أقلام حرة

السلام أولاً

أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا في الليل والناس نيام

أنه أول ما قاله النبي لأهل يثرب بعد وصوله إليها مهاجراً، أنه هنا صل الله عليه وعلىٰ آلهِ وسلم  يختصر الأسلام والأيمان في بضعة كلمات بعيداً عن التفسير الذي يحتمل الخطأ والصواب والتأويل الذي ليس من أختصاص الا من اختصهم الله بتأويله، والباطن الذي لن يسألنا عنه، لذلك فأنه عليه السلام قد أشار بوضوح تام إلىٰ (الظاهر) مما يقع علىٰ مسؤولية الفرد تجاه المجتمع ومسؤوليته أمام الله تعالىٰ... (تدخلون الجنة بسلام)

*

نتيجة مؤكدة وقاطعة قد قررها ص عن الله تعالىٰ لِمن يُفشي السلام ويُطعم الطعام ويُصلي في الليل والناس نيام،أنها نتيجة صادمة في الواقع، لمن يقرأ هذه العبارات بشكل عابر دون دراستها وتشريحها، لأنه سيجد أن هناك عدم تناسب بين سهولة  مامطلوب منه في الواقع وبين النتيجة الهائلة التي سيحصل عليها وهي أن يدخل الجنة (بسلام)  علىٰ أن هذه ال(بسلام) ضع تحتها أكثر من خط،  حيث أنه عليه السلام يعدك بأن تدخل الجنة بأيسر الطرق أي بمعنىٰ انك ربما لن تمر بمراحل فيها من التعب والنَصَب والحساب الشديد وصولاً الى الجنة،لذلك لاحظ كم أن الفارق كبير بين مامطلوب منك وما ستحصل عليه،طبعاً هذا اذا فهمنا المطلب من قول النبي  ص دون النظر الىٰ مايحمله هذا القول من أبعاد غاية في العمق والتأثير والأهمية بحيث انك ستكتشف تماماً أن ماستحصل عليه متناسب تماماً مع ماستقدمه وفق هذا القول لرسول الله صل الله عليه وعلى آله وسلم

أولاً .. أفشوا السلام بينكم

أن كثير من الناس بل ربما أن من الشائع بين الناس هو أن المطلوب هو أن يُسلم بعضنا علىٰ بعض بتحية الاسلام، بأن تقول (السلام عليكم) ويُرَد عليك بأحسن منها (عليكم السلام ورحمة الله)  نعم إنه العنوان العام الذي يستبطن سلوكاً عاماً يتعلق بأسقاط هذا الشعار علىٰ الواقع، لاحظ دقة المفردة التي استخدمها رسول الله ص

(أفشوا السلام)

والأفشاء هنا بمعنىٰ أن يكون السلام سائداً ، فهو لم يقل أن تجعلوا كلمة السلام سائدةً وانما أن تجعلوا السلام (كقيمة) انسانية سائداً،اذن نحن هنا أمام مسؤولية كبيرة تتعلق بأفشاء القيم التي تدعوا إلى السلام ولسنا أمام كلمة بسيطة يقولها بعضنا لبعض عندما نتقابل في الطريق، علىٰ أن هذه المسؤولية التي يدعونا النبي لتحملها، ليست مسؤولية بسيطة لأنها تتعلق بالعوامل الذاتية المرتبطة بأهواء

النفس التي تحب الغَلَبة والصدارة والتفوق والمال والسلطة وما إلى ذلك مما يمنع الإنسان من ضبط التوازن بين هوى النفس وما يطلبه منه رسول الله من إفشاء السلام لأن إفشاء السلام وفق هذا الفهم يتطلب من الإنسان القدرة علىٰ الرضا بما هو حق له أو دون ذلك، بمعنىٰ أن يكون قادراً على أن (التخلي) عن مالديه او عن جزء منه إذا تطلب الأمر، بما يعزز فكرة السلام،  وأن لايكون في موقع من يخاف الناس منه الأذىٰ أو الضرر،بمعنىٰ أن لايستقوي علىٰ الآخرين بسلطة أو مال أو قوة اجتماعية  وغير ذلك من احتمالات مايقوم به الإنسان من سلوكيات لارضاء نفسه الامارة بالسوء، بما يؤثر على جو (السِلم) المجتمعي اذن النبي ص يدعوا الىٰ مجتمع آمن في قوله أفشوا السلام بينكم،، علىٰ أن هذه ال (بينكم ) تشير إلى المسؤولية الجماعية في تحقيق هذا الهدف فضلاً عن المسؤولية الفردية وكلٌ بحسبه،اذن فأن القول الأول هو الوصول إلى مجتمع آمن يشارك الجميع في تحقيقه من خلال إشاعة قيم

السلام، فأن كنت ممن يقوم بما عليه فإنك ستكون مصداقاً لهذا الشرط الأول، بصرف النظر عن تحققه أو عدم تحققه، وأن لم تقم بما عليك وفق هذا الوصف النبوي فإنك قد خسرت هذه الفرصة وربما أكثر من ذلك بان تكون سبباً لعدم تحقق هذا السلام المطلوب، عند ذلك فإن (عليك ماعليك)

(أطعموا الطعام)

ما المقصود من أطعموا الطعام؟. 

توقفت كثيراً أمام هذه العبارة  فهي علىٰ بساطتها فأنها تحتمل مطلباً شديد العمق،لأن النبي صل الله عليه وعلى آله وسلم لايمكن أن يكون ممن يمارس الترف أو العبث بالكلمات وحاشاه من ذلك، لأن قضية اطعام الطعام بالمفهوم البسيط لايمكن أن تكون له نتائج تتعلق بدخول الجنه (بسلام)  !!

الا إن كان الأمر يترتب عليه نتائج تتناسب مع ما وعد به رسول الله. ص، فاطعام الطعام ربما يكون مُتاحاً أو أنه قد يصدر من (مُشرك)

وهذا يحدث كثيرا في الواقع وأنت تعرف أن الله تعالى لايغفر أن يُشرَك به، ويغفر مادون ذلك !! فكيف سيكون ممكنا لمشرك لن يغفر الله له أن يدخل الجنةبسلام  فقط لأنه اطعم الطعام !؟، اذن نحن هنا أمام مفهوم عميق أبعد من قصة الاطعام، وعليه فإن المطلب هو  ورغم أن الاطعام بذاته مطلب انساني فأنه عنوان ليس أكثر ..

أولاً .. هل أن وجود فقراء هو غاية في (الحكمة الالهية) أم أنه واقع اجتماعي في (العلم الإلهي)؟

طبعاً لايمكن أن يكون الفقر غاية، قال لي أحدهم بأنه لابد من الفقر لأننا إن لم يكن هناك فقراء فلمن سنعطي الصدقات .. !!!!!!!!!؟

لاحظ المشكلة في فهم مقاصد الشريعة، بالمناسبة هذا الرجل هو طالب علوم دينية.. عوداً علىٰ بدأ فأن أعتبار الاطعام بذاته هو المطلوب من قول النبي. ص انما يجعل الأمر في غاية السطحية رغم أن الاطعام بذاته مطلب انساني كما ذكرت سلفاً، اذن مالمقصود الحقيقي المنطقي من هذه العبارة،، لكي تجعلك تستحق الدخول الى الجنة بسلام؟

الاطعام يعني (العداله)

لاحظ .. قول رسول الله. ص: (ماجاع فقير الا بما مُتع به غني)

(أن للفقراء حق في أموال الأغنياء) اذن فأن (ماجاع) تعني بالضرورة أن الفقر ليس مطلباً أوغاية،وانما هي نتيجة حتميةللسلوك البشري في الهيمنة والاستحواذ وإيثار النفس على الغير وعدم توخي المشروعية في الحصول على الأموال، ممايؤدي بالنتيجة إلى حصول الفارق في توزيع الثروة والتي بدورها ستؤدي حتماً إلى الطبقيه الاجتماعيه وبعد ذلك الاستئثار بالسلطة والحكم،، التي ستكون في الغالب من حصة هذه الطبقة الاجتماعيةالتي استحوذت علىٰ الأموال دون وجه حق غالباً  وعليه فإن من يقبل أن يستحوذ على المال دون وجه حق لايمكن أن يكون حاكماً عادلاً،، وهذه نتيجة منطقية متعلقة بمقدماتها،اذن الاطعام هنا هو تحقيق (العداله) في هدفها الاسمىٰ وصولاً إلى انعدام (الفقر) في المجتمع،وعليه فإن المطلوب هو أن تكون على مستوىٰ ماهو مطلوب منك من عدم الهيمنة والاستحواذ علىٰ ماهو ليس لك  بعد ذلك فإن تَحقَق مجتمع العدل أو لم يتحقق فإنك قد فعلت ماعليك وهذا هو حد التكليف الفردي

(الصلاة في الليل والناس نيام)

أولاً .. لقد جعل النبي الصلاة كآخر شروط دخولك الجنة بسلام، لا من حيث فضلها بذاتها وانما من حيث الأولوية فقدجعل دورك في خلق مجتمع آمن هو اولوية اولىٰ ومن ثم دورك في السعي الىٰ تحقيق العدالة كأولوية ثانية من ثم وبعد أن تكون على مستوى ماتقدم من دور إيجابي في الاولى والثانية،، فإنك ستكون بحاجه الىٰ أن تذكر الله والناس نيام (غافلين) لأن النوم من طبيعة الخلق ولكنه هنا نوم غفلة عن ماوعد الله تعالى الذاكرين، على أن الأمر مترابط وراجح الحصول في جوهره فأن من يسعىٰ إلى الخير في الاولى والثانيه فأنه اقرب أن يكون قريباً إلى ذكر الله في الثالثة ومن لايفعل فأنه اقرب مايكون إلى الغفلة عن ذكر الله، أنه وصف للمجتمع المؤمن بعبارة جامعة تتجاوز الفلسفة والفقه والمذاهب والمشارب الفكرية ..

***

فاضل الجاروش

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5846 المصادف: 2022-09-07 01:57:37


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م