أقلام فكرية

النرجسية "عشق الذات" والأنانية والحب.. شيء من التحليل النفسي

اسعد شريف الامارة(حالة الحب تؤدي إلى النشوة النرجسية).. "ديفيد"

يقول "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي أطلقنا أسم النرجسية على انتقال اللبيدو وهو أسم يطلقه "ناكيه" على انحراف جنسي يصيب الراشد الكبير، فإذا به يَحبُ بدنه بألوان من التطلف والمداعبة لا تفرغ في العادة إلا على موضوع جنسي خارجي" فرويد، 1978، ص 460" وفي موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ترى أن النرجسية يشير فيها "فرويد" في مطلع مقالته الموسومة "في النرجسية مقدمة إلى أنه استعار المصطلح من "ناكيه أو ناكه" الذي أشار له  في العام 1899 إلى سلوك الفرد عندما يعامل جسمه بطريقة مماثلة للطريقة التي يعامل بها عادة جسم موضوع جنسي آخر، وهو يتأمله إذ ذاك يجني لذة جنسية ويظل يداعبه ويتحسسه إلى أن يحقق إشباعًا كاملًا، ويرى "فرويد" أن النرجسية إذا ما بلغت هذا الحد تصبح ذات دلالة إنحرافية، وكأن النرجسية آنذاك إنما تعني ذلك الحب الموجه إلى صورة الذات. أما "مصطفى صفوان"  يرى أن التركيب النرجسي للعلاقة بالآخر يتضمن تلك المعاني الثلاثة المتضمنه في اسطورة نرسيس "معنى العزلة ومعنى الحب ومعنى الموت" نرجس يعشق صورته ولكنه يمقتها لأنها تشبهه" وهي – إذن – ليست إياه، أو هو ليس إياها، ويضيف "عبد القادر" قوله أشار فرويد إلى النرجسية لأول مرة في العام 1910 عندما أضاف هامشًا للمقالة الأولى من كتابه ثلاث مقالات في نظرية الجنسية بشأن الموضوع الجنسي لدى المنحرفين النرجسيين، إذ أنهم "يوحدون "يتماهون" أنفسهم فيما بعد بإمرأة ويتخذون من أنفسهم موضوعًا جنسيًا فيما يمكن أن نقول إنه ينطلق من أساس نرجسي فهم يبحثون عن رجل يافع ويشبه ذواتهم ويحبونه كما كانت أمهم تحبهم هم، وهو في حالة شريبر في العام 1911، حيث يشير إلى مرحلة وسيطة في التطور اللبيدي بين الشبقية الذاتية وحب الموضوع ألا وهي النرجسية، وهو ما يعاود الإشارة إليه في كتابه الطوطم والتابو"عبد القادر، 1993، ص 792" أما "جاك لاكان" فيلسوف التحليل النفسي ومؤطر قراءات سيجموند فرويد بأطر معاصرة قوله: يكفي إعادة قراءة نص فرويد حول الرئيس شريبر قراءة غير متحيزة بتمعن وتعقل، يتم تنظيفهما من كل الأغلاط التي نسمعها الآن حول المفاهيم التحليلية، أنه نص يتمتع بامتياز مطلق، إلا أنه لا يفعل أكثر من وضعنا في طريق حل اللغز، فكل التفسير الذي يعطينا فرويد إياه حول الهذيان يصب فعلًا في رافد مفهوم النرجسية الذي لم يعمل على إيضاحه بعد، وعلى الاقل خلال الفترة التي كان يكتب فيها عن شريبر. ويضيف"لاكان" إن المحللين اليوم يتصرفون وكأن النرجسية شيء مفهوم بذاته، فتراهم يتسابقون إلى القول بأن الذات قبل أن تتجه نحو مواضيع خارجية فإنها تمر بمرحلة يتخذ فيها الشخص جسده كموضوع، ففي هذه السمة ياخذ لفظ النرجسية معناه فعلًا، لكن هل هذا يعني أن لفظ النرجسية لم يُستعمل قط إلا بهذا المعنى؟ " لاكان، 2017، ص104" وتبين لنا السيرة الذاتية للرئيس شريبر كما بينها فرويد لتأكيد هذا المفهوم.

أما "علي كمال" يرى استنادًا إلى نظرية التحليل النفسي أن النرجسية تعني أن الطاقة الجنسية" اللبيدو" بعد أن تكون قد امتدت إلى مواضيع خارجة عن ذات الفرد فإنها تسحب من هذا الموضوع من جديد إلى الفرد ذاته" كمال، 1994، ص394"

يرى "دانييل لاجاش" أن النرجسية أكتشفها فرويد وأضاف أول تعديل لنظرية الغرائز ولكن الفكرة الجديدة مؤداها أن جزءًا من الأنانية، أي من محبة الذات يماثل من حيث النوع الطاقة اللبيدية المستثمرة في الموضوعات الخارجية، فاللبيدو وهو الطاقة العامة للغرائز الجنسية، وهذه الطاقة تستثمر في الأنا وفي الغير، أو في الاشياء، وقوله"لاجاش" فكلما زاد حب المرء لذاته، قلت محبته للموضوعات والعكس بالعكس" لاجاش، 1979، ص 46"  وعودة مرة أخرى إلى سيجموند فرويد وربطه لموضوعات النرجسية "عشق الذات"، والأنانية، والحب قوله: يمكننا أن نصف بلغة نظرية اللبيدو وعددًا كبيرًا من الحالات النفسية التي تنتمي إلى الحياة العادية السوية، كالموقف النفسي في حالة الحب، وفي أثناء الأمراض العضوية، وفي حالة النوم، أما فيما يتصل بحالة النوم فقد سلمنا بانها تقوم على انسحاب الفرد من العالم الخارجي وامتثاله للرغبة في النوم، أن حالة النوم التي ينشدها الفرد في كل ليلة شبيهة بتلك العزلة الهانئة التي تتسم بها الحياة، داخل الرحم، وها نحن أو لا نرى الآن ما يؤيد هذا التشابه ويكمله من الناحية النفسية، ففي النوم تعاد الحالة الأولى لتوزيع اللبيدو، حالة النرجسية المطلقة، ويضيف"فرويد" أرى الظرف مؤاتيًا لأقدم لكم ملحوظتين: الأولى: كيف يتميز مفهوم "النرجسية" عن مفهوم " الأنانية" عندي أن النرجسية هي التكملة اللبيدية للأنانية، فإذا تكلمنا عن الانانية لم نفكر إلا فيما ينفع الفرد، أما النرجسية فتشير إلى إشباع حاجاته اللبيدية أيضًا، ومن الممكن أن نتماشى مع هذا التمييز، من الناحية العملية إلى حد بعيد، فقد يكون المرء ذا أنانية مطلقة دون أن يمنعه هذا من أن يفرغ مقادير ضخمه من طاقة اللبيدو على موضوعات معينة، وذلك بقدر ما يكون الإشباع اللبيدي من هذه الموضوعات ما يضر الأنا. وقد يكون المرء أنانيًا وعلى درجة بارزة من النرجسية في الآن نفسه، أي لا يشعر إلا بحاجة طفيفة إلى الموضوعات الجنسية ، أما من ناحية الإشباع الجنسي المباشر، أو من ناحية تلك النزعات السامية التي تشتق من الحاجة الجنسية، والتي أصطلح الناس على تسميتها "الحب" للمباينة بينها وبين "الشهوانية" المحضة، في هذه المواقف جميعًا نرى أن الأنانية هي العنصر الثابت الواضح، في حين أن النرجسية هي العنصر المتغير. ويضيف" فرويد" أيضا أما ما يقابل الأنانية وهي الغيرية فلا تعني إفراغ اللبيدو على الموضوعات، بل تتميز بأنها لا تلتمس الإشباع الجنسي في الموضوعات، لكن متى بلغت حالة الحب تمامها من الشدة والعنفوان، اصبحت الغيرية مطابقة لتركيز اللبيدو على الموضوع، ذلك ان الموضوع الجنسي يجتذب إليه في العادة جزءًا من نرجسية الأنا، ومن ثم ينشأ ما يسمى "بالاغراق في تقدير القيمة الجنسية للموضوع" فإذا أضيفت إلى هذا غيرة موجهة إلى الموضوع ومشتقة من أنانية المحب، أصبح الموضوع الجنسي على درجة بالغة من القوة والسمو: ونستطيع أن نقول عندئذ إنه امتص الأنا بكليته"فرويد، 1978، ص 462"

في جدلية الحب والكراهية" ثنائية الوجدان":

أن الحب قد يكون غطاء للكراهية، أو قد يكون ممتزجًا بقدر عظيم منها"زيور، 1986، ص344" وشاع قديمًا وجود مختلف أنواع الحب، نذكر منها حب الصداقه، الحب المركز على الغير ، حب الاعتماد الشديد "المانيا"، الحب المعقول، الحب المتمركز على الذات، الحب الرومانسي، وهذا تصنيف" جون لي" في العام 1973، وكذلك وضع لها" مازلو " ضمن هرمه الشهير وربطها بالحاجات الأساسية، أو الدنيا، ولا ندري أن كانت لها علاقة بما ذكره "جاك لاكان" بثلاثيته الشهيرة : الحاجة والرغبة والطلب، رغم أن الفلاسفة القدماء ومنهم " لوكريتوس  الروماني 98- 54 ق. م" رأى إن الرغبة الجنسية مرض، وان ما من شفاء لها سواء كان ذلك العلاقة الجنسية المخالفة "بين ذكر وانثى" أو المثلية "بين طرفين من جنس واحد " واستنتج ان الرجل الحكيم يستطيع تفادي الوقوع في الجنون كليًا" كمال، 1994، ص 391" ولا يفوتنا أن نضيف رأي" مصطفى زيور" قوله: أن الحب قد لا يعدو أن يكون حبًا للذات، نتفق مع العلامة زيور حينما عرض لدراسة الاستاذ العقاد في دراسته التحليلية للحسن بن هانئ " ابي نؤاس" والتي بين فيها أن هذا الشاعر كان نرجسيًا في عشقه، فقد تولع بحب جارية تدعى حسن، وهو اسمه فأنشد الغزل في هذا التشابه، ورأي التحليل النفسي أن العشق النرجسي حال من أحوال الطفولة، لأن الطفل لا يعشق في بادئ الأمر إلا نفسه، فإذا اتصف الرجل بهذا اللون من العشق، كان حكمه من الناحية النفسية حكم الطفل مهما تقدمت به السن" زيور، 1986، ص 345"

عُد الحب أسمى علاقة عرفها الإنسان منذ فجر التاريخ، وبنفس الوقت عرف العدوان والكراهية  وأقصد هنا حب الرجل لإمرأة في الوضع السوي- العادي، ويدون لنا التاريخ الديني في كتبه السماوية وكذلك مدونات الكهوف والمغارات ورسوم الإنسان ومنحوتاته، فبقدر ما وجدت هذه النزعه كغريزة عند الإنسان وجد نقيضها، وهي بحق ثنائية متناقضة، لا محبة إلا بعد عداوة، لا تنتهي هذه العدواة بعد الحب، بل تترسخ في عمق النفس، في اللاشعور طالما بزغت وخزنت في اللاشعور، ستعود يومًا ما ولو بشكل محور، وتشكل أزمة حتى وإن أستتب الرضا وحصل الإشباع النفسي من الرغبات التي تحكم محور العلاقة، وهي العلاقة الجنسية سواءً بعقد النكاح، أو التواجد معًا بالمساكنة" العيش معا بدون عقد زواج"، أو العلاقة خارج الاتفاقات الشرعية أو الإجتماعية، سينتهي الأمر بالكره في كل الأحوال مما ذكرناه ، ومن الحب ما كره، وفي الحقيقة هو أساس الحب الكره، وأساس الكره هو الحب، الذي لم يستطع المرء الخلاص من نسيان الشخص الذي سبب له هذا التعب في الذاكرة وملئها، لا بل رسخها ، قض مضجع راحته، لازمه في يومه، وفي ليله، وفي نومه، وفي احلامه المزعجة منها والمريحة، حتى جعله غير مرتاح لا في يومه ولا في ليله !!؟؟ وأزاء ذلك يقول العلامة" فرج احمد فرج" جدل الرجل والمرأة، جدل الزوج والزوجة، جدل الإنسان وقد تجاوز أسر النرجسية وما تؤدي إليه من علاقات اضطهادية متبادلة" فرج، 1994، ص 124. ولا نغالي في ذلك بمقاربة صورية  في "الاكتئاب النفسي" ننقلها من العلامة "زيور" حينما يرى استدماج الموضوع المحبوب المكروه معًا، بحيث يتخذ الموضوع مكانًا له بين جدران الآنا، فإن العدوان الذي يستهدف الموضوع يتجه نحو الآنا الذي أصبح هو والموضوع شيئًا واحدًا" زيور، 1986، 174".

إن الحياة مع المرأة عبارة عن هدنه، وإن الحياة مع الرجل هي أيضًا هدنة، لأن الحب هو إخفاء الكراهية وإعلان نقيضه، ويقول د. سعد صلال" الرجل والمرأة عدوان طالما هما حيان" وقوله لقد خُلق الرجل والمرأة على أساس الاختلاف أولا وليس الاتفاق ولهذا فمن المستحيل القول من الناحية الأخلاقية الساذجة أنهما يتفقان إلا في حالة واحدة هي الهدنة، والهدنة هي مرحلة قبول الآخر، وإقامة علاقة حب" صلال، 2012، ص 5".

الإنسان في تكوينه نرجسي، الرجل والمرأة، والنرجسي يحب أيضًا، يحب الحياة، فهو يحب نفسه، يعشق ذاته، ولما يعشق ذاته، لا يرى من يشبهه في الجمال، وفي الحب، وفي عشق الوجود، لذا من يَحب، يُحب نفسه أولًا، وهو يستخدم ميكانيزم الإسقاط  لاشعوريًا "لاواعيًا" على الآخر، أيًا كان الآخر، الحبيب- الحبيبة، العشيقه- ممن يشاركه في ممارسة الرغبة الجنسية، ممن يشبع رغباته في مؤانسته وتواجده معه معًا، فهو لابد أن يختلف معه ولو على المستوى الرمزي المتخيل، وليس على المستوى الواقعي، فإذا كان الرجل هو من يحب هذه المرأة، فهو يحاول أن يرضيها بأية طريقة، إن لم يكن لشيء فمن أجل أن يمارس معها الجنس، حيث لا الإحساس العميق منه باغتصابها دون رحمه، كما أن المراة لديها الإحساس ذاته من حيث الرغبة العميقة بان تتعرض هي الأخرى للاغتصاب، ومن الغباء القول أن النساء يردن الجنس بطريقة متحضرة، الجنس بالنسبة للمراة عبارة عن ممارسة اغتصاب رسمي.  لأنه" الآخر"  ليس هو نفسه، فهو منفصل عنه فكيف يمكن أن يحبه؟

يقول "هيجل" أن الرغبة ليس لها أي نتاج سوى تدمير الآخر، سوى المنافسة مع الآخر، أو في الأحرى: الرغبة في اختفاء الآخر، وعند "جاك لاكان" الرغبة تتحقق في الآخر وبوساطة الآخر، وتكون في مرحلة المرآوية، اللحظة التي يتمثل فيها الفرد صورة لذاته، أو التي يتكامل فيها أناه" نيفين زيور، 2000، ص  18" ويرى "مصطفى زيور" ان الإنسان مدفوعًا بحاجة ملحة إلى الحب والخلق والتشييد، ونجده في نفس الوقت، أحيانًا بنفس الإلحاح مشدودًا إلى الكراهية والتدمير، إنه موجب وسالب معًا، ويضيف "زيور" إن قلب الإنسان تسكنه قوتان، لكل منهما طاقة تكاد تساوي الأخرى، تتنافسان في اتجاهين متعارضين، ومع ذلك فإن هاتين القوتين قد تتداخلان الواحدة في الأخرى، أو قد تحل الواحدة محل الأخرى، بل يبدو أن التداخل سمة أساسية في حياة الإنسان تبهض كاهله، وهي التي يطلق عليها في التحليل النفسي ثنائية الوجدان "زيور، 1986، ص 175".

***

د. أسعد شريف الامارة

 

......................

المصادر

- صلال، سعد (2012) الأنانية أخلاق النبلاء، أزمنة للنشر والتوزيع، عمان.

- زيور، نيفين (2000) من النرجسية إلى مرحلة المرآة، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

- فرج أحمد فرج (1993) التحليل النفسي وألف ليلة وليلة، مجلة فصول عدد/ 4 ، أوكتوبر

https://archive.alsharekh.org/

- فرويد، سيجموند (1978) محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، ط4، ترجمة احمد عزت راجح، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

- عبد القادر وآخرون، حسين (1993) موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، دار سعاد الصباح، الكويت.

- لاجاش، دانييل (1979) المجمل في التحليل النفسي، ترجمة مصطفى زيور و عبد السلام القفاش، مطبعة عين شمس، القاهرة.

- لاكان، جاك (2017) الذهانات، ترجمة عبد الهادي الفقير، دار التنوير للطباعة والنشر، تونس، بيروت، القاهرة.

- كمال، على (1994) الجنس والنفس في الحياة ال‘نسانية ج1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت.

- زيور، مصطفى (1986) في النفس، مكتبة النهضة العربية، بيروت؟

 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5801 المصادف: 2022-07-24 03:23:39


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5864 المصادف: الاحد 25 - 09 - 2022م