أقلام فكرية

الديمقراطية الحالية مقابل ديمقراطية أثينا

حاتم حميد محسنيشعر الناس انهم مدينون لليونان القديمة في معظم مصطلحاتهم السياسية بدءاً من الفوضوية مرورا بالديمقراطية وحتى السياسة ذاتها. لكن سياسة اليونانيين القدماء وسياستنا الحالية مختلفان جدا. بالنسبة لليونانيين القدماء يرون جميع أنظمتنا الديمقراطية ومن مختلف الأشكال كنوع من الاوليغارتشية او حكم القلة، كنقيض لحكم الشعب او للأكثرية من الناس (ديمو كراتيا). ذلك بسبب ان القلة عادة يُنتخبون من جانب جميع الناس لكي يقومون بخدمتهم . في اليونان القديمة اعتُبرت الانتخابات ذاتها اوليغارتشية. انها فضّلت منهجيا القلة وخاصة المواطنين الأغنياء جدا او "الاوليغارتش"، كما نحن الآن نسميهم "البلوتوكرات" او القطط السمينة.

من جهة اخرى، هناك بعض القواسم المشتركة الهامة بين الطرق القديمة والحديثة من التفكير السياسي. في كلاهما، مثلا، الحرية والمساواة هما شيء جوهري. انهما قيم سياسية اساسية . غير ان الحرية في الديمقراطية اليونانية لا تعني فقط حرية المشاركة بالعملية السياسية وانما ايضا التحرر من العبودية القانونية، من كون الفرد عبد او رق حقيقي. حرية المشاركة لا تعني فقط نوع من المناسبة الاحتفالية نراها وسيلة اساسية للديمقراطية – استبدال مؤقت للادوار بواسطة السادة والعبيد السياسيين يتم اثناء الانتخابات العامة او المحلية (او استفتاء). ولكن بدلا من ذلك، الحرية الحقيقية هي المشاركة بالسلطة السياسية، للحكم على أساس يومي.

في القرن الرابع قبل الميلاد، كانت الجمعية الديمقراطية الأثنية المؤلفة من 6000 مواطن من الذكور البالغين يجتمعون كل تسعة أيام كمتوسط، كانت حكومة عبر اجتماع جماهيري، ولكن كان هناك ايضا الاستفتاء الذي يُعقد حول القضايا الاساسية .

المساواة في السابق وحاليا

ليست المساواة اليوم الا شيئا طوباويا على الأقل في المصطلح السوسيواقتصادي عندما نرى ان  الأغنياء الذين هم 1% من سكان العالم يحوزون على ما يساوي ما يمتلكه 99% من الناس . الأغنياء أداروا هذه الأشياء أفضل بكثير في اليونان القديمة وخاصة في ديمقراطية اثينا القديمة. البيانات الاحصائية غير متوفرة –القدماء كانوا غير بيروقراطيين واعتبروا الضرائب الشخصية المباشرة إهانة للمواطن. ولكن هناك دليل معقول بان اليونان الكلاسيكية (القرنين 5-4 قبل الميلاد) وخاصة اثينا الكلاسيكية كانت مجتمعات اكثر كثافة سكانية واكثر تحضرا، مع وجود نسبة عالية من السكان يعيشون فوق حد الكفاف ووجود توزيع للملكية اكثر عدالة مما كان الحال في اليونان في أي وقت آخر وحتى افضل مما كان في مجتمعات ما قبل الحداثة. هذا لا يعني ان اليونان القديمة يمكن ان توفر لنا مثالا مباشرا قابلا للتطبيق . نحن نحتاج للايمان رسميا وعلنا في المساواة المطلقة لكل المواطنين كناخبين بالغين بصرف النظر عن الجنس، وان لا نؤمن بصلاحية او منفعة الاستعباد القانوني للكائن البشري كرقيق. غير ان هناك عدد من الافكار الديمقراطية القديمة والتقنيات التي تبدو حقا شديدة الجاذبية: استعمال الفرز، مثلا – الطريقة العشوائية للاقتراع بالقرعة التي سعت لإنتاج عينة ممثلة للمسؤولين المنتخبين. او ممارسة النفي بدون محاكمة ostracism الذي سمح للناس التصويت على إبعاد منْ يشكّلون تهديدا للدولة ونفيهم خارج البلاد لمدة عشر سنوات، وبهذا تنتهي مدة عملهم السياسي.

ان مقارنة الديمقراطيات الحالية مع ديمقراطية اليونان القديمة يفيد في تسليط الضوء على ما يُسمى الاوليغارتيون المنتمون للاحزاب سرا في انظمتنا السياسية المختلفة جدا (النيابية) .

الأسوأ بين جميع الأنظمة الممكنة

مع اننا جميعنا الآن ديمقراطيون لكننا لسنا كذلك لو نظرنا للعيوب الخمسة المتجسدة في جميع انظمتنا المعاصرة(1). كان ممكنا للولايات المتحدة وبريطانيا الذهاب الى الحرب في العراق عام 2003 حتى عندما لم ينل الرئيس بوش ولا توني بلير موافقة أغلبية مواطنيهم. المواطنون في ديمقراطياتنا يمضون خُمس فترة حياتهم محكومين بحزب او مرشح غير ذلك الحزب او المرشح الذي صوّت معظمهم له في الانتخابات . كذلك، الانتخابات هي في الحقيقة ليست حرة وعادلة: انها يتم الفوز بها من قبل الجانب الذي ينفق المزيد من النقود وبالتالي الاكثر فسادا . عندما نأتي الى الفوز بالانتخابات، لم يأت اي حزب الى السلطة على الاطلاق بدون مصلحة ذاتية واضحة ودعم الشركات بشكل او بآخر. وربما الشيء الاكثر قرفا هو ان الغالبية العظمى من الناس يتم استبعادهم من عملية صنع القرار- بفضل التصويت المشوّه وحملات التمويل وحق الممثلين المُنتخبين في تجاهل المخالفات والإفلات من العقاب لكل ما يحدث بين دورتي الانتخابات (المحلية او العامة). الديمقراطية باختصار لم تعد تعني "سلطة الشعب" كما في اليونان القديمة حيث فقدت هدفها كإنعكاس ان لم تكن بلوغ الرغبة الشعبية. هذا يفسر لماذا وصف ونستون شرشل مرة الديمقراطية باعتبارها أسوأ انظمة الحكومة. لكن ذلك يجب ان لا يكون سببا لنا للاستمرار بتجاهل العيوب الديمقراطية المعترف به على نطاق واسع.

***

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

يعاني النظام الديمقراطي الحالي من مشاكل عميقة تتمثل بالتالي:

1- اسلوب الديمقراطية الحالية وخاصة الامريكية اصبح لعبة لسياسات المال.

2- مبدأ "صوت واحد لكل فرد" تحوّل في الواقع الى "حكم الأقلية النخبة" .

3- مبدأ التوازن بين السلطات ادّى الى الفيتوقراطي.

4- قواعد التصويت الانتخابي المعيبة أضعفت الإنصاف والعدالة.

5- الديمقراطية المعيبة ادّت الى خلق أزمات ثقة.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5752 المصادف: 2022-06-05 10:43:35


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5864 المصادف: الاحد 25 - 09 - 2022م