 تنوير وإصلاح

مفهوم الدين في المجتمع العراقي

يحتل الدين في المجتمع العراقي مكانة مركزية، في ذهنه وحياته، كمعيار شرعي ومعرفي وأخلاقي، واستقرار نفسي وروحي. لكن مفهوم الدين متأثر جدا بقيم المجتمع ونفسية الفرد باستقلال نسبي عن مفهوم الدين ألاعتقادي والفقهي، وهذا ما سأبحثه التناشز ما بين الدين كمعتقد والدين كممارسة في المجتمع العراقي.

أول شيء يلفت الانتباه في المجتمع العراقي هو التزام العراقي بالعبادات دون الالتزام بالمعاملات والأخلاق سوى القول دون الفعل وهي الفروع الأخرى للدين، مستبدلا إياها بالقيم البدوية القائمة على الغلبة، أي أن الدين مجتزأ التطبيق، فالعراقي يصلي لكنه فاسد إداريا أو ماليا في دوائره الحكومية؟ يتكلم بالزهد في الدنيا وهو مهووس بالجنس والمال في حياته، يغش في البيع والشراء، يغش في مهنته إذا كان صاحب المال في غفلة منه أو جاهل بأجور المهن.

الدين عند العراقي فردي، والإيمان ليس إلا عبادة وأدعية وتسبيح، من اجل خلاصه الفردي والمتاح للعابدين من جماعته المذهبية فقط، لإشباع حاجات غريزية في الجنة كالأكل والشرب والجنس، والخوف من الاحتراق بالنار، دون أن يفكر بالخلاص لمجتمعه، أي جعل وظيفة الدين الاجتماعية وظيفة أنانية، فالدين كما هو معروف عبادات ومعاملات وأخلاق وعقائد، والعراقي يركز على العبادة ويهمل الأخلاق والمعاملات ويتركها للكلام بها فقط (باستثناء عقود الزواج)، العبادة والأدعية والتسبيح هي علاقة حصرية بالله وهي تخص الآخرة، أما الأخلاق والمعاملات فهي علاقة الإنسان بالإنسان وهي تخص الدنيا، أي انه يلتزم بنصف الدين، فالأخلاق والمعاملات تساعد في تكوين مجتمع ملتزم أخلاقيا ويُنظم معاملات الناس وفق ضوابط حتى لا يعم الفساد والفوضى، أما العبادة لوحدها فهي خاصة بالإنسان وربه للفوز بالآخرة وحين يكون الدين عبادة فقط، كلُ يبحث عن خلاصه الفردي الأخروي، فيتفرق الناس كل لخلاصه، فيعم الفساد بينهم دون أن يتكاتفوا لمكافحته وتكون نتيجته الاهتمام بالآخرة على حساب الدنيا فيهدر حقوقه الاجتماعية والإنسانية والسياسية تاركا التخلف والاستبداد والفساد يعم بالمجتمع. ولذ نرى كثير من العراقيين ملتزمة بالعبادة والأدعية وفاسدة إداريا وماليا وتغش بالبيع وتكذب بالكلام وترتشي وتزوّر وتختلس بالمال العام أو الخاص؟ وهو مخلص في عبادته مع نفسه وليس رياء كما يظن سائر الناس، عازلا الدين عن وظيفته الاجتماعية الأخلاقية والمعاملاتية! وحتى العبادة إن وضعت تحت النقد فإننا سنراها عادة وليست عبادة، مجرد حركات بدنية يكون فيها العراقي ساهيا في أمور بعيدة عن الصلاة غالبا ما تخص العمل، حتى أن بعض المصلين ينسى عدد الركعات! لتصبح هذه الحركات البدنية غاية بذاتها يشعر بها العراقي بالرضا النفسي في أداء الواجب لله، ولا تصبح هذه الصلاة تفاعل مع الله إلا في المواقف الحرجة كالمرض والإفلاس والعوز والمشاكل وطلب حاجة، أي في مواقف الضعف والمنفعة؟ بينما الصلاة هي صلة نفسية وروحية بين الإنسان والرب. إن العراقي لا يفهم من وظيفة الدين الاجتماعية إلا إقامة الدولة الدينية ليردد عبارات مثل قوله (يجب تطبيق القرآن، يجب فرض الحجاب وتطبيق الحدود كقطع اليد والرجم والجلد وقتل المرتد) لكنه يستخدم الدين بالغش فاثر الركوع على جبينه الذي يكون عامل احترام وثقة من الناس له، يستغل هذه الثقة ليغش الناس بيمينه الذي لا يكذب وبوقاره المحترم يستغفل الناس، أو يستخدم الرموز الدينية المقدسة قسما يحلف بها كذبا للخداع، ويستغل حتى رحمة الله ليرتكب الذنوب والمعاصي فأي عمل غش يقوم به يطلب العفو والمغفرة والتوبة عنه بالصلاة والدعاء والتسبيح والتصدق للفقراء والمثل العراقي يقول (ساعة ﻟﮕلبك وساعة لربك) ودائما يردد العراقي (يمعود الله غفور رحيم) ليبقى يغش ويكذب ويختلس كأن التوبة والمغفرة هي مبرر الذنوب! مسقطا هذا التناشز بالشخصية على شخصية الله، فبحجة أن الله غفور رحيم ترتكب الأخطاء ليغفرها الله بالعبادة فيما بعد؟ لان الله لا يريد من الفرد إلا الولاء بالعبادة والطاعة والخوف وكل ما عداها يهون كما يرى العراقي! أو يستخدم الوساطة مع الله بزيارته للأضرحة المقدسة ليشفعوا له عند الله وهو أيضا إسقاط للوساطة الأرضية على السماء فيمحو ذنوبه كأنه عاد طفلا!! وهذا الاستغلال لرحمة الله بسبب الخوف والطاعة الذي يحكمه في علاقته بالله! لان صورة الله منسوخة عن العلاقة العبودية بالسلطة المستبدة التي بدورها رسختها بوعاظها الرسميين، بدون وجود علاقة حب بينهما، فالخوف والعوز والطمع هي البديل عنها، أي أن العراقي لا يحب الله بل يخافه ويحتاجه! لأن عقاب الله إذا غضب يتجاوز الأفراد إلى أسرهم وأقاربهم أو حتى العقاب الجماعي لمدن، فصورة الله اجتماعيا منسوخة عن السلطان، حيث يتقدم الولاء على النزاهة! وعليه ما دمنا نعبد الله (الولاء) فليس مهماً النزاهة لان الله لا يريد إلا الولاء! ولا يمكن وصف العراقي المصلي بالمتدين بل العابد. والناس من جانبها تكتفي بالرجل الذي يلبس الدشداشة والقلنسوة والمسبحة واثر السجود بجبينه ويذهب للمسجد والحج لتصفه (متدين) أو (مؤمن)، تراه يكثر من قراءة المصحف ويستشهد بالأحاديث النبوية في أحاديثه مع الناس ويحرّم الأغاني والسفور ويحث الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والناس تكتفي بإلزام أولادها الصلاة فقط دون التركيز على الأخلاق؟ وهي تذهب لصلاة الجمعة والاستماع للخطبة دون أن تتأثر بما تسمع فالذهاب من اجل الأجر وليس التأثر؟ وكذلك الحال في الاستماع لخطب التلفزيون فالأجر أهم من التغير! فهي علاقة جدلية بين الناس والعابد. والعراقي يهتم بطهارة الجسد من النجاسات كالتبول واقفا، ولا يهتم بطهارة النفس كالنزاهة والأمانة والصدق والإخلاص والوفاء من نجاسات الكذب والغش والنفاق والرشوة والفساد والسرقة، وهو يحرم بعض المأكولات والمشروبات دون أن يحّرم رمي النفايات بالشارع، التجاوز على أراضي الدولة، هدر الماء والكهرباء، إطلاق النار بالمناسبات، مخالفة قواعد المرور، الإضرار بالممتلكات العامة، التدخين بالأماكن المغلقة، تجاوز الآخرين بالطابور، إزعاج الغير بالصوت العالي، فالطهارة جسدية وليست نفسية، والتحريم جسدي وليس سلوكي اجتماعي.

إن الدين عامل توحيد اجتماعي كما نظر إليه عالم الاجتماع (أميل دوركهايم) لكن الدين أصبح عامل انقسام طائفي عندنا! إذ جعلنا من وراثتنا لمذهبنا حجة للانتقاص من المذاهب الأخرى، وجعلنا من وراثتنا لديننا مبررا لتكفير الأديان الأخرى! لان كل ما عدانا باطل! وأن الخلاص لمذهبنا وديننا فقط! ويمكن استثمار الدين عاملا ثوريا ضد الأنظمة الفاسدة والدين عندنا صار عامل تزكية الأنظمة وصك شرعيتها، والدين ينظم بعض أمور الدنيا والآخرة ونحن جعلناه للآخرة فقط لهذا يكثر العراقي الحديث عن الآخرة ويحتقر الدنيا برمتها متنازلا عن حقوقه الإنسانية الأساسية كالعيش الكريم وتوفر فرص العمل ونظافة البيئة والماء وتوفير التعليم والمستشفيات وإتاحة الحرية والعدل والمساواة الخ لكونها مطالب دنيوية ويترك أمر تحقيقها إلى إرادة الله وحده! لأنه يعتقد أن البؤس والفقر والظلم قدر من الله وعلى الإنسان القبول والشكر في حين أن الإسلام ثار على العبودية والوأد، والنظام الظلم ليس بسبب الله بل بسبب خضوع الناس وسكوتهم على اغتصاب وانتهاك حقوقهم.

الخلاصة إن مفهوم الدين عند العراقي فردي وليس اجتماعي، غريزي وليس روحي، نفعي وليس إنساني، أخروي وليس دنيوي، شكلي وليس جوهري، جزئي وليس كلي.

محمد لفته محل

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2777 المصادف: 2014-04-13 00:34:57


Share on Myspace