لم يكن لوثر في القرن السادس عشر في المانيا هو من فجر ما يعرف بثورة الاصلاح الديني كان هناك ما يجري تحت السطح وفوقه وان ببطء.

قبل لوثر بمائة عام ظهر جون هس في بولندا الذي اعترض على الكنيسة وانتقد امورا في العقيدة الكاثوليكية وتعرض للادانة والقتل علىيديها وتكونت بعده جماعة الهسيين نسبة اليه، كان هناك ايضاً علماء الانسانيات المتنورين الذين تأثر بعضهم بالارث الحضاري الاسلاميوكتابات ابن رشد وقد لعب هؤلاء دوراً كبيراً في نقد العقيدة الدينية والكنيسة وترجمة العهدين القديم والجديد الى اللغات المحلية بعد انكانا باللغة اللاتينية التي لا يجيدها الكثيرين.

كما ساهم انفتاح التعليم على الاشخاص العاديين بعد ان كان محصوراً برجال الدين بفتح افاق جديدة من التفكير خارج نطاق الدين الذيكان يتحكم بكل مفاصل الحياة ويغّيب اي لحظة تحاول الخروج من هذا الآسار.

كان الصراع بين الكنيسة والامراء والدوقات على الاراضي والثروات عاملاً مهماً ساهم في ايقاظ روح الثورة والتمرد لدى اولئك المغلوبينعلى امرهم والذين كانوا يدفعون الضرائب للكنيسة وللامراء والملوك .

كل ذلك ساهم في ظهور لوثر الذي كان قساً المانياً قام بتسجيل اعتراضه على صكوك الغفران وكتب رداً على العقائد الكاثوليكية المحمية منقبل كنيسة روما ومزق الحرمان الكنسي الذي صدر بحقه وخاض منازعات ونقاشات علنية مع مبعوثي البابا .

استمر لوثر بكتابة المقالات والرسائل والكتيبات وطباعتها ولقي تفاعلاً شعبياً كبيراً وساهم ظهوره في تسونامي هز فرنسا وانكلترا وسويسرا وهولندا فضلا عن بعض دول شرق اوربا التي كان بعضها يدين بما دان به جون هس سابق الذكر .

توسعت حركة لوثر كثيراً وحدثت نزاعات ولكن لوثر بدأ بشيء وانتهى بنقيضه لقد بدأ بحرية الضمير وانتهى بفرض البروتستانتية علىالكاثوليك المقيمين في مقاطعات تخضع لمذهبه وهكذا فعل كالفن الذي سيطر على جنيف وصنع مملكة بروتستانتية متطرفة ضمت اولئكالمضطهدين الدينيين الهاربين من ايطاليا وفرنسا فضلاً عن السويسريين المؤمنين بالمذهب الجديد.

يخيل الى من يقرأ ذلك التاريخ ان بني الانسان حين يثورون ضد الظلم سرعان ما يمارسون ذات الظلم ولكنه هنا سيكون مدفوعا ومشرعناًبقوة الثورة الجديدة، تلك سنة سيئة تتكرر كلما حانت فرصتها .

يقارن ول ديورانت بحذاقة بين منهجية ارازموس وهو عالم انسانيات وجه نقداً للكنيسة وتعرض على اثره الى محاكمات واستدعاءاتومضايقات ولكن البابا كان متعاطفاً معه لأن اسلوبه في النقد كان معتدلاً، يقارن الكاتب بين منهجية ارازموس هذا ومنهجية لوثر المتشددةو المتعنتة التي وجهت سباباً وشتائم مقذعة للبابا والمؤسسة الدينية التابعة له.

يبقى ان نقول ان الاصلاح الديني الذي منح السلطة الزمنية للامراء صلاحيات اعلى رتبة من السلطة الدينية دشن عصر الدولة الحديثة كمايقال وكان هذا ما اغرى بعض الامراء بدعم البروتستانتية وتبنيها كما اثرى الاصلاح الديني وعمّق نقاشات حول مفاهيم التسامح الدينيو الضمير الانساني والتعامل مع المختلف وفتح ابواباً لم يكن ليتخيلها كما كان له تأثيرات اقتصادية واجتماعية وحتى تربوية فالفردانيةتدين للاصلاح الديني وحتى الشيوعية ومذاهبها وجدت اولى نقاشاتها لدى ما يعرف بالمعمدانيين الذين ظهروا ابان فترة الاصلاح الديني وتوسعوا ولاقوا مصائر مؤسفة نتيجة عدم التسامح .

ان تجربة الاصلاح الديني تجربة مليئة بالعبر والامة الاسلامية بحاجة الى قراءتها والاعتبار بدروسها لاعادة ترتيب اوراقها واخذ مكانهابين الامم التي سارت شوطاً كبيراً في الحضارة، وما اكثر العِبر وما اقل المعتبرين.

 

اياد نجم

 

جعفر نجم نصرالبحث عن الاعتدال بين غوايات الحداثة والحنين الى السلفية!؟

ان اَي محاولة لبناء صياغة معرفية نقدية للدين إنما تتوخى توجيه سهام النقد والتمحيص والتدقيق الى المعرفة الدينية المنجزة التي بنيت على تأويل القران والسنة النبوية الكريمة.. هذا كخط اول.. .اَي ان هنالك جهود بشرية أنتجت مدوناتها الدينية أيا كانت (فقهية.. .كلامية.. .الخ) على تلك النصوص المقدسة، ومن ثم وجب توجيه المراجعة النقدية لها لكي تلائم روح العصر.. ولكن من دون اعتماد العبارات المطلقة بالتقييم فالكثير منها جهود معتبرة وقيمة.. التقييم يجب ان يكون ملتزما باللغة النسبية .. لا بالإطلاق فتحدث البلبة .. وتنهار المنظومة التي هي غطاء معرفي لجماعات مازالت تتعبد بها.. فالحذر الاخلاقي واجب وضروري.. والا الفتنة والاضطراب الفكري..

وقد يتطلب النقد الديني في كثير من الاحيان العودة الى أسباب نزول القران وجدلية المكي والمدني والناسخ والمنسوخ، فضلا عن الامر قد يتطلب مراجعة احاديث نبوية من جهة المتن او السند، ولكنها مراجعات ستظل تطال الجانب البشري كذلك، لانها تطال ما قاله المفسرون من جهة وما قاله المحدثون او الرواة من جهة اخرى..

ويظل النص القراني الكريم والحديث النبوي الشريف المثبت متنا وسندا.. سيظلان مقدسان .. ولايمكن لاحد الطعن بهما ابدا فهما في مجال قدسي مطلق .. يضاف إليهما ما صح متنا وسندا عن اهل البيت الاطهار.. وما ثبت لدى العرفاء والمتصوفة متنا وسندا وتجربة او ذوقا.. (وهذا موضوع خاص سنحاول الحديث عنه لاحقا في مكان اخر).. اما المدونات الفقهية والكلامية او غيرهما فهي تاريخية يطالها النقد والتمحيص .. ولكن يرافق ذلك التقدير للجهود الكبيرة للكثير من العلماء الذين كتبوا لوجه الله تعالى وليس نصرة لسلطة او طلبا للجاه او الثروة.. !!؟..

ولكن بين هذا وذاك تطل الحداثة وتاطيراتها النظرية ومناهجها التحليلية وأدواتها التفسيرية والتفكيكية لتفعل مفاعيلها وتقدم أساليب النقد الديني الجديد بغوايات مفرطة .. تدفع الكثيريين الى الاستعانة بها لاجل موضعة (القدسي) في المجال (البشري).. وهذا الامر فعله الكثير من الباحثين او المفكرين في العالم الاسلامي .. وبمحاولة سريعة نكشف الغوايات التي وقع في فخها هولاء.. فنصر حامد ابو زيد يقر مثلا بان القران مقدس في كتابا حول سيرته.. او في اللقاءات التلفزيونية.. واذا كان الامر هكذا فما ذا أنتجت بكل هذه الضجة.. نقد المعرفة الدينية .. نحن معك .. والكثير معك.. ولكن هي الغوايات الحداثوية/المنهجية لديه ولدى محمد اركون الذي ظل يدور في دائرة مغلقة كلها تدور في فلك اصطلاحي ومفاهيمي لا طائل منه ابدا ..

والأمر يشمل صاحب الحشو واللغو الحداثوي (علي حرب).. كل هولاء لم يدركوا.. اَن اَي منهج هو وليد فلسفة العلم.. وفلسفة العلم محكومة بالمحددات الاجتماعية والمعرفية التي تنشئ بها.. فالجدل يكون هنا.. عبر إسقاط المناهج الغربية على بيئة ونصوص مغايرة لمجتمع المنهج وبنيته المعرفية.. فلهذا يجوز ان توجه سهام النقد لمحمد اركون اوغيره.. .. واذا كان المنهج يتناول مسالة معينة.. تنتمي لحقل اجتماعي اسلامي.. فهنا يصار الى البيئة ذاتها ونصوصها من الداخل بمعاييرها الذاتية..

ونحتاج الى السفر العقلي بموضوعية تنتمي للحقل الدلالي الاسلامي نفسه..

ولكن رغم ذلك كله.. .هذه المناهج مهمة للغاية ولكن بشرط التبيئة المعرفية لها.. والا تصبح اجترار ونسخ لاطائل منه.. لانها جات من عوالم معرفية مغايرة..

ان هذه الآراء يجب ان لايفهم منها اننا ندور في فلك الحنين الى (السلفية).. الى النزعة الماضوية.. وبذلك نغدو خارج التاريخ المعاش والآني بكل تحدياته واسئلته الجديدة والثقيلة.. اننا مطالبون بان نحتفظ بجسر رابط مع الماضي ولاسيما مع النصوص المقدسة (القران والسنة النبوية) لاجل ان نكتشف بها .. او نعيد استنطاقها .. لاجل الاجابات الملهمة التي تكون كخارطة طريق او مرشد معاصر لنا في حياتنا اليومية.. واحسب ان هذه الإجابات موجودة بتلك النصوص المقدسة .. مادامت محاولات الاجابة ذاتها تدور في الفلك الاخلاقي والعقائدي .. بالضرورة.. .اما فلك (المعاملات) فيحتاج الى تقنين مستمر.. عبر أدوات معرفية من داخل النص ذاته وتنتمي الى حقله الدلالي..

فالذي اريد قوله هنا ان جوهر السلفية او الماضوية الاسلامية هو التوحيد .. فينبغي التشبث به اولا.. اما جوهر الحداثة فهو القيم الانسانية كما تقول .. وهذا الامر موجود في قيم القران ..

فلا تحديث مطلق بلا قيود او تبيئة مناهجية ومفاهيمية لما قدمه الغرب، ولا سلفية مطلقة (معاملاتية/فقهية) .. والخروج من حركة التاريخ.. الوسطية بين هذا وذاك كمنهج ثالث او طريق ثالث (العقلانية المؤمنة) مركزها التوحيد.. وكما قال الحق سبحانه (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ )(143)سورة البقرة ..

 

د. جعفر نجم نصر

 

حيدر جواد السهلانييعتقد موسى بضرورة أن تعطى كافة الحقوق للمرأة، وأن لا يقلل من قيمتها فبناء المجتمع يرتبط ارتباطاً وثيقا بتعليم المرأة، وعلى المرأة المتعلم أن تعمل خارج البيت وتؤدي خدمة اجتماعية لوطنها، ويجب عليها أن تستغل معارفها ومهاراتها في عمل اجتماعي آخر إلى جانب الزواج والأمومة، وهذا العمل الاجتماعي هو الذي يصل بينها وبين المجتمع ويكسبها العقل الاجتماعي ويربي شخصيتها ويدرب ذكاءها ويؤكد استقلالها، وعلى المرأة أن تحيا لنفسها أولاً ثم لمجتمعها وزوجها وابناءها، كما على الرجل أن يحيا حياته لنفسه أولاً ثم لمجتمعه وزوجته وابناءه، وأن حياة الرجل والمرأة يجب ألا تتخصص للزواج، ذلك لأن حياة الرجال والنساء أعلى من هذا وأرحب من أن يحتويها هذا التخصص.

يدعو موسى المرأة إلى أن تكون متعلمة وتربي ذكاءها من خلال العمل والاختلاط بالمجتمع، ولا تكون لعبة بيد الرجال، أو خادمة له، فالرجال يتهمون المرأة بأنها غير ذكية وغير شجاعة وغير سخية وغير بصيرة، وكل هذه التهم صحيحة، لأن المرأة تمضي حياتها محبوسة بين أربعة جدران في البيت، ولو قدر للرجل أن يحبس داخل البيت لكان على هذا الحال التي تتهم به المرأة، فالبقاء في المنزل وممارستها فقط الطبخ والأمومة والغسل والاعتناء بالمنزل، لا يعطي لها القدرة على الفهم، ولذلك يكون الرجل أكثر قدرة على الذكاء والانفتاح والتعامل بحكمه مع الأمور، وذلك لاحتكاكه مع المجتمع، لأن المجتمع يوسع من أفاقه، لذلك المرأة معطلة الذهن، لأنها لا تهدف إلى الاهداف الاجتماعية العظيمة التي يهدف إليها الرجل، ونتيجة ذلك أنه يدرب ذهنه فيكون ذكياً بل عبقرياً، فالذكاء والعبقرية تتربى في بالاشتباكات الاجتماعية ومصادمة المشكلات في المجتمع ومحاولة حلها، وعلى المرأة أن تزامل الرجل في العمل، بل يجب أن تبدأ الزمالة من الطفولة، ثم تزاملي الرجل في المكتب والعمل والمتجر والمصنع، فالعبقرية ليست شيئاً موهوباً مقصوراً على الرجال، إنما هي ثمرة الاهتمامات والأعمال التي تربطنا بالمجتمع، فإذا اشتبكت المرأة في المجتمع فأنها ستذكى وقد ترتفع إلى العبقرية. ويرى موسى على المرأة أن تتعلم حرفة أو صناعة، حتى لا يقودها عجزها من أن تعول نفسها والارتماء والرضا بأي زوج، وهنا لا تستطيع أن تختار زوجاً صالحاً وجدير بالأبوة، وإنما تختار عائلاً يعيلها ولربما يكون دميماً، فتنتقل الدمامة إلى أولادها، وقد يكون مغفلاً، فتنتقل الغفلة إلى أولادها.

يعتقد موسى أن الإنسان البدائي الذي كان يعتمد على الصيد، وعدم قدرة المرأة للخروج إلى الصيد، وذلك لأنها أما حامل أو مرضعة للأطفال أو ترعى الصغار، فعدم قدرتها على الصيد اصبح الرجل هو من يتكفل برزق العائلة واصبحت المرأة مطيعة للرجل وتلبي رغابته خاصة الجنسية، ومن هنا نشأت سلطة الرجل على المرأة. أما فكرة الحجاب فيعتقد موسى أن فكرة الحجاب نشأت من الحيض عند المرأة، فلما كانت تزورها العادة الشهرية وتنزف دماً ويبقى بضعة أيام، فأنها اصبحت إنساناً نجساً، ويجب على جماعة الصائدين من الرجال أن يتجنبوها قبل الصيد ببضعة أيام، بل يجب ألا يروها بتاتاً قبل الصيد ببضعة أيام حتى يخرجوا وهم غير متلبسين بشؤم الدم، ولهذا السبب كانت المرأة تخفي نفسها عن الرجال حتى لا يتشاءموا، ولا يعرف الرجال بأن المرأة عليها العادة أو لا، لذلك بدأت المرأة بعدم الظهور أمام الرجال وكان هذا أول ظهور للحجاب. وبعد عصر الصيد جاء عصر الزراعة والذي جعل المرأة زميلة للرجل في الأرض الزراعية، لكن مع ذلك لم تلغى عادة الحجاب، ثم جاء عصر الغزو، وهو كان العصر الجائر بحق النساء، لأنه زاد من احتقارها والهبوط بها إلى ما دون الإنسانية، ذلك أن القبيلة التي كانت تغزو قبيلة وتتغلب عليها، كانت تقتل الرجال ثم تسبي النساء ويبيعن في الأسواق، والرجل الذي يؤدي ثمنها يستطيع أن يفعل بها ما يشاء، وكانت الجارية المسبية تذل لسيدها وتلبي كل شهواته، مما أضطر الزوجة الحرة إلى أن تباريها في كل ذلك، فتبرجت هي أيضاً حتى لا تتفوق عليها الجارية، ومن هنا بدأت المرأة لعبة بيد الرجل.( عصر الرق لم ينتهي ألا بعد الحرب الأمريكية الأهلية عام 1860، وأن كانت بعض الدول تحررت المرأة ليس بالشكل الكامل على يد الإسلام، وعلى الرغم من تطور العلوم، لكن تبقى حقوق الإنسان راكدة أو فقط شعارات، يتناولها الساسة وغيرهم، فمثلاً إلى يومنا هذا الكثير من الدول لا تعرف سوى منطق العنف والمؤامرات الخبيثة والتسابق في صنع أحدث الأسلحة لقتل الإنسان، وكأن لم نغادر مرحلة الصيد والغزو، بالإضافة إلى أن اصحاب الرأي لا يستطيعون الكتابة والتعبير خوفاً من الاغتيال أو السجن في كثير من الدول)

يعتقد موسى أن المجتمع الانفصالي الذي مازلنا نعيش فيه إلى حد بعيد، يحرمنا السعادة ويفسد الزواج، بل يحرض على الغش في اختيار الزواج، أنه جناية حية على كل شاب وفتاة، ويشجع موسى على التعارف والتلاقي قبل الزواج وانفتاح المرأة على المجتمع، وذلك يكثر من نجاح العلاقات الزوجية، وأن عدم الاختلاط والتمسك بالحجاب، سيؤدي إلى الشذوذ الجنسي، وربما ينتهي في يوماً ما إلى حمل صاحبه إلى السجن( وهنا يقصد موسى بالحجاب وهو حرمان المرأة من الدراسة والعمل وممارسة حقوقها الإنسانية، وعم الاختلاط بالمجتمع) ويرى موسى بضرورة عمل المرأة والاحتكاك بالمجتمع، ويجب أن تواجه أخطار العمل والكوارث التي تتعرض لها اثناء خروجها من المنزل، فما دامت الكوارث لا تقتلنا فإنها تعلمنا، هي تجربة تزداد بها خبرة وحكمة، فالذكاء اجتماعي وينشأ من الاختلاط بالمجتمع والعمل، وأنه لكي تبقى المرأة على مستوى من الذكاء والمعرفة وفي توسع وتجدد، يجب أن تحيا في المجتمع وأن يكون لها نشاط اجتماعي وثقافي وتساهم في تطور الأمة وحتى تتكون شخصيتها وتنضج مثل الرجل، فالمرأة أذا أنتجت أحست بالكرامة، وإذا عطلت عن العمل، أحست بكل ما يحس به الرجل المعطل وأضرت المجتمع بكل ما يضر به الرجل المعطل، والمرأة تعطلها أسوأ من فراغ الرجل، لأنه هو يستطيع أن يشغله في نشاط اجتماعي، أما المرأة فهي تجتر خواطرها ولا يمكن أن يؤدي هذا الاجترار إلى سوء في الصحة، فالمرأة عندما تعمل تجد الكرامة وتجد الاستقلال وتجد الأمل والثقة، فهي لا تقلق على مستقبلها ولا تخشى أن يفوتها زواج، وهي تعرف أن كرامتها وعيشها وسعادتها لا تتوقف على محاسنها الجسدية فقط، إذ لها محاسن أخرى هي ذكاؤها ومهاراتها التي تنمو بالعمل، هذا العمل الذي يربيها وينضجها ويجعلها تكبر وتحيا الحياة.

الزوج ليس رئيساً لزوجته، وإنما هو زميل لها يتعاون معها، إنسان مع إنسان، رجل مع امرأة، كلاهما على مستوى واحد، ليس أحدهما رئيساً والآخر مرؤوساً، وإنما هما زميلان، ومعنا الرياسة التي موجودة في الوطن العربي، والذي يتمتع بها الزوج، يجب أن تلغى، إذ يجب أن تكون العائلة ديمقراطية يتساوى فيها الزوج بزوجته، فلا رئيس ولا مرؤوس، هو يأمر وهي تطيع، ولابد من مكافحة فكرة السيادة للرجل على المرأة ومحوها وأقام بدلها فكرة المساواة والزمالة، إذ زمالة المرأة للرجل قوة كبيرة، إذ هي تتربى بهذه الزمالة، وتعرف الدنيا الواسعة التي كانت إلى وقت قريب محرمة عليها، أي تعرف الانتاج والكتب وتتخذ أخلاق الرجال في الجد والعمل والدرس والطموح، بل أن الرجل يتربى أيضاً بهذه الزمالة، فلا يؤمن بأنه رئيس زوجته، لأنه حين يتعود الزمالة في المدرسة ثم في المصنع أو المكتب، ينقل هذا الاحساس إلى البيت، فيتعود الزمالة مع الزوجة، والزواج على أساس الزمالة والمساواة يقوم الحب من الزوجة مقام الاحترام لزوجها، والحب أبر وادعم للعائلة من الاحترام، الزوجة التي تحب زوجها خير من الزوجة التي تحترمه، ولن يسود الحب في البيت ألا إذا كانت الزمالة تأخذ مكان الرياسة. ويقر موسى بأن العرب لديهم الإرادة في تحرير المرأة واعطائها كل الحقوق، ومن الخطأ الضن بأن الاستعمار لم يكن يتدخل في شؤون المرأة العربية، فأننا نعرف أن مدة الاحتلال الإنجليزي أقفلت مدارس البنات عقب استيلائهم على الدولة، وأقفلوا جميع المدارس سوى مدرسة واحدة للبنات وللمرحلة الابتدائية ومديرة المدرسة إنجليزية.(1)

تعقيب:

سلامة موسى (1887 - 1958) مفكر مصري ويعد رائد الاشتراكية ومن المروجين لأفكارهم، إذ يرى في الاشتراكية هي السبيل لتحقيق العدالة الاجتماعية، وقد كان موسى يعتقد بالفكر ويعده هو الضامن للتقدم والرخاء، وقد آمن موسى بأن تحقيق النهضة في مجتمعه يستوجب التمثل في الغرب.( يعد موسى من اصحاب الاتجاه القطعي مع التراث، فيعتقد أن علينا أن نأخذ بالمنتج الغربي كما هو، وفي الحقيقة أن هذا الاتجاه كان هو الغالب قبل نكسة حزيران، إذ بعد نكسة حزيران تغير الكثير من مواقفهم تجاه الحضارة الغربية ولعل من أبرزهم زكي نجيب محمود، وقد ظهر بقوة الاتجاه التوفيقي والذي يرى علينا أن نأخذ من التراث ما يلائم واقعنا، أن مشكلة الأصالة والمعاصرة هي من أهم المشكلات وأكثرها التي كتب عنها المفكرين، إذ طرح السؤال التالي هل أن تحقيقي النهضة يلزم القطيعة مع التراث أو الرجوع إلى التراث، فظهرت ثلاثة اتجاهات وهو الاتجاه القطعي والتوفيقي والسلفي، وعلينا أن نأخذ بالتجربة اليابانية، إذ أن الحضارة اليابانية أخذت بالمنتج المادي الغربي وتحقيق النهضة الصناعية وتعليم الشباب الحضارة الساموراي وذلك من خلال التربية والتعليم، وبذلك علينا أن نتخذ من التجربة اليابانية نموذج يحتذى به، إذ اليوم دخلت العولمة والمنتج الغربي من خلال وسائل التواصل الاجتماعية أو سهولة السفر، وبذلك على الدولة اعطاء أولوية كبيرة للشباب من خلال تعليمهم أو عملهم وتعليمهم الاحساس بالمسؤولية تجاه الوطن والتراث) وقد تعرض موسى لكثير من النقد سواء من المفكرين أو السياسيين فمثلاً يصفه العقاد بأنه الكاتب الذي يكتب ليحقد ويدين بالمذاهب ليربح منها، ويقول العقاد أن سلامة موسى أثبت شيئاً هاماً، هو أنه غير عربي، كما قال عنه إن العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء، لهذا فهو المنبت الذي لا علماً قطع ولا أدباً. وبذلك أن سلامة موسى يعتبر أحد القلائل الذين أثاروا الجدل الفكري على مدى القرن العشرين بسبب جرأة أفكاره وثباته الفكري الطويل لغرس قيم الوعي بالنهضة عبر الكتابة والدعوة المستمرة لعدة عقود. من مؤلفات موسى: مقدمة السوبرمان 1910، الاشتراكية 1913، أشهر الخطب ومشاهير الخطباء 1924، الحب في التاريخ 1925، احلام الفلاسفة 1926، الحرية وابطالها في التاريخ 1927، اسرار النفس 1927، العقل الباطن 1928، نظرية التطور واصل الإنسان 1928، اليوم والغد 1929، السيكولوجية في حياتنا العادية 1934، غاندي والحركة الهندية 1934، ماهي النهضة 1935، الشخصية الناجعة 1943، حياتنا بعد الخمسين 1944، البلاغة العصرية واللغة العربية 1945، التثقيف الذاتي 1946، تربية سلامة موسى 1947، عقلي وعقلك 1947، فن الحب والحياة 1947، مصر اصل الحضارة 1947، محاولات 1953، هؤلاء علموني 1953، كتابات الثورات 1954، الأدب والشعر 1956، الأدب والحياة 1956، دراسات سيكولوجية 1956، المرأة ليست لعبة الرجل 1956، احاديث إلى الشباب 1957، برنارد شو 1957، مشاعل الطريق للشباب 1957، حرية العقل في مصر، الدنيا بعد ثلاثين عاماً.

ينتمي كتاب "المرأة ليست لعبة الرجل" في الأدبيات الفكرية إلى التيار النسوي، وهو تيار تحركه دوافع متعلقة بقضايا المرأة، حيث أن هدف التيار هو القضاء على اشكال القهر المجتمعي المتصل بالنوع الجنسي، ليسمح لجميع النساء بالنمو والمشاركة في المجتمع بأمان وحرية. ويأتي كتاب موسى من ضمن الكتب التي تحاول أن تغير نظرة الرجل إلى المرأة واعطاؤها كافة الحقوق، أن كتاب موسى صدر عام 1956، وفي هذا الوقت بالفعل كانت المرأة أشبه ما تكون مهمشة ولها دور بسيط في الحياة الاجتماعية والسياسية، وكتابه هنا يخص المرأة المصرية، وهو كان بالفعل حال أغلب نساء الوطن العربي، ولربما نساء مصر كان أفضل حال مع بقية البلدان، وذلك بفعل أن النهضة العربية الفكرية، أول ما بدأت في مصر وارسالهم البعثات واحتكاكهم في الغرب، لكن مع ذلك هي لم تأخذ حقوقها، لكن في وقتنا الحاضر نعتقد أن سلامة موسى لو رأى ما حصلت عليه المرأة من حقوق، لربما لا يصور مظلومية المرأة بهذه الطريقة، فاليوم المرأة العربية تستطيع أن تكمل دراستها وأن تعمل و تختار الزوج المناسب لها، لكن مع ذلك إلى يومنا هذا لم تأخذ المرأة حقوقها الكاملة فمثلاً عندنا في الوطن العربي لم أشاهد امرأة استلمت منصب سيادي في أي دولة من دولنا العربية.

يتطرق موسى ويدعو إلى اعطاء المرأة كافة الحقوق ولابد من تعليمها والاختلاط المباشر بالمجتمع من خلال العمل، فهذا يزيد من توسع عقلها وذكاؤها، ويعتقد موسى بأن حجم المرأة أكبر من البيت ويدعوها للعمل. (لا اعرف لماذا هذا الاستصغار من قبل المفكرين للمرأة التي تهتم بتربية الأولاد وشؤون البيت، ولا اعرف لماذا يعتقد البعض مثل موسى أن المرأة إذ اخذت حقوقها عليها بالعمل، وهل عمل البيت هو عمل قليل، هذا العمل يفوق عمل الرجل بكثير، أنا اعتقد بعمل المرأة في كافة المجالات وبضرورة تعليم النساء، لكن ليس معناه التقليل من شأن البيت. أما دعوة موسى لتعليم الفتيات الرقص، والرقص يجعلها أكثر اتزاناً، فلا نعتقد كما يعتقد موسى أن المرأة عليها التعلم والعمل ولكن ليس من دواعي الاتزان الرقص، إذ الرقص وإن كان معتدل فهو يفتك بالعادات الإسلامية وأيضاً يثير الشهوة، أما دعوته للاختلاط، لأن عدم الاختلاط يؤدي إلى الشذوذ، أن الشذوذ لا يأتي من عدم الاختلاط بل هو حالة مرضية عند البعض، ويخيل لنا موسى في كتابه أن الرجل عندما لا يرى المرأة يبدأ لديه شذوذ، ويبدأ يتأمل الشاب وذلك لفقدانه الاختلاط بالمرأة، وهل الشاب الذي في المدينة أو القرية لم يرى المرأة لماذا يضن موسى أن الاختلاط هو فقط في المدرسة والعمل، المجتمعات العربية مجتمعات عشائرية والشاب يعرف الالف النساء من اقاربه ومن تعمل معه في المزرعة، وكثير من قصص الحب نسمع بها أغلبها تأتي من القرى، أن رؤية موسى حول المرأة والذي نتفق معه في كثير من المواقف، يريد أن يغير المرأة وتصبح كالمرأة الاوروبية، وهذا غير ممكن نحن نعيش على أرض تحمل تاريخ، من دين وتقاليد والخ...، لا يمكن أن تكون المرأة العربية كالمرأة الاوروبية ونعني هنا بالتقاليد، أما بالنسبة بالذكاء لدينا عالمات جليلات. لكن موسى مع كونه ناقماً على الظلم الواقع على المرأة، لكنه في كتاب مقالات ممنوعة وكتابه الصحافة حرفة ورسالة: يرى أن المرأة بدأت بالارتقاء من الأسلوب الشرقي إلى الأسلوب الغربي وهذا الارتقاء قد اتبع تغيرات عديدة في العلاقات الاجتماعية فأصبحت كلمة حب من الكلمات التي لا يخجل منها الشاب والفتاة، وأيضاً بدأ انتشار المدارس وظهور الكثير من المتعلمات والعاملات.(2)

 

حيدر جواد السهلاني

.................

الهوامش:

1 - ينظر سلامة موسى: المرأة ليست لعبة الرجل، دار هنداوي، القاهرة، ص(8 - 9 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 20 - 21 - 23 - 24 - 25 - 30 - 43 - 44 - 46 - 47 - 50 - 51 - 65 - 95 - 96 - 97)

2 - ينظر سلامة موسى: مقالات ممنوعة، دار هنداوي، القاهرة، ص109. وأيضاً ينظر سلامة موسى: الصحافة حرفة ورسالة، مطبعة التقدم، القاهرة، ص97.

 

باسم الحسناويليس التجديد سهلاً في الحوزة، حتى وإن كان سهلاً بعض الشيء في الأوساط العلمية والفكرية الأخرى، فنحن نقرأ في كتب الأدب -على سبيل المثال- أنَّ أديباً ما، أو أنَّ جماعةً أدبيةً ما، عانت الكثير من أجل أن ترسي قواعد مذهبٍ جديدٍ في كتابة الشعر أو في كتابة القصَّة والرواية.. إلخ، وقل الشيء ذاته عمَّن يختطُّ لنفسه منهجاً جديداً لمقاربة الموضوعات الفلسفية أو التأريخية أو الإجتماعية، قد دخلوا في صراعاتٍ فكريةٍ عديدةٍ قبل أن تصبح طريقتهم مبررةً من وجهة نظر الفنّ الذي يكتبون فيه، فللقارئ إذن أن يتخيَّل حجم المعاناة بالنسبة إلى الفقيه الأصوليِّ عندما يريد أن ينهض بمهمَّة التجديد في الحوزة، وهي التي أضفت عبر مراحل تأريخها على العديد من سلوكياتها وطرائق تدريسها ومناهجها قداساتٍ مزعومةً لا تختلف في نظر الجماهير عن القداسات الحقيقية الأخرى التي تعتبر جزءاً لا يتجزَّأ من جوهر الشريعة والدين.

ما كان يدهشني في السيِّد محمَّد حسين فضل الله قُدِّس سرُّه أنه كان يخوض مغامراته التجديدية بالكثير من الهدوء والطمأنينة، فهو هادئٌ ومطمئنٌّ على طول الخطّ، حتى لا يكاد المرء يلمح شيئاً من التشنُّج في ردوده على تشكيكات خصومه ومناوئيه، فحتى حين لا يكون الرأي المضادُّ بريئاً من الدوافع الشخصية للخصوم، فإنه كان يجرِّد الرأي من تلك الآثار السلبية لشخصنة الآراء، وينهض بها إلى مستواها التجريديِّ والموضوعيّ، بغضِّ النظر عن مصدر الرأي وقائله، ثمَّ يمنح ذلك الرأي في الأثناء كلَّ ما يتمتَّع به الرأي الحرُّ من الحقِّ في حواره ومساجلته على قاعدة الدليل والبرهان، وتلك واحدةٌ من أجمل صفات السيِّد محمَّد حسين فضل الله في الحقيقة، وهي صفةٌ لا تتوفَّر في الكثير من دعاة الفكر الحرِّ أنفسهم، ناهيك عمَّن درجوا على تقديس ما لا قداسة له عبر التأريخ بدوافع دينيةٍ وعقديةٍ مختلقةٍ أو مزعومة.

  من المعلوم أنَّ السيِّد محمَّد حسين فضل الله كان قريناً للسيِّد محمد باقر الصدر وأحد كتاب مجلَّة (الأضواء) الشهيرة، جنباً إلى جنبٍ مع مجموعةٍ من الكتاب الإستثنائيين في مقدِّمتهم السيِّد الشهيد محمَّد الصدر قدِّس سرُّه، ولقد سمعت من مصادر أثق بها أنَّ السيِّد محمَّد حسين فضل الله كان يكتب العديد من المقالات الرصينة بأسماء مستعارةٍ، لكي تحافظ المجلَّة على منهجها الرصين في تجديد الفكر الدينيّ آنذاك.

الآن أريد أن أسأل: لماذا لم تشأ بعض المرجعيات أن يكون للسيِّد محمد حسين فضل هذه المكانة الكبيرة في العالم الإسلاميّ، وليس مقنعاً القول إنَّ أحداً لم يكن يفعل ذلك، فإنَّ ذلك خلاف الحقيقة كما يعلم المتابعون للشأن الثقافيِّ والمرجعيّ، كما اننا لا نقصد على الإطلاق أن نثير من القضايا ما يكون سبباً في ضعضعة الصفّ، بل كلُّ ما نرمي إليه هو أن نضع حداً للممارسات التي من شأنها أن تكبح عجلة التطوُّر الفكريِّ والفلسفيِّ والثقافيِّ في أوساطنا الإسلامية والحوزوية مستقبلاً، هذا كلُّ ما نرمي إليه، لا سيما وأنَّ السيِّد محمد حسين فضل الله أصبح في ذمَّة الخلود الآن، فليس من أثرٍ سلبيٍّ إذن في الحديث عن هذا الموضوع بالذات.

أعتقد أنَّ مواقف السيِّد فضل الله وخياراته السياسية مستنداً فيها إلى استدلالاته وبراهينه من الكتاب والسنة وأحاديث آل البيت عليهم السلام هي السبب وراء ذلك.

هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى فإنَّ للسيد فضل الله فضاءه الإجتماعيَّ الخاصَّ داخل لبنان، ومن الطبيعيِّ أن يكون رأيه الإجتهاديّ بخصوص العديد من القضايا التي تخصُّ فقه الفرد والمجتمع وفقه السياسة وغير ذلك مختلفاً عن الآراء الإجتهادية لغيره من الفقهاء، وهذا ما جعل العديد من الفقهاء الذين يعيشون في ظلِّ ظروفٍ وملابساتٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ عن ظروفه هو، يشنِّعون عليه وينظرون إلى فتاواه تلك بعين الإستغراب، ولم يقفوا عند هذا الحدّ، فصاروا يحكمون عليه بأنه يأتي بالغريب من الفتاوى التي يخالف فيها جمهور الفقهاء.

لو أنهم أنصفوا فضل الله لصارحوا الجماهير الدينية بأنَّ هناك فضاءً في الشريعة يسمح له باستنباط تلك الأحكام الفقهية التي استغربت منها بعض الأوساط، لكنهم تركوا أنصاف العلماء يشنِّعون عليه وينقدونه ويطعنون في نزاهته من دون أن يحرِّكوا ساكناً مع الأسف.

عندما أفتى السيِّد محمد الصدر بعدم مفطِّرية الدخان، استغلَّ أنصاف العلماء عدم معرفة الجماهير الدينية بالمستند التشريعيِّ والفقهيّ لهذه الفتوى، فصاروا يشنِّعون على السيِّد الشهيد في حينها، ولم يصارحوا الجماهير الدينية بأنَّ السيِّد محمد الصدر ليس منفرداً بهذه الفتوى، بل يشاركه فيها العديد من الفقهاء حتى وإن لم يفتوا بذلك في رسائلهم العملية للناس.

ومن جهةٍ ثالثةٍ، فإنَّ أعداداً كبيرةً من مقلِّدي سماحة السيِّد فضل الله، كانوا من الوسط النخبويِّ والثقافيِّ المنتشر في العالم العربيِّ وأوربا، ولم تكن مثل هذه الحال لتسرَّ بعض الفقهاء، ولذلك فإنهم حاولوا أن يحطوا من شأنه، وأن يطعنوا في ملكة اجتهاده، ولم يصيبوا نجاحاً في تقديري على الإطلاق، بل كانت مساحة تقليد السيِّد في اتِّساعٍ مستمرٍّ، وحتى  من لم يقلِّده فإنه كان يعتبره في طليعة علماء الدين التقدُّميين في هذا الزمان.

إنَّ السيِّد محمَّد حسين فضل الله مجتهدٌ، بل إنه مجتهدٌ واسع الأفق والنظرة، وبالتالي فإنَّ له الحقَّ أن يشتغل على الموضوعات الفقهية بآلته الإجتهادية كما يراها هو بوصفه مجتهداً، ولا يمكن أن يلغي سلطة الحجة العلمية والدليل كما يظهران لديه من أجل مراعاة ما درج عليه الفقهاء الآخرون في مجال إصدار الفتوى أو اتخاذ الموقف العلميِّ أو التأريخيِّ بخصوص عددٍ كبيرٍ من القضايا التي يكون له فيها رأيٌ اجتهاديٌّ خاصّ، وأنا أسال:من هو المجتهد، هل هو الذي لا يصدر الفتوى إلا على أساس ما يمكن أن يتقبَّله منه المجتمع الدينيّ، أم هو الذي يعلن ما توصَّل إليه رأيه الإجتهاديُّ مهما كانت النتائج، يقول محمَّد حسين فضل الله:"أنا لا أنظر إلى مسألة أن يقبل المجتمع الفتوى أو لا يقبلها، المسألة المنفتحة على الخطوط الإجتهادية العلمية لا بدَّ من أن تدرس موضوعياً في العناصر التي يمكن الإنسان أن يكتشف فيها ما يراه حقيقةً، لذلك ليست لديَّ أيَّة مشكلةٍ في الفتوى حتى تلك التي قد تكون مخالفةً للمشهور من الفقهاء. أنا كنت أوَّل فقيهٍ أفتى بطهارة كلِّ إنسانٍ، بينما كان الرأي الفقهيُّ عند الكثير من علماء الشيعة هو الحكم بنجاسة الكفار، وقد حصل هناك بعض التطوّر، فأصبح البعض يُفتي بطهارة أهل الكتاب، لكن بنجاسة الباقين من الملحدين... أما رأيي الإجتهاديّ منذ عدَّة سنين فهو أنه لا دليل عندنا على نجاسة الإنسان جسدياً، لذلك أفتيت بطهارة كلِّ الناس. نعم هناك نجاسةٌ في الفكر، قد توجد في المسألة السياسية، الإجتماعية، وقد توجد في المسألة الدينية. بعضهم يقول: الله يقول (إنما المشركون نجسٌ)، نحن قلنا إنَّ النجاسة هنا هي النجاسة المعنوية، باعتبار أنَّ الشرك يمثِّل قذارةً فكريةً لا يحترم فيها الإنسان عقله".

الرجل لديه دليله الإجتهاديّ من الكتاب والسنة، وهم يلجأون في محاربته إلى تأليب رأي الناس عليه، مستغلين الوجدان الشعبيَّ الذي تربّى على الإعتقاد بالنجاسة المادِّية للكفّار، وهكذا سوف يصبح محمَّد حسين فضل الله في نظر الجماهير الدينية منحرفاً.

هذا من جهة خصوم السيِّد محمد حسين فضل الله، أما من جهة محبيه ومريديه، فإنَّ هناك وهماً كبيراً مرتكزاً في أذهانهم، إنَّ عدداً مهمّاً منهم يعتقدون أنَّ السيِّد محمد حسين فضل الله كان يصدر تلك الفتاوى من واقع الشعور بضرورة تسهيل الأحكام الفقهية عليهم، وهذا ليس صحيحاً، فالرجل مجتهدٌ، ولا يمكن أن يخضع إلا للحجَّة والدليل، يقول فضل الله: "أنا لا أنطلق في الفتوى من عقدة تسهيل أمور الناس، بل من خلال العناصر الإجتهادية التي تجعلني أقتنع بالنتائج في هذا المجال".

كذلك يجد المغرضون ضالَّتهم في التهكُّم على مختلف الفتاوى التي أصدرها السيِّد لمعالجة القضايا الجنسية وغيرها من شؤون المرأة، وينسون أنَّ لبعضهم فتاوى مضحكةً حقاً ليس ها هنا مجال التعرُّض لها، لكنهم لا يوافقون على أن يراجع السيِّد مختلف الفتاوى المشهورة بناءً على استعمال آلته الإجتهادية، إذ هذا بالضبط هو دور المجتهد، وإلا كان المجتهد مقلِّداً بطبيعة الحال، وقد أوضح السيِّد رأيه في هذا الموضوع وكان على حقٍّ فقال: "أما بالنسبة إلى النساء، فأنا أرى أنَّ الكثير من النظرات في فتاوى النساء تنطلق من خلال التقاليد، لا من خلال الحقيقة القرآنية، لذلك أفتيت قبل مدَّةٍ فتوى أثارت الكثير في العالم الإسلاميّ، وهي حقُّ الدفاع عن النفس بما أنه حقٌّ لكلِّ إنسان، فللمرأة الحقّ، إذا أراد زوجها أو أخوها أن يضربها، أن تدافع عن نفسها، وقد طلبت من النساء أن يتدرَّبن على الأخذ ببعض أسباب القوَّة التي تتيح لهنَّ الدفاع عن أنفسهنّ سواءٌ في هذا الجانب أو في الإعتداءات التي قد يتعرَّضن لها كالإغتصاب وما أشبه ذلك. طبعاً نحن نعتقد أنَّ الحياة الزوجية قائمةٌ على المودَّة والرحمة، لكن قد تصل المسألة أحياناً لدى الزوج لأن يضطهد زوجته، فمن حقِّها أن تدافع عن نفسها كما للرجل الحقّ في أن يدافع عن نفسه فيما إذا كانت زوجته أخت الرجال".

من الطبيعيّ أن لا تعجب هذه الفتوى المجتمعات الذكورية، فهذه المجتمعات تعتقد بتفوُّق الرجل على المرأة من الناحيتين التكوينية والتشريعية معاً، ولا ينتبهون إلى أنَّ عشرات النصوص القرآنية تقف ضدَّ هذا الإعتقاد الزائف، فلا علاقة لاعتقادهم بمتبنيات العقيدة في الواقع بقدر ما تكون علاقته بالموروث القبائليِّ البدويِّ أكيدةً وراسخةً، وقد واجه السيِّد الشهيد محمَّد الصدر قدِّس سرُّه الكثير من المعاناة في إعادة النظر بالعديد من التقاليد العشائرية في المجتمع العراقيّ، حتى تمكَّن أخيراً من فرض مقولات الشريعة على مقولات القبيلة، وهي ذاتها المشكلة التي واجهها السيِّد محمَّد حسين فضل الله في الدائرة الخاصَّة بفقه المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية، يقول فضل الله: "لم يسلِّط الله الرجل على المرأة إلا في دائرة ما يقتضيه عقد الزواج. الزواج عندنا ليس سرّاً خفياً، بل هو تعاقدٌ بين الرجل والمرأة. ليس للرجل أيَّة سلطةٍ على زوجته، ولو بنسبة واحدٍ في المئة، إلا بما التزمت به المرأة في الجانب الجنسيّ باعتبار أنَّ الزواج يقوم عليه، لذلك ليس لها أن تمنعه من نفسها إذا كانت له حاجةٌ في ذلك، ولم تكن لديها موانع شرعيةٌ أو صحيةٌ أو نفسيةٌ فوق العادة، ومن حقِّها على الرجل أن يستجيب لحاجاتها الجنسية. غير ذلك، لم يسلِّط الله الرجل على المرأة مثلاً في إجبارها على القيام بشؤون البيت إلا إذا اشترط عليها ذلك ضمن العقد، وإلا فللمرأة أن تحسب نفسها عاملةً في البيت وتأخذ أجراً على عملها، لكنَّ الله أحبَّ لها أن تكون علاقتها بزوجها وأسرتها علاقة المودَّة والرحمة".

أليس هذا هو حكم الإسلام، فلماذا يعتبرون السيِّد فضل الله مارقاً من الدين لأنه يصدمهم بضرورة العودة إليه، والتخلِّي عن الموروثات البدوية التي اعتادوا عليها كثيراً حتى حسبوها جزءاً لا يتجزَّأ من الدين؟

طبعاً هم يحتجون بأنَّ الرجال قوامون على النساء، هكذا يحتجون بطريقةٍ فجةٍ لا تعتمد التحليل والإستدلال، لكنَّ فضل الله يوضح أنَّ "القوامة لا تعني السيادة، بل الإدارة، بمعنى أنَّ الرجل في الإسلام هو المسؤول عن الإنفاق على زوجته، ولو كانت غنية. كذلك، إنَّ الرجل هو الذي يستطيع أن يدير الأمور باعتبار الظروف الخاصة للمرأة لجهة الدورة، الحمل، الحضانة، لا فرق بين الرجل والمرأة في الإسلام. اقرئي سورة الأحزاب، وسورة النمل التي تحدث فيها عن ملكة سبأ وأنها أعقل من الرجال، امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران. أختصر، القوامة ليست السيادة بل الإدارة، لأنَّ الرجل هو مسؤولٌ عن ميزانية البيت، وهو الذي يملك حرية جسدية في قضية العمل".

طبعاً، لا يعجبهم مثل هذا البيان، لا لأنهم حريصون على أن يطبِّقوا حرفياً تعاليم القرآن، كلا، ولكن لأنهم حريصون على أن يبقى المجتمع محافظاً على تراتبياته الهرمية الظالمة في العائلة وفي المجتمع وفي الحكومة وفي كلِّ شيءٍ، إنهم حريصون على تزييف تعاليم الإسلام لا أقلّ ولا أكثر.

حتى تلك الإشكاليات الكبيرة التي تثار في وجه الإسلام بخصوص بعض التشريعات التي باتت تثير حساسية الإنسان المعاصر، فإنَّ خصوم السيِّد فضل الله عاجزون عن تقديم إجاباتٍ مقنعةٍ للضمير الإنسانيِّ المعاصر، فغالباً ما يثار هذا الإشكال: لماذا لا يوافق الإسلام على زواج المسلمة من اليهوديِّ أو المسيحيّ، في حين يوافق على زواج المسيحية أو اليهودية من المسلم، فيقدِّم الفقهاء التقليديون إجاباتٍ مضحكةً أو غير مقنعةٍ في هذا المجال، لكنَّ السيِّد فضل الله يقدِّم جواباً عبقرياً مقنعاً حقاً إذ يقول: "إنَّ الإسلام يعترف بالمسيحية واليهودية، والعكس غير صحيحٍ، لذلك فإنَّ الرجل المسلم، عندما يتزوَّج مسيحيةً أو يهوديةً، فهو لن يجرؤ على الإساءة إلى مقدَّساتها من خلال دينه، لا من خلال الجانب الإنسانيِّ فقط، فيما غير المسلم قد لا يحترم كلَّ مقدَّسات المسلمين، فلا يحترم مقدَّسات زوجته".

إنَّ هذه الإجابة تقع في الصميم من المنهجية التي يعتمدها السيِّد فضل الله في مقارباته الإجتهادية لمختلف القضايا، إنه لا يقدِّم إجاباتٍ جاهزةً، بل يعيد النظر مراتٍ ومراتٍ من خلال أخذ حساسية العصر في نظر الإعتبار فيكتشف كثيراً من المعاني الجديدة من خلال هذا التأمُّل المنهجيِّ الجديد في القرآن والسنة، بينما يعجز الآخرون عن تقديم مثل هذه الإجابات الشافية التي تنسجم مع الحساسية العامَّة لثقافة الإنسان في الزمن المعاصر.

إنَّ السيد محمد حسين فضل الله جرئٌ في كلِّ مناحي التفكير التي يخوض فيها، حتى تلك التي تخصُّ نقد رجال الدين،  انطلاقاً من قناعته بأنَّ النقد حالةٌ إيجابيةٌ يجب أن تصبح شائعةً، لكن من موقع الحبِّ والرغبة بالإصلاح، وليس من موقع الحقد أو من موقع الرغبة بالحطِّ من شأن رجال الدين، ولا يجب أن ننظر إلى من يقوم بمهمَّة النقد بوصفه خصماً كما أكَّد سماحة السيِّد محمَّد حسين فضل الله قدِّس سرُّه على هذا المعنى مراراً في عددٍ كبيرٍ من المناسبات.

يقول بهذا الصدد:"رجل الدين هو الذي يملك ثقافةً دينيةً واسعةً، والتزاماً دينياً، ودوره ينطلق مما قاله الله للنبيّ: (ولذلك فادعُ واستقم كما أُمرت). ليس كلُّ ما يفعله رجال الدين يمثِّل الدين، علينا أن ننقد رجال الدين، حتى في أعلى الدرجات، كما ننقد رجال السياسة والإجتماع، ليس هناك معصومٌ عندنا في هذه الحياة. رجل الدين يفكِّر وقد يخطئ أو يصيب، وعلينا أن ننبهه إلى خطئه، ولا نعدَّ أخطاءه  حجَّةً على الدين. لا مقدَّس إلا الله ورسوله وأولياؤه الذين فرض قداستهم".

 

د. باسم الحسناوي

 

 

باسم الحسناويما الذي فعله السيِّد جمال الدين الأفغانيّ ليستحقَّ من النخب الثقافية في العالمين العربيّ والإسلاميّ كلَّ هذا التقدير والإجلال؟!.

هل ترك الرجل مؤلَّفاتٍ عظيمةً نستطيع أن نقيِّم فكره من خلال الرجوع إليها، أم أنَّ طلابه نقلوا إلينا أنه كان يحمل فكراً ضخماً فقط، وأنه لم يجد الظروف المواتية للكتابة والتأليف، فقاموا هم بنقل أفكاره، حتى أنَّ الشيخ محمَّد عبده كان يقول عن جميع ما كتبه في العروة الوثقى أنَّ اللفظ له، وأنَّ المعنى للسيِّد جمال الدين الأفغانيّ.

 وهكذا قل عن صاحب تفسير المنار الشيء نفسه، إذ أخبرنا بأنه ينقل الكثير من آراء السيِّد جمال الدين الأفغانيّ في هذا التفسير.

إنَّ السيِّد جمال الدين الأفغانيّ من ذلك النمط الذي يعطي زخماً للعصر في أن ينزع جلداً ليلبس مكانه جلداً آخر، وليختطَّ له مساراتٍ أخرى غير المسارات السابقة التي هي إمّا أنها أدَّت دورها في السابق، وأصبحت فاقدةً للفاعلية في مجال الوصول إلى الغاية في المراحل التأريخية التي تلت ذلك، وإما أنها كانت تمثِّل مسالك خاطئةً أصلاً، فلم تؤدِّ إلى أيَّة غايةٍ محمودةٍ على الإطلاق.

ولهذا فإنَّك لن تستطيع أن توجِّه اللوم إلى أجيالٍ تعاقبت من المبدعين والمفكِّرين الذين يشيرون إلى السيِّد جمال الدين بوصفه نقطة الإنطلاق المهمَّة في رسم الإتجاه الجديد للتفكير حول المشكل الحضاريِّ كلِّه داخل الأمة الإسلامية، من دون فرقٍ بين العلمانيين والإسلاميين، فإنهم جميعاً يؤكِّدون على أهمِّيَّته الإستثنائية في هذا المجال.

إنَّ حركة النهضة العربية والإسلامية في كثيرٍ من مجالاتها التنويرية لا يمكن أن تغفل ذكر السيِّد جمال الدين الأفغانيّ بهذه الصفة، كما انها تفعل صواباً إذ تضيف الحسنات التي تصيبها في المسيرة التي أعقبت وفاته إليه، بينما تتحمَّل وحدها وزر الإخفاقات التي تتورَّط فيها، لأنها لم تستطع أن تسير في الطريق الصحيح الذي حدَّد معالمه المهمَّة ذلك المصلح الإسلاميّ الكبير.

الشيء المهمُّ في هذا السياق أن نجري مقارنةً بين الشخصيتين، بين شخصية السيِّد جمال الدين الأفغانيّ والسيِّد محمد حسين فضل الله، لنرى هل إنَّ دور الثاني يقلُّ عن دور الأوَّل، أم انه يتفوَّق عليه في الكثير من المفاصل الرئيسة داخل مشروع الإصلاح والتنوير الإسلاميّ، مع ضرورة التنبيه إلى أنَّ غايتنا من إجراء هذه المقارنة، ليست هي أن نمجِّد شخصية السيِّد محمد حسين فضل الله، وهو الذي أصبح الآن في ذمَّة الخلود، ولا يمكن أن ينتفع من تمجيدنا بحالٍ من الأحوال، كما انَّ قدحنا فيه لا يمكن أن يؤثِّر فيه مثقال ذرَّةٍ على هذا الأساس.

المقارنة الأولى: الإحساس بالمعضلة الحضاريَّة:

 تلك حقيقةٌ صادقةٌ، وهي أنَّ الأمَّة الإسلامية كلَّها قد عاشت تداعيات القطيعة المعرفية والثقافية الطويلة مع عصور الإستنارة الإسلامية، لكنَّ المشكلة هي أنَّ هذه الأمة لم تشعر بقسوة هذه التداعيات عليها، حتى في اللحظة التي اكتشفت فيها مقدار الهوَّة الفاصلة بين المستوى المتخلِّف الذي تعيش تحت وطأته واشتراطاته، وبين ما بلغته الحضارة الغربية على صعيد ذلك البعد المدنيِّ المهمّ من الحضارة، من دون أن نغفل الترابط الأساسيّ بين البعدين المدنيِّ والروحيّ أو المعنويّ في كلِّ الأحوال، ولكنَّ الشيء الخطير بالفعل هو أنَّ الأمة إذ اكتشفت تقدُّم العالم الآخر عليها في المجال التقنيِّ والعلميِّ التطبيقيّ الذي كان في غاية الوضوح حتى بالنسبة إلى الأعمى الأصمّ، فضلاً عن البصير السميع من الناس، لم تفكِّر بجدٍّ في سبل تجاوز هذه القطيعة بوسائل مناسبةٍ توصلها بالفعل إلى تحقيق  هذه الغاية من دون التفريط بالجانب المعنويّ والروحيّ من الحضارة، حيث كان منسوبه في الحضارة الإسلامية عالياً بشهادة العديد من فلاسفة الحضارة الغربية المتفوِّقة في الجانب التقنيّ والتجريبيّ أنفسهم، فكانت ردَّة فعل الأمة في اتجاهين:

الإتجاه الأوَّل: ذلك الإتجاه الذي بقي مصرّاً على عدم أهمية هذا الجانب من الحضارة، وأنَّ المهمَّ هو أن تركِّز الأمة اهتمامها على ما لديها من التراث الروحي والمعنوي والديني، وأن تصون كلَّ ذلك من الخطر الداهم الذي تمثِّله التقانة الغربية الحديثة.

الإتجاه الثاني: هو الإتجاه المعاكس، الذي بالغ تماماً وما زال يبالغ إلى الآن باستغلال الإعتراف بواقع تلك القطيعة المعرفية ذاتها للدعوة إلى نبذ التراث كلِّه، بما في ذلك الدين نفسه، أو تفريغه من الجوهر الإيمانيّ القاضي بالإلتزام والتعبُّد على الأقلّ، كشرطٍ أوَّليٍّ للتخلُّص من حالة التخلُّف في المجالات المختلفة، ولم يقتصروا على الدعوة إلى تجديد المناهج أو العلوم بالإنسجام مع الروح العامَّة للحضارة العربية والإسلامية، بل أرادوها قطيعةً تامَّةً مع كلِّ جذرٍ حضاريٍّ لهذه الأمَّة، لاسيما الجذر العقائديّ والدينيّ، واستغلوا تلك الرؤى والتصوُّرات التي حكمت أذهان الفئة المتزمِّتة الأولى، فصاروا يبرهنون على أنَّ مشروع تحديث الأمَّة بالإنسجام مع الروح العامَّة لموروثها العقائديِّ والدينيِّ مشروعٌ يدعو إلى التهكُّم والسخرية على أساس ذلك.

 فكان الإتجاه الفاصل بين هذين الإتجاهين هو الإتجاه الذي اختطَّه السيِّد جمال الدين الأفغاني بالذات، حيث  دعا علانيةً إلى أن تنتبه الأمة إلى واقعها المتخلِّف، وأن تأخذ بأسباب التطوُّر في مجال التقانة والطبِّ والزراعة وما إلى ذلك، وأن تعيد النظر في الكثير من متبنيات الناس العقائدية مما توزَّعَتْه المذاهب الإسلامية المختلفة، وأن يوجدوا سبلاً للوحدة بدلاً من التشرذم الذي ورثته من القرون السالفة بسبب الإختلاف الموجود بين هذه المذاهب، وقطع السيِّد جمال الدين بالفعل أشواطاً معتداً بها في هذا السبيل.

المشكل الحضاريُّ ذاته، هو الذي عاناه السيِّد محمَّد حسين فضل الله وأحسَّ به بعمقٍ، في ظرفٍ لا يختلف كثيراً عن الظرف الذي اكتنف مشروع السيِّد جمال الدين، وهو الظرف الذي يشير إلى وجود شريحتين من المفكِّرين تتجاذبان مناطق الصراع:

الشريحة الأولى: هي شريحة المفكِّرين العلمانيين المتزمِّتين بين ملحدين وليبراليين وماركسيين وقوميين.. إلخ، وهؤلاء جميعاً كانوا ينظرون إلى الدين على أنه عقبةٌ كأداء في طريق بناء الدولة العربية الحديثة، وسواها من الدول التي وجدت في العالم الإسلاميّ.

الشريحة الثانية: هي الشريحة التي تنظر إلى الدين نظرةً متزمِّتةً متخلِّفة، أي انها تسقط تخلُّفها وتزمُّتها على الدين، فتكون النتيجة هي أن يكون الدين إما خارج منطقة الصراع أصلاً، وإما أن يكون محكوماً عليه بأن يعاني الخسارات والإنكسارات المتتابعة على الدوام.

 فكان الخطُّ الذي عمل السيِّد محمَّد حسين فضل الله ضمنه، وهو خطُّ السيِّد محمَّد باقر الصدر، فكان هذا الخطّ فلسفياً حتى النخاع، وحاملاً للهمِّ الإسلاميِّ من وجهة نظرٍ حركيةٍ خالصة، مضافاً إلى الإحساس العميق بأصل المشكل الحضاريّ، في البعدين المادِّيّ والمعنويّ، على صعيد مشكلات الأمة، وقد ساعد السيِّد محمد حسين فضل الله أن يمارس دوره بقوَّةٍ في تلك الفترة وجوده في وطنه الأمّ لبنان، لأنه لم يكن هناك مضطراً لأن يمارس أيَّ دورٍ من أدوار التقية كما هو واضح.

المهمّ هو أن نقول في هذا السياق أنَّ السيِّد فضل الله كان قطباً أساسياً من أقطاب الخطِّ الثالث المشار إليه، فكانت نقطة الإلتقاء الكبيرة بين مشروعه ومشروع السيِّد جمال الدين الأفغانيّ من هذا الجانب.

المقارنة الثانية: ترسيخ وعي المقاومة للإحتلال:

هذا هو المشترك الثاني بين الرجلين، فللسيِّد جمال الدين الأفغاىني يعود الفضل في بلورة الوعي المقاوم في تلك الفترات التي لم تكن فيها المجتمعات الإسلامية تملك وعي المقاومة على الإطلاق، مضافاً إلى أنَّ النخب القليلة فيها إما أن تكون غير معنيةٍ ببلورة هذا الوعي، كونها فاقدةً له على صعيد الذات، أو أنها عاشت تبعات التفكير بإحداث القطيعة، كما فعلت الكثير من النخب الثقافية التركية، حتى انتهت إلى ترسيخ المبدأ الأتاتوركيّ الذي انتهى بالوعي القوميِّ التركيّ مؤخَّراً إلى الرغبة بالإنسلاخ من الهوية الإسلامية من الأساس، وكذلك فضل الله، فإنه قام بدور ترسيخ الوعي ذاته في الظروف ذاتها تقريباً، فمن الواضح أنَّ النخب الثقافية العربية والإسلامية عاشت الإنقسام ذاته، ولكن بصورةٍ أشدّ، إذ إنَّ النخب الثقافية في الفترات التي اشتدَّ بها عود السيِّد فضل الله قد تسلَّحت بفكرٍ حداثيٍّ غير عاديّ، وباتت الكثير من الأفكار والرؤى والتصوُّرات التي لم تكن تحتاج كبير جهدٍ في السابق لتفنيدها وردعها، باتت بحاجةٍ إلى استخدام ترسانةٍ فكريةٍ وفلسفيةٍ غير عاديةٍ في سياق المواجهة الثقافية معها.

قد يقال إنَّ العديد من المفكِّرين قاموا بالدور ذاته من خارج الدائرة الحوزوية أو الدينية، فما بالك تركِّز على عمل السيِّد جمال الدين أو على عمل السيِّد محمد حسين فضل الله على وجه التحديد؟

الجواب: نعم، يوجد الكثيرون ممن قاموا بهذا الدور، إلا أنَّ تأثيرهم لم يكن كبيراً على مستوى توفير القناعة لدى الجماهير العربية والإسلامية، وهذا هو المهمّ، فمع الأهمية القصوى للأعمال التنظيرية التي يقوم بها المفكِّرون من خارج دائرة الحوزة، فإنَّ تأثيرهم على مستوى توفير القناعة لا يمكن أن يكون موازياً لأهمية ما يكتبون بالتأكيد، وتلك حقيقةٌ معلومةٌ للجميع ولا تحتاج في رأيي إلى البرهنة.

من هنا، فإنَّ الأهمية الكبيرة لفكر السيِّد جمال الدين الأفغاني، أو لفكر السيِّد محمد حسين فضل الله تنبع من هذا الجانب، وكذلك أهمية كلِّ مفكِّرٍ يمارس عمله التنويريَّ من داخل الحوزة أو المؤسَّسة الدينية على وجه العموم.

لقد نادت العديد من الحركات القومية بضرورة مقاومة الإحتلال الإسرائيليّ، لكن متى أصبحت ثقافة المقاومة ثقافةً شائعةً في أوساطنا الشعبية، أليس بعد أن تمكَّنت بعض المرجعيات الحركية، ومنها مرجعية السيِّد محمد حسين فضل الله، من التثقيف المباشر للمجتمع على ضرورة المقاومة باستلهام الدافع العقائديِّ والدينيّ، وقد ذهبت كلُّ الدعوات القومية في هذا المجال أدراج الرياح.

المقارنة الثالثة: التأثير في الوسط الثقافيّ النخبوي:

هذه هي النقطة الأهمّ، فلا يستطيع كلُّ مرجعٍ حوزويّ، أو كلُّ رجل دينٍ سنيٍّ أو شيعيّ، التأثير في تلك الأوساط، فهي عصيةٌ على التأثير من قبل رجال الدين في الحقيقة، لأنها طبقةٌ تعتدُّ بثقافتها وفكرها في مقابل الثقافة التي يروِّج لها رجال الدين، وهي ثقافةٌ لا تستجيب لمتطلَّبات العصر في رأي الغالبية منهم، ولهذا فإنَّ رجل الدين التقليديّ من الخير له أن يسكت أمام هؤلاء، كي لا تحملهم الإستهانة به على مخالفته في كلِّ مبادئه، وجلُّها حقٌّ في الواقع، إلا أنه لا يستطيع بسبب تخلُّفه الثقافيّ الترويج لها بثقافةٍ عصريةٍ رصينةٍ تكون مهمةً ومحترمةً في نظر هؤلاء.

لن تتأثر النخب الثقافية والفكرية إلا بالمرجع المفكِّر الحركيّ في الواقع، أي ذلك الرجل الذي يستطيع أن ينهض بمتطلَّباتهم وتطلُّعاتهم كلِّها بالإضافة إلى القيام بمسؤوليته الدينية والتعبوية.

هذا هو العنصر الرئيس في نجاح مرجعية السيِّد محمد باقر الصدر وتغلغلها في وجدان المفكرين والمثقفين في العالم الإسلاميّ، وهو العنصر ذاته الذي يعزى الى تأثيره نجاح المشروع الإصلاحي الكبير للسيد محمد الصدر، وهو ذاته العنصر الذي ساهم في نجاح التجربة المرجعية للسيِّد محمد حسين فضل الله كذلك.

المقارنة الربعة: الإشتغال على المعطى الفلسفيِّ الحداثيِّ الغربيّ:

ليس المهمّ الآن أن نركِّز على الموضوعات الموروثة من علم الكلام القديم، بل يجب الإشتغال على الموضوعات والمحاور الجديدة لعلم الكلام الجديد، هذا هو المهمّ، فلك أن تناقش عشرين أو أربعين عاماً كلَّ مباحث علم الكلام التقليديّ، وأن يكون لك الباع الطويل فيها، ولكن عليك أن تعلم أنَّ جهدك هذا لا قيمة له في الواقع، إلا من الناحية الأكاديمية الخالصة، فمن سمة هذه المباحث أنها لا تقدِّم حلولاً واقعيةً للمشكلات النظرية والواقعية المطروحة، فتكلِّف نفسها وتكلِّف القارئ جهداً كبيراً لا تكون حصيلته إلا الإبتعاد عن المشكل النظريِّ أو الواقعيِّ المطروح.

إنَّ السيِّد جمال الدين الأفغانيّ أحدث نقلةً كبيرةً في هذا المجال في محاور العروة الوثقى، وكذلك فعل طلابه الذين ساروا على دربه، مع أننا لا نملك وثيقةً تشير إلى انخراط السيِّد جمال الدين في التأليف ضمن هذا المجال، إلا تلك الوثيقة الصغيرة التي تحمل عنوان (الردّ على الدهريين) فقد أبدى فيها مسامحةً كبيرةً تجاه الكثير مما كان يطرح في ساحة الجدل العلميّ، خاصةً ما يتعلَّق بنظرية دارون في النشوء والإرتقاء، فبيَّن أنَّ الإعتقاد بتلك النظرية على فرض صحتها وعدم نهوض الأدلة والبراهين العلمية في الحاضر والمستقبل ضدَّها، فإنها لا تنفي معقولية الإيمان بوجود الخالق، بل على العكس، فإنَّ التفسير الفلسفيَّ لها سائرٌ في خطِّ الإيمان ذاته.

المهمُّ أن نقول إنَّ السيِّد جمال الدين الأفغانيَّ فتح الباب واسعاً أمام خوض هذه التجربة، وهي الإنفتاح الجديّ على الكثير من المعالجات النظرية المبتكرة في حقل علم الكلام الجديد، الذي لم يكن معروفاً بهذا الإسم إلا في أيامنا هذه، فكانت خطواته وخطوات مريديه تأسيسيةً في هذا المجال.

وقد فعل الشيء نفسه السيِّد محمد حسين فضل الله من موقعه المرجعيّ، وهذا هو ما يمنحه الخصوصية، فكانت أغلب محاور كتبه تصبُّ في هذه الغاية، حتى عندما يجيب على الإستفتاءات الفقهية الخالصة، فإنه سرعان ما يتَّخذ حديثه سبيل التنظير الفلسفيِّ والمعرفيِّ والكلاميِّ الذي يصلح لتزويد المسلم المعاصر بترسانةٍ مهمَّةٍ من المفاهيم والإصطلاحات والأفكار، حيث تركِّز التلقي العقلانيّ للشريعة، وتبتعد به عن مواطن الخرافة والفهم السطحيِّ الساذج.

المقارنة الرابعة: الهدوء والبساطة وعدم التهاتر مع الخصوم:

وهذه نقطةٌ أخرى تلتقي من خلالها الشخصيتان موضوع المقارنة، فلا يكاد القارئ يلمح شيئاً في التراث المكتوب عن السيِّد جمال الدين الأفغانيِّ يشير إلى أنه كان يحبُّ الإنخراط في المهاترات الفارغة مع الخصوم، بل إنه كان يتجنَّب كلَّ ذلك بأن يتغافل عنه بشكلٍ تامّ، حتى لكأنَّ هذه الشخصية الإشكالية لم يكن لديها خصومٌ على الإطلاق، وهو الذي خاض غمار التجديد على الصعيد العلميّ والدينيّ، كما يُعدُّ أبرز من تصدّى للعمل السياسيِّ المعارض للإستبداد الداخليِّ والإستعمار الخارجيِّ من بين مفكِّري عصره، إلا أنه كان يتمتَّع بهذا الخلق الذي وفَّر عليه الكثير من المتاعب في الحقيقة، وساهم مساهمةً فاعلةً في نجاح مشروعه، كما كان يتمتَّع بشخصيةٍ أريحيةٍ وجذابةٍ مع العلماء من كافَّة المشارب والمذاهب والأديان، وكان يحظى باحترام خصومه من جميع الأطراف بسبب ذلك.

وكذلك السيِّد فضل الله، فإنه لا يختلف عن السيِّد جمال الدين الأفغانيّ في هذا الجانب، بل كانت شخصيته أقرب إلى التحلِّي بهذه الصفات كلِّها، مع التركيز طبعاً على أنه كوَّن جيلاً من المريدين الكبار عن طريق هذا التأثير أكثر من التأثير والإنتشار اللذين حقَّقهما السيِّد جمال الدين الأفغانيّ نفسه.

 

د. باسم الحسناوي

 

سامي عبد العالحجمُ الإهانةِ داخل أيِّة ثقافةِ متعثرةٍ لا يتم باجترار كهوفها المظلمة ومواضِع التخلف فيها، إنما بإفشال إمكانية نقد وغربلة الأسس القائمة عليها، والحيلولة دون فهمِ الأحداث والقضايا فهماً حقيقياً. والإهانةُ ليست أخلاقيةً هنا، لكنها معرفية، لأن الأخلاقيات لدينا تنفذُ إلى كافة المستويات وتتشكل بأكثر من وجوه، ليس أبعدُها أنْ تقلل من شأنك، لكن أقربها أنْ تستنفدَ وجودَك وعقلك.

هذا هو الحاصل ضمن بعضِ ثقافتنا العربية بامتياز تاريخي، على سبيل المثال فكرة "السمع والطاعة" إلى حد الخنوع والإذلال (وهي فكرة سياسية) قد تأخذُ وضع المعرفة الواثقة، بينما جذرها هو المعنى القائل: ليس في الإمكان أبدع مما كان، حيث يتواطأ الفعل السياسي والديني والاجتماعي. أي إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، كأنَّ هناك قائلاً يقول: لا تقترب أيها المثقف(أقصد المثقف الحقيقي) مما نعتقد، كُن بعيداً بقدر ما لا يبلغُك سوطُ اللعنة. لو اقتربت، فرّدُ الفعل لن يكون متوقّعاً، الرد من أطراف( متناقضة) في وقت واحدٍ.  صحيح أن التشكيل غريب، بيد أنه يحتاج تاريخاً من التحليل والتفكير، كل آفاق اشكالية لا تُعطي نفسها لأول وهلة، إنما تتمنّع عن الظهور والانفكاك لدرجة الاستحالة.

إذن المثقف منبوذاً، مطروداً، كالجمل الأجرب في الحياة العربية هو واقع الحال. النبذ نوع من الترك والطرح بَعيداً دون اهتمامٍ، مصير هو الإقصاء والابعاد بسبب معنى غير قابل للمهادنة. والنبذ عادةً نتيجة التجرؤ على ما يمثل شيئاً ذا بال، ولا نقبل النّيْل منه في الأفق العام. تحمل دلالةُ الكلمة جوانب الازدراء والهُجران وتترك نكهةً لاأخلاقية بعد سماعِها. كأنَّ المنبوذ قد ارتكب ما يستحيل التسامح معه. وبالقرآن جاء اللفظ في سياق التنابذ بالألقاب ربطاً بالفسوق بعد الإيمان(الأخلاق+ المعرفة+ الاعتقاد). إذن من يحمل المعنى يغدو مفعولاً به جمعياً في المعجم العربي، أي أنَّ النبذ نتيجة عامة وليست خاصة بحالٍ. وهذا هو "مصير المثقف الحقيقي" منبوذاً إذا فكَّر بجديةٍ، أنه المَرْمِي هناك بأي مكان، فقد يقرنه البعض بالعزلة نتيجة اهتماماته الخاصة، لكن الرمي فعل مقصود (الاهمال) إزاء حالة عامة (تراكم الثقافة).

حيث ثمة فوبيا من انتقاد الموروثات الفكرية الرائجة، ويتجنب المثقف طوال حياته ذلك، لدرجة أنَّه تجري ملاحقة من يقول شيئاً مخالفاً، فهو المتهم سلفاً قبل أي شيء آخر. وسيكون عليه أنْ يدفع تهمة لم يرتكبها وجريمة لم يقترفها، وهي: انتهاك كيان الأمة والتسبب في ايقاع الأذى بالسلف والخلف وبالمقدسات الحيّة والميتة. إنَّها حالة الرفض الكلي الذي يترصد الكُتاب والأدباء والباحثين الجادين مع النتائج المترتبة على ما يطرحون فكرياً وسياسياً.

لقد شكلّت المحرمات الثقافية - باتساعها- لعنة تصيب كل من يقترب. لأنَّ قداستها غدت فخاً يُدمي أقدام كل مستكشف قادم، لمجرد أنَّه يطّأ أرضاً لم يسر عليها الآخرون. هكذا تورط المثقفون في معركة أشبه بمعارك طواحين الهواء التي لا تنتهي. فهم يحاربون ظلالَّهم الكئيبة نتيجة تداعيات القضايا الفكرية بهذا التوصيف... مثل قضية الأصالة والمعاصرة أو قضية تحديث المجتمعات العربية أو قضية قراءة التراث أو قضية ابداع انسانية كونية عامة. والأنكى أنْ تستدير الظلال الهاربين منها لتحل محلهم .. فتقوم الثقافة مرةً أخرى بمطاردتهم (دائريةُ عودٍ على بدء). لكن: كيف يُحال دون الظلال المشوِّهة للمثقف بكل عنفٍ؟! ما طبيعة الثقافة التي تأكل أبناءها؟! ولماذا تنقلب إلى جحيم دنيوي؟!

إذا تصورنا القدرة  النقدية خروجاً عن الثقافة المتراكمة، فلتكن قدرةً لتطوير المهام التساؤلية والفكرية لكل مثقف مبدع إزاء مشكلات المجتمع وظواهره. وهذا سبب محاصر المثقف داخل زجاجة مغلقة، بحيث لا يقترب من المحظورات الاجتماعية. ومن ثم ينهض أتباعُها دفاعاً عنها (من غير معرفة أبعاد الموضوع). ذلك لكون ارتباطهم بإنتاج الثقافة يؤكد وجودهم ووجودها معاً. أحياناً يدخل الناسُ معركة (الأفكار الجديدة) ظنّاً منهم أنها معركة حياةٍ أو موتٍ، بينما هم الخاسرون قبل أنْ تبدأ، وأنَّ الطرف المقابل ليس هو دائماً الخصم الصحيح. لأنه لابد في المعارك الفكرية من الوعي الخصب بما يجري ومعرفة أبعاد المسألة قبل البدء في إطلاق  عبارات النفير.

فقد يظهر مثلاً التواطؤ بين الإسلاميين المتشددين والثقافة الشائعة على نبذ المثقفين. حيث توجد مصالح مُشتركة كانت ممتدةً ومازالت بين الطرفين. في الحقيقة كانت زواجاً بين التدين الشعبي وحالة الذهنية الشائعة بميثاق سياسي غليظ. لأنَّ السياسة - في  تاريخ المجتمع العربي- لم تكن لتضمن الولاء إلاَّ بضمان هذين (التدين والذهنية الشائعة). فكم خدم الإسلاميون أيةَ سلطةٍ سياسيةٍ استبدادية بقدرِ خدمات الناس العاديين لها.

ذلك بالرغم من الصورة المنتشرة عن محاربة الارهابيين للسلطة القائمة وأنَّ الأخيرة تحاول تطهير البلاد والعباد من رجسهم الشيطاني. إنَّ الفكرة هي قمة الزيف الذي انكشف بجلاء في التاريخ القريب، عندما تعايش الاثنان في مصر طوال السنوات الماضية. حتى افسحت الأنظمة السياسية للمتشددين البرلمان كجماعة الإخوان المسلمين والسلفيين. ثم وجدناهم وقد اخذوا السلطة نفسها بعد الربيع العربي في أكثر من دولةٍ عربية. وشكلوا الرهان الغالب في عين الغرب للملمة قطعان الثوار وهوام الفوضى التي كانت بداية للعيان.

براجماتياً في الواقع، لم تكن ثمة خصومة بين الجماعات الارهابية والأنظمة السياسية الديكتاتورية أيضاً إلاَّ بصدد الوسائل فقط. السلطة القمعية تبلغ مآربها باحتكار العنف باسم القانون والشرعية السياسية ذات الآليات الحديثة، ثم تغلفها بنصوص اللوائح وطقوس العقوبات السياسية والقانونية البراقة. بينما يمتلك الاسلاميون – كما يظنون- مشروعية العنف بقرائن دينية وبآليات عنف مبررة مرحلياً. الفارق أن السلطة لها الغلبة بموجب المُؤسسات ومواقع الحكم في حين لا يجلس الآخرون (الذين تطاردهم لذات الهدف) داخل المؤسسات.

الأخطر أنَّه لو كان هناك صراع بينهما (السلطة- الإسلاميون) فليس لصالح الشعب إنما كان جرياً وراء كرسي الحكم. وكل مبررات تساق في هذا المجال لا قيمة لها إطلاقاً إذا لم نأخذ بالحسبان هذا الجانب غير المطروق. وذلك ما يجعل غالبية الناس البسطاء هم وقود الصراع المشترك كذلك. ولذلك يتناوب الإسلاميون والسلطة الحاكمة اللعبة الشهيرة بينهما: "تديين السياسية وتسييس الدين" حتى أخر رمق.

فرأينا السياسيين يلتحفون عباءة الدين بالمناسبات العامة وغيرها. يغتنمون الفرص تباعاً لتدجين الشعوب العربية بمطارق الدين الناعمة (فالدين يوازي الصلاح والإخلاص والطاعة). ولكن نظراً لخشونة الإرهابيين، فإنهم يعلنون نواياهم على الملأ مباشرة دون مواربة. وإذ ظلوا يرددون أنهم يقصدون وجه الله حتى سقط القناع – أثناء الربيع العربي وبعده- باعتبار دولَّهم إسلامية. وحتى أصبحت الخلاقة مثل القناع الأكبر الذي يضم كافة الوجوه الاخوانية والسلفية وغيرها. إلى درجة أن التحدي الجسيم لكل فكر عقلاني هو: كيف يستطيع اقتلاع هذا التصور من الأدمغة؟!

كم يخرج رحال الحكم ليعلنوا على الملأ أنهم يخشون الإرهاب تحت مظلة الدين. وبالمقابل يعلن الارهابيون أنهم يحاربون من يحارب دين الله. ويستهدف الاثنان التهام رؤوس القطاع العريض من الناس. وإذا حدث نبذ للمثقف ومطاردة له، فإن الأخيرة مطاردة مزدوجة. الإسلاميون يفعلون ذلك لحماية المقدسات ثم يتضامن معهم السياسيون بالصمت المريب. والأنكى أنْ يفتحوا لهم المؤسسات القضائية الحداثية لإقامة دعاواهم ضد المثقفين. ويدخلها الإسلاميون بثقة منقطعة النظير بضمان التعاطف الشعبي دفاعاً عن دين الله. ولخداع الناس أيضاً من زاوية أنهم يحترمون اجراءات القانون وأصول الدولة المدنية. بينما هم ينتظرون الفرصة المواتية لتقويضها والانقضاض على السلطة. على الجانب الموازي يبتهج السياسيون كثيراً. لأن الاسلاميين سيخلصونهم من مصادر الازعاج (المثقفين) وبخاصة إذا لم يستطيعوا ترويضهم.

إذن هناك ازدراء صامت (ومتبادل) في صلب كل اتهام للمثقفين والأدباء بالتطاول على المقدسات. لم يكن لتهمةٍ أن تبحث عن مجرم وهمي إلا بإيعاز من كراهية شاملة (من العامة والإرهابيين والسلطة السياسية). فالمثقف الحقيقي كائن منبوذ إلى حد الرجم في المجتمعات العربية، لا محل له من الاعراب. أصلاً يقال: ماذا يقدم؟ هل سنأكل من عمل يديه؟ ما أهميته هنا أو هناك؟ ألاَ يمثل خطراً سياسياً؟ إن تلك الأسئلة المفترضة - كلما أدلى برأي أو طرح تحليلاً أو اخذ موقفاً- تنطلق تلقائياً من جميع الاتجاهات المذكورة.

كل ازدراء تجاه أي شيء يهون أمام ازدراء المجتمع بجميع أطيافه المختلفة للمثقفين. لقد تركهم يتسولون لدى الحكام ووضعهم خارج حساباته. ولذلك ما كان لأي إرهاب أنْ يتصيدهم (كطعن نجيب محفوظ وتكفير نصر حامد أبو زيد مثلاً) دونما أخذ الاشارة الخضراء من المجتمع. كما أن هذا الارهابي بلغ مكانته عن طريق خيول الفتاوى والخطاب الديني وثقافة الدهماء. الإرهاب يعشعش بجميع أشكاله في أحشاء اجتماعية متخلفة كانت لها الغلبة إزاء أي فكر نقدي. وحتى لو كان المثقف صاحب انجاز حقيقي، فلن يجد موضع قدم مقارنةً بخطاب ديني متشدد يسلب عقول الناس مقابل وعدهم بالنعيم والحور العين.

هكذا فالأسوأ أنَّ المثقف لا يلاحقه الارهابيون والساسة فقط، بل القطاعات العريضة من المجتمعات العربية أيضاً. وبالتالي كل اتهام له يصبح ثلاثي الأبعاد بصرف النظر عن ماذا يكون: اسلام سياسي كان يدفعه إلى المحاكم ويحاول إهانته وقتله، ثم يتلاعب به النظام السياسي، فيقف الناس له مهللين!! هذه المأساة جعلت التواطؤ السالف كماشة تقتل كل ابداع فكري وثقافي.

إن المشكلة لن تنتهي إلاَّ بنقض محددات الثقافة ذاتها، نسفها من الجذور التي تسمح بتضامن المتناقضات وتواطؤها على السطح إزاء الفكر. بحيث أن اتساع الهوة يبقي منظوراً بين هذه الأطراف، لكن سرعان ما تجتمع للاتفاق البراجماتي فوق جثة المثقف.

والتهمة الجاهزة (ازدراء الاديان وخلخلة المجتمع وتكدير السلم العام)، كانت بهذا المثلث نوعاً من التنكيل بأي مثقف يفكر بصورة مختلفة. لأنَّها تهمة تبحث عنه بثلاثة مقابض (المجتمع والدين والسياسة) أينما ذهب. كما أنها تركت بموجب القانون عصا غليظة في يد الناس لانزال العقاب الجماعي به لو أحيل إلى المحاكمة. وذلك يفسر أنه كلما تثار قضايا نقد النصوص التراثية تذهب إلى القضاء فورا بمباركة السلطة. وفي النهاية يزعم الإسلاميون دفاعهم عن هوية الأمة. وكأن تلك الهوية هي الصليب الذي يُعلق عليه المثقف، حتى تترك جثته في العراء لأكلي الجيف من البشر. رغم أننا تجاوزنا عصر الهويات القاتلة كما يقول الأديب اللبناني أمين معلوف. وحينما يسمع الإنسان العادي بالخطورة القائمة على هويته ينطلق للدفاع عنها بأنيابه ومخالبه.

وبالتالي سيستّحِل أي إنسان عادي دماء المثقف مصمماً على أخذ الثأر بنفسه. والحقيقة كما رأينا مع نجيب محفوظ فقد قام بطعنه شاب جاهل ثقافياً. لم يقرأ كلمة واحدة من كتاباته ولا يعرف من هو محفوظ ولا أهميته ولا حتى كيف يتجرأ على قضايا الدين. وبالتالي لم يعرف قيمته الأدبية في تاريخ الرواية. بل كانت تلك  الأفكار بالنسبة إليه هلوسات لا قيمة لها.

لقد صيغت تهمة "ازدراء الأديان" التي توجه للمثقفين لإشباع نهم السلطة والاسلاميين والناس العاديين من دمائهم. إنَّ سك الازدراء بوصفه انتهاكاً للموروثات يعني تطويقاً لكل محاولة تفكر في المعتقدات الجمعية. وحينما تتكيف كلمة الازدراء مع القوانين والدساتير، فهي تهدم أسس الدولة المدنية. لأنه ليس ثمة شيء في الدولة الحديثة اسمه انتهاك المقدسات. إلاَّ إذا تمَّ تسييس ما لا يُسيَّس كما أشرنا. والتهمة مجهلَّة " القادر" على اقامتها من جهة الحق والإمكانية والقبول والتبرير والمعاني حتى. وبالتالي تصبح اللغة كخطاب  من هذا الصنف سلاحاً في يد كل من يريد ملاحقة المثقفين والأدباء رغم تفاهتهم في حالات كثيرة.

لقد أمست تهمة ازدراء المقدسات خارج حتى القانون. لأن وقعها الاجتماعي والديني أكبر من دلالتها قانونياً. ذلك والإسلام السياسي كان قد نحج في خلط الأوراق مسرباً قناعاته إلى الرأي العام كما في مصر والأردن مثلاً. وربما لو دققنا النظر فليس ثمة فارق كبير بين الإرهاب وهذا الوعي الصامت. فمن أين خرج الدواعش؟ لماذا يجند الاسلاميون أتباعهم بسهولة على النت ومن دور العبادة؟ حتى جاءت تهمة ازدراء الأديان مرادفة للكفر، لأنه لا يتم مناقشته وتحول من مجال المعرفة والتساؤل والنقد إلى مجال الدين. ولهذا لم يكن ليقيّم أحدٌّ أعمال الكتاب والمثقفين ويرد عليها إنما يكفرونهم مباشرة.

والتقييم الديني على النوايا في ضوء ثنائية الكفر والإيمان يغالب أيَّ تقييم فنيٍّ داخل هذا المناخ. كما أنَّ التواطؤ الثلاثي السابق (الاسلاميون- السلطة- الناس) يُعْلي نبرة التشفي تجاه المثقفين. حتى أنه يمكننا اعتبار تهمة ازدراء الاديان المجاني قتلاً لا إنسانياً لهم. وفوق ذلك تغذي التمادي في تناولها بالأوصاف اللاأخلاقية، وأساسها هو كراهية التغير والمشاركة في حالة من التفكير تجاه الواقع وأزماته.

 

سامي عبد العال

 

سامي عبد العالعلى مستوى الفلسفة، لا يأتي تكوين التساؤل الكلي في ثقافةٍ ما(كأسئلة الماهية– المعنى– الحقيقة- الإنسان) جُزافاً، فتشكيله يتعيّن كمعطى وجودي أصيلٍ للعصر الذي تعيشه. حتى أنَّ تَمَيُز التكوين يتمُ تبعاً لبناء الرؤى الفلسفية خلال هذا العصر (حيث يجمعنا كونياً بالآخرين). قد نسميه الحضارة الإنسانية إجمالاً بقدر ما نُسهِم لا بقدر ما نستقبل فقط، وربما في غير سياق نُطلق عليه ظواهر عالمية خارجَ أفقنا الفكري. والتكوين معناه: كيف نبتكر الرؤى وكيف تتخلَّق ثقافياً؟ إذ سنكتشف أعماقنا الفكرية في إطار إنساني كوني، وإلى أي أساس نستند؟ وكيف سنُعبر عنها؟

لنلاحِظ أنَّ وجود المفكر الأصيل صاحب الرؤية ليس خبط عشواء، هو يلتقط بكل دأبٍ ما هو مشترك بين عناصر الإنسانية، وإنَّه لكي يصبح قادراً على الإبداع، لابد أنْ يخرج من دائرته المحدودة. أي لن يعود محليّاً على غرار زَمّار الحي (وحتى زَمّار الحي لا يُطرب عادةً). وأمام هذه المرحلة، ليس الأمر سهلاً كذلك، فلا يكون مفكراً كما نعتقد إلاَّ إذا كانت أسئلتُه الجوهرية مؤثرةً على نطاق واسع، مما يقتضي فهماً لروح العصر والقضايا الحيوية وابدع المفاهيم والقدرة على طرح المختلف.

بعبارةٍ أوضح كان للمفكرين أصحاب الأسئلة الأصيلة تأثيرٌ في الثقافات الإنسانية التي هي راهنة ومستقبلية بالوقت نفسه. على سبيل التوضيح كان ابن رشد شفرةً فلسفية لعصره ولعصور تالية، لقد ترك الرشدية اللاتينية بأصدائها البالغة في أوروبا. فلم يكن شارحاً محايداً للفلسفة اليونانية، لكنه ترك بصمات دلالية في التركيب اللغوي للنصوص الكبرى التي تعامل معها. فالترجمات والشروح هي ضيافة النصوص وتحميلها بالكرم الفلسفي والتأويلي الذي ظل معها إلى الآن. أي إعادة كتابة وخلق للنص في رحاب ثقافةٍ هي ثقافة الشرق، لدرجة أنَّ الفلسفة الغربية نهلت من الكرم الشرقي في صورة مفكريه ومازالت. وكذلك مارتن هيدجر لم يكن فيلسوفاً عارضاً، بل كان أثراً فذاً لعصر كامل من الإبداع الفلسفي ونقد الحداثة وتحويل عقارب الفكر نحو ما بعد الحداثة. ليس ثمة فلسفة ما بعد حداثية لم تمر بأسئلة هيدجر سلباً وايجاباً حول التقنية والإنسان والفن واللغة والنصوص والحقيقة والشعر والمعنى الأصيل للوجود.

دوماً السؤال الخصب فلسفياً مسكون بهذا التطلع نحو الكوني، أي لا يفقد نبرة التعميم إلاَّ وقد فقد إمكانية تأثيره. ولاسيما أنَّ الفكر الأن لم يعد حكراً على مساحة جغرافية من العالم. إنَّ جغرافيا العالم ليست هي الأقاليم الجيوسياسية فقط، لكنها أيضاً جغرافيا العقول المشاركة في إنجاز الأفكار الكبرى والاتجاهات والنظريات النقدية والفكر الفلسفي. ونحن كقاطني كوكب الأرض إنْ لم نكن لنسبق إلى الجديد، فعلى الأقل ينبغي أنْ نتزامن فكرياً مع الآفاق نفسها.

أيضاً السؤال الفلسفي من خطورته إنَّه يحرك ما هو قديم. بمعنى أنك تستطيع بسؤال مبتكر تجاه التراث أنْ تستنطقه وتعيد إبداعه. فالزمن لا يُبلي الأسئلة أيا كانت، إنَّما قد يأكل الإجابات الواحدة تلو الأخرى. فلقد رأى الغربُ في الفلسفة اليونانية جذراً لأصوله الثقافية، اتصلت أسئلة أفكاره بالجذور القديمة للمجتمع الأوروبي. ولم يأتِ أيُّ فيلسوفٌ راهن ولا حديث دون أنْ يشتبك مع تلك الجذور البعيدة وصياغة تحولها المستقبلي. ثمة أسئلة حديثة ومعاصرة كانت تُطرح باستمرار على أفلاطون وأرسطو. وهما الفيلسوفان اليونانيان، لدرجة أننا لا نستطيع احصاء كم "عدد أفلاطون" وكم "عدد أرسطو" قد واصلوا حياتّهم الأوروبية إلى الآن!!

أزعم أنَّ هناك عدداً من "أفلاطون الألماني" -بقدر التأويل والنقض وإعادة القراءة- داخل نصوص فشته وهيجل وشوبنهور وشلايرماخر ونيتشه وجادمر وكارل بوبر وفتجنشتين. هناك كم آخر من "أفلاطون الفرنسي" ضمن نصوص سارتر وجاك دريدا وميشل فوكو وجيل دولوز وبول ريكور وجان فرانسو ليوتار. وما جرى بصدد أفلاطون جرى بالمثل على أرسطو في أي أفق فلسفي أوروبي بإيطاليا وانجلترا ورومانيا وهولندا.

إذن وفقاً لأهمية الأسئلة، ليست الفلسفةُ باحةً نسقيةً لمقابر الفلاسفة، ولا أضرحة فكرية (الأنساق والمذاهب والأيديولوجيات) يتبادلون زيارتها. لكنها فن صياغة الحرية الفكرية وتذويب تكلسها- لو حدث- بآليات الأسئلة الكبرى. كان نيتشه فيلسوفاً هاوياً إزاء تلك المهمة السرية، صاغ من فلسفته فناً لتحطيم الأصنام( الفكرة الإبراهيمية القديمة). فقد عرف جيداً ماذا تصنع الفلسفة (حين ترتكس وتصدأ) بأدمغة الناس، فأراد تعليمهم ماذا تعني أنْ تكون أقدام الأصنام من صلصالٍ. ولهذا وضعَ نصوصاً ثورية بلهجة معاصرةٍ، أقصدُ تحرير طاقات الأسئلة لا انهاء وظيفتها. لم يعطل نيتشه السؤال عن أداء واجبه المقدس، لكن أعتبره ضد القداسة التي قد تُخلع على أي شيء. وهناك فرق شاسع بين الواجب بذلاً ودأباً بروح كانط وبين وقوعه في شرك القداسة اللاهوتية باسم الفكر.

التأسيسُ الفلسفي يعلِّن فرادةَ الماهية لا نَسْخَاً بين فكرٍة وأخرى، على غرار ما فعل بعض الأسلاف( مؤرخو الحكمة والفلسفة لدينا) بين فلاسفة اليونان معارفنا التراثية. وكذلك ليس التأسيس محاكاةً بأسوب الصورة والأصل بطريقة تعاملنا حالياً مع الفكر المعاصر، لكن بكون "ماهية أي تأسيس"- بين قوسين- لا تخلو من بَذْرٍ خالقٍ. هكذا يُوجد غموضٌ تصنيفي حتى فيما يُنسب إلينا فلسفياً كعربٍ ولا يتجانس مع أفقنا الروحي والثقافي. لقد أطلقنا على أفلاطون وأرسطو حكيمين بإعلان مباشر لأحد كتب الفارابي "الجمع بين رأي الحكيمين".

لكنهما كانا حكيمين بنبرة دينيةٍ لدى مؤرخي الحكمة والملل والنحل كابن النديم والشهرستاني وابن أبي اصُيبعة في التراث، فما سكت عنه الفارابي أنطقته الثقافة السائدة ومبررات الاعتقاد على ألسُن أخرى. لا ابالغ حينما أقول "تم صناعة النبوة في شخصيتي الفيلسوفين اليونانيين"، أُعيد إنتاجها في أفكار أفلاطون وأرسطو الاسلاميين هذه المرة (أي أسلمة العلوم والمعارف منذ القدم). نُقلّت فكرة النبوة حرفياً وجرى استعمالها بمنأى عن النقد وظل تأثيرها سارياً في الفلسفة بقدر تأثيرها أدباً وحكمةً. قالب النبوة أقرب القوالب للذهنية العربية نظراً لحماستها وايمانها بالخارق الغيبي في مجالات كثيرة.

وكما كانت النبوة سقفاً لا يعلوه سقف ولا ينبغي، فيستحيل تجاوزها معرفياً إنما قد تُدَّعى فقط كحال مدَّعي النبوة: مسيلمة الكذاب وسُجاح ومازال البعض يراها كذلك إلى يومنا هذا. والنبوة بالنسبة إلى ذهنية العربي سلطةُ وضع الحقيقة معلقةً ميتافيزيقياً فوق كل العقول. وهي هبوط الوحي من مصدرٍ لا قبل له به، من قوة إلهية تختار من تشاء وتقرر ما تشاء وتصرّف الحياة كيفما تشاء. لكنها تحولت إلى مجالات السياسة والاجتماع، فأصبحت النبوة كافيةَ الاستعمال فيما يرى ابن خلدون (الملك القائم على النبوة) لإخضاع الإنسان وغدت قادرةً على إلهاب عواطفه وتحريكه للمنافحة عن أصوله المحفوظة. لعلَّ كانط أصاب حين اعتبر الإسلام ديناً شجاعاً إزاء الأغيار. فإنْ كان هناك ما يميزه عن سائر الأديان من وجهة نظره، فيتميز بشجاعةٍ ليست تقنية صراعية، لكنها عمل كوني جعله ديناً عالمياً. وهنا تمتص الثقافة الأنماط الكبرى للسلطة وتعيد إفرازها وتوزيعها في جوانب ثقافية أخرى (النبوة من الدين إلى السياسة).

المفارقةُ تبرز هنا في وجود أكثر من أفلاطون وأرسطو في الفلسفة الغربية بينما في الفكر الإسلامي ظل الشخصان كما هما، لم يتغيرا بل أُضيفت إليهما مساحيق النبوة وطبقة دلالية سميكة من نبوءات الأخلاق والحكمة. هذا هو الفارق بين الذهنيتين العربية والغربية. بل بإمكاننا العثور عند العرب على الفيلسوفين محنطين كمومياء ثقافية، فلم نبتكر أسئلةً جديدة جدة وجودنا الحضاري، لأننا ما عدنا لنتجاوز مواقفنا بدورها إلاَّ نقلاً أو حفظاً.

وهذا لا يعنى عدم اسهامنا في مسيرة الفكر الفلسفي. فالإسهام واضح ببصمات الفارابي وابن رشد – كما نوّهت- على التراث اليوناني أثناء عبوره إلى الغرب، ولكن هذه جهود فلسفية فردية لم تؤثر في بنية الثقافة الأم. وهنا اتحدث عن طريقة ولادة الأسئلة في الذهنية العربية، كانت ولادة داخل البيئة بإمكانياتها على التفكير التساؤلي واجهاضه كذلك. ولادة قيصرية من حيث أن الأسئلة تتجزأ وتنهضم خلال البنية العامة، تلك التي تتميز بالنزعة التجزيئية كما تقول الشاعرة نازك الملائكة.

يبدو أننا لكي نُطلق عناناً لأسئلة حقيقيةٍ لابد من تجاوز هذا الهضم الثقافي. فكل اسهام فكري لا يحاول تجاوزاً للمواقف المحدودة يظل تجزيئياً، ولا يفعل أكثر من تمتين البنية المهيمنة في كافة الجوانب الحياتية. إن الهضم الثقافي- الذي يشعرنا بالامتلاء والاريحية- هو الصورة المتنكرة في عباءة براقةٍ، غير أنَّها مرقعة بنفس الجوهر. بالمقابل فإن التفلْسف بكونه أسئلةً ماهويةً، يفترض انتهاكاً فكرياً لهذا الوضع( كشفه ونقضه من الجذور). فلم يعد شأنا يخص فرداً أو جماعة أو طائفةً، إنما بنية ثقافية تطال الجميع حتى المثقفين المتنورين وأصحاب الاسهام الفكري.

السؤالُ الفلسفي يحرر العقل من سلطة العقل (التي هي تاريخه الثقيل)، لكونَّه سؤالاً (فيه وله) قبل أنْ يتجاوزه إلى غيره. التحرير شرط للطرح (أي يجب اشتراط فهم التاريخ)، لأنَّه استشكال لوجوده، ومساءلة بقاياه السارية بواسطة مفاهيم نمطيةٍ. من حينه لن يهادن الاستفهامُ موضوعه، ولا يكتفي بهذا الوضع، لكنه لا يدع أساساً دون نسفه من الداخل. فهو كاستفهام ينخرط عاملاً على تحرير دلالة الكلِ، وهو بهذا سيعلِّن عن قلقه بالمثل، فنبرته الميتافيزيقية لن تكون بدون أضرار مثلما يتوقع كانط.

فالعقل الخالص– من رأي كانط- قد يهدم مبادئه بنفسه، إذا طرح السؤال الذي يعجز عن الإجابة عليه. بل تصور الفيلسوف الألماني أنَّه قد يكون سؤالاً واحداً (من بين مجموعة الأسئلة) هو الكفيل بإتمام ذلك. فلو ثبت أنَّ مبدأ العقل الخالص لا يقدر على الإجابة عنه فعلاً، فلا مناصَ من رفض المبدأ ذاته، لكونه سيفشل كما يعتقد في إجابات أخرى حيال بقية الأسئلة بصورة وافية ومتسقه مع الكلِ.

لم ينس كانط تذكيرنا أنَّه مهما بلغت مبادئ النسق العقلي من الكمال، يظل شمول هذا النسق نفسه عرضة لخطر التآكل الاستفهامي. أي يجب ألاَّ تغيب عنه مبادئ مشتقة نتيجة أسئلة مطروحة بعد تبلور الأفكار. فحيث لا يمكن تقديم المبادئ المشتقةَ بصورة قبليةٍ بل يتم اكتشافها بالتدرج، ينفتح النسق على أفاقٍ أخرى. هو لا ينفتح قسراً، إنما من طبيعة ذاته لأنه منطوٍ على إمكانيات نقائضه. أي نسق فكري وأيديولوجي ينطوي علة تلك السمة التي تهدد كيانه قد أن يتساقط بفعل الصراع من الانساق الأخرى وعوامل النقد الخارجي.

التغاضي عن تلك النقطة يؤدي إلى "الفقر الفلسفي"، حالة من الدوار- بحجم الحياة- تؤرجح وجودنا: هذا الارباك العربي الذي نشاهده في الأوضاع الاجتماعية والتنظيم السياسي والمجال الأخلاقي واهتزاز بوصلة القيم. نظراً لغياب الفلسفة عربياً وتضخم المذاهب والأيديولوجيات المتشددة، فالفلسفة سؤالٌ لشيء أعمق من كلِّ الأشياء. شيء لم يعد قادراً على احتواءنا، ومع هذا ينتج كلَّ طاقته لتمرد الوعي، ويفتحُ اهماله ثقباً فيه بحجم ثقب الأوزون الذي يمتص كافة الطاقات، هذا هو مناخ الفكر الذي تساءله الفلسفة جذرياً وتصنع منه أسئلة حيوية لصالح الإنسان. إنسان ربما يخرج يوماً عن "قواقع الأنظمة" اجتماعياً وسياسياً، حيث يعلن عصيانا جذرياً للفكر.

إذا أردنا توضيحاً للموضوع تبعاً للذائقة العربية، فالسؤال المؤثر استشكال خلْقِي بلغة الله الخالق لا بكيانه. لأنَّه كسؤال من جسد الثقافة بحدِّ ذاتها لا يضع هناك مرجعية لاهوتية لما يطرح. فلم يكن الله في القرآن حين عرض قضية أدم على الملائكة طارحاً للكلام بصيغة آمرةٍ وهو القادر عليه، لقد طرحه بمضمون الاستفهام. كان مضموناً استشرافياً باعثاً لدى المتلقي على التوجس والخيفة والترقب. هذا معناه أنَّ كل سؤال به هذا الارهاص الكوني، هذا البعد المستقبلي؛ أي الارهاص البدئي بالأشياء الخطرة.

ليست خطورتها جزئيةً، لكنها خُطورة كلية من نقطة بعيدةٍ تكاد تلامس دلالة الإله وقدراته في الأفق العام. فلم تكن قصة الخلق التي تحدث عنا القرآن (خلق آدم) وضعاً معرفياً وحسب. لأنَّ الله قال لملائكته: "إني أعلم ما لا تعلمون"؛ أي رفع عنهم عبء المعرفة المنجزة بمنطق المستقبل. وجعلهم في حلٍّ من نتائج سقوط توقعاتهم. إذن ليس السؤالُ موقفاً معرفياً فقط. ولهذا هم ردوا بصيغةٍ استفهاميةٍ تصديقاً لكلية السؤال، قالوا "أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"، لقد فهموا الموقف كطرح لمسألةٍ تحتاج إلى بدء حياة مغايرة لمعرفتهم لا مجرد اثبات فكرةٍ مسبقةٍ.

الاستفهام الإشكالي به هذا الطابع الخائض في المستقبل، به ذلك الحدس المتجاوز للظرفي. وكلام الله في القرآن هو طاقة الخلق ليست غير، مثلها مثل فكرة الألوهية في تاريخ الثقافة الإنسانية، إذ تعبر أحياناً عن قدرتنا على ممارسة الحياة. أي طاقة المعنى عند إنسانٍ قادر على الشعور بالله ايمانياً في تجارب مختلفة، إنَّها لغة القيمة الإجمالية لتنوع الأفعال والأشياء. وأيا كان تعيُنها خلال أشكال ومعتقدات أو غيرها، فستظل على وعدها الذي تحمله، كوعد تكويني بالأساس وفوق ذلك يذهب الوعد خارجاً نحو التحقق. سيكون السؤال علي أثرها عملاً مهموماً بإعادة تأسيس نفسه وتدعيم طاقته بذات المعنى. ليس الله هو الشكل ولن يكون اتجاهاً، ولهذا نفته الأديانُ الابراهيمية في جوهرها، فكان بدلالةِ العرفان هو اللا حدود.

ولو دققنا النظر، لوجدنا في حركة السؤال (أي سؤال فلسفي) معنى متفجراً، قدرةً على التأويل المبتكر والفهم المفتوح المترتبين عليه وأحياناً المصاحبين له. إنَّه يؤكد حالة الحيرة التي تكتنف فكرة الكشف والتجلي وبدلاً من التّعيُّن في نقطة ما ينطلق الاستفهام بالرغبة التي تلاحق مجهولاً محتملاً. السؤال يتخطى إمكانية طرحة، مهارته الذاتية أبعد من مجرد الصياغة والتفكير في حدوده، وقد يتعاونان على خلق طريقة في التفلسف.

إنَّ أصالةَ الأسئلة ليست عتاداً في مواجهة التراث وصورته المكتملة ماضياً. هي تحمل بكارة الفكرة، وطرح الاختلاف- لو اتيح - وسط استحكام العقل، فليس هنالك أكثر من البحث عن الحياة المتغيرة. إنَّ نهراً كلياً في هديره هو الحياة إذ نحن مغمورون فيها، أحداثها واعدة بالجديد، وأفعالها غير متوقعه، مخلوقاتها مذهلة تظهر أحياناً وأخرى تختفي. إنَّها استحالة التصور لما يُطْرح من أساسه. تماماً مثلماً كان رد الملائكة على الله هاجساً حياتياً عاماً (أتجعلُ فيها من يُفسِد فيها ويُسفك الدماءَ ونحن نسبحُ بحمدك ونقدسُ لك)، ردٌّ كَشفَ خطورة الحياة في المخلوق (آدم) الآتي من القادم لا من الماضي، فكانوا يتكلمون بعبارات المستقبل.

السؤالُ إذن: هو أنْ تعيش حياة الفكر بشكلٍ أكثر أصالةً، بشكل أكثر جذريةً كما هي، لا كما يُراد لها بالإنابة، فلا أحد يعيش مكانك أو يأخذ قدّرك، وتاريخنا العربي تقريباً جرى "بالإنابة عن لا بالأصالة في". إذا كانت  الفرق الإسلامية(كالمعتزلة والأشاعرة ) قد طرحوا مشكلة حرية الإرادة على نحو تفصيلي، فالتراث العربي، بخاصة السياسي والاجتماعي، أثبت العكس، تراث الاستعباد تحت الحاكم المستبد والأنظمة القمعية، فأكد عملياً قيام الإنسان بدور المُكْرّه لا الفاعل.

بالفعل كان إثباتاً لخطأ الطرح الكلامي (أو لمكره الثقافي)، حيث جاء توظيفاً سياسياً وثقافياً للإرادة الإنسانية، فحياة الناس سارت بأدوار وظيفية تحركها السياسة والتقاليد لا بدوافع ناشطةٍ ذاتياً وروحياً. وهذا كان منبتُه أنَّ المعتزلة والأشاعرة انطلقا (بحسن النية) من تبرئة الإرادة الإلهية إزاء الشرور وأفعال السوء، فكانت إرادة الحاكم هي المبرأة رغم تورطها في استعباد الإنسان. وهنا تم خلع صفات الجلالة والقداسة والصفات الالهية على الحكام رسمياً ودينياً. وأصبح الفقهاء الذين برأوا ساحة الله من التعطيل والتجسيم والتشبيه قد تورطوا في تجسيم رجال السلطة وتشبيه أفعالهم عياناً بياناً، وضعوا نوعاً من الوثنية المقلوبة من حيث لا يعلمون.

إنَّ آليات السياسة هي تفريغ آدم الكوني من أهميته، تلويثه سياسياً بالعبودية والخنوع والتدجين والمسخ. حياة المجتمعات العربية إفشال صريح لمشروع آدم، وتصفية لقضية الجعل الإلهي للإنسان جعلاً حُراً بخَلْق إلهي. وعندما يُوصف المشروع بالمهم، تأتي الأهمية من خطورة ماهيته الإنسانية. فهو كائن بصلاحية الإله (خليفة بلفظة القرآن)، لكن بقدرات بشريةٍ جاء العربُ ليتنازلوا عنها للسلاطين والملوك والطوائف الاجتماعية والتقاليد. أي تنازلوا (عن الله) فيهم بشكل حر لصالح عبوديتهم لغيره الأكثر عنفاً. وليس تُستثنى من ذلك جماعة أو طائفة، ولذلك فإن هؤلاء الدُعاة الذين يتكلمون باسم الله، قد أسسوا لاهوت السلطة وعلاقات الراعي والرعية وهيكل الكهانة ولوثة الوسيط العنيف وانحرافه.

ومن ثمّ، فحدودُ الوعي بالسؤال ليس تلقيناً لمواقف مستهلكة ولا تلقيماً لأفكار بائدة. إنَّه انفتاح بإمكانيات الماهية المتجددة، التي ليست نحن حصراً بقدر ما نبتكر وجودنا ابداعياً. فالإنسان من حيث هو كذلك يستعيد وجودّه من الضياع حين ينطلق مع التفكير الحر. قد يخشى العواقب، لكن من العواصف تُخلق الأجواء الحرة، ومن الأنواء الهادرة تعبر السماء عن تشكيل العالم. المعنى الدال في هذا أنَّ كلمة السماء في العربية لا تدل على التعالي المناوئ لأي سقف، لكنها تُستعمل فعلاً بمعنى السطح القريب. بلاغة الأسطح الدنيا في السياسة والاجتماع والمعرفة هي سماء العقل العربي حتى الاختناق. فكل ما يعلو الرأس يسمى في العربية سماءً، وهذا مصدر القيود واستعصاء اختراقها. لهذا لا يستطيع المفكرُ العربي تجاوزها، بل يضعها لنفسه ويسلسل بها أرجله ويعلن زيفاً أنّه طليق حر!! وأخطر أنواع القيود تلك التي تترسخ داخل اللاوعي نتيجة الخوف من ملاحقة التقاليد أو السلطة أن الهواجس الاجتماعية.

باصطلاح هيدجر تعدُّ ماهية الأساس لدينا تسطيحاً للمبادئ إلى درجة التعميم الانفعالي. فلئن كانت الفلسفة تعلمنا التفكير بالمفاهيم، فنتيجة غيابها المأساوي في مجتمعاتنا العربية، يصبح التفكير مجرد انفعالات لا رابط بينها. ولذلك لن تكون ثمة قيمة للفكر لكونه غير مؤثر وهو انطباع عام لا يلوي على قدرة عقلية تحقق نفسها أو تسعى إلى ذلك. ثم إنَّ الواقع يُعلن منذ بالبدء كما تقول الأم في الثقافة العربية داعيةً لابنها (اللهم يكفيك شرَ الفكر يا بني). إذن الفكر في الوعي الشائع مرض عضال وشر نفسي يجب اللجوء إلى الله لإزاحته دون طريق من نحب وهو مجال علة لا مجال صحة.

والأم هنا هي الثقافة التي تردد ما تضمر وتكشف نفسها في المواقف الحرجة باسم فلان أو علان (الأب أو الأم). وربما أنَّ كون الفكر شراً هو أبلغ ما يُوضع تحت الاستفهام، لأن الأنظمة السياسية استغلت الدعاء بزوال الفكر عن الناس لتتلقفهم، حيث فكرت بدلاً عنهم، وحلت المشكلات عوضاً عن وجودهم وبالنهاية أصبح لا وجود لهؤلاء الفارين من الفكر حتى فروا من الحياة ذاتها. فجاء المواطنون في دولنا العربية كـ" العصف المأكول"، لا قيمة لهم ولا أهمية، إنه سقف الأفكار المعلقة في مناخ قريب من الحس اليومي، حس هو "ضعف العمران والعصبية والتوحش" بلغة ابن خلدون، لغة شارحة وكاشفة تاريخياً للأحداث والتحولات العربية حتى هذه اللحظة من عصرنا.

 

سامي عبد العال

 

 

سامي عبد العال"ما قدْ تراه هنالك، ليس إلاَّ أصدافاً على شاطئ بحرٍ لا حدود له.."

"دوماً الأسئلة لا تهدأ.. ولن تتوقف عن اثارة  المجهول.."

رُبَّ سؤالٍ يزعجُ معرفتنا الغارقةَ في سُباتِّها حتى الإيقاظ. عندئذ لن يكون النوم حالماً، إنما أرق بملء العيون، ملء العالم والتاريخ والزمن. نوم هو اليقظة، حيث لا يستغرق النائمُ بعضاً من شعيراتَ جفونه، النوم اليقظ الذي يتقلب مع الأفكار يساراً ويميناً، أعلى وأسفل. إذن على الفكر أنْ يسهر فلسفياً، السَهر الفلسفي هو انعدام الغفلة، الجلَّد ومغالبة النعاس والفتور العقلي، هو درجة قصوى من الكشف النهاري إزاء كلِّ ليلٍ محتملٍ. كانت هذه الدرجة أحدَ أشكال الوعي بالأسئلة وشقاء العقل، لقد ظل ديوجين اللائرثي في اليونان القديم يبحث عن الحقيقةِ حاملاً مصباحه في وضح النهار!! على حد قولِ المتنبي:

 ذُو العقلِ يشْقى في النعيمِ بعقلِّه     وأخُو الجهالّةِ في الشقاوة ينعمُ.

بكلمات أخرى، يقظة الفكر هي ملء الليل (ليل الحياة والثقافة والروح واللغة) بالنهار. والنهار كلمة عامةٌ تأتي إلى عيون النائم وهو في أعماقه، كأنَّك تغمض على ضوءٍ ولا يبارحُك. النوم والموت خاصان بالإنسان، في أعماق نومك وموتك لا ينام معك أحد ولن يموت معك كذلك. فأنت النائم متوحداً مع كيانك لا يدخل إليك شيءٌ. وحين يسهر الفكر، فأنت من يشعل شيئاً من نهارٍ، بأي عنوان كان سيأتيك. علي الفكر أن يسهر حتى الفجر، ضمن هذا المعنى قد يصبح الفجر في أي وقت وبأي عيون.

ففي تاريخ الفلسفة، بدا إيمانويل كانط مثالاً لنائم أيقظه ديفيد هيوم من رقادٍ عميقٍ. وباعتراف كانط نفسه، لم يكُّن إلاَّ كائناً هائماً على وجههِ، وأخذَ يتحيّن الفرصة لقرع طبول الأسئلة. كانت أسئلة هيوم جامحةً وجذريةً حول المعرفة وعجز العقل عن تجاوز حدود الأشياء. لعل أزيزها المدوي كصدى الرصاص طال جوانبَ الفكر: مفهوماً وإدراكاً ومنهجاً. وقد جاءت مرحلةُ كانط " نقد العقل الخالص"Critique of pure reason بمثابة الصدى المباشر لهذه اليقظة المفاجئة.

كانت دلالة قرع الطبول– في الحياة البدائية- إعلاناً عن حادث كوني، حضور آلهة، طقوس، موت، ميلاد حياة، حروب. هي تناشد مجهولاً ما، تأخذ بلياقة التعامل معه وتتحين الوقت لمعرفته، وفي الأغلب كانت تحاول بالأصوات ترويضه وجعله مألوفاً. وإلى وقت قريبٍ في الثقافة الشعبية لمجتمعات شرقية (عربية)، استُعملت الطبول بهذا الإيقاع الحياتي – الكوني. كانت أصواتها تحذر من قدوم شيء مجهولٍ ليس لنا احتماله دون اليقظة أو إقامة شعائر الاحتفاء بمصير ما حياةً أو غسقاً. مثل ضرب الطبول لخسوف القمر أو لغياب بعض النجوم اعتقاداً بأنَّ كائنات شريرة تحجب رؤيتها( فقد كان يُقال القمر مخنوق). وأنَّ صوت الطبول سيجعل الكائنات تتراجع عما تفعل وتهرع من حيث أتت!! وكأننا مسؤولون عن رعاية الأشياء والعالم( عبارة هيدجر: الكائن الإنساني أو الدازاينDasein هو راعي الوجود).

الفلسفة تاريخياً أحد دروب اليقظة التي تستدرك نيام البشر. كأن انغام رباعيات عمر الخيام تتهادي بصوم ام كلثوم لإيقاظ الناس للاغتراف من معين الحياة: "سمعتُ صوتاً هاتفاً في السحَـرِ نادّىَ مـن الغيب غُفاةَ البشـرِ، هِبُوا املأوا كأس المُنى، قبلَ أنْ تملأ كأسُ العمــــــر كفُ القدر". إنَّ الفلسفة كمغامرة عقلية قصوى تستوجب انتباهاً ينزع النعاس عن الجفون، وأنْ يكون الانكباب عليها كحال المنكب على كأس المُنى، كأس العمل، كأس الطموح، كأس الفكر، كأس الحب. الفلسفة هي فن العيش بعدما كانت تمريناً أفلاطونياً على الموت. والاثنان: الحياة والموت يتبادلان الدلالة الإنسانية، فمن يبلغ موته بأريحيةٍ صانعاً مصيره الخاص، هو من يمكنه الحياة بملء الكلمة (الموت اختيار وصناعة كما الحياة).

في الثقافة اليونانية أيضاً، كان سقراط يسمى "ذباب الخيل "Tabanidae ، ذباب يجعل الخيول مستنفرةً وكثيرة الاهتزاز والصهيل. الأسئلة السقراطية كانت تنقر الوعي (مثل دجاجة تنقر الحبوب)، ليعرف ما يُحاك له، وما ينزلق إليه، وهي عمل أصبح ضرورياً بهذا المسمى في المجتمعات المعاصرة. فالوعي الغُفْل قد ينعدم يوماً ما لم تُثِرْهُ أسئلةٌ حقيقيةٌ، تصقل أدواته وتدفعه للانتباه، لأن السؤال استدعاء لحركة المستحيل ولو كان نائياً، أمَّا العجز فمن صفات الاستكانة إلى ما هو جاهز ومتاح.

الاستيقاظ أحد وجُوه الوعي الفلسفي الذي يلاحق الإنسان بضرباته. لكن طبيعياً أنْ نلتمس التوضيح: استيقاظ من ماذا وإلى أي مدى سيكون؟! هل يغيب وعي الفيلسوف أم تُوجد جوانب أخرى للمسألة؟ الأمر يضمرُ كون النوُم الفلسفي غفلةً فكريةً تلفُ العقل. وإذا كان ذلك شأن غطيط الأفراد، فما بالنا بمناخٍ ثقافيٍّ يدعو للنوم وسط قارعة النهار ووسط يقظة العالم المتطور والحي. المعنى اللطيف أنَّ الأسئلة الفلسفية اشبه بأصوات كانت تعلن النفير العام، لكنها تقدح زناد الفكر والترقب للمستقبل. ومن حينه كان العقل يتأهب لأخذ مواقع جديدة وابداع رؤى مغايرة. ولن يكون الأمر إلاَّ مرتهناً بأرق فلسفيٍ يؤكد أصالةَ التساؤل وأصالة الاستجابة الفلسفية له.

المهمة جد خطيرة للفيلسوف: أنْ يبتكر الآفاق العقلية المناسبةَ لإيقاظ المجتمعات من غفوتها وسقوطها. فالحياة اليومية أشبه بغطاء كثيفٍ حدَّ الموت لأُناس نيام على قارعة التاريخ، هم يحتاجون تدريجياً من يمزق الأحجبة ويجعل ضوء النهار نافذاً إلى عيونهم ووعيهم وأسماعهم. تبدو معاني هذا الفعل التاريخي عالقةً بالتفلسف كفنٍّ لكشف طبائع الحياة والثقافة. سيكون مرتبطاً بالنور والانكشاف والتجلي والتمزق والتفتق. إنَّ عملية تحرير الأسئلة من أغلال الصمت جزءٌ لا يتجزأ من هذه الدوائر. في تاريخ الفلسفة، لم يكن ذلك مجرد معرفة، لكنه فهم لعمل الفكر إزاء قضايا المصير والحقيقة والعيش.

هكذا كانت أسئلةُ ديفيد هيوم بالنسبة لكانط وخزات للتعرف على العالمِ والأشياءِ. لقد أكد هيوم، من نقده للفلسفات العقلية، أنَّ أفكارنا مستمَدة من الخبرة التي يحتويها العقل لا من العقل نفسه. والعالم ليس وليد أوهام خاوية، لكنه نتاج النشاط والفعل. الأمر الذي  أوعز إلى كانط بخلع سباته الدجمائي. ولا يخفى كون الدجما الفكرية كآراء جاهزة التكوين قد تلقي على أصحابها رُقاداً أبدياً ما لم يسمعوا قرع طبول الاستفهام.

في كتابه نقد العقل الخالص يبرز كانط أنَّ موضوعات "المعرفة" الممكنة هي "الظواهر"، أي موضوعات العالم الفيزيائي القابل للرصد تجريبيّاً. وقد انتقد، بالوقت ذاته، الرؤية التجريبية عند لوك وهيوم، طالما جعلت الانطباعات الحسِّية وحدها أساساً للمعرفة. والرأي عند كانط أنَّ "الأفكار من دون محتويات فارغة، والحدوس (جمع حدس) من دون المفهومات عمياء"، آخذا من أرسطو عبارة " المقولات الأساسية "، على أنها مصدر كلِّ مفاهيم الفهم، بوصفها مفاهيم قَبْلية، لا تصبح التجربة ممكنة إلاَّ من خلالها، وهي ترتبط بالضرورة وبالتجربة معاً.

وقد اعتبر كانط مقاربته للمعرفة " ثورة كوبرنيكيةً "Copernican revolution، على غرار نفي كوبرنيكوس لدوران الشمس والنجوم حول الأرض، مفترضاً أنَّ الأرض هي الدائرة  حولها لا العكس. ولقد سبقه ديفيد هيوم إلى هذا، حين حلَّل دلالة "العلاقة العلية" بين الظواهر والأحداث، من حيث لا وجود لضرورة عليةٍ حقيقيةٍ في العالم، لكن الشعور بالضرورة لا ينشأ إلاَّ من مسلمات الذهن البشري.

وتباعاً اعتقد كانط أنّ التجربةَ كفيلةٌ بحل مسألتين بدا اعتقادُه فيهما خاطئاً. مسألة: النقائض (المفارقات)، ثم مسألة: الأصل في كل فكرة كليةٍ وكل ضرورة معرفيةٍ. في هذا الشأن استيقظ فيلسوفُ النقد- بمطرقة هيوم ثانيةً- مفرِّقاً بين مادة التفكير وصورته؛ أي التمييز بين صورة الذهن verstand وصورة العقل vernunft. الصورة الأولى كالمكان والزمان بينما الصورة الثانية مثل العلة والجوهر والممكن والضروري.

لتؤكد تفرقة كانط أنَّ الذهنَ ملكة لإنتاج تمثُلات حصولاً على المعرفة، هو ملكة التفكير في الموضوع الحسي بمساعدة مقولاتٍ وأحكامٍ. أمَّا العقل، فملكة الصور اللا مشروطة، وغير المقيدة زماناً ولا مكاناً.  يتجه أولاهما إلى الجزئي، بينما يتجه ثانيهما إلى كلِّ التجربة وإلى المطلق فيها. وقد أحدثت تلك التفرقة تحولاً جذرياً نحو  طبيعة المرحلة النقدية في فلسفة كانط بمجمل زخمها.

كانت المحصلةُ أسئلةً كانطيةً أكثر جذرية: ماذا يمكننا أنْ نعْرف؟ ما الواجب علينا فعْله؟ وبماذا يمكننا عقلانياً أنْ نتفاءل؟

حيث اخفقت كلُّ إجابةٍ لا تواكب القدرةً على تجاوز المواقف الجزئية، وحيث طافت الأسئلةُ كافةَ مجالات المعرفة بحثاً عن الشيء المختلف. إنَّها كانطياً مشروطةٌ بالإطاحة بأي تأسيس لاحق على التفكير الاستفهامي. فينشأ التفكير في نقد منطلقاته، إنْ لم يهدمها مغايراً أية رؤية يتحدَّد فيها. هكذا غدت الأسئلةُ تمارين على السهر الكانطي داخل فضاءٍ يتسعُ كلما اقتربنا منه. الاسئلة تعلمنا فناً للسُهاد عبر اركان المعنى النائية نأي المجهول. وبالإمكان لو أثرنا أسئلةً دون قيودٍ إزاء الواقع المعيش، لكان التفكيرُ أكثر عُمقاً. فالسؤال ينبعُ من حرية أصيلةٍ للعقل خارج القوالب الجاهزةِ، ناهيك عن احساسه بالمشكلات بصورة مبتكرةٍ. وليس ذلك إلاَّ ليكمل "أرقاً فلسفياً" يشمل كيان الانسان.

يقول الميتافيزيقي المتشرد اميل سيوران: " هناك نوعان من العقل: أحدهما نهاري والآخر ليلي، لا يتشابهان في النوعية ولا في الجوانب الأخلاقية. تراقب نفسك في وضح النهار وتجود بما لديك ليلاً. النجاعة أو العواقب الفظة تهم قليلاً الرجل الذي يُسائل نفسه عندما يكون الآخرون فريسة للنوم، وعليه فهو يتأمل بناءً على الحظ السيئ لكونه قد وُلد، دون مبالاةٍ بأي أذى قد يسببه للآخرين أو لنفسه. بعد منتصف الليل يبدأ سُكْر الحقائق المدمرة ."

ما من فلسفة جد مثيرةٍ إلاَّ وتتوافر على مخزونٍ خصيبٍ من الأرق الفكري الذي لن يُحسم بسهولة، لأنه دائم التساؤل. فأي فلسفة تبحث عن تدمير قيود ما، قد يراها الفيلسوف أو المتصوف أو الشاعر بدقةٍ دون أنْ يراها الآخرون. كما يوضح جلال الدين الرومي أنَّ القيد قد يكون صورة هي المسخ للحقيقة، يقول: "إنك قدْ رأيتَ الصورةَ، ولكنك غفلت عن المعنى". لأن الصور هي الحجم النسبي الذي يحول دون الكل الأبعد ورائه. الصورة قيد يختزل الوعي ويحبس الخيال، لكونها تجلُّطاً للمعنى في هيئةٍ بعينها، حجاب عرضي يواري ما هو غير قابل للاختزال بلغة الفلسفة.

والمعنى المتفلت من القيود يبرز وجهين: ما هي القيود المفروضة عليه وما هي طبيعة الصوة التي تأخذ مكانه؟! يؤكد الرومي: " ولكن ما الصورةُ إذا جَاءَ المعْنى"، أي أنَّ المعنى قدرةٌ مفتوحة للخروج من الاغلال وكسرها بلا رجعةٍ، إنها مهمة التفلسف أيضاً ناهيك عن التصوف، فالإنسان العادي يرى الصورة، يحن إلى القيد، يتمنى الارتباط به، ولذلك هو دوماً يتجمل للصور واقفاً بالقلب منها، بينما أهل الفلسفة يتعلقون بالمعاني، تلك المتناثرة والهائمة خارج الصورة.

الصورة -كما يقول الرومي- هي غفلة المعنى، نوم المعنى على طريقة نوم كانط، والإيقاظ هنا هو لا عودة إلى الإطار المحدود من معانينا، بل إلى فضاء الكل اللامتناهي. وعبارة الرومي الدالة تقول: " يسمعُ الطائرُ صوتَ أبناءِ جنسهِ، فيّجيءُ من الهواءِ فيجدُ الشبكّةَ والسِكِّيْن". تلك النهاية الفارقة في الوقوع بالفخ: أنْ يكون فريسةً غير مأسوف عليها. وإذا كان الإنسان يلجأ إلى الاحتماء بالآخرين، فذلك ضياع الهواء الطلق (الحرية – المعنى– العشق). جميعناً يرى في القيود أمناً يريح هواجسه، لكن الثمن أنها افقدته أهم ميزة في الحياة، التحليق خارج الأنظمة وبعيداً عن الأسوار.

- القيود التي قد نعيها هي تكوين الفكر بحسب الثوابت والحنين إليها.

-  في وجود الآخرين، تكون الشِبَاك والسكين منصوبين للإيقاع بالحرية.

- الهواء الطلق هو الخيال الرحب الذي لا يبارح الإبداع والانطلاق.

- الأسئلة النافذة أحد أدوات تمزيق شباك الصياد الأيديولوجي أو المعرفي.

- لتكن الأفكار بكلمات الرومي خارج الأقانيم، خارج الأشكال، خارج الصور.

- التحرر لا يأتي لطائر في الهواء وإلاَّ ما الفائدة، فهو بالهواء الطلق تلقائياً، لكنه تحرر مهم لمن هم في الشباك ولا يعلمون.

هذا يعني أن ثمة بحثاً فلسفياً في القيدِ الفكري ذاته قبل تحطيمه. وهذا يفسر: لماذا يشعر الإنسانُ بقيوده بخلاف الكائنات الأخرى؟ كيف تتعلق القيود بنا نحن البشر؟ وما هي أبعادها؟ فلو اردنا تعريفاً بسيطا للإنسان، فهو الكائن الشاعر بالقيود دون سواه والذي يريد التملص منها ولو أدمتْ كيانَّه، قيود سيكولوجية وقيود كونية وقيود معرفية وقيود فكرية وأخرى سياسية ... وسيعني التعريف أيضاً وجودَ القيد بالنسبة للأسئلة بما هي طرح اشكالي. فلا استفهام دون طرحٍ لمحددات الفكر تحت نشاطه المتجاوز. أسئلة التفلسفِ أكثر جذريةً من غيرها، بل لها طابع كلي وتُرْهص بتكوين أفق عامٍ لمجالاتٍ عديدة. فالعلم لا يسائل القواعد القائم عليها. كلُّ علم هو طريق لطرح مشكلة جزئية والاستجابة لها بمزيدٍ من الأسئلةِ.

أمَّا الفلسفةُ، فتعمد إلى النبش الجذري في الأسس، تأسيس الأسس ذاتها. هي اشكالية حول (وداخل) المشكلات لا مجرد ايجاد حلول لها. لهذا هي تحتاج الحرية في طرح استفهامات توازي عمق التأسيس ومساحته. الفلسفة تعمل على أصول الرؤى وأنماطها الأولية (الروح-العقل– العالم – الكون...). إن أصالةَ السؤال في هذا الحال أكثر أهمية من الاجابة، لأنَّه يستطيع تغيير نمط التفكير. لن يكون السؤال ترفاً، لكنه ذروة الكدِّ العقلي، هذه الجدية المفرطة التي تذهب إلى أفقٍ غير مطروقٍ.

لعلَّنا نكُّف عن النظر إلى الأشياء بمجرد الأداءِ المعرفي الجزئي. لأنَّه أداءٌ لا يُعلن جديداً إلاَّ تعلُقاً بقديمٍ ما. وهو بذاته تمثيل لمنظومةٍ مستعارةٍ تستهلك فاعليتها (وفاعليتنا بالمثل) حين تُطرّح. فبالإمكان ارتداء باروكة من الشعْر دون انهاء حقيقيٍ لحالة الصلع. ونحن في حياتنا الفكرية العربية نَقلّةٌ أُمناء لمضامين فكرية ليست لنا، حتى ولو كان أسلافُنا التراثيون هم صانعيها، فما بالنا بنفس النقلِ الفلسفي من المختلف ثقافةً وفكراً. فالحرف المُقلَّد واحد، سواء أكتبه قدماءٌ هم جسدنا التراثي أم معاصرون أمامنا على ضفاف غربيةٍ!!

هل سنظل نطابق بُعداً معرفياً لحياتنا مع حيوات الآخرين؟ حياة ليست لنا وفوق ذلك نتقمصها كما لو كانت نحن. أين اسئلتنا الوجودية والثقافية المعبرةِ عن أعماقنا وموقفنا تجاه قضايا الحياة والإنسان والتاريخ والكون؟ كيف نكَّون سؤالاً راهناً في حياتنا الفكرية؟ وماذا يعني كونَّ السؤال اشكالياً لماهية أي تفكير من هذا الصنف؟

 

سامي عبد العال

 

 

جعفر نجم نصرمحاولة لكشف المفكرين المزيفين في العراق

(يوجد في هذا العالم معلمون مزيفون أكثر عدداً من النجوم في هذا الكون. فلا تخلط بين الأشخاص الأنانيين الذين يعملون بدافع السلطة وبين المعلمين الحقيقيين).

شمس الدين التبريزي


ان ادعياء العلم لم يكونوا وليدي اللحظة الراهنة، إذ شهد العالم ومنذ قرون الكثير منهم، والذي نجحوا في استجلاب الجماهير لساحتهم وسماع مقولاتهم المزيفة/ المخادعة، بل وتأييدها أو لنقل تقليدها حرفياً، ولعل محاولات التصدي لهم انطلقت بعدة وسائل وآليات عمل وبحسب خصوصية العصر وسماته وتقنياته.

ونحن إذ نحاول وضع معالم أو لبنات للتصدي لهؤلاء الذين ينفقون ليل – نهار عبر عدة وسائل- مستغلين كل قنوات المعرفة لترويج أطروحاتهم ومقولاتهم لأجل التسيّد على المجتمع والبرهنة على أنهم الاعلم، فأننا نبدأ بسؤال أولي: هل يوجد مفكر ما صديق للجميع؟ لعل هذا سؤال ضروري لأجل فتح آفاق واسعة لأجل الفهم فيما بعد أحدى أساليب أو حيل أدعياء العلم. وقبل الاجابة عن السؤال اعلاه، نذهب نحو تساؤلات محورية كمقدمة للأجابة عن السؤال آنف الذكر، وهي:

متى يمكن ان يعد كاتباً ما أو مثقفاً ما بوصفه مفكراً؟ أو متى يمكن ان نطلق عليه صفة أو سمة [المفكر]؟، أعتقد ان لذلك شروطاً عدة ينبغي الالتفات لها وهي:

أولاً: ينبغي ان يقدم مشروعاً فكرياً ذا سمات تنويرية – تجديدية - واقعية، وان لا يكون مقلداً لاتجاه أو تيار اصلاحي ما، يستنسخ مقولاته أو اطروحاته عبر استخدام لغة أدبية – فضفاضة (تلوي عنق الكلمات)؟!.

ثانياً: أن يكون له منهج واضح في التعامل مع القضايا أو المسائل التي يوجه لها سهام النقد أو التجديد أو التحديث، وأما ان يكون طرحهُ عاماً غير مستند إلى موجهات أو تأطيرات منهجية، فهو يعد بذلك مثقفاً استعراضياً، يلوك المصطلحات الفلسفية لا أكثر ولا أقل، وحينها لا يعد علمياً أو صاحب اتجاه نقدي (متميز)، ما دام قد افتقرت اطروحاته للمنهج العلمي.

ثالثاً: ينبغي ان يقدم بديلاً معرفياً –عن كل الاطروحات أو المقولات التي قال بها غيره من اصحاب المشاريع/ النقدية المعرفية، وإلا أن عملية تكرارها عبر الاستعراض يُعد هدراً أو لغواً لا قيمة له.

رابعاً: أن تكون اطروحاته أو مقولاته النقدية تستهدف قضايا محددة، أو جوانب واضحة المعالم، بدل ان يكون طرحه ضبابي/ مصلحي لا يقوم على تشخيص حقيقي، بل مجرد استعرض مقولات عامة لا تخاطب (السلطة الدينية/ السلطة السياسية/ الشريعة ونصوصها/ المجتمع وظواهره/ الغرب واتجاهاته (بلغة نقدية)، أي ان لا تكو أعماله مجرد حشو لا طائل منه عبر لغة معبأة بالمصطلحات أو العبارات الملتوية، كيما يضحك بها على الافراد البسطاء أو على بعض المثقفين/ الاستعراضيين القشريين الذين يملؤون صفحات [الفيس بوك].

أي ينبغي ان يكون المفكر قدم اطروحات مست مصالح أو قضايا أو اتجاهات حيوية داخل المجتمع العراقي، فإنه اذا لم يُغضب على سبيل المثال:

أولاً: السلطة السياسية: فهذا لأنه غير عابئ بفسادها وقصورها العام، بل هو جزء من منظومة الفساد والمروج لها عبر صمته عنها ضمنياً، بل لربما مستفيد منها.

ثانياً: السلطة الدينية (الفقهاء): اذا كان هو صاحب مشروع تنويري، اصلاحي فهو بالضرورة يؤمن بالفردانية وبعدم الوصاية على الفرد، اي لا يؤمن بالبطريركية الدينية التي تدعي الوصاية على المجتمع، وهذه أولى أو جوهر مركزية [النقد الديني] أو الاصلاحي التنويري، ان كان يدعي ذلك، وهو ان لم نتلمسه في عمل أحدهم، فهو أذن حليف هؤلاء وأبنهم البار الذاب عن حرمهم، والا لو كان لديه مقولات أو اطروحات نقدية/ أو تنويرية لمسهم في كتاباته وأذن لغدا ألد أعدائهم ومن خصومهم.

ثالثاً: فئات المجتمع العراقي: هنالك ظواهر أو قضايا اجتماعية عديدة تتطلب عملية نقدها أو اصلاحها تطال بنى اجتماعية عدة من ضمنها القبيلة والقبائلية، التدين الشعبي أو الطقوسيات الشعبية المعطلة للوعي وللأنتاج في الوقت نفسه، وغيرها الكثير من الظواهر التي ترتبط بالبُعد الديني ان كان يدعي معالجتها بأعماله، فإذا كان المجتمع يستقبل اطروحاته برحابة صدر بغير عداء، فهذا يعني انه كان يغازل مجتمع الفئات بأعماله ومن ثم فهو ليس بمصلح أو ناقد أو تنويري، لأن المجتمع لم يغضب على أعماله.

لعل معترض يقول: الكاتب الناجح هو من يداري مشاعر قرّائه ومن ثم لا يستجلب العداء منهم؟ ولماذا العداء اذا كان يكتب بلغة علمية (بحسب إدعاء البعض)؟.

لعل الجواب عن ذلك هو: ان أي عملية تشريح نقدي للنصوص الدينية أو للظواهر الاجتماعية أو للسلطات الدينية أو السياسية تستوجب وضع القراءة التصحيحية بوضع البديل الممثل بأطروحات أو مقولات النقد، بعبارة أخرى ان اي متصدي لعمليات النقد أو المراجعة داخل المجتمع يستوجب منه تحديد الجوانب السلبية التي تطال هذهِ القضايا التي يتصدى لها، فأن راجع النصوص الدينية على سبيل المثال: يتطلب منهُ نقد القراءة الرسمية لها بوضع بديل لها، يكشف من خلاله كيف ان الاجيال أو ابناء المجتمع عاشوا في غيبوبة دينية عن أدراك المعاني المغايرة لما اعتنقوه أو آمنوا به طوال قرون، فأنه ان قام بذلك يجعل من سدنة الدين التقليديين (الفقهاء) وجماهيرها المعطلة ذهنياً بمثابة أعداء شئنا ذلك أم أبينا، ولكن ان كان يقوم بقراءة مدلسة لتلك النصوص أو يقدم مشروعاً نقدياً/ استعراضياً لأجل عدم المساس بمصالحه وبمقامه الاجتماعي والثقافي، فأنه سيكون معصوماً من الناس، وسيغض الطرف عنه إلى أن يموت وهنا يشيع بوصفه المفكر الاسلامي الاكبر الذي كان حامي حمى العقيدة حياً وميتاً؟.

من الامور التي يمارسها هؤلاء الذين يدعون أنهم مفكرون اصلاحيون/ تنويريون، هي استخدام لغة فضفاضة لا يمكن لأحد ان يمسك من خلالها على عبارة تمس (الدوائر القدسية) ان كانت نصوصاً أو اشخاص أو مؤسسات، أي انهم يقومون بعملية التعمية الفكرية على الجماهير التي غدت تنتظر المنشورات (الفيسبوكية) أكثر مما تقرأ، بل نعيش الان أجيال من المثقفين يعتاشون على الغير ومناقشة منشوراته اكثر ممن يناقشون الكتب والاعمال العلمية.

ولكن للأمر السابق بقية خطيرة: الا وهي ان هؤلاء المفكرين/ المصلحين الذين يدعون انهم اصحاب مشروع محاطين بمجموعة من اشباه المثقفين والاكاديميين والمعممين الحوزويين الذين يشتركون معهم على ذات المصلحة، لاسيما وان هذا المفكر الذي لم يغضب (نملة) في كثير من الاحيان يتولى منصب كبير ومقرب من رموز دينية وسياسية ومجتمعية كثيرة، وهنا يظهر مشهد الاجتماع على (القصعة الواحدة الدسمة والوقوف على التل أسلم).

أن عملية التوعية بمخاطر هؤلاء والمتحالفين معهم أراه واجب أخلاقي لأجل اسقاط رمزيتهم المصطنعة والمختلقة والكشف عن نواياهم المريضة في الصعود عبر سلم المعرفة لأجل نيل التبجيل والاحترام بل وحتى التقديس.

ولعل الطامة الكبرى الان في المجتمع العراقي ان كل شيء مزيف، فقهاء لا يمارسون ادوارهم بردع الفساد بل يشتركون فيه، جامعيون لا هم لهم سوى قبض المعاش واستعراض أربطة عنقهم واعمالهم المسروقة، زعماء سياسيون أكلوا الجبل وشربوا دجلة بفسادهم هم وقطعانهم البشرية الخاضعة،.. الخ. من مظاهر التزييف مستمرة، ولكن أخطرها ان يكون مفكراً/ نقدياً هو غطاء لهم وحليفهم جميعاً (صديق الكل)، وهل يمكن للناطق بالحق ان يكون صديق الجميع؟!.

 

جعفر نجم نصر

 

بشار الزبيدييقول سارتر: "المُثقف هو من يهتم بأمور لا تعنيه إطلاقًأ"

ترجمة: بشار الزبيدي

يُفرق سارتر بين "تقنيي المعرفة العملية" وبين"المثقفين العضويين". فمن ناحية يرى أن المثقفين ينحدرون من الصنف الذي يُطلق عليه تسمية "العضويون" لأنهم تكونوا تقريبًا بشكل طبيعي، ونشأوا في الطبقة البرجوازية الطموحة. حيث أنتجت الرأسمالية التجارية المُبكرة العلم بوصفه أداة،وظهرت فيها الكثير من المؤسسات وأصبحت فيها التجارة أكثر أهمية. كان البحث العملي المرتبط بذلك هو الشرط الأساسي لظهور المُثقفين الذين تبنوا مُمارساتهم ووجهات نظرهم مثل التناقض ورفض أي سطوة وأي شمولية للقوانين. هذه التقنيات، التي تعلمها المُثقف العضوي بسبب انتمائه إلى الطبقة البرجوازية ووظيفته كأداة للرأسمالية،يُطبقها على مشكلات التاريخ والمُجتمع". فهو مُثقف عضوي لأنه قام بتقديم ذلك كجزء من الرأسمالية،وفَهِمَ البرجوازية على أنها شمولية تميزت عن الخصوصية الإقطاعية من خلال طريقة التفكير هذه، وانتقدها بنشاط وقرب هذا النقد من المواطنين.

ومن ناحية أخرى وكما ذكرنا سلفًا، يتفرع المُثقف في تعريف سارتر من "تقنية المعرفة العملية" وينحدر من الطبقة الوسطى أو الطبقة البرجوازية الصغيرة. يتم استخدامه في هذه الطبقة كأداة لتمثيل المصالح المتعلقة واستغلال الطبقات السفلى. تحدد الطبقة الحاكمة عدد تقنيي المعرفة العملية بناءً على غرضهم وتحدد تكوينهم بطريقة تتوافق مع إيديولوجية الطبقة. وهكذا يُصبح فني المعرفة العملية شريكًا تلقائيًا في إيديولوجية مُعينة، وهو ما يتعارض مع الشمولية المذكورة أعلاه، والتي تنسب نفس القيم للجميع، بغض النظر عن الطبقة. لذلك ينشأ فني المعرفة مع تناقض، بالأحرى تناقض بين الإنسانية، كما تعلم في المدرسة، وبين الوضع الواقعي في المجتمع حيث يسود الصراع الطبقي والانتقاء والاستغلال. يتشكل المُثقف في الحداثوية حسب سارتر من تقنية المعرفة العملية إذا أصبح مُدركًا لهذا الظلم وهذا التناقض، ومنذ ذلك الحين يرفض هذه الإيديولوجيا ويمتنع عنها. ثم يُصبح عدو للمجتمع الانصرافي ويصبح ذلك الوحش، أي المفكر، الذي يهتم بما يهمه [...] ويقول الآخرون عنه أنه يهتم بما لا يعنيه"

يذكر سارتر أيضًا في مقالته أن المثقف ليس له وضع ولا تكليف. وبما أن تأملاته عامة وبالتالي تنطبق على الجميع،فإن المُثقف نفسه يبقى مجهولاً ولا يدرك وجوده. ولكن ما هي وظيفته إذن؟  يستمر بالبحث لأنه لا يمتلك معرفة ولا قوة في البداية، مما يعني أنه يجهل الأمور، على عكس المثقف التقني. هو بمثابة "مُحقق" يستكشف أولاً وجوده ويحاول مواءمة التناقضات المذكورة، والتي يخضع لها كتقني في المعرفة العملية. يُمكنه بعد ذلك تطبيق ذلك عمليًا على المُجتمع. في الوقت نفسه، عليه أن يعترف بنفسه كجزء من المُجتمع الذي يتقصى فيه. لذا يدور الأمر هنا حول تعاكس مُستمر،"الذات يعكس العالم،والعالم يعكس الذات". وبما أن تناقض المُجتمع يتوافق مع تناقض كيانه الخاص، فمن المُستحيل عليه أن ينظر إلى المجتمع بموضوعية. ولكن لا يكفي أيضًا أن ينظر المُثقف إلى نفسه بشكل ذاتي، لأنه لا يُمكنه الانفصال من هذا المجتمع على اعتباره جزءًا منه. هذا التحول المُستمر،الذي يُسميه سارتر"المظهر الخارجي للعالم الداخلي،وإعادة  المظهر الخارجي للعالم الداخلي"،ضروري للتغلب على بعض التناقضات. يجب على المفكر دائمًا أن يعود إلى ذاته ويفهم نفسه على أنه "فرد مُتنوع" . ويجب أن يتجنب التعميمات وأن يُشير بدلاً من ذلك إلى حالات مُحددة.

لذا فإن دوره هنا هو دور القدوة كفرد مُتنوع. يُمكن أن يُساعد المظلومين على وضع أنفسهم وإدراك خصوصيتهم التاريخية. وفي الوقت نفسه، يُمكنه دعمهم في "نضالهم من أجل التوسع" ضد الظُلم والاستغلال. لهذا السبب فإن عمل المُثقف هو انتقاد أيديولوجية الطبقة الحاكمة باستمرار بحيث تُصبح عودة هذا الفكر مُستحيلة. ويستغل في المقابل المعرفة التي وفرتها الطبقة الحاكمة لتعليم الناس. يقوم بتدريب مواطني الطبقة المظلومة ليصبحوا تقنيين للمعرفة العملية ولا يُمكن للطبقة الحاكمة ان تقوم بشيء من هذا القبيل لكي تبقي النخبة المُثقفة مُتشابهة قدر الإمكان وتواصل مهامها. ووفقا لسارتر فإن الكاتب يلعب هنا دورًا مهمًا، حيث أنه بطبيعته مُقدر له اتخاذ موقف فكري.

 

 

سامي عبد العالالأسئلةُ لا تسقط كالأمطار من السماءِ ولا تنبتُ من الأرضِ كالأعشاب، لأنَّها نشاط إنساني يثير قضايا فكرية خطيرة. الخطورة من زاوية كشف أبنية الثقافة، ولماذا تتفاعل مع حركة التاريخ، كلُّ ثقافة تلقي برواسبها العميقة على ضفاف المجتمعات كالنهر الذي تكتنفه تيارات شتى فيحرك الراسخ. والثقافة الإنسانية دوماً كونية التكوين والتطور وإنْ كانت نوعية الطابع. وكلما كان الفكر متمرداً، استطاع إثارة أسئلة أكثر جرأة وابتكاراً.

لا توجد حياة إنسانية دون أسئلة تبحث في أعماقها وتنتقد أسسها القائمة. فالأسئلة ضربٌ من المواجهات بين أزمنة ما كانت لتلتقِ إلاَّ بألوان الحوار العميق. وهي تقلل درجات الصدام إلى حد التلاقح، وبدلاً من اتيانه صداماً عنيفاً، يغدو أكثر خصوبة وتجاوزاً.

توصف الأسئلة بالزيف نتيجة غياب موضوعها الأصيل. والموضوع بهذا الوصف يحتاج تاريخاً حتى يكون كذلك، أي يجب أن تكون هناك حياةً حرّة تجعل الفكر والتساؤل جزءاً من همومها اليومية. ففي مجتمعات لا تعيش عصرها، ولا تبتكر رؤاها الحيوية لن تُثار إلاّ اسئلة تافهة. وهي كضرب من المعرفة ستكون في غير موقعها النوعي. السؤال عبارة عن طلب لحوح، بحث دؤوب عما يسد حيرة الإنسان كجائع ينهشه الجوع ويبحث عن شيء يسد رمقه!!

الاسئلة الزائفة هي وليدة هامشية هذا الجوع للمعرفة والاختلاف، أنها نتاج الفراغ العبثي في معدة الثقافة وامعائها لمزيد من التحرر والامتلاء. كلُّ ثقافة لديها قدرة على الهضم واعادة انتاج محتوياتها إنَّ لم تجد جديداً لتأكله. لكن عوضاً عن توجه الأسئلة في طريق مختلف، تغدو عرضَّاً طافحاً لهذا المرض التكويني، فأي سؤال زائف هو نتيجة باثولوجيا التفكير pathology of thinking فيما لا يفيد واجترار قضايا غثة.

بكلمات أخرى تعتبر الأسئلة الزائفة مجرد ادعاءات بصيغة الطلب request خلف أشياء وأفكار لا مجال للتحقق منها هنا والآن، اشياء قد لا تخص الإنسان إلا إيماناً حتى وإن عرف إجاباتها. ابرز الأمثلة أسئلة دينية تسود من حين لآخر مثل: هل نحن محاسبون على قتل البعوض؟! ما هي اشكال الملائكة وألوانهم؟! كيف يتناسل الشيطان والجن؟! هل ثمة خطة مصممة للأقدار يمكننا كشفها بدقة؟!

علما بأنها اسئلة وسط واقع لا نعرف عنه شيئاً ومغطى بالتحريمات التي تدهس الإنسان!! التناقض الساخر: أن الواقع مجهول ونبحث عن مجهولات في عوالم أخرى لها سياقها. يبدو أن اسئلة من هذا القبيل حيل ملتوية للهروب من مناخ لا هوتي وثقافي يحول دون الفكر الحر وتدعيم حركة المعرفة والمشاركة في الحياة بكافة جوانبها.

ذلك الزيف يبرز مفارقات أوسع: كيف نتساءل عن الحقائق في مجتمع كذوب؟! كيف نبحث عن الإنسان وسط انسانية مهدرةٍ قبل كل شيء؟! على المنوال ذاته: لماذا تأتي المساواة والعدالة ضمن أنظمة سياسية قمعية لا تعترف بأية عدالة؟  لماذا نبحث عن الآخر ونحن نقتله يومياً؟ كيف ننقب عن صدق الايمان وقد تحول الدين إلى إكراه؟! كيف نبحث عن دين مزقته الجماعات الدينية إلى أشلاء؟!  لماذا نزعم أننا نتجه صوب الله ونحن نكفر كلَّ مؤمن آخر؟ لماذا نطرح أوجه اختلافنا ونحن نُسخ مشوهة من بعضنا البعض؟ كيف نلوك عبارات الحرية وقد أمست التربية تدميراً للإرادة والمسؤولية؟ كيف نريد ترسيخ قيم العقلانية بينما يسير المجتمع كالعربة الحمقاء دون كوابح؟ كيف نتطلع إلى الجنة ونحن نقف في طريق الباحث عنها بل ننتهك وجوده؟!

إذا طُرحت هكذا قضايا باحثين وراءها عن أسباب، كانت قضاياً كاشفة إلى درجةٍ بعيدةٍ. بل قد تؤكد علاقات وصوراً وأبنية فكرية لها ذات التكوين الخادع. فالسؤال هو جوهر الوجود الإنساني سلباً وايجاباً. وبإمكانه أن يكشف ما وراءه من أفكار، لأنه ابقى من الإجابة وأوسع نشاطاً. وكم من أسئلة لديها القدرة على الانفلات من عصرها، لأنها تخبو نتيجة القهر تمهيداً للظهور في وقت تال.

لكن.. بأي معنى هناك أسئلة زائفة false questions؟! هل يجري الزيف منطقياً أم بلاغياً أم حياتياً؟ الاسئلة حينما تكون مزيفة، فليست تقنية طرح لها دهشتها ودلالتها الفاعلة. ربما سيكون طرحها بهدف مغاير لما يفهم منها مبدئياً. فالسؤال -وإن كان غير ضروي - يثير أسئلة تالية لا تتوقف. وهذه سمة لا تتضح في أغلب الممارسات الفكرية الأخرى. فسؤال: لماذا لا نطير مثل الطيور في السماء؟ يبدو سؤالاً مصوغاً على نحو خاطئ. بيد أننا لو دققنا النظر سنكشف مغزاه الآخر، فنحن لا نطير، لأننا كائنات مختلفة جسداً وطاقة وقدرة، بينما الطيور مزودة طبيعياً بتلك الإمكانية.

وبالتالي من زاوية التاريخ، كان السؤال السابق مؤولاً لاختراع تكنولوجيا الانتقال عبر الفضاء وتجاوز حدوده. إذن ليس ثمة سؤال مزيف إلاَّ باستطاعتنا تأويله. سيكون مزيفاً طالما وجد ثمة سائل يلقيه في المكان الخطأ وعبر دلاله ليست له. إضافة إلى هذا، فإن السؤال يرتب وضعاً ما، فأنت تطلبه وهو يطلبك بفتح طريق معين.

إن الأسئلة الزائفة هي افراز لحياة مزيفة. فكلُّ واقع زائف لن ينتج إلاَّ شيئين:

أولاً: وعيٌّ فارغ تغذيه المشكلاتُ المفتعلة سواء بين الأفراد أو الجماعات. فالجذر الدلالي للزيف مرتبط بالتكلُّف والاصطناع والخفة وانعدام الأصالة. وهذا ما يظهر يومياً مع وسائل الإعلام ومساحات البرامج التي تغذي التراشق بين المجتمعات وتغذى فاض التفاهة المتراكم.

ثانياً: تضخم اللغة في أشكال استفهاميةٍ لا قيمة لها بحيث تشغل الفراغ. أي تصبح الثرثرة سمة عامة كجزءٍ من بناء الحياة اليومية.

والنقطتان السابقتان قد تحددان عصراً كاملاً بحجم التخلف الذي تعيشه بعض  الأنظمة الاجتماعية والسياسية. فيحدث هناك امتلاءٌ فارغ كالريح التي تصْفُر في كهفٍ أجوف.

وإذا كان الاستفهام بذلك الوضع يعد عرَّضاً، فسرعان ما يشكل جوهر الأفعال والتصورات المترتبة عليها. والمتوقع أنَّه يربك العقل الناقد بكم الإجابات التي في غير مسارها. وقد يحاول حتى الامساك بمعايير للنقد، حيث لا مشكلة ولا سؤال من أساسه. وتصبح هناك قضايا زائفةٌ وأفكار زائفة وثقافة زائفة. ليس بالمعنى الذي يقصده الفكر الوضعي المنطقي حين يطابق بين الألفاظ ومدلولها الواقعي (مبدأ التحققverification)، بل بالمعنى الثقافي المؤكد لدلالة النشاط الحي وأهمية اللغة كأفعال إنجازية. فالأسئلة انجازات عقلية لها قضايا ما كانت لتأتِ لولا طرحها باللغة التي هي بناء الفكر.

هكذا في تاريخ العالم العربي قد يوجد لدينا سياسيون دون أسئلة سياسية فعلية. ورجال دين من غير تدين حقيقي كمشروع إنساني، وعلماء عباقرة في كافة العلوم بلا علم ولا إبداع. واساتذة لامعون وألقاب أكاديمية دونما مضمون، ودولة بلا دولة وأنظمة بلا نظام، لكونها دائرة في فلك بدائي خارج التاريخ، وتوجد قوانين يقال عنها مصونة وفوق الكل بلا مشروعية حقيقية. قِسْ على ذلك أغلب الكيانات والأسماء والخطابات المشابهة والتي تسير بالطريقة ذاتها.

عندئذ: ماذا سيقدم السؤال غير التزييف؟! هو سيطرح نفسه بجدية التفكير لكن بلا قدرة على الاستفهام!! هكذا يطلقون على العملات المزيفة في الاقتصاد أوراقاً مالية بلا قيمة. إما لأنَّها لا تساوي شيئاً في الأسواق. وبالتالي تكاد تنعدم قوتها الشرائية وتزيد نسبة التضخم. وإمَّا أنها مزيفة فعلاً لتكون مجرد ورقة عليها أرقام عشوائية. من يأخذ الأسئلة على محمل الجد حتى في تاريخنا الثقافي العربي القريب؟! من ذا الذي يعني بالكد وراء الإجابات ولو وراء نصفها؟!

ستكون كلُّ تداعيات الاسئلة المزيفة غير حقيقيةٍ هي الأخرى. الأمر الذي يعطي مشروعية لكيانات تعيش في الأخيلة وحسب، لأنَّ الأسئلة ستعود إليها في محاولة لتأكيد مكانتها. كما أنها ستظل مرتبطة بظروفها الفكرية والثقافية التي ظهرت بشكل غير منطقي. فالأزمات هنا لها آثارها في أشكال عدة، من بينها الأسئلة السطحية التي تلتهم الوعي. ولئن أظهرت شيئاً فإنّها تفضح خلل استعمال اللغة بذهنية غارقة في الأوهام. والسؤال المزيف بالنسبة للثقافة العربية هو فتيل الأزمة، تلك التي ليست خاصة بمجال معين بقدر ما تتغلغل عبر مجالات أخرى.

وبالرغم من كون السؤال صيغة مقننة العبارة، إلاَّ أنه واسع الأثر. وكلما تلقى إجابة كلما ازداد التأكيد على موضوع "غير موجود". وتعبير "غير موجود" لا يعني معدوماً. فقد يمثل انشغالاً بما لا يجب وافتعالاً لأحداث ونزاعات لا طائل منها. أو بعبارة ابي العلاء المعري " لزوم ما لا يلزم". فالثقافة المزيفة تجعل الهامشي –على أهميته أحياناً- متناً ضخماً. ينشغل به الناس والاعلام والقاءات العامة والكتب الصفراء (كتب الأرصفة) بقضايا هامشية، مثل أخبار وفضائح رجال السياسة والدين وجرائم العائلات والعلاقات الجنسية وأخبار الحوادث والنزاعات الشخصية وكواليس السياسات وحماقات الأفراد وخصوصياتهم.

وبخاصة أن شبكات التواصل الاجتماعي جعلت هذه الأخبار متناً ً تلوكه العبارات وتنشره التعليقات كالنيران في الهشيم. لدرجة أن التفاعل والتغريد عبر صفحات الفيس بوك وتويتر وانستجرام يعيدان ترويجها بلا حدود. إن الذباب الالكتروني كالذباب الطبيعي يقف على الجيف والجثث ولا يعيش إلاَّ وسط الركود. وبتنا نرى استعمالاً دارجاً لوسائل التكنولوجيا والاتصال يكرس " فقر الفكر وفكر الفقر" بعبارة يوسف إدريس.

ذلك عودة مرة أخرى إلى الثالوث المحظور مقاربته أو تناوله (الدين والجنس والسياسة) في المجتمع العربي. فنتيجة انعدام الحرية وغياب المعرفة الفعلية شكل الثالوث السابق هوساً جمعياً. بل جعل الحديث فيه- ولو كان تافهاً هو الآخر- موضوعاً للرواج والاسفاف الاجتماعي والأخلاقي. المدهش أن ثمة فئات في المجتمع العربي تعرف هذه الآلية فيتربحون مادياً ورمزياً من هذا الوضع.

ففي المشهد الثقافي المعاصر، نجد الاسفاف الفني يأخذ مداه على هذا النحو. الغناء مجرد مُواء أنثوي أو تخنُث رجولي، لكنه في النهاية يسمى فناً وتفتح له الأبواب والنوافذ معاً. كذلك التمثيل الفني صراخ وعويل في الأفلام والمسلسلات ناهيك عن التكرار والسطحية. وفوق هذا وذاك يدِّر ارباحاً لا طائل لها مثلما يبدو في أجور الفنانين. كما أنه يضع القائمين على انتاجه في صدارة المبدعين كأنَّ الأمر حقيقي.

ونتيجة الأسئلة الزائفة في هذا الباب تظهر أوضاع جانبية لكنها مرَّضية. بمعنى أن الهامشي يحتل مكانة المتن التي ليست له. ليغدو ثقافة رائجة تعيد دغدغة وتفتيت القيم والأولويات في المجتمع العربي وإهدار الأنشطة الإنسانية. فأصبح الكسب الخاطف فرصة لمن يتطلع للثراء السريع. وبات معروفاً لكل شاب وفتاة أنَّ الممثلين والممثلات ورموز الرياضة ورجال السياسة هم أيقونة المجتمع. وفي هذا المناخ ظهر أيضاً بذات الأسلوب رموز الخطاب الديني ودعاته الديجيتال. هؤلاء الذين جعلوا الدين ظاهرة زائفة وكهنوتاً له كل الأتباع والمريدين، بحكم الطقوس والرسوم والقشور التي غرقوا فيها. إذ حرصوا على الشهرة وارتداء المسوح العصرية واستعمال اساليب الاعلام البرّاق والوسائط المبهرة في الدعوة والتوجيه، بينما خلا كلامهم من أي منطق وتسامح فعليين.

أبرز مثال الفتاوى الدينية حينما مثلت صلب الاسلام الراهن وجماعاته المتطرفة. وجميع الفضائيات تفتح الهواء للفتاوى ليلاً ونهاراً حتى غدت هي الدين ليس إلاَّ. وإذا كانت الفتوى قائمة فقط على أسئلة فهي ظاهرة التزييف المراوغ: الأسئلة والحياة معاً. فالدين في وجوده الإنساني لا يحتاج سؤالاً ينحرف به عن الإيمان  والامتلاء الروحي. هكذا رأينا الفتاوى المعاصرة تغزل سلطتها على استفهامات زائفة. مثل: هل اللحية من الشريعة أم لا؟! هل يكون جلباب الرجال قصيراً أم طويلاً؟ هل لبس النقاب من ضرورات الإسلام أم غير ذلك؟ (أسئلة الفتنة التي لانهاية لها) وهل الضرب المبرح للمرأة شرعي أم الضرب الخفيف؟ وهل يمكن للخاطب رؤية خطيبته منفرداً أم في وجود محرم؟ وهل للفتاة أن تتصفح الفيس بوك أم سيقودها إلى الرذيلة ويجب أن يكون معها محرم؟ (لنلاحظ الأسئلة الذكورية) وهل تستطيع المرأة شرعاً قيادة السيارة؟ (هكذا أصبح رجل الدين عسكري مرور وخفير درك)، أسئلة تعمي من يطلقها ومن يجيب عنها على السواء.

ذلك لأن القضية بالأساس ليست مهمة دينياً ولا أخلاقياً ولا لإنسانياً. كقول أبي الطيب المتنبي: أغايةُ الدين أنْ تحفوا شواربكم... يا أمة ضحكت من جهلها الأمم. كما أنَّها تستفتي كهنوتاً في شعيرات وملابس لا تمس جوهر الإيمان والروح ولا الحياة!! في الوقت نفسه الذي تقطع فيه الجماعات الإرهابية رؤوس المسلمين وغير المسلمين!!

أي منطق وراء استفهام يجتزئ مسألة تافهة؟! بينما الواقع القميء والمتدهور لم يُمس من قريب أو بعيدٍ. لقد غدا الدين الإسلامي فتاوى وراء فتاوى بأشكال غير ضرورية. فتاوى بإمكانها تحت تأثير الهوس الديني أن تفجر الناس(الارهاب والمجتمع) وغيرها باستطاعتها أن تشق المجتمع طولياً بعمق التاريخ الاسلامي (شيعة وسنة). أخطر الأمور أن يصبح الدين والله والجهاد والآخرة مجرد فتاوى لدى ذهنيات جاهلة وارواح نابضة من الحياة. لأنَّها لن تكون اعتقاداً خاصاً، بل سيتلاعب بها شيوخ الفتاوى تبعاً للمصالح. وشيوخ الفتاوى (في هذا الباب) غير مطلعين على الثقافات العصرية ولا هم يزودون أنفسهم بالرصيد الوافر من المعارف العالمية والتاريخية المتعلقة بالمجتمعات الراهنة. يتعاملون مع الظواهر الثقافية الكونية تعاملهم مع الشياطين التي تحل في خفاء وبليلٍّ بهيم، لا يدركون كيف نشأت هذه الظواهر ولماذا هي واسعة التأثير والانتشار؟!

هناك خاصية لأي استفهام مزيف: أنه يأخذ دوراته المعرفية في عمق الثقافية الجارية، وبالطبع ستلف معه اجابات وهمية (الاسئلة تتردد على ألسنة الأفراد جميعاً). وسيجري وراء المعنى جريَ السراب وراء السراب. ولدى هذا السؤال هناك الجديد: لأن رواج الاجابات يُمكِّن أصحابها من البناء عليها. فيأتي آخرون لتكملة المشوار في الطريق الخطأ. على سبيل التوضيح وقع أصحاب مشاريع النهضة العربية والاسلامية في هذه الفخاخ. كان هاجسهم الأول والوحيد التوفيق بين "الأصالة والمعاصرة "، بينما أغفلوا جوهر الحياة العربية ذاتها (الآن وليس أمساً وليس غداً). فكانت رؤيتهم للتراث غير ذات أهمية بالنسبة لحركة الحياة. لكونهم لا يرون فيه غير التاريخ الماضي لا الثقافة الكونية المتواصلة. وكذلك رؤيتهم للمعاصرة اعتماداً على  مجرد الاستعارة والنقل من الغرب. وهذه ظاهرة غريبة على المجتمعات الشرقية (الشرق كان أصل الحضارة!!) ولكن حينما افتقدت لروح الإنسانية المواكبة  للجديد، لم تشارك فيها وانكفأت على مصيرها المجهول.

ليس السؤال المزيف فردياً، إنَّه يدور مع التصورات المتداولة، ولا ينتهي عند هذا الحد. لأنه قد يتغلغل في وعينا الهائم نحو التاريخ. فيحيي صراعاً أو مفهوماً غابراً أو يستحضر صورة غابرة من التراث. وبالتالي لا يعاد طرح السؤال المزيف مصادفة، إنما يكمن في طرائق الحوار والتفكير. ليشكل بنيه فارغة تفترض أجوبة من ذات القبيل.

كذلك لا يعد السؤال الزائف كاذباً بمعناه العادي. لأنَّ الكذب صورة مخالفة لواقع الحال، بينما الزيف عبارة عن وهم هذه الصورة كأنها الحقيقة. أي إرجاع كل صفات الحقيقة لهذه الصورة ولا شيء سواها. بالتالي سيكون الزيف كذباً وتشويهاً في الآن عينه، وهو أيضاً صادق منطقياً في زيفه لدرجة التصديق، وبجانب أنه سيأخذ صفة الحقيقة والتكرار.

فارق آخر مهم أن السؤال الزائف لا يموت، لكنه يستفيق وينبعث في أوقات الأزمات. ويصر على طرح نفسه- من خلال المناخ السائد- رغم عدم وجود مبرر له. ولكن مع اكتشاف أمره بهذا الفهم السالف، يمكننا معرفة أصالته المفقودة.

يصحُ هذا فقط، إذا أدى السؤال الزائف إلى استفهامات نقيضةٍ تضعه خلال إطار إشكالي يتجاوز ادعاءاته وإجاباته. بمعنى أننا يصعب التخلص من الأسئلة الزائفة، فهي مفتاح لخريطة الأزمات وجزء من الحلول. لأنها تنمو كالأعشاب البرية المتسلقة وسط الحقول الزراعية وتتغذي على غذاء الأشجار والنباتات الاساسية!!

 

سامي عبد العال

 

 

سامي عبد العالليس العنف باسم الدين مجردَ فعل طارئ، لكنه عمل مُركَّب يحتاج خيالاً يَفوقُه تهوراً وجُموحاً. إنَّه عمليات من الشحن الأيديولوجي والتهيئة والتفنُن بتوقُّع الأثر وفوضى المَشاهِد ورسم المجال وانجاز الأفعال وانتظار النتائج وافراغ الكراهية إلى أقصى مدى. الخيال الديني imagination  religious هو الآتون الواسع الذي تُطهى فيه هذه الأشياء وتضاف إليها عناصر القسوة والتشفي (أليس الارهاب صادماً ومؤلماً في عملياته؟)، ثم ينتظر الإرهابيون نُضجَها وقطف ثمارها في أحد الجبال أو تحت سقف التنظيمات والجماعات المتطرفة.

الأمر بلغة بيير بورديو هو عنف رمزي symbolic violence مضاعَف ومغلَّظ المعاني في قفزة فوق عقلانية تسمى بالتخييل. إذن العنف موجود، لكنه يتحرك بقفزات زائدة عن الحد ويتحول عبر وسائط أخرى مشبعاً برمزيتها. هذا ناهيك عن استيلائه على فائض القداسة التي يوفرها الدين في كيان الأفراد وآفاقهم الميتافيزيقية والروحية.

ولذلك فكلُّ عملية ارهابيةٍ هي صورة خيالية imaginative image بلغت حد اللعنة كلعنة الخرافات والأساطير القديمة التي تستهدف الأعداء، حيث تجيئ العملية من النقطة العمياء وغير المتوقعة تماماً في الأداء اليومي للمجتمعات (مسرح الارهاب). وهذا ما جعل العنف والارهاب باسم الدين يحملان تلك المعالم.. كونِّهما مسكونين بجميع ما يُضاد الإنسانية عبر كل إنسان (بتعبير القرآن: من قتل نفساً فكأنَّما قتل الناس جميعاً)، كما أنَّهما- عنفاً وارهاباً- يختمران (يتكونان) بوافر الدلالة على مستوى الفكر والفعل.

 وطبعاً ليس ذلك غريباً على الكائن (الارهابي)، لأننا كذوات بشرية نحن أصلاً عبارة عن حفريات مطمورة من العنف وأخيلته المعتَّقة تاريخياً وتراثياً، سواء من جهة الغرائز أم الأفكار أم الهلاوس، وحتى الأحلام والتسامي والوداعة والعواطف.. جميعها متشربة ببقايا مهولة من العنف الرمزي. لكن الغريب هو استعمال الدين واعتباره صورا ملتحمة بتبريراته المعدَّة سلفاً كالعبوات الناسفة أو بجانب السكين التي يحملها هذا الارهابي أو ذاك. فالخيال العنيف يحتاج تغذية راجعة feedback وسقاية بماء الكراهية والغضب (تجاه كذا...) طوال الوقت.

وهذا ما التقطته الجماعات الاسلامية بحسها البيولوجي المستنفر دوماً (مثل ذئاب وضباع وحيوانات مفترسة نائمة لكنها متيقظة للانقضاض). هي حالة حيوانية رمزية تستجمع قوى الفعل المباشر دون تفكير ولا اعتبارات إنسانية. والملاحظ أنه لا يوجد لدى (تلك الجماعات) فاصل ولا فارق بين (الخيال والبيولوجيا)، بين (العقل والغريزة)، فالإرهابي كائن بيولوجي وخيالي مذهل بشكل غريب، ذهنية معجونة من التخييل الذي هو الحس التلقائي الفاعل مادياً دون ضابط. العالم كله بالنسبة إليها ساحة حرب ودماء، لا تشعر بآلام ولا بندم ولا بمراجعة نقدية لما تفعل، وتلك نراها لدى حالات القاعدة والدواعش والإخوان والتكفير والهجرة التي تتوحد بالغرائز الأولية في شكل تدمير وقتل.

 ولو سألت إرهابياً: لماذا تقتل باسم الدين؟، لكانت تلك الأفعال لديه آتية في معاني الجهاد والتسامي والشفقة على الآخرين. الشفقة من كون ضحاياه غارقين في براثن الكفر والذنوب والفحشاء، وأنه يرى ذاته نبياً في ثوب مجاهد لتطهيرهم من الآثام المؤدية لعذاب السعير. هذا هو "الانقلاب المتخيل" لفعل التدمير تجاه مخالفي أفكاره ونمط حياته. أي يعكس الحياة داخله وداخلهم، يدفعها دفعاً لصالح الموت بمبررات اعتقاده ذاهباً لتحقيق ذاته من خلالهم (الموت معاً نحن وهم). والحس البيولوجي (الغرائز والشهوات) هو الذخيرة التي تشعل خيال الارهابي في ليل العالم كما يتوهم.

 وهكذا فإنَّ الأعمال الدموية التي يرتكبها شباب اسلامي في أوروبا ليست مصادفةً، ولا سيما مع تجددها من وقت لآخر. فلم تختفِ حتى مع وباء كورونا (عمليات الطعن بفرنسا– ألمانيا– انجلترا)، رغم أنَّ القارة العجوز قد نخر الفيروس في عظامها، دخلت الملاجئ وانزوت بردهات العزل الصحي، ولم تواصل – كما يقولون- الفُحش الحضاري ولا العولمي حتى. أصبحت أوروبا رجل العالم المريض كما كانت تطلق على الدولة العثمانية في الأزمنة الحديثة.

 بالفعل أوروبا صحيَّاً – لو رسمناها بالكاريكاتور- مُلقاة على أسرّة العناية الفائقة ... تكُح وتسعل وتعطس وتتهاوى بالمرحاض ولا تجد من يأخذ بيدها!! الوجوه مجرد كمامات عمياء فوق أنوف حائرة. القارة تخشي حتى من الاتحاد الذي صنعته وتباهت به أمام المجتمعات الأخرى وقالت أن كورونا بمثابة شهادة وفاة له. وبالمناسبة حالة كورونا أظهرت عمق أزمات الحضارة الغربية التي قد تنفرط عما قريب أو بدت، ربما ترجمت اضمحلال الغرب وانحطاطه كما قال اشبنجلر وأكده إدموند هوسيرل في كتابه "أزمة العلوم الأوروبية" و مثلما عبر عنه لاحقاً سلافوي جيجك وإدجار موران: نحن إزاء الكارثة أو في انتظارها.

لكن من قال لمتطرفي الاسلام ألاَّ يرحموا انساناً أيَّا كان؟ هل الإسلام كرحمة للعالمين قال ذلك؟ أليس الحال يطال الجميع (أوربياً وغير اوروبي) فوق تراب القارة العجوز؟ هل سيفرق فيروس كورونا بين مسلم ومسيحي ويهودي ولا ديني؟ وبجانب هذا وذاك... لماذا يُمعن هؤلاء الارهابيون في قتل من يصادفون بساحة الجهاد (كما يتصورون)؟ بمعايير الأمراض: ربما يكون الفيروس أرحم من هؤلاء، فقد يصاب به إنسان ويشفى بعد فترة المرض والنقاهة، لكن  فيروس الإرهاب لا يشفى منه أصحابه فضلاً عن أعدائه ولو بعد حين.

أعمال الارهاب وُعود تاريخية ونصوص فقهاء وفتاوى لاستحلال كيان الغير بعمر الاسلام السياسي. لم يكن هذا الشاب أو ذاك الذي يطعن من يقابله في فرنسا  إلاَّ وقد رُوبي ونُشّيءَ على تصنيفات القتل تحت عمائم التنظيمات الدينية: مؤمن / ملحد، إيمان / كفر، غرب/ شرق، الله / الشيطان، حياة الهداية / حياة الضلال. وكل تصنيف من هذه التصنيفات يقف على اعتاب الجنة أو النار، حيث يراه الارهابي فيما يردد رُؤيَ العين. ولا يكتفي بهذا، بل يزعم أنه يسابق الملائكة لإدخال (من يحب) الجنة ويزج (من يكره) إلى النار. فكيف ستكون النتائج التالية في واقع الحياة والبشر؟!

هكذا ليس لمسلمي أوروبا المتطرفين إلاَّ مخزون العنف الآتي من أضابير التأويلات الدينية الغارقة بالدم. إنَّ أجسادهم وعقولهم قنابل معَدّة للتفجير تجاه أي انسان. وللأسف فإنَّ حشو القنابل شرقيٌ إسلامي خالص مثلما هي عبوات الأدمغة التي صنعتها التربية الخيالية للتنظيمات. وأن سحب الفتيل الذي ينفجر بعده كلُّ شيء هو مجرد مبرر فقهي فارغ من الحياة. لِمَ لا..؟ وهؤلاء المتطرفون مقبرةٌ حيةٌ تنمو فيها فتاوى القتل واستحلال دماء المسيحيين واليهود. ودوماً هم في بلاد الكفار كما يزعم منظرو الجهاد وممارسوه كأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي وايمن الظواهري وأسامه بن لادن وغيرهم. فإذا كانت ديار الإسلام ديارَ أمن وسلامٍ، فإنَّ ديار أوروبا خريطة للدماء المفترضة.

 إنَّ المُسلم يصاب بصدمة قاتلة بمجرد أن تطأ قدماه أوروبا، لا لشيءٍّ إلاَّ لأنَّ ما يعرفه عن الحياة والآخر والعالم يتضاءل إلى درجة التلاشي. وأنَّه يحمل ما برأسه وحياته أينما ذهب مقيِّماً على أساسه ما يراه دون السياق واختلاف العيش. هذا التصور يخترق معظم الاتجاهات الفكرية الاسلامية: تقليدية وتنويرية.. بأي معنى ذلك؟!

 لقد نوَّه الشيخ الأزهري رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس قائلاً: بلد النور والنار، بلد الجن والملائكة!!.. أيُّ جنٍ إذا كان ما يحمله برأسه محض هواجس من بطون كتب الفقهاء والتفسيرات والحواشي القديمة؟! وأيَّة ملائكة مادام يصف الآخر (المغاير حضارياً) باعتباره مناوئاً ديناً وأخلاقياً؟! إنَّ الطهطاوي مهما قيل عن استنارته وانفتاحه في هذه النقطة بالتحديد إلاَّ أن القراءة العميقة لكلامه تكشف: كم كانت عقول فقهاء الازهر التقليديين قشوراً مهترئة لإحساس اقصائي بالباطن، هم غالباً غير شاعرين به ويمارسونه كأنَّه الحقيقة.

الطهطاوي طوال الوقت يتحدث عن الفرنسيين وعاداتهم ومكانة المرأة لديهم والدستور وطبيعة الدولة والحياة الاجتماعية بنظرة ليست بريئة دينياً، نظرة الشيخ السلفي المتخيل الذي تربى على يديه ومازال يسكنه من الداخل. وليس هو الشيخ الذي يواكب الحضارة ولا الذي يتزامن مع الفرنسيين داعياً إلى ايجاد دستور وقانون موازيين، إنما هو الآتي من قرون على اعتاب القرن العشرين. المشكلة أنَّها قرون عاطلة من الحضارة ومليئة بالتقليد الذي انكفأ عليه المسلمون أمام عصر معرفي وحضاري (في أوروبا) لا نملك أمامه إلاَّ المفاجئة والاحتذاء. نظرة الطهطاوي هي نظرة منحازة ثقافياً إلى ما ينبغي أن يكون في ضوء التاريخ الإسلامي، أي كان نمط الإسلام لديه نموذجاً سلفياً وهو الفيصل بينه وبين العالم. نحن نريد أن نعرف ماذا يحمل في رأسه وكيف تدخلت حمولته في رؤيته؟!

 بالتأكيد أنَّ كل من قرأ الطهطاوي دهشته مؤلفاته التي تحدث فيها عن أوروبا (تلخيص الإبريز في تلخيص باريز، و المرشد الأمين في تربية البنات والابنين)، أي نظر معه (بمنظاره هو) إلى الحياة والثقافة الأوروبية، بينما هذه المؤلفات تكشف تماماً تكوين الذهنية الشرقية واللاهوتية رغم أنَّ صاحبها لديه استعداد التعرف على الآخرين. وهو إذ يفعل يقف للأوروبيين بالمرصاد كاشفاً إلى أي مدى يختلف هؤلاء عنا (ثنائية العنف: نحن- هم). وكأنه يقول نحن في حالة تناقض حضاري حادٍ، لأننا أصحاب الدين الحق وأصحاب الثقافة القويمة بينما هم أهل الباطل والانحراف. والطهطاوي في هذه اللحظة المزدوجة يقرر ما يعتقده صحيحاً لا رجعة فيه، كأنَّ (الاوروبيين) غائبون تماماً بينما الكلام يقيِّم حالهم عن كثب (أمام محاكمة تاريخية إن صح التعبير). ذلك يؤكد بخلفية المتابع نتيجة الطهطاوي القائلة: كم نحن مختلفين جذرياً عن أوروبا، ولسنا في حاجة إلى ما يؤمنون ولا ما يعتقدون ولا ما يمارسون. فقط يا ليت لدينا معارفهم وتقنياتهم وسياساتهم لإحراز سبق المدنيّة والتقدم!!

وتلك هي الرؤية السطحية التي لا تعرف تطوراً تاريخياً ولا حضارياً للغرب (التطور في اتجاه- والحياه في اتجاه آخر). وهذا لا يعني هنا دفاعاً عن أوروباً بالتبعية، ولا يعني العيش كما تعيش أوروبا فهذا مستحيل!! المهم هو كيف قيَّم الطهطاوي أوروبا وذهبت ثقافته إلى حيث لا تتطور طالما وقفت عند الشكل والاحتذاء كما نادى. ولذلك يستحيل استنساخ الحضارة ولو على ركام الماضي، لأن الثمن الباهظ هو تحويل المستقبل إلى جثة متحركة.

الأوضح من ثمَّ أنَّ الطهطاوي جعل ثقافته معياراً لدراسة الآخرين باختلاف أطيافهم. ثم وضَّعهم في قوالب ذهنية لا يعبرون عنها بالضرورة. وهذا يتضح أكثر في حديثه عن العلاقات بين الرجل والمرأة. حيث يشير دوماً إلي أخلاقيات الشرق، حين تحرص التقاليد لدينا على علاقاتٍ بعينها بين الجنسين (الأساس الاخلاقي). وبذات الوقت ينفيها – يستنكر انعدامها- إزاء الأغيار بحسب قيمهم وطرائق حياتهم الاجتماعية (هم هكذا يعيشوا)، أي سيرى أفعالَّهم كأنها جرائم وتُهم اخلاقية. وهذه النظرة عنيفة في أساسها، لأنها نمطية ولا تتجاوز الفوارق الحضارية بين الشرق والغرب، كما أنَّ المسألة ليست أخلاقية فقط. لو انها مسألة أخلاقية ما كان يجب على الطهطاوي الذهاب إلى أوروبا وهو يعرف ذلك جيداً!!

كيف إذن لأزهري معمم بالثقافة أنْ يرى الواقع والحياة خارج عمامته؟! إن

ما حدث مع الطهطاوي حدث مع محمد عبده، فلم يتخلص الاثنان من العبارات التكفيرية برداء اخلاقي. إنَّ الاخلاق التي يري البعض فرضها فرضاً تعد أكثر تكفيراً وعنفاً من الدين نفسه. الفارق أنَّ التكفير لدى جماعات العنف الديني كان بارزاً بينما كان يُغلَّف لدى المستنيرين بالإعجاب تجاه الغرب، ثم يرتدي عباءة التقييم الأخلاقي للحياة.

لكن التصنيف في قاعه البعيد واحد: المسلم/ غير المسلم، صاحب الاخلاق/ الفاسق، نحن الأفضل/ أنتم الأسوأ.. وبالتالي المواقف واحدة في ميزان العنف لو أخذنا بهذا الجانب. المنظوران الاثنان (المستنير والارهابي) لم يفهما لماذا يختلف الغرب عن الشرق، ببساطة لأنهم لم يفهما ابتداءً الأسس الفلسفية والفكرية والمعرفية للحضارة الغربية. فهم فقهاء يشربون من معين واحد في جبة عصرية لا تُغير شيئاً لا بالتاريخ ولا الجغرافيا.

ومن ثمَّ لا يجب وضع مسلمات أمام قراءة(الفكر العربي الحديث) من قبيل أن هذا شيخ عصري وذاك تقليدي، هذا شيخ حداثي وآخر رجعي. فأكبر الأخطار فلسفياً النظر إلى ممثلي الفكر العربي (الطهطاوي ومحمد عبده والافغاني والكواكبي ...) كرموز للتجديد والتنوير هكذا بمطلق الكلمات. إنَّ في كتاباتهم طبقة سرية من الجمود والتصنيف غير العقلاني لقضايا الشرق والغرب. وإذا حفرنا وراء أحدهم أو غيره سنجد أن أغلب قضاياه مشبعةٌ بآراء فقهية وانحيازات دينية(غير عقيدية) بالأساس. وأنَّ التسامح ونقل التحضر والأفكار المدنية "حيلة عصرية" لمواكبة التطور والتقدم، لكن العداء يلتقي مع سواه الأشد فتكاً في الغاية. وأنَّه كان لا مهرب حضاري لديهم من التعلُّم، بينما كراهية الغرب مستمرة بأشكال أخرى، تماماً مثل الفارق بين قطُع اليد التي تكرهها (موقف الارهاب) وبين تقبيلها مؤقتاً للإفادة منها (موقف المستنير).

 لقد كانت اجاباتهم لسؤال شكيب أرسلان: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ اجابات غير صحيحة. لأن الحضارات لا تقارن كأنها تمتلك الدرجة الصفر ذاته للتقدم والانطلاق. كما أنَّ الاستفهام يؤكد الاقصاء والتنافر بالوقت ذاته، وكذلك هو سؤال يقارن حالتين لا مجال للمقارنة بينهما حياتياً. لأنَّ كل حضارةٍ لها طابعها المميز من الوجود والفعل. وأنَّه لا يجب احتذاء الواحدة للأخرى اطلاقاً مهما تكن. وإلاَّ لأضحت أحداهما عبئاً تاريخياً ولا قيمة لها. ومن هنا أخذا بنصائح التنوير فإنَّ تاريخ العرب المعاصر كله كان سائراً بالطريق نفسه، لا قيمة حضارية لهم، إنهم مجرد طفيليات متسلقة على أكتاف الغرب... معرفة وعلماً وتقنية وفكراً.

إنَّ مناقشة محمد عبده لقضايا العصر في كتابه "الاسلام بين العلم والمدنية" أمر غير منطقي. لأنَّ الاسلام كدين إجمالاً ليس معنيَّاً بماهية المدنية والمعرفة العلمية الراهنة وماذا يجري فيها. كما أن الاسلام بتلك الصيغة " كلمة عامة" بما لا تُحد إجمالاً. فأي اسلام يقصد محمد عبده؟ هل الاسلام الاعتزالي الآخذ بالعقل وحرية الإرادة الإنسانية كما هو مشهور عنه؟ وإذا كان ذلك كذلك فلم يقدم هذا الاعتزال رؤية متماسكة حول العالم والحضارة بمنظورهما الحالي (قياس الحاضر على الماضي). تلك الأشياء المتأخرة التي تعتبر خارج نطاق الدين بأي معنى كان. ومن ثمَّ يصعب بل يستحيل التحدث عن الدين إلاَّ في إطار تجربة حياتية بعينها، وبالتالي لن تقارن تجربته (الشرقية) بسواها (الغربية) إلاَّ بالاختلافات وبعوامل القصور. إنه يجب على العرب والمسلمين ابتكار وجودهم الحضاري بمعطيات معرفية وثقافية مميزة عن سواهم وليس مجرد التوفيق والتلفيق.

كما أنَّ تصورات الدين والاسلام والحقيقة والعلم- وإنْ وردت في جذور تاريخية لدينا- لم تتخلص بعد من الدلالات التقليدية. وهذا يتجاوز فكرة الاسلام الإعتزالي أو الأشعري أو الشيعي. جميع الإسلامات تتطلب غربلةً وتنقيةً صارمتين بما يضبط حركة النصوص المؤسسة وفقاً لغاياتها مقاصدها كما يقول الأمام الشاطبي. وبما يزيل عنها كل الطباق الخارجية التي رانت عليها وأخفتها وجعلتها صوراً مشوهة في أيدي المتطرفين. لأنَّ بذور التخلف الفكري كامنة فيها كصناعة بشريةٍ تختلط بالأسس المقامة عليها إنْ لم تكُّن من السلف فمن الخلف.

الاسلام في أشكاله المذهبية ليس نقيَّاً ولن يكون، أشكال الفِرّق والملّل والنحل الكلامية هي الرواسب التاريخية التي انفجرت وكونت أخيلة المسلمين حتى الآن. وهذه مازالت حاملة لكل غلالات العنف والخشونة التي كانت شائعة في ثقافة القبيلة والعشيرة والبيئات القديمة. القضية في صورة الاسلام لا تقاس بالأوصاف العامة من جهة العقلانية والنقد والتفكير. بل بكيفية المضامين وطرق التغيير والآفاق الجديدة التي تحملها الثقافة للحياة المنتظرة منها. وأنَّ الحيوات تتلاقى خلال مستواها الإنساني الذي لا يقبل تصنيفاً ولا كراهيةً. فلئن كنتَّ أنتَ تحمل حياة مفتوحة، فإنك ستقابل المصير نفسه... وإلاَّ فالعكس مدمر.

إذا كان هذا شأن التنويريين فكيف بغيرهم؟ يذهب المسلم العادي والمتطرف إلى أوروبا وهو يدرك أنه في بلاد مختلفة. لأن الحياة تثير داخله غرائز العدوان والجموح، ذلك بفضل الالحاح الديني كما يفهمه رعاة الشرق وفقهاؤهم. ففي الفضاء العام يقوم الخطاب الديني على الاساءة والتحريض تجاه ما يسميه بالعُهر والاستعمار وانحلال المرأة. ثم يُرجِّع أسباب ذلك كلُّه إلى أوروبا وانتشار الموضات الفكرية والفنية والأيديولوجية والسهر على متابعة الوسائط الاعلامية والتواصلية. وهذا الجهل لا يدرك من فوق المنابر أنَّ الحياة ليست فقط مظاهر وأشكالاً إنما هي " قانون ثقافي". وأنَّ الأوروبي ينشغل كامل الانشغال بالعمل والانهماك في ابداع إيقاعه اليومي.

إنَّ نمط الحياة الأوروبية ينسف كلَّ تصورات الاسلاميين من الجذور، لأنه نمط يلاصق أداء الحياة المنفتحة التي قد لا تعني الفسق والفجور بالضرورة  طالما أنَّها لا تجبرك على شيء. هذا هو الأصل الذي تشتغل عليه فتاوى الفقهاء بكراهية (أي لكي تكون لهم أهمية، يجب حكم الناس بصيغة: عليك أن تفعل كذا أو لا تفعل). كان كبت هذا الانفتاح وقمعه هما المُنقذ الوحيد من عطالتهم. فمازالت روح الكهانة القديمة كامنة في شُرّاح الدين ومفسريه كما لو كانوا يمتلكون الحقائق المطلقة من فم الغيب. بينما اتباعهم ورعاياهم كائنات شهوانية تمشي على الأرض!! ولهذا حينما يعيش الاسلامي المتطرف في أوروبا، إما أنه يعرف روحها، فيتماشى مع تسامحها الإنساني وتنوعها العرقي والفكري (على الأقل التنوع الخاص)، وإما أنه يتصلب بذهنية عدوانية تقطر دماً.

الأغلب أنه سرعان ما يأخذ الموقف الثاني باطناً أو ظاهراً. لينكفئ على نفسه وعائلته معتبراً الأوروبيين مما يجب مسايرتهم شكلياً (بحكم التقية والممالأة). صورة الإسلام والمسلم في هذه الحالة ستمثل حاجزاً ضد الحياة التي يحياها. لأنَّ خياله مجرد "كومة تحريمات ثقافية" من عصور قاحلة مضت، يحملها المتطرف من خلال ذاكرة المجتمعات التي نشأت فيها وفرَّخت. فهل هناك تحرير لهذا الخيال الديني العنيف؟ وكيف يمكن تحريره إنْ أمكن؟!

 

د. سامي عبد العال

 

عبد الله الفيفيكنتُ توقَّفتُ في معارضةٍ شِعريَّةٍ نقديَّةٍ أمام بعض ما جاء في بائيَّة (أبي تمَّام) الشهيرة(1)، التي يسمِّيها بعض المعجبين "ملحمة". وهي كذلك بالفعل، لا بمعنى الجِنس الشِّعريِّ المعروف، ولكن بمعنَى ما تضمَّنته من عُنفٍ لُغويٍّ ضِدَّ المرأة، مسبيَّةً، منتهكةَ الإنسانيَّة، باسم الإسلام والعروبة والثأر والنَّصر المبين! ونحن عادةً لا نقرأ الأبعاد الثقافيَّة والحضاريَّة وراء النصوص، ولا نلتفت إلى مقدار البشاعات الملبَّسة بغُلالات البطولة القوميَّة أو الدِّينيَّة؛ فإذا هي تطغَى العواطفُ الهمجيَّةُ على العقلانيَّة، والحماسيَّاتُ العنصريَّةُ على الحساسيَّات النقديَّة. لقد جاء في قصيدة أبي تمَّام تمجيد السَّبي للنساء، بل جعل ذلك غاية (المعتصم) وجيشه من الحملة على (عمُّوريَّة)، 223هـ= 838م، وهو ما لا مسوِّغ له، مهما كان من فِعل الإمبراطور البيزنطي (ثيوفيلوس أو توفلس، -842م) وأتباعه، وإلَّا تساوت القِيَم والرؤوس في جاهليَّاتها، وإنَّما هي فُرَص القَنصِ تدور في سباسبها:

كَــــمْ نِـيْــــلَ تَحْـــتَ سَـــناهــــا مِنْ سَــنا قَمَــرٍ ... وتَحْتَ عارِضِها مِنْ عارِضٍ شَنِـبِ

كَمْ كـانَ في قَطْــــعِ أَسْبـــابِ الرِّقــــــابِ بِهــــا ... إِلى الـمــُـــخَـــدَّرَةِ العَــذْراءِ مِـنْ سَــــبَــــبِ

كَـمْ أَحْـرَزَتْ قُضُـــبُ الهِنْـدِيِّ مُصْلَتَـــــةً  ... تَـهْـــــتَـزُّ مِنْ قُـضُـــــــبٍ تَـهْـــــــتَـزُّ في كُــــثـُــبِ

بِـيْضٌ إِذا انتُضِيَتْ مِنْ حُجْبـِها رَجَعَتْ ... أَحَـقَّ بِالبِـيْـضِ أَتْرابـًا مِنَ الحُجُـبِ

فما القول في هذا الفتح العظيم لنَـيْلِ أقمار النِّساء، كما يُصوِّر أبو تمَّام، لا فُضَّ فوه، مغريًا غرائز جماهيره الذُّكوريَّة بأوصافٍ جسديةٍ حسيَّة "ملحميَّة"؟!

لو جاء هذا في غَزَلٍ، لعُدَّ شِعرًا ماجنًا فاحشًا، ولكان للمدافعين عن سفاهات الشاعر الحربيَّة مواقف أخرى. وهكذا يذهب شاعرنا الفحل إلى أنَّ قتل الرجال كان سببًا في الوصول إلى العذارَى في خدورهن، وإلى انتهاك أعراضهن، مقدِّمًا خلال ذلك معرضًا جسديًّا، يذكِّر بأسواق النخاسة الداعشيَّة، وما ذاك منَّا ببعيد! ها هي القصيدة شاهدةٌ على نفسها، وعلى ثقافتها المريضة. فماذا نقول؟! وبِمَ نُغطِّي شمس سيوفها التمَّاميَّة؟!

 - لا، لا ينبغي أن تنتقد هذا الخطاب!

...

وهذا مؤشِّرٌ واضحٌ على أنَّنا نُقدِّس الآباء والأجداد، ونَخِرُّ على نصوصهم صُمًّا وَعُمْيَانًا، وبُكمًا أيضًا، على طريقة أجدادنا من كفَّار قريش! نرفض انتقادها، مهما كانت واضحةً فاضحةً في نُبُوِّها عن الذَّوق الدِّينيِّ والحضاريِّ والإنساني. وهنا يأتيك مَن يَفِحُّ في وجهك:

- كيف تنتقد حماسةَ (أبي تمَّام)- قدَّس الله شِعره!- لحملة (المعتصم) على الرُّوم؟

وهذا سؤالٌ ينفث الكذب والمغالطة من سجائر مغشوشة! يدلُّ- كما رأينا في مقالٍ سابق- على أن المدافعين عن التُّراث بهذه الحماسة، وعن أصنامه بتلك الاستماتة، منافحين عن صريح خطابٍ غير سَوِيٍّ فيه، هم أنفسهم في حاجةٍ إلى علاجٍ قرائيٍّ قبل دراسة التراث أو الحِوار معه. والأغرب أن تكون تلك البطولة الدفاعيَّة عن البطولة البربريَّة آتية من قِبَل المرأة، التي كثيرًا ما كان الخطاب الذي تُدافع عنه لا يتوانَى في قتلها، أو التشجيع على وأدها، وانتهاك إنسانيَّتها، عربيَّة كانت أو غير عربيَّة. ولا تفسير لهذه الحُمَّى الحضاريَّة إلَّا أحد أمورٍ ثلاثة، كما أشرنا في مقالٍ سابق: إمَّا أنَّنا لا نقرأ تراثنا، وإمَّا أنَّنا نقرؤه ولا نفهمه، وإمَّا أنَّنا نقرؤه ونفهمه، لكنَّنا لا ننظر منه إلًّا إلى ما ننتقي ونهوَى، على منهاج "ويلٌ للمصلِّين..."، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى لا ننظر منه إلًّا إلى ما لا يتصادم مع تقديسنا المطلَق للسَّلف، الصالح والطالح معًا، على منهاج "إنَّا وجدنا آباءنا...".

ولقد يأتيك آخَر من آخِر الصفِّ صارخًا، إلى جانب صرخة (أبي تمَّام):

- ربما خفي على الشاعر أن الدُّوَل العُظمَى اليوم تفعل بالشعوب الضعيفة أضعاف ما فعل العَرَب؛ فهم يقتلون بالآلاف ويجوِّعون الملايين ويدمِّرون الحضارات!

موقنًا صاحبنا أنه بهذا التهافت في الاحتجاج قد أقنعك، بل قد أفحمك، ولاتَ حينَ مناص! فلا ينبغي عند صاحب هذا الخطاب أن تنتقد التراث، وإلَّا فأنت تنتقد العَرَب والمسلمين كافَّة، ولا أن تنتقد بعض ما وَرَدَ في كتب التاريخ، وإلَّا فأنت عدوٌّ لتاريخ الأُمَّة! ثمَّ بعد المغالطة تلك ينتقل بك إلى أرجوحة التبرير، محتجًّا بأنَّ الأُمم الأخرى تفعل وتفعل وتفعل، فلماذا تنتقد أن نفعل نحن كفعلهم؟ وهذا بابٌ شعبيٌّ عتيق، ينزع إلى تبرير الخطأ بالخطأ. وإلَّا لو كان ثمَّة منطقٌ سليمٌ، لكان: ما دُمْتَ تنتقد ما يفعله الآخَر بك وبالشعوب المستضعفة، فلماذا لا تنتقد نفسك وقومك وتاريخك أوَّلًا، لكيلا تفعل مثل تلك الأفعال المشينة، ولا تَسُنُّها للناس، بالقول أو الفعل أو الإقرار، بحالٍ من الأحوال؟ وإلَّا صدقَ عليك بيت (أبي الأسود الدؤلي):

لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأتيَ مِثلَهُ ... عارٌ عَلَيكَ إِذا فَعَلتُ عَظيمُ!

ومنطق "مَن يَنْهَى عَن خُلُقٍ ويَأتي مِثلَهُ " هو منطق الإرهابيِّين المعاصرين وقاعدتهم، ومنطق وَرَثَتهم فِكريًّا. فهم- وإنْ لم يكونوا بالضرورة من أتباع القاعدة عمليًّا، بأحزمة الديناميت الناسفة- أتباعهم نظريًّا بأحزمة الفِكر الناسفة، الأكثر خطورة. هذا المنطق يقول، ببلاهة:

- هم يفعلون، وينبغي أن نفعل مثلَهم، والبادئ أظلم!

إن الأزمة الثقافيَّة التاريخيَّة، إذن، تبدو أخطر بكثير من الأفعال الإرهابيَّة الطارئة، التي لا تمثِّل سِوَى أعراضٍ لأمراض مزمنة، متغلغلة في النسيج الثقافي، ومن ثَمَّ في النفوس والعقول، وما برح بيننا مَن يُحامي عنها، ويُحرِّم انتقادها، أو المساس برموزها وأعلامها. وهذا يؤكِّد الكَمَهَ الثقافيَّ المطبق، الذي لن ينقشع دون مراجعاتٍ عِلْميَّة، متجرِّدةٍ من العواطف العشائريَّة، والتبعيَّات التاريخيَّة، وجوقات الاصطفاف والترديد؛ مراجعات جديدة وجادَّة، تسمِّي الأشياء بأسمائها، بلا غمغمةٍ ولا مداجاة، فتَقبل الصواب لصوابه، وتردُّ الخطأ لخطئه، كائنًا ما كان مصدره، وَفْقَ معايير إنسانيَّة، من الحقِّ والخير والجمال، لا بمعايير التعصُّب والهوَى والقوميَّة والإديولوجيَّة وتقديس التاريخ والتراث.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...................................

 (1) انظر: صحيفة "الجزيرة"، السبت 19 ربيع الأوَّل 1441هـ، ص16:

http://www.al-jazirah.com/2019/20191116/cm48.htm

 

 

عصمت نصارإذا كانت الأقوال السابقة التى أوردتها «للمنفلوطي» تبرهن على أصالة خطابه؛ فحسبنا في السطور التالية الكشف عن الجانب الاجترائي في أقواله التى عبّر خلالها بشجاعة عن رفضه للكثير من الآراء السائدة والمعتقدات الفاسدة التى تبنتها معظم قادة الرأي المحافظين ونقلوها إلى الرأي العام والعقل الجمعي وجمهور العوام، الأمر الذى جعل منها مُثّلاً مقدسة لا ينبغي الخروج عليها أو العزوف عنها.

ومن أمثلة هذه المبادئ والأصول والآراء، الإجماع أو استبداد الكثرة وتقديس العوائد وجحد البدع واتهام الأغيار بالدُّونيّة والجهل وإقناع الجمهور بأن منبر الدين الذى فسّروه وأوّلوه هو عين الحقيقة ودونها باطل، فها هو يحتج على المفاهيم والأحكام الذائعة في الدين التى تستند إلى ما يطلقون عليه إجماع، مؤكدًا أن حجية الإجماع الشرعي ليست مطلقة بل مشروطة إمّا ببرهان نقلى قطعي الثبوت وقطعي الدلالة، أو برهان عقلي لا يقبل الشك في صحته - بديهي لا يختلف عليه عاقل.

إنّ من يتأمل حجية الإجماع بذلك المعنى؛ فإننا نؤكد أنه يستمد قوته من حجية العلة التى يستند إليها فلم يجمع الفقهاء في الإسلام إلا على الواضح، الضروري والثابت من الوحى - مثل قواعد الإيمان وأصول الإسلام - أما ظني الدلالة من النصوص والمحتكم إلى الواقع من الفروع والمحتاج إلى إمعان النظر لاستنباط المقصد من الأوامر والنواهي، فليس فيه إجماع، بل هو موقوف على ظهور المجددين والمجتهدين وأصحاب الرأى لمسايرة الواقعات ومعالجة المشكلات التى تتعلق بأمور الدين والمجتمع، وأن من يشكك في أن الإجماع ليس حجة في ذاته عليه بدراسة تاريخ الفقه الإسلامي واختلاف الأئمة الذى يعد برهانا على منهجية المفكرين في الاستنباط من جهة واحترامهم لرؤى الأغيار من المجتهدين بغض النظر عن كم المؤيدين أو المعارضين من جهة أخري.

وهو يتفق في ذلك مع «الشيخ حسن العطار» ومدرسة «الإمام محمد عبده»، الذين قدموا الاجتهاد في الأمور الظنية من الأمور الشرعية وبينوا أن تجديد الدين مرهون بوجود الاختلاف، كما أنهم أنكروا تمامًا الادعاء الشائع بأن خير المسلمين في التمسك أو الانتصار لرأي واحد حتى لو كان غير صائب مادامت الكثرة معه؛ فالمراد بالإجماع عندهم هو إجماع المجتهدين في كل عصر وأن رأيهم غير ملزم الآخذ به في عصرٍ آخر أو في أوضاع وظروف مغايرة لرأي المجمع عليه من السلف.

كما يرفض «محمد رشيد رضا (1865م - 1935م)» ما يدعيه بعض المحافظين بعصمة المجتهدين أو أهل الحل والعقد بل هو رأى الذى يصدق عليه الصواب والخطأ، ومن ثمّ فالمعيار هو المصلحة وتحقيق المقصد الشرعي.

ويضيف «عبدالحميد الزهراوي (1855م - 1916م)» أنه من العسير الوقوف على كل آراء المجتهدين قديمًاً وحديثًاً ومن ثم يصبح مصطلح الإجماع غير موجود في الحقيقة، ويشهد بذلك الواقع المعيش؛ فالقائلون بوجود الإجماع أقرب إلى الوهم منهم إلى الحقيقة، وأن «ابن تيمية (1263م - 1328م)» قرر بأن الإجماع المدعى في الغالب إنما هو عدم المعرفة بالمخالف.

ومن أقوال «المنفلوطي» في ذلك «ليس إجماع واحد أو عشرة آلاف أو مائة ألف متأثرين بشعور واحد مستمدين قوة واحدة على رأى من الآراء دليلًا على صحة ذلك الرأي، لأنه رأى فرد واحد تأثر به الباقي تقليدًاً وعدوى، ورأى الواحد مترجح بين الخطأ والصواب».

وقد تأثر بهذا الرأي «الشيخ على عبدالرازق (1888م - 1966م)» و«الشيخ عبد المتعال الصعيدي (1894م - 1966م)» و«خالد محمد خالد (1920م - 1996م)» وغيرهم من المجددين في النصف الأول من القرن العشرين الذين صرحوا بأنه ليست هناك سلطة كهنوتية في الإسلام، وأن باب الاجتهاد لم يغلق بعد عصر الصحابة كما يزعم بعض المتعصبين من الجامدين الرجعيين.

وينتقل مفكرنا إلى الخصومات المذهبية والمناظرات الفكرية موضحًا أن تثاقف العلماء وتناظر المبدعين مطلوب دومًاً لتقدم الأمم وانتخاب الأفضل للتغلب على المشكلات وجلب المصالح وسد الاحتياجات.

أمّا التراشق اللفظي والتعصب المذهبي والعنف الطائفي واستبداد الكثرة أو أصحاب السلطة أو المتطرفين فكل هذه الأشكال غير مرغوبة تماماً، أمّا الاصطفاف والاجتماع على قرار فليس السبيل إليه تظاهر العوام وعلو أصواتهم باسم الديمقراطية ولا أصحاب المصالح من الحكام باسم القوة والهيمنة والسيطرة ولا بفتاوى المتعالمين من أرباب الفتن الملية والطائفية بل هو الاحتكام للعقل دومًاً والقراءة المتأنية للواقع والظروف المحيطة والمنفعة العامة وفهم دقيق لمقاصد المقدس ومآلاته.

ومن أقواله في ذلك:" إن وجود الاختلاف بين الناس في المذاهب والأديان والطبائع والغرائز سنة من سنن الكون، التى لا يمكن تحويلها أو تبديلها حتى لو لم يبقِ على ظهر الأرض إلا رجلٌ واحد لجرد من نفسه رجلًا آخر يخاصمه وينازعه، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة».

«إن هذه الأحقاد الدينية التى تلتهب في صدور الناس التهابًاً لا تؤججها في صدورهم الأديان نفسها، بل رؤساء الأديان الذين يستخدمونها ويتجبرون بها في أسواق الغباوة والجهل».

ويتضح ممّا سبق أن مفكرنا «مصطفى لطفى المنفلوطي» يعد بحق من الأدباء المجددين الذين أدلوا بدلوهم الإصلاحي في الثقافة العربية، وأثروا في معظم المثقفين في النصف الأول من القرن العشرين، ولعلّ ما أوردناه من آرائه يبرر حكمنا عليه، ويؤكد في الوقت نفسه صدق دعواتنا إلى ضرورة القيام بمراجعات نقدية لأفكار قادة الرأى في الفكر العربي الإسلامي الحديث والمعاصر، والتحرر من التصنيفات والأحكام المتسرعة التى مازلنا نعانى منها. وللحديث بقية عن عالم آخر من المجددين في معية المحافظين.

 

د. عصمت نصار

 

محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي مع أستاذي الدكتور حسن حنفي بأن التواصل بين الأجيال أحد مكونات الوعي التاريخي؛ حيث إن كل جيل يبدأ من الجيل السابق ويتجاوزه؛ فلا يوجد جيل بلا أساتذة إيجاباً أم سلباً؛ وكل جيل يواصل الجيل السابق ويقطع معه؛ ولا أحد يبدأ من الصفر حتى يحدث التراكم التاريخي الضروري لبلورة الوعي التاريخي الفلسفي كنواة للوعي التاريخي العام. ولا يعني تواصل الأجيال التكرير؛ تكرير الجيل اللاحق للجيل السابق أو المديح والتقريظ الذي يصل إلى حد التملق والتفخيم والتقديس والتأليه طلبا للشهرة الإعلامية والذي ينقصه الصدق نظرا لأنه يتوجه للكل وفي كل المناسبات بلا استثناء . بل يعني القدرة علي الإكمال وإعادة القراءة من الزمن الأول؛ زمن كتابة النص؛ إلى الزمن الثاني؛ زمن قراءته والذي قد يصل إلى حد نصف قرن؛ قل أو كبر؛ وهو عمر الجيل . يعني إعادة كتابة النص الأول ونقله من ظروفه الأولي إلى ظرفه الثاني؛ وكأن الجيل السابق قد بعث من جديد في روح الجيل الحالي؛ وأخذ  يتكلم بلسانه؛ فالروح تتواصل في التاريخ؛ والتاريخ يتراكم في الروح؛ والمراحل تتوالى علي الأمد القصير والدورات تبدأ وتنتهي علي المدي الطويل

وإذا كانت لكل عصر من العصور سماته وقضاياه؛ فإن الكثير من قضايا العصر الحديث  مرتبط بالمرأة؛ فالحديث لا يتوقف ولا يهدأ عن تحرر النساء وحقوقهن السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ وعن إزالة كافة أشكال التمييز عنهن؛ كثر الحديث عن المرأة في التاريخ وعند الفلاسفة والمفكرين .

ولقد ظهرت فلسفة حديثة أطلق عليها الفلسفة النسوية أو الفلسفة الأنثوية أخذت علي عاتقها أن تري الوجود كله بعيون الأنثي؛ حتى العلوم الطبيعية أخذت نصيبها من الفلسفة؛ ومع بداية العصر الحديث ومع قيام الثورة الصناعية والحاجة للمزيد من الأيدي العاملة؛ ومع حروب عالمية استهلكت البشر كما استهلكت البيئة؛ كان التدشين لعصر جديد للنساء يدخلن آلة العمل بقوانينها الجبارة؛ وكان لا بد من قيام أفكار وفلسفات جديدة لخدمة هذا التوجه؛ فكانت حرية المرأة؛ وحرية الجسد؛ والبحث عن دور جديد للنساء ... الخ (وذلك حسب ما ذكرته الباحثة سلوى محمد نصره في مقدمة كتابها الفلسفة النسوية في فكر الإمام محمد عبده).

ومع دخول القرن التاسع عشر ظهر الفكر النسوي في شكل ثورة تطالب خلالها بحقوق المرأة نتيجة الاضطهاد الذي عانت منه عبر العصور وفي مختلف الديانات، انطلاقا من نقدها للسلطة الكلية للرجل على المرأة من خلال تغيرها لعدة مفاهيم، فتعتبر أن الأبوية ذريعة اتخذها الرجل للسيطرة على المرأة، باستغلاله لطبيعة جسدها الضعيف أمام جسده، فليكون هناك توازن على المرأة أن تحقق هويتها وذاتها بأن تكون عنصر فعال في المجتمع، لتظهر خلال هذا كله موجات وتيارات نسوية، فالموجات النسوية تمثلت في ثالث موجات ابتداءً من الموجة الأولى التي كانت تبلوراتها خلال سنة 1792م كتمهيد للموجة الثانية التي كانت بين سنة 1960م حتى نهاية القرن 20م، لتأتي الموجة الثالثة كآخر موجة التي كانت بداياتها من التسعينيات لتمتد إلى يومنا هذا؛ حيث عملت النسوية خلال هذه الموجات إعادة الحقوق للمرأة مهتمة بكل قضايا المرأة. نفسها. لنجد التيارات على تحقيق العدالة والنسوية التي تبدأ بالتيار النسوي الماركسي، ثم التيار النسوي الليبرالي، فالتيار النسوي الاشتراكي، أخيراً نجد التيار النسوي الراديكالي. لتبرز الفلسفة النسوية الغربية وحتى العربية في كافة المجالات العلمية والفكرية.

ومن أهم المفكرين الذين أولوا قضية المرأة عناية فائقة والمنظرين لأسس الفلسفة النسوية بمفهوم ورؤية خاصة تستحق الدراسة والتحليل هو الأستاذ ماجد الغرباوي؛ ذلك الرجل الذي يمثل (كما قال الأستاذ شاكر فريد حسن في مقاله ... ماجد الغرباوي المثقف التنويري والمفكر المضيء): رمز ونجم فكري وثقافي نقدي لامع يتجدد كل يوم في فضاءات العلم والثقافة والسياسة والمعرفة؛ ويقف ضمن طليعة المفكرين والمثقفين العرب المستنيرين والنقديين المشتغلين على نقد الفكر الديني والحركات الاسلامية ومسائل النهضة والاصلاح والتجديد والمعاصرة والتنوير والعنف والتسامح بين الاديان والعقائد والمذاهب؛ وقضية المرأة ومسألة تحررها المرتبطة بتحرر المجتمع كله . فهو يتمتع بموهبة أدبية ابداعية وخلاقة وآفاق علمية واسعة؛ ويتصف بالذكاء والفطنة والبصيرة الثاقبة وبعد النظر والرؤية الواضحة والوعي المتجدد المتوهج المتوقد ... وهو المفكر المتواضع الثري بالثقافة الاسلامية والفكر الانساني والوعي النقدي؛ والانسان العصامي؛ الصلب؛ المقاتل والمحارب بالكلمة والقلم؛ والثورة لديه فصل حب وعشق كوني شمولي ... هو كذلك المفكر المتمرس المتبحر في التراث الاسلامي؛ يملك الأسس العقلية المنفتحة والأدوات الفنية التي يعتمدها اسلوبه الكتابي النقدي ومقارباته الفكرية والثقافية؛ التي تعد اهم ركائز واوليات الاستنساخ للمثقف المبدع الخلاق المبتكر المجدد ... وهو أيضا كاتب وباحث عميق وجاد؛ صاحب مشروع فكري نهضوي معاصر يسعى من خلاله الى ترشيد الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي؛ ومن خلال قراءة متجددة للنص الديني على اساس النقد والمراجعة المستمرة من اجل فهم متجدد للدين كشرط أساس لأي نهوض حضاري وعصري متقدم وجذري  يساهم في تأصيل قيم الحرية والتسامح والعدالة في اطار مجتمع مدني خال من العنف والتنابذ والاحتراب .

والسؤال الآن : ما هي رؤية ماجد الغرباوي لأفكار الفلسفة النسوية من مكانة المرأة ؟ والمساواة؛ والحرية؛ وحقوق المرأة وأيضا موقفه من الفلسفة النسوية الغربية والفلسفة النسوية العربية؟ ما وماهي المنطلقات الفكرية في نظر الأستاذ لنسوية ما بعد الكولونيالية ؟ وهل يعد القهر الذي تتعرض له المرأة موضوعا عالميا وليس موضوعا عربيا؟؛ وكيف تقهر المرأة من وجهة ماجد الغرباوي ؟ وما هو مفهوم النظام الأبوي وما ماصدقاته؟ وماهي الأصول الفلسفية لتبعية المرأة في هذا النظام ؟ وما فلسفة النظام الأبوي في تربية المرأة ؟   وذلك من وجهة نظر الأستاذ انطلاقا من الايدلوجية التي يتبناها ماجد الغرباوي ؟ وأسئلة كثيرة أخري صاغها كاتب تلك السطور وأجاب عنها بإفاضة الأستاذ ماجد الغرباوي .

إن رؤية ماجد الغرباوي تتضح من خلال مشروعه التنويري والذي يقول عنه: أما عن مشروعي، فسأبداء ببيان الخطوط العريضة لرؤيتي حول النسوية، معززة بالمبادئ التي اؤمن بها:

أولاً - أسعى في مشروعي إلى إقامة مجتمع مدني متحضر، يأخذ بأسباب العلم والمعرفة، ويعزز قيم الدين والفضيلة، باعتبارهما قيما إنسانية أصيلة تكافح الظلم والعنف وتعضّد روح التسامح والسلم الأهلي. وتقوض مشاريع الهيمنة والتوسع والسيطرة، وخطط إذلال الشعوب ونهب ثرواتهم. وتساهم في التحرر من سطوة المؤسسات الدينية والأفكار المتطرفة والهدامة. وعلى هذا الأساس أقارب موضوعات النسوية تارة باعتبارها فردا، وثانية باعتبارها جزءا من المجتمع.

ثانياً- تعريفي لمفهوم النسوية - Feminism، وفقا لمفهوم الفلسفة المعاصرة، القائمة على النقد والعقلانية، هو: (تحرير وعي المرأة وإعادة تشكيله وفق رؤية إنسانية عادلة). ليكون موضوعها: (نقد مكونات الوعي وارتهانات تشكيله). وقد تمت الإشارة له سابقا، أذكر به للمناسبة.

ثالثاً - تبدأ الخطوة الأولى على طريق تحرير المرأة، واستعادة حقوقها، من استرداد إنسانيتها، واستعادة ثقتها بنفسها، وبعقلانيتها وحكمتها وقدراتها العقلية والنفسية، بعد تحرير الوعي من تراكمات التربية والبيئة وسطوة التراث والعادات والتقاليد، وعقد النقص والدونية.

رابعاً - توظيف الخطاب الديني العقلاني، وقيم الحضارة الحديثة، والقيم الأخلاقية والإنسانية، لإعادة تشكيل وعي الرجل بالمرأة، وانتزاع اعتراف حقيقي بإنسانيتها، يضعها على قدم المساواة معه. للتخلص من منطق المنّة والشفقة والتكرّم والتفضّل المستوطن وعي الذكر في تعامله معها.

خامساً - ما لم يكن اعتراف المجتمع بإنسانية المرأة اعترافا حقيقيا يبقى التسامح معها تسامحا شكليا، ويواصل الرجل نظرة الازدراء، يضع نفسه فوقها، ويتعامل معها بتعالٍ ذكوري.

سادساً - تستمد حقوق المرأة مشروعيتها من إنسانيتها. تبقى تدافع عنها على هذا الأساس، وتشعر بالظلم والإهانة عند الاستهانة بها. أما المرأة المنهزمة فتبقى مشروعية حقوقها مرتهنة للرجل وإرادته. فتتعرض للاضطهاد والظلم، دون التمرد عليه باعتباره قدرها. وهذا فارق جوهري اؤكد عليه دائما في مسألة النسوية، وأعتبر جميع الحقوق بناء فوقيا، ينبغي أن يؤسس على أسس إنسانية وعقلية وأخلاقية. ينبغي للمرأة أن تحدد حقوقها بنفسها، بعيدا عن سطوة الرجل وسلطته. وهو ما نراه الآن، حيث الذكر هو الذي يحدد حقوق المرأة.

سابعاً - أؤمن من حيث المبدأ بحرية المرأة ومساواتها مع الرجل، ما لم تمسا قيم الفضيلة، التي هي أساس تماسك الشعوب. لذا أميل للحرية العادلة، والمساواة العادلة. والعدالة قيمة نسبية، تحددها مصالح الشعوب ومرتكزاتها الفكرية والعقدية إضافة إلى التزاماتها الاجتماعية (عادات، تقاليد، تعليمات دينية، لوائح قانونية، مقررات) التي تستمد شرعيتها من شرعية تعاقد مضمر بين أبناء الشعب، أو عقد اجتماعي، وجود الفرد يؤكد قبوله به، فيفرض عليها الالتزام به. ومن يعش داخل مجتمع، يلتزم بما يلتزم به أفراده. التزام يحيل على عقد اجتماعي يستمد شرعيته هو الآخر من عدالته والالتزام به. وقد يحد المجتمع من حريات أفراده، شريطة أن تكون قيودا عقلانية، تصب في مصلحة الجميع، وينتفي عنها صفة الاعتداء والظلم. أي أن تحديد الحرية التي هي صفة وجودية للإنسان، لا يعتبر اعتداء، مادام له مردود إيجابي على الجميع والمرأة جزء منه. فهي تتنازل عن بعض حريتها لأجل تعزيز قيم الفضيلة التي تعضد تماسك الشعب. وهكذا بالنسبة للمساواة، فهي حق للمرأة أصالة، لكن لا ينبغي للرجل استغلالها لإقحام المرأة باسم المساواة إلى سلوك يضر بمصداقيتها، كأن يجبرها على عمل شاق فوق طاقتها وقابلياتها، باسم المساواة فيوجب عليها ذلك، لذا اشترطت في المساواة العدالة، كشرط أساس لتحقيق توازن قيمي، يراعي خصائص المرأة، خاصة البايلوجية. والعدالة تحفظ حقوق الجميع، دون غَبن أو ظلم. فثمة فرق بين الحرية والمساواة باعتبارهما لازمين لوجود المرأة. وبين الحرية والمساواة كممارسة اجتماعية خاضعة لشروط العقد الاجتماعي.

ثامناً - الدين تجربة روحية تروي ظمأ الإنسان المتعطش للمطلق، والمرتهن للغيب والمقدس. يغمره قلق مصيري لا شعوري، وتوق جنوني للسمو يستبد به وهو يعيش تجربته، فتنعكس آثارها على سلوكه ومشاعره ومواقفه. والدين بهذا الفهم الصوفي يساهم في تعميق قيم التسامح والسلم الأهلي، حينما يضفي الدين معنى لحياته وتضحياته، ويرفد المجتمع بقيم المحبة والسلام، ويساهم في تماسك الأواصر الاجتماعية، والحث على العمل الصالح. وعدم التآمر ضد مصالح شعبه ووطنه. لا يسود الاستقرار والأمن، ولا تحقق المواطنة أهدافها من خلال القوانين وقوة القضاء، بل ينبغي وجود ثقافة موازية تثقف الشعب على القيم والمبادئ الكفيلة باستقرار الشعب. والدين بالمعنى المتقدم يلعب دورا إيجابيا عندما يخلق وازع التقوى، وحب الخير، وحينئذ سيلتزم بالأنظمة والقوانين حتى في خلواته بعيدا عن عدسة الرقيب الأمني. وهذا النمط الديني يعارض منطق الفرقة الناجية، ويفتح باب النجاة أمام  الجميع، ويحول دون دعوى احتكار الحقيقة، وسيادة منطق التكفير.

تاسعاً - الأحكام الشرعية، أحكام نسبية، ترتهن فعليتها لفعلية موضوعها، وبعد أربعة عشر قرنا، حصلت تحوّلات حقيقية، ينبغي أخذها بنظر الاعتبار، إذا أن الشريعة قائمة على أساس ملاكات ومصالح ومقاصد، ويمكن اعادة النظر بجملة منها، باستثناء بعض العبادات.

عاشراً - أهم إشكالية تواجه المرأة عامة والمرأة المثقفة خاصة، تحرير العقل الجمعي من ذكوريته وسلطويته واستخفافه، ليرقى إلى مستوى إنسانيته في تعامله معها. مع تعميق ثقتها بذاتها وبمنجزها، بعيدا عن تاء التأنيث، تحاشيا لإعادة انتاج الذكورة من خلال تكريس الأنوثة. وهذه اشكالية مركبة، تتطلب من المرأة عملا مزدوجا. تنقية العقل الجمعي من قيم التمايز الجنسي، وتأكيد إنسانيتها، من خلال مواقفها ومنجزاتها بعيدا عن التكريس اللاشعوري للأنوثة. فتارة تكرّس المرأة الذكورة وهي تقاوم تحدياتها، فتعيد انتاجها بصيغ مختلفة. وهذا ما يحصل حينما تصرّ المرأة على تأنيث منجزها تفاخرا أو تحديا، أو تكريسا لخصوصيتها، ليبقى المجتمع العربي في دوامة ثنائية المرأة / الرجل. الذكر / الأنثى. وتبقى نبرة الرجل تعلو صوت المرأة، رغم حضورها الكبير على المستوى العلمي والأكاديمي والاجتماعي والثقافي والأدبي والفني. بل ونافست الرجل في أعلى مناصب القيادة عندما مارست السلطة والحكم (رئيسة دولة أو رئيسة وزراء)، أو كوزيرة ومستشارة، ومديرة، ورائدة فضاء، وبرلمانية... وللحديث بقية !

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

................................

يمكنك الاطلاع على الكتاب من خلال الرابط أدناه 

 

الفلسفة النسوية في مشروع ماجد الغرباوي التنويري

 

 

 

 

 

 

الشعبوية تعنى بالشعب والجماهير، خاصة من الناحية الكمية وليست الكيفية، وما يؤثر في توجهات الجماهير سلباً أو إيجابا، ومتعلق في مسألة الوعي الجمعي والمجتمعي.

وقد ارتبطت الشعبوية بالعمل السياسي، ولكننا لا ننكر أنها تسربت إلى كل أنماط السلوك والعمل الاجتماعي، ويلعب وعي الجماهير دورا كبيرا أيضاً في توجيه السياسيين والدينيين وغيرهم من المعنيين في الساحات الاجتماعية.

ولو انتقلنا بالفكرة من بعدها السياسي إلى بعدها الديني والثقافي، لوجدنا أن الشعبوية هي جزء من سلطة العوام على مسيرة تطور الفكر الديني والثقافي، التي تتحكم بعمل الفقيه في استنباطات الحكم وفق أسسه السليمة، وتلعب أيضا في رسم توجهات كثير من المثقفين، ورسم معالم أولوياتهم في الاصلاح والنهضة، وعلى مستوى الثقافة والفكر والنقد والأدب.

أي ان النظام المالي ليس المعني الوحيد بهيمنة العوام على هذه المسيرة، ولكن أيضاً الشعبوية، التي إما يتقوى بها الفقيه والنخب من المثقفين والمفكرين السياسيين لطرح ما لديهم من أطروحات قد يكون بعضها تقليدياً تراثياً، أو بعيدا عن هموم النهضة ومعيقاً في مسيرة تطور الفكر الديني والثقافي، وإما أنها تكون القيد الذي يقيد الفقيه وتلك النخب ويحد من قدراتهم للإفصاح عن الحقيقة "الفتوائية" لحكم ما، خوفا من العوام، وأيضا ينطبق ذلك على النخب الفكرية والثقافية.

فلولا العوام لكان الكثير من الفقهاء والنخب مبسوطو اليد واللسان في الافصاح عن حقيقة كثير من الفتاوى والأفكار التي تم التعتيم عليها، خوفا من العوام.

فنحن هنا أمام عدة حالات أهمها:

١- شعبوية تعيق وتقيد العلماء والنخب، وهنا موقف هذه النخب يعتمد على تشخيص الأصلح والأهم، إما وفق قاعدة تزاحم وتعارض المصالح، أو قاعدة تشخيص المصلحة والمفسدة، ولكل حالة يفترض من النخب دراستها وفق أسس سليمة وتشخيص مفاسدها ومصالحها ومن ثم بناء موقف وفقا لدراسة التشخيص الأنسب، أما الرضوخ الغير مدروس بحجة الخوف على المشاريع الخاصة، أو العزل الاجتماعي، فإن ذلك يكرس مع الجهل على حساب الوعي، وهنا لا أدعو لمواجهة هؤلاء مواجهة عنفية، بل أعني أن النخب من العلماء والمثقفين وظيفتهم هنا تشخيص الموقف الأنسب لكشف الحقيقة وآليات كشفها، ورصد كل الوسائل الممكنة في مواجهة هذه الشعبوية الصوتية غالبا، مواجهة معرفية مدروسة.

٢- شعبوية ترجح آراء لحساب آراء، وهذه الشعبوية غالبا لا تعتمد في ترجيحاتها على مرجحات علمية وموضوعية مدروسة بشكل دقيق، بل تعتمد غالبا على انفعالاتها وميولها خاصة العقدية، لذلك تلعب دورا مهما في تقوية مسار ضد آخر، وفي تبني آراء وإهمال أخرى، وهذه الشعبوية يستخدمها كثير من النخب من العلماء والمثقفين في مواجهة الآراء الأخرى خاصة الجديدة منها، مواجهة ليست معرفية قائمة على المحاججات البرهانية، بل مواجهة عنيفة يسقط فيها المختلف اجتماعيا وتسقط معه آراءه حتى لو كانت صائبة، وهذه هي الشعبوية الموجهة التي يستغلها البعض لتحقيق ما يراه هو، فهناك مرجعيات دينية وعلماء ونخب وخطباء استطاعوا فعليا أن يستخدموا سلطة العوام، أي الشعبوية، في الحفاظ على مكتسباتهم الفكرية التي تعتمد على التراث أكثر من اعتمادها على أصول ثابتة ومعاصرة في الفكر الديني. وقد تكون ظاهرة المنابر وما يرشح عنها هي أكبر ظاهرة تدلل على سلطة العوام، فالكثير من الخطباء يلجؤون إلى الطرح، إما التقليدي جدا البعيد عن واقع الدين والمختلط بالأعراف والتقاليد الباطلة، وإما إلى الطرح المذهبي القصصي نزولا عند رغبة عوام الناس.

٣- شعبوية واعية تواجه الانحراف بكافة أشكاله، وتضم في صفوفها النخب الفاعلة، التي تواجه الآخر المختلف مواجهات معرفية رصينة، تقوم على المحاججات البرهانية، ويكون جل همها رفع منسوب الوعي عند الجماهير، وتحويلها لرصيد فاعل في النهضة والتغيير.

فوظيفة المثقف أن يكون هو الراصد للإشكاليات الاجتماعية وهموم المجتمع، وأن يلعب دورا فاعلا وإيجابيا في وعي الجماهير وتوجيه هذا الوعي في تحقيق واقع الاصلاح والتغيير، وليس تحقيق مصالحه الخاصة. فالشعبوية ليست شر مطلق ولا خير مطلق، بل هي تعتمد كأداة فاعلة في التغيير، على الوعي وعلى معايير الخير والحق، وهي معايير على المثقف أولا استيعابها بشكل فاعل ، هذا إضافة إلى أن المسؤولية المكتنزة في داخل المثقف هي التي تدفعه لمواجهة القوة الخفية في الاجماع الشعبوي على قضية من القضايا، لأنها تعري مخاوفه النابعة من حب الانتماء للجماعة، والتي يرتفع منسوبها عند بروز إشكاليات اجتماعية يريد أن يواجهها بوعيه لا بوعي الإجماع الشعبوي، وتحت ضغط حب الانتماء والخوف من الإقصاء الاجتماعي والعزل التي تبرز عند الإجماعات الشعبوية وقوتها الخفية، فالمثقف عليه التخلي عن هذا الشعور الانحيازي للانتماء وحاجته له، وأن يواجه هذه القوة الخفية وهذه الحاجة الذاتية بفهم الواقع، وإدراك واقع هذه الإشكاليات وجذورها ومواجهة الإجماع الغير صائب، بالحقيقة والحلول التي تحل هذه الإشكاليات جذريا وليس ترقيعيا نزولا عند رغبة المجتمع، مراعيا في ذلك القابليات المختلفة في المجتمع، وموظفا خطابا يدركه الجميع، ومراعيا الرفق في طرح الحقيقة بتدرج لا يخل بالواقع وحقيقة الحلول.

"يؤكد مولر في كتابه[2] على ضرورة الحوار مع الشعبويين والإنصات لجمهورهم وعدم معاملتهم بدونية واحتقار، وهو ما يستلزم أيضاً محاولة فهم السياقات التي تدفع بالجماهير إلى الارتماء في أحضان الحركات الشعبوية، وهو تنبيه مهم في سياق مآلات الربيع العربي، خاصة وأن هذه المآلات السلبية في عدد من دول الربيع قد أدت بالعديد من النخب إلى تغليب الرأي القائل بأن الجماهير ميالة دائماً للعاطفة والعنف. فأحد المؤشرات المثيرة للاهتمام على هذه النظرة الدونية في الدول العربية هي الشعبية التي أصبح يتمتع بها في السنوات الأخيرة كتاب “سيكولوجية الجماهير” الذي صدر منذ أكثر من قرن للمفكر الفرنسي غوستاف لوبون، وهو كتاب يؤكد على النوازع العاطفية والغرائز اللاعقلانية والتدميرية للجماهيرـ وهي رؤية  لا تخلو من التبسيط، وتؤدي في نهاية المطاف إلى نفس النظرة التحقيرية والمتعالية التي يحذر منها مولر"[3][4].

وللشعبوية اليوم أدوات عديدة وجديدة، فلم تعد الساحات العامة والأماكن الحساسة في البلد هي الساحات الفاعلة فيها تلك الجماهير، فاليوم هناك وسائل سهلة جدا ومتوفرة بشكل كبير لدى الجماهير، أهمها مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى منابر صوتية، يمكن من خلالها تشكيل رأي عام ضاغط يدفع باتجاهات غالبا صوتية غير مدروسة، وتكون في كثير من الأحيان مؤثرة في قرارات أي سلطة، دينية كانت أو ثقافية أو سياسية.

فبعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، لم تعد صناعة الوعي محصورة دون صدى، بل باتت تفاعلية ذات صدى عالمي، يتفاعل فيها الأفراد من المجتمعات المختلفة تفاعلا تواصليا ينعكس على حركة الوعي الفردي والاجتماعي، وتتواصل فيها مكونات المجتمع كافة بشكل مباشر وإن افتراضي مع النخب من العلماء والمثقفين والمفكرين والأكاديميين، وتطرح الأسئلة بكافة إشكالها دون حرج، ويتم التفاعل مع هذه الحوارات والآراء بشكل مفتوح وواسع وكبير جدا.

ويتم من خلال هذا التفاعل تشكيل حركة موجية تتسع بشكل سريع ومتدرج تنتقل فيها الآراء والمعلومات بسهولة، ويتشكل خلالها وعي غير مكتمل، كون هذه المنصات إما تتحكم بها قوانين معينة أو محددات تمنع من تعميق الأفكار وتكاملها، وتطرح رؤوس أقلام تتحول ضمن ثقافة الجمهور إلى مسلمات دون فحص كل جوانبها ومبانيها وزوايا النظر فيها. فيتم تلاقف الآراء التي قد يكون مصدرها مجهولا أو منسوبا لشخصيات موهومة، يتم تناقل هذه الأفكار كمسلمات معرفية، بسرعة كبيرة تنتشر في مساحات وعي الجمهور وتشكل إما معول هدم وتبديل، أو معول بناء وتطوير، ويعتمد ذلك على نوعية الأفكار، ومستوى وعي الوسط الاجتماعي المطروحة فيه، ومدى فاعلية النخب وقدرتها على تفنيد تلك الأفكار ومواجهة غثها وسمينها.

وفي دراسة للمركز الديموقراطي العربي بعنوان : "دور مواقع التواصل الاجتماعي في السياسة الدولية" يذكر: "لقد أحدثت مواقع وسائل التواصل الاجتماعي ثورة في عوالم الاتصال والتواصل والمعلومات ، ومست بقوة بمنظومات القيم الاجتماعية والثقافية وتدخلت على نطاق واسع في تغيير البنى والمؤسسات السياسية وفي حتى التلاعب بموازين القوى السائدة ، فقد أجمع خبراء الاتصالات على أن دخول أدوات الاتصال الجديدة إلى مجتمع ما ، يؤدي حتما إلى تعديلات وتأثيرات في منظومة القيم الإجتماعية مما ينعكس على النظام السياسي الداخلي ، وعليه فمنذ انطلاق مواقع التواصل الاجتماعي عبر شبكة الانترنيت والمتضمنة (face book  &Twitter & YouTube)    وإلى حد هذه اللحظة بلغ عدد مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي في العالم إلى ما يقارب ٤ مليارات مستخدم يملكون حساب وصفحة، سواء أكان هذا الحساب في الفيس بوك أو التويتر او الانستغرام أو حتى تطبيقات الأندرويد) فايبر و واتس اب وتليغرام ..الخ (حيث لاتزال هذه الوسائل تلقي الرواج والانتشار السريع لأنها اصبحت (ثورة العصر) أولاً ، وثانياً هناك من وضع الخطط لنشرها عن طريق توفيرها بأسعار زهيدة الثمن وتكاد تكون مجاناً ، ولذلك يختلف تعامل الدول والمجتمعات مع هذه الأدوات التواصلية من دولة لأخرى، وذلك حسب نظامها السياسي وأيديولوجيتها ودرجة حساسيتها الثقافية والسياسية"[5] .

"أن الابعاد الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي والتي لا تنشأ في الأصل من فراغ وإنما تخضع الى اعتبارات إيديولوجية فمؤسسو الشبكة سواء كانوا أفراداً أو جماعات يتبنون أفكاراً معينة، وتنشأ بناء على هذه أفكار الشبكة (نموذج شبكة الفيس بوك)، وهذا لا يعني أن هناك حالة سكونية في البناء الشبكي، إذ قد تتغير الوجهات الفكرية لمؤسسي الشبكة تبعاً لتغيير الإيديولوجيا المسيطرة على تفكريهم، خاصةً أن الإيديولوجيات ليست حتمية ولذلك ظهرت محددات تبرز الطابع الإيديولوجي للشبكات الاجتماعية ومنها:

١- الإيديولوجيا السياسية وما يدور حولها من أحداث، أذ أصبحت هذه الشبكات أشكالاً من المداولة والنقاش حول الشأن العام، وسمحت للنخب تجاوز أليات تغيبها في المجال العمومي التقليدي الذي تسيطر عليه الدولة.

٢- الشبكات الاجتماعية لا تعمل بمعزل عن سياقها أي (المجتمع الافتراضي (، و إذا كانت الفرضية الأساسية للمجتمع الافتراضي منذ نشأته ترتكز على مشاركة الاهتمامات، فإن الأفراد أو الجماعات عند النفاذ إلى الشبكات الاجتماعية، يحتكمون إلى الاهتمامات التي تعد بدورها محدداً إيديولوجياً ينطوي على عنصر اختيار، يستمد مرجعيته من الأطر الفكرية الحاكمة للمستخدمين.

٣- إن الشبكات الاجتماعية أفرزت أشكالاً جديدة من الفعل الجماعي، وخلقت فضاءات بديلة اقتضت جماعات افتراضية، وتكونت حولها مشاغل مشتركة سياسيه واجتماعية وفنية ورياضية ومهنية تنطلق من أيديولوجيات متعددة. 

بروز قادة رأي عام حدد لهم منابر إعلامية وتقنياتهم الخاصة لحشد الجماهير وتعبئة الأفراد ،وقد تكون هذه من أهم المحددات الإيديولوجية للشبكات الاجتماعية ، وذلك لكون قادة الرأي العام في مواقع التواصل يؤثرون بالمجتمع، وأصبحوا فاعلون باستطاعتهم أن يغيروا في الحياة ألاجتماعية والسياسية والثقافية ، ومع هذا وفي ظل تحولات العالم سياسية وخصوصا الواقع العربي برز فاعلون جدد من مختلف دول العالم، لا يأخذون جهداً في التسلسل للمجتمع الشبكي والذي أصبح نظاماً للعلاقات السياسية والاجتماعية والإنسانية والاتصالية ومتحكما فيها أيضا ، إذ يحاول هؤلاء استغلال أية وسيلة أو منصة لتكون وسما لهويتهم[6]. 

"من الناحية السيسيولوجية، فأن دخول التكنولوجيا الرقمية في المجتمع حوّل التفاعلات بين الإفراد ووسطهم الاجتماعي، لكن التطورات الاجتماعية بقيت مستقلة عن التقنية نفسها، فالإنترنت والهواتف المحمولة لها قدرة فائقة على محو الحدود بين الفضاءين العام والخاص واختصار المسافات واختزال الوقت، مما يجعل العمل الجماعي أكثر فعالية وتأثيراً، أي أنهما يسمحان بالاتصال بين عدد غير محدود بين المساحات الجغرافية وتبادل المعلومات وتنظيم اللقاءات والأنشطة وتوفير الفرصة بغض النظر عن المسافة وطبيعة المكان ما بين الأفراد، فالتقنية نفسها ليست من يحول العلاقات الاجتماعية بل أن طريقة استخدامها هي التي تحفّز القوى التي كانت موجودة أساساً في المجتمع قبل انتشارها وتجعلها راهنة، أنهم المستخدمون أو المستهلكون أو المستعملون الذي يستخدمون التقنية لأغراضهم وليس العكس (Ayari & Geisser, 2011, 47)"[7].

وتخضع أيضا هذه الوسائل لقانون الشعبوية، كون نوعية المطروح كما أسلفنا خاضع لمستوى وعي وثقافة الجمهور، الذي غالبا لم يعد محليا خاصا، بل تجاوز التفاعل خارج الحدود الجغرافية، وتحول لتفاعلات مفتوحة الفضاء، مختلفة الثقافات والأفكار والإيديولوجيات، لكن أحد أهم إشكاليتها أنها غير مكشوفة الهوية، أي أن حقيقة المتحدث غير معروفة وقد تكون افتراضية غير واقعية، وتكون خلف هذه المنصات مجموعات أو قيادات مؤدلجة وموجهة، وطبعا هنا تصبح المساحات مختلفة وبالتالي يصبح الخطاب الموجه أشمل وأعمق ويتطلب دراية أكبر، وهو ما لا يمكن للمثقف الفرد القيام به منفردا، بل هذه المواجهة تتطلب المثقف المؤسسة، بمعنى قيام مؤسسات أهلية من أعضاء مثقفين ومراكز رصد ودراسة وتوثيق، لمتابعة آخر المعطيات الثقافية والإشكاليات التي تواجه المجتمعات في مواقع التواصل الاجتماعي، مضافا لوظيفتها الداخل محلية الخاصة بها، لذلك لم يعد مفيدا مواجهة الشعبوية مواجهة فردية من قبل المثقفين منفردين، بل على المواجهة أن تكون مؤسساتية توزع فيها الأدوار والمهام، وقائمة على أساس عمليات كالمراقبة والرصد والمعلومات ، ليستطيع المثقفين من تحليل المعلومات المقدمة ورصد الإشكاليات وفقها، وتقديم معالجات واقعية وعصرية، وهنا لا نعني بالمواجهة الصدام مع الشعب أو الجمهور المتكتل بعنوان قضية موحدة، بل نعني مواجهة الشعبوية معرفيا وإعادة صياغة وعي وازن يقلل من سلبياتها ويدفع لرفع أرصدتها الإيجابية في حركة المعرفة والتغيير والوعي. وهناك شعبوية إيجابية سأقوم بعمل إطلالة سريعة عليها. وهذه المؤسسات قد تتبناها الدولة وتفرض عليها سياق معرفي محدد وموجه، وقد تتبناها شخصية اقتصادية وتفرض وجهتها السياسية والمعرفية، وقد تتبناها مؤسسات دينية وكذلك تفرض نسقها المعرفي، ولكل الحق في التصدي، لكن في واقع الأمر معالجة هذه الإشكالية بدون تحيز معرفي، يتطلب تصدي النخب من المثقفين المستقلين، الذين يحملون هم المعرفة والوعي خارج نطاق التحيزات المعرفية خاصة السلبية منها.

خاتمة: 

هناك عوامل مهمة في بناء علاقة سليمة بين المثقف والمجتمع هي:

١- إن وظيفة المثقف ومسؤوليته تفرض عليه أن يكون كفؤا في إنجاز مهمته، هذه الكفاءة تتطلب منه فاعلية على مستواه الشخصي من حيث السعي المستديم في طلب المعارف وتوسيعها، وإدراك الإشكاليات الاجتماعية إدراكا مجملا يمكنه من خلاله أن يشخص الخلل ويضع الحلول. مسؤوليته أولا لبناءه الذاتي ليكون كفؤا للتصدي الاجتماعي، وثانيا بناء المجتمع معرفيا، وهذا متوقف على كفاءته التي من خلالها سيصنع جسور ثقة تعزز من مصداقيته اجتماعيا، خاصة عندما يربط قوله بفعله، وهذه المصداقية تؤثر بفاعليته الاجتماعية وتأثيره في وعي المجتمع.

٢- الصدق من أهم ما يجب أن يتحلى به المثقف، صدقه مع ذاته من جهة، وصدقه مع مجتمعه من جهة أخرى، وهذا الصدق يحتم عليه عدم محاباة المجتمع والنزول عند ما يريده دون تصويب ونقد وتقييم وتوجيه، فقط يكون ما يريده المجتمع حقا ولكن يحتاج أن يصوب بطريقة مدروسة لتحقيق الهدف، ويحتاج أن تستخدم طرق وأدوات سليمة، لذلك المثقف يجب أن لا يحقق رغبة الجمهور تحت ضغط الجمهور عليه، أو بحجة الإسقاط والتشهير الاجتماعي، لأن من مصاديق صدق المثقف هو صدقه مع مجتمعه في كشف الواقع والحقيقة كما هي، لا كما يريده الجمهور.

٣- الاستعداد لتقديم التضحيات لأجل مسيرة الوعي، وصيرورة المجتمع في طريق الوعي، وعدم الالتفات للمصالح الشخصية والمكاسب الذاتية في هذا الطريق.

 

إيمان شمس الدين

 ...............

 [1] من كتاب المثقف وجدلية القهر والاستبداد/إيمان شمس الدين/ ص ٢٤٢-٢٤٩+ ٣١٦/ دار الانتشار العربي ط١/ بيروت

[2] راجع الهوامش في في هذا الكتاب

[3] http://www.al-jazirah.com/2018/20180213/ar7.htm

 [4] رغم أن كتاب “سيكولوجية الجماهير” قد صدر سنة 1895، وتلته انتقادات عديدة منذ مراجعة سيغموند فرويد لنظرية لوبون سنة 1921، من المثير للانتباه ملاحظة شعبية كتاب لوبون على مواقع التواصل الاجتماعي في الدول العربية، وكذلك توالي الطبعات العربية للكتاب، حيث صدرت منذ سنة 2011، أي سنة الربيع إلى اليوم أكثر من ست طبعات. كمثال على استعمال كتاب لوبون للتعبير عن نظرة دونية للجماهير تبرر في نفس الوقت النخب الحاكمة في الدول العربية، انظر: رجاء العتيبي، “سيكولوجية الجماهير”، 13 فبراير 2018. 

[5] مجلة اتجاهات سياسية – العدد الأول ديسمبر – كانون الأول – سنة “2017” احدى اصدرات المركز الديمقراطي العربي 

[6] - بابكر مصطفى، معتصم /أيديولوجيا شبكات التواصل الاجتماعي وتشكيل الرأي العام/ مركز التنوير/ الخرطوم/ 2014/ ط 1/ ص 191-192. 

[7] التحولات في النظام العربي: الجذور والأسباب وتحديات بناء الدولة العصرية / د. حسن عبدالله جوهر ـ أ. د. غسان العزي

قسم العلوم السياسية/جامعة الكويت

 

علي المرهجعلى الرغم من التداول السلبي لمفردة الإرهاب عالمياً، إلَا أنه يبقى مفهوماً إشكالياً، يُرفض وفق تطورات مدولالات اللفظ تاريخياً، إلَا أنه بشكله في منظومة الفكر الإسلامي من حيث النشأة لا دلالة سلبية كبيرة فيه، فالإرهاب هو لتخويف العدو ورده عن مقاصده ومراميه في القضاء على فكر منبعه لاهوتي مُقدس من أعداء خرجوا عن الملَة ومقتضيات الوجود المجتمعي الذي جاءت به الرسالة "الربانية" "توأعدوا لهم من رباط الخيل تُرهبون به عدوكم وعدو الله".

لم يخلو التاريخ الإنساني منذ بداية الخليقة إلى يومنا هذا من وجود أو حضور لما يُسميه (تيري إيجلتون) "الإرهاب المُقدس"، فقد ظهر جلياً في الحضارات الأسطورية القديمة أشكال من التعبير عن مفهوم "الإرهاب المُقدس"، ولك في نزوع كلكامش وبحثه عن عشبة الخلود مظهراً من مظاهر نرجسيته واعجابه المفرط بنفسه وبقوته وفرادته بالقياس لأنكيدو وسكان الوركاء، فكان يظن أن الوجود لا بد أن يصطفيه.

"فديناه بكبش عظيم" قربان فيه تشكيل وقناعة للقبول بـ "العُنف المقدس" بحق البشر، ولكن رحمة الله خففت من شكل العنف، فبدل من أن يكون عُنفاً القصد منه ذبح إنسان، صار "الكبش" أضحية نستسيغ ذبحها وتوزيع لحمها لأن فيه كسب لرضا إلهي "مُقدس".

تظهر الأضحية هنا أصلاً للدين كما يقول (رينيه جيرار) في كتابه "العُنف والمُقدس"

وفي أسطورة (عشتار وتموز) أو (إينانا وديموزي) ما يشي بنزاع بينهما فرض على أحدهما القضاء على الآخر، فكانت (عشتار) هي التي تمكنت من ايداع (تموز) في (العالم السفلي) بقصد اثبات قوتها وتفوقها على تموز. إنه "عُنف مُقدس"، فكلاهما إله، والإله في الأساطير يمكن أن ينتصر على إله آخر بحكم دهائه أو قوته.

عدم رضا (قابيل) عن (هابيل)، بعد أن تخاصما حول زواج "الشقيقة"، فقدما قُرباناً، فنزلت نار من السماء أكلت قُربان (هابيل)، وبعدها قتل (قابيل) أخوه (هابيل)، ولا أخوض في تفسير وتفاصيل القصة، ولكن بنائها الدرامي مرسوم على أساس تبيان الطبيعة البشرية لرفض الرأي الآخر، حتى وإن كان من أقرب المقربين، والتبرير هو الصراع على السلطة، وتصوير قتل الأخ لأخيه على أنه شكل من أشكال الطاعة!، ولذلك هو يدخل في مُسمى "الإرهاب المقدس".

في قتل الخضر للطفل ممارسة لنوع من أنواع "الأرهاب المقدس" لأنه خشيَ أن يُرهق أبويه "طُغياناً وزندقةً"!، لأنه رأي فرد (تقي) لا مبرر عقلاني لفعل القتل سوى وضعه بأنه نوع من أنواع "الإرهاب المقدس".

أسطور اليهود وإيمانهم بأنهم "شعب الله المختار" وأن الله اصطفاهم على بقية بني البشر، جعلتهم يمارسون الإرهاب بحق كل شعوب وأهل الديانات الأخرى تحت عنوان "الإرهاب المُقدس".

إن مفهوم "الإرهاب المُقدس" هو ذاته "العُنف المُقدس" مع اختلاف تاريخية لفظ "الإرهاب" بوصفه مقترناً بمدلوله القرآني، مع تاريخية لفظ "العنف" الذي هو أسبق تأصيلاً في الحضارات والديانات القديمة.

"عُنف السلطة" واحتكارها للعُنف، فيه ما يشي أن عُنفها مقبول وفي مقبولية عنفها مجتمعياً ودولياً ما يجعل هذا بمثابة "عُنف مُقدس".، فعنف السلطة وإرهابها ضد كل من تضعهم أو تصفهم بأنهم من الخارجين عن القانون يكون مقبولاً وينال استحسان الأغلبية وكأن مقبوليته تسير جنباً إلى جنب مع مقبوليتنا لوجود "العنف المُقدس" أو "الإرهاب المُقدس".

"الحرب المُقدسة" ماذا تعني؟ إنها نوع من أنواع الدفاع عن النفس والأرض والجنس والنوع تُبررها الشرائع السماوية والدولية، فكل من يحارب من أجل الدفاع عن وطنه وحدوده ضد خطر عدو فهو يمارس حقه في "القتل" للعدو، وقتل العدو للوطن أو للأمة أو للدين واجب أخلاقي وشرعي، تُمارسه الجماعة لرد العدوان كل بحسب أيديولوجيتها أو معتقدها.

رفض الماركسية للرأسمالية على الرغم من عدم انتماء أصحاب المذهبين لتبرير "الحرب الباردة" بينهما وفق مقولات "ثيولوجية" (لاهوتية) إلَا أنها بحكم طبيعة الصراع والرفض القطعي لأحدهما للآخر، ومحاولة كل قطب منها جمع أكبر عدد من المؤيدين، جعل من حربهما تبدو وكأنها حرب بين معسكرين: (دار الكفر) و (دار الإيمان) بحسب استخدام جماعة الأخوان المسلمين لهذين المفهومين، وكل مختلف مع معسكر يدعي "وصلاً بليلى" المعسكر المخالف أو "الآخر". إنها حرب بين مذهبين إنسانيين ولكنهما في طبيعة الصراع بينهما إنما يحملان مضمر التعبير أو "المسكوت عنه" بأن حرب أحدهما ضد الآخر إنما هي "حرب مُقدسة".

هي "دكتاتورية البروليتارية" المشروعة أو الحقة بعبارة ماركسية ضد "الهيمنة الامبرايالية" ورديفتها "الرأسمالية".

واقلب المعادلة، وقُلَ: إنها "الديمقراطية" و وعودة الفرد لذاته في بحثه الدائم والجاد عن "الحرية الفردية" للخلاص من سطوة "الأنظمة الكليانية" أو الشمولية، أو "الديكتاتورية" التي لا تقوض بنيانها سوى "الليبرالية".

 

ا. د. علي المرهج

 

سامح عسكر في حسابات بعض المتنورين يرون أنفسهم مجموعة واحدة بقدرات واحدة ، فلقد انتقدوا جميعا تراثهم الديني والاجتماعي ووقفوا على أسباب تخلف دولهم.. هنا ينتقل الذهن لمرحة أخرى وهي التفكير في اجتماع تلك القدرات في عمل واحد بمبدأ "قوة الاتحاد" ظانين منهم أن الاستنارة ستحدث بشكل سريع إذا تحقق هدفهم بالوحدة..

أرى أن هذه الرؤية يشوبها بعض القصور، وقد تحاورت عدة مرات بشأنها سواء في محاضراتي على أرض الواقع وفي اليوتيوب أو في المقالات، وموجز تلك الاعتراضات تتضمن مبدأ استحالة الوحدة على حُكم قيمي وهو "التنوير" فكلٍ منا يرى التنوير من زاويته الخاصة المحكومة بقدراته في العقل والمعلومة والنفس والجسم والمادة والإدارك، كلها عوامل تخلص افتراقنا لأحزاب ودول وشعوب مختلفة لا يمكن جمعهم تحت لواء واحد يسمى دولة الكون أو مجتمع الأرض مثلا، فلم يحدث ذلك من قبل وظني أنه لن يحدث في المستقبل ليس فقط للعقبات التي أشرنا إليها كعوامل افتراق ولكن لأن هذا المبدأ الوحدوي يتخيل حياة البشرية بدون شرور ويؤمن بأوهام تدفعه للاعتقاد بأن البشرية يمكنها أن تعيش حياتها بسلام دائما..

لقد انعكس ذلك على المستنيرين الذي أجملهم في أن الفرقة الطبيعية بينهم ليست في القدرات التي أشرنا إليها كالعقل والنفس والإدراك..إلخ، لكن أيضا في تطور الحالة التنويرية لكلٍ منهم، فهناك مجموعة نشأت في مجتمع مستنير وتشرّبت أفكاره وبالتالي لم تخض تجارب المتخلفين ونقدهم للمجتمعات، هؤلاء تقدموا في تنويرهم عن البقية بحيث هم يعيشون فعليا في زمن قادم مستقبلي لم ندركه بعد، ويؤثرون بالتبعية في الإعلام والصحافة والدول بحديث دائم عن المستقبل والخيال العلمي.

إنما هناك مجموعة أخرى لا زالت تكافح أجواء التخلف وتنقدها في محاولة منهم لتجاوز عقباته والانتقال لما بعد الاستنارة، وهؤلاء في رأيي لم يدركوا ما تفقهه المجموعة الأولى من تنوير بعد، وكلما تعرضوا لأحكام تلك المجموعة وقناعاتهم يُصدَموا في ما وصلت إليه من جرأة في الطرح وانسلاخ كلي من مجتمع البشرية الحديث الذي لا زالت أجواءه تنعم بمظاهرة تخلف واضحة في الجهل والحروب والأزمات ونشر قيم غير معرفية ولا منطقية قوامها المادة لا غير، وقد تأملت حديث زعيمة الديمقراطيين "نانسي بيلوسي" وهي تصف دعوة ترامب بسحب جنودهم من سوريا بأنها دعوة غير منطقية وغريبة في ظل دعوة نفس الرئيس لإرسال جنود إلى السعودية لحمايتها من إيران مقابل المال، وتتساءل بتعجب بمزيد من الدهشة كيف هذا القرار الذي يعرض جنودهم للخطر مقابل المال..!!

هنا الرئيس ترامب عند بيلوسي لا يفكر بعقلية المستقبل أو حقوق الإنسان أو مصالح أمريكا التي آمنت بها بيلوسي كزعيمة المعارضة الأمريكية، بل هو عندها يأتي من ماضٍ سحيق ما قبل التفكير المنطقي الأرسطي، أو بالأحرى ما قبل ظهور الفلسفة التحليلية وشمولية الأفكار التي كانت تسمح للبشرية بإجمال قناعاتها في أحكام نهائية دون تفصيل وتحليل علمي كما هو عليه العقل البشري الآن.

رأيي أن المجموعة التنويرية الثانية التي تخوض غمار النقد هي التي تقدم تضحيات وتقتحم أسوار وحواجز صعبة، فبرغم أن إدراكها لم يصل بعد لإدراك المجموعة الأولى إلا أنهم أقوى نفسا وأوسع من ناحية المعلومات التي يحتاجونها في ظل ذلك الصراع، ولو تأملنا التاريخ سنرى أن تلك المجموعة الثانية عندما وجدت في أوروبا عانت من ما يعاني منه تنويريي العرب والمسلمين حاليا، حتى بعد انقضاء جيلين أو ثلاثة يتطور ذلك التنوير الذي أسسوه ليصبح تنويرا منتميا للمجموعة الأولى بالضبط كما نصف شخصا ما أنه ولد وفي فمه "ملعقة من ذهب" كناية على وراثته للغنى والأموال والثراء الفاحش دون مجهود، مما يعني أن تنويريي المجموعة الأولى هم تطور طبيعي ونتاج عملي لتضحيات المجموعة الثانية من قبل، وبالتالي فكرة جمع المستنيرين على حزب واحد أو جماعة واحدة يجب أن تراعي ذلك الفارق عِوضا عن مراعاة أسباب الافتراق المذكورة في المقدمة.

ولأن التنويريين المناضلين والمكافحين هدفهم التغيير فيلزمهم تأثير وتواصل مع الجمهور، بالتالي ففكرة اجتماعهم في الغرف المغلقة أو الاكتفاء بحوارات النخبة لا يفيد ولا يقرب المسافات بينهم وبين الشخص العادي، بيد أنهم بحاجة ماسة للتواصل الشعبي لنشر الثقافة الجماهيرية والارتقاء بعقول الناس من نواحي النقد والأدب وخلافه، وهذا كان دور المسرح الشعبي في مخيلة اليسار إبان ظهورهم الأول وتبنيهم مبدأ الاستنارة الشعبية عن طريق الأدب، وقد لوحظ أن مفكري اليسار الذين انشغلوا بتلك الجزئية ظهروا كأدباء وشعراء وممثلين أنتجوا تنويرا شعبيا فرض حالة تقدمية في العالم أوائل القرن العشرين، وقد لاحظنا أن تلك الحالة التقدمية هي التي أنتجت بعد ذلك مستنيرين عرب كمحمد عبده والأفغاني من فئة رجال الدين، ثم طه حسين ونجيب محفوظ من فئة الأدباء، حتى في المذاهب الإسلامية شاع لأول مرة نقدا لأصولها على يد الشيخ "علي عبدالرازق" لينقض خلافة السنة، والشيخ "محمد حسين النائيني" لينقض إمامة الشيعة.

كانت الدول الإسلامية والعربية في تلك المرحلة لا تعتمد على نفسها في إقرار حالتها الثقافية، بل كانت متأثرة بقيم الاستعمار الفكرية التي تراعي الحالة التقدمية التي يعيشها العالم، وهذا سر من أسرار ضعف الأصوليين في تلك الحقبة، ولكن بعد التخلص من الاستعمار وسيادة روح ثورية على أسس قومية لم ينجح القوميون في سد الفراغ الثقافي الذي صنعته حكومات الاستعمار الليبرالية، فطأطأوا رؤوسهم أمام الأصوليين الذين انتشروا بدعوتهم منذ الستينات ، ولحفظ ماهية الاستعمار كعمل قبيح ترفضه الفطرة البشرية الحديثة أكتفي بالقول أن تقييم الاستعمار لا ينبغي فقط من حالته العسكرية والاقتصادية والسياسية التي ذقنا ويلاتها ودفعنا منها كشعوب شرق أوسطية ملايين الضحايا،ولكن ينبغي مناقشة حالته الثقافية التي أثرت على وعي وإداراك الشعوب إيجابا مما يلزمه الوقوف على الخلل بمناقشة واضحة إما تثبت ذلك أو تنفيه من حيث المبدأ، ثم تبحث في إمكانية استدعاء تلك الحالة الثقافية التقدمية مرة أخرى والاستفادة من تجارب وخبرات هذه الدول في بناء أنفسها.

ترجع أهمية الفصل بين المستنيريين من حيثية تطورهم الزمني هنا، في إمكانية الاستفادة من خبرات وتجارب الغرب وليس تقليدها كما يطالب بعض أنصاف المثقفين، فالحالة التنويرية الغربية أزعم أنها تعيش في معظمها إدراكا للمجموعة الأولى التي تطورت وأخذت حظها من الارتقاء، بالتالي فهي أقرب للمستقبل منا ..والواقع يشهد على ذلك أن كل جديد منذ 100 عام يأتي منهم، ونحن مهما تقدمنا وصنعنا لا ننتج ولا نكتشف مثلما يكتشفون مما يؤكد أنهم في طليعة الفكر التقدمي، هنا الاستفادة يجب أن تراعي ما قلته ببطلان دعوى الوحدة بين المستنيرين الآن، فالعمل القيمي الذي ينشده المستنيرون سيتوقف على أعتاب المادة والإنتاج والمستقبل الذي وصل إليه الأولون، ومنطقيا يستحيل الجمع بين ما وصل لأسرار المادة وبين الذين يزالون منشغلين بقضايا الميتافزيقيا ونقد التراث الديني وأفكار الجماعات من الناحية النظرية.

إن الحالة التنويرية الأولى أنتجت معتقدات "لاإكتراثية" نحو الأديان وبالتالي محاولة دفعها للوقوف خلف أو مع مستنيرين العرب هو جهل بالتطور التنويري اللاإكتراثي عند الغرب أصلا، فضلا عن تأثير هؤلاء اللاإكتراثيون فينا كشعوب شرق أوسطية وظهور تيار شبابي ونخبوي يفكر مثلهم بالضبط، وبحسبة بسيطة يمكن القول أن اللاإكترثية الغربية مع مبادئ وقيم البراجماتيين تجعل هدف البشرية الحالي هو "سهولة الحياه الاقتصادية دون متاعب" فقد اختفت صراعات الأحزاب والأيدلوجيات الآن من مجتمعات الغرب والتقدمية بشكل عام، وأصبحت الأولوية للاقتصاد مما أدى لما نشهده الآن من مظاهرات واحتجاجات في "السودان والأردن والعراق وليبيا وإيران وبيرو والمكسيك وبوتوريكو ومصر" دافعها الأساسي هو الاقتصاد والثورة على الفساد وطريقة توزيع الثروات.

أما نحن في الشرق الأوسط ما زلنا نعيش مخاض وآلام التخلص من سلبيات الماضي ونصفي حسابنا مع التاريخ العنصري والمذهبي للمسلمين بالذات، مما يجعل نشاط التنويريين في المجموعة الثانية مطلوبا بشدة لكونه الصخرة التي تتكسر عليها أحلام المتخلفين بالعودة والسيطرة، ورأيي أنه وبدلا من أن نطالب بوحدة المستنيرين الآن كما نعرفهم أن ندعم أي فكر تنويري من زاوية إنسانية تعددية، فنحترم كل الآراء التي تبحث عقليا في الموضوعات ونناقشها بموضوعية قدر الإمكان، سيساهم ذلك في الارتقاء والتحرر بشكل أسرع مما وصل إليه الأوربيون..خاصة إذا علمنا أن تنويريي أوروبا في السابق لم يحصلوا على حظوظنا اليوم في الاتصالات والبرمجيات المدهشة التي ساعدت في تسهيل التواصل بين المفكرين بشكل أيسر مما حصل عليه الأوروبيون.

ولنحفظ قاعدة التنوير الأولى التي وصل إليها السابقون أنه كل عقل ليس مؤهلا للتفكير بشكل صحيح، أو كما قال أفلاطون أن العلم ليس متاحا للعامة ولا يجب أن ينشغلوا به، وأن مطلب الثقافة الجماهيرية يجب أن يكون منصبا على نقد ورفض ظواهر التخلف التي عاشها الناس أصلا لا إشغالهم بحقائق زائفة لم يعيشوها ولا يعرفوها ولا تحوز على اهتمامهم بشكل مبدئي، وقد رأيت في مطالب بعض المستنيرين – كالدكتور مراد وهبة  - مطالب مجحفة وغير واقعية تتمثل بنشر الفلسفة بين الناس..وهذا غير ممكن، فالتفلسف في الأخير هو قدرات وإدراكات للخاصة يختلف عليها المثقفون ولا يدركها العوام كي يختلفوا فيها، مما يعني أن مطلب توحيد المفكرين هنا سيكون صدام مع المجتمع والشعب مثلما حصل في السابق مع رموز كهيباتيا وجاليليو وجوردانو برونو..وغيرهم

في الأخير: لا يوجد عاقل يرفض التنوير..حتى الكهنة والأصوليين يقولون نحن مع التنوير، ويجتهد كل منهم بطريقته، لكن الجهد الأول الذي يجب أن يُشغل المثقفين ليس النشاط التنويري فحسب ولكن وضع أسس وقواعد وغايات له لا يختلف عليها اثنان، أي هي تحوز على الرضا البدهي عند البشرية، وقد سبق قلت في أحد لقاءاتي التلفزيونية أن الأصوليين والمثقفين المسلمين – مثلا- يتفقون على ثلاثة أشياء هم "عدل الله الكلي – وعالمية الإسلام كدعوة أخلاق – وعدم عصمة غير الأنبياء مع تحديد كيفية العصمة" حتى في ظل هذا الاتفاق اختلفوا بشكل أصبح منهم إرهابيين ولادنيين بشكل متناقض، مما يعني أن الاتفاق على المبادئ ليس كافيا للوحدة بل مناقشة طرق كل فصيل وكل مجموعة وشخص لتصور تلك المبادئ، وهل يوجد في الحقيقة ما هو أعلى من مبدأ الاستنارة غير واضح ومكتوم لحسابات خاصة أم لا.

 

سامح عسكر

 

علي المرهجتعني (دوغمائية العقل) قبول الإنسان بتجميد عقله والاعتماد على إنسان آخر يُفكر عنه بالنيابة، وفق المثل القائل (ذبها بركَبة عالم واطلع منها سالم)، ومثل هكذا شخص يرتضي لنفسه أن يكون مُقاداً في كل أمور حياته، ولا يُعمل عقله لأنه سلمه بيد إنسان آخر يتبعه حذو النعل بالنعل كما يُقال ولا يحيد عن أوامره قيد أنملة، يعني كالأغنام التي تتبع الراعي تسير على خطاه وهديه، بل "أضل سبيلا"!. والعجيب الغريب انه مطمئن على أنه ماسك بلباب الحقيقة وسيجازيه الله الجنة الموعودة وغيره في الدرك الأسفل من النار!.

العقل الدوغمائي عقل وثوقي مُتعصب لا يرى من الحقيقة سوى ما يرغب برؤيته

وضع شريعتي وصفاً لل"العقل المُستقيل" بتعبير محمد عابد الجابري، على أنه يعيش في "قوقعة فكرية" بتعبير الوردي، أو يدور في فلك "الأسيجة الدوغمائية" كما يقول محمد أركون، وهذه تعابير ومفاهيم تعني غياب العقل وتماهييه مع الراكد السائد في الحياة الاجتماعية، أو ما سماه الوردي أيضاً "التنويم الاجتماعي" الذي يجعل الفرد أسيراً لعادات مُجتمعه، وإن كان كثيراً منها لا ينسجم وتحولات العصر، ولا حتى مع الفهم العقلاني للدين.

قسم شريعتي أنواع السجون هذه إلى عدة أنواع، أهمها:

1ـ سجن النفس أو الذات، من أصعب أنواع السجن حينما لا يستخدم الإنسان وعيه الذاتي ليتخلص من سجنه لنفسه واغترابه عن مُجتمعه، ابتعد عن المُشاركة في صُنع الحياة، حياته هو وحياة مجتمعه، ليعيش في وهم التصورات الحالمة كي يجعل من نفسه إنساناً مثالياً، تقترب روحه من التسامي ومن التماثل مع مفهوم "الإنسان الكامل" الذي رغبت بوجوده الديانات السماوية. وهذا مما يختلف به شريعتي عن الوردي، فلا وجود للإنسان الكامل وفق رؤية الوردي في العالم الواقعي، ولا يحتاج الإنسان للتسامي وأن يكون إنساناً مثالياً، بقدر ما يدعو الوردي الإنسان لوعي حركية المُجتمع ومُتغيراته الداخلية والتأثيرات الخارجية كي يستطيع العيش في دنيا الواقع المُتغير هذا، فالحياة تحتاج إلى إنسان من جنسها لا لإنسان يخلق مُجتمعات يوتوبية من فعل المُخيلة، فالحقائق نسبية ومُتغيرة عند بني البشر، لذلك نجد الوردي يهتم بفكر السفسطائية مؤكداً مقولة فيلسوفها الأكبر بروتورغوراس بأن "الإنسان مقياس الأشياء جميعا"، الأمر الذي يترتب عليه الاهتمام بالإنسان وعلاقته بالعالم والمجتمع بمعزل عن الجوانب الغيبية والثيولوجية، ومن ثم الاعتقاد بالحقيقة النسبية والمتغيرة من شخص الى شخص بحسب ما يدركه ذلك الشخص والإنسان مصدر الحقيقة وهذه متغيره بتغير مصالحة ورغباته وشهواته.

2ـ سجن الطبيعة: يشمل سجن الذات هذا سجن الطبيعة وهو أن يجعل الإنسان نفسه عبداً للطبيعة يسير وفق قوانينها، لا يُحاول أن يفك قيودها أو يتخلص من أسرها وهيمنتها عبر خضوعه لمتطلباتها عبر تماهيه مع الغريزة والإنغماس بملذاتها ونسيان ملذات الروح في الـتعقل والأمل.

3ـ سجن التاريخ، ويعني قبول الإنسان في الخضوع لحالة الذل والهوان التي رسمتها قوى الإستبداد والطغيان وسدنتها لسجن الذات داخل أطر اجتماعية مُغلقة أو "أسيجة دوغمائية"، توحي للفرد أنها السبيل الوحيد للخلاص، ألَا وهي سُبل لسجن التاريخ وفق منظور "المتفرنجين" وجعل الإنسان الشرقي رهين الإرادة الغربية، أو سجن التاريخ وفق منظور "المتأسلمين" وسدنة السلطان الذي صيَروا التاريخ، تاريخ تماهي وخضوع لسلطة "خليفة الله" "السلطان".

وكذلك يظهر سجن التاريخ في تقديسنا المستمر للماضي وكأن زمن الإبداع قد توقف عنده، فصرنا أسيرين له ولمقولاته كل حسب توجهه الأيديولوجي أو العقائدي، فاعتقدنا أن لا خلاص لنا من دون العودة له والاحتماء به وتركنا الحاضر وما ينبغي علينا القيام به لنكون فاعلين فيه ومؤثرين، ولم نستطع من جعل الزمنين (الماضي) و(الحاضر) في خدمة الزمن الآتي (المستقبل)، فالدول التي يرنوا أهلها صوب التقدم إنما يتخذون من معطيات الزمنين الماضي والحاضر كمخزون ثقافي وحضاري لخدمة المستقبل، لا العلكس، أي ننظر للمستقبل من خلال نظارة الماضي المجيد وركود الحاضر البليد.

يختلف سجن التاريخ عند شريعتي عن "حتمية التاريخ"، لأنه من المعتقدين بهذه الحتمية وبنهايته بالوصول للمثل الأعلى وتسامي الذات الإنسانية في إرتقائها عبر نزوعها الروحي الكامن في الذات الإنسانية للخلاص وإدراك سُبل النجاة عبر إدراك قيمة المعرفة الدينية.

4ـ سجن المُجتمع: وهو أن يكون الإنسان أسير قيم وتقاليد بالية لا تنسجم والمعرفة الدينية الحقة ولا مع المعرفة العقلانية. هذا النوع من البشر سماه "كارل مانهايم" بـ "المُقيد اجتماعياً" وهم الذين لا يخرجون عن "الأطر الفكرية" أو "الأسيجة الدوغمائية" التي رسمها لهم المجتمع الذي يعيشون فيه، حتى ظنوا بأن كل مُعتقد يُخالف مُعتقدات مُجتمعهم إنما هو مُعتقد باطل، وأصحابه لن يكونوا حتماً ممن أدركوا "سُفن النجاة".

ملاحظة: ما يتعلق برؤى شريعتي استقيناها من كتابيه:

- بناء الذات الثورية وهو الكتاب الذي فصل فيه وجهة نظره هذه، وهو مصدرنا الأساس في كتابة هذا المقال.

- النباهة والاستحمار وهو مرجع استعنا به.

- قراءات أخرى من تاريخ الفكر.

 

ا. د. علي المرهج

 

نبيل دبابشفي القرن الثاني عشر للميلاد، كتب ابن رشد كتابا سماه '' فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال ‘‘. تضمن الكتاب محاولة تبيان قيمة العقل، والتي – في نظره- لا تقل في الدرجة عن قيمة الشريعة في مقاربة مسائل المعرفة.. بل هي تعادلها. اختار ابن رشد مصطلح '' الحكمة '' وهو المصطلح الوارد في القرآن، بديلا عن مصطلح '' الفلسفة ‘‘. بسبب ما عرفه المفهوم الأخير – في زمنه - من نفور واستهجان لدى الأوساط الفقهية، وذلك بالرغم من انتشار هذا المفهوم واعتماده في الكثير من الرسائل والأعمال التي سبقته تاريخيا.

عربيا وبعد رحلة نابليون الى مصر1798م، لم يكن سؤال التنوير مطروحا لدى كتاب النهضة، بقدر ما انصب الاهتمام عندهم حول كيفيات ترجمة المنتوج الأوروبي والاستفادة منه في تصحيح المسار الاجتماعي والفكري الضعيف، الذي أنتجته سلطة الخلافة. لقد كانوا في حالة انبهار بعدما اكتشفوا أن شعوبا أخرى- لا تقاسمهم المعتقد- تصنع المفاهيم والقيم وتؤسس لجمهوريات جديدة. لقد تبين لهم - فجأة- أن العقل بمفرده في مقدوره أن يؤسس المستقبل انطلاقا من حسن الاستعمال. بتعبير أخر لم يكن لدى كتاب النهضة أدنى شك في الذات المؤسسة للمعنى وغاب عنهم مساءلتها.

ثم حدث أن علقت آمال كبيرة على الاختيارات الايديولوجية في صناعة مستقبل جديد، وكانت الرؤية الشمولية هي المنهج لسنوات طويلة.. قبل أن يصطدم العقل العربي مرة أخرى بالجدار ويكتشف هزل تلك الاختيارات وابتعادها الكبير عن حل المشاكل الفعلية.

التنوير مشروع ضخم ومتشعب، من المستحيل أن تتحمله الرؤية الايديولوجية أو تستطيع أن توفر له ما يحتاجه لارتباطها الشديد بالحاجة لا أكثر. ان أكبر عائقا على أي مشروع تنويري هو في اختزاله ضمن سياج الرؤية الايديولوجية. كونها تتأسس على يقين زائف وعلى الوهم والاقصاء بأنواعه الاكثر تقدما. التنوير قبل كل شيء هو في شرعية السؤال وبلا قيود، هاته الشرعية هي ما لا تقبله الايديولوجية السياسية أو الدينية.

التنوير هو في انتهاء الوصاية على الحرية والاختيار، وفي تفطن الناس الى ما يمتلكون من قدرات نفسية تؤهلهم على تبني ما يحبون من دون وسيط. يبدأَ التنوير عندما يقتنع الجميع، على اختلاف انتماءاتهم الاثنية واللغوية والفكرية أنهم لا يمتلكون كل الفضاء الاجتماعي بل هم ًأجزاء فيه لا أكثر. يبدأ التنوير عندما يعيد الجميع التفكير فيما ورثوه من أحكام وقيم، ظلت مترسبة في عقولهم من دون أدنى حلحلة. يبدأ التنوير عندما يقتنع الجميع بأنه لا يمتلك كل الحقيقة، بل حقيقته هو فقط.

 

اذا كان لوثر في القرن السادس عشر للميلاد قد أسهم في تقويض سلطة البابا على العقل والمعتقد، فإننا عربيا نحتاج الى ألف لوثر لأن حجم مشاكلنا الموروثة عن القرون الوسطى مضاعفة مرات.

يبدأ التنوير عربيا عندما نستطيع التخلص من ثقافة القطيع وتلك الحاجة الملحة الى راع أبله مستبد، يجب الاقتناع بالفردية والاختلاف والحق في الحياة وقدسيتها.. يبدأ التنوير عندما تقتنع الكثير من العقول أنها غير مطالبة في هذا العصر بإعادة انتاج نفس القيم التي أنتجها الناس في القرون الماضية، بل عليها أن تتفتح وبصدق على قيم عصرنا وتعمل على تبنيها بشجاعة كبيرة ودون تردد.

اننا لا نواجه الوصاية على الفكر والمعتقد فحسب، بل كذلك الوصاية على أبسط السلوكيات والتصرفات اليومية من لبس الحذاء الى شرب الماء .. اننا ننتمي الى مجتمعات يؤلمها رؤية الفردية ولا تتقبل الاختلاف اطلاقا، ينظر الى الجديد بحذر وخوف شديد. وغالبا ما يجرّم الافراد لأجل حقوقهم الطبيعية. اننا ننتمي الى مجتمعات لم تعلمها المؤسسات الوطنية في قطاع التعليم او حتى من خلال الاعلام الفرق بين الدين والتديّن الفرق بين الكتاب الديني المقدس والتشريع الديني المؤقت.

هل نحن في الطريق الصحيح نحو أنوار عربية ؟ لا، المسافة لا تزال بعيدة ولا شيء ينذر باقتراب الولوج الى تلك المرحلة.. كثيرة هي المجهودات الفكرية التي كتبت في هذا المجال وفكر أصحابها بصدق في مشروع عربي للأنوار، للأسف هي أعمال يقرأها الأقلية ولا حضور لها الا على الهامش في كل مجتمع.

قبل الحديث عن تجديد البنيات الاجتماعية والسياسية المهترئة ينبغي التفكير وبكثير من الصدق في تجديد العقول ومساءلة الذات وفسح المجال واسعا أمام الحرية، هي أولى الشروط التي من شائنها بناء مجتمع متنور. لقد جرب غيرنا الانغلاق عن العالم ورفض كل دخيل وعرف سلبيات مثل هذا الاختيار على الواقع الاجتماعي ، فلماذا الاصرار على تكرار أخطاء الآخرين.

لا يمكن أبدا أن تسير المجتمعات نحو الأمام وتتفادى الكثير من الأزمات الا في ظل بيئة تتوفر على قدر كبير من الحرية وتفسح المجال واسعا للمبادرات الفردية ولا تميتها باسم المحرم والمنبوذ. مشكلة المجتمعات التي ننتمي اليها أنها ترفض حتى مجرد التفكير في الاختلاف، ولا تقبل بالنجاح، بل ترى فيه تهديدا لكيانها. مجتمعات تفتقد الى الثقة في ذاتها، اعتادت انتظار الحلول الجاهزة ولا تؤمن بقدراتها على الخلق والابداع. مجتمعات تخاف من كل شيء، من الجديد من المحاولة من المغامرة من التميّز.

سيسأل البعض عن وضعية الدين في مجتمع الأنوار وفي ذهنه الصورة التي كونها لنفسه عن تجارب أوروبية بين القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر للميلاد.. سيقول أننا سنفتقد الى الاخلاق وسيتمزق المجتمع وتتفكك الأسرة.. وهلم جرا من مفردات صارت مألوفة في أًبجديات خطاب الاسلام السياسي. مشكلتنا أننا نعطي للدين أكثر مما هو مطلوب ونجعل منه كل شيء الا أن يكون دينا. نجعل من الدين حلا اقتصاديا وبرنامجا سياسيا ومشروعا ثقافيا ورياضة جسدية وطريقة في الأكل والزّي .. نجعل منه كل شيء الا أن يكون عبادة خالصة.

من المؤكد أن التنوير لن يكون الا عبر مراحل، للأسف لا تزال الكثير من الأصوات النيرة تخوّن وتقصى وتضرب الرقابة على بيع كتبها.. كنا نعتقد أن محاكمة طه حسين أو علي عبد الرازق قد انتهت في القرن العشرين وانتهت الايديولوجية التي كانت تغذيها.. .و لكننا وبعد مضي كل ذلك الوقت، لا يزال ينظر بحذر كبير الى كتب رشيد ايلال، محمد المسيح، هالة وردي، كمال داود.. وغيرهم.

لا يمكن أن نبني المستقبل باليقين الزائف ولا أن نسير بثبات من دون ممارسة الشك وزعزعة كل اليقينيات بما فيها اليقينيات الدينية. يجب التخلص من ثقافة الغرور.. لسنا أفضل أمة أخرجت للناس ولن نكون كذلك الا بإعادة قراءة مشكلاتنا بكثير من الصدق..

نقدس لغة الفقيه حتى وان كانت تافهة ومن دون جدوى، ونطالب بها لحل ابسط المعضلات. وهو ما أسهم في تضخيمها اجتماعيا وسياسيا لأننا لا نؤمن بأنفسنا، وفي المقابل نستبعد خطاب الباحث النقدي لأنه يؤذي غرورنا ويقيننا ولا نتقبل منه الا ما يرضي الكسل والانغلاق لدينا. لا نريد أن نختبر ذواتنا خارج السياج الذي ورثناه جاهزا.

السؤال حق طبيعي، السؤال هو ما يحقق انسانيتنا ويؤكد وجودنا.. لقد تساءل المعتزلة – في الكوفة والبصرة - بداية من القرن الثامن للميلاد بكثير من الجرأة في مسائل قد تبدو لنا غريبة نحن أبناء هذا العصر.. لقد كانوا أكثر تنويرا منا، ولم يكن حينها أسلوب التكفير غائبا في تلك البيئة التي عرفت بحدة الاقتتال لأجل السلطة.. نسمع بآراء المعتزلة ونعجب لقراءتها ولا نسمع اليوم بمن كفروهم.. في بداية التسعينات من القرن الماضي، عندما كنت أستاذا للفلسفة واجهت الكثير من المتاعب والتعنيف بسبب اصراري على تدريس أراء المعتزلة لطلبة الطور الثانوي، ولم تكن الوزارة الوصية- يومها- توفر أدنى شروط الأمن، خصوصا وان الجزائر في تلك المرحلة كانت تعيش اصعب مراحل تاريخها المعاصر ..

ما هو السؤال؟ السؤال هو قلق يحررنا ويكشف خفايا الخطاب الجاهز الذي يحبه المؤدلج، السؤال هو الانسان فمن منا لا يؤمن بإنسانيته الكاملة. السؤال هو الأداة التي بها نتميَّز عن بعضنا البعض أو نتخاطب، نتفق أو نتخاصم ، نجتمع أو نفترق.. هو ما يجعل وجودنا يتحقق بالفعل. الأنوار هي الخروج من ظلمات القرون الماضية وخطابها المتجمد الذي لا يمكن أبدا تبيّئته.. الأنوار هي حقيقة الانسان الذي كان يعتبر رعية وغلاما ليصبح مواطنا كامل السيادة.

الأنوار هي الابداع والثورة على المألوف والكلاسيكي.. في الفن والفكر والقانون، هي الانقلاب على وضع لم يعد يطاق، وصار لا يمتلك الأجوبة.. هي انفجار كبير ينبع من وسط الصخر ليسقي الأرض العطشان.. هي عقل جديد، ورؤية مختلفة، وصناعة لظروف أكثر ملاءمة وقادرة على تقبل اختلافاتنا من دون ضرر..

ان عقل الأنوار لا ينتظر من السلطة أن توفر له ظروف الكتابة والابداع لينتج ما ينبغي انتاجه.. انه عقل يولد من المآسي وفي خضم الأزمات. يولد ليقول بأنه مختلف وجديد ومبدع وثوري. هل لدى النخبة المثقفة العربية ما يؤهلها لصناعة أنوار؟ نعم، يوجد الكثير من الأقلام والطاقات الممتازة. فقط هي تحتاج الى الايمان بذاتها والى الكثير من الشجاعة. يجب أن ننسى عقدة النموذج الجاهز، ولا نحاول السقوط في لغة التقليد، لأنها قد تعمينا عن رؤية واقعنا بشكل واضح.. نحن لسنا في فرنسا ولا في المانيا ولا حتى في امريكا.. اننا أبناء مجتمع يتوسط كل النماذج ، له خصوصياته الجغرافية، الثقافية والتاريخية.

تبدأ الأنوار عندما تتعلم نفوسنا حب الجمال، وتفكر في تعميم ذلك الحب ونشره. قبل أن نفكر في شكل الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تخرجنا من المآزق الكثيرة الذي وقعنا فيها، علينا أن نفكر في خلق عقول جديدة متحررة من العقد والتابوهات المترسبة. الأنوار ثورة والثورة يؤسسها عقل جديد.

 

نبيـل دبابـش - كاتب من الجزائر