المثقف - أقلام حرة

أوراق مهاجر

sami farisيادجلة الخير الشوق يسابقني إليكِ الى بغداد الحبيبة التي عاشت في داخلي ذكريات وصور لاتفارق ذاكرتي في المدن الغريبة، كنت احلم بالعودة اليها بعد ان يهلك الطاغية.

مع هبوط الطائرة على مدرج المطار، يكاد قلبي يقفز شوقاً ولهفة حتى خفت ان يخذلني في تلك اللحظات عند لقاء الإهل والإحبة والإصدقاء بعد كل هذه السنين تحقق حلم وأجمل مافيه زيارة العتبات المقدسة .

لا اعرف بعد ذلك كيف تسلل الى داخلي الإحساس ببرودة الأشياء والوحشة تسكنها شعور الى حد البكاء، تغير كل شئ. حتى بيوتنا الجميلة الدافئة التي كانت تضمنا بحنان عند المساء رغم ابسط وسائل التدفئة (الصوبة أصبحت موحشة وهي تحت رحمة منازعات الورثة وتصرفاتهم الحاقدة .

وتحول بيتنا الجميل بيت أبي الى طابوق متراص من المشاعر الجامدة وغابت تلك الأصوات الطيبة الحنينة التي تعودنا على سماعها فارق بعضها الدنيا والأخر هاجر في دنيا الله الواسعة، وأرتفعت اصوات اخرى.

وحديقة الدار الجميلة تحولت الى ارض جرداء تقطعت أوصالها الى بيوت صغيرة متراصة .

والنخلة ماتت شوقاً على من فارقها

سمعتُ صوت أبي وبسملته عند صلاة الفجر، وضحكات وهمسات العائلة وجلسات الشاي في العصرية " وقمرية العنب " المتدلي بأنواعه اللذيذة في مقدمة الدار ورائحة الرازقي والياس والشبوي عند المساء، كل شجرة وزهرة في حديقتنا احفظ شكلها واعرف نوعها .

مكتبتي لم تعد في مكانها والكتب التي رافقتتي احلى ايام العمر والتي كانت تغفو على صدري بعدما تقبل عيوني كلماتها وضعت في اكياس سوداء منتفخة وفي خزانة حديدية قديمة فوق سطح الدار وقد تسللت الرطوبة الى داخلها مسحت من عليها الغبار قبلتها وفاءً وشوقا ً الى كل سطر فيها، ضمتني بحرارة ودمعي يغسل صفحاتها أخذت تشكو وألم الفراق يعصرها، فهي تعلم بقرار التخلص منها تبرعاً الى من يعرف قيمتها وكأنها أم عجوز غدر بها الزمن بفراق اولادها وتنتظر الان شفقة الغريب ومن يعطف عليها .

لم يعد لها في هذا البيت مكان رغم مساحته الكبيرة والغرف العديدة

المالك الجديد " الوريث" يسميها نفايات لابد من التخلص منها فهي تجلب الجرذان لافائدة منها .

سؤال تقليدي تسمعه من كل الذين تقابلهم

مع ابتسامات باهته وكلمات المجاملة

- متى ستسافر هل حجزت التذكرة؟

 

أصدقاء العمر تلك الضحكات البريئة وأحلام الشباب أصبح حلم العودة والعيش معهم ضرباً من المستحيل، هم في الماضي احلى، ففضلت ان احتفظ بصورهم في ذاكرتي .

- هل تذكر فلان؟

بعد ان أجهدت ذاكرتي المثقوبة

- نعم تذكرته الان

- الذي يجلس أمامك حفيده فلان

سلم عليّٓ الحفيد بمشاعر الغريب وانفلت راكضاً .

شارعنا لم يعد كما الذي يعيش في ذاكرتي

- لي مع تلك الدار اجمل الذكريات. احسست بالورطة وانا اردد امام اخي تلك الكلمات حتى هالني ماسمعت

- مات ابوهم بعد ان خطف غرباء أولاده والأخر مات بإنفجار

وسكن البيت غرباء

وضعت صورة ابي والبيت والوطن في حقيبتي .

غادرتُ وخطواتي تبكي فراق وطن جريح .

ووجهت وجهي نحو المطارات تضمني

لا صديق لاخطوة ثالثة على الطريق

مشيت والله معي

وأسمع السياب يردد من جديد

الشمس اجمل في بلادي من سواها، والظلام

حتى الظلام هناك اجمل، فهو يحتضن العراق

واحسرتاه، متى انام

فاحس ان على الوسادة

من ليلك الصيفي طلا فيه عطرك يا عراق؟

بين القرى المتهيبات خطاي والمدن الغريبة

غنيت تربتك الحبيبة .

 

الكاتب والباحث : سامي فارس

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

لقد أبدعت أيها الشاعر والكاتب المبدع ووصفت شعور كل مغترب يحن ويحب وطنه ولامست مشاعر حتى الطيور المهاجرة وكتبت عن ما بداخل كل مغترب ووصفته وصفا دقيقا لما نعانيه من الغربه بوركت هذه الأنامل التي كتبت وعبرت وصورت أحاسيسنا

حنين الروح
This comment was minimized by the moderator on the site

كلمات جديرة بالقراءة اشارت الى اوجاع قلوبنا واقتربت واخترقتنا وسكنت في ارواحنا وفاضت في دموعنا. ابدعت استاذ سامي فارس في الوصف وصياغة اللوعة العراقية البغدادية تحديدا.

عدي كرماشة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3430 المصادف: 2016-01-26 01:25:47