 تنوير وإصلاح

معنى التسامح في مشروع الباحث ماجد الغرباوي / صالح الرزوق

saleh_alrazukحاول الأستاذ الباحث ماجد الغرباوي في مجمل أعماله تفسير المعطيات الروحية لدين الإسلام في نطاق العلاقات الحركية المتبادلة بين الأفراد وبين خبراتهم النفسية والشخصية.

 

وهذه هي الصورة أيضا في كتابه (التسامح ومنابع اللاتسامح) والذي قدم فيه وبطبق من فضة مشروعه نفسه: عن الإصلاح والتجديد. وقد تطوع منذ البداية وقام بتحديد أهداف مشروعه قائلا: إنه سلسلة من الخطوات الفكرية والثقافية التي تحاول استئصال القيم الجامدة واستبدالها بقيم جديدة (1). ثم أضاف لمزيد من التوضيح : ولإنشاء مجال حر الغاية منه تفكيك أسباب ومظاهر العنف والحروب، والترويج لقيم المحبة والسلام أو التسامح (2).

 

و لكن يجب التنويه إلى أنه تعامل مع هذه المفردات بشكل خانات أو بنود منفصلة.

بالنسبة للتسامح، وهو نقطة الارتكاز، كان في منزلة الشروط الموجبة التي تساعد على النشاط والانتاج، وتمنع تحويل الاختلاف إلى معارك دامية (3)، وهذا برأيه ناجم من ضرورة تعدد الطرق إلى الحقيقة (و ليس نسبيتها) (4). فالحقيقة (برأيه) محتملة لدى الجميع على أساس وحدتها وبشرط تعدد التجارب (5). وبعبارة أخرى: لقد وضع الخاص في النص لخدمة وتأويل العام بـ (مطلق النص) (6).

  tasamoh2

لقد كان ماجد الغرباوي يرى أن الدين الأهم في هذا العالم محكوم بالتعايش (و العبارة الأخيرة أصلا لأمين معلوف) (7). وإن هذه الدعوة للتعايش حاولت أن تنظر إلى الظواهر في إطارها التاريخي أو أنساقها وذلك للمصالحة بين فروض اليوتوبيا وشروط الواقع أو الأنساق. وهذا يسهل للأفراد والمجتمعات إمكانية التوبة (في الفكر الديني) ونقد أو مراجعة الذات (في الأنظمة الأخرى)، وأيضا يوفر طريقة لعلاج الخطأ ونقاط الضعف في الحضارة والحياة العامة (8). ثم إنه يؤسس للاعتراف بالآخر وقبوله (9). علما أن الباحث يؤكد وجود فرق جوهري بين هذين المفهومين، فهما برأيه تعبير سديد عن الوعي المتجانس بمصادر الاختلاف من جهة وعن طبيعة الأمور التي يفرضها الواقع والمصالح المشتركة من جهة ثانية (10).

 

غير أنه لم يكن توفيقيا ولا طوباويا، ولذلك خص الإصلاح بإجراءات من الواقع، شملت الحياة والمجتمع من كل الجوانب وفسر السياسة في الإسلام بشكل حزمة من الأدوات الخدمية.

و في نفس الوقت نظر بعين الشك إلى الحركات الأصولية ولم يتردد في إدانة مشروعها التكفيري، والذي يقترب في مراميه البعيدة من فكرة الغيتو كأطروحة أو فكرة الفضاء المأهول المغلق. واعتبر أنها إساءة في التوظيف أو تطرف وتزمت يقود إلى عدم القدرة في فقه النص (11، وإلى عدم مراعاة مواضيع الأحكام (12). وبرأيه إن المنهج في القرآن الكريم يشجع على تقديم الإثباتات من المصادر أو من النصوص ثم تأويلها، وبمفرداته إنه يتبنى أسلوب المحاججة (13).

 

لقد كان الإسلام السياسي لديه بصيغته الإيديولوجية مهموما بالاحتراب لشؤون (دنياه) وليس لضرورات (جوهره). ولذلك دخل ميدان الاستبداد السياسي من أوسع أبوابه، ووفر لغيره الأدوات المناسبة أو العلل التي تسمح بالتضاد النوعي في داخل نفس المنظومة، وبالتالي إلى تدعيم كل ركائز سلطة النص (الفتوى) (14). وكان ذلك بمثابة تمهيد لمرحلة شعارها تشكيل العقل في سياقات مأزومة (15). وكأنه أراد أن يقول : إن الأحزاب الإسلامية عادت بالذهن وبالمجتمع، بالخاص وبالعام، إلى الفترات السابقة على إصلاحات لوثر في محاولة مستميتة منها لإحياء نظرية (العناية الإلهية) (16). وهو لا ينسى أيضا في وسط هذا التفكيك لمصادر الخطاب الإشارة إلى الوجدان المتورم وإلى العاطفة الرومنسية الجارفة التي حولت العقل الديني إلى عقل أزمة، أو عقل مونولوج وتيار شعور. وبالحرف الواحد: إلى خطاب حركي خطير (17، كما هو الحال في مثال سيد قطب.

 

و لكن بالنسبة للتجديد تبدو المهمة أسهل لأنها تقطع الصلة بشؤون الفضاء العام وتعود إلى المنابع أو ما يسمى في لغة تحليل الخطاب (الروح)، وهو مصطلح ينضوي في بند المرادفات المتعددة والكثيرة للوجدان. ومع ذلك لم تكن هذه الفكرة من ناحية التصور مثالية (بمعنى أنها لا تنتمي لعالم المثال ولكن تصورات المادة)، فهي لا تسير على رأسها كما وصف ماركس هيغل. وترفض أن تتعامل مع الدين على أنه ظهور لنظام أفكار مطلقة أو تصعيد للروح في العالم لاستعادة وعيه وربما للكشف عنه (18).

 

و بعبارة أخرى: إن الباحث لم ينطلق من فكرة الخطاب ذاته ولا من بنية الخطاب في السياق، ولكنه كان حريصا على أن ينظر إلى نقاط تمفصله. ومن هنا منشأ الخلاف أو لنقل التفارق بالنظر إلى أساليب غيره ممن اهتم بقانون فكرة الأديان على أنها تأويل فلسفي للواقع والتجارب الشخصية كما فعل محمد أرغون أو هاشم صالح أو حتى محمد عابد الجابري وغيرهم...

 

و بالعكس كان حريصا في مجمل مؤلفاته على اختيار عناوين بصيغة الجمع كأن يقول: أديان وثقافات وتحديات. بمعنى أنه كان يؤيد فكرة ظهور الدين الجديد ولا يكتفي بالتعامل معه على أنه إعادة نظر بما سبقه وحسب. فقد كان ينظر إلى الغاية المرجوة منه في تنظيم الدول والمجتمعات وليس لبلورة مفهوم روحي لـ (دين الإسلام) وبهدف التطهير والخلاص. وهذا لديه هو المبرر أيضا لرفض مفهوم الخطأ المطلق والصحيح المطلق (19). والمبرر أيضا لنشوء الحوار على أن لا يكون الهدف منه وضع لهداية (20) لأنه أصلا قرار بـ (النفي) (21) وبالإلغاء، وهو أول شرط لتقويض أساس التحاور. وأعتقد أن هذه هي الضمانة لأي خط تفكير يعتمد على الوحي أو غيره لإنتاج وظيفته كالهداية والتهذيب (22). وفي نفس الوقت للتنصل من مخاطر البحث في الماهيات والنظر إلى الإنسان على أنه جوهر . وكما يرى حسين مروة هذا يربط الروح بسلوك التدبير والتعريف ويمنع التأويل لنشاط الكلام في خدمة فلسفة تحرض قضايا المجتمع (23). وهو ما يدعوه الأستاذ الغرباوي باسم (الفهم العصري الجديد للفرد وللشعب والوطن). أو ما يقول عنه بعبارة موجزة إنه (فهم للحياة) (24).

وأخيرا، أرى أن عموم بحوث الأستاذ ماجد الغرباوي غير بعيدة عن المعارك الفكرية التي تشهدها المنطقة منذ هموم التنوير والنهضة، وهو يتصل بالعروة الوثقى مع رموز ندين لها عاطفيا لأنها تجرأت على المحظورات واقتربت من الأرض الملغومة وفتحت الباب لفرض طالما تناسيناه وهو فرض الاجتهاد بسبب غياب النص واستحالة القياس. وأقصد بذلك قافلة شهداء الحرية والتنوير وعلى رأسهم الكواكبي والشيخ محمد عبده، والذي اتفق معه في خلاصة وجوهر أفكاره ولا سيما الدعوة إلى سد الثغرة الراهنة في المجتمع بطريق الإصلاح والتغيير، وبتأويل الشريعة الإسلامية وتكييفها بما ينسجم مع تحديات العصر . ثم الدعوة لتحرير المرأة في دائرة القيود الإسلامية (25). ويجب أن لا ننسى أيضا اتكاله على آراء الإمام الخميني الذي حقق للفضاء الخاص صفات الحريات العامة في مجال محاربة الاضطهاد والحرمان والخوف (26).

 

صالح الرزوق 2011

 

............................

هوامش:

1 – 2 - التسامح ومنابع اللاتسامح . ص 16 . منشورات دار العارف ببيروت والحضارية ببغداد. 2008 . ط1 .

3 – ص 19 .

4 – 5 - ص 23 .

6 – ص 56 .

7 – من مقابلة مع أمين معلوف أجراها ريكاردو كرم في برنامج وراء الوجوه. تلفزيون المستقبل. إنتاج عام 2004 . أعيد عرضها يوم 2 - 7 – 2011 .

8 – كتاب التسامح. ص 7 .

9 – 10 - ص 75 .

11 – 12 - كتاب التسامح . ص 58 .

13 – ص 60 .

14 – 15 - ص 52 .

16 – انظر كتاب الإستبداد الديمقراطي لعصمت سيف الدولة. دار الكلمة . بيروت . 1981 .

17 – كتاب التسامح ص 62 .

18 – هيغل والدين الإسلامي بقلم ياسين سليماني . مجلة حكمة الإلكترونية.

19 – 20 – 21 - كتاب التسامح . ص 100 .

22 – ص 37 .

23 – الاتجاهات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية. ص 872 – 874 .

24– كتاب التسامح . ص 15 .

25 - انظر الإصلاح الإسلامي على طريقة الشيخ محمد عبده . بقلم محسن خضر. موقع التصوف الإسلامي.

26 – كتاب التسامح . ص 121 .

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد:1809 الاربعاء: 06 / 07 /2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1765 المصادف: 2011-07-06 13:24:56


Share on Myspace