أقلام ثقافية

كن ذكرى جميلة...

هناء عبد الكريميوما ما قال لي احدهم ان حبك لاهلك مبالغ فيه تتحدثين عنهم بحب وبأستمرار ..ولاتملين .....

لم ابالغ بحب اهلي يوما بل انهم اهل لذلك الحب، لم تكن حياتي معهم مجرد اعوام مضت تقدم فيها عمري فقط بل كانت كلها دروس وقيم وعبر ..

كل حدث كان درسا قيما صقل شخصياتنا وزرع فينا حب الترابط ونشر الالفة وزرع الطيب وصدق الصحبة والامانة فيها .

عيش المعاناة بتفاصيلها جعلنا اقوياء لاننكسر بسهولة، العمل على تنمية شخصياتنا رغم قسوة الوضع بنى فينا الاصرار والهمة .

فمثلا في ايام الحصار على العراق وجميع من حولنا منشغل بكيفية توفير لقمة العيش ليمر اليوم مثلا دون مشاكل او ألم، ونحن لانختلف عن الجميع في النهار لكن في المساء كنا ملزمين بتوفير قنينة زجاجية ممتلئة بالنفط الابيض وفتيلة من القماش نشعلها لنقرأ كتب وكانت هذه الكتب تدور بيننا من ينتهي من هذا الكتاب يعطيه لاخر ليأخذ بدوره كتاب مختلف وهكذا وكانت اغلبها روايات لاجاثا كرستي وفكتور هيجو وكتب المنفلوطي وجبران خليل جبران وغيرهم ..

وكأن الامر واجب علينا ...واذا تركنا الكتب تحولنا لالعاب ذكية وحزورات غريبة ونكت من تأليفنا غالبا،

وكنا خلال النهار نعمل علمتنا امي ان تكون لكل واحدة منا مهارة فكنا بين خياطة واخرى تطرز وتحوك وعني كنت اصنع قلائد واكسسوارات من مواد بسيطة بالبيت وكل هذا كان يجلب مورد ولو بسيط المهم ان نتعلم شيء مفيد وممتع ومحبب بلا اي ضغط .

لم تكن مائدة الغداء او العشاء عادية بحضور اخي الاكبر كانت ممتعة جدا ننتظر النهاية بلهفة وترقب فمن سيكون الضحية الذي اما يمسح بوجهه احد الاواني الفارغة او يجبر على اكل او شرب ماتبقى نتيجة خسارة رهان .بشرط ان يكون والدي(رحمه الله) قد غادر المائدة فبحضوره الهدوء يعم المكان احتراما واكراما له.

وظهيرة الجمعة المميزة الكل يهدأ عندما نسمع محاضرة الشيخ الوائلي مع شرب الشاي قرب والدي الحبيب (اسكنه الله فسيح جناته).

وللمدرسة والدراسة بحث اخر والتزامات لايمكن تغيرها،

فلم يكن هناك جدل حول النتائج فالجميع مجتهد ولايقبل شيء غير ذلك، لايمكن التكاسل او الاهمال في قضية الدراسة .وان حدث خلاف بيننا كأخوة او تأنيب من احد الابوين فلا يحق لنا ان نفكر بالزعل فترة طويلة فأن جاء وقت الاكل يجب ان يكون الجميع حاضرين ..مجرد ان ينادي ابي اين فلان بصوت عالي وحازم حتى وان كان في اقوى زعل يأتي مسرعا ويجلس ليأكل ثم يبدأ البقية بالضحك على الموقف، كان حتى الحزن جميلا معهم، كنت اذا بكيت جعلني احد اخوتي اندم وافكر الف مرة كيف سيكون بكائي لانه يصور بكائي بطريقة مضحكة ويجعلني انسى سبب حزني اساسا .

مشاكلنا كانت طبيعية كأي اخوة فلايمكن ان نكون اخوة بدون خلافات وصراعات ومع ذلك صراعاتنا لايتخللها تجاوز على الاكبر عمرا ابدا، ولاعصبية مفرطة كما نجد عند الابناء هذه الايام .فكل خلافاتنا كانت طفولية .ومحددة بأحترام وجود الاكبر منا.

كنا تسعة ابناء، خمس اخوة واربع اخوات، اكبرنا في الجامعة واصغرنا في الابتدائية وبدون وظائف حكومية ولارواتب مكتفين و سعداء ومترابطين ومتفاهمين ..

لا اب اخذ الماجستير ولا ام دخلت مدرسة اصلا كلاهما امي لايقرأ ولايكتب فكيف خلقوا كل هذا الحب و هذا الترابط وهذه الالفة ..

ابي كان يعرف كل صديقاتي ويتعمد الكلام معهن للتعرف على شخصياتهن ، وصديق لكل اصدقاء اخوتي، كان رحمه الله يسأل عن ادق التفاصيل التي نعيشها خارج البيت فقط ليجد مايتحدث به معنا، عكس مايفعله الاباء اليوم وهو الهروب قدر الامكان من المسؤولية ومن مشاكل الابناء وكأنهم لايعنون لهم شيء .

الاختلاف كبير كأنها الالف السنين بين طبيعة االاسر بطفولتنا والاسر اليوم وكل هذا الاختلاف والفروقات التي حدثت بهذه السرعة المذهلة سببها التطور التكنلوجي السريع الذي دخل عالمنا بصورة مفاجئة،

ان مايحدث اليوم في بعض الاسر هو جريمة بحق الابناء، جريمة مع سبق الاصرار، بحيث ان الاباء يتركون الابناء مع هذا التطور الهائل دون التقرب منهم او التواجد ضمن عالمهم الجديد فنجد ان الابن في عالم والاب في عالم مختلف كليا، لاتوجد بينهم اي رابطة غير رابطة الدم .

يحزنني ماآلت اليه الامور اليوم فمثلما تفككت الاسرة تفكك المجتمع مع الاسف .

اين نجد ذاك الترابط وتلك الالفة كيف نسترجعها مع كم المعلومات الهائل في السوشيال ميديا والضخ الكبير للدروات والتوعية بلا اي نتائج على ارض الواقع الجميع منساقون رغما عنهم لنفس النتائج مع اختلافات بسيطة قد لاتكون واضحة للعيان.

فلا يمكن المقارنة بين ابناء تلك الاسر قديما وابناء الاسرة في الحاضر ولايحتمل الامر التقريب حتى، لان الاختلاف والفرق كبير جدا. المؤلم في الامر ان كل هذه الذكريات الجميلة والتي تبني شخصية الفرد قد ماتت االيوم فلا وجود لاي ذكريات اسرية حقيقية تعمق روابط الاسرة بالمستقبل .

 فلاتجعلوا العلاقات الاسرية يصيبها التصحر مثل الارض تحابوا تقاربوا تواجدوا في يوميات ابنائكم ان الايام تمر سريعة، لنصبح مجرد ذكرى فلنكن جميلة على الاقل .

***

هناء عبد الكريم

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5732 المصادف: 2022-05-16 01:39:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م