المثقف - نصوص أدبية

الربع المفقـــــــود

mothaqaf-m1أسرع ياأخينا، نادى السائق على اخر راكب للصعود الى الباص ذي الثماني عشر راكبا، خلينا نتوكل على الله العدد اكتمل بك، صعد الراكب، قلب الكرسي الصغير الذي بين المقاعد في هذا النوع من الباصات وجلس على حافته، على يمينه جلس رجل يرتدي الغترة والعقال، أرتمت على كتفيهِ عبائة سوداء من الصوف الخشن، لملم اطرافها وجوانبها في حضنه، يحمل أوراقاً كثيرة واضح انه من سكان القرى ومشغول بمعاملة في احدى الدوائر التي تجعل المرء يدور حول نفسه.

وعلى يساره أمرأة بدينة في بداية الثلاثينات، ترتدي ثوباً باكمام قصيرة، بانت خلالها زنودها كأنها مصارع نيبالي، الى جانبها بنت صغيرة لاتتعدى الثمان سنوات.

في الصف الاخير جلس اربعة شبّان في عمر متقارب يبدو أنهم أصدقاء من خلال حديثهم وضحكاتهم والتنادي في ما بينهم بالاسماء.

بين هذين الصفين، هنالك صفان اخران من المقاعد توزعت على أحداهما ثلاث طالبات جامعة، وشابة جميلة ترتدي العباءة، أما في الصف الاخر فقد جلس رجل كبير وزوجته الى جانبهما امرأة معها صبي يبدو انه مختل عقلياً لشكله المنغولي، وكان كثير الحركة يردد بصوت عالٍ كلمات غير مفهومة.

أما السائق فقد جاوره رجل أصلع، أنيق، يبدو انه موظف متقاعد أو معلم قديم، الى جانبه عسكري ببدلة شبه متربة.

سارت ام ثمنطعش راكب كما يسمونها مخلفة ورائها هالة كبيرة من الدخان الاسود وهدير يُسمع من مسافةٍ بعيدة، وضع السائق المنديل على رقبته بعد أن مسح به حبات العرق التي نضحت على وجهه في ظهيرة ذلك اليوم الصيفي اللاهب. حاول الركاب فتح النوافذ الى اخرها، بعضها فتحت الى النصف، وبعضها لم يتزحزح أبداً.

ثم بدأوا بجمع الاجرة، قطع معدنية وورقية، تداولوا بينهم تصريفها،عدّها ومناوشتها من صف الى اخر بطريقة تدل على انهم زبائن دائميون لهذا النوع من وسائط النقل، وصل المبلغ الى السائق الذي صف الاوراق النقدية وطواها حسب حجمها و قيمتها، أما القطع النقدية فقد قبضها في كف وتركها تتساقط بانسيابية في الكف الاخرى أخذاً بعدّها، بينما احتضنت ذراعيه المقود.

وضع الاجرة في المكان المخصص للنقود فوق غطاء المحرك الفاصل بينه وبين الرجل الاصلع الذي يجلس الى جواره، ظر الى الركاب في المرآة وصاح بصوت مسموع: بعد واحد ياأخوان، الاجرة ناقصة راكب واحد..

خذ ياأستاذ عدّها انت، ممكن أكون اخطأت الحساب، عد الرجل الذي يحتمل انه موظف متقاعد او معلم قديم الاجرة، أربعة دنانير وربع، تفضل، اعاد النقود الى مكانها، طيب ياأستاذ ثمانية عشر راكب اضربها في ربع دينار كم ستكون؟؟

اربعة دنانير ونصف، صحيح؟؟ نعم صحيح قال الرجل الاصلع..

أخوان أظن ان احدكم نسي ولم يدفع الاجرة، هذا يحصل دائما، الزمان الاغبر يجعلنا ننسى حتى اسمائنا، لم ياتيه اي رد، اخوان الاجرة ناقصة، يعني ان احداً نسي ان يدفع هل تسمعوني جميعكم؟؟

بدأ الركاب ينظرون الى بعضهم ويتهامسون، صاح شاب يجلس في الصف الاخير، عد الاجرة مرة اخرى ياأخونا، ممكن اخطات في العد، خذ ياابو خليل* انت عدّها هذه المرة، ناول السائق الاجرة الى العسكري الذي رد بدوره، تمام اربعة دنانير وربع، إذاً هناك احداً لم يدفع، كل يوم نفس المّوال !!!، ونفس القصة، لكن هذه المرة طفح الكيل، اوقف السائق الباص وأستدار الى الركاب، لن أتحرك شبراً واحداً حتى تكتمل الاجرة، قال الشباب في الصف الاخير نحن اعطينا دينار الى الاخ الذي أمامنا عنا نحن الاربعة.. صحيح ياأخونا؟؟ رد الرجل الذي يجلس مع زوجته.. نعم صحيح، قالت المرأة التي معها الصبي المنغولي وأنا دفعت نصف دينار عني وعن ابني، صحيح؟؟

الطالبات الثلاثة والشابة صاحبة العبائة رددوا ذات الكلام، الرجل وزوجته اكدوا دفعهم الاجرة أيضاً، قال الرجل صاحب العقال والرجل الذي يجاوره على الكرسي المتحرك الصغير نحن ايضاً وهذه السيدة وبنتها جمعنا ديناراً عن اربعة أشخاص، ياألاهي سيطير برج من راسي صاح السائق، اين اختفى الربع اذاً؟؟ تبخر؟؟، طار مع عقلي في هذا الحر؟؟

طول بالك ياأخونا ماتسوى ترى، قال الرجل الاصلع..

 بل تسوى وأكثر، قبل ايام جمع احدهم الاجرة، وبينما توقفت لآنزال أحد الراكب نزل معه ابن الحرام، وأنسل بين الناس،ذاب في الزحام مثل فص من الملح، ركضت ورائه في كل الاتجاهات فلم أجده، أصبحت مسخرة الجميع يومها، ضحك الركاب على مصيبتي، يلعن دين الباصات، لابو دين الاجرة، متى يتوب علينا الله من هذه المصلحة بنت الكلب؟؟؟ هذه مهنة من ليس له مهنة كما يقولون.

والله ياأستاذ لاتجلب سوى الهم، موجهاً كلامه الى الرجل الاصلع، الكل يمص بدمائنا، السمكري، الصباغ، المكيانيكي، وفوق كل هؤلاء شرطة المرور يحلبونا ذهاباً واياباً، والويل لمن يعترض او يتذمر عن دفع هذه الاتاوات المهينة.

ويأتي بعد كل ذلك راكب يستحمرني ويسخر مني بهذا الشكل؟؟

قرص شاربه بقوة وصاح سأحلق هذا اذا تحرك الباص خطوة واحدة قبل أن يدفع من نسي او تناسى دفع الاجرة، قال الرجل الذي يجلس الى جنب المرأة البدينة، سأدفع لك انا هذا الربع، بل نصف دينار، او اقل لك، سأدفع ديناراً كاملا، خلصنا يأاخي، من قال لك أني شّحات أو متسول؟؟ انتقي عباراتك وأعرف مع من تتكلم، ليست مسألة ربع دينار، انها مسألة مبدأ، مسألة كرامة،

هل ترضى أن يستحمرك الاخرون؟؟

نهض الرجل غاضباً فامسك به القروي، أهدأوا ياجماعة، ياعمي والله عيب،

صاح العسكري، السائق معه حق لااحد يقبل ان يُستغفل، المسالة أكبر من الربع دينار..

قال السائق والله لو جاءني وقال لي انه ليس لديه ثمن الاجرة، لاوصلته على حسابي واعطيته مبلغاً اضافياً، لكن ان تكون المسالة بهذا الشكل فانا لاأقبلها أبداً.. لن أكون حماراً بعد اليوم..

بدأ الضجر والقلق يتسرب الى الركاب بسبب هذا الوضع المهين، الذي وجدوا انفسهم فيه، هاهم جميعهم متهمون، السائق يصر على موقفه، والراكب الذي لم يدفع الاجرة مازال بينهم، من يكون ياترى؟؟؟

علامات الاستفهام تدور في عيون الجميع، ليس بينهم من تبدوا عليه ملامح اللصوصية اوالخداع، ربما سقط ذلك الربع اللعين بين الكراسي او على الارض او في الجحيم، وقف الرجل القروي باحثاً تحته و تحت كرسيه،تبعه الاخرون وبحثوا جميعاً في المكان، ربما يجدوا ذلك الربع الذي تسبب في موقفهم هذا مرمياً في مكان ما.

لم يعثرأحد منهم على اي شيء،

 أزاح الرجل الذي يجلس الى جنب القروي طرف العبائه الذي سقط فوق ذراعه وتسبب له في حكّة لعينة تضاف الى حرارة المكان، كيف تلبس مثل هذه العباءة في هذا الحر ياحاج؟؟ سأل الرجل

تعودت عليها، لااستطيع السير في هذه المدينة الكبيرة بدونها، جربت مرة وجئت ببدلة رسمية،دارت بي الارض يومها، وكدت أسقط أمام الناس، بدونها افقد توازني، ضحك الرجل، وضحك القروي معه.

والان؟؟ متى ستنتهي هذه المحنة؟؟ هل نحن محتجزون أم ماذا؟؟ قالها الرجل الذي يجلس مع زوجته..

صاحت المرأة البدينة لنذهب الى مركز الشرطة، او الى مكافحة الاجرام، هناك سيعرفون من الذي وضعنا بهذا الموقف السخيف، أكيد تمزحين ياأختي؟؟ قالها الرجل الاصلع المحتمل انه موظف متقاعد او معلم تعيس، نحن لسنا لصوص او مجرمين، ثم هل تظنين انهم سيستقبلوننا بالمرطبات والمشروبات المثلجة، ونجلس على الارائك المريحة حتى يعرفوا ذلك الشخص؟؟

سيجلدوننا جميعاً، نساءاً ورجالا، سيجلدون حتى الاطفال وهذا الصبي المسكين، وانتي ستعترفين بأنك قتلتي زوجك، ستدليهم على أي سكّين،كأداة لجريمة لم ترتكبيها، أما انا فسامضي لهم على عشرين ورقة بيضاء قبل ان يلوحّوا بالعصى على ظهري. بدا الخوف على وجه المرأة، وأخذت تتمتم بكلمات لم يفهم منها سوى.. أعوذ بالله.

احساس غريب وشعور بالتعاطف والتضامن مع هذا المجهول، بدأ يسري في قلوب وضمائر الركاب، من تراه يكون؟؟ هل هو القروي البسيط أعياه الذهاب والاياب من القرية الى المدينة الكبيرة، بسبب اهمال وتقاعس وابتزاز الموظفين والمسؤولين عن أنجاز معاملته؟؟ و لم تعد لديه القدرة حتى على دفع ثمن الاجرة؟؟

أم هي تلك المرأة التي تدور بابنها المتخلف عقلياً بين المستشفيات ومراقد الائئمة والصالحين وحتى المشعوذين والدجالة لشفائه؟؟

أم هذا الموظف المتقاعد أو المعلم الذي يهتم بملابس لم تستطع النظاقة والتنسيق من أخفاء قدمها ورخص ثمنها،؟؟؟

أو تكون أحدى هؤلاء الطالبات، وربما العسكري، ربما الرجل الذي تظاهر بالشهامة ودفع دينارا كاملا ليبعد الشبهات عنه؟؟ ربما هو او هي ربما كلاهما؟؟ أسئلة وظنون بدأت تدور في كل العيون والرؤوس الحاضرة.

سألت الشابة صاحبة العباءة السائق الذي أشعل سيكارته الثالثة منذ توقف الباص، هل تظن بعد كل هذا الاحراج سيقف أحدهم ويقول أنا الشخص المعني؟؟ أنا الذي لم يدفع؟؟

رد السائق ليس مهما أن يقول ذلك أمام الاخرين، ليعطني اي اشارة، كي ارتاح، ولاأعتبر نفسي مغفلاً أو حمار، طيب عندي فكرة، قالت احدى الطالبات، ليكتب كل منا في ورقة صغيرة كلمة (دفعت) او كلمة (لم ادفع) ونطويها ونعطيها للسائق.. قال القروي أنا لااعرف القراءة والكتابة،رددت نفس العبارة المرأة التي معها الصبي، طيب، نعطي لكل شخص ورقة صغيرة يكتب عليها رقم واحد، وتعني انه دفع الاجرة، أو يكتب رقم اثنين ومعناها أنه لم يدفع، عندها سيعرف السيد السائق أن هناك من أعترف بأنه لم يدفع، وأنه محرج وليس لديه مبلغ الاجرة،وتنتهي هذه المصيبة. أستحسن الجميع هذه الفكرة، وطلبوا من الفتاة ان توزع الاوراق على الجميع، أعاد الرجل الاصلع ماقالته الفتاة: ياأخوان رقم واحد يعني (دفعت) والرقم اثنان (لم ادفع)

ساد صمت عميق في الباص قطعه الصبي المنغولي صائحاً (منو باد اللبع؟؟ ويعني من الذي سرق الربع) انفجر الركاب بالضحك ومعهم السائق، صاحت ام الصبي عيب لاتقول هذا الكلام ياولد، لكن الصبي اخرج لسانه وغارت عيناه الصغيرتان في ابتسامةٍ منغولية بريئة بعدما فرح لضحك الاخرين، اعاد الكلمات ذاتها (منو باد اللبع) اي منو باك الربع، يعني سرقه؟؟؟ وضعت أمه يدها على فمه، عيب ياولد هؤلاء كلهم أناس محترمون، لاتقل هذا الكلام،

قهقهات الركاب بدأت تُسمع من بعيد، شعروا بأرتياح بعد هذا الانقباض الطويل، دعيه يقول مايشاء، قال العسكري، والله رسم البسمة على وجوهنا التي عكرها هذا الموقف السخيف، جمع الركاب الاوراق الصغيرة في كيس وقدموها الى السائق، فتح أول ورقة فوجد عليها الرقم 2 فتح الثانية وكان الرقم 2، الثالثة والرابعة،وكلها كتب عليها الرقم 2، شعر بالخجل أمام هذا التضامن الجميل بين هؤلاء الناس الذين جمعتهم الصدفة في هذا الباص الصغير، الكل أراد أن يزيح الحرج عن الشخص المجهول.

أستدار اليهم وقال: لن اكون اقل كرماً منكم، كل الاجرة على حسابي أدار المحرك وسارت أم الثمنطعش راكب تمخر عباب الاسفلت مخلفة بركانا هائلا من الدخان الاسود.

 

..........................................

ابو خليل لقب يطلق على الجندي

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1639 الأحد 16/01 /2011)

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1594 المصادف: 2011-01-16 06:25:38


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م