أقلام ثقافية

صداقة عراقية

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: لماذا لم تجد وسط هذه المشاعر الجياشة التي ختمنا بها حديثنا السابق مايعوضك عن الصديق الصدوق، كما منحتك كل هذه الحكمة والقدرة على تجاوز محنة الشوق والوجد للأهل والأحباب، ومن ثم لا تكون بحاجة الى ماسميته أنت بصديق الغربة ؟!.

شهريار: عندما نغادر الوطن لأننا نعاني من غربة الروح، فليس في الدنيا ماهو أفضل من صديق جديد يعيد لنا الإحساس المفقود بالأمن الداخلي،وإنْ كان ستيفن آر كوفي يعلّمنا، أن "العوامل الأربعة الداعمة للحياة (القوة،الحكمة، الإرشاد، الامن)، تكون في أحسن حالاتها ولا تتأثر بتغيّر الظروف والبيئة وسلوكيات الآخرين، حينما تكون القيم العليا (السمات الأخلاقية) مركز إنطلاقنا نحو الحياة " ، فإنني على يقين بأن الإحساس بغربة الروح وضياع الأمن الداخلي هو نتاج المعارك الداخلية التي تخوضها تلك العوامل والقيم في أزمنة الفتن حيث يعجز  منطق دقيق أو فيلسوف حكيم عن الأجابة على علامات التعجب الكبيرة مما يدور فيها من ظلم وقساوة وانحراف أخلاقي .

وربما تتضح الصورة أكثر إنْ سمحتِ لي أن أتمَ ما أوشكت على البدء به قبل أن تسجلي إعتراضك القيم ..  ولنرجع الى قولنا :  إنني لم أبحث طويلا، ولم أجد وقتا لأفكّر وأذكّر نفسي بقرارات حاسمة تقضي بعدم إتخاذ صديق جديد في عقدي الرابع مهما كانت الأسباب.

كنّا ثلاثة أعدنا لبعضنا الإحساس بالأمن الداخلي، بل إننا شكلنا وطنا ضاعت ملامحه في غربة الروح التي نعاني منها بشكل متساوٍ تماما، فسيفساء عراقية عجيبة كانت تجيب المصريين على مخاوفهم من فرقة أبناء وادي الرافدين، وتؤكد بما لايقبل الشك،إن العراق سيكون بألف خير عمّا قريب، وللتاريخ سأذكر هنا إسميهما الصريحين وكلي أمل بان تتناقلهما الأجيال القادمة .

جمعتنا أقدار الدراسات العليا في معهد البحوث بالقاهرة، ولعل أعظم ماجمعنا على محبة فائقة الوصف إحساسنا العميق بالمسؤولية تجاه وطننا، كنّا رسالة سلام ومحبة على أرض الكنانة، قدم صديقي (حيدر الكناني) من هولندا التي إغترب فيها لسنوات طوال بعد أن غادر مدينته الصغيرة على أطراف كربلاء في تسعينات القرن الماضي، وجاءت( تامان شاكر)  المغتربة لسنوات طويلة في ألمانيا من كردستان العراق، وكما تعرفين فإنني جئت من بغداد.

كأننا بتدبير إلهي مسبق حققنا أعمق روابط الصداقة المقدسة، ويالسعادتنا ونحن نتلقى رسائل الترحيب والإشادة من أساتذتنا وزملائنا المصريين والعرب من بلدان مختلفة، كانت تطرق مسامعنا عبارات مؤثرة مثل: هذا هو العراق .. جاء العراقيون ..فسيفساء العراق قادمة.

تلك الأجواء الحالمة أنستنى غربة الروح، وأوصلتنا الى حكمة في غاية الأهمية مفادها: (إن كنت محبّا لوطنك وأبنائه الأخيار فتجنب أجواء الفتنة ).

حقا لقد كان للطمأنينة التي نشعر بها أعظم الأثر في إظهار محبتنا لبعضنا بل في تحسين صورة سيئة طغت على سمعة العراقيين في أيام الفتن، كنّا نتنافس ليكون كل واحد منا خير سند لصديق الغربة حتى أنهينا دراستنا بانتصار عام .

مازلنا بعد سبع سنوات من التعارف أصدقاء صدوقين، وطالما قطعنا مسافات طويلة وكل واحد منا قادم من مدينة بعيدة لنجتمع من جديد ونوثق عرى العلاقة المقدسة .

ماقصصته عليك ياشهرزاد مثل حي لصداقة الغربة التي تقارع كل المسميات الأخرى تحت مظلة الصديق الصدوق.

***

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

.......................

* من وحي شهريار وشهرزاد (58)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5754 المصادف: 2022-06-07 09:13:29


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5930 المصادف: الاربعاء 30 - 11 - 2022م