 أقلام فكرية

مصطلح الوعي القصدي الفلسفي

علي محمد اليوسفتمهيد: الوعي القصدي هو الموضوع الفلسفي المغدور من قبل ديكارت الذي ربط فيه الوعي بتحقق الوجود الذاتي هي كينونة الانسان منفردة في الكوجيتو. والذي قلب هذه المعادلة على ديكارت المعقدة الفيلسوف برينتانو ثم هوسرل صاحب الفلسفة الظاهراتية واستلم رايته من بعده جون سيرل الامريكي وريتشارد رورتي وعدد من الفلاسفة الاميركان اختصاصي فلسفة العقل واللغة ونظرية المعنى.

الوعي مفهوم معقد تجريدي غير قابل ان يكون موضوعا للادراك الحسي والمعالجة الفلسفية الا بدلالة موضوعه بسبب تداخل الوعي بموضوعات متعددة  بعلاقة ادراكية غير انفصالية بينهما حين نريد معرفة الوعي فقط بدلالة موضوعه المحايث له وجودا تجريديا.  تربطهما علاقة اتحاد بينهما تشبه علاقة ترابط الفكر باللغة وكلاهما تجريدان لا يعرف احدهما الا بدلالة الاخر. ويعامل الوعي والموضوع في نمط مثل هذه العلاقة الفلسفية بين الفكر واللغة.

علاقة الوعي بالموضوع هي تجريد ادراكي ايضا يشبه علاقة تجريد الفكر باللغة. ونقلا عن برينتانو فالوعي لا يصنع موضوعه بل يلازمه تعالقيا دونما ذكر برينتانو مصدر تخليق موضوع الوعي من اين مصدره وكيف يتم الوعي به. فالمعنى بلا موضوع يؤطره لا معنى له يدركه الانسان فيصبح الوعي الادراكي لا قيمة له. الفكر التجريدي لا يتخلق عنه ماهو مادي. لكن الفكر لا يخلق حقائق الارض.

والسبب الذي تغاضى عنه برينتانو هو اعتباره الوعي اداة تعريف مجردة لا يدركها العقل مجردة عن موضوعها. وتغاضى عن ما هو مصدر موضوع الوعي الذي يحايثه الوجود بالدلالة. واذا لم يكن موضوع الوعي من صنعه بالتحديد وهي عبارة صائبة تماما تغاضى عنها برينتانو كي لا يجعل من الوعي حلقة مركزية مستقلة في تحقيق الادراك الحسي والمعرفي للاشياء..

برينتانو جعل ترابط الوعي بموضوعه وحدة كلية لا ينتجها الوعي ولا الموضوع مدركا ماديا مستقلا. برينتانو اراد عدم جعل الوعي موضوعا ماديا كي يتجنب الادراك المحرج هو كيف نعي الوعي مجردا عن معناه القصدي في موضوعه وما هو الوعي ذاته وهل يعي نفسه؟

من هو برينتانو؟

هيرمان برينتانو 1838 – 1917 عالم نفس تتداخل هويته الشخصية بين سويسرا والمانيا والنمسا بسبب مسقط الولادة والمصاهرة. تخرج برينتانو من الجامعة في تخصصه بعلم النفس واصبح استاذا فيه في جامعتي تورنسبورغ وفينا بعد ان ترك اهتمامه باللاهوت وغادر الكنيسة بشكل نهائي ليركز اهتمامه الفلسفي البرهنة الكاثوليكية على وجود الله. وكان له تاثير قوي جدا على هوسرل وفلسفته الظاهرية كما عارض النقد الكانطي.

برينتانو والوعي

اهم ميزة لبرينتانو في فهمه موضوع الوعي ينبع من مرجعية تخصصه الاكاديمي بعلم النفس، وبقيت هذه العلاقة سارية المفعول في تفسير الوعي فلسفيا لدى اقطاب السلوكية اللفظية الامريكية بزعامة سكينر. في اعتبارهم اللغة كلام صوتي تواصلي يوازي الواقع الحياتي ولا يقاطعه وتلازم الوعي واللغة دلالة صوتية وليست دلالة (معنى) تفسّر الواقع والحياة. واعتبروا البنية البلاغية اللغوية هي وعي محايد لا تربطه علاقة تضاد معرفي متبادل تطوري مع مدركاته المادية في الواقع وابرز القائلين بهذا المنحى الفلسفي هما البرتو ايكو وجاك دريدا.

واعتبروا الوعي لا يصنع موضوعه ذاتيا بل موضوعه المحايث للوعي دلالة وجوده الادراكي المعرفي. بهذه العبارة القصيرة وضعنا برينتانوا بين مطرقة وسندان. هو كيف لنا ادراك الوعي في تعالقه الاندماجي بموضوعه تجريديا في عجز التعبير عن الوعي الذاتي وموضوعه المدرك؟ هل الوعي هو الموضوع الذي يدخر وعيه داخله؟ هذا تساؤل ساذج من حيث ان جوهر الوعي وحقيقته هو الافصاح عن موضوعه والتعريف به خارجيا فالوعي ليس قيمة بذاته مستقلة عن الوجود الشيئي للعالم..بل هو اداة فهم العالم الخارجي والاستبطاني للانسان.

اما ان الوعي هو الذّي يدخر موضوعه بداخله فتكون اسبقية افصاح الوعي عن موضوعه واردا اكثر في الترجيح المقبول منطقيا فلسفيا عما تدركه الحواس خارجيا. فالفكر يدّخر موضوعه صمتا من دون افصاح لغوي كذلك الوعي بلا موضوع يفكر به لا معنى له من غير افصاح سلوكي لغوي يلازمه.

الوعي في كل الاحتمالات هو تجريد تعبيري تعريفي بمعنى لا يستطيع خلق حقائقه الادراكية المستقلة على الارض بل وظيفته التعريف بها فقط او ممارستها سلوكا نفسيا يقود فيها الوعي حركات الجسم بملازمة معنى القصدية اللغوية له... السلوك وعي قصدي مضمونه تعبير اللغة عنه بالفهم والحركة.

ترجم برينتانو ربطه الوعي بمرجعية علم النفس التجريبي كي يجعل من الوعي موضوعا تجريديا لا علاقة ترابطية له بمجمل المنظومة الادراكية للعقل. واعتبر الوعي مادة تصلح للادراك التجريبي في علم النفس السلوكي.

متغاضيا عن خطأه إعتبار ان تكون مرجعية الوعي هي المزاج النفسي بحمولاته المفهومية المتنوعة بما لا حصر لها مثل الاخلاق، الضمير، العواطف، الوجدانات، واشباع حاجات الجسم الغرائزية الوراثية وحاجات الجسم الطبيعية.. وجميعها نزوعات سلوكية لوعي قصدي يّعبر عنه باللغة هدفه اشباع حاجات الجسم الخارجية والداخلية.

ولو تماشينا ا كثر مع هذا الافتراض الخاطيء لوجدنا انهم يهملون حقيقة النفس لا تنوب عن الذهن والعقل بمهام الادراك العقلية كما يرغبون. حيث النفس اقرب بيولوجيا في ارتباطها بوصاية العقل عليها من علاقة ارتباط الوعي بالنفس في حالتي الشعور واللاشعور. الوعي حصيلة معرفية لا يقوم منفردا بتصنيع قصديته السلوكية بل هو اداة التعريف بالعالم ومحتويات وموجودات الطبيعة من ضمنها الانسان بقصدية ترسمها له الخصائص الدماغية للانسان كوجود يعي الحياة ويحاول فهم الظاهرات والعلافات بين الاشياء....

حين يكون الوعي هو موضوعه الملازم له مثل علاقة ارتباط الفكر باللغة ولا فرق بينهما الا بفارق ان الوعي سلوك فردي تحركه الحاجات والضرورات والانفعالات النفسية المجردة والسلوكية لتلبية حاجات الجسم خارجيا وداخليا. عندها في اسقاطنا هذه الملازمة الثنائية على العلاقة الترابطية بين الفكر واللغة نجدهما متماثلان تماما في مهمة وظيفة الادراك التجريدي للاشياء والطبيعة.

عندما يكون الوعي هو سلوك نفسي مرتبط بعلم النفس خارج تخليق الدماغ له. بهذا يخرج الوعي عن حقيقته المادية العضوية المستمدة من وظائف عمل الدماغ وينفصل عن مرجعية تخليق علم النفس التجريبي للوعي التي هي مجموعة من افصاحات الشعور واللاشعور التجريدية والجسمية يحكمها الوعي السلوكي.

اي حين نتعامل مع الوعي هو احدى سلسلة حلقات المنظومة الادراكية للدماغ عموما فنحن بهذا نزعنا عن الوعي وظيفته النفسية السلوكية كي يبقى افصحا لغويا ادراكيا قصديا حياديا في تعبيره العقلي عن موضوع ادراك العقل وليس موضوع يدركه الوعي بمرجعية علم النفس وهذا التعبير ساذج في تناقضه الذي لا يحتاج شرحا.. فموضوع ادراك العقل هو افصاح الوعي التنفيذي له باللغة والسلوك. لا يمكننا العثور على وعي انساني بلا موضوع قصدي يدركه وتعبّر اللغة عنه. اما ادراك الوعي العضوي الفسلجي العقلي لموضوعه فهو وإن كان تجريديا ايضا الا انه يختلف عن ادراك الوعي مجردا عن ماديته. ربما يفهم من تعبيرنا هذا ان الوعي يدرك الموضوعات الخيالية والنفسية باكثر جدوى سلوكية من وعيه عالم الماديات الخارجية.

الوعي بين موضوعين

عندما يعبر برينتانو ان الوعي هو محايث ملازم لموضوعه من غير صنعه هو له عندها نصطدم بثنائية غير مقبولة ان الوعي يمتلك موضوعين احدهما يديره الدماغ فسلجيا عن طريقة شبكة المنظومة الدماغية، والموضوع الاخر تديره مرجعية النفس التجريدية وليس منظومة الادراك العقلية الحسيّة . هنا يكون معنا تساؤلا أيّا من الوعي نعتمد معرفيا موضوعيا الوعي الذاتي الملازم له علما ان التداخل الاختلاطي بين الوعي عقليا والوعي سلوكا نفسيا كلاهما يجري تعبير الافصاح عنهما تجريدا لغويا بوصاية شبكة الدماغ وليس بوصاية النفس المجردة عليه..

وظائف العقل اشمل من وظائف النفس التابعة له. النفس ليس جوهرا ندرك افصاحاته وتجلياته بمعزل عن رابطته بعمل الدماغ. النفس نتاج تفكيري يرتبط بوصاية منظومة العقل الادراكية ولا يكون الوعي موضوعا في كل الاحوال مستقلا بذاته يمتلك كينونته الخاصة به ويمتلك لغة التعبير عنها. اي لا يمكن ان يمتلك الوعي  كينونة سلبية مستقلة مكتفية بذاتها. الوعي وجود يتداخل تجريدا في كل موضوعات الحياة لكنه يكون ادة معرفية محايدة عن الاشياء. وعي الشيء يعني ادراكه المجرد من ماديته الوجودية. والوعي في حقيقته هو الذات الانفرادية التي تدرك وجودها بتفكير العقل إثبات ذاتية الفرد (اناه)..

الخلط الكبير بين الوعي كوسيلة ادراك عقلي تجريدي معرفي من جهة،وبين ان يكون الوعي هو جوهر قائم بذاته يمتلك كينونة منفردة عن منظومة الادراك العقلية. اي بهذا نعيد نفس الالتباس الذي قال به ديكارت في مساواته بين العقل العضوي الفيزيائي كجزء تابع بقاء وفناء جسم الانسان بالموت والحياة وبين العقل اللافيزيائي الذي هو تفكير او مادة العقل التفكيرية الموضوع المجرد الذي هو ليس جزءا من الجسم الحي للانسان بل وجود لا فيزيائي مستقل ماهيته التفكير. ديكارت حين قال العقل جوهر لافيزيائي ماهيته التفكير وربط خلوده هو والنفس بعد فناء الجسم بالموت كان منطلقه اثبات الوجود الكينوني الانفرادي للذات اولا . واعتباره العقل والنفس جوهران متلازمان خالدان من منطلق انهما جوهران تجريديان لفهم الحياة من خلال تبعيتهما الوجودية الحية للعقل العضوي والتي تنتهي هذه التبعية في تحرر العقل والنفس بفناء الجسم البايولوجي.

والعقل التجريدي اللافيزيائي المنفصل عن الجسم... حين عرّفه ديكارت بانه جوهر خالد ماهيته التفكير وخالد خلود النفس فهو لم يميز عمدا التفريق بين النفس المرتبطة بعلم النفس التجريبي وبين الروح مفهوما ميتافيزيقيا لا ندركه. وسبب هذه المغالطة التي اقدم عليها ديكارت عمدا هو حرصه عدم اغضاب رجال الكنيسة في عدم ايمانه الديني أن الروح ليست خالدة. حيث كان التعامل في القرن السابع عشر يعتبرون النفس هي الروح وبالعكس فهما دارجا لا يجب انكاره . الى الان يتعامل العديد من باحثي قضايا تاريخ الفلسفة ويستعملون لفظة النفس مرادف مطابق لمعنى الروح، وكذلك يتعاملون مع الذهن انه ينوب عن تفكير العقل ولا فرق بينهما.

برينتانو وسيكولوجيا الوعي

اشرت حول الوعي القصدي بدايته الفلسفية الحديثة كانت لدى برينتانو فهو (لا يعتبر الوعي يحتوي احداثا او حالات نفسية ذاتية سايكولوجية، بل يتضمن ايضا موضوعية حقيقية غير واهمة وليست من صنعه. لكنها بالوقت ذاته تنتمي اليه لانها تظهر فيه موضوعية ناتجة عن قصدية الوعي ().

الوعي الذي يحتوي احداثا وحالات سايكولوجية هو بالضرورة البديهية يتضمن موضوعية حقيقية غير واهمة وليست من صنعه. فهي بالوقت الذي تنتمي موضوعية الوعي فيه اليه تكون موضوعية ناتجة عن قصدية (الوعي). وبهذا التخريج يكون الوعي هو موضوعه ليكون كلا من الوعي منفصلا عن موضوعه في تجاوز استحالة ادراك الوعي بلا قصدية معرفية موضوعية ملازمة لوعيها الخاص بها...

بناءا عليه تكون موضوعية الوعي هي تخليق ذهني- عقلي تجريدي من صنع مرجعية الوعي  هوعلم النفس، اذن والحالة هذه تكون موضوعات الوعي الادراكي المستمدة من الخيال ما هو مصدرها الدماغ ام الذاكرة ام الذهن وجميع هذه التوصيفات الوظيفية هي حلقات منظومة عقلية يتم تخليق موضوعاتها وليس خلقها من منظومة العقل الدماغ والجملة العصبية المرتبطة فيما بينها.؟ هل الوعي موضوعا للعقل ام هو اداة معرفية له؟ النقطة المهمة الاخرى من يصنع الوعي الادراكي التجريدي منظومة الدماغ الادراكية ام منظومة علم النفس السلوكية؟ وكليهما حلقتي ادراك عقلي في تنفيذ ادراكية مواضيعه المادية والاستبطانية على السواء بلغة تجريد تعبيري..

النقطة التي اشرت لها سابقا من يصنع الوعي الدماغ كمنظومة ادراكية معرفية ام النفس كسلوك تقوده اللغة القصدية؟ ثم كيف يكون للوعي موضوعات هي خارج سلوك رغائب النفس في تلبية حاجات الجسم لها داخليا وخارجيا.؟ التساؤل هل الوعي اداة معرفية لنقل ردود افعال الدماغ اشباع المدركات الجسمانية الواصلة له ام هو موضوع مستقل عن العقل تقوم النفس بتصنيعه على شكل سلوك ذاتي لا علاقة للدماغ دورا في تسييره نحو تحقيق قصدية معرفية او قصدية اشباع رغائب الجسم من غرائز وحاجات بيولوجية وهكذا. باختصار شديد جدا الوعي هو معرفة مجردة عن مدركاتها المادية والاستبطانية وبذلك يكون الوعي اداة تعبير معرفي وليس موضوعا معرفيا مستقلا للعقل لا يدركه بغير دلالة ملازمته القصدية وملازمته الموضوع..

النقطة الثالثة هي هل الوعي في امتلاكه لموضوعه تجريدا يكون مصدر معرفة ام يكون وسيلة معرفية؟ جواب برينتانو يقر بعجز الوعي تجريد ذاتيته من موضوعته كحقيقة يحملها غير واهمة بل تكون هي قصدية الوعي حسب برينتانو وهوتعبير منطقي صحيح.

هنا بضوء هذا التفسير الفلسفي يظهر لنا مشروعية التساؤل كيف يجمع الوعي بين موضوعيتين ادراكيتين، الاولى حسب برينتانو الوعي هو قصديته المستمدة عن موضوعيته التي لا فكاك له منها التي مرجعيتها علم النفس. وبين ان يكون الوعي موضوعه وسيلة معرفية تجريدية قامت بتصنيعها منظومة الادراك العقلية لفهم وتفسير الوجود لذا يكون الوعي ذاتيا. يكون فيها الوعي حلقة ادراكية ناتجة عن منظومة عقلية لا يكون الوعي خالقا لذاته ولا موجدا لموضوعه.

الوعي لا يتقدم مصدر تخليقه لا العقل ولا النفس. لذا تكون موضوعات النفس ليس لها اسبقية قصدية على الوعي بل الوعي يتقدمها ويقودها الى الاشباع البيولوجي الذي يحتاجها الجسم بايعاز من الدماغ وليس النفس. وكذا لا يمكن ان يتقدم الوعي على العقل. برينتانو كي يؤكد الوعي سلوكا قصديا مصدره التخليقي النفس ومصدر  الافصاح عنه الادراك الحسي والمعرفي بتعبير اللغة او السلوك. وينسب لبرينتانو الوعي لا يخلق موضوعاته ذاتيا وهي عبارة سليمة جدا. وبهذا يتحول الوعي القصدي عند برينتانو الى حامل لموضوعه وليس خالقا تكوينيا له. وبهذا يكون الوعي مستقلا واعيا بموضوع يدركه ويعبر عنه بانفصال تجريدي.

لاحظت تكرارا في الادبيات الفلسفية اعتبارهم الذهن حلقة تفكير تنوب عن عمل خاصية الدماغ في التفكير. كذلك لا يمكننا اعتبار الوعي يمتلك قابلية التفكير الافصاحي باللغة او بحركات الجسم خارج منظومة العقل الادراكية الفسلجية الطبيعية.

مثلما جرى في تداخل الفكر واللغة كذلك لا يمكن اعتبارالذهن مصدر البت المعرفي في استلامه منظومة الانطباعات التي تتوالى عليه حيث يصف ديفيد هيوم ومعه بيركلي ان الذهن لا ينوب عن الدماغ بالتفكير فكما تدخل الاحساسات الواردة الانطباعية الحسية الذهن تخرج منه الى منظومة الاعصاب الدماغية التي هي مصدر التفكير واعطاء ردود الافعال ومقولات العقل عن الموضوعات المدركة. اما ان يكون تداخل عضوي بينهما فلا هو حاصل ولن يحصل.

موضوع الوعي

اخذ هوسرل عن برينتانو فكرة الوعي القصدي وحولها الى نظرية جعل فيها القصدية هي فعل الوعي المنتج لموضوعيته التي تلازم موضوعها واختلف هوسرل مع برينتانو الذي حين اعتبر الوعي محايدا ادراكيا لا يقوم بشيء سوى تحقيق قصدي غاية وصوله يقودنا الى تعريف موضوعه المحايث له. اما هوسرل فيعمد اعتباره القصدية لا تعطي معنى الوعي بل القصدية لا تعطي معنى الوعي بل هي تنتج موضوعه القصدي. ().

الملاحظات التعقيبية حول متناقضات برينتانو عن الوعي اختصرها بما يلي:

- قصدية الوعي من اين امتلكت موضوعها الملازم لها، هل من مصدر العقل او النفس او قابلية الادراك الخارجي للاشياء؟ وهل موضوع القصدية للوعي هو مادة التفسير المعرفي ام موضوع الوعي هو ادراك ذاتي لموجودات العالم الخارجي؟ كيف ندرك الوعي اداة معرفية وليس موضوعا معرفيا؟ تجريد الوعي في تعبيره عن المدركات لا يصبح مادة تكوينية منها. ولا موضوع الوعي الادراكي المادي يفقد خواصه المادية ليلتحق بتجريدات تعبيرات الوعي باللغة. بمعنى الوعي التجريدي التعبيري عن المادة لا يكون جزءا تكوينيا منها. ولا يمكن للمادة ان تغادر جوهرها المادي لتكون تابعا لتجريد التعبير عنها. يوجد تبادل معرفي تخارجي بين المادة والوعي لكنهما يبقيان جوهرين متكاملين معرفيا وليس متداخلين مع بعضهما جدليا.

- القصدية هي فعل الوعي بالتفكير الذهني المجرد في تعبير اللغة. الوعي هو حلقة ادراكية تمتلك طاقة لها قدرة التحول من وعي تجريدي  الى فعل يخلق موضوعا ماديا يعالجه تفكيريا. (ما اذكره هي تناقضات برينتانو الخاطئة التي ارفضها وليست صحيحة). الوعي وجود محايث لموضوعه وليس وجودا عضويا متماسكا معه. كل ادراك تجريدي لموضوع مادي يكون منفصلا عنه ولا يتداخل في تخليق تكوينه الجديد الناتج عن رقابة عقلية.

- هوسرل كان مصيبا في تعبيره الوعي ادراك تجريدي محايد حتى لموضوعه المحايث له. ولا قدرة مادية للوعي في موضعة موضوعه الادراكي بالفعل. هنا نعيد للاذهان الى ان كل تجريد لغوي ليس بمستطاعه تحويل ادراكه اللغوي الى موضعة فعلية ادراكية بالواقع.

- القصدية الادراكية ليست ابتداعا (وعيا) في اختراعها. بل القصدية اختراع عقلي جعل من الادراك حلقة منظومية ادراكية. والوعي منفردا لا يمكنه امتلاك قصدية ذاتية ولا بمقدوره ابتداع موضوعه المحايث له. خاصية ذاتية الوعي لا تنسحب على خاصية وعيه الاشياء بتفكيره الخاص منفصلا عن تفكير العقل.

- كما ذكرنا ونعيده الان الوعي تفسير ادراكي لمقولات صادرة عن العقل تجاه موضوع معين. بل هو شأنه شأن اللغة ادراك محايد لموضوعات الادراك. هو اداة ووسيلة توصيل معرفي وليست قدرة وقابلية دخول في معترك الموضوع المادي المدرك وعيا تخليقيا له.

- يخطيء هوسرل اعتباره موضوع القصدية المحايث للوعي هو الدليل لاعطاء الوعي معنى قصديته. والسبب بذلك ان برينتانو وهوسرل وهيدجر باستثناء سارتر اعطوا مصدريه موضوع الوعي هو العلاقة التي تربط الذات بالموضوع. والموضوع وجود ثابت لا يتغير من غير تداخله مع صيرورته مع الذات المدركة له.

الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها ان الوعي الذاتي لا يصنع قصديته المعرفية بل هو اداة تعريف بموضوع مدرك لتلك القصدية. القصدية الملازمة للوعي هي الاخرى لا تنتج مواضيع الوعي بسبب عدم امتلاكها آلية منظومية العقل الادراكية الطبيعية.

- هوسرل حين يقول (كل العالم الواقعي الموضوعي عبارة عن وعي تمّثلات للوعي) عبارة صحيحة مستمدة من وظيفة تعالق الفكر باللغة تجريدا. اما اذا اردنا تمرير خطأ العبارة على انها تعبيرصحيح  علينا ان نجعل من الوعي الحقيقي بالشيء هو ادراكه فقط وليس الدخول في معترك تكوينه.احكام قرارات الوعي القصدي الادراكي عن الاشياء هي توصيف معرفي لها وليس تخليقا ماديا لها.

الوعي والمعنى

الوعي بدون ملازمة قصدية حسم امر بطلانها بلا معنى الوعي مع بزوغ فجر الوجودية والظاهراتية ما دعا ان يتصف الوعي بصفتين لا تقل عن اهمية القصدية وهما:

- الوعي القصدي ادراك تنظيمي منظم للوجود والاشياء، وهذه العلاقة بين الوعي والادراك رغم تلازمهما فكليهما تجريدان لغويان للفكر واللغة في التعبير عن المدركات. الوعي ادراك منفرد ولا علاقة ترابطية له بموضوعه غير لغة التعبير عنه ومعرفته.

- الثاني الوعي فراغ غير موجود من دون ملازمة الموضوع القصدية في حمولته معنى القصدية والانفصال التجريدي المحايث للوعي. الوعي في حقيقته ادراك استبطاني محايد. لا رابطة عضوية بغيره ولا وجود انفصالي له من غير دلالة محايثته المعنى واللغة والسلوك المشترك مع غيره. وبهذا المعنى الذي سبق لنا تاكيده مرتين يكون الوعي القصدي هو المرادف المتطابق للادراك من حيث تعالقهما التعبير عن قصدية موضوعهما المشترك.. وبذلك نعود على الثوابت التي مررنا بها ان الوعي حلقة تفكير ادراكي محايد لموضوعه في التعريف به. والوعي توصيف ناقل توسيطي لتفكير الدماغ، ولا يكون الوعي خالقا لتفكيره في انفرادية ادراكية منفصلة عن ترابطها مع منظومة العقل الادراكية.

- الوعي في ادراكه المدركات بحيادية تجريدية يتساوى عنده المدرك المادي والمدرك المثالي والخيالي من حيث قابلية التعريف بهما منفردين. هذه الصفة للوعي القصدي لا يقوم الوعي بتخليق تصوراته الادراكية بل هو وسيط تنفيذها كمقولات عقلية واردة له فيكون اداة وليس موضوعا يدركه الوعي معرفيا بلا رابطة عقلية.

- الشيء المهم الذي مررنا به انه لا يوجد وعي ادراكي لا يحمل معنى قصدي مسبق يسير نحو تحقيقه سلوكا ولغة تعبيرعنه حسب حاجات الجسم تحت وصاية العقل.

من حيث ربط علاقة الوعي بالمعنى فهوسرل عالج خطأ برينتانو بخطأ اضافي في عبارة هوسرل (حيث اعتبر برينتانو هوسرل يخطيء حين اعتبر الوعي القصدي نوعين. الاول وعي يلازمه معنى، والثاني وعي آخر فارغ بلا محتوى ولا معنى).

التعقيب المدان به برينتانو وهوسرل انهما اتفقا على حقيقة ان جوهر الوعي (ذاتي) والذات التي تمتلك وعيها القصدي التفكيري السليم انها لا تدرك ما لا معنى له وهو صحيح. حين نقول ونتفق على مشروطية الوعي ان يكون قصديا فما يترتب على ذلك من معنى ان الوعي فعالية تجريدية تحمل معها معناها في ادراكها وتحمل معنى الارتباط السلوكي الذي يقوده الفكر واللغة في تعبيرهما عن معنى الوعي. في خلاصة تعبيرية ان اي تفسير لمعنى فارغ لا يدرك ولا يتم الوعي به محال وجود تحققه. وهذا النوع من الوعي غير موجود لا بالفكر الاستبطاني ولا في تنفيذ مقولات العقل الصادرة عن الاشياء.

فرق الوعي عن الادراك

اذا اردنا تفريق الوعي عن الادراك نعيد بذلك نفس اشكالية تفريق الفكر عن اللغة. اذا نحن حاولنا التفريق بين هذه الفعاليات المرتبطة بالمنظومة العقلية عن اختلاف (المعنى) في ادراكهما لموضوع واحد نكون اوقعنا انفسنا بخطأ.

فالموضوع الذي تدركه الحواس له نفس المعنى الذي تتقاسمه معه اللغة والفكر. لكن يبقى الاختلاف هو في زاوية رصد كل فعالية نفس الموضوع المشترك منفردة لوحدها. وهذا الاختلاف المظهري لا يحسمه سوى الدماغ في عملية تخليق معقدة. ما تدركه الحواس من انطباعات عن الاشياء هو غير تعبير الفكر واللغة عنه.الشيء المهم الذي نجده يسهل لنا طريق تفريق الوعي عن الادراك ليس في تراتيبية ان الادراك يستلم انطباعات الحواس قبل البت الحاسم من قبل تفكير الدماغ في اعطائه الوعي النهائي عنها.

مقولتي برنتانو وهوسرل في تقسيمهما الوعي نوعين احدهما يحمل معنى والثاني فارغ لا معنى له. مقولتان خاطئتان من حيث لا وجود لوعي لا يمتلك وعيا قصديا يحمل معنى في موضوعه. وآخر وعي يحمل قصديا هوالمعنى في مدركاته. الوعي كالدماغ لا يدرك ما لامعنى له وكذا الحال مع اللغة انها لاتفكر ولا تعبّر عن ما لا معنى له.

نعود الى حقيقة ذكرناها سابقا اذا اردنا تفريق الادراك عن الوعي من حيث قابلية امتلاك المعنى من عدمه فهذه الاشكالية ترجع هنا لما يقول به العقل. في عدم وجود وعي ادراكي خال من المعنى. فتكون هنا المرجعية الداحضة لعدم وجود او تخليق وعي بلا معنى يحدده بجلاء علمي علاقة الذات بالدماغ وظائفيا.

لكن اذا نحن حاولنا اجراء مقارنة فلسفية ايهما اصدق بالتعبير الادراكي فهنا نكون امام اشكالية ان الوعي موضوعه الملازم له ادراكا عقليا. اما الادراك الخارجي فهو انطباع اولي عما يدركه من احساسات مصدرها الحواس وهذه الانطباعات الادراكية تكون عشوائية تفتقد معناها المطلوب فالادراك هو غير المعرفة بالشيء.

ثمة تساؤل نختم به موضوعنا بماذا يختلف الوعي عن الادراك وكليهما مرجعية ذاتية تجريدية؟ ولا يمكن للذات ان لا تعي نفسها بنفسها ما يرتب بالضرورة الوجودية انها تعي موضوعها ايضا. الذات من غير ملازمة وعيها الذاتي خارجيا وداخليا ليست ذاتا تمتلك خصائص عقلية سليمة منتظمة. . معظم الفلاسفة الذين ادانو الكوجيتو الديكارتي انا افكر اذن انا موجود اخذوا عليه ان وعي الذات (الانا) لا يمكن تحققها من دون ان يلازمها موضوعا تدركه. اعتقد ديكارت كان بهذا ذكيا سبق ما سيدان به مستقبلا فقال ان الوعي لا يتحقق بلا موضوع لذا التفكير لا يكون مجردا عن موضوع تفكيره ولا حاجة بكل ذات تثبت وجودها الانطولوجي تظهر بما تفكربه من مواضيع كي تكتسب الذات وعيها الذاتي بنفسها ووعيها الموضوعي باشياء العالم الخارجي.

***

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

المصدر: الجمل والكلمات المحصورة بين قوسين ماخوذة عن مقال معنى القصدية في البحث الظاهراتي / عرب سايكولوجي/ انترنيت/ بلا اسم للكاتب.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5722 المصادف: 2022-05-06 09:23:43


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5824 المصادف: الثلاثاء 16 - 08 - 2022م