 أقلام حرة

"قلة الأصل" بين نكران الجميل وغباوة الجحود

محمود محمد عليمنذ القدم وحتى اليوم والبشر قد توارث عن الأجيال السابقة الكثير من الحكم والمواعظ في التعامل منها ما يتم تداوله على أنه نوع من أنواع الأمثال الشعبية، حيث تخرج تلك الأمثال عن المواقف المعينة التي يراها الناس وتبدأ في التداول بينهم حتى يصبح مثل يضرب في نفس المواقف المشابهة، وقلة الأصل من الصفات التي لا يفضلها الناس؛ حيث يعد الشخص قليل الأصل ناكر للجميل وانه لا يدين بالفضل أبدا لأي شخص في الحياة، والأصل في المعني تعني أصل كل شيء تتعامل به من أكل و طعام وشراب وكل ما يحيط به فأصل الأثاث المنزلي الذي تجلس عليه هو الشجر وأصل العيش هو القمح وهذا هو الأصل لو أردنا تعريفه كمصطلح وعكس الأصل هو قلة الأصل والتي لا تخرج إلا من الأنسان والتي تدل على نكران الجميل بالإضافة إلى قلة الوفاء في حياة الشخص نحو الآخرين، ومنذ القدم وحتى اليوم وردت الكثير من الجمل والأمثال؛ خاصة الأمثال الشعبية عن قلة الأصل وكيف نتعامل مع الشخص قليل الأصل؟

وهنا قررت أن أكتب هذا الورقة عن "قلة الأصل" بين نكران الجميل وغباوة الجحود"، خاصة من تقابلهم في الحياة وتعطيهم من وقتك وتخلص لهم فى حياتك وتساعدهم فى حياتهم وتهتم بهم ولكن تكون النتيجة نكران الجميل والمعروف، وقد حان الوقت الآن كي أكتب في هذا الموضع، خاصة بعد أن تعرضت لأزمة شديدة خلال الأيام الماضية في العمل كشفت لي بما لا يدع مجالا للشك أن تلميذك الذي علمته "فلسفة البحث العلمي"، قد ينقلب عليك فجأة ويصبح عدوك في العمل، وكنت لا أصدقك هذه الكلمة: "عدوك ابن كارك"، لكن بدأت أصدقها، خاصة بعد أن كانت أمي رحمة الله عليها، عليها كانت تسمعني دائما وباستمرار تلك الكلمات: (عاتب الأصيل ولومه... واترك الواطى ليومه)، (قليل الاصل لا تعاتبه ولا تلومه.. لان قله الاصل طبع فيه من يومه.. أصله خسيس الطبع وندل من يومه.. لو كان فيه خير كان يبقى لأهله وقومه.. أرخص مافيه نفسه وأغلى مافيه هدومه.. الخ.

وهنا تذكرت ما قاله الأستاذ "تامر جلهوم" (في مقاله له بعنوان "هكذا يكون قليل الأصل") ؛ حيث قال ذات مره وكأنه يحكي لسان حالي: كتبت.. تلميذ وقال للقلم اكتب كما الأستاذ، كتب القلم يا ناس بكلام كتير إعجاز.. أصل الحكاية تلميذ ويا أستاذه.. التلميذ قليل الأصل واتحكم فى أستاذه.. عمل عمايل غلط... مهو أصله مش باقى.. مش عارف أن الدنيا فيها لقا وتلاقى.. كان فاكر أن القرش راح يفضل معاه باقى.. ودارت الأيام.. ومرت الأيام.. والتلميذ احتاج لأستاذه.. أستاذه لما عرف.. وقف معاه فى شدته.. شاله من أزمته.. وقال له أستاذى بقى... فتعجب الأستاذ فقال له: مش هعاتبك ولا هالومك أصلك قليل الأصل من يومك.. فكتير بنعرف ناس ونصادف ناس ونرتاح ويا ناس عن ناس ونساعد ناس ونحب ناس ونعلم ناس وفى الشدة والفرح نكون معهم.. ولكن بعد فترة نجدهم تنكروا لنا وتباعدوا عمداً عنا وأداروا لنا ظهورهم.

ليس هذا فقط بل قد يتحول التلميذ إلى أبعد من ذلك، يتحول لعدو يقطع علاقته معك أو يقول عنك أشياء ليست فيك وتخرج عليك الإشاعات رغم معروفك معه.. رغم أنك وقفت معه فى وقت تخلى عنه الجميع.. رغم أنك أعطيته من وقتك واستمعت له ولهمومه بعد كل هذا لا يعبء بك ولا يهتم ويتركك.. وقد يتعمد بأن يسبب لك المشاكل.

وهناك صديق حبيب سألته يوماً: لماذا يحدث هذا معي؟... فأجابني قائلا لأنك نبت نبتا في غير موضعه، فكل معونا بما ينضحوا، وقليل الأصل ناكر للجميل والمعروف.. فطب خاطرا ولا تحزن لأن تلاميذك الذين قطعوا علاقتهم بك وابتعدوا بعدما أخذا ما يريدونه منك أصبحت الصورة واضحة لك حتى تتعرف على طبائعهم الحقيقية هذا فضل كبير وهذا كله يصب فى مصلحتك ومعروفك لم يذهب هباءً أو لم تستفد منه شيئا.. لماذا؟ لأن العلاقة انقطعت وأنت في بداية الطريق ولم تتداخل معه ولأنك صاحب فضل ومعروف كشف الله لك هؤلاء التلاميذ في بداية الطريق حتى لا تخسر أكثر مما خسرت، وحتى لا ترتبط معه أكثر بطريقة لا تستطيع الفكاك منه أبداً هذا ما فعله جميلك، ومعروفك أنقذك من أمر لو استمر كانت النتيجة ستكون أكبر مما عليه. )... ولهذا أقول لك: اتق شر من أحسنت إليه، لأن من تُحسن إليه كانت يداك عليا عليه، فإذا ما أخذ حظاً من الحياة، تجده جالسا أمام الناس نافشا ريشه، وعندما تدخل عليه فيحب ألا يراك، وربما يصنع لك المكائد كي يتخلص منك، لأن الوحيد الذي تدوس علي كبرياءه.

وثمة نقطة أخري جديرة بالإشارة أود أن أعرض لها هنا فيما يخص نحت مصطلح " قلة الأصل"، ففي معاجم اللغة "قليل الأصل" أن الأصل في المعني تعني أصل كل شيء تتعامل به من أكل وطعام وشراب وكل ما يحيط به فأصل الأثاث المنزلي الذي تجلس عليه هو الشجر وأصل العيش هو القمح وهذا هو الأصل لو أردنا تعريفه كمصطلح وعكس الأصل هو قلة الأصل والتي لا تخرج إلا من الأنسان والتي تدل على نكران الجميل بالإضافة إلى قلة الوفاء في حياة الشخص نحو الآخرين، ولذلك يقال دائما الشخص الذي لا يقدر الجميل وينكر المعروف، فهو شخص غير أمين، ولا يمكن اعتباره صديق أو حبيب، ولا يستحق المعروف أو أن تفعل له شئ جيد لأنه لن يعترف به، فقد جاء خلال البحث عن حكم وأقوال عن قلة الأصل، أمثال عن قليل الأصل أن الشخص الذي يتسم بقلة الأصل، هو ناكر للجميل، لا يقدر المعروف، لا يستحق أن يقدم له أحد شيء، فهو غير أمين، وليس له ضمير، ولا يمكن الاعتماد عليه في شيء، فهو ليس فيه خير، ويحمل لنا الضرر، وليس فيه أي نفع أو فائدة، فيجب تجنب التعامل معه، والحكمة من تجنب قليل الأصل، هي تجنب أذاه وشره.

وتختلف الامثال الشعبية من مجتمع الي اخر تبعاً للحياة التي يقطن فيها سكانها لذا فإن طريقة التعبير عن المواقف التي يمر بها الانسان تختلف من شخص الي اخر.. وقد تناولت الامثال الشعبية العديد من المواقف التي يمكن أن تستعين بها في حياتك، ومن أهم تلك الامثال التي قيلت هي الامثال التي تحدثت عن قلة الاصل وهو ما يعرف بالخسة والنداله من قبل بعض الاشخاص المقربين والذين يتركون الاخرين في اشد المواقف احتياجاً لهم أو ينكرون فضل الغير ويمقتونه .

وهناك أمثال مصرية عن قليل الأصل نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: قليل الاصل لا تعاتبه ولا تلومه ده زي البقعة لا يطلع برابسو ولا باومو، اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي، عتاب الندل اجتنابه، اللي تحسبه موسي يطلع فرعون، عشمتني بالحلق خرمت انا وداني لاوداني خفت ولا الحلق جاني، يالي خليت الغالي وتبعت الرخيص يغلي عليك الغالي وتبقي رخيص، الله يخليكي ياشدة ياللي تبيني ده من ده، يموت الزمار واصباعه بيعلب، اسمع كلامك اصدقك اشوف امورك استعجب، عاتب الأصيل ولومه... واترك الواطى ليومه... الخ.

وهنا بدأت أتيقن وأقول لنفسي: لا تعاتب قليل الأصل ولا تتكلم معه وأتركه.. قلة الأصل ليس طبع سيئ من إنسان شب عليه فشاب عليه.. قلة الأصل أساسها التربية وهي تظهر جليا في كل من تتعامل معهم.. ممكن تكون بخيلا أو عصبيا فهذه طباع قد ولدت بها وتحتاج لمجهود لتغييرها وهذه من الممكن أن أعذرك عليها وأسامحك عليها.. لكن قلة الأصل مستحيل أن أسامحك فيها.. قلة الأصل تظهر جليا حيت أًحسن إليك فتسيئ إلي.. لما آمن جانبك فتخونني.. قلة الأصل تظهر عندما أصدقك فتكذب علي.. قلة الأصل تظهر لما أصحابك يتكلمون من وراء ظهرك.. قلة الأصل تظهر عندما أحبك وترد لي هذا الحب بالكراهية والمقت.. قلة الأصل تظهر عندما تكون أمامي بوجه ومن خلفي بمائة وجه.. فتصدقني يا بني هذا ليس طبع فيك لأن هذا قلة الأصل فيك.. قلة الأصل تظهر عندما أحسن إليك وترد لي بالإساءة.. قلة الأصل تظهر حين أئتمنك فتخونني.. قلة الأصل تظهر عندما أصاحبك تتكلم عني من وراء ظهري.. قلة الأصل تظهر عندما توعد وتكون كل وعودك مزيفة.. فصدقني قلة الأصل ليس عيبك فيك.. ولكن لأن أبيك وأمك لا يعرفان كيف.. ولله در القائل: ولقد دعتني للخلاف عشيرتي.. فعددت قولهم من الإضلال إني امرؤٌ فيَّ الوفاء سجيـة.. وفعال كل مهذب مفضال.. أما اللئيم فإنه لا يزيده الإحسان والمعروف إلا تمردًا: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته.. وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا.

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5724 المصادف: 2022-05-08 02:23:17


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5774 المصادف: الاثنين 27 - 06 - 2022م