 تنوير وإصلاح

هل سنملك واحدا مثل فولتير الفرنسي 1694 – 1778 / عبد الجبار العبيدي

abduljabar_alobaydiولد فولتير في احدى ضواحي باريس عام 1694 للميلاد من عائلة غنية، نشأ وترعرع في المدرسة الفرنسية، وحين شب اصبح رجلا موفقا في شئون المال، لكنه لم يقتصر تفكيره على المال والتجارة فقط،

 

بل ذهب الى ابعد من ذلك حين كان يفكر بمبدا المساواة، لكن مطلبه لم يكن عاما، بل مختصرا على المساواة بين الاغنياء واصحاب المال وبين النبلاء واصحاب السلطان.ليكونوا شركاء في المال والسلطة معاً.ورغم ما كان يشاهد من فروق كبيرة بين الناس لكن عقله لم يهديه الى فكرة المساواة الحقيقية، كما كان يرى ضرورة معالجة احوال الفقراء وابنائهم لايجاد مصادر رزق لهم ولتعليمهم حياة الاخرين.لذا كان يطالب لهم بالرحمة والرفق وحسن المعاملة ولا زيادة.

 

ورغم تفتحه الفكري والعقلي وشعوره بالاخرين من المظلومين، فأن ذلك  لم يدر بخلده ما كان يفكر به رجال الثورة الفرنسية أنذالك للتخلص من آل بوربون والعهد الملكي الذي كان يحكمهم بنظرية التفويض الالهي (الدولة أنا) كما كان يرددها لويس الخامس عشر ومن بعده السادس عشر وكانت خاتمته مقصلة باريس التي لا ترحم. يبدو ان كل الحكام الفرديين يستقون نظرية حكمهم من هذه النظرية البائسة)الدولة انا)، لذا فقد صاحبهم الفشل والنهاية الصعبة في اخر حياتهم السياسية في حكم الناس،  كما في هتلر وموسليني وجاوجسكو والقذافي وصدام حسين وغيرهم كثير.

 

لقد انصب تفكير فولتير نحو المال والعلم، لاعتقاده بأنهما يمكنانه من الاستمتاع بحياته  فوق  الطبقات الاخرى المحرومة منهما ويجعلانه في احسن حال .هذا التوجه جعل ابناء الطبقة المتوسطة يتجهون بكليتهم نحو الوصول الى اهدافهم عن طريق العلم والصعود الى السلم الاجتماعي والمالي تطلعاً وغيرة من الاغنياء والموسرين،  فنبتت عندهم كفكرة في بداية الامر، ثم تحولت الى واقع حققوا به ما يريدون. يبدوان العلم والمال ما كان يفكر به الجميع، بل للموسرين اما عامة الناس فلابد ان يكونوا من العبيد الارقاء المطيعين.هذه هي فكرة الطبقات المترفة وحاشيتها بعد ان يغريها المال تنسى الاخرين، لان العرف المتعارف عليه في ذلك الوقت هو العيب الذي كان مفقودا عندهم .لذا ظلت الشهامة والمروءة والاريحية والفضل من المحمودات دون تطبيق.

 

ليس دفاعاً عن الاسلام لكن القول من اجل الحقيقة، فقد بني الاسلام على المساواة والفضيلة والاعتراف بحقوق الاخرين، لكن مع الاسف لم يجد من اتباعه من يطبق بأستثناء عصر الرسالة والراشدين. لظروف صعبة واجهت الدولة وجعلتها تدخل في انفاق مظلمة اضطرتها الى الابتعاد عن هذا الطريق القويم، لكن الاسلام وضع للشرف التزامات ومطالب التكليف الشرعي الذي لا بد ان يفي بها المسلم حتى يضطر الى التعفف والتسامي عن الصغائر، هذه المبادىءطبقت  بعهد الراشدين، وظلت تتعكز على عهد من جاء من بعدهم من الامويين والعباسيين ولا زالت.

ان اول ما عمله فولتير هوالتعرف على نظريات نيوتن في العلم واراء جون لوك في الايمان بالانسان، فقرأ كتاب لوك في الادراك الانساني فحفزه على معرفة الشعور الداخلي بحقوق الامة وموضوع الحكم الصالح وكيف يتحقق.فهل قرأنا نهج البلاغة لنتعرف على ما تعرف عليه فولتير من جان لوك، ام سنبقى نشكك في نهج البلاغة أهو لعلي بن ابي طالب(ع) ام للشريف الرضي،  أم سنبقى في خانة اليك الى ابد الابدين.

 

هنا بدأ يدرك فولتير مفاهيم الخير والشر والله ومسئولية البشر، وان الله خلق الانسان ووهبه العقل ليحمي به نفسه من ارتكاب الشرور ، اوقل ان الايمان بدأ يدخل قلبه عن ايمان واقتناع .ثم دخل مفهوم السياسة وتاثر بالحكم الدستوري البريطاني وبدأ يفكر بنظرية المصلحة الوطنية، حين قال :" ان على الحكومة الفرنسية ان ترعى الصالح العام وتسهر عليه، وهذه الرعاية هي وحدها شرط الشرعية للحكومة".وبالحكومة الشرعية تضمن للانسان الحرية والامان على النفس والمال، وقد الح على ضرورة تطبيق نظرية الحكم الصالح لان اعمال الحكومات كلها سلسلة من اعمال القسوة التي لاجدوى من ورائها كما كان يراها في ذلك الزمان، فهل فكر المحدثون بما فكر به فولتير؟.

 

لقد آمن فولتير بعد ان درس الفلسفة والقانون بالتقدم الذي اساسه التفاؤل بالمستقبل، فعاد ليعترف ان الجديرين هم الذي اخترعوا المحراث ومنشار النجار وفاس الحداد، فقال ان الهدف من التاريخ والمؤرخين هو نشر الحقيقة بين الناسن لتبقى الحقيقة هي الهدف.لقد تغير فولتيرحين اهتدى بعقله الى التعقل والحكمة .فبدأ يؤمن بالتاريخ القائم على عقل وتدبر. فراح يفكر بتفكير اوسع حين آمن بالله الذي خلق الكون وان الحياة تعمل وفق قوانين محددة واقصى ما يمكن عمله هو تطبيق ما يوحي به العقل لمصلحة الناس اجمعين، أما العاطفة فقد رماها خلف ظهره كما رمى كل موروثات التاريخ..

 

كلها افكار لو قرأتها مأخوذة من الاسلام ولم ياتِ بشيء جديد لكن الفرق في الايمان بها والتطبيق لها.وفي كتاباته  نلمس حقيقة واحدة يريد الوصول اليها وهويهدف لتحرير الناس من السلطة والظلم، والحث على الأعتراف بتحديد سلطة الدولة عن حقوق الناس  وكان يعتقد بها تسود المحبة ويحترم القانون،  وهنا تجلى حجم فولتير الحقيقي في تاريخ الحضارة، ليحقق للانسان في وطنه الحرية والكرامة حين قال:" لا كرامة لحاكم ان اهينت كرامة مواطنيه" فهل يسمع من اهانوا كرامة المواطنين، فالكرامة والشرف اغلى ما في الوجود.فالتزموا من بعده بها فكانت فرنسا التي نراها اليوم.ولكن الم يكن فينا مثل فولتير وكتاباته،  نعم فينا الكثير،  لكن الفرق بيننا وبينهم انهم التزموا بمعايير الحضارة لهم ولأجيالهم ونحن  اصبحنا لها من الغافلين.

 

ان الانسانية التي فكر بها فولتير لم تكن فلسفتها عالمية بل كانت محددة بانسانية الانسان المسيحي الغربي، بينما فلسفتنا الانسانية كانت عالمية شمولية بنص الاية الكريمة( الحمدالله رب العالمين)، لذا بقيت الانسانية الاخرى بنظره فراغا هامشيا عريضا. لم يكن فولتير فيلسوفا عالميا، بل نستطيع ان نقول عنه كان مصلحا تاريخيا رغم انه كان يرى ان التاريخ لا يتطور، وانما يمر بمراحل الصراع بين الخير والشر، انها نظرة قاصرة عن ادراك الحقيقة التاريخية المعتمدة. فالتاريخ يتطور من الدائرة المغلقة الى الدائرة المنفتحة عبر الزمن.

 

لكن القدر الحقيقي لفولتير يتجلى في كفاحه مع مركزي الاستبداد في عصره وهما الملكية الفاسدة والكنيسة المستغلة، وهما العقبتان امام الحرية وتقدم البشر . وقال ان رجال الدين والكنيسة هما أس الشر والبلاء في أوربا فلا بد من أزاحتهما، فكانت حركتا لوثر وكالفن كرد فعل لما أمن به فولتير.هنا يقف فولتير كالطود الشامخ مدافعا عن الحرية والكرامة الانسانية، من هنا وضعه التاريخ في مرتبة االكبار من المدافعين عن الانسان وعصرنة العلم الحديث والحرية الحقيقية للشعوب فيما بعد.

كم لدينا مثل فولتير من العلماء والمخلصين، عربا ومسلمين، لكن من يسمعهم، من يحتضنهم، من يأخذ برأيهم مثلما احتضن فولتير ونجح.واذا سألتني هل لدينا مثل فولتير اليوم اقول لك نعم، واذا قلت من هو لقلت لك بلا تردد انه المخلص للوطن؟فهل يلعب القدر لعبته ويعمق المخلصون دوره ليخرجوا لنا منه رجلا مثل فولتير؟ كل شيء بقدر.

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :1965 الجمعة 09 / 12 / 2011)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1921 المصادف: 2011-12-09 22:01:40


Share on Myspace