 أقلام فكرية

قراءة متأنية في فلسفة الثقافة

قاسم خضير عباسإنَّ الثقافة هي الخلق المستمر للذات، أما الحضارة فهي تتميز بالتغيير المستمر للعالم، وهما جناحان للتحضر والتقدم. وتتصف الثقافة بخصائص لتشكيل الوجدان الفردي والجماعي، والدافعية لسلوك الأفراد على نحو معين في مجتمع محدد.

ولذا فإنَّ لكل ثقافة تاريخها ووعيها التاريخي المستقل، وهذا العمق التاريخي دليل على أصالة الثقافة، وصمودها وقدرتها على التجدد والانفتاح، والتفاعل مع الثقافات الأخرى مع الاحتفاظ بأصالتها وأصولها. بمعنى أنَّ الثقافة ليست ترفاً بل هي ضرورة وحاجة ملحة، وهي تشكل الضمير الذاتي للأفراد والمجتمع.

بلحاظ أنه لا توجد دولة يمكن أن تتطور وتتقدم ما لم يتم تثقيف أفرادها، لأنَّ الثقافة تمثل نوعاً من الإرادة، وتحول الإنسان من مجرد الوجود الطبيعي الواقعي إلى الوعي بهذا الوجود، وتلمس سلبياته وإيجابياته في عملية السعي المستمر نحو النهضة.

ومن هذه الزاوية بالذات لا بد من قراءة متأنية للثقافة في مجتمعاتنا، من خلال إمعان العقل المنطقي ومعرفة فلسفة الثقافة، التي هي أحد فروع الفلسفة للنظر في جوهر ومغزى الثقافة ونقدها. وهذا الاتجاه النقدي الفلسفي للثقافة ليس معروفاً على نطاق واسع في كتابات النقاد والفلاسفة العرب، مع أنه مطلب حضاري وضروري لأننا من خلاله نستطيع أن نُكَون لنا فهماً مستقلاً لثقافتنا عن الثقافات المستوردة.

إنَّ أنسب التعريفات الفلسفية للثقافة المعاصرة وأكثرها دقة وموضوعية وواقعية، هو اعتبار الثقافة: علاقة جدلية بين سلوك الأفراد وتراثهم وتاريخهم ومعارفهم وفنونهم وآدابهم وأديانهم وقوانينهم وقيمهم وعاداتهم التي اكتسبوها من مجتمعاتهم.

وأتصور أنَّ الضرورات المعرفية والمنهجية لانبعاث هذا الاتجاه الفلسفي النقدي في ثقافتنا، ونقد بعض الدراسات الثقافية العربية بكل روافدها، هي ضرورات حضارية تُعتبر أحد شروط النهضة والتحضر. وتتشابه إلى حد ما مع الضرورات التي ساهمت في انبعاث فلسفة العلوم، كفلسفة القانون وفلسفة علم الاجتماع القانوني في إمعان العقل ونقد السلبيات وتصحيح المسارات.

بمعنى أدق أنَّ الحاجة ملحة لانبثاق فلسفة ثقافة مستقلة متميزة، تعبر عن تراثنا وأصالتنا وتميزنا في حواراتنا مع الثقافات الأخرى وإثبات الذات، مع إدامة النقد الذاتي لما نمر به من تجارب ثقافية فاشلة؛ اعتبرتها بعض كتابات المفكرين العرب أنها تمثل أزمة الثقافة العربية.

وهكذا فإنَّ فلسفة الثقافة تجعلنا ندرك بعقل منطقي (استدلالي واستقرائي) عمق أزمة بعض الثقافات المستوردة التي طبقت في بلداننا، وأريد منها القضاء على ثقافتنا المتأصلة في جذور المجتمع المسلم؛ فولدت لدينا اغتيال الابداع والشعور بالدونية والتراجع بكل المواقع السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لقد أريد لمشاريع الثقافة المستوردة إلغاء ثقافتنا وتراثنا وديننا، وأتذكر أنَّ هذه الاشكالية الثقافية قد أشار إليها الكاتب البريطاني (تيري إيجلتون) في كتابه (فكرة الثقافة) الصادر عام 2000 وقال: بأنَّ فلسفة الثقافة الغربية تعبر عن اتجاه فكري يمكن النظر إليه على أنه ضرب من إلغاء ثقافات الآخرين، ومحاولة الربط بين معاني الثقافة الغربية التي راحت تنفصل شيئاً فشيئاً في اتجاهات متعددة.

وأضاف قائلاً: (لقد رأينا كيف اكتست الثقافة أهمية سياسية جديدة، غير أنها غدت في الوقت ذاته أبعد عن التواضع وأدنى إلى الغطرسة، لقد حان الوقت ونحن نعترف بأهميتها أن نعيدها إلى مكانها المناسب).

إنَّ الاعتراف بأهمية الثقافة واعادتها إلى المكان المناسب لها، المفروض منطقياً وفلسفياً أن يتزامن مع الاعتراف بتطبيق الثقافة الواقعية المناسبة للمجتمع المسلم، وليس الثقافة المستوردة البعيدة عن القيم والأخلاق؛ لأنَّ  جمع المعارف الثقافية المادية والمعنوية في المجتمع، من الخبرات والمعارف التي يتلقاها الإفراد هي التي تكون ثقافة الأمم والحضارات.

وهكذا فإنَّ ثقافة المجتمع تتطوّر من خلال التفاعل والسلوك وتراكم المعرفة، وتوالي الأجيال بشكل يتصل بالحاجات الأساسية، حيث تتطوّر الثقافة مع توفر الاحتياجات الأساسية للإنسان، ولجوئه إلى التفكير العقلي الفلسفي المنصب على تقدم المجتمع وازدهاره وتلبيه مستلزمات العيش الكريم.

وشمولية هذا الفهم للثقافة يرتكز إلى التفاعلات الاجتماعية للأفراد وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم، وهي تفاعلات تطورت عبر أجيال عديدة، وشغلت رؤى ونظريات ومباحث المفكرين والفلاسفة، الذين أفرزوا مباني فكرية متنوعة ضمن العلوم الفلسفية والأنثروبولوجيا، التي تهتم بالثقافة كأحد مباحثها الأساسية.

وأعتقد أنَّ هذا التعريف للثقافة يتفق مع آراء بعض علماء علم الاجتماع القانوني، الذين ذهبوا إلى تعريف مفهوم الثقافة القانونية من خلال تطور ثقافة الأفراد في المجتمع وحاجاتهم الأساسية. وهو التعريف الواقعي الصحيح لأنه يستوعب كل الاحتمالات البشرية، بسبب عدم تطور الإنسان بشكل ميكانيكي، بل يخضع تطوره لذاتية كل فرد وخبراته وعلاقاته مع غيره في المجتمع.

ويمكن تلمس أنَّ هذه الثقافة واقعية وملائمة بواسطة العقل الفلسفي، لأنها ثقافة متحضرة يسود فيها قيم الأخلاق، والإيثار، والتكافل الاجتماعي، والتعايش السلمي، واحترام الرأي الآخر. وهذه الصفات الحضارية تكسب الثقافة صفة الرقي وتكسب المجتمع القوة والعزة، لأنها ثقافة يتمتع أفرادها بالإبداع والابتكار، واحترام القانون وحقوق الإنسان وقيم العدالة والمساواة والحريات الأساسية.

وبذلك تحتوي الثقافة الواقعية تفاعلات المجتمع وسلوكياته وتاريخه، إضافة إلى جملة من العلوم والمعارف والفنون التي يجب الاحاطة بها. وهي شروط حضارية تكوّن مكونات السلوك الإنساني في تحديد ثقافة الأمة، ووصف جميع المظاهر الثقافية بأنها مرتبطة تاريخياً بالأفراد وعلاقتهم مع بعضهم وردة أفعالهم على جملة من الأحداث، بحيث تجعلهم متميزين ومختلفين عن غيرهم وتمنحهم الخصوصية في العادات والقيم واللغة والدين.

***

د. قاسم خضير عباس

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5722 المصادف: 2022-05-06 05:06:53


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5776 المصادف: الاربعاء 29 - 06 - 2022م