 تنوير وإصلاح

نحو احياء القيم اسلامية / علي جابر

ali_jaberتعتبر قضية الاصلاح الديني من القضايا التى دخلت حيز التفكير الاسلامي الاسترتيجي من ناحية ارتباط قضية الاصلاح الديني بوصفها الاساس للتطور الاقتصادي والتكنولوجي والتقدم الاجتماعي،

وكانت هذه القضية في متناول عقول المفكريين الاسلاميين للبحث عن سبل حل هذه القضية من منظور اسلامي وبادوات وقواعد واسس اسلامية لتشكيل رافعة ترتفع بالمجتمع الاسلامي، وانتاج ما يسمى (المسلم المتقدم) الذى يقف في مصاف الانسان الاخر المتقدم، مع العمل على المحافظة على هويته الاسلامية .

 وقضية الاصلاح الديني ليست بقضية جديدة ارخت ظلالها على المجتمع الاسلام وطلبت الحلول المستعجلة والطارئة انما هي قضية قديمة تعود الى مئات السنين، لكن مع كبر عمرها لم يصل المفكريين المسلميين الى ايجاد صيغة وحل لانتاج مجتمع مسلم حي يستطيع ان يعيد احياء القيم الاسلامية التى هي بحقيقتها قيم انسانية وادخالها حيز التنفيذ والممارسة السلوكية بل بقيت نظريات وقيم محبوسة ضمن نظريات عقلية لا تملك القابلية للحياة لانها لم تشخص المرض الحقيقي لتعمل على ايجاد علاج له مناسب.

 وحاول البعض الاخر طرح نظريات لكنها جوبهت بقوة باعتبارها نظريات مستوردة ومعلبة ظننا بان استعارة الادوات التى استعملها الغرب واستعمالها في مجتمعاتنا تؤدي بشكل تلقائي الى التقدم والرقي. وهذا التفكير كان يكشف خطأهم وعدم التفاتهم بان التقدم هو عبارة عن احياء الروح الانسانية وتغيرها واذا تغيرت تغير العالم من حولها وتنتج الروح الحية ارقى الشعوب فكرا وعلما وسلوكا.

 من هنا يمكن طرح مسالة تحقيق التقدم عند الشعوب هي مسالة احياء القيم الانسانية وقد علمتنا التجارب الانسانية عبر العصور ان المفاهيم والسلوكيات الشريرة والانانيات التى تسلب الامن الانساني هي التى ادت الى التخلف والشقاء.

 وبالتالي تطهر معادلة منطقية وهي ان الوصول الى السعادة والتقدم، يستدعي احياء القيم الاجتماعية والانسانية بوصفها العلاج الصحيح الذي عولجت به عبر العصور الامم المتخلفة وشفيت من حالة التقهقر والتخلف، ولا نغفل اننا كنا من تلك الشعوب التى عالجها رسول الاسلام والانسان محمد (ص) بدواء " احياء القيم . يقول الفيلسوف الفرنسي الكبير جاك بيرك" اعتقد انه من المستحيل ان شعبا من الشعوب يصل الى مستقبل سليم بدون احترام واحياء القيم، سواء سميتها خالدة او طبيعية . فلا مجتمع بدون قيم . اننا نشاهد كل يوم الكوارث المخيفة الناتجة عن تهافت القيم في بعض المجتمعات ".

اذن المسالة مسالة قيم مسالة ثورة على الذات لتغير الواقع المتخلف باعتبار ان غياب القيم يعني غياب الامن، الامن الذي يحقق السعادة في المجتمع ويحقق الطمانينة للنفس والطمانينة الاقتصادية والسياسية، الامن الذي تولده القيم هو الذي ينتج مجتمعا متقدما حضاريا . والقيم هي التي تشير الى وجدان الامة وقيمة تراثها المتاصل والممتد على طول عمر الانسانية . هذه القيم ما لم تصل الى مرحلة ملموسة نراها في سلوكنا اليومي من خلال . " تقديس العلم، تقديس العمل، المسؤولية الفردية، التكافل الاجتماعي والتضامن الاجتماعي، الصدق الاستقامة، ..الى اخره" .

هذه القيم نعم اصابها بعض الركود الذي ادى الى التخلف لكن مع احيائها نكون قد حققنا اسمى مراتب التقدم الاجتماعي والديني والامن النفسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذه القيم هي التى تمنحنا السعادة الدنيوية والاخروية، ان اوربا وصلت ما وصلت اليه من خلال احياء القيم الدينية فانا حركة الاحتجاج الدينية البروستانتية التى انتظمت في اوروبا وانتقلت الى اميركا فيما بعد، لم تكن اكثر من دعوة الى تحقيق القيم المسيحية في حياة الناس ولا تصرفنا بعض الاحتجاجات على الحضارة الغربية وما يؤخذ عليه الان من اشكاليات، فهي استطاعت في قمت نجاحها ان تعيش قيم تراثها وان تتطبق في حياتها الكثير من القيم والانضباط بحيث اصبح ميسورا على كثير من الناس، ان يتحلوا بصفات الصدق والامانة والوفاء واداء الواجب بوحي من الضمير وليس يهم سواء تركزت هذه المفاهيم باسم الدين او الانسانية، ولعل هذه الظاهرة التى دفعت الشيخ محمد عبده الى قولته المشهور ومن حسرته على ضياع الاسلام في ديار المسلمين والعمل به في بلاد الغرب وكانه يريد ان يقول اخذوا قيمنا فتقدموا وتركنا قيمنا فتخلفنا . وهذا ما تتقاطع معه فريضية mertom في دور القيم لاحياء التقدم التى جاء بها عالم الاجتماع الامريكي روبرت ميرتون، وسادت في الغرب عام 1938 " ان المذهب البرتستاني، وخاصة النزعة البيوريتانية والنزعة الكالفينية، كانا وراء التقدم الهائل الذي حققه العلم الطبيعي في انجلترا وبقية بلدان اوروبا التي اتبعت هذا المذهب بعد حركة الاصلاح الديني، وان السر في ذلك هو ان البروتستانتية سهلت للمؤمنين بها التخلص من القيود العقلية التى فرضتها الكنيسة الكاثوليكية، في العصور الوسطى، ودفعتهم الى الايمان بحرية ارادة الانسان في تعامله مع الطبيعة، والى الاعتماد على الخبرة الشخصية والتجربة، وان مفهوم المبشر البروتستانتي السويسري كالفن عن الله بوصفه مانحا الارادة الحرة للبشر شجع العلماء على البحث عن ارادة الله نفسه في الطبيعة، مما جعل العمل العلمي ( البحث التطبيقي ) نوعا من تلبية الانسان لدعوة الله ليظهر طاعته . ان المجد الغربي والتقدم التكنولوجي يقوم على الوازع الديني والايمان الديني فانه لا تقدم بدون اصالة ولا اصالة بدون قيم، القيم التى تعيش في وجدان الامة فقط ولا تظهر وتتجلى في سلوكها ليست قيم بل مجرد نظريات بالية ومن هنا عبر جاك بيرك بقوله : "على العرب ان يفهموا شجاعة عنترة، لا ان يحاربوا الطائرة بسيفه ." وكانه يود ان يقول عودوا الى القيم لا الممارسات بل قيمة الشجاعة تتجلى بصناعة الطائرة للدفاع بها لا باستعمل سيف عنترة بوصفه مصداق الشجاعة .

 وخلاصة القول ان العودة الى القيم الاصيلة بوصفها العلاج والمدخل الاساس لاي تقدم في المجتمع القيم التى تؤمن الامن الديني والامن العام وليست هذه القيم في حالة الامة العربية الا القيم التي دعى اليها الخالق القيم التى تؤمن الاستقامة بين الانسان مع اخيه الانسان وبين الانسان والطبيعة وليست هذه القيم الا القيم الاسلامية .

 

 الكاتب: الشيخ علي جابر _ ملبورن

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1760 الثلاثاء 17 /05  /2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1715 المصادف: 2011-05-17 02:48:56


Share on Myspace