المثقف - نصوص أدبية

أرق

sabah_alqalazinقبل أن نستسلم للنوم، نتقلب في أسرتنا كالعادة تتحرق وسائدنا، أفكار تختلج، وجوه تتأود، نهوّم في عشرات التفاصيل اليومية التي شرقنا بها نهاراً، لا نفلح باقتحام القلاع العصية، كلما أصررنا تمنّع ونأى، نتصفح كتاباً عله يحمل إلينا الهدأة المشتهاة، والسنة المرتجاة دون جدوى، الكل يغطّ في نوم عميق وأنت تناجى السماء، عيناك تبحلقان في العتمة والسقف أنيس أبكم، نكرّ كديدننا على صندوق خبايانا، نقلب في أسرارنا العتيقة الموثقة إلى أعمدة القلب بسلسلة فولاذية، نستدرج ذكريات غابرة استباحتنا، نقضّ سباتها، كنا نرى بعين القلب، ندلج في إثره، يقبض على زمامنا، يعيث فينا، كم غرر وألقى بنا في واد غير ذي زرع، كانت أرواحنا فراش أحمق يبحث عن حتفه بظلفه.

نقف مطولاً أمام الرتاج الموصد، نستنهض أخطاءنا من قبورها، نلقي عليها وردة، تاريخ حافل يتناهشك، هو ماضيك شئت أم أبيت، تتداعى حماقات كثيرة، تنثال على سكونك فينفرط، الطفل الكامن فيك يلقي بحصاة فيؤرق البحيرة الراكدة.

كنت يومها خطئي الأكبر، إثمي الذي يؤزني أزاً، عاري الذي لا مراء فيه، ندبتى التي يندى لها الجبين، ولم تمحها كل هذه السنون.

كنت أراك وقتها بعين القلب، عين مراهقة ترى الشمس تسطع من جبين حبيبها، سهول خضراء يركض فيها حصان بري، حقول من البنفسج تترقرق في مساحات التوق وتوميء للماء بكل شراهة، كنت تأتي ملفعاً بربيع لا ينضب، تلتفّ حول يباسي فتندلع زهورى، ويتفتح أواري، وتسح بهاء، كنت لغة محمومة، معانى تنداح، ولا تتسع لها رقعة القلب المهيض، ألهج بك كما يلهج مؤمن بأوراده، أتعقب طلتك الشهية، أيتها اللعنة التي تلبستنى كجنى مارق، يا طيشي الأول ووسواسي الذي نزغ عليّ حياتي، كان يومى دونك عبث، ولحظتي دونك مكيدة، كنت شغفي الأول الذي ظفرت به، فكان احتفائي بك عظيماً، كنت الزمزمة الأولى للشوق وهسيس الضوء الوارف

أنظر الأن اليك من عل، أخفق كعصفور بلله مطر أسود، أنفض ريشي منك؟ أيها اليقين الذي لم يساوره شك، والصواب الأوحد الذي لم يعتريه غبش، ما بالك أستحلت خطأ مريراً أعض عليه النواجذ، أقف على أطلالك الرامسة، أنظر الآن بعين النضج إلى خطايا مارستها وأضحك بملء فمي، أضحك فيسيل ضحكى على السرير البارد، والوسادة البيضاء، يهتز جسدى كله من الضحك، غشاوة عمياء تطوف، فيرتج عليّ، وتتلعثم الكلمات على شفتي المكتنزة بأوزار ليست تشفى.

عزيزي السيد( ط) سأخبرك سراً صغيراً، لقد عشت من بعدك عشرات قصص الحب دون أن يطرف لي جفن، وكأنك لم تكن يوماً على خريطة جسدى نهراً وشريان حياة، كأنك لم تمر بخاطري وتومض في سمائي، وتفتتح بلادي. شققت عصا الطاعةعليك، وتحررت تضاريسي من غزوك البربري

السماء الملبدة بالغيم تصحو، لقد برأت منك تماما، وقفزت عنك كما يقفز قط عن بقعة وحل ويغفو في ظل شجرة.

 

انتهت

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1762 الخميس 19/05 /2011)

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1717 المصادف: 2011-05-19 13:43:36


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5775 المصادف: الثلاثاء 28 - 06 - 2022م