 أقلام حرة

الوقت هو الحياة

حشاني زغيديأرى رزنامة مواعيدي مكدسة، تعروها فوضى خلاقة، لم أعد أحصي تواريخها، والكثير منها أعدمت آجالها، وفات وقت انجازها، وأسبح في لهوي وخيبتي، تتراوح أيامي بين مد وجزر كقارب فقد سيطرته، فتلاعبت به العواصف في بحر متلاطم .

 أصحو وأنام مغيب الرسالة والاتجاه، تسيليني عنفوان العمر وزهوه، فلا أعير للعواقب اهتماما، فكل شيء يمشي بلا مواعيد ولا حساب لقادم أو حاضر، فحياتي حرة طليقة.

حياتي يطبعها المران على التسويف والتأجيل، فلا يهمني أن يفوتني عمل مربح برمجته مادامت حياتي تسير في فلكي ومسبحي، ولا تصدمني العوارض، فأنا في حالي المستقر وفي راحتي المعهودة، أحيا كما أشاء، ألهو  وأمرح   .

و أنا على حالي المعهود مرت  في مخيلتي سحابات عاجلة غيرت صفو حياتي وغيرت طعمها، كأنه زلزال مهول هز نفسي هزات عنيفة، أصابني خوف ورعب، فتفتحت عيني على حقائق مهولة، نظرت خلفي أجع أوراق عمري، التي بعثرتها عوامل الزمن، فلم تعد صالحة، لم تعد في الخدمة، مثل مادة غذائية انتهت صلاحيتها، فلو أطعمها أصيب بتسمم غذائي، عجل حتفي .

أبصرت حولي عالمي المخفي، وأنا أرى الزهور تختطف على عجل، تركوا خلفهم الدنيا ومفاتنها ودورها وقصورها، أرى صاحب الجسم القوي غابت قوته في لحظة فلم يعد قوى على جمع أعرضه، يعجز أن يقضي حاجاته البيولوجية، أرى حولي القواصم أصبحت أبكي حالي، أبكي خيبتي، فكم من الوقت يلزمني لاستدراك ما فاتني  من مواعيدي المبرمجة  .

أحسست حينها كأن واعظا داخلي يفتح لي الأبواب المغلقة، يفتح عيني على حقيقتي المنسية، يعظني بكلمات فيها عبر، فألمم نفسي المضطربة، أداوي جروحي الغائرة، علي أستعيد عافيتي قبل فوات الأوان .

فإذا الواعظ يطيب أنفاسي بلطائف روحية تريح نفسي من الهدي النبوي ومأثور سلفنا الصالح .

في الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة " فكم نضيع   من الأوقات  يفوتنا فيها الخير الكثير، يفوتنا فيها  جني الخيرات، حياتنا بسنان جني منها محاصيل الخير، نجني منها مفاتيح السعادة الدائمة .

وعنْ جابر  قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْساً إلاَّ كانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْه لَه صدقَةً، وَلاَ يرْزؤه أَحَدٌ إلاَّ كَانَ لَهُ صَدَقَةً رواه مسلم.

كان الحسن يقول .. يا ابن آدم نهارك ضيفك فأحسن إليه فإنك إن أحسنت إليه ارتحل بحمدك وإن أسأت إليه ارتحل بذمك، وكذلك ليلتك (كتاب الزهد للحسن البصري 140)

فصدق من قال الوقت هو الحياة .

هيا يا أخي نغتنم وقتنا في الخير، فنجني آثاره خيرا نسعد به يوم نلقاه سبحانه وتعالى .

***

الأستاذ حشاني زغيدي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5710 المصادف: 2022-04-24 02:34:25


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م