 أقلام فكرية

الارهاب.. وأسطورة سيزيف

سامي عبد العالمرة ليست بالأخيرةِ، ينبعث الإرهاب كـ"الشبح القاتل" في وجه الدول والمجتمعات العربية.. ومنها المجتمع المصري. ففي الأمس القريب، أخذ يحصد أرواح الجنود البواسل الذين يدافعون عن ترابه الوطني ويحمون كيانه العام. إذ جاءت خريطة سيناء مسرحاً غامضاً لرعب الإرهاب وأعماله الدموية من جديدٍ. وسيناء بالنسبة لمصر هي مفتاح التاريخ والجغرافيا. مفتاح التاريخ من جهة كونها محطّاً لكافة الإطماع السياسية الخارجية ومضماراً للأحداث والسرديات الدينية في الأديان التوحيدية الثلاثة، وهي مفتاح الجغرافيا لكونها مؤشراً استراتيجياً لنهضة المجتمع وتطوره.

وهنا تغدو الكلمة الناقدة مُلحةً بمناسبة الآراء القائلة بإمكانية القضاء على الإرهاب، فهل ثمة نهاية له فعلاً؟ هل هناك مرحلة للارهاب يقف عندها ثم لا شيء آخر؟ أين ذهب الارهاب بعد موجات مده التي طفحت بها ثقافتنا المعاصرة؟!

القضية نفسها كانت تتردد مع التدخل العسكري ضد تنظم داعش وملاحقة عناصره أثناء موجات تصاعده في العراق والشام. إذ بدا الظن السائد أننا قد نتخلص منه تماماً حال تصفية كيانه المادي وأشخاصه الفاعلين. وجري الأمر دونما طرحٍ لأية أسئلة من قبيل: ألم تتناسل الجماعات الاسلامية الواحدة عن الأخرى في السابق واللاحق؟! لماذا تستمر تاريخياً دورات المخاض والميلاد والموت ثم البعث للأفكار الجهادية؟ وكيف توظف القوى العولمية التنظيمات الجهادية على خرائط الاقتصاد والسياسة لدينا؟

وأكثر من هذا إنَّ هناك حاضنات ثقافية داخل المعتقدات الدينية والثقافية العامة تضمن تفريخ الإرهابيين. فمفهوم النص الديني ينقل عبر معانيه المتكررة فيروسات التطرف من جيل لآخر. لأن الجماعات الإسلامية تتعامل معه كمادة قابلة لإعادة الحياة الماضية بكل تراثها الجهادي والصراعي. كما أن تعاطياً (سياسياً واعلامياً) مع الإرهاب وجذوره الثقافية يتم بلا تطور فكري مبدع على أرض الواقع. فجميع أطياف الارهاب تتحصن بنزعة محافظة قاتلة. تدهس من يقترب من محرماتها، بما في ذلك محاولات الفهم والنقد والكشف عن الأخطاء. لأن هذه المحاولات المعرفية والفكرية ترتكن إلى الاستبداد السياسي وهو أحد أسباب انتشار الإرهاب وأحد مبرراته التي تشحن لاوعي الجماعات الجهادية.

إن حديث النهايات بصدد الإرهاب أشبه بسرد الأساطير والخرافات في التراث الإنساني. فلا مؤلف بعينه لها كما أنها توثق الشطح الخيالي في الإمتاع والحكي لدى الوعي السائد. وباعتبار قصص النهايات نصوصاً ذات طابع بلاغي تشكل جسداً ثقافياً من الرغبة والحقائق والأفعال المفترضة معاً. وهي حكايات ما فتئت تنتهي أحداثها وعصورها ومعتقداتها حتى ننتظر عودتها مرات تالية في أشكال جديدة من العود على بدء. لأنَّ اللغة تاريخياً لا تحول دون تكرار الحكي إلى ما لا نهاية. كما أنَّ البناء البلاغي للخيال يخاتل ذاته تمسكاً بصور الأفعال القديمة. فالأخيلة الإنسانية كالنبيذ المعتق تزداد عراقةً وأصالة متى تقادمت أزمنتها. ومن وقتٍ لآخر تستدعي دلالات الأشياء بواسطة الأُطر الثقافية المتشابهة في الحياة المشتركة. كلُّ نهاية إنسانية لن تتوقف عن العودة خلال أشكال أكثر خادعاً. فتبدو النهاية بداية جديدة غير قابلة للتحديد. بعبارة نيتشه: هذا العود الأبدي للأشياء والأفكار والحيوات. لأن الكون استنفد طرائق طفراته المغايرة. فما كان إلاَّ ذلك الاتيان كقانون يحكم علاقات الأشياء والموضوعات.

ولهذا فإنَّ نهاية الإرهاب لا تختلف عن نهاية الأدب، نهاية الفلسفة، نهاية الأيديولوجيا، نهاية الدين، نهاية التاريخ، نهاية الإنسان، نهاية التكنولوجيا. تلك النهايات التي تمثل الحدود القصوى لإمكانية أن تنفجر الظواهر وتعاود الكَّرةَ. لسبب مهم أنَّ الفلسفة والأيديولوجيا والدين والتاريخ... قضايا تتحور، تتغاير، تتفرع ولا تموت. فلا تشهد خاتمة محتومة الأجل والوقت. لكنها تختزن احتمالات فائضة دون توقع نحو المستقبل. ذلك أن العوامل المساهمة في تكوين ظاهرة الإرهاب ليست وحيدة التوجه ولا هشة البناء. هي عوامل متعددة أولاً، كما أنها مختلفة ثانياً، ولا تتوقف على تمين حركتها ثالثاً.

إنَّ النهايات في تاريخ المجتمعات والثقافة محكومة بالعمل السيزيفي... سيزيف كان أحد أكثر الشخصيات مكراً بحسب الميثولوجيا الإغريقية، حيث استطاع أن يخدع إله الموت ثاناتوس مما أغضب كبير الآلهة زيوس، فعاقبته الآلهة بحمل صخرة ثقيلة من أسفل الجبل. ورفعها صعوداً إلى أعلاه. ثم لا تلبث أن تسقط الصخرة مرة بعد أخرى. ليحاول سيريف حملها من جديدٍ إلى الأعلى. وهكذا لا يتوقف عن محاولة حمل الصخرة مثلما لا تتوقف الصخرة بدورها عن السقوط. ويظل بتلك الطريقة حتى الأبد، فأصبح رمزاً للعذاب الأبدي.

ولعلّنا لو عرفنا ماذا فعل سيزيف، لعثرنا على وجه القرابة بينه وبين الإرهاب الديني الذي يظهر فجأة في بلداننا العربية. يقال إنَّ سيزيفاً هو مخترع وموجد الألعاب البرزخية إشارة إلى الظلام والموت. واشتغل سيزيف بالتجارة والإبحار، لكنه كان مخادعاً وجشعاً إلى أبعد الحدود. وخرق قوانين وأعراف الضيافة بأن قتل المسافرين والضيوف (النزلاء). وقد صوّره هوميروس ومن تلاه من الكتاب واشتهر لديهم بأنه أمكر وأخبث البشر على وجه الأرض قاطبة وأكثرهم لؤماً. أغرى ابنة أخيه، واغتصب عرش أخيه وأفشى أسرار زيوس (خصوصا اغتصاب زيوس لإيجينا)، ابنة إله النهر أسوبوس. وفى روايات أخرى ابنة والده أيولوس. وبالتالي تكون أخت سيزيف الشقيقة أو شبه الشقيقة.

ثم أمر زيوس هادس أنَّ يسلسل سيزيف في الجحيم. وطلب سيزيف بمكر من ثانتوس أن يجرب الأصفاد والسلاسل ليختبر مدى كفاءتها. وعندما فعل ثانتوس ذلك أحكم عليه سيزيف الأصفاد وتوعد هادس. وأحدث ذلك تمرداً وانقلاباً وثورة وهياجاً. ولم يعد أحد من البشر يموت، حتى انزعج آريس لأنّه فقد المتعة من معاركه. لأنَّ خصومه فيها لا يموتون. لذلك تدخلَّ وأطلقَ سراح وفكَّ أسر ثانتوس وأرسلَّ سيزيف إلى الجحيم.

وعلى أي حال، قبل موت سيزيف، أخبر زوجته أنه عندما يموت فعليها أن تمتنع عن تقديم أضحيتها المعتادة. وفى العالم السفلي شكا من أن زوجته تهجره وتهمله وتتجاهله وأقنع برسيفوني، ملكة العالم السفلي، بالسماح له بالصعود للعالم العلوي ليطلب من زوجته أن تؤدي واجبها وتقدم أضحيتها. عندما عاد سيزيف إلى كورينث، رفض الرجوع إلى مكانه. ولذلك حُمل إلى العالم السفلي بواسطة هادس وفى رواية أخرى للأسطورة، اقتنعت برسيفوني مباشرة أنه قد قيد إلى الجحيم بطريق الخطأ وأمرت بإطلاق سراحه!!

أولاً: الإرهاب أكثر خداعاً مكراً حتى أصبح أسطورة لدى الجهاديين وفي ذهنية المجتمعات بالمثل. ويعتمد عادةً على إثارة الخيال ومبرراته لجذب الأتباع والأنصار. وتحت عناوين براقة يزيف أعماله في الواقع ويشكل أثاره المنتشرة بين الأيديولوجيين. ولم يكن ليتصور أن ينقاد إلى ساحاته الشباب الأوروبي المولع بالمغامرة والتطور التقني والعلمي. وأكبر خدعه أن أصحابه لا يعتقدون أنهم يرهبون ويقتلون الآخرين إنما يؤدون عملاً مقدساً ينتظره النعيم المقيم يوم القيامة.

ثانياً: كان سيزيف يعمل بالتجارة والإرهابيون يبنون استراتيجيتهم على المتاجرة بالدين. بل يعتبرون الله قد اشترى منهم أموالهم وانفسهم خاصة دون سواهم ابتغاء الجنة. هي في الحقيقة مقايضة في غياب شيء مهم وهو الحياة. فلو يدرك الإرهابيون أنهم يدمرون الحياة قبل غيرها لما أقدموا على ما هم عليه.

ثالثاً: الاعمال البرزخية صناعة مشتركة بين  شخصية سيزيف والإرهابي الدموي. بل الأخير (حفار قبور) بالمعنى الديني والإنساني. والنتيجة حلول الظلام حتى تبدو هذه التنظيمات ظلامية الطابع. ويبدو البرزخ من أعمال الموت الذي يتهدد كل إنسان. وكم رأينا تفنن الدواعش في حفر القبور لضحاياهم. مرة هم يحفرون القبر انتظاراً لمداراة الجثة ومرة يأمرون الذبيح بحفر قبره بنفسه قبيل قطع رأسه. أي ظلام وأية دموية يغرقون فيها؟!

رابعاً: خداع الآلهة.. الإرهاب يخادع باسم الإله ويكذب عليه أيضاً. لأنه يذبح ويفتك بالبشر دونما جريرة إلاَّ بسبب التكفير. هذا التكفير الذي يتخذه الارهاب سيفاً مسلطاً. والخداع به يظهر واضحاً حينما يعتبره الارهابي حكماً قاطعاً يستوجب الموت.

خامساً: يشكل العقاب وأنماطه وأخيلته لدى الإرهابيين صورة العالم والأخرة. أشكال الذبح والتقطيع والسلخ وإراقة الدماء هي الأفعال التي يتردد داخلها معاني العقاب الإلهي على أيدي البشر. إن تنظيماً جهادياً كهذه التنظيمات يقوم في صلبه على هذا العقاب الكوني. ولقد شارع في أدبياتهم أنهم يطبقون شريعة الله. ولم يستطيعوا إلا تطبيق الحدود. حتى غدت الشريعة كأنها أحكام اعدام صادرة بلا تفكير ولا منطق.

سادساً: رمزية الصخرة الواردة بالأسطورة تنسحب على الإرهاب في أنه يجعل من الدين كتلة صماء. كتلة لا ترى ولا تسمع ولا تحي ولا تنمو. إنه – الدين- الصخرة المحمولة بلا عقلانية. ويتبادل الإرهابيون تصوراتهم بأساليب صخرية. فهم يعتمدون على العزل الحسي والشعوري للإنسان حتى يتجرع المعتقدات. وذلك بلا نقد ولا فهم ولا تجريب كطرائق إنسانية تتميز بالمحاولة والخطأ.

سابعاً: الجحيم الذي يقبع فيه سيزيف يصنعه الإرهاب للمجتمعات التي يوجد فيه. فهو يلاحق أعداء الشريعة والمرتدين ملاحقة قاتل لمقتول. كما أنه يرسم الحياة برؤية جحيمية لا تقبل اختلافاً ولا تنوعاً. فهذه التنظيمات هي نواة الجحيم الأرضي بعينه. ولم تكن ما تسى بالدولة الاسلامية بالدولة بمعناها السياسي. بل تقوم على المراقبة اللصيقة للأنفاس والسلوكيات وقتل الحريات واستعباد المرأة وسبي أصحاب الديانات الأخرى... ماذا بقي إذن من الجحيم؟!

ثامناً: النقطة الأهم هي سقوط الصخرة إلى الأسفل وحملها إلى الأعلى المرة تلو الأخرى هما المصير نفسه الذي يترصد الارهاب. فهو يستهدف هذا المصير لتجارب التاريخ. فمفاهيم السلف والعصر الذهبي تعلق فوق الرؤوس لتسقط مرات. ثم يحاول الإرهابي حملها صاعداً بها فوق التاريخ. هكذا في دورات عبثية لا تنتهي. إنه العذاب الأبدي لأيديولوجيا دائرية مغلقة. لا تعترف بالمستقبل ولا بالتطور البشري.

تاسعاً: اسطورة سيزيف كامنة في الأيديولوجيات الدينية. وسواء أكانت تُنزل العنف بالمجتمع بنفس الطريقة السيزيفية أم كانت تجسد الأسطورة حياةً، فإن تصوراتها وأفكارها تعيش على هذا المسرح العبثي. وبالقطع لا يعي أصحاب الأيديولوجيات الارهابية أنهم يمثلون أدواراً مملة من كثرة التكرار التاريخي. وأن الحياة والثقافة – أية حياة وأية ثقافة قد ضاقت بهم ذرعاً- لكنهما عاجزتان عن التخلص منهم.

يحتاج  نزع جذور الإرهاب إلى استراتيجيات ثقافية مغايرة ومبدعة للتعامل معه، لابد من إيجاد وعي وفهم مغايرين تماماً. فمادامت الثقافة نفسها غير مكشوفة للتغير والتطور، فإنها ستنتج الإرهاب. ولابد من إعادة بناء المجتمعات العربية على أسس الحريات والحقوق والمواطنة وإقامة دول العدالة والقانون مع الأخذ بصلب التنوع البشري والثقافي لدى كافة الأديان. بكلمات واضحة أن (نقيض الإرهاب) هو التحرر من جميع الأشكال الثقافية المغلقة التي تستدعي ظهوره مجدداً، سواء أكانت الأشكال التي يقول أنه يجاهد ضدها (الإستبداد والديكتاتورية) أو الأشكال التي يحتمي داخلها (الدولة الدينية والأيديولوجيات السلفية).

دوماً البديل الثقافي الثالث هو الذي يفك إزمة الإستقطاب بين الطرفين السابقين. لأن الأرضية العامة التي تضم الناس جميعاً تفكك إحتقان وتحصن الإرهاب بأية مبررات أخرى، وهذا البديل هو الاهتمام بالإنسان وفتح الآفاق أمامه ليختار حياته ويمارسها بكل حرية. وأن تشعر كل المجتمعات بقيمة الإنسان كونياً وحضارياً، وأنه- أي الإنسان- في أي موقع يدافع فيه عن الآخرين وعن وطنه إنما يدافع عن الحياة وعن المستقبل الأفضل.

***

سامي عبد العال

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5724 المصادف: 2022-05-08 02:31:07


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5823 المصادف: الاثنين 15 - 08 - 2022م