح، وليس اختراع أو تصميم مبرمج. قامت نظرية تشارلز داروين بتفكيك "حجة الساعة" التي اقترحها القس الإنجليزي ويليام بالي William Paley في عام 1802، والتي وفقًا لها، أظهرت الساعات، مثل النباتات والحيوانات، من خلال بنائها المعقد تصميمًا تصوره ذكاء متفوق. une intelligence supérieure لذلك اقترح الباحثون في الفيزياء الأساسية physique fondamentale تفسيرًا آخر للضبط الدقيق، والذي وفقًا له يكون كوننا الخاص جدًا مجرد إدراك أو إنجاز عشوائي ضمن مجموعة كبيرة جدًا، بل وحتى لانهائية من الأكوان "المتوازية d'univers « parallèles " التي تجمع جميع الاختلافات والتنويعات الممكنة لثوابت الطبيعة: التي تفرز كونناً تعددياً ، سنجد أنفسنا في هذا الكون المرئي الذي نعيش فيه و الذي يبدو مميزًا جدًا بالنسبة لنا فقط لأنه الوحيد الذي يجمع ظروف وجودنا. لم يعد هذا تفكيرًا لاهوتيًا بل تفكيرًا علميًا، حتى لو كان قائمًا على نظريات فيزيائية أساسية لا تزال قيد التطوير ولم يتم اختبارها تجريبيًا. يعتمد حل المفارقة هناك على تأثير اختيار النوع "الأنثروبي الضعيف" de type anthropique faible " حيث تتلاشى الصدف المزعومة في كون متعدد عادي. مع هذا النجاح المعرفي الواضح، اكتسب مفهوم الأكوان المتعددة شعبية كبيرة، كما يتضح من الأعمال الشعبية العديدة التي كتبها باحثون مشهورون روجوا لها (ميشيو كاكو Michio Kaku، وألكسندر فيلينكين Alexander Vilenkin، وستيفن هوكينغ Stephen Hawking، وبريان غرين Brian Greene)، إلى حد إحداث بعض الخراب الفلسفي في دوائر فكرية معينة، لم يتدرب سوى القليل منها على الانضباط الصارم في العادة للفيزياء النظرية. والحال، حتى لو بدا قادرًا على حل مفارقة الضبط الدقيق réglage fin، لا تثبت الحجة البشرية الأنثروبية الضعيفة الوجود الحقيقي للكون المتعدد. ليس لأن كوننا منظم بدقة يجب أن يكون بالضرورة جزءًا من مجموعة من الأكوان الأخرى. قد تكون المبادئ الفيزيائية التي تم تجاهلها حتى الآن تزيد بشكل كبير من احتمالية أن يكون الكون فريدًا، بينما لا يزال يمتلك للوهلة الأولى الخصائص غير المحتملة التي نلاحظها - كما هو الحال في لعبة النرد المزورة حيث تسجل جميع أسطح النرد الرقم ستة. هذا هو السبب الذي دفع العديد من الباحثين إلى البحث عن نظرية أساسية حقيقية لكل شيء Théorie du Tout ، والتي من شأنها أن تثبت قوانينها أن كونًا مثل كوننا فريد من نوعه لأنه لا مفر منه ... وهذا سيشكل بلا شك الإجابة الأكثر اقتصادا وأناقة على السؤال الشهير الذي طرحه ألبرت أينشتاين: "هل كان لدى الله خيار عندما خلق الكون؟" " لكن كما رأينا، فإن نظرية كل شيء بعيدة عن متناولنا حاليًا، وربما تظل كذلك لفترة طويلة قادمة، أو حتى يمكن ألا توجد في مكان آخر غير حلم الفيزيائيين الباحثين عن التوحيد. يمكننا أن نؤمن بها ونأمل في تحقيقها أو الوصول إليها يومًا ما، ولكن في غضون ذلك، بسبب عدم وجود أي شيء أفضل، لدينا الحق في أن نأخذ على محمل الجد العدد المتزايد من الباحثين الذين يعتبرون أن الكون المتعدد يفسر مشكلة الضبط بشكل أفضل من نظرية كل شيء الافتراضية. التبريرات المادية الفيزيائية للكون المتعدد: Les justifications physiques du multivers

 يبدو أن مفهوم الكون المتعدد يتدفق بشكل طبيعي من عدة نماذج مستخدمة الآن في فروع مختلفة من الفيزياء الأساسية. قائمة شاملة لجميع أنواع الأكوان المتعددة ستكون خارج نطاق هذا الفصل لأنها تحتاج لعدة كتب لشرحها. سأقتصر هنا على ذكر خمسة منها، مختلفة تمامًا عن بعضها البعض، وسأقوم بشرح نشأتهم بإيجاز. الأكوان المتعددة لميكانيكا الكموم في تفسير إيفريت Everett لميكانيكا الكموم، فهذاالأخير،تاريخياً هو أول نظرية في الفيزياء المعاصرة تدرس بجدية وجود عوالم متعددة de mondes multiples، وذلك بفضل التفسير الذي اقترحه هيوغ إيفريت Hugh Everett في عام 1957 للانتقال بين المستويين المجهري والماكروسكوبي للنظام أثناء "اختزال دالة الموجة réduction de la fonction d'onde "، بمعنى آخر للقياس. لنتذكر أنه في ميكانيكا الكموم تكون الحالة العامة للنظام عبارة عن تراكب لحالات superposition d'états تتأثر باحتمالات مختلفة، يتم وصف الكل بدالة موجية يحكم تطورها الزمني معادلة شرودنغر Schrodinger، والتي هي قابل للعكس وحتمية. وأشهر مثال على ذلك هو قط شرودنغر المحبوسة في صندوق مرتبط بقنينة من السم ومقيداً بتفكك ذري لنواة مشعة. قبل أي قياس، تثبت الدالة الموجية للقطة أن حالة الحيوان هي تراكب بين حالة "قطة ميتة" وحالة "قطة حية" في آن واحد مع احتمالات متطابقة. بعد القياس، يبدو أن "المسلم به" هو أن الحالة العيانية للقطة هي فقط إما ميتة أو حية. بعبارة أخرى، دمر قياس النظام تراكب الحالات وخفض أو اختزل دالة الموجة إلى حالة كلاسيكية واحدة. هذا على الأقل هو التفسير المعتاد لميكانيكا الكموم، استنادًا إلى مدرسة كوبنهاغن، والتي لا تذهب دون طرح بعض الصعوبات المعرفية لأن عملية القياس تدخل عدم انعكاس ينتهك الحتمية المتأصلة في معادلة شرودنغر، وهي خاصية تسمى القابلية للانعكاس الدقيق أو التوحيدية.  microréversibilité ou unitarite في تفسير إيفريت، لا يقلل القياس بأي حال من الأحوال من دالة الموجة إلى حالة واحدة ؛ على العكس من ذلك، كل الحالات الممكنة تستمر في الوجود، لكن في أكوان منفصلة. في الحالة البسيطة جدًا للقطة، فإن هذا الأخيرة ميت بالفعل في أحد الأكوان (على سبيل المثال، المكان الذي يوجد فيه الراصد الذي أجرى القياس)، ولكنها حية تمامًا في كون آخر. وهكذا، عند كل قياس، يتم إنشاء العديد من الأكوان كلما كانت هناك حالات متراكبة في دالة الموجة قبل القياس. في الأكوان المتعددة على غرار إيفريت، هناك دالة موجية واحدة فقط تتطور بطريقة وحدوية، دون أن تتفرع. من ناحية أخرى، بالنسبة لكل مراقب يتحرك في كون معين، تنقسم الدالة الموجية بشكل لا رجعة فيه مع كل قياس يتم إجراؤه. يقدم هذا الكون المتعدد الكمومي بالتالي بنية شجرية، على غرار التفرع الشجري، حيث يزداد عدد العوالم التي يتم إنشاؤها باستمرار بمرور الوقت، بينما تظل محدودة. كما يبدو محيرًا، فإن تفسير إيفريت أكثر تحفظًا من تفسير كوبنهاغن، من حيث أنه يأخذ افتراضات نظرية الكموم في ظاهرها، ولا سيما من خلال الحفاظ على خاصية الوحدة. الكون المتعدد لعلم الكون التضخمي: Le multivers des cosmologies inflatoires

 يعتمد النموذج القياسي لعلم الكونيات النسبي على حل متجانس مكانيًا ومتناحيًا homogène   et isotrope لمعادلات آينشتاين، ويتم تنفيذه بواسطة مرحلة أولية افتراضية من التوسع السريع للغاية، المعروفة بالتضخم l'inflation. لا توجد نظرية حقيقية متماسكة للتضخم، ولكن هناك مجموعة من "السيناريوهات" تؤدي إلى تنوع كبير في النماذج والمعلمات والمعايير القابلة للتعديل التي تجعل من الممكن تفسير أي بيانات كونية تجريبية. بشكل عام، تفترض سيناريوهات التضخم وجود حقل أو مجال طاقة ذو ضغط سلبي قوي يسمى التضخم "inflation"، وهو مشابه لشكل من أشكال الفراغ الكمومي vide quantique ، والذي وجد لفترة وجيزة في وقت مبكر جدًا من تاريخ الكون (عادةً في الجزء I0-35  من الثانية الأولى، قد يسرّع بشدة تمدد عامل القياس من خلال إعطائه معدلًا أسيًا. على وجه الخصوص، كان هذا من شأنه أن يجعل منطقة الفضاء حيث نتواجد، تنمو بعامل لا يقل عن 1026، أو حتى أكثر حسب النماذج، والتي تتوافق مع القيمة المنخفضة جدًا للانحناء المكاني و التجانس الكبير للخلفية الكونية المنتشرة. بالإضافة إلى ذلك، خلال مرحلة التضخم، يتم تضخيم التقلبات الكمومية للفراغ وإحضارها إلى المقاييس العيانية أو النطاقات الماكروسكوبية، حيث تفقد طابعها الكمومي. يمكن بعد ذلك تكثيف عدم التجانس الناتج عن الفراغ تحت تأثير الجاذبية، مما يؤدي إلى ظهور الهياكل المرصودة. هناك المئات من نماذج التضخم. في سيناريو "التضخم الفوضوي inflation chaotique " الذي اقترحه أندريه ليندي Andrei Linde عام 1983، لم تحدث عملية التوسع بشكل متجانس في الفضاء؛ من مكان إلى آخر، أدى التضخم إلى توسيع التقلبات الكمومية للفراغ إلى فقاعات عملاقة، وهي نظرية الأكوان- الفقاعات، فكل فقاعة عبارة عن كون، ويمثل كوننا المرئي جزءًا صغيرًا فقط من إحدى هذه الفقاعات. أما بالنسبة للأكوان الفقاعية الأخرى univers-bulles، فيمكنها أن ترث جميع الخصائص الفيزيائية الممكنة والتي يمكن تخيلها، بسبب الطبيعة العشوائية والمتقلبة للفراغ الكمومي: فقاعات في حالة توسع وانكماش أوتقلص، وأخرى في حالة توسع دائم، بعضها مليء بالنجوم، ,أخرى "فارغة"، أو مليئة بالإشعاع فقط، أو بثقوب سوداء، إلخ. في "التضخم الأبدي inflation éternelle "، تكون التقلبات الكمومية في مجال التضخم كبيرة بما يكفي لتسبب انتقال مناطق مختلفة من الكون من حالة فراغ إلى أخرى، ومن هنا جاءت فكرة التضخم الكوني الأبدي حيث تخرج المناطق التي تخضع لتقلبات منخفضة من آلية التوسع الأسي والاستقرار (ستكون هذه حال منطقتنا)، بينما في عدد لا حصر له من المناطق الأخرى يستمر التوسع الأسي إلى أجل غير مسمى، ويتم تشكيل فقاعات منفصلة بشكل كبير عن بعضها البعض، ولكل منها قوانينها الفيزيائية الخاصة. الكون المتعدد المتضخم الناتج على هذا النحو هو لانهائي ويؤدي إلى بنية كسورية شبيهة بالشجرة structure fractale arborescente من الأكوان التي يكون لكل منها سلف واحد فقط: ألا وهو الفراغ البدائي le vide primordial. لاحظ أن الافتراضات اللازمة لتطوير التضخم الأبدي لم يتم التحقق منها بدقة.

 الكون المتعدد لنظرية الأوتار: Le multivers de la théorie des cordes

 أذكر بإيجاز شديد أن نظريات الأوتار المختلفة، وكذلك النظرية القصوى المحتملة أو الميتانظرية métathéorie وهي النظرية M-theory (M) التي من المفترض أن تشملها جميعًا، تتطلب من ناحية أن الزمكان، الموصوف تقليديًا باستخدام ثلاثة أبعاد مكانية و وبعد الزمني، يكتسب عددًا معينًا من الأبعاد المكانية الإضافية، ومن ناحية أخرى، يستدعي تكامل التناظر الفائق لوصف الجسيمات الأولية المختلفة وتفاعلاتها.

كما يتطلب الإدراك "الفعال" لنظرية الأوتار في الزمكان الفيزيائي وجود حالات مستقرة أو فوق مستقرة أو غير مستقرة للفراغ الكمومي. حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم يكن أي منها معروفًا، إلى أن بدأ رافائيل بوسو Raphael Bousso وجوزيف بولشينسكي Joseph Polchinski في اكتشاف مدى حلول نظرية الأوتار من خلال إظهار التنوع الشديد في الحدود الدنيا المحلية الفراغات المحتملة، المقابلة للأكوان غير المستقرة. تم اقتراح آليات تثبيت الفراغ من قبل العديد من النظريين، الذين وجدوا أن جميع الفراغات التي تصف الأكوان المتوسعة بشكل كبير كانت قابلة للاستقرار واستقرت في النهاية في فقاعات- أكوان ذات خصائص فيزيائية موحدة. وقدر عدد هذه الفراغات بحوالي 10500، إن لم يكن أكثر من ذلك بكثير. ثم طور ليونارد سسكيند Leonard Susskind سيناريو "المشهد الكوني paysage cosmique "، بناءً على دراسة انتقالات الطور بين الفراغات المختلفة لنظريات الأوتار. المشهد الكوني يعني هنا مجموعة هائلة من الفراغات المزودة عمليا بكل قيمة يمكن تخيلها. في مناطق معينة من المشهد هناك "فراغات" يمكن مقارنتها بـ "السهل" بارتفاع صفري، تكون الفراغات متماثلة للغاية ويكون الثابت الكوني صفرًا تمامًا (وهو ما يتعارض مع الملاحظات الرصدية في كوننا المرئي). لكن هذه الفراغات مستقرة بشكل هامشي ويمكن أن تكون متحمسة؛ بالابتعاد عن السهل، نجد الوديان والتلال حيث ينكسر التناظر الفائق. الوديان هي حدود دنيا محلية تقدم طاقة الفراغ الخاصة بها، في مثل هذا العدد بحيث يوجد بالضرورة واحدة على الأقل يمكن أن تتوافق مع القيمة الملاحظة اليوم للثابت الكوني الكوسمولوجي. ولكن، وفقًا لسسكيند وأتباعه، فإن جميع الحدود الدنيا المحلية هي أكوان مادية فيزيائية في حد ذاتها، ومن هنا فإن الأكوان المتعددة الشاسعة للغاية، وإن لم تكن غير محدودة، مرتبطة بمشاهد نظريات الأوتار.

 الكون المتعدد للجاذبية الكمومية الحلقية: Le multivers de la gravité quantique à boucles

 لقد أكدت بالفعل عدة مرات أنه في النسبية العامة الكلاسيكية وفي ظل فرضيات عامة للغاية، فإن القوانين التي تحكم مصير المادة داخل الثقوب السوداء تؤدي حتما إلى حيث يصبح الانحناء والكميات أو القيم الفيزيائية الأخرى لانهاية. الشيء نفسه ينطبق على نماذج علم الكونيات مما يؤدي إلى الفرادة الثقالية singularité gravitationnelle خلال الانفجار العظيم البغ بانغ ومع ذلك، قبل الوصول إلى التفرد أو الفرادة، لا يمكن وصف الدينمايك الصحيح، إلا من خلال نظرية كوانتية أو كمومية للجاذبية théorie quantique de ­

la gravitation   أو بواسطة علم الكونيات الارتدادي غير الكمومي cosmologies à rebond non quantique في وقت مبكر من الستينيات، تكهن جون ويلر John Wheeler وبرايس ديويت Bryce DeWitt ، أن من المتوقع أن تعكس تأثيرات الجاذبية الكمومية الانهيار وتوليد التوسع. وبالتالي، لن ينتهي الزمن في التفردات، وستكون هناك مناطق جديدة من الزمكان في حالة التوسع في مستقبل ما يمكن أن يكون من الناحية «الكلاسيكي حالة فرادة. أعطت الجاذبية الكمومية الحلقية أساسًا صلبًا نسبيًا لهذه التخمينات. إن الإنهيار الثقالي يتوقف قبل الفرادة بسبب وجود تفاعل طارد شديد يتجلى فقط على مقياس بلانك يؤدي إلى ارتداد إلى حالة إنهيار. يمكننا نمذجة هذا، بافتراض أن الانفجار العظيم الخاص بنا هو إعادة ارتداد في كون مضيف أوسع بثير، وأنه يوجد في كل ثقب أسود انفجار كبير، أي كون جديد، نوع من طائر الفينيق phénix الذي يولد من جديد من رماده. بدأ الفيزيائي الأمريكي لي سمولين Lee Smolin من قناعة في التطور؛ مما دفعه إلى التفكير في أجيال من الأكوان وأضاف فرضية داروينية بحتة: في كل انفجار كبير جديد، تتغير قيم الثوابت الأساسية بشكل كبير. وعلى نحو عشوائي، لكن قليلًا جدًا - تمامًا كما هو الحال في الكائنات الحية، تختلف جينات الأطفال قليلاً جدًا عن جينات الوالدين. هذه المقدمات تجعل من الممكن بناء نظرية تطورية للكون يكون فيها كون مثل كوننا سينتج حتمًا في يوم أو آخر، لأن الكون سوف يتطور وفقًا لقوانين الانتقاء الطبيعي على أساس نجاح التكاثر البسيط. كون ينتج الكثير من الثقوب السوداء، والكون الذي ينتج الكثير من الثقوب السوداء هو كون خصب. سيكون لجميع المتحدرين منه معايير متشابهة جدًا والتي ستؤدي إلى ثقوب سوداء أكثر أو أقل، وبالتالي إعادة إنتاج نفسه أو يتكاثر أكثر أو أقل. وبالتالي يتم تعزيز إنتاجية الثقب الأسود عبر الأجيال. وفقًا لبعض التقديرات، تحدد الثقوب السوداء النجمية أو المجرية البدائية نوع الكون الذي يحتويها، فإن كوننا يحتوي على 1018 ثقبًا أسود على الأقل؛ لذلك كان سينتج أكبر عدد من الأكوان الأطفال. يشبه الكون المتعدد الذي يتكون من الثقب الأسود شجرة عائلة غير محدودة مؤقتًا، حيث يكون لكل كون سلف ونسب.

 الكون الرياضاتي المتعدد: Le multivers mathématique

 بدءًا من مسلمة تقول بأن كوننا المادي هو بنية رياضياتية، افترض عالم الكونيات الأمريكي من أصل سويدي ماكس تيغمارك Max Tegmark أن جميع الهياكل الرياضياتية هي أكوان حقيقية جدًا. هذا يعني أن العناصر الأساسية للواقع لن تكون المكان، ولا الزمن، ولا الجسيمات الأولية وتفاعلاتها، ولا حتى الفراغ الكمومي، ولكن الإطار الرياضياتي الأكثر عمومية والذي تندرج فيه جميع نظريات الفيزياء الأساسية كحالات خاصة جدًا. من الواضح أنه نموذج الأكوان المتعددة الأكثر تخمينًا وربما الأغنى، والذي يحتوي على وجه الخصوص على جميع الأكوان المتعددة المذكورة سابقًا. ومع ذلك، في مواجهة الصعوبات التي ينطوي عليها تحديد البنية الرياضياتية بشكل صحيح، ومع الأخذ في الاعتبار عدم اكتمال النظم البديهية التي تظهرها نظرية غوديل عن اللاتكاملية l'incomplétude، قام تيغمارك لاحقًا بتقييد اقتراحه لكون متعدد رياضياتي إلى مجموعة (لا نهائية دائمًا) من الأكوان القابلة للحساب، والتي تتوافق مع جميع الهياكل الرياضياتية التي لا تحتوي على اقتراح غير قابل للتقرير بمعنى الذي قصده غوديل .

هل يمكننا إثبات الكون المتعدد؟ Peut-on prouver le multivers ?

` إنهم لا يسعون إلى بناء نظريات وأسباب لتفسير الحقائق المرصودة، لكنهم يبحثون عن الحقائق لإدخالها في بعض النظريات والآراء الخاصة بهم، وهم يسعون فقط إلى استيعابها. وهم يستمدون قناعتهم ليس من الحقائق، بل من المنطق. أرسطو: دراسة عن السماء

لقد رأينا للتو أن الأساليب المتنوعة للغاية في الفيزياء الأساسية تشير، بشكل عام تقريبًا، إلى أكوان متعددة تحتوي على عدد كبير جدًا، بل وحتى لانهائي من الأكوان. في كل من هذه النظريات، سيكون من الضروري إضافة قيود صارمة لتقليل عدد الأكوان المحتملة إلى واحد، في حين أن النظريات المعنية، خالية من هذه القيود، تكون أكثر "نقية" وأكثر أناقة، حتى لو كانت يتم الحصول على البساطة الوجودية على حساب وفرة من الأكوان المتميزة. تكشف هذه النظريات أيضًا عن أكوان متعددة ذات أشكال متنوعة للغاية: في الأكوان المتعددة للتضخم الفوضوي le multi­ vers de l'inflation chaotique تكون الأكوان المختلفة مفصولة عن بعضها بمسافات هائلة ؛ في نظرية الأوتار، تتكشف وتنتشر في أبعاد إضافية للفضاء ؛ في نظرية الجاذبية الحلقية، تتبع بعضهما البعض وتتعاقب على مر الزمن، مفصولين بمراحل ارتداد، وفي ميكانيكا الكموم، على غرار إيفريت، يتباعدون على طول خطوط زمنية مختلفة بينما يتعايشون في نفس المكان. ومع ذلك، إذا كنا راضين عن البحث عن حل لمشكلة الضبط الدقيق المذكورة أعلاه، فلا داعي للقلق بشأن هذه التفاصيل الدقيقة: في هذا المستوى، تكون جميع الأكوان المتعددة متكافئة إلى حد ما. حقيقة أن عددا من النظريات الحديثة في الفيزياء الأساسية (ولكن ليس الكل) يتنبأ بشكل أو بأن نوعًا ما من الأكوان المتعددة تضيف مصداقية إلى وجودها الفعلي؟ نود أن نصدق ذلك إذا تذكرنا أن النظرية البحتة قد تنبأت بشكل متكرر بظواهر لم نشاهدها من قبل. وغالبًا ما يُستشهد بمثال البوز يترون positron، الجسيم المضاد للإلكترون. الذي تنبأ به في عام 1928، بول ديراك وصاغ المعادلة النسبية التي تصف الإلكترون ووجد أنها اعترفت بالحلول الرياضياتية التي يتوافق جزء منها فقط مع الإلكترون، في حين أن الجزء الآخر لا يبدو منطقيًا. في عام 1931، انتهى به الأمر إلى إعطائها معنى فيزيائيًا من خلال اقتراح وجود جسيم جديد، وهو الإلكترون المضاد. تم اكتشاف الأخير في الواقع في العام التالي في الأشعة الكونية. تم التنبؤ أيضًا بأشياء أخرى في الفيزياء مثل النيوترينوات والنجوم النيوترونية والثقوب السوداء وموجات الجاذبية أو بوزون هيغز إنجليرت Higgs-Englert  قبل أن يتم الكشف عنها من خلال الملاحظة. أو التجربة. ومع ذلك، بالمقارنة مع الحالات السابقة، فإن حالة الكون المتعدد تطرح مشاكل محددة في النظام المعرفي. الأول هو إمكانية التحقق منه. من الواضح أن الدليل المباشر على وجود كون متعدد بعيد المنال في الوقت الحاضر، لكن هذا ليس اعتراضًا قاتلاً. كان هذا هو الحال أيضًا لفترة طويلة بالنسبة للثقوب السوداء، التي اعتمد وجودها فقط على أدلة غير مباشرة، حتى تم الكشف عنها مؤخرًا (في نهاية عام 2015) عن طريق موجات الجاذبية المنبعثة من اندماج أزواج من الثقوب السوداء، متبوعة بأول صورة تلسكوبية للثقب الأسود فائق الكتلة M87 * تم تسليمها في أبريل 2019. الدليل غير المباشر ممكن أيضاً. أندريه ليندي Andrei Linde هو أول فيزيائي اقترح نموذجًا دقيقًا نسبيًا للكون المتعدد. كما ذكرت بإيجاز أعلاه، فإن الفكرة الأساسية لعلم الكونيات التضخمي la cosmologie inflatoire هي توليد مناطق شاسعة من الفضاء (والتي سيكون كوننا المرئي من بينها ضمن مجموعة فرعية متجانسة متوافقة مع الملاحظات والرصد) ولكنها مستقلة سببيًا، كل منها يتم تزويدها بخصائص فيزيائية مختلفة. للتمييز بين هذه المناطق المتضخمة من الكون بشكل كبير و "الأكوان الأخرى" المفترضة تمامًا والمنفصلة عن بعضها البعض والتي تنبأت بها النماذج الأخرى، أطلق عليها ليند اسم الميني أكوان أو "الأكوان الصغيرة mini-univers " (أو "الكون" للجيب ". univers de poche في هذه الحالة المحددة، المصطلح "الكون المتعدد" ينطبق على جميع الأكوان الصغيرة داخل نطاق الكون الفريد المتضخم بشكل هائل. وهو الكون المطلق أو الكلي. اعتقد الباحثون مؤخرًا أنهم اكتشفوا إشعاعًا متحجرًا في الميكروويف، وهذا الصدى البارد للانفجار العظيم، وآثار الاصطدام بين الأكوان الصغيرة "كما تخيلها ليند" وكوننا المرئي. ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات تروق لعدد من الفرضيات والتفسيرات بعيدة المنال بحيث لا تتمتع بدرجة من المصداقية، على الأقل حتى يلغي أحدها أي تفسير بديل (والذي، في رأيي، من غير المحتمل أن يحدث). المشكلة المعرفية الثانية التي تواجه مفهوم الكون المتعدد، وهي بلا شك أكثر خطورة من سابقتها، هي قابليته للدحض. تم تعميق مفهوم القابلية للدحض في الثلاثينيات من قبل فيلسوف العلم كارل بوبر Karl Popper، والذي بالنسبة له، لم يكن المبدأ الذي بموجبه يكون التوافق مع التجربة هو المعيار الوحيد الكافي لحقيقة النظرية العلمية وصلاحيتها وهو مبدأ لن يكون كافيا وحدهً، نظراً لعدم وجود "تجربة حاسمة" لتأكيد البيان. لذلك اقترح بوبر معيار القابلية للدحض بدلاً من معيار القابلية للتحقق ليس لتوصيف الحقيقة، ولكن لبقاء النظرية العلمية: البيان énoncé قابل للتطبيق علميًا فقط إذا كان يتوافق مع ملاحظة أو تجربة من المحتمل أن تتعارض معها. على سبيل المثال، نظرية التطور الداروينية قابلة للدحض: يكفي اكتشاف أرانب أحفورية تعود إلى عصر ما قبل الحقبة الكمبرية Précambrien لإبطالها. وبالمثل، فإن نموذج الانفجار العظيم قابل للدحض: يكفي العثور على نجم أقدم من عمر الكون المحسوب في النموذج. لكن ليس لأن هذين النموذجين لم يتم دحضهما (حتى الآن) أنهما مثبتتان! وبالتالي فإن القابلية للدحض هي طريقة لرفض التصريحات العلمية. والبيانات الأشياء التي لا يمكن مواجهتها بالتجربة. الوضعية كان لموقف بوبر الصارم إلى حد ما فيما بعد تأثير كبير جدًا في فلسفة العلم لدرجة أنه، حتى لو ارتفعت المفاهيم المعرفية الأخرى الأكثر مرونة ضد بوبر، في أذهان العديد من الباحثين الحاليين. يظل عدم قابلية نموذج أو نظرية للدحض إشارة تحذير معرفية. من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن الجدل حول دحض لقد تجاوز الكون المتعدد لنظرية الأوتار المسألة البسيطة المتمثلة في المواجهة العلمية المعتادة والصحية، ليؤدي إلى تبادلات خبيثة وليست مشرفة دائمًا بين علماء الفيزياء البارزين من الآراء المتعارضة • في الواقع، ما تمت مناقشته لم يكن الكون المتعدد في حد ذاته، ولكن الإطار النظري نفسه، أي المشهد الكوني لنظرية الأوتار. ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن الأكوان المتعددة التي تختلف اختلافًا كبيرًا عن ميكانيكا الكموم، أو الكوسمولوجيا المتضخمة أو الجاذبية الحلقية لم تتم مناقشتها بشكل خاص فيما يتعلق بدحضها. في فرنسا، يعتبر الباحث أورليان بارو

 Aurélien Barrau مدافعًا قويًا للمفهوم وفقا له، الكون المتعدد العام - لأسباب أكثر فلسفية من كونها تقنية. يجادل بأن أي نظرية للكون المتعدد "مثيرة للاهتمام علميًا" قادرة على عمل تنبؤات حول كوننا، والتي يمكن اختبارها تجريبيًا. إذا نجحت النظرية في الاختبارات، فإنها تكتسب المصداقية والكون المتعدد الذي تتنبأ به أيضًا؛ إذا فشلت، يتم دحضها. بهذا المعنى، يمكن دحض نظريات الكون المتعدد. يبدو أن المنطق مشكوك فيه. أولاً، سيكون من الضروري تحديد الأكوان المتعددة الأكثر "اهتمامًا علميًا" من الأكوان الأخرى - على سبيل المثال تلك التي تضم بالضرورة كونًا مشابهًا تمامًا لكوننا. في هذا الصدد، تم بالفعل حذف بعض النماذج المحددة للغاية من نظرية الأوتار. بعد ذلك، فإن أي دليل تجريبي يمكننا جمعه في كوننا سيكون، بحكم الواقع، دائمًا متوافقًا مع هذا أو ذاك أو مع تلك الأكوان المتعددة "المثيرة للاهتمام علميًا". يبدو بالفعل أنه، مثلما لا يوجد حد لعدد الأكوان المحتملة، لا يوجد حد على ما يبدو لعدد الأكوان المتعددة المحتملة أو الممكنة.

جنون لطيف:

" لا يجب أن تكون في أي مكان، لكي تكون في كل مكان. " ميشيل دي مونتاين، Michel    DE MONTAIGNE, Essais  ابحاث، 1، 8

 في هذه المرحلة من الارتباك، يتساءل المرء لماذا سيتطلب الأمر الكثير من المتاعب لإثبات إمكانية التحقق أو دحض نماذج الأكوان المتعددة. للاستمرار في العمل بهدوء، ألا يكفي تبني الموقف المعرفي الذي دعا إليه فيلسوف العلم بول فييرابند Paul Feyerabend، والذي يتمثل في رفض أي منهج توجيهي؟ وفقًا له، "في الواقع، يتقدم العلم خلال تاريخه باستخدام جميع الأساليب المتاحة لفرض نظرية أو أخرى، بحيث تكون القاعدة المنهجية الصالحة الوحيدة لتحديد تقدم العلم هي "اللاسلطوية المعرفية"، والتي يمكن تلخيصها بالصيغة البسيطة "كل شيء جيد". في هذا الترتيب من الأفكار تم وضع مفهوم الكون الرياضياتي المتعدد. في كتابه عام 1986 حول تعددية العوالم، الفلسفة On the Plurality of Worlds, le philo­

sophe طرح ديفيد لويس David Lewis فرضية "الواقعية النموذجية" réalisme modal، والتي بموجبها توجد جميع العوالم الممكنة بالفعل في شكل أكوان غير متصلة. إنه نوع من ذكريات "مجموعة كل العوالم الممكنة" التي استند إليها لايبنيز ذات مرة. كانت الأسباب التي دفعت لويس إلى الترويج للواقعية الشكلية مختلفة نوعًا ما عن تلك التي قدمها الفيزيائيون عمومًا. تدور عوالم لويس حول إعادة بناء الحس السليم. يقول لويس أننا، في الفطرة السليمة، نتلاعب بالأحكام الشرطية "المخالفة للواقع" - أي الأحكام التي كان من الممكن أن تحدث ولكنها لم تحدث - والتي لها قيم الحقيقة. كيف نفسر قيمة الحقيقة لحكم يقع تحت الفطرة السليمة مثل "لو تركت الزجاج" لكان قد سقط "، عندما لا يتعلق الأمر بشيء يمكن ملاحظته؟ يؤكد لويس أن قيمته تعتمد الحقيقة على العوالم المحتملة الأخرى حيث تم إطلاق الزجاج. هناك بالتأكيد عدد لا نهائي من هذه العوالم، ولكن إذا حددنا "مقياس القرب" بين العوالم المحتملة، فسنقول إنها الحقيقة. أن "الزجاج ينكسر في أقرب العوالم" مما يعطي قيمة الحقيقة للحكم المضاد الذي تم ذكره في البداية. لذلك فإن عوالم لويس المحتملة مبنية ومبنية من حيث القرب لتحليل منطق الفطرة السليمة. لا علاقة لها بالأكوان غير المترابطة للكون المتعدد للفيزياء. وعادة ما يتم تقديم هذا الأخير من حيث عدد الأكوان الكبير بشكل لا يمكن تصوره ولكنه محدود. كما رأينا، فإن عدد الأكوان المرتبطة بنظرية الأوتار الفائقة هو 10500 على الأقل - وهو رقم هائل جدًا إلى جانبه يعتبر عدد الذرات في كوننا المرئي غير مهم. مع تقدم النظرية (على كل حال على المسار الصحيح)، تكتشف المزيد والمزيد من المتغيرات؛ نحن نتحدث بالفعل عن 10100000 ربما هم في النهاية عدد لا حصر له. آلان غوث Alan Guth، أحد آباء نموذج التضخم، مقتنع بذلك: "عندما بدأ التضخم، لم يكن ليخلق كونًا واحداً فقط، بل عدد لانهائي من الأكوان. ." . الواقعية الشكلية التي يدعمها لويس تجلب إلى حيز التنفيذ كل العوالم الممكنة، الكل يقابل ربما لانهاية غير قابلة للعد. أتذكر أن المعدود هو أصغر اللانهائيات الرياضياتية، المقابلة للكاردينال من مجموعة الأعداد الصحيحة. لكن مجموعة الأعداد الحقيقية لها عدد لا نهائي من الرتب الأعلى، غير القابلة للعد • الآن الكون المتعدد ومع ذلك، فإن الكون المتعدد "النهائي الأقصى أو الكلي ultime " الذي دعا إليه تغمارك Tegmark يقع ضمن هذه الفئة الأخيرة. ووفقًا له، فإن جميع الهياكل الرياضياتية ستتحقق من منظور الأكوان الفيزيائية، والتي يمكن تلخيصها من خلال المعادلة البسيطة الرياضيات = الفيزياء Mathématiques = Physique. على سبيل المثال، معادلات نظرية كل شيء (نظرية M أو أي نظرية أخرى يمكن تخيلها) هي مجرد تراكيب رياضياتية من بين أمور أخرى، معقدة بما يكفي لمنحنا الوقت للتفكير فيها. وبالتالي، فإن الكون الرياضياتي المتعدد هو الكون المتعدد "النهائي الأقصى المتسامي الكلي الشامل" لأنه يحتوي بالضرورة على جميع الأكوان المتعددة لجميع النظريات الممكنة في الفيزياء. يلغي الكون الرياضياتي المتعدد الحاجة إلى شرح سبب عيشنا في كيان أو إنجاز خاص réalisation particulière : إن وجود عالم مضياف للإنسان هو صدفة لا ينبغي أن تفاجأ بعد الآن، إنها نتيجة بسيطة إحصائية. من بين العدد اللامتناهي من الأكوان، يجب أن يكون عالمنا موجودًا تمامًا كما سيكون هناك دائمًا شخص ما يرسم الأرقام الستة الصحيحة للعبة اللوتو إذا لعب عدد كافٍ من الأشخاص. من السهل جدًا حساب أنه إذا لعب جميع البشر اللوتو على الأرض، فسيكون هناك أكثر من 1000 فائز في كل سحب! للوهلة الأولى، يبدو أن الكون المتعدد الرياضياتي يتعارض مع مبدأ البساطة المقدس، يُطلق عليه أيضًا "شفرة أوكامOckham's razor" rasoir d'Ockham، من اسم هذا اللاهوتي الإنجليزي من القرن الحادي عشر الذي قال: "من غير المجدي أن نحقق بوسائل أكثر ما يكفي لإنتاج بعدد أقل من الوسائل. بعبارة أخرى، في مجموعة من النماذج التي تشرح الحقائق، يجب إعطاء الأفضلية للنموذج الذي يستدعي الحد الأدنى من عدد الفرضيات. غالبًا ما لعب مبدأ البساطة دورًا إرشاديًا في تاريخ العلم في فرز النماذج والنظريات المتنافسة • ولكن يمكن أن يقودنا الحدس بسهولة إلى الضلال في البحث عما هي البساطة حقًا. إن مجموع كل معادلات نظرية الأوتار محددة تعتبر مجموعة معادلات نظرية الأوتار بمعنى معين "أبسط" من أي من حلولها الخاصة، لأنها تعرض المزيد من التماثلات أو التناظرات symétries وتستخدم عددًا أقل من المعلمات أو الإعدادات المجانية. Paramètres libres

 يعتبر العديد من الفيزيائيين النظريين أطروحة ماكس تغمارك Tegmark خيالية بحتة وغير كفؤ رياضياتيًا • على سبيل المثال، يستدعي Tegmark مفهوم القياس على مساحة الهياكل الرياضية المحتملة، والتي لا يمتلكها أحد لا يزال بإمكانه إعطاء معنى رياضياتي محدد. لكن لا يجب بالضرورة التغاضي عن الفكاهة والأهواء في هذه الأمور. قارن مارتن ريس Martin Rees، الكون المتعدد بمتجر ملابس كبير: إذا كان الاختيار كبيرًا بما يكفي، فلن يفاجأ أحد بالعثور على شيء يناسبه. بهذا المعنى، لكنا وجدنا كوننا الخاص. من ناحيتي، سأختتم هذه المناقشة بإحالة القارئ إلى Fontenelle. ألقى في صحبة ساحرة محادثاته حول تعددية العوالم، تردد في أن يقسم أن "هذا كان صحيحًا" بينما قال إنه يحب أن يكون صحيحًا من أجل المتعة التي كان يتمتع بها في تصديقها. وماذا رد عليه الماركيز؟ حسنًا، "بما أن جنونك لطيف جدًا، أعطني إياه." سأؤمن بالنجوم كيفما تشاء، طالما أجدها ممتعة "!

ماذا كان يوجد قبل البغ بانغ؟:

 مَنْ سأل هذا السؤال: قبل الدهر أو قبل بداية الزمن، هل كان هناك شيء؟ في حين أن الكلمة السابقة تدل أو تنطوي على فكرة الزمن، تتصرف تمامًا كما لو كانت تسأل: "في الزمن الذي سبق بداية الزمن، هل كان هناك شيء؟ (xm siècle). Guillaume n'AUVERGNE, De Universo

نحن نعتبر عمومًا الانفجار العظيم بداية لكل شيء، ونمنع أنفسنا من التفكير فيما ربما حدث قبل ذلك. إذا التزمنا بالنسبية العامة الكلاسيكية وحلول فريدمان-لومتر Friedmann-Lemaître الكونية المستخدمة في النموذج القياسي، فإن مسألة "قبل الانفجار العظيم" ببساطة لا معنى لها. في هذه النظرية، يشير الانفجار العظيم إلى أن الزمن نفسه بدأ بالتزامن مع الفضاء والمادة والطاقة قبل 13.8 مليار سنة. حتى بداية هذا القرن، كان السؤال الذي يُطرح كثيرًا في مؤتمرات الترويج للانفجار العظيم يُحرج المتحدث. كان عليه بشكل عام أن يرد على ذلك التخيل للزمن، كان عليه عمومًا أن يقول إن تخيل حقبة قبل الانفجار العظيم هو كالبحث عن لحظة قبل وجود الزمن نفسه. من الواضح أن هذه الإجابة لم ترضي أحدا. هناك طرفة بشأن السؤال المماثل الذي طرح على القديس أوغسطينوس منذ زمن بعيد (وإن كان في سياق مختلف): "ماذا كان الله يفعل قبل خلق العالم؟»، وإجابته، بلا شك، ملفقة، "كان يعد الجحيم لمن يسأل هذا السؤال"! " لحسن الحظ، تغير هذا الرأي. فمن ناحية، لم يعد علماء الكونيات المعاصرين يخشون الجحيم، ومن ناحية أخرى يحاولون إيجاد حلول يمكن أن تأتي من فيزياء الكموم. فبنفس الطريقة التي حلت بها نظرية الكموم مشكلة فرادة أو تفرد la singularité نموذج رذرفورد Rutherford الكوكبي للذرة، فلماذا، من خلال دمجه في النسبية العامة، لن يلغي أيضًا الفرادة أو التفرد الذي يمثل بداية الزمن؟ تُحرج المفردات الفيزيائيين لأنها مرتبطة بقيم لا حصر لها من الكميات والقيم الفيزيائية أو الهندسية، مثل درجة الحرارة أو كثافة الطاقة أو انحناء الفضاء. منذ بدايات علم الكون النسبي والنموذج الأول "للذرة البدائية" الذي طوره جورج لومتر في عام 1931، كان يشتبه في أن السيناريو الكلاسيكي لم يعد صحيحًا عندما خضع الكون الشاب لقوانين فيزياء الكموم. لكن على مدى عقود، لم يكن لدى الباحثين أي شيء آخر ليقدموه. لم يروا حتى التسعينيات كيف يمكن لمقاربات الجاذبية الكمومية أن تجعل التفرد الأصلي يظهر. لقد أصبح بالنسبة لبعضهم، ولكن ليس جميعهم، أحد أهدافهم الرئيسية. لذلك لا شيء يمنع من تخيل أن الكون كان يمكن أن يكون موجودًا قبل الانفجار العظيم، لم يعد هذا الأخير حالة فردية، بل انتقالًا عنيفًا بين حالتين مختلفتين من الكون. الاستعداد لمراعاة ما قد يحدث "قبل الأصل" ليست سوى أحدث الانتكاسات الفكرية التي تبعت بعضها البعض لآلاف السنين. واجه الفلاسفة واللاهوتيون من جميع الثقافات والأديان مسألة بداية الزمن. هل تعود شجرة عائلتنا إلى الأبد في الماضي، أم أنها تتجذر في مرحلة ما؟ دافع أرسطو عن غياب البداية من خلال التذرع بالمبدأ الذي بموجبه لا يمكن لأي شيء أن ينشأ من العدم: إذا كان الكون لا يمكن أن يولد من العدم، فلا بد أنه كان موجودًا دائمًا، ويجب أن يمتد الوقت إلى أجل غير مسمى في الماضي مثلما في المستقبل. اتخذ اللاهوتيون المسيحيون وجهة نظر معاكسة. وفقًا لهم، الله، الموجود خارج المكان والزمان، خلقهم جنبًا إلى جنب مع جوانب أخرى من العالم. ماذا كان يفعل من قبل؟ ببساطة لم يكن هناك من قبل... قادت نظرية النسبية العامة علماء الكونيات إلى استنتاج مماثل، على الرغم من استنادهم إلى حجج عقلانية أخرى، وهي أن الاستقراء في الماضي لنماذج فريدمان لومتر يأتي حتماً مع الزمن صفر.

تفضل نظريات الجاذبية الكمومية إثبات صحة طرح أرسطو بجعل التفرد يختفي. لسوء الحظ، فهم لا يحلون المعادلات التي تصف الكون في المنطقة المجاورة مباشرة للانفجار العظيم. على سبيل المثال، الحسابات في نظرية الأوتار ممكنة فقط عند الطاقة المنخفضة، أي عندما تتفاعل الأوتار بشكل ضعيف مع بعضها البعض. ولكن في الانفجار العظيم بالتحديد، تكون الأوتار متشابكة للغاية وتتفاعل بأقوى طريقة ... وتواجه نفس الصعوبات في نظريات أخرى. ومع ذلك، هناك نماذج مختلفة تتجاوز النسبية العامة تخاطر بوصف جوانب معينة من "ما قبل الانفجار العظيم". أي تصف الكون قبل الانفجار العظيم كما في «علم الكونيات الارتدادي"، والذي بالمناسبة لا يقع بالضرورة في إطار الجاذبية الكمومية. وينطبق الشيء نفسه على نظرية آينشتاين-كارتان d'Einstein-Cartan، التي تستند إلى الهندسة مع الالتواء التي يجعل نظريات هوكينغ-بنروز الكلاسيكية حول الحدوث الحتمي l'occurrence inévitable للفرادات لم تعد تنطبق. في الواقع، يسمح الالتواء بتمديد جسيمات الفرميونية مكانيًا وليس باعتبارها نقطية ponctuelles، مما يتجنب تكوين التفردات عن طريق استبدالها بالارتداد. لنتذكر أيضًا أن نظرية الجاذبية الكمومي الحلقية la théorie de la gravitation quantique à boucles، من خلال افتراض القيم القصوى المحدودة للانحناء والكميات الفيزيائية المرتبطة به، يستبدل أيضًا تفرد الانفجار العظيم بارتداد كبير. كان الكون قبله موجودًا مسبقًا وخضع لانكماش سريع. من جانبها، تتسم نظرية الأوتار بالمرونة لدرجة أنها تقبل "سيناريوهات" عديدة مما قبل الانفجار العظيم. تم الاقتراح الأول في عام 1992 من قبل غابرييل فينيزيانو Gabriele Veneziano و موريزيو غاسبيريني Maurizio Gasperini. تستغل مقاربتهم واحدة من أكثر الخصائص المحيرة لنظرية الأوتار المسماة "الثنائية dualité ": يمكننا وصف الحالة النشطة التي يكون فيها الكون في لحظة معينة من حيث حجمه بطريقتين مختلفتين، ولكن يرتبط كل منهما بالآخر بواسطة عنصر معين، بالتناظر symétrie الخاص والازدواجية أو الثنائية. من وجهة نظر طاقوية، لا يمكن تمييز كون أكبر بمرات من مقياس بلانك (lQ-33 سنتيمتر) عن كون أصغر بمقدار l / R مرة. لذلك لم يعد هناك أي عائق أمام الاعتراف بأن الكون كان من الممكن أن يكون أصغر وأصغر كلما عدنا بالزمن إلى الوراء، ولاستقراء ما بعد الانفجار العظيم. لا يصبح أكثر وأكثر سخونة ولا يزداد كثافة: الازدواجية أو الثنائية تضمن، على العكس من ذلك، أنه يمكن وصفه بأنه عالم يزداد اتساعًا وبرودة متزايدة. نتيجة لذلك، سيكون الكون ما قبل الانفجار العظيم عبارة صورة معكوسة للكون اللاحق. دعونا نأخذ مرة أخرى في هذا السياق تاريخها في وقت مضى قبل 14 مليار سنة من الانفجار الكبير التقليدي، لنقل 50 مليار. الكون عبارة عن مساحة شاسعة متجمدة، شبه فارغة، يمر بها عدد قليل من حقول الطاقة. تتأرجح وتتقلب هذه الحقول الكوانتية بنسب متفاوتة بحكم مبدأ عدم اليقين الكمومي ؛ مع مرور الوقت، تزداد قوى التفاعل وتتقلب هذه المجالات بنسب مختلفة وفق مبدأ الريبة أوعدم اليقين الكمومي ؛ ومع مضي الزمن، تزداد قوى التفاعل حدة في بعض المناطق، وتبدأ المادة في التجمع، وتتراكم على حساب المناطق المجاورة. يتم نقل هذه الكتل grumeaux فجأة إلى ما وراء نقطة اللاعودة وتنخرط في عملية انهيار لا رجعة فيها: تتشكل الثقوب السوداء. المادة المحاصرة بالداخل تعزل نفسها، وينقسم الكون إلى قطع منفصلة. داخل كل ثقب أسود، تزداد كثافة المادة باستمرار. ينهار الفضاء فجأة على نفسه في عملية "انكماش" déflation (صورة معكوسة للتضخم)، مصحوبًا بارتفاع مهول في درجة الحرارة. تتركز كل الطاقة في حجم مجهري. عندما تصل الكثافة ودرجة الحرارة والانحناء إلى القيم القصوى التي تسمح بها نظرية الأوتار، فإن هذه الكميات "ترتد" وتبدأ في الانخفاض. لذلك فإن الانفجار العظيم ليس سوى اللحظة التي يحدث فيها هذا الانعكاس. من هناك، يصبح الحدث هو قصة التوسع الذي وصفه علم الكونيات القياسي. هناك سيناريو مختلف تمامًا ناتج عن امتداد لنظرية الأوتار: وهو نموذج الإيكبيروتيك le modèle ekpyrotique إذ يشير إلى نموذج العودة الأبدي الذي دعا إليه فلاسفة العصور القديمة الرواقيين، فإنه يقدم دورة لا نهاية لها من حرائق الكون تليها تطورات متطابقة لأكوان جديدة. يقال إن الانفجار العظيم هو تبادل هائل للطاقة يحدث عندما تتلامس أغشية ثلاثية الأبعاد branes tridimensionnelles. كوننا المكون من 3 غشاء، يطفو في الكون الفائق ذي الأبعاد الإضافية، قد خضع بالفعل لأكثر من انفجار كبير واحد، وسيتكرر هذا الحدث. على الرغم من مغرياتها، فإن كل هذه النماذج تثير تكهنات ميتافيزيقية أكثر مما تثيره النظريات الفيزيائية، لأنها لا تستند إلى أي حسابات موثوقة. ومع ذلك، يبحث علماء الكون عن عواقب يمكن ملاحظتها تجعل من الممكن التفاوض بينهم. من الكون السابق يمكن أن تبقى آثار موجات الجاذبية، التي يختلف توزيعها في الترددات العالية والمنخفضة وفقًا للنماذج. يمكن أن تساعد ملاحظات كاشفات الجاذبية Virgo و LICQ على الأرض ومستقبلاً LISA في الفضاء في الاختيار بينهما، حتى لو كنا بالكاد نصدق ذلك. يبدو على أي حال أنه، بغض النظر عن النهج المستخدم لمحاولة توحيد النسبية العامة وفيزياء الكموم، فإن الإنفجار العظيم Big Bang بالمعنى الضيق قد تم التخلص منه باعتباره فرديًا أو فرادة كونية، وإعادة اكتشاف خلود الزمن الماضي، وبالتالي القضاء على المفهوم اللاهوتي الإشكالي لـ " السبب الأول «. أو المسبب الأول".

 علم الكون المطابق الدوري لبنروز: La cosmologie conforme cyclique de Penrose

 "يرتبط البحث المجنون باكتشافات غير متوقعة" بول فاليري، بخصوص Eureka لإدغارآلان بو

ينهي جون بيير لومينيت هذا الفصل من كتابه بمناقشة ونقد النظرية الكونية الأكثر إسرافًا، من وجهة نظره، من بين كل تلك التي سبق عرضها أعلاه. سأخصص بضع صفحات لها بطريقة استثنائية، ليس لأنه يؤمن بها، ولكن لأنها تنبع من واحدة من أقوى الشخصيات العلمية التي قابلها على الإطلاق والتي لا تزال تظهر حتى اليوم، في العالم. البالغ من العمر 88 عاماً، وإبداع استثنائي. وهو يشير هنا إلى روجر بنوروز، المذكور عدة مرات في فصول مختلفة كتاب" رغوة الزمكان". قدم السير روجر بنروز مساهمة عميقة في تجديد النسبية العامة خلال الستينيات والسبعينيات، مع الاستفادة من مفاهيم وطرق الهندسة الجبرية والطوبولوجيا التفاضلية. نحن مدينون له بالنظرية الأولى حول الفرادات singularities المتعلقة بفيزياء الثقوب السوداء، وبالتعاون مع ستيفن هوكينغ، أظهر النظرية الثانية المتعلقة هذه المرة بعلم الكونيات النسبية. لكن لديه العديد من الخيوط الأخرى لقوسه. في عام 1958، أثناء الدردشة مع والده، وهو طبيب نفساني، وكان يخربش رسومات صغيرة على ورقة، وجد الشاب روجرز بينروز شكلاً أو نمطًا غريبًا يشبه المثلث للوهلة الأولى، ولكن من المستحيل بناؤه في الفضاء العادي ثلاثي الأبعاد. بعد أن نشر مقال له في مجلة علم النفس يصف فيه رسمه الذي سماه «مثلث بنروز triangle de Penrose " وعدد قليل من الرسوما والتخطيطات والأشكال المستحيلة الأخرى من نفس النوع، اتصل به الفنان الهولندي موريتس كورنيلس إيشر Maurits Cornelis Escher: وكان هذا الأخير يرسم منذ فترة طويلة أشكال مجردة مستحيلة دون أن يعرف أنها كانت أشياء رياضياتية جديدة ومدهشة. بعد تبادلات مثمرة بينهما، استوحى إيشر الإلهام من عمل بنروز في نسختين شهيرتين بعنوان الشلال Chute d'eau، والتي تستخدم مثلث بنروز، والصعود والنزول Montée et descente,، والتي تُظهر سلمًا مستحيلًا لايمكن للمرء أن يصعد وينزل عليه إلى ما لا نهاية، مع البقاء على نفس المستوى . اشتهر بيرنوز Penrose أيضًا باكتشافه في عام 1974 لأسقف مكونة من شكلين (على سبيل المثال البنتاغون والماس pentagones et des losanges)، والتي لها خاصية تغطية سطح بالكامل بطريقة غير دورية. بدا الأمر وكأنه ترفيه رياضياتي جميل حتى اكتشاف شبه البلورات، في عام 1984، وهي مواد غريبة ذات بنية منظمة بقوة مثل تلك الموجودة في البلورات cristaux، ولكن ليس بشكل دوري. في السنوات 1990، خلال عشاء مع صديقه المشترك براندون كارتر Brandon Carter (والذي كان بنروز أستاذه قبل خمسة عشر عامًا قبل أن يصبح كارتر بدوره مشرفًا على أطروحة جون بيير لومينيت!)، أتيحت له الفرصة لمناقشة تعاونه مع إيشر، والتبليط غير الدوري، وبشكل عام العلاقات بين العلم والفن والهندسة. أظهر بنروز شرائح من بعض الأسقف غير الدورية التي حصل عليها ببراءة اختراع والتي تستخدمها اليوم شركات البلاط، مضيفًا بكل روح الدعابة البريطانية أنه في النهاية يمكنك كسب المال من خلال الاكتشافات الرياضياتية، وهو أمر نادر إلى حد ما! تساءل روجر بنروز، أحد أتباع المفهوم الأفلاطوني للرياضيات الذي بموجبه يكون جمال وأناقة القوانين بمثابة علامات على الحقيقة، في الروابط بين الوعي البشري وقوانين الفيزياء. يعتقد أن أجهزة الكمبيوتر تعمل مثل آلات تورينغ من حيث الخوارزميات، وهي غير قادرة بشكل أساسي على نمذجة الذكاء والوعي، والتي هي خوارزمية جزئيًا فقط. لا يستبعد بينروز إمكانية الذكاء الاصطناعي على أساس العمليات الكمومية، لأنه، حسب رأيه، فإن العمليات الكمومية processus quantiques، ولا سيما تقليل الحزمة الموجية (وهي جوهرياً غير حتمية في الأساس)، هي التي تلعب دورها في سبر ظاهرة وعي - والإدراك. وهكذا اقترح حلولًا بيولوجية تسمح لظاهرة التراكب الكمومي بالحدوث في الدماغ، الأمر الذي جعل جميع الباحثين في العلوم المعرفية يصرخون - هذا هو الثمن الذي يجب دفعه مقابل الأصالة.

 لكن دعنا نصل إلى علم الكونيات الذي يهمنا هنا، وما ورد أعلاه لم يكن غير ضروري حيث سنرى أن كل شيء متصل في ذهن بنروز. من الواضح أنه عالج المشكلة الهائلة المتمثلة في توحيد مفاهيم فيزياء الكموم مع تلك الخاصة بالفيزياء النسبية. لذلك اقترح في عام 1967 نظريته عن twisteurs "الملتوية"، وفي عام 1971، نظرية شبكات السبينات réseaux de spins. تم تطبيق الأول على نطاق واسع على نظرية الأوتار في إطار مراسلة AdS / CFT، والثاني على أساس الجاذبية الكمومية الحلقية. كما رأينا، هاتان النظريتان مرشحتان جادتان لعنوان نظرية الجاذبية الكمية ويمكنهما حل السؤال: "ماذا كان هناك قبل الانفجار العظيم؟" لا يخفي بنروز حقيقة أنه لا يؤمن كثيرًا بنظرية الأوتار وأبعادها المكانية الإضافية. كما أنه غير راضٍ عن نظرية التضخم. وإذا كانت هذه الأخير نجحت بالفعل في اجتياز العديد من الاختبارات فذلك بفضل قياسات الإشعاع الأحفوري التي أجراها تلسكوبات WMAP و Planck، فذلك ليس كافياً لكي يتم إثباتها بأي حال من الأحوال، وبالتالي لا ينبغي أن تكون جزءًا من النموذج القياسي لعلم الكونيات، على الرغم من رغبة العديد من الفيزيائيين الذين روجوا لها. لطالما وجد بنروز الحلول التي قدمتها نظرية التضخم للمشاكل، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، للنموذج الكوني القياسي خاطئة، على وجه الخصوص لأنها لا تحل لغز الحالة الأولية الخاصة جدًا للكون، وصلة ذلك بـ المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية. إن مسألة مكانة المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية second principe de la thermodynamique في علم الكون النسبي قديمة. يعود تاريخها إلى عمل الفيزيائي الأمريكي ريتشارد تولمان Richard Tolman، بناءً على النماذج الأولى للأكوان الديناميكية التي اكتشفها ألكسندر فريدمان في عام 1922. عادة يبدأ نموذج فريدمان "المغلق" وينتهي في التفرد singularité,أو الفرادة، لكن مؤلفه اقترح إمكانية حل دائري cycloïdale يتم فيه توسيع الكون المغلق ويتقلص على التوالي عددًا كبيرًا من المرات. إذا قبل المرء معادلات "غريبة" معينة لحالة المادة، يحصل المرء بشكل فعال على حل حيث يتأرجح نصف قطر الفضاء بين قيمة دنيا (حالة الحد الأقصى من الضغط) وقيمة قصوى (حالة الحد الأدنى من الضغط). في نهاية عمله الأخير عام 1924 تم الاستشهاد به بالفعل، الكون كمكان وزمان، L'Univers comme espace et temps يقدم فريدمان، وإن كان بإيجاز شديد، حلول "الأكوان المتغيرة" univers variables التي اكتشفها ونشرها في شكل تقني قبل عامين. يكتب على وجه الخصوص: "يولد النوع المتغير للكون مجموعة أكثر عمومية من النماذج: في بعض الحالات، يبدأ نصف قطر انحناء الكون من قيمة معينة ويزداد باستمرار بمرور الزمن ؛ في حالات أخرى، يتغير نصف قطر الانحناء بشكل دوري، يتقلص الكون إلى نقطة حجمها صفر، ثم من هذه النقطة، يزداد نصف القطر إلى قيمة قصوى معينة، ثم يتناقص مرة أخرى ليصبح نقطة مرة أخرى، وهكذا. ويضيف عالم الكونيات الروسي ذلك "لا يخلو من التذكير ببعض المفاهيم الأسطورية عن الهندوس فيما يتعلق بـ" دورات الوجود ".إن مفاهيم الأكوان الدورية أو المتذبذبة شائعة جدًا في الأساطير المختلفة. بين الهندوس، كل دورة من الكون هي "كالبا" أو "يوم براهما"، والتي تستمر منذ 4320 مليون سنة. فيشنو، الذي يتحكم في الكون، لديه حياة من مائة "سنة كونية"، كل منها يحتوي على 360 كالبا. بعد 36000 دورة تقابل ما يقرب من 150 تريليون سنة أرضية، يقترب العالم من نهايته وتبقى الروح فقط. بعد فترة زمنية غير محددة، يظهر عالم جديد وفيشنو Vishnu جديد، وتستأنف الدورة. لاحظ أن طول يوم براهما قريب جدًا من العمر المنسوب إلى كوكبنا والنظام الشمسي (4.56 مليار سنة)، وبنفس الترتيب من حيث الحجم مثل عمر الكون في علم الكونيات الحديث! ومع ذلك، فإن هذه الذكريات الغريبة لعلم الكونيات الهندوسي التي ذكرها ألكسندر فريدمان لم تأخذ في الاعتبار المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية. في أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، كان ريتشارد تولمان Richard Tolman  مهتمًا بنموذج فريدمان الدوري، حيث يمر الكون بمراحل متتالية من الانكماش والتوسع، وذلك منذ الأزل، بدون بداية أو نهاية. وفقًا لتولمان، كان لابد من استبدال التفردات أو الفرادات الأولية والنهائية من خلال تكوينات صغيرة جدًا وكثيفة جدًا من الأكوان، من نوع "الذرة البدائية" التي اقترحها لومتر Lematre للتو. ومع ذلك، قاده عمله ليُظهر في عام 1934 أن الفكرة يجب أن تفشل بسبب المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية. هذا يثبت أن إنتروبيا النظام المغلق - وهي حالة الكون المغلق - يمكن أن تزداد بمرور الوقت فقط. وفقًا لحسابات تولمان، يجب أن تكون كل بداية لدورة كون جديدة مصحوبة بزيادة في إنتروبيا المادة والإشعاع الذي كانت تحتويه سابقًا. ومع ذلك، فإن إنتروبيا كوننا الحالي محدودة ومنخفضة جدًا في النهاية، وهذا لا يتفق مع فرضية وجود عدد كبير جدًا، بل غير محدود، من الدورات السابقة لدورتنا. نحن نعلم اليوم أن الكون يتوسع بسرعة بسبب محتواه السائد في الطاقة المظلمة الطاردة. يبدو أن هندسته قريبة جدًا من كونها إقليدية، على الرغم من أن التحليلات الأخيرة لتلسكوب بلانك التي تميل إلى تفضيل مساحة من الانحناء الإيجابي قليلاً. على أي حال، إذا تم وصف الطاقة المظلمة جيدًا بواسطة ثابت كوني أو مجال متغير من الجوهر يبقيها دائمًا نابذة، فإن كوننا سيواصل تمدده المتسارع إلى الأبد. من الواضح أن هذا يغلق الباب أمام كون دوري. سيكون لكوننا حياة واحدة فقط، أبدية بالتأكيد ولكن محكومًا عليها بالانحلال بلا هوادة، كل الهياكل المعقدة في كوننا ستختفي بمجرد استنفاد مصادر الطاقة الموجودة في النجوم وفي الأشكال الأخرى. يرفض روجر بنروز هذه الفكرة. النظرية التي اقترحها منذ ذلك الحين ويُطلق على عام 2010 علم الكون المطابق الدوري la cosmologie conforme cyclique (اختصار CCC)، وباستخدام تعبير نيلز بور المعروف جيدًا، من الجنون بما يكفي أن تكون دقيقًا! لفهم CCC، دعنا أولاً نأخذ منعطفًا بسيطًا من خلال مفهوم التحويل المطابق، وهو مصطلح ينطبق بشكل عام في الهندسة على التحول الذي يحافظ على الزوايا بدلاً من الحفاظ على الأطوال (وهي حالة الاستدارة أو التدويرات le cas des trans­ lations ou des rotations,، وهي وبالتالي غير متوافقة). في الستينيات من القرن الماضي، أظهر بنروز بالفعل كيف يمكن مطابقة المخططات للزمكان اللانهائي، التي تصف جميع أحداث الكون في تاريخ معين، بمساعدة التحويل المطابق. بالضبط مع مربع واحد بحجم محدود. بعده، استخدم براندون كارتر هذه التقنية للوصف الكامل للثقوب السوداء. وبالتالي، فإن مخططات بنروز كارتر تجعل من الممكن تمثيل الخصائص السببية للثقب الأسود أو النموذج الكوني بكفاءة عالية، على ورقة، بما في ذلك اللانهايات الزمنية والمكانية المحتملة. بداهة، هذه مسألة خدعة رياضياتية لتمثيلها بطريقة محدودة خصائص الزمكان التي تتكشف إلى ما لا نهاية. بالفعل في نهاية القرن الحادي عشر، تصور هنري بوانكاريه تمثيلًا مطابقًا لسطح قطعي لانهائي plan hyperbolique في شكل قرص منتهي يُدرج فيه الفضاء المحدب hyperbolique بأكمله. كان موريتس كورنليس إيشر قد أنتج، مرة أخرى، في نهاية 1950 سلسلة من المطبوعات بعنوان الحدود الدائرية Circular Limit- Limite circulaire، والتي استخدم فيها التمثيل المطابق لـتصميم بوانكاريه Poincaré مع نموذجه في علم الكونيات المطابق الدوري، بدأ روجر بنروز باللعب بطريقة مماثلة مع معادلات النسبية العامة، ولكن بدلاً من اعتبار التحولات المطابقة كأداة رياضياتية للمهن التعليمية أو الفنية، كان مقتنعًا بأن التكافؤ المطابق بين حالة من التوسع اللانهائي للكون والحالة البدائية المحدودة كانت حقيقة فيزيائية! هذا ليس واضحًا، لأنه يتطلب وصف المراحل الأولية والنهائية للكون بمحتوى جسيمي من كتلة صفرية، وإلا فسيتم فقد التناظر المطابق. بالنسبة للمرحلة الأولى، تبدو الأمور جيدة في وقت أقرب. يُعتقد أنه عندما كانت درجة الحرارة مرتفعة بدرجة كافية، كان حقل هيغز المسؤول اليوم عن كتلة الجسيمات يساوي صفرًا، وهو ما ألغى فعليًا كتلة الجسيمات الأخرى. وحتى بدون هذا المجال أو الحقل، كانت الطاقات الحركية للجسيمات بعد الانفجار العظيم عالية جدًا لدرجة أنها هيمنت إلى حد كبير على تلك المرتبطة بكتلها. لذلك حدث كل شيء كما لو أن جميع الجسيمات الموجودة في الكون الصغير البدئي كانت بلا كتلة بالفعل.

 بالنسبة لمستقبل الكون البعيد، فإن السؤال أكثر إشكالية. ليس هناك ما يشير إلى أن كتل الإلكترونات أو الكواركات سوف تلغي بعضها البعض يومًا ما وأن الكون سيتكون فقط من جسيمات عديمة الكتلة. ومع ذلك، يمكننا استدعاء سيناريوهات غير مؤكدة مثل تفكك البروتونات، والتبخر الكمومي للثقوب السوداء أو حتى بحر من الثقوب السوداء الافتراضية التي تبتلع جزيئات المادة لبصقها في شكل فوتونات وتحويل كل محتوى المادة في الكون إلى ضوء. بعض الآليات الموجودة في نظريات الأوتار ذات الأبعاد المكانية الإضافية تسمح أيضًا لكتل الجسيمات بالتطور بمرور الوقت لتصبح صفرًا في النهاية. افترض إذن أن هذا الشرط قد تم التحقق منه في مستقبل بعيد جدًا (ليس بالضرورة غير محدود). لنتذكر إذن أنه في نظرية النسبية، لا يوجد وقت للجسيمات ذات الكتلة الصفرية التي تسافر بسرعة الضوء؛ حتى كلمة الخلود ليس لها معنى بالنسبة لها. يعتقد بنروز أنه مثلما لا ترى الفوتونات مرور الزمن، فإن هندسة الزمكان لن تتذكر الزمن الذي يمر، ولن يتم حساب سوى بنيته المطابقة sa structure conforme. المقياس La métrique، الذي يجعل من الممكن عادة إعطاء معنى لفترات الزمان والمكان، يفسح المجال لخصائص مطابقة. ومن ثم يصبح من الممكن رياضياتيًا ربط الزمكان النهائي بمرحلته الأولية من التوسع، وهذا دون وجود مشكلة مرتبطة بالتفرد الكوني الذي يحظر عادةً القيام بذلك. عند تطبيق نفس الفكرة على زمكان رباعي الأبعاد، فإن الفكرة نفسها تجعل من الممكن اعتبار الكون الإقليدي اللامتناهي في الزمان والمكان على أنه مكافئ لكون مفرط كروي محدود univers hypersphérique fini، والذي يتمدد ويتقلص في تناوب دائم، بطريقة مماثلة للانفجارات والنكماشات أو التقلصات الكبيرة الكبيرة Big Bang et Big Crunch  لأكوان الفينيكس des univers-phénix. لذلك سيكون كوننا دوريًا، حيث يولد من جديد باستمرار لمغامرة جديدة بعد فترة يسميها بنروز "eon". وهذا المصطلح، المشتق من اليونانية القديمة، يعني في البداية "الحياة" أو "أن تكون" قبل أن يتطور تدريجيًا نحو فكرة "شبه الخلود". في علم الكون المطابق الدوري، يختبر الكون سلسلة من تعاقب الدهور une succession d'éons. كانت الحقبة السابقة، قبل الانفجار العظيم، تشبه تلك التي نعرفها اليوم: المجرات المتجمعة في مجموعات احتلت الفضاء، مع وجود ثقوب سوداء في قلوبها أكبر بمليارات المرات من كتلة الشمس. تحت تأثير الجاذبية، انجذب العديد منهم، ووضعوا في مدار مشترك، ليندمجوا أخيرًا في رقصة الفالس النهائية. أطلق اندماجهم Leur coalescence طاقة هائلة في شكل موجات الجاذبية. انتشرت هذه الموجات بشكل كروي في الزمكان وتشويهه أثناء عبورها. لن يقتصر الأمر على غزوهم لكون الدهر le cosmos de l'éon  السابق، ولكنهم تركوا بصماتهم في إشعاع الخلفية لدهرنا notre propre éon، في شكل مناطق حلقية حيث تقل تقلبات درجات الحرارة. وبالتالي، لن يكون الانفجار العظيم بداية كل شيء، ولم تكن مرحلة التضخم التي يُستشهد بها تقليديًا لتحدث أبدًا. في نوفمبر 2010، نشر بنروز بالتعاون مع عالم الفلك الأرمني فاهي غروزاديان Vahé Gurzadyan مقالًا على الإنترنت أثار ضجة: زعموا أنهم رصدوا شذوذًا في تقلبات درجات الحرارة للإشعاع الأحفوري المسجل بواسطة التلسكوب الفضائي WMAP، والتي تظهر في شكل الدوائر التي تنبأت بها نظرية CCC. نظرًا لسمعة Penrose العالية، احتدم النقاش بسرعة. لقد أشار المتخصصون في تحليل الإشعاع الأحفوري عن حق إلى أنه في خريطة معقدة مثل تلك الخاصة بتباين درجة الحرارة، يمكن للمرء أن يجد جميع الأنماط الممكنة والتي يمكن تخيلها دون أن يعني هذا أي شيء بخلاف الصدفة الإحصائية الخالصة ''. حتى أن فريقًا كنديًا استمتع بالبحث عن مثلثات متحدة المركز متساوية الأضلاع بدلاً من الدوائر، ووجدوها! بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من القفزة العملاقة التي تحققت بفضل مهمة بلانك، التي أعطت في عام 2013 خرائط أكثر دقة لتقلبات درجة الحرارة للإشعاع الأحفوري وكذلك التقلبات في استقطابها، لم يأت شيء على الإطلاق لتأكيد تحليلات بنروز وغورزاديان. يذهب فقط لإظهار أن أناقة نموذج CCC ليست كافية لضمان صدقيتها لكن ذلك لم يثبط عزيمته ولا يزال مبتكرًا كما كان دائمًا، قدم روجر بنروز طريقة جديدة لاختبار نظريته بافتراض التناظر المطابق لمعادلاته ووجود مجال طاقة مشابه لذلك المرتبط ببوزون Brout- هيغز إنغلرتEnglert-Higgs في نموذج الجسيمات القياسي. يصف هذا المجال الجسيمات عديمة الكتلة في الأصل، ولكنها ستصبح ضخمة بعد الانفجار العظيم. مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالجاذبية، سيكون ترتيب الحجم الطبيعي لكتلة هذه الجسيمات بترتيب كتلة بلانك، أو حوالي 10-5 جرام. يقترح بنروز أن هذه الجسيمات هي مرشح طبيعي لعنوان المادة المظلمة غير الباريونية. وهي حساسة لقوة الجاذبية وحدها، سيكون من الصعب جدًا اكتشافها، تمامًا مثل WIMPs  في النموذج القياسي، والأسوأ من ذلك، من المستحيل إعادة إنشائها بشكل مصطنع في المسرعات الأرضية، لأنها ثقيلة جدًا. عمد بنروز هذه الجسيمات الجديدة باسم "érébons"، في إشارة إلى Erebos (بالفرنسية، érèbe)، الإله الجهنمي للأساطير اليونانية المولودة من الفوضى، مجسدة ظلام العالم السفلي. يفترض أن الأيروس غير مستقر وأنه يمكن أن يتفكك عن طريق التحول إلى موجات الجاذبية الكروية. لا تتفكك جميع هذه الحركات في نفس الوقت، فالموجات المنبعثة ستجمع لتشكل ضجيجًا في الخلفية يسمى العشوائية stochastique,، وهذا يعني التقلب في الشدة والترددات بشكل عشوائي، كما تفعل مجموعة الحصى الصغيرة. يتم رميها عشوائيًا، في الوقت المناسب والفضاء على سطح البركة. سيظل من الضروري أن يكون لهذه الموجات سعة كافية لدخول نطاق تردد أجهزة الكشف ولكي تحدث كثيرًا بشكل كافٍ. تكمن المشكلة في عدم وجود تنبؤ دقيق بخصائص موجات الجاذبية الناتجة عن اضمحلال الإيربونات الافتراضية ذاتها hypothétiques érébons. اتساعها وتردداتها، أو عدد المصادر لكل وحدة زمنية كدالة للمسافة أو الموقع على القبو السماوي، إذ هي غير معروفة على الإطلاق. لا بأس. في يونيو 2017 فريق من الباحثين المقيم في الدنمارك قال الفريق إنه وجد نتيجة غريبة عند تحليل الإشارات التي تم التقاطها بواسطة كاشفات موجات الجاذبية خلال الأحداث الثلاثة الأولى المسماة GW150914 و GW151226 و GW170104، أي تم الكشف عنها على التوالي في 14 سبتمبر 2015 و 26 ديسمبر 2015 ثم 4 يناير كانت هذه الإشارات موضوع دراسات مكثفة من قبل أعضاء فريق تعاون LIGO في الولايات المتحدة وفيرغو في أوروبا، ويتم تفسيرها على أنها مرور الأمواج على الأرض الناتجة عن اندماج الثقوب السوداء النجمية في الأنظمة الثنائية. ولكن، وفقًا للباحثين الدنماركيين، ستحتوي البيانات التي تم جمعها على مكون إضافي ظل دون أن يلاحظه أحد حتى ذلك الحين، والذي من شأنه أن يكشف عن ضوضاء خلفية لموجات الجاذبية. اقتنص روجر بنروز الفرصة وافترض أن هذا هو الضجيج العشوائي الناتج عن تفكك أذرعه. بالنسبة لباحثي LIGO-Virgo، المكون الإضافي الذي وجده زملاؤهم الدنماركيون كان ناتجًا عن خطأ يتعلق بفهم ضعيف للبيانات العامة التي يقدمها التعاون. وحتى لو كان مثل هذا المكون موجودًا، إذا كان بسبب موجات الجاذبية المرتبطة بانحلال الأيروس، فيجب العثور عليه في جميع البيانات وليس فقط أثناء مراقبة الأحداث الثلاثة الأولى. من غير المحتمل بشكل مطلق أن تمر الموجة الثقالية الناتجة عن التفكك العشوائي للإيربون عن طريق الصدفة وبدقة شديدة في نفس الوقت الذي تمر فيه موجة الجاذبية الناتجة عن اندماج ثقبين أسودين، لم يحدث ذلك قبل أو بعد ذلك. يجب أيضًا رؤية ارتباط ضوضاء الخلفية المرتبط بـ eros الإيروس في البحث الذي تم إجراؤه بواسطة كواشف LIGO و Virgo والآن KAGRA في اليابان. ومع ذلك، إذا تم اكتشاف اندماجات جديدة للثقوب السوداء الثنائية منذ عام 2017، فلن تظهر ضوضاء في الخلفية بخلاف تلك الخاصة بالأدوات. في الوقت الحاضر، لا أعرف ما إذا كان السير روجر بنروز سيجد جديدًا بخصوص هذه الفكرة لإثبات تصوره الأفلاطوني للعالم ... على أي حال، هذا النوع من البحث الاستفزازي وربما المحكوم عليه بالفشل مثير للاهتمام، لأنه يجعل من الممكن أن يشرح للطلاب والباحثين الشباب الحاجة إلى التفكير خارج النماذج القياسية، فقط اختبار متانة هذا الأخير. وفوق كل شيء، كما كتب الشاعر نوفاليس: "النظريات مثل الصيد: فقط من يرمي يجازف بالإمساك بشيء! "

الأكوان المتعددة في كون مطلق لامتناهي كلي القدرة ودائم التطور، حي وعاقل، هو المخرج الممكن من مأزق أو معضلة الألوهية الدينية:

إن لغز الألوهية بين اللاهوت والناسوت، معضلة واجهت وماتزال تواجه البشرية على مر العصور، والمقصود هنا تحديداً باللاهوت الرؤية الدينية أما الناسوت فهو الرؤية البشرية، بعبارة أخرى التناقض بين الرؤية الميثولوجية والرؤية العلمانية المادية. ومسألة الألوهية هذه تواجه البشر منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة عندما كان البشر الأوائل يعيشون كبقية دواب الأرض وفق الدوافع الغريزية والبقاء على قيد الحياة . نشأ التحدي منذ نشوء الوعي وملكة التفكير التي ميزت الإنسان عن الحيوان . بالطبع مسألة ظهور الوعي والتفكير العقلي عند الإنسان تحتاج للعديد من الأبحاث والدراسات والكثير من الكتب والمؤلفات لكشف جذور نشؤها وتطورها عند الإنسان أي كيفية ظهور الذكار الذي جعل البشر يفكر ويتأمل ويتساءل في أعماقه عن هذا الخوف من المجهول ومن مخاطر الطبيعة وتحدياتها كالزلازل والبراكين والعواصف والأعاصير والفيضانات والجفاف وافتراس السباع الجائعة ورهبته من الشمس والقمر والخسوف والكسوف . أعتقد البشر الأوائل إن في الطبيعة قوى خفية عليا فتاكة تهدده إذا لم يذعن ويطيع ويقدم القرابين . ثم تبلورت هذه العلاقة بين الإنسان والطبيعة وقواها الخفية لتأخذ أشكالاً وأسماء مختلفة لآلهة متعددة ومتخصصة يمثلها كهنة وعرافون وسحرة ومشعوذون للسيطرة على القطعان البشرية الهائمة وتدجينها وقيادتها. ثم تطورت الحياة الاجتماعية وظهرت الحضارات المجتمعية الوثنية المنظمة منذ العصر السومري ومن ثم الآشوري والبابلي والحضارة الفرعونية والحضارة الإغريقية لغاية ظهور الديانات التوحيدية التي اختلقت فكرة الإله الواحد الخالق والقادر على كل شيء والذي سوقته المؤسسات الدينية الأرضية الكنسية واستعبدت البشر باسمه.ومنذ ذلك الحين توالت القوانين والتشريعات والمحرمات ومفاهيم الحلال والحرام والعقاب والثواب والآخرة ويوم الحساب والجنة والنار والجحيم والفردوس ورسخت الخرافات والأساطير في رؤوس مليارات البشر وعقولهم وجعلتهم يصدقون ادعاءات الأنبياء ومعجزاتهم التي تخرق قوانين الطبيعة والتي يجب على البشر تصديقها وعدم التشكيك بها أو معارضتها تبلورت المشكلة اللغز المتعلقة بالألوهية ولم يتمكن أحد من تقديم صورة حقيقية أو وصف حقيقي مقنع وقابل للاثبات لهذا الإله الواحد. فتارة هو كائن قابل للتشبيه والتجسيد ويشبه البشر ويتشرك مهم بالعديد من الصفات والسلوكيات من قبيل الغيرة والانتقام والغضب والمكر وخصوصاً قدرته على لإتيان الشر . وتارة هو كائن خارج عن التصور ولايشبهه شيء ويعلو أو يسمو على الصفات والتشييئ وهو خالق للزمان وخارجه وخالق للمكان وخارجه . ثم دخل العلم، مواصلاً مهمة الفلسفة في العهود القديمة التي نازعت الأديان سلطانها وآيديولوجيتها، لكن دخول العلم حلبة الصراع زاد المشكلة تعقيداً ولم ينجح في إثبات عدم وجود هذا الإله الواح ولا إثبات وجوده. ومن ثم ظهرت النزعات الارتدادية والهرطقية والإلحادية والطوائف الانشقاقية واشتعلت المعرك الدامية بين المؤسسات الدينية والمؤسسات العلمية، بين علماء الدين وعلماء الطبيعة، بين الدين والعلم، بين اللاهون والناسوت.

أفرز العلم كم هائل من النظريات والفرضيات المليئة بالثغرات والحلقات المفقودة والافتراضيات النظرية المتخمة باللانهايات والفرادات عن الكون والحياة والتطور، فيما توغل الدين في الخرافات والماوراءيات والغيبيات الميتافيزيقية عن الخلق والحياة والإله الديني الثيولوجي وأدخلت البشرية في مأزق لابد للخروج منه ببديل يكون مقبولاً ومقنعاً علمياً ودينياً في آن واحد. رسمت الأديان، في أفضل الأحوال، صورة مثلى عن إله خارق، خرج الزمن وخارج المكان لايحتويه شيء وهو أكبر من كل شيء،أزلي أبدي سرمدي كلي القدر، خير، كلي العلم،خالق للكون والحياة، لم يلد ولم يولد، لانهائي في أبعاده وصفاته وماهيته . فيما تحدث العلم عن كون مرئي، كان ثابتاً ساكنا مستقراً لايتغير وأبدي، لكن العلم تطور وغير هذه الصورة إلى كون ديناميكي متحرك ومتطور ومتغير له بداية وستكون له حتماً نهاية محدود في الزمان والمكان موجود بذاته لم يخلقه أحد " كون من لاشيء" . فلا الدين وأتباعه يتقبلون النظرة العلمية ولا العلم وأتباعه يتقبلون النظرة الدينية للكون والطبيعة والحياة، وماتزال الحرب الشعواء دائرة بينهم. ليس كل المتدينيين وليس كل رجال الدين يتقبلون الرؤية الدينية الأرثوذوكسية، وليس كل العلماء يتقبلون بلا نقاش الرؤية المادية المحضة للكون والحياة. آن الأوان اليوم لطرح فرضية بديلة علمية ولاهوتية في آن واحد مع بعض التنازلات من هذا الطرف وذاك لتقريب المواقف والمفاهيم . وهذه الفرضية هي الكون المتعدد المطلق الكلي الحي العاقل الكلي القدرة لا بداية له ولانهاية لم يخلقه أحد ولم يخلق أحد فهو المطلق الوحيد واللانهائي الوحيد وماعداه نسبي وجزئي فهو اللامتناهي السامي وهو الوحيد الموجود في الوجود لأنه هو الوجود كله " كما تقول نظرية وحدة الوجود الصوفية" وكل شيء آخر في هذا الوجود هو جزء لايتجزأ منه. ونعني بالمتعدد هنا أن فيه عدد لانهائي من الأكوان على غرار كوننا المرئي تشبه وتختلف عن كوننا المرئي لانهائية العدد ولكل منها مكوناته وقوانينه وثوابته الخاصة كما هو الحال في كوننا المرئي الذي ندرسه ونعيش فيه من اللامتناهي في الصغر" الجسيمات الأولوية"، إلى اللامتناهي في الكبر" الأقمار والكواكب والنجوم والمجرات والسدم وأكداس أو عناقيد الجرات والحشود المجرية" وكافة المكونات المادية الأخرى من مادة وطاقة بكل أشكالها وأنواعها ومسمياتها، بما فيها نحن البشر والكائنات الحية الأخرى والنبتات والجماد " لكل دوره المحدد في هذه التركيبة وكل شيء متصل ببعضه ومرتبط ببعضه بتفاعلات لانعرف إلا الجزء اليسير منها الآن فكوننا المرئي ليس سوى جسيم أولي لامتناهي في الصغر في كينونة الكون المطلق الحي الكلي المتسامي والإنسان هو جزء من هذا الكيان الكلي اللامحدود والمطلق والذي يمكننا أن نسميه " الله" .

 

د. جواد بشارة

........................

لمعرفة اكثر

From the Big Bang to the Living: قابل جان بيير لومينيت وهوبير ريفز

مقال بقلم Laurent Sacco نُشر في 02/07/2011

 

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5266 المصادف: 2021-02-04 00:39:20


Share on Myspace