المثقف - نصوص أدبية

أزمة ربو

sabah_alqalazinصدرك أضيق من سمّ الخياط، الوقت ثقيل لزج يصفر لحناً حزيناً، أنفاسك القصيرة تتعثر في صدرك كطفل صغير يحبو، الشعيبات تضيق ببلغمها الثخين، سعال متقطع يمزق الصمت المترامي كحزن مثقوب، تئن الحجرة من الربو الذي يدهم على حين غرة، يمسك بخوانيقك، ويتركك جثة هامدة، لا صديق إلا مرذاذ (الفنتولين) تستنشق بخات متتالية لتقطع الطريق على هذه النوبة الشرسة التي تستفرد بك في هذه الأمسية الربيعية الهادئة، فيكتمل قبح يومك، يستحيل ربيعك كارثة، حيث يزداد التحسس بسبب حبوب اللقاح اللعينة العالقة في الجو كشياطين صغيرة تنفث شرها.

تستدرجك الذاكرة إلى الثامنة عشرة،حيث بدأ صراعك الطويل مع السعال الجاف الذي يشتعل سعاره ليلاً، ما إن تختبيء في الفراش حتى تبدأ النمنمة المعتادة في الحنجرة، ويبدأ سيل من السعال القوى ينهنهك، طبل أجوف يقرع كل مساء، يهتك ستر الليل، و يوقظ الغارقين في سباتهم، تجرجر أمك اقدامها، صفير أنفاسها يعلن قدومها وكأنها ركضت أميالاً، تسارع لتغلي لك الزعتر، وعصير الليمون الساخن، لتخمد نباح الجراء في صدرك الذي يشبه بيت صفيح، وفي ليلة مقيتة استحال السعال إلى ضيق في التنفس، وأصبحتما متلازمان عشر سنوات من المعاناة، كم من مشاريع أجلت و كم من آمال وئدت كم وكم وكم...............

وما زال في القلب متسع للزقزقة؟! تتذكر نصيحة طبيبها المرح لطيف المعشر:

حين تباغتك الأزمة حلقي مع شيء تحبينه و تناسي المرض قليلاً

يومض ربيع أخضر في سماء القلب، عصافير تسكن جحور روحك المتصدعة تحلق، طيف عابر يلمع في الخراب الشاسع المترامي الأطراف، كان لثغة الضوء الأولى، الحفيف الأول للحب الذي خبا مع مرور الوقت، مثلما خبت أشياء كثيرة من رزنامتها، قضت وقتاً لطيفا معه، ودون مبررات واضحة طلبت منه الابتعاد، لم تبدّ أسباباً جدية، فترت مشاعرها الجامحة، غدا عبئاً وهي تكره الفروض الإجبارية، لاذت بوحدتها، لم تعد ترد على اتصالاته، ونأت كحلم ضاجع وسادة ومضى في حال سبيله

هل امتلاكنا الأشياء يفقدنا أوجها؟ أم هي مزاجيتنا اللعينة التي تفسد علينا حياتنا؟ لا بدّ أنه الملل إذن؟!

تنقشع الغمة رويداً رويداً، تبدأ الرئة بالتعافي، والأحلام بالتشكل من جديد، كم جميل هذا المرض فهو لا يترك آثاراً جانبية على الحلم. مرت النوبة بسلام هذه المرة ولم أضطرهم لطلب سيارة الاسعاف بإمكاني الآن الاستمتاع بليلة هانئة لا يعكر صفوها معكر، لقد روضت نفسي على تقبل هذا الضيف المزمن كما تتقبل أرض نباتاً دخيلاً، وتوطدت بيننا عرى صداقة لدودة لا تنفك

تمسك بكتاب ملقى على السرير، تشعر بنهم الى المعرفة، تسلم نفسها (لجبرا) لترى كيف يعايش نمرته فتتصالح مع الحياة مرة أخرى، تنكب، تخمش بعينيها الكلمات، فتسيل بهاء، تمور بأبجدية كلها حبور،. تحتضن الحروف بمودة غامرة، وكأنها المخلص لروحها، الحروف هي مهديها المنتظر الذي سيملأ عالمها عدلاً، تنضح بورها بماء فرات، تغترف غرفات محمومة وتغفو....

النهار يستيقظ متفائلأً، الصباح يغرد في الثغر الكرزي، الأحلام تصطف كسرب من الأزهار، خفان من الأمل يخطران على السجادة الفارسية، جسد ضئيل يعاقره التوق والشغف يتأهب لمزاولة الحياة، الأمل يدلف ندياً فيخضل القلب

-لولا شجرة الأمل لمحقنا اليأس وامحت آثارنا

تقف أمام المرآة وجه بلون الحنطة، بؤبؤان بنيان مفتوحان على وسعهما تلوح فيهما عناقيد الذكاء، تقدح على شرفاتهما لمعة مغوية ونداء خفي، يقولان الكثير دون أن ينبسا ببنت شفة، خدان مرتفعان كربوة تفيح كبراً، حاجبان مزججان كخيط فراشات يبحث عن فضائه المشتهى

ترد خصلات شعر فاحم إلى الوراء، وتتحسس بأصابعها تحت عينيها، كانت تخشى انتفاخ الجفنين والهالات السوداء

خفيفة كريشة في الهواء، حالة سلام تعمّ روحها، تستحم وتنطلق إلى موقف الحافلات يقلها أحد السائقين إلى المدرسة الابتدائية الكائنة في الجزء الجنوبي من المخيم

الطرق المبللة بالمطر ساكنة هذا الصباح، للأرض رائحة امرأة استحمت للتو، لا يقطع الصمت سوى خطا التلاميذ المتجهين إلى مدارسهم حقائب تفتقت، ظهور تقوست، خطى مثلومة لا تميز الخبيث من الطيب تحاول أن تصوغ حياة،كم هي ماكرة هذي الحياة ومراوغة، تتذكرفي ألم أن الحياة اختراع لم يصل غزة بعد، غزة التي ترزح تحت ثقل ضبابي لا ينبيء عن فجر قريب

- صباح الخير

و تتشبث بقلم أزرق، تخط اسمها في سجل الحضور اليومي للموظفين بخط جميل يترقرق نوراً

بتثاقل وكعادته يهمهم المدير بطريقة آلية ليرد تحيتها ويكمل في صوت وقور

- لقد وصلت هذه النشرة اقرئيها بتمعن فهي بالغة الأهمية

يلقي بالنشرة أمامها وكأنه خلص من عبء إضافي يمسك بتلابيبه، ويواصل العبث بالأوراق المتناثرة على سطح المكتب من خلف عوينات سميكة احتلت ثلثي وجهه

 

تمسك بالنشرة و بطرف عينيها تراقب مساعدالمدير المكوم على يسار المكتب كشكارة من الأرز المصري الذي لا نكهة له يفتر ثغره عن أسنان ملوثة ببقايا التبغ والقهوة، ابتسامة ساخرة تتكوم فوق شفتيه الباهتتين، يرفع أحد حاجبيه عالياً مستخفاً، ويلوي فمه بطريقة مقززة، تتمنى لو تجرأت على إ فراغ بصاقها العالق في حلقها على الرجل القميء و المنتن كأرض سبخة

- لا محيص من أمر الله

تتسلل من غرفة الإدارة بخفة قطة برية، تتابع مسلسل التحيات الصباحية إلى آخره، الابتسامات ترتسم باهتة على الوجوه وكأنها فرض جديد يضاف إلى قائمة الفروض المناطة بالمعلم، حالة من السخط العارم تستشري في المكان ولا سيما بعد إصدار قانون العقاب البدني الصارم

-هذا ما كان ينقصنا

وصلتها هذه العبارة بقوة جعلتها تلتفت بسرعة إلى مصدر الصوت لتجد الأستاذ(س) يحدق شزراً في النشرة ذاتها، وقد اتسعت حدقتاه، وطفحتا بالشرر،كان لفصل المعلمين الأربعة أثر بالغ في تأجيج النفوس واحتقانها خاصة وانه الفصل الأول من نوعه

ألقى المعلم(س) بالنشرة في يد أول معلم اقترب منه وهو يجمجم بصوت مخذول تكسر فأحدث دويأ خافتا في المكان

- مغمسة هالرزقة بالذل

ومضى ساخطاً يجر ذيلاً طويلاً من الحنق العارم، والسخط المهزوم،و صدى كلماته يلفح القلوب

تحلق المعلمين كقطيع من الأغنام حول بقعة عشب ندية، وكل يحاول أن يدلي بدلوه في هذه المسألة الشائكة، الأصوات المخذولة تجمجم، الكلمات الممطوطة تلطخ الأجواء، أسمع جعجعة ولا أرى طحناً، الحصار يضيق، بين المطرقة والسندان آلاف الرقاب، تمر في خاطرها عبارة أحد الكتاب المرموقين غاب اسمه الآن عنها (المدارس سجون كبرى)

بعد طابور رتيب تقافز فيه المدير كمهرج في سيرك، يندس التلاميذ في جحورهم أقصد (صفوفهم) وأقصى أمانيهم أن يتغيب معلم، أو تندلع حرب، و يقصف العدو المدرسة لتتعطل الدراسة كما حدث إبان الحرب الأخيرة.

تتنقل بين الصفوف المكتظة بالروائح العطنة، والأعين التي تغوص في القذى، وعلى وجهها عبوس لا يفل، تصطدم أثناء صعودها الدرج بعينين متطفلتين هما عينا الأستاذ (ع)فتقفز عنهما كما يقفز جرو عن بقعة وحل، تنخرها نظراته و تتقحمها، يتفاقم سخطها -ماذا أفعل في هذا المكان؟تختلج شفتاها ليس بالضرورة أن تحب مكاناً لتكون فيه؟

صقيع يستبد، خواء يتوغل، يضاف يوم جديد إلى قائمة أيامها القاتمة التي لا تنبيء عن فجر جديد،لا تشعر بقرابة إلى أى شيء، فقدت الإيمان بكل من حولها وما حولها، كم هي بحاجة للصوم عن الكلام فلا تكلم انسياً

يمر النهار بطيئاً، ثقيلاً، مغمساً بالتعب، لكنه ينفذ في النهاية كمثل الأيام الماضية

(الداخل مفقود والخارج مولود) بهذه العبارة تودع الست (ص) بوابة المدرسة هذا اليوم وتستلم روحها من جديد حيث اعتادت أن تعلقها على مشجب خارج المدرسة وخرجت لا تلوي على شيء.

تلقي بجسدها المنهك في أول سيارة تقابلها تلصق ظهرها في المقعد البائس لتريحه من الوقفة الطويلة تتعقبها أعين فضولية في المرآة

تبا لك

وتشيح بوجهها إلى الشباك لتراقب المارة المتناثرين على الرصيف كزجاج مكسور ومسحات من الذلة ترهق وجوهم، وتفضح عن سرائرهم الملبدة بالأسى

 

تحتضن حجرتها في ود، تلقي بنفسها على السرير البارد، تتكوم منهكة على حافته، تتمنى في قرارة نفسها ألا يفسد خلوتها أحد، تغوص في وحدتها أكثر، تضيع في زحام الذكريات، تستنهض الأشباح من حجرات القلب، اللحظات المجترحة تتكيء على حزن عميق، جراح غائرة تفيق، صفيرصدرها يعلو، النمنمة تندلع كخيط من النار في الحنجرة المبحوحة، تستنجد بصديقها اللدود(ف ن ت و ل ي ن)

انتهت

 

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد: 1822 الثلاثاء: 19 / 07 /2011)

 

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1778 المصادف: 2011-07-19 08:20:06


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5775 المصادف: الثلاثاء 28 - 06 - 2022م