 تنوير وإصلاح

فلسفة السوبر تجهيل

hasan ajmiأمسى التجهيل فلسفة عالمنا العربي والإسلامي لأن التجهيل في عالمنا اليوم له مبادىء وعقائد عامة وتفصيلية. من مبادىء وعقائد التجهيل العربي والإسلامي مبدأ أن الجهل فضيلة وأن تجهل أفضل من أن تعلم لأن من خلال جهلنا فقط  سيتم قبولنا من قبل مجتمعاتنا ومؤسساته. لقد طورنا التجهيل فأصبح التجهيل لدينا سوبر تجهيل. والسبب الأساس وراء سيطرة التجهيل والسوبر تجهيل هو أنه فقط  من خلال تجهيل أنفسنا وتجهيل الآخرين سنتمكن من أن نحيا في مجتمعاتنا اليوم لأنها مجتمعات محكومة بالديكتاتوريات والطوائف والمذاهب التي لا تنتصر سوى بفضل آليات التجهيل.

ثمة فرق بين التجهيل والسوبر تجهيل. بينما التجهيل هو حجب المعلومات عن الناس، السوبر تجهيل هو تقديم معلومات كاذبة على أنها صادقة واقناع الناس بصدقها. نظامنا العربي السائد اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً يمارس التجهيل والسوبر تجهيل معاً. فهو يمارس التجهيل من خلال حجب المعلومات عن الناس كي يبقى النظام الديكتاتوري العربي محتكراً للمعلومات ما يساهم بقوة في استمرارية حكم الديكتاتورية للعالم العربي. ونظامنا العربي يطور التجهيل أيضاً فيحوّله إلى سوبر تجهيل من خلال تقديم المعلومات الكاذبة على أنها صادقة واقناع الناس بصدقها. وهو يفعل ذلك لكي يطور تخلف العالم العربي ما يجعله مهيمناً بشكل كلي على دولنا ومجتمعاتنا. تولد الديكتاتورية باغتيال العقل وتنمو في تشويه المفاهيم والمعارف والإنجازات الإنسانية. عالمنا العربي يحيا اليوم في عصر السوبر تجهيل لأن معظمنا يساهم في تطوير الجهل والتخلف والتعصب الطائفي والمذهبي. ولقد تحوّلنا إلى سوبر جهلاء نجهّل أنفسنا والآخرين لأننا مواطنو النظام العربي الديكتاتوري وتلاميذه.

للسوبر تجهيل آليات عدة منها آلية تشويه الأفكار والنظريات والمنجزات الحضارية وتحويلها إلى أدوات قمع واضطهاد. فمثلا ً، معظم العرب يظنون أن الديمقراطية هي حكم الأكثرية بينما الحقيقة هي أن الديمقراطية هي حكم الحقوق الإنسانية كحق الفرد في أن يكون حراً. أما حكم الأكثرية فهو ديكتاتورية الأكثرية لأنها تلغي الأقليات وتقضي على مصالحهم، وبذلك حكم الأكثرية هو نقيض الديمقراطية التي تحافظ على حقوق ومصالح الأقليات. والأكثرية قد تتفق على خطأ أو ضلالة، وبذلك حكمها ليس حكماً ديمقراطياً. لكن نظامنا العربي يقدِّم الديمقراطية على أنها حكم الأكثرية رغم أن حكم الأكثرية نقيض الديمقراطية. هكذا يمارس النظام المعرفي العربي السوبر تجهيل من خلال تقديم معلومات كاذبة على أنها صادقة واقناع الآخرين بصدقها. هنا شوّه النظام المعرفي العربي مفهوم الديمقراطية وحوّل نظرية الديمقراطية إلى نظرية مناقضة للديمقراطية. وبذلك تمكن النظام الفكري العربي المهيمن من قتل أروع منجزات الحضارة ألا وهي الديمقراطية واستغلال اسمها لإغتيال عقولنا وحريتنا وحقوقنا. هكذا بدلا ً من أن تحررنا الديمقراطية أصبحنا سجناءها.

من منطلق آلية تشويه الفكر الإنساني والحضارة الإنسانية، نظن عادة ً أن الحرية كامنة في حرية التصرف والتفكير وحرية الانتخاب. لكن الحرية الحقيقية قائمة في امتلاك القدر الأكبر من المعلومات لأن من خلال امتلاك النسبة الأكبر من المعلومات سيتمكن الفرد من امتلاك حرية أكبر في تقييم معلوماته ما يحتم نشوء حرية أوسع في اختيار معارفه فتصرفاته على ضوء ما يختار من معارف. فالإنسان الذي يملك معلومات قليلة يتم سجنه ضمن ما يعلم من معلومات وبذلك تتقيد حريته فيخسر الحرية الأوسع في التفكير والتصرف. أما مَن يملك معلومات أكثر فيتحرر بفضل كثرة معلوماته التي تسمح له في التصرف بحرية أكبر على أساس الممكنات الواقعية والنظرية التي تقدمها كثرة المعلومات. من هنا، الحرية الحقة كامنة في امتلاك أكثر نسبة معلومات ممكنة. لكننا اليوم نشوّه الحرية من جراء سجنها في حرية التنقل والتصرف الجسدي وحرية انتخاب الزعماء أو ممثلي الشعب بينما الحرية الفعلية تتشكّل من امتلاك أعلى نسبة من المعلومات. في بعض من بلادنا العربية والإسلامية لدينا حرية التصرف والتفكير وحق الانتخاب لكننا لم نتمكن من تحقيق الديمقراطية في بلداننا لأن الحرية الحقة تكمن في اكتساب أعلى نسبة من المعلومات. ولم تنجح وسائل التواصل المعاصرة كالتلفزيونات الفضائية والإنترنت من جعلنا نكتسب القدر الأكبر من المعلومات لأن تلك الوسائل التواصلية مجرد أدوات قد تُستخدَم لنشر العلم والمعلومات وقد يتم استخدامها لنشر الجهل والتجهيل. ولقد أجدنا نحن العرب والمسلمين في استخدامها لرفع رايات الجهل والتجهيل لأن معظم تلك الوسائل التواصلية هي في أيدي الأنظمة الديكتاتورية والطوائف والمذاهب المتصارعة. فالديكتاتورية لا تستطيع سوى نشر الجهل والتجهيل لكي تبقى في الحكم كما أن أي مذهب ديني أو عقائدي في صراع مع المذاهب الأخرى لا يستطيع سوى أن ينشر الجهل والتجهيل لكي ينتصر على المذاهب الأخرى علماً بأنه لا يوجد معيار معرفي يمكننا من الحكم على أية عقيدة هي الأفضل أو الأصدق وإلا لتمكنت البشرية من حل خلافاتها العقائدية.

بالإضافة إلى ذلك، نشوّه مفهوم المساواة حين نعتبرها مجرد مساواة أمام القانون بينما المساواة الحقة هي المساواة في امتلاك المعلومات. فحين يتساوى الأفراد فيما يملكون من معلومات يتساوون في قدرتهم على الاختيار بحرية فتتحقق الحقوق الإنسانية كحق الفرد في أن يكون حراً وحقه في أن يُعامَل كما يُعامَل الآخرون. هذا لأن الإنسان يفكر ويتصرف على ضوء ما يملك من معلومات، ولذا إذا تساوى الناس فيما يملكون من معلومات يتساوون في قدرتهم على التفكير فالاختيار فالتصرف وبذلك يتحررون من خلال قدراتهم فتتحقق الحرية الحقة بشكل متساو ٍ بين الأفراد. ومتى تساوى الناس فيما يكتسبون من معلومات سيمتلكون حينئذٍ المستوى الثقافي فالاجتماعي نفسه ما يؤدي على الأرجح إلى معاملتهم بالتساوي. هكذا المساواة في امتلاك المعلومات أساس تحقيق الحقوق الإنسانية كحق أن يكون المواطن حراً وأن يُعامَل بمساواة مع الآخرين. لكن الديمقراطية هي حكم الحقوق الإنسانية، وبذلك المساواة فيما نملك من معلومات أساس الديمقراطية وأصلها وجوهرها. لكننا اليوم في عالمنا العربي والإسلامي نشوّه مبدأ المساواة ونختزله إلى مجرد مساواة بين الأفراد أمام القانون فقط  بينما المساواة الحقة هي المساواة في امتلاك القدر الأكبر من المعلومات. فعندما نملك النسبة الأكبر من المعلومات ونتساوى في امتلاكها نغدو متساوين فكرياً فاجتماعياً فاقتصادياً. من هنا، الديمقراطية الحقة تكمن في التوزيع العادل والمكثف للمعلومات. لكننا اليوم نرفض المعلومات لأننا نرفض العلم والمنطق ونتعصب فقط  ليقينياتنا المُسبَقة ولذا خسرنا الديمقراطية وما تتضمن من حقوق إنسانية وخسرنا الإنسان ذاته لأن الإنسان مجموعة حقوق كالحق في أن نكون أحراراً ومتساوين.

من جهة أخرى، إلغاء فكر الآخرين آلية أساسية من آليات السوبر تجهيل. ومضمون هذه الآلية هو التالي : ثمة نظرية أو عقيدة واحدة صادقة بينما النظريات والعقائد الأخرى كافة كاذبة. هذا مبدأ جوهري من مبادىء فلسفة السوبر تجهيل ؛ فبمجرد أن نعتبر أنه توجد نظرية أو عقيدة واحدة صادقة دون سواها ونصر على أن النظريات والعقائد الأخرى كاذبة سنرفض لا محالة كل أفكار ونظريات وعقائد الآخرين المختلفة عما نعتقد ما يؤدي إلى رفض الآخرين المختلفين عنا. لكن الديمقراطية مبنية على قبول الآخر المختلف. وبذلك من خلال الإصرار على صدق نموذج فكري واحد وتكذيب النماذج الفكرية الأخرى نرفض الديمقراطية وما تتضمن من حريات وحقوق إنسانية. هكذا النظام المعرفي القمعي السائد في عالمنا العربي- الإسلامي أصل ومصدر رفضنا للديمقراطية وللحقوق الإنسانية. فعندما نعتبر أنه يوجد نموذج فكري أو عقائدي واحد هو الصادق دون سواه سنتعصب للنموذج الفكري الذي نعتبره صادقاً ونلغي معتقدات الآخرين فإنسانيتهم. وهذا أساس العنصرية والطائفية والمذهبية. من هنا، الديمقراطية الفكرية التي تقبل كل الأفكار والنظريات والعقائد وتؤكد على أنها كلها متساوية في قيمتها ومقبوليتها هي وحدها الكفيلة بأن تقضي على التعصب بكافة تجسداته العنصرية والطائفية والمذهبية. ومتى نعتقد بأنه توجد نظرية أو عقيدة واحدة فقط  هي الصادقة وهي على الأرجح ما نعتقد بصدقها سنوقف عملية البحث الفكري لأننا نظن أننا نمتلك النظرية أو العقيدة الصادقة ولذا لا داع ٍ للبحث الفكري عما قد يكون صادقاً. وبذلك اعتقادنا بصدق نظرية واحدة دون سواها يوقف عملية التفكير فيقضي على إنسانية الإنسان الكامنة في القدرة على التفكير المستمر.

كل هذا يرينا أن السوبر تجهيل المهيمن على مجتمعاتنا العربية والإسلامية لا يلغي الحرية والمساواة والديمقراطية فقط  بل يغتال أيضاً إنسانية الإنسان من خلال إلغاء قدرة الإنسان على التفكير. فالعلم والمعلومات أساس الديمقراطية كما أن الديمقراطية هي المُطوِّر الأساسي للعلوم والمعلومات لأن الديمقراطية ليست سوى إنتاج المعلومات وتوزيعها العادل بين المواطنين. فمن خلال صياغة المعلومات وتوزيعها العادل بين الناس تتحقق الحريات والمساواة والمقدرة على التفكير والإنتاج الحضاري. العلم وما يتضمن من معلومات عملية تصحيح مستمرة لِما نعتقد تماماً كما أن الديمقراطية عملية تصحيح مستمرة لِكيفية الحكم، ولذا يشكّل كل من العلم والديمقراطية حقلا ً وجودياً واحداً لا يتجزأ. من هنا، استغلالنا للعلم من أجل تجهيل أنفسنا والآخرين، وذلك من خلال تشويه المعلومات أو إلغائها، ليس سوى عملية رفض للديمقراطية ولإنسانية الإنسان.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2483 المصادف: 2013-06-23 07:08:14