أقلام ثقافية

تقاسم غوغول بين روسيا واوكرانيا

ضياء نافعالتقاسم يعني شطر غوغول الى قسمين اثنين متساويين (اي قطع غوغول بمنشار حاد وتحويله الى جزئين متساويين بعد قياسات دقيقة وصارمة حد المليمتر !!!)، كي تستلم كل من روسيا القسم الخاص بها من غوغول وتستلم اوكرانيا القسم الخاص بها من غوغول، (وما هو هذا الجزء الخاص بكل بلد من هذين البلدين – العلوي ام السفلى اذا كان التقسيم بالعرض، او الجزء الايمن او الايسر اذا كان التقسيم بالطول، وهذه مشكلة عويصة اخرى طبعا لا مجال لبحث تفاصيلها هنا في اجواء الحرب الروسية – الاوكرانية ونيرانها !!!)، ولو كان غوغول (رقما محددا حسب علم الرياضيات !!!)، فان عملية تقاسمه بين روسيا واوكرانيا لن تكون صعبة، ولكن غوغول هو ظاهرة ابداعية وفكرية وفلسفية مثل غابة أشجار متشابكة الجذور والسيقان و الاغصان والثمار (من امسيات ديكانكا وعبر الانف و المعطف والمفتش والارواح الميتة وانتهاء بمراسلاته العميقة مع الاصدقاء)، فكيف يمكن تحقيق هذا التقسيم لتلك الظاهرة الفنيّة الواسعة والعملاقة؟ او، لنعرض موضوع التقاسم هذا بشكل آخر، وهو – هل يمكن الاعتراف بغوغول كاتبا روسيّا فقط ليس الا ولا شئ آخر، او كاتبا اوكرانيّا فقط ليس الا ولا شئ آخر، او كاتبا للامبراطورية الروسية باكملها ليس الا ؟ او، لنتكلم عن قضية التقاسم هذه بشكل ثالث، وهو – هل يمكن الوصول الى الحل العقلاني والاتفاق حوله بين الطرفين المتحاربين في الوقت الحاضر على أرض اوكرانيا ، الاتفاق الذي يؤكد على الوقائع كما هي فعلا، اي الاقرار، ان غوغول (الاوكراني حتى نخاع العظام) هو كاتب (روسي حتى نخاع العظام) حتى عندما يرسم بكلمات روسيّة مدهشة الجمال ومتنوعة الالوان امسيات القرى الاوكرانية (...قرب ديكانكا)، او، وهو يرسم بطله الاسطوري (تاراس بولبا)، تلك الشخصية الغريبة بخصلة شعره الكثيفة في منتصف رأسه الاصلع وشواربه الهائلة و شرواله وثيابه، وهو يقتل ابنه بيده لان هذا الابن قد انتقل الى (الاعداء البولنديين !!!) ؟

 لقد تحوّل غوغول الان الى (قضية مركزية!!!) في مسيرة الحرب الروسية – الاوكرانية الدموية الرهيبة هذه، وفي حلّ هذا (الاشكال الكبير!!!) يكمن الحلّ الجذري لهذه الحرب على ما يبدو، وارتباط ازمة الحرب بين دولتين بالموقف من كاتب محدد هو حالة فريدة من نوعها في تاريخ الحروب في العالم، اذ لم يعرف العالم سابقا، ان الموقف من كاتب معيّن يقرر مصير حرب تؤثّر على كل دول العالم بمثل هذه السعة والخطورة (وفي ذلك تكمن عظمة غوغول طبعا ومكانته) . ولم تظهر هذه القضية امام روسيا واوكرانيا الآن، بل برزت في تسعينيات القرن الماضي، اي بعد انهيار دولة الاتحاد السوفيتي وظهور الدولة الاوكرانية، و حاولت الاوساط العلمية الروسية دراسة هذا الموضوع، ونود هنا ان نشير – ليس الا - الى ندوة مشتركة تم عقدها بتاريخ 3- 5 نيسان عام 2008 بمبادرة من – معهد اوروبا في اكاديمية العلوم الروسية، والمركز الاوكراني والبيلوروسي في كليّة التاريخ بجامعة موسكو، ومعهد الدراسات السلافية في اكاديمية العلوم الروسية . لقد شارك في هذه الندوة مجموعة كبيرة من الاكاديميين المتخصصين الحاصلين على أعلى الدرجات العلمية في روسيا، و تناولوا في كلماتهم تفاصيل متنوعة حول تحديد معالم هذه القضية وابعادها المتشابكة جدا، كي يجدوا الاجابة الصحيحة عن هذا السؤال التاريخي المعقّد جدا، والذي يرتبط بموقع غوغول بين الدولتين والشعبين السلافيين الشقيقين.

كان شعار الندوة هذه واسعا جدا، ويتكون من ثلاثة محاور أساسيّة، والتي يمكن تلخيص جوهر تلك المحاور – وبايجاز- كما يأتي –

المحور الاول - هل كان غوغول كاتبا اوكرانيا، او امبراطوريا - روسيأ، او روسيّا؟ /// المحور الثاني - المفاهيم الامبراطورية والقومية والروسية والروسية الشاملة والاوكرانية في ثقافة روسيا القرن 19 /// المحور الثالث - مكانة روسيا بين شعوب الامبراطورية.

 من الواضح جدا، ان هذه الندوة العلمية، التي انعقدت عام 2008 في اكاديمية العلوم الروسية، تؤكد بما لا يقبل الشك، ان موضوع تقاسم ابداع غوغول بين روسيا و اوكرانيا كان مطروحا قبل سنين طويلة من الحرب الروسية – الاوكرانية الحالية، والتي بدأت في شهر شباط (فبراير) عام 2022 (ونحن نكتب الان في شهر مايس (مايو) من نفس ذلك العام) .

ختاما لهذه السطور اودّ ان اشير الى مقالتين عميقتين اطلعت عليهما قبل فترة، الاولى بعنوان (روسيا واوكرانيا ...حرب ثقافية حول معطف غوغول) بقلم بشير البكر، والثانية بعنوان (هل ينبغي تقسيم غوغول بين روسيا واوكرانيا) بقلم محمود عبد الغني، واريد ان اشيد بالموقف الموضوعي الرائع للزميلين في مقالتيهما، ويسعدني ان ارى هذه النظرة الشمولية العلمية عندهما والمعرفة المعمّقة للادب الروسي، اذ ان ذلك يعدّ دليلا ماديا ملموسا لنضوج البحث الفكري العربي وتحرره من الشعارات الساذجة و(المعلّبة !) .... 

***

أ. د. ضياء نافع

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5724 المصادف: 2022-05-08 11:59:46


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5864 المصادف: الاحد 25 - 09 - 2022م