عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

لا غرو ان النبوة تتجلى في الأفق العرفان لكل ذي بصيرة كمصدر فياض لا ينضب، ومعين رباني لا يحده شباك زمان ولا حائط مكان، حتى لكأنها مزن سلسبيلِ حوض النبوة التي يهطل منها مطر التوحيد صافيا رقراقا، فيروي القلوب العطشى، ويغمر الأرواح اليابسة بفيض من أنوار المعرفة الإلهية.

وهذا المطر القدسي هو حقيقة مطر المحبة الذي امتلأ به قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، هو نور لا ينحبس في ذاته الشريفة، فهو الكريم بن الكريم بل كان فيضا ممتدا، وسرا متعديا، سال من قلبه الكريم إلى قلوب أصحابه، ثم إلى قلوب العارفين من بعدهم، فتحولت تلك القلوب إلى أحواض وأنهار جارية، تفيض بالهداية، وتسقي من يردها من طلاب الحقيقة، فيرتوون من معينها الصافي الذي لا يكدره شك ولا يحجبه غبش.

وليست هذه السقاية الروحية ارتواء عابرا يزول أثره بانتهاء لحظته، بل هي تحوّل جوهري عميق، ينقل الإنسان من ظلمة الحس إلى نور المعنى، ومن ضيق الظاهر إلى سعة الباطن. إنها سقاية تثمر الأفهام، وتولد المعارف، وتفتح أبواب فيوضات العوارف، تلك الفيوضات التي لا تنال بكثرة النظر وحده، ولا تدرك بحدود العبارة، وإنما تذاق بالذوق الصوفي الذي هو روح العلم ولبه.

وفي مدارج هذا السير، يترقى العارفون في مقامات العرفان، درجة بعد درجة، حتى يتطهّر باطنهم من شوائب الغفلة، ويتجلى فيهم نور الحضور. ومع هذا التجلي، يبلغ السالك حالة من الاستواء الروحي، حيث تتوازن قوى الروح والجسد، ويتناغم الظاهر والباطن، ويستقيم القلب على سواء الطريق. وفي هذا الاستواء يتحقق مقام الإحسان الذي به يؤتي الله الحكمة من يشاء، فيغدو القلب مرآة صافية تعكس أنوار الحق بلا تشويه ولا انحراف.

غير أن هذا الاستواء ليس غاية تطلب لذاتها، بل هو ثمرة مباركة لرحلة صادقة في طلب الله، كما تطيب الثمرة حين يكتمل نضجها، فتطيب معها الشجرة كلها، ويعم خيرها من حولها. فالسالك إذا نضجت روحه، طابت حياته، واستقامت جوارحه، وأثمرت أفعاله حكمة ورحمة إحسانا.

والمقصود الأعظم من هذا الفيض النبوي هو الفلاح، ذلك النداء الذي يتردد في أذان الصلاة بقول المؤذن:حي على الفلاح.

وليس هذا النداء مجرد دعوةٍ جسدية لأداء حركة ظاهرة، بل هو نداء موجه إلى القلب قبل الجسد، دعوة إلى أن يتوجه القلب بإنائه نحو حوض النبوة، ليتلقى منه سقاية الحياة. فإذا استجاب القلب لهذا النداء، أزهرت فيه بذور الفطرة، وتفتحت أوراقه التي طالما حجبت عين الروح عن رؤية أصلها الإلهي.

وحين يوجه الإناء أي القلب إلى الحضرة الإلهية بصدق وإخلاص، يهطل ماء المحبة هطولا من مزن حوض النبوة، فيكون كالرحيق المختوم، طاهرا مطهرا، يبرئ ما اعتراه من عاهات الغفلة، ويشفي ما أصاب الروح من كمه أو برص معنوي، ويحيي القلب حياة جديدة بعد موات.

وكما أن رحيق العطور الخالصة يذهب بالروائح الكريهة ويبدد آثارها، كذلك فإن من يتعرض لرحيق النبوة المختوم، ويوجه قلبه إلى قنوات الشرائع، ويرتاد رياض الجنة في حلق العلم، ويتلو كتاب الله بتدبر وخشوع، ينال الظفر والمنى بتفتّح زهرة قلبه، فتفوح منها روائح الطمأنينة، وتشرق منها أنوار اليقين.

وهذا التفتح ليس مجرد إدراك عقلي نظري، ولا هو حصيلة استدلال منطقي محدود، بل هو فتح بصيرةٍ، ونور شهود، كما فتح الله بصائر العارفين فتحا مبينا، فشهدوا ببؤبؤ أرواحهم، وقرة أعينهم، أن لا محبوب على الحقيقة إلا الله، ولا مقصود في الوجود سواه.

عندئذ لا يزيغ بصر الروح ولا يطغى، بل يستقر على جادة الحقيقة، ويشهد الجمال الإلهي ساريا في كل شيء، في الكون والإنسان، في الظاهر والباطن، في الحركة والسكون. فيرى السالك بنور البصيرة ما لا تدركه الأبصار، ويذوق من معاني القرب ما تعجز العبارة عن وصفه، فتغدو حياته كلها مسيرة في أنوار النبوة، وارتواء دائما من مزن حوضها المبارك.

***

د. محمد غاني - كاتب المغرب

يُقال أن الرئيس جمال عبد الناصر أثناء زيارته للصين، سأل الرئيس ماو النصيحة، فحملق بوجهه مندهشا وهو يقول: أنا الذي يجب أن يأخذ منكم النصيحة، ومعنى كلامه أنكم لا تتعلمون من ماضيكم الثري وتتغافلون عن كنوز مسيرتكم الحضارية عبر العصور.

والواقع أن ما تبقى من التراث المدون وشواهد العمران، فيها كل شاردة وواردة عن الحكم وأساليبه وتحدياته، والعلاقة بين الشعب وقادته.

وهناك خزين معرفي ناضح من تجارب حقيقية ذات دروس وافية، ونظريات وقوانين سلوكية فائقة النجاح والتأثير والتعبير عن إرادة الكينونة المثلى.

فهل وجدتم قائدا في مجتمعاتنا ينهل من التأريخ دروس نجاح؟

أكثرهم إن لم نقل جميعهم يعيشون أمية تأريخية مروعة، ولهذا تكون تفاعلاتهم كما الطفل الذي يحاول إكتشاف محيطه، ويضع في فمه الجمرة ويحسبها تمرة.

مجتمعاتنا تدور في دائرة مفرغة من التجارب المتكررة، دون الإعتبار من تجارب سبقتها، فلاحقنا يقتلع سابقنا، والجالس على الكرسي السلطوي إمام وعنده فصل المقال، والجميع بهللون له ويمجدونه، ويوهمونه بأنه مؤزر من الرب العظيم، فهو الذي إختاره ليكون متسلطا على رقاب الحائرين.

فكل قرارته ورؤاه تعبيرات عن إرادة ربانية، ولسان حاله يقول : "أنا غضب الرب المسلط على الفاسدين" وهو إمام الفساد والسوء المبين.

توالتْ في مَرابعنا الخَطايا

ومِنْ وَجعٍ تآكلتِ البَرايا

فلاحِقُها لسابقها تَولّى

بإمْحاقٍ وتَعزيزِ المَنايا

فما عَرَفتْ بصائرُنا خُطانا

تؤازرُها طوابيرُ الرَزايا

بإيلامٍ وموجعَةٍ هُدانا

وعينُ الحَقِ لا تدري السَجايا

***

د. صادق السامرائي

 

يقول أحد الأدباء (الذئب مجموعة من الخراف). وتفيد (مفارقة كومة الرمل) أنه يتعذر تحديد الحد الفاصل بين ما هو كومة وما ليس كومة، لأن الحالات تختلط في الأشياء المتدرجة من الحالة إلى ضدها. وهذه الحقيقة تكون حاضرة في الحالات الواقعية والحياتية مثل (الصلاح والفساد) الذي هو موضوعنا، وفي غيرها؛ حيث الواقع كائن خالط يخلط المختلفات والأضداد والمتناقضات ببعضها.

في الواقع السياسي والاجتماعي المعقد، يسود انطباع عام ساذج، أن الفساد العام هو جريمة فئة محددة منبوذة من "الفاسدين"؛ وأنهم عادةً وكما يتوهم المتوهم، نخب سياسية، ومسؤولون حكوميون، ورجال أعمال متنفذون، فقط، يستولون على المال العام أو الخاص بطرق غير مشروعة.

وهذا التوصيف يغفل حقيقة عميقة وخطيرة، وهي أن نشوء الفساد واستمراره واستفحاله، لا يعتمد فقط على الفاسدين، بل يعتمد بشكل كبير على دور الصالحين أو غير الفاسدين.

إن مشاركة المواطنين العاديين، والموظفين، ومنتسبي المؤسسات والنخب المثقفة، وحتى المعارضين السلبيين، في صناعة بيئة فاسدة أو حاضنة للفساد، قد تكون أكبر وأسوأ من فعل الفاسد المفسد نفسه. فالفساد ليس مجرد سرقة للمال مثلا، بل هو انهيار للنظام القيمي والوظيفي للدولة، وهذا الانهيار نتيجة شراكة واسعة من عناصر المجتمع بأكمله، سواء جهلا أو عمدا، وبحسن نية أو سوء نية، وبشكل مباشر أو غير مباشر.

ولفهم عمق هذه المشاركة، يجب أولاً تفكيك مفهوم "الصالح أو غير الفاسد". في السياق الواقعي، حيث يُعرّف غير الفاسد غالباً بأنه الشخص الذي لم يسرق مالاً عاماً بشكل مباشر، أو لم يتلقَ رشوة. أو لم يرتكب أمثال هذه الأفعال. لكن هذا التعريف خاطئ ومخادع. حيث يؤكد الواقع أن الفساد، وخاصة الفساد العام المؤثر، ليس جريمة فردية محدودة، بل هو نظام حياتي ومعاشيً وثقافة سائدة. وفي هذا النظام، يصير عدم الفساد استثناءً مكلفاً ومرهقا ومؤذيا، يحرم الإنسان من أبسط حقوقه، بينما يصير الرضى بالفساد ضرورة معاشية وحياتية.

عندما يقبل الموظف البسيط بإنجاز معاملة مواطن مقابل رشوة صغيرة لتغطية نقص في راتبه، مثلا، أو عندما يغش التاجر في البضاعة، فهو لا يرى نفسه فاسداً، بل يرى نفسه ضحية واقع ظالم يضطره لهذا التصرف المقبول اجتماعياً. لكنه في الحقيقة يشارك في صناعة وترسيخ فساد عام. هذا التطبيع اليومي للفساد الصغير يجعل الفسادات الصغيرة تتراكم وتصنع الفساد الكبير العام الشامل. فالسلطوي الذي يسرق ملايين الدولارات مثلا، يجد غطاءً أخلاقياً واجتماعياً في مجتمع اعتاد أن السرقة الصغيرة مقبولة كـ "ذكاء" أو "حل مشكلة" أو سبيل معيشة.

ورغم أن الأصل أن النخب المثقفة، والإعلاميين، والأكاديميين، ورجال الدين، ومن يُفترض أنهم ضمير الأمة، هم الأكثر خطورة في هذه المعادلة. ففي الواقع، نلاحظ ظاهرة غريبة تتمثل في التطبيع الإعلامي للفساد. بدلاً من كشف الآليات وتفكيك الشبكات، تتحول النشلطات الجماعية والنقاشات الإعلامية أحياناً إلى صراعات ومنافسات وسجالات فئوية أو حزبية سيئة. وهذا الانحياز يحول الفساد من قضية حياتية ووجودية، تهدد كيان الحياة والمجتمع، إلى أداة صراع سياسي أو اجتماعي. وعندما يشارك المثقف أو الإعلامي أو الناشط في أي مجال، في هذه اللعبة السيئة، فهو يرسل رسالة واضحة للرأي العام مفاده أن الفساد مسموح به طالما أنه يخدم هويتك أو حزبك. هذا الموقف يدمر المعيار الأخلاقي الجامع (الحق والخير والجمال)، ويستبدله بمعيار أناني وانتهازي سيء. والنتيجة هي فقدان الثقة في إمكانية الإصلاح، والخضوع للواقع السيء، وشيوع اليأس المخدَّر والسخرية السوداء اليائسة.

الفرد البسيط ضحية وشريك، وتلعب الحاجة المعاشية واليأس من عدالة السلطة دوراً فعالاً في جعل هذا الفرد شريكاً في الفساد الخاص والعام. عندما تتراجع خدمات الدولة (الكهرباء، الماء، الصحة، التعليم)، يلجأ المواطن إلى البدائل الخاصة أو إلى الوساطات. هنا، يتحول المواطن من مطالب بحقه إلى باحث عن طريقة أو "واسطة" لتجاوز تعقيدات الواقع والإجراءات والبيروقراطية الفاسدة أصلاً.

كل مرة يستخدم فيها المواطن طريقة خاطئة للحصول على وظيفة، أو إنجاز معاملة إدارية، أو علاج في مستشفى حكومي، فهو يشارك في صناعة الفساد ويرسخ الواقع الفاسد؛ ولسان حاله يقول: أنا لا أثق بالسلطة وإجراءاتها وبالكفاءة وجدوى الكفاءة، بل أثق بالعلاقات الشخصية والشطارة والنفاق والتملق للأقوياء.    

من منظور المشروع الإصلاحي الذي غايته الأساسية المفترضة هي إقامة دولة عادلة، فإن مشاركة غير الفاسدين في الفساد يؤدي إلى تدمير الأسس الوجودية للدولة (المفترضة) والمجتمع. وعندما يشارك غير الفاسدين في الفساد، عن طريق السكوت أو التطبيع أو النفاق أو التملق أو العلاقات المشبوهة أو السلوكات الخاطئة، من أجل الحصول على مكاسب أو حقوق، فإنهم يحولون الدولة أو المجتمع من ميدان تعاون على الحق والخير والجمال، وتنافس شريف على أساس الكفاءة، إلى ميدانِ تَغالبٍ وتَناهشٍ وصراع وحشي وخبيث ومتخلف على مكاسب معاشية رخيصة أو وهمية.

وهكذا يضيع الحق كمعيار أعلى، ويضيع الخير في الفعل العام. ويتحول المجتمع إلى مجموعة من الكائنات الفاشلة البائسة المنعزلة، التي تتصارع وتتناهش من أجل البقاء، بدلاً من كونه جسداً واحداً يعمل لتحقيق غاية كبرى مشتركة خيرة وشريفة.

لذلك ينبغي على (الإنسان الصالح)! الذي ينتقد الفساد السياسي والإجتماعي وغيره، أن يراجع نفسه ويستنكر مشاركته في صناعة هذا الفساد العام، ويعرف أن مشاركته في صناعة الفساد ربما يكون أكبر أو أسوأ من فساد الفاسدين.

إن اعتبار مشاركة الصالحين أو غير الفاسدين أسوأ وأخبث من مشاركة الفاسدين في صنع وترسيخ الفساد العام الشامل، لا يعني تبرئة الفاسدين الكبار أو تهوين شرهم وجرمهم؛ بل يعني الإشارة إلى أن الفساد ربما يكون نظاما واقعيا واجتماعيا متكاملا، الفاسد الكبير هو الرأس، وغير الفاسدين هم الجسد الذي يحمل هذا الرأس ويسمح له بالتحرك. ويصنع له التقبل والرضى والدوام؛ والقبول الواقعي والإحترام الإجتماعي؛ وأن المشاركة اليومية في مظاهر وآليات الفساد الصغير؛ والسكوت والتملص من المسؤولية، كلها مظاهر سيئة وخبيثة تجعل الفساد يترسخ ويدوم، ويصير حتى محترما ومحميا. والفاسد الذي يمتلك سلطة ونفوذا وتأثيرا، يكون (مفسدا) وليس فاسدا فقط، ومن الخطأ تسميته فاسدا، والمفسد أسوأ وأكثر ضررا من الفاسد.

***

جميل شيخو

10 / 4 / 2026

 

لبنان ليس جغرافيا تقصف، بل ذاكرة تنتهك فأصبح الألم لغتها اليومية التي لا تحتاج إلى ترجمة. في هذا الركن من العالم، حيث تختلط رائحة الياسمين برائحة البارود، لا يعود السؤال: لماذا يحدث هذا؟ بل: كيف تبقى الحياة ممكنة في أرض تعاد صياغتها كل يوم بلغة الألم؟

لبنان لا ينزف وحده.. بل ينزف معه السؤال الأكبر: كيف يمكن للعالم أن يحتمل نفسه، وهو يرى هذا كله، ولا يتغير؟

لبنان الجريحة لا تموت، لأنها تعلمت منذ فجرها أن تكون أكثر من مجرد جسد. هي فكرة عن الصمود، عن القدرة على تحويل الوجع إلى معنى، والدمع إلى نشيد. هناك، حيث تنهار البيوت، تبنى في الخفاء طبقات أخرى من الوجود: طبقات من الحنين، من التحدي، من الإصرار على أن الإنسان ليس ما يفرض عليه، بل ما يختار أن يكونه رغم كل شيء.

في لبنان، لا تولد الأغنية من الفرح، بل من شقوق الألم.تخرج من بين الركام كأنها احتجاج ناعم، أو كأنها تمرد خفي على قانون الفناء. وفي قلب هذا الركام، يرتفع صوت فيروز لا كغناء عابر، بل كفعل مقاومة.

هناك، حيث تتشقق الجدران، يتردد صوتها: "بحبك يا لبنان"، لا كجملة عاطفية، بل كفعل مقاومة ضد الكراهية التي تحاصر المعنى. صوتها ليس نغما، بل ذاكرة تقاوم النسيان، ونداء خفي يقول: "نحن هنا.. رغم كل ما يحاول اقتلاعنا."

حين تغني، لا تهرب من الواقع، بل تعيد صياغته. تجعل من الحزن لغة قابلة للاحتمال، ومن الانتظار شكلا من أشكال الرجاء. كأن صوتها يرمم ما تعجز السياسة عن ترميمه، ويعيد للإنسان كرامته حين تسلبه الحروب اسمه ووجهه وتاريخه.

نعم صوتها يكاد يشبه الرجاء: "سنرجع يوما إلى حينا"، لا كحنين إلى مكان، بل كإيمان بأن ما يهدم في الواقع، يمكن أن يعاد بناؤه في الروح، حتى يتهيأ للعودة.

هكذا، لا تغني فيروز للبنان…بل تجعل من لبنان فكرة لا تموت، ومن الألم لغة لا تقود إلى الصمت، ومن الإنسان كائنا، حتى في أقصى انكساراته، قادرا على أن يقول:

ما زال في القلب… متسع للحياة.

إيها الأصدقاء.:

إن المقاومة ليست دائما بندقية…

أحيانا تكون أغنية،

وربما نصا كهذا

وأحيانا تكون ذاكرة ترفض أن تمحى،

وأحيانا تكون قلبا، فقط، يصر على أن يحب

المقاومة قد تكون دمعة لا تنحني، أو ضحكة تولد وسط الرماد، أو قلبا يواصل النبض لا لأنه لا يعرف الألم، بل لأنه اختار ألا يستسلم له.

لبنان اليوم ليس وحده، فكل قلب ما زال يؤمن بأن الإنسان يستحق الحياة، هو امتداد له. كل دمعة تذرف لأجله، هي شهادة بأن الألم لم ينجح في أن يجعلنا أقل إنسانية.

إلى لبنان…

نقول: لسنا شهودا على جرحك، بل شركاء في وجعه. قلوبنا معكم، لا كتعاطف عابر، بل كالتزام أخلاقي بأن نظل أوفياء لفكرة الإنسان، حتى في أكثر لحظاته انكسارا.

وفي ختام هذا الألم المفتوح على كل الاحتمالات، لا أجد ما أقوله يليق بحجم الجرح… إلا أن أترك القلب يتكلم، لا كتعزية، بل كشهادة على أننا مازلنا ننتمي إلى إنسانيتنا، ونهمس، بكل ما تبقى فينا من حب لا تهزمه الحروب:

من قلبي… سلام لبيروت.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

عندما يُثار الحديث عن الأمن الطاقي بالمغرب، لا يحضر فقط سؤال التزود بالطاقة في حياة المواطن اليومية، بل تنبثق معه، على نحو أعمق، إشكالية سيادية تتعلق بقدرة الدولة على ضمان إمدادات مستقرة، مستدامة، وميسورة التكلفة، في عالم تتسارع فيه التحولات وتشتد فيه الاضطرابات الجيوسياسية. ومن رحم هذه الإشكالية، تتفرع أسئلة مركزية:

هل يتوفر المغرب على موارد طاقية كافية؟ وهل يملك القدرة على تأمين استمرارية الإمدادات، حتى في أوقات الأزمات؟ وهل راكم من الإمكانيات ما يمكّنه من امتصاص الصدمات الخارجية دون إنهاك الاقتصاد والأسر؟ ثم، هل يستطيع، على المدى المتوسط والبعيد، بناء سيادة طاقية تُقلّص تبعيته للخارج؟

لقد كشفت التحولات المتسارعة في الشرق الأوسط، ومعها تقلبات الأسواق الدولية، عن هشاشة البنية الطاقية التقليدية للمغرب. فبلد يستورد ما بين 85% و90% من حاجياته الطاقية، يظل عرضة، بشكل مباشر، لارتدادات الأزمات العالمية، سواء عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز أو من خلال اضطراب سلاسل الإمداد. وقد تعمّقت هذه الهشاشة مع توقف إمدادات الغاز عبر أنبوب المغرب - أوروبا، بما أبرز حدود الاعتماد على مصادر خارجية غير مستقرة.

غير أن هذا التشخيص، على قسوته، لا يلغي ما راكمه المغرب من عناصر قوة استراتيجية. فقد نجح، خلال العقدين الأخيرين، في ترسيخ موقعه كفاعل صاعد في مجال الطاقات المتجددة، مستفيدًا من مؤهلاته الطبيعية، خاصة في مجالي الطاقة الشمسية والريحية، كما تجسده مشاريع كبرى من قبيل مجمع نور ورزازات للطاقة الشمسية. ويعزز هذا المسار موقع جغرافي استراتيجي، واستقرار سياسي نسبي، يتيحان للبلاد التموقع كشريك موثوق في التحولات الطاقية الإقليمية والدولية.

ومع ذلك، فإن الانتقال من الهشاشة إلى السيادة الطاقية لا يمكن أن يتحقق بالرهان على رافعة واحدة. فالمقاربة الناجعة تقتضي تنويعًا حقيقيًا لمصادر التزود، عبر توسيع الشراكات لتشمل فضاءات متعددة، من الولايات المتحدة إلى إفريقيا جنوب الصحراء، مرورًا بأوروبا، خاصة في مجال الغاز الطبيعي المسال، بما يضمن مرونة أكبر في مواجهة الأزمات.

وفي السياق ذاته، يظل تسريع وتيرة الاستثمار في البنيات التحتية المرتبطة بالغاز المسال خيارًا استراتيجيًا، من خلال إنشاء محطات استقبال وربطها بالشبكة الكهربائية الوطنية. كما يشكل تطوير قدرات التخزين، سواء عبر البطاريات أو من خلال مشاريع الهيدروجين الأخضر، خطوة حاسمة لتعزيز استقلالية المنظومة الطاقية.

أما الهيدروجين الأخضر، فيمثل أفقًا واعدًا يتجاوز مجرد تنويع مصادر الطاقة، ليضع المغرب ضمن خارطة المنتجين العالميين للطاقة النظيفة. فبفضل إمكانياته الطبيعية وموقعه الجغرافي، يمكن للبلاد أن تتحول من مستورد للطاقة إلى مصدر لها، في إطار إعادة تشكيل الخريطة الطاقية العالمية.

غير أن تحقيق الأمن الطاقي لا يمر فقط عبر العرض، بل يتطلب أيضًا ثورة هادئة في أنماط الاستهلاك. فترشيد استعمال الطاقة، في الإدارة والصناعة والنقل وداخل المنازل، يظل من أنجع السبل وأقلها تكلفة لتعزيز التوازن الطاقي. إذ إن “أرخص طاقة هي تلك التي لا تُستهلك”.

إن الأمن الطاقي، في نهاية المطاف، ليس مجرد قطاع اقتصادي، بل هو ورش سيادي بامتياز، يفرض إعادة ترتيب الأولويات، وتعبئة الموارد، وتطوير دبلوماسية طاقية نشطة تجعل من الطاقة محورًا في العلاقات الدولية. فالعالم اليوم لا يُدار فقط بمنطق القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا بمنطق التحكم في مصادر الطاقة ومسالكها.

وعليه، فإن بناء سيادة طاقية مغربية لن يتحقق دفعة واحدة، بل عبر مسار تراكمي قائم على ثلاث دعائم متكاملة: تنويع المصادر، تعميق الاستثمار، وترسيخ سيادة تدريجية. ففي هذا التدرج تكمن واقعية الرهان، وفي هذا التوازن يتحدد أفق الاستقلال والاستقرار.

***

الحسين بوخرطة

صدر حديثا عن دار الفرات للثقافة والاعلام - العراق - بابل 28-3-2026 بالاشتراك مع دار سما للطبع والنشر والتوزيع. كتاب (النظرية العلوية في حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية - الفكر السياسي والاجتماعي للإمام علي عليه السلام). من تأليف: الكاتب المؤرخ الشيخ لفته عبد النبي الخزرجي، من الحجم الوسط وبواقع (420) صفحة.

عند مطالعتي الكتاب شعرت أنني لا اقرأ صفحاتٍ من ورق، بل أفتح نافذةً على ضميرٍ إنساني ظل يقاوم الغبار عبر القرون. لقد حاول الخزرجي أن يزيح الستار عن رؤية متكاملةٍ في فكر الإمام علي (ع)، رؤيةٍ تجعل الإنسان محور الرسالة، والعدالة ميزانها، والمساواة روحها التي لا تموت.

في هذا الكتاب، لا يظهر الإمام علي (ع) بوصفه حاكماً عابراً في تاريخٍ مضطرب، بل يظهر كصوتٍ أخلاقيّ يتجاوز زمنه. صوت يذكرنا أن الإنسان ليس رقما في سجل الدولة، ولا تابعا في ظل السلطة، بل كائن مكرم، له من الحق بقدر ما عليه من واجب.

لا نشعر أننا أمام دراسة تاريخية باردة، بل أمام رحلة في ضمير الإنسان وهو يبحث عن عدالته الضائعة. فالتاريخ هنا لا يقرأ بوصفه أحداثا انقضت، بل بوصفه مرآة كبرى تعكس صراع الإنسان مع الظلم، وسعيه الدائم إلى أن يمنح وجوده معنى يتجاوز الغلبة والقوة.

ومن بين القمم التي ارتفعت في أفق هذا الصراع، ينهض اسم الإمام علي (ع) بوصفه تجربة فريدة في الفكر والممارسة؛ في الكلمة والموقف؛ في الشجاعة التي لا تنفصل عن الرحمة، وفي السلطة التي لا تنفصل عن الضمير.

التاريخ، كما يقدمه هذا الكتاب، ليس دفترا للأيام، بل سيرة إنسانٍ يمشي عبر العصور وهو يحمل أسئلته الكبرى: من يحميني؟ من ينصفني؟ من يرد إلي حقي؟ والتاريخ الحق لا يكتب بحبر القصور، بل بعرق المصلحين ودماء الذين رفضوا أن يكونوا شهود زورٍ على انكسار العدالة.

في هذا السياق، لا تبدو تجربة الإمام علي (ع) حادثة سياسية عابرة، بل منعطفا أخلاقيا في مسار الدولة الإسلامية الناشئة؛ إذ واجه مجتمعا مثقلا بالعصبيات، واقتصادا تتنامى فيه الفوارق، وصراعا على السلطة يهدد المعنى قبل الكيان. ومع ذلك، لم يُساوم على مبدأ المساواة، ولم يبدل العدل بحسابات الربح والخسارة.

النظرية العلوية.. ليست تنظيرا ذهنيا، بل ممارسة يومية. ففي عهده الشهير إلى مالك الأشتر، لا نجد لغة الحاكم المتعالي، بل نقرأ دستورا أخلاقيا يجعل الإنسان مركز الدولة، ويجعل العدالة أساس الحكم. هناك تتجلى رؤية تعتبر الرعية أمانة، والسلطة تكليفا، والمال العام حقا مشتركا لا غنيمة خاصة.

لقد سبقت هذه الرؤية كثيرا من الصياغات الحديثة في تقرير المساواة: المساواة أمام القانون، المساواة أمام القضاء، المساواة في الحقوق المالية، والمساواة في تقلد الوظائف العامة. لكن الفارق الجوهري أن الإمام علي (ع) لم يرفع هذه المبادئ شعارا، بل جسدها واقعا؛ فلم يفرّق بين قريب وبعيد، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين قوي وضعيف. وكان يرى أن الفقر ليس قدرا إلهيا، بل خللا أخلاقيا في توزيع الثروة، وأن الجوع إدانة للمجتمع قبل أن يكون مأساة فردية.

كثيرون وصفوا سياسته بالمثالية، وكأن العدل ترف لا يحتمله الواقع. غير أن تجربته تثبت أن التنازل عن الحق ليس واقعية، بل سقوط أخلاقي. فقد آمن أن الدولة تقاس بعدلها لا بسطوتها، وأن القائد الحقيقي هو من ينتصر على شهوته قبل أن ينتصر على خصومه.

في عهده الإداري نلمح وعياً مبكراً ببنية المجتمع، وتوازن طبقاته، وترابط مصالحه؛ حيث لا صلاح لفئة دون أخرى، ولا استقرار لسلطة تهمل الضعفاء. وتبقى عبارته الخالدة تختصر فلسفة كاملة في حقوق الإنسان: (الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق). إنها جملة تتجاوز حدود العقيدة إلى أفق الإنسانية المشتركة، وتضع وحدة الأصل الإنساني فوق كل انتماءٍ ضيق.

حين نقارن هذه الرؤية ببعض النظريات الحديثة في العدالة الاجتماعية، ندرك أن الإمام علي (ع) انحاز للفقراء والمحرومين كما انحاز كثير من المفكرين لاحقا، لكنه لم يؤسس عدالته على صراع طبقي، بل على ضمير يقظ.

عدالته لم تكن انتقاما من غني، بل إنصافا لفقير. لم تكن ثورة حقد، بل ثورة وعي. في نهاية المطاف، يكشف الكتاب أن الإمام علي (ع) لم يكن يبحث عن سلطةٍ تخلد اسمه، بل عن عدالة تخلّد الإنسان. كان يرى في الإنسان القيمة العليا، وفي كرامته معيار الحضارة. لذلك وقف ضد الامتيازات الوراثية، وضد الترف السياسي، وضد كل شكلٍ من أشكال الاستبداد.

إن (النظرية العلوية) ليست صفحات في كتاب، بل مشروعا أخلاقيا مفتوحا على المستقبل. وفي زمنٍ تتجدد فيه أسئلة الحرية والمساواة، يبقى هذا النموذج شاهدا على أن العدالة ليست حلما مستحيلا، بل خيارا شجاعا يحتاج إلى إرادة نقية.

وهكذا، حين نغلق صفحات الكتاب، لا ينتهي المعنى؛ بل يبقى سؤال العدالة مفتوحا، ويبقى الإنسان كما أراده علي (ع) غاية الدولة، وميزان التاريخ، وروح الحضارة.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

هي في اساس وجودها طفيليات تعوم في الخارج وتطفح وتتسلل الى العقل الانساني كلما تمكنت من ذلك لتعبث في طبيعة التفكير ومن ثم المواقف حتى التي تشكلت وغدت جاهزة لمخاضات تجري عادة على مسرح الأحداث.

وهذه الطفيليات التي تحدث عنها الفيلسوف البريطاني (كولن ويلسون) باسهاب، هي سبب إشكاليات العقل طالما أن العقل الانساني يراقب ويتفحص حركتها وهي تعوم في دائرة مفرغة أزلية لا تنتهي بمسار من السكون، والسكون هو جزء من الحركة (لا حركة بدون سكون ولا سكون بدون حركة) في معيار فلسفة التناقضات.

وما دام الخارج يطفح بالحركة التي يصاحبها السكون عادة، فإنها تكون مشحونة بالطفيليات، وهي تنشطر وتنتشر وتتكاثر وتصبح عبا ثقيلا على العقل الانساني.. ولا مناص من المراقبة وتحمل أعباء حركتها التي لا تنتهي ابدا.

هل تغلق النافذة على نفسك وتعتكف ؟

قالها بكل وضوح..

ولكن، مع ذلك يظل فكرك يراقب الحركة حتى وهي في وضع السكون، وان هذه الحركة تأخذ مجالها في ذهنك وتصيره مأخوذا بإشكاليات تضع عقلك في دائرة مفتوحة يتسرب إليها ما يطفح عن طفيليات الخارج المأزوم، حين تعشش في ذهنك وتتحول الى مايسميه كولن ويلسون ب(طفيليات العقل) التي تجمع التناقضات والصراعات الخفية والمعلنة القائمة على التضاد والشك.. هذا الكم الهائل من قوى الصراع تأخذ مسار التنافس: تهمش وتهاجم وتنهش بعضها بعضا كلما سنحت الفرصه وتتسلل الى العقل الانساني فتجعله مشوشا تصادميا قلقا مسلوب التفكير السليم يعمل على تدمير قوى العقل الانساني ويدفعه الى الارتباك او الغثيان او الانتحار.. هي طفيليات مثل الجيوش غير المرئية تتمكن من عقول البعض من البشر وتحولهم الى مهوسين بارعين على مستويات مختلفة حتى في الثقافة والفن وصنع القرار.

مقاربة الأنا..

والمقاربة الفلسفية بين الأنا والخارج هي ان، (الأنا) لها مدخلاتها ومخرجاتها للمراقبة.. فهي تراقب الخارج، والخارج يرزح تحت أعباء الحركة الدائبة التي تثيرها الفوضى المنظمة بمعنى (المسيطر عليها) وخاصة عن طريق الوعي بالحركة التي تعتمد على قواعد تكاد ان تكون ثابتة، وكذلك دورانها حول ذاتها دونما توقف.

فحركة الخارج هنا دائبة وحركة (الأنا) تتسم بنزعة المراقبة والترقب، والخارج يعج بالطفيليات التي لا تكف عن الحركة، فكيف يمكن منعها من التسرب الى العقل لكي يحافظ على سلامته العقلية؟

العقل ليس بعيدا عن الخارج فهو في قلب الخارج ومنفصل عنه في آن واحد.. والعالم في عين العقل، يتكثف ويتمدد واحيانا يتلاشى في رمشة عين ويعود ليتكور أمام العقل.. وفي داخل هذه الحركة تتكاثر الطفيليات وتموج وتطفح نحو العقل وتعشش فيه، فكيف يغلق العقل ابوابه امام السيح القادم من الخارج لكي يتحصن؟

الخارج ملوث وفيه خليط من العفن والقيح في الافكار والثقافات والسلوك والنيات والخفايا وكلها تتسابق صوب العقل، فكيف يتحصن العقل من هذا السيح..؟

سأل صديقه هذا السؤال فأجابه: نحن في نفس المأزق يا صديقي دعنا نفكر معا..

العالم الخارجي قائم كما هو منذ التكوين الأول للكون.. و(الأنا) نتاج هذا التكوين وهي في قلب هذا العالم.. والتجاذب لا يتوقف على الرغم من كون الأنا في قلب هذا التجاذب.. فمن يجذب منْ (ألأنا) أم الخارج الملوث بالفوضى؟

لصوص وفاسدين ومغتصبين وأراذل وقتلة ومارقين وتجار حروب.

منْ يصلح الملح اذا الملح فسد؟

إذا وجد الرأس الصالح والعادل والمنصف، تتحقق العدالة وتتحقق المساواة ويتحقق الانصاف ويتحقق التطور وتتحقق النهضة بمقاس الامكانات والقدرات.. ولكن حين تغيب العدالة وتعشش فوضى الخارج في العقول تصبح هذه العقول مشوشة ومضطربة وعابثة.. فالرأس العادل قد يستطيع ان يمنع انسياح الطفيليات أو قد يشل حركتها ويضعها في دائرة العزل كلما ارادت تغيير اتجاهها على نحو مغاير.

إلا أن العالم من جانبه لا يستطيع ان يتحاشى الطفيليات من دروبه ولا يستطيع ان يمنع تسربها ناحيتها فهي طفيليات تلف وتدور حوله وتتحين الفرص للوثوب والإنقضاض عليه.. و العقل الانساني يحاول ان يتحصن بالأخلاق والمبادئ ولا سبيل لديه سوى مبادئ الأخلاق منبع القيم (وإنك لعلى خلق عظيم-ص-).

***

د. جودت صالح

7 / 4 / 2026

 

في هدوء الروح، حين تخفّ ضوضاء الدنيا، يبدأ القلب رحلته الخفيّة نحو الله.. رحلة لا تُرى، لكنها تُحَسّ بكل تفاصيلها. هناك، حيث لا مال يُغني، ولا جاهٌ يُبقي، ولا وجوه تدوم، يبقى وجهه الكريم وحده، النور الذي لا يخبو.

الزهد ليس أن نترك الدنيا بأيدينا، بل أن نُخرجها من قلوبنا، أن نمرّ عليها مرور العابرين، نأخذ منها ما يكفينا، ونترك ما يُثقِل أرواحنا. هو أن نرضى بالقليل، وأن نجد الغنى في سجدةٍ خاشعة، لا في كثرةٍ زائلة.

فالركض خلف الدنيا يُشتّت القلب، ويُطيل الهمّ، ويُثقِل الروح، بينما الزهد يعيدها إلى سكونها الأول… إلى طمأنينتها.

أما الحبّ لله، فهو ذاك الشعور الذي لا يُشبه شيئًا؛ أن تشتاق إليه وأنت بين الناس، أن يحيَا قلبك كلما ذكرته، وأن تبكي في خلواتك لا حزنًا، بل شوقًا.

وهنا، في هذا السرّ الجميل، يلتقي الزهد بالحب، كأنهما جناحان لقلبٍ واحد؛ فالزهد يُفرغ القلب من ثقل الدنيا، والحبّ يملؤه نورًا، ومن بين هذا الفراغ والامتلاء تولد الطمأنينة.

ليس الزهد حرمانًا، بل اختيار نابع من حبّ أعظم؛ فمن أحبّ الله استصغر ما سواه، ومن ذاق قربه لم تعد الدنيا تُغريه، بل تمرّ عليه كغيمةٍ عابرة.

تصبح الأشياء بين يديه لا في قلبه، يأخذ منها بقدر الحاجة، ويتركها دون حسرة، كأنه يقول لها: لستِ موطني… موطني هناك.

يا رب، علّم قلوبنا أن تحبك حبًا يجعل الزهد طريقًا لا مشقّة، وأن نترك لأجلك، لا هروبًا من الحياة، بل شوقًا إليك. إن قلّ زادنا، فاجعل حبّك زادنا، وإن ضاقت بنا الدنيا، فاجعل قربك وطننا، وإن تعبنا، فخذ بأيدينا إليك، حيث لا وجع ولا فقد ولا انكسار.

فهنيئًا لقلبٍ زهد في الفاني، وتعلّق بالباقي.. وهنيئًا لمن أحبّ الله، فصار كل شيءٍ بعده صغيرًا.

***

ذكرى البياتي

 

يفتتح رامسفيلد الجزء الثاني من كتاب مذكراته بالكتابة عن انسحاب القوات الروسية او قوات الاتحاد السوفيتي، بطريقة يشير بها الى ان انسحابها لم يكن انسحابا، بل هو هزيمة منيت بها القوات السوفيتية. كما ان السوفييت ارادوا ان يظهروا بان هذا الانسحاب ما هو الا انتصارا وتأدية واجبا امميا من خلال حشد الناس في استقبال القوات العائدة من افغانستان على حدود الاتحاد السوفيتي، حدود اوزبكستان التي كانت جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفيتي التي تعرضت للغزو السوفيتي والاحتلال طيلة ما يقارب العقد. ان القوات السوفيتية ومن وراءها الحكومة السوفيتية لم تُؤمن امن وحياة الناس الذين تعاونوا معها وكما ان الاتحاد السوفيتي لم يوفر امن واستقرار وسيطرة الحكومة التي دعموها، بل انهم تركوها في مواجهة حركة طلبان وتنظيم القاعدة. ان رامسفيلد يتناسى في لحظة كتابة مذكراتها هذه؛ ان امريكا خرجت من افغانستان مهزومة، بل انها كانت اشر هزيمة وتركت الحكومة التي ساعدتهم في الغزو واحتلال بلدهم نهبا لرياح التحول الدراماتيكي، تاركة تقريبا كل الذين ساعدوها من الافغان الى عمليات الثأر والانتقام ليس هذا فقط، بل انهم تركوا كمية كبيرة من اسلحتهم بما فيها المروحيات المقاتلة والدروع والدبابات والمدافع. يتناسى ايضا الهزيمة الامريكية في منتصف سبعينيات القرن العشرين في فيتنام. فقد هرب الامريكيون بالمروحيات من على سطح السفارة الامريكية في سايغون. تاركين خلفهم الحكومة الدمية التي تعاونت معهم في احتلالهم لفيتنام الجنوبية، اضافة الى آلاف الفيتناميين الذين تعاونوا معهم خلال اكثر من عقد ونصف العقد. في الجزء الاول من هذه المذكرات كان رامسفيلد قد كتب عن فشلهم في فيتنام وكيف ان الاخفاق الامريكي في حرب فيتنام اضافة الى تداعيات ووترغيت اطاحت بالرئيس نيكسون. يجتمع بعد هجمات 11سبتمبر ايلول على برجي التجارة العالمية وعلى مبنى وزارة الدفاع الامريكية كل طاقم الإدارة الامريكية للحوار وتبادل الآراء في الذي جرى. في خضم هذه المناقشات التي بدأت تدور بين اركان الادارة الامريكية، الخارجية، والدفاع، والمخابرات المركزية الامريكية، ومستشارية الامن القومي الامريكي. يؤكد المتحاورون بان من المهم ان ترسل امريكا رسالة الى العالم كل العالم؛ ان من يعتدي على امريكا لسوف تجعله امريكا يدفع الثمن باهضا، حتى لا تمس هيبة امريكا، وحتى لا تظهر ضعيفة اماما العالم، حتى لا تغري الأخرين بالهجوم مستقبلا عليها؛ وان الرد من واجب امريكا ان يكون ردا كليا وشاملا ومدمرا. يؤكد لهم رئيس الإدارة الامريكية بوش الأبن اريد ان يكون الرد مدمرا وسريعا وهنا ما يقصده هو غزو واحتلال افغانستان. في الخلاصة لهذه المناقشات او المداولات؛ البدء في عملية الغزو خلال فترة قياسية لا تتجاوز اشهر قليلة، خصوصا وان العالم كله تقريبا وقف الى جانب امريكا. يتحرك رامسفيلد كما مكوك الحائك على دول المجاورة لأفغانستان من اوزبكستان الى باكستان الى الهند والى روسيا. باكستان والهند اللتان تخضعان للعقوبات الامريكية بسبب حيازتهما للسلاح النووي. ترفع عنهما تلك العقوبات مقابل مساعدة امريكا في هذا الغزو. باكستان واوزبكستان تفتحان اجوائهما لسلاح الجو الامريكي اضافة الى قاعدة في باكستان. يستعين الامريكيون بقوات الشمال، اضافة الى المليشيات الأخرى في العون والمساعدة للجيش الامريكي في احتلال بلدهم. تحتل امريكا افغانستان وتسيطر على العاصمة بمساعدتهم، بل كانوا في المقدمة كما يكتب رامسفيلد وهم الذي اقتحموا العاصمة والمدن الأخرى بغطاء جوي امريكي بقصف سجادي كثيف. يقوم الامريكيون بتنصيب حامد كرازي، بشتوني، كان يعيش في الخارج، في الغرب، دراسته في الغرب، ويؤمن كما يكتب رامسفيلد بالليبرالية الغربية. اثناء مناقشات ساسة الإدارة الامريكية عن اسباب هذا الهجوم؛ يتوصلون او ان رامسفيلد يؤكد خلالها بان من المهم اجتثاث جذور الارهاب. ان اكثر جذور هذه الايديولوجية الدينية منبعها ومنبتها في المدارس الدينية السعودية. لذا، يكتب رامسفيلد يجب ممارسة الضغط على الحكومة السعودية، وعلى بقية الدول التي فيها مثل هذه المدارس والتوجهات الدينية المتطرفة. في هذا الاتجاه لم يشر الى العراق ابدا. لكن لاحقا بدأ رامسفيلد هو وديك شيني القادم من الإدارة التنفيذية لأكبر شركات النفط الامريكية الى منصب نائب الرئيس الامريكي، اضافة الى بول وولفيتز، وجوج تنيت رئيس المخابرات المركزية الامريكيةأ وارميتاج نائب وزير الدفاع الامريكي. بحجج؛ اولا حيازة اسلحة الدمار الشمال، وثانيا وبشكل يومي يقوم العراق بضرب او مهاجمة الطائرات التحالف التي تقوم بفرض الحظر الجوي في شمال وجنوب العراق، ودعم الارهاب ويحدد في هذا هو دعم العراق لأبو نضال الفلسطيني الذي يعيش في بغداد في امن وحرية يكتب، وابو العباس الفلسطيني الذي هو الأخر يعيش في بغداد؛ كلاهما يكتب رامسفيلد يقومان من بغداد بتوجيه العمل الارهابي في إسرائيل (لا يكتب اسرائيل إنما من السياق يقصد حصريا اسرائيل. لأنهما اولا ليس لهما اية علاقة بالأيديولوجية الدينية. وثانيا، هما مناضلان فلسطينيان معروفان على مدى عقود) كما ان العراق يكتب رامسفيلد؛ يمنح كل ارهابي يقتل في عمل ارهاب في اسرائيل مبلغ قدره خمسة وعشرين آلف دولار بالإضافة يكتب يقوم العراق بدفع مبالغ اعادة بناء كل بيت فلسطيني يدمر. قاريء هذه المذكرات من حقه ان يتساءل؛ اذا كانت جذور الارهاب بدءا من المدارس الدينية السعودية عليه لماذا وضع العراق في خانة الارهاب؟ واذا كانت اغلب او كل المشاركون في الهجوم على مبنى برجي التجارة العالمية ووزارة الدفاع لا يوجد عراقي من بينهم حتى ولو واحد فقط، كما ان العالم جميع العالم يعرف ان الحكومة في العراق هي حكومة علمانية تستند على ايديولوجية علمانية في حكمها للعراق. عليه فان وضع العراق في صف الارهاب ما هو الا تمهيد لغزوه واحتلاله لأهداف استراتيجية كونية وهذا هو ما ثبت لاحقا بعد عدة سنوات. الجانب الثاني والذي لا يمكن ان يدين العراق حسب القانون الدولي والقانون الانساني الا هو دعم العراق للنضال الفلسطيني كما ورد في هذا الكتاب، كتاب مذكرات رامسفيلد. ان النضال الفلسطيني من اجل الحق في دولة مستقلة وذات سيادة على ارضهم او على اقل من 20% مما تبقى لهم من ارضهم المسلوبة كما ان كل قرارات الامم المتحدة تطالب اسرائيل بالانسحاب مما احتلته في الخامس من حزيران لسنة 1967. عليه ومن هذا الباب القانوني والانساني ان دعم العراق للنضال الفلسطيني لا يضعه في خانة الارهاب، بل في خانة دعم الحق وقرارات الامم المتحدة. ان اتهام العراق بالإرهاب من قبل الإدارة الامريكية في حينها ما هو الا مخاتلة وتحايل. أما في الذي يخص امتلاك اسلحة الدمار الشامل فهذه هي الأخرى فرية أخرى لا تقل عن الاولى في التزوير والمخادعة والكذب، والتي ثبت زيفها وبطلانها بعد احتلال العراق. كما ان ضرب العراق للطائرات الامريكية التي تخترق سيادته الجوية فوق ارضه وتحت سماءه بفرية حظر مناطق الطيران على المقاتلات العراقية، فالتصدي لها من حقه القانوني والشرعي الذي تكفله له كل قوانين الامم المتحدة. إما قول رامسفيلد او ان يكتب في هذه المذكرات من ان هذا الحظر هو تحالف دولي فهذه ايضا هي الأخرى ام الاكاذيب. اولا، ان الامم المتحدة لم يصدر منها قرارا من هذا النوع وثانيا، ان هذا الحظر هو امريكي بريطاني وليس أتلاف دولي، اذ، ان فرنسا لاحقا بعد اقل من سنة انسحبت وتركت هذا الأمر لأمريكا وبريطانيا. يكتب؛ هذا الحظر هو لحماية الشعب في الجنوب والأكراد في الشمال، لم يكن الحظر لهذا الغرض ابدا. الحقائق هي التي تفند هذا الادعاء المخادع والكاذب، حقائق ما جرى بعد وقف اطلاق النار اذ سمح للمروحيات المقاتلة بالتحليق في سماء الجنوب والوسط والشمال من قبل امريكا.. تجري مناقشة خطة غزو واحتلال العراق؛ يؤكد فيها بوش الابن يجب ان تكن سريعة وخاطفة. يجري اعدادها ويتم الاتفاق عليها. تتكون من450 آلف من الجنود الامريكيين، 150للهجوم والباقي كاحتياط للطوارىء، او حدوث مفاجئات.  300 تواجدهم في الدول العربية وفي دول الخليج العربي على وجه التحديد. قبل البدء بالهجوم يكتب رامسفيلد؛ يجب التركيز على الدبلوماسية اي الحلول الدبلوماسية في وقت تم الانتهاء من وضع اللمسات النهائية لخطة الغزو، اي ان الغزو حسب ماجاء به هذا الكتاب؛ مفروغ منه امريكيا والدبلوماسية الغرض منها هو ايجاد التبرير الملائم، عبر استصدار قرار من مجلس الامن الدولي يسمح لأمريكا بالغزو والاحتلال، الا ان النشاط الامريكي باء بالفشل فلم يصدر اي قرار من مجلس الامن يسمح لأمريكا باحتلال العراق، حتى ان الرئيس الامريكي بوش الابن حسب هذه المذكرات كان قد لام نفسه بالدفع على طريق الدبلوماسية بقوله بالمعنى امام اركان إدارته؛ لقد ادمتني هذه الخطة.. يصف الكتاب الحشد الدولي ان هناك 42دولة من دول العالم كانت قد وضعت اجواءها او مطاراتها في خدمة القوات الامريكية. كما ان رامسفيلد في الكتاب يشيد بالرئيس المصري الراحل السيد حسني مبارك الذي افاد الامريكيين عندما اكد لنا يكتب رامسفيلد؛ ان العراق يحتفظ بكميات كبيرة من الاسلحة البيولوجية والكيماوية. من اكبر عمليات الخداع بتمرير الكذب على انه هو الحقيقة، في وقت تثبت مجربات الاوضاع واقعيا وموضوعيا في حينها على ان هذه الكتابة في وصف الواقع الذي جرى في زمنه ما هو الا خدعة وكذبا محضا وكاملا. عندما تجزء الحقائق لغرض طمسها وتغييبها عن القاريء؛ واستظهار الكذب على انه هو الحقيقة ولا حقيقة أخرى غيرها. ان هذه العملية في كتابة مذكرات على درجة كبيرة من الاهمية كونها تعالج او تتصدى لمرحلة تاريخية غيرت ليس العراق فقط بل غيرت دول وشعوب الوطن العربي وجوار هذا الوطن؛ تحمل في طياتها اتجاهين اولا، الاستهانة بذكاء القاريء وثانيا وهذا هو الاهم هو التنصل عن المسؤولية التاريخية والقانونية والاخلاقية والانسانية التي سترتب على الغزو الامريكي للعراق واحتلاله وتدميره دولة وحضارة وتاريخ وحاضر ومستقبل الى حين، او سوف ترتب ولو في المستقبل مهما طال وتقادم الزمن من حقوق اعتبارية ومعنوية ومادية من اعتذار وتعويضات للشعب العراقي. يكتب رامسفيلد عن الاستعداد لجهة توفير الفضاءات الدبلوماسية قبل البدء بالغزو، ايحائيا وضمنيا بطريقة رمادية تفتقر الى الوضوح في الكتابة بإيراد جزء من نص القرار الاممي، تناوله بالمعنى في مخاتلة القاريء وليس بالنص: ان القرار الاممي 1441اتاح ضمنيا يكتب رامسفيلد لأمريكا البدء بالعمل العسكري لنزع اسلحة الدمار الشامل العراقية، بعد تحايل العراق واخفائه لهذه الاسلحة وبالذات يكتب البيولوجية والكيماوية، في وقت ان هذا القرار وهو قرار معروف ومتداول في وقته لا يشمل ابدا منح امريكا صلاحية العمل العسكري لنزع اسلحة  الدمار الشامل العراقية، بل اعادة المفتشين الدوليين الى العمل في العراق بحثا عن اسلحة الدمار الشامل العراقية، والتي كان قد تم تدميرها كليا بطريقة تامة وشاملة والمفتشون الدوليون يدركون ويعرفون معرفة يقينيه ان لا وجود لأسلحة الدمار الشامل العراقية؛  الا انهم وبالذات البرادعي لم يكتب أو لم يقل هذا في الاحاطة النهائية امام مجلس الامن الدولي. ثم يعود رامسفيلد بعد عدة صفحات يلوم فيها كل من فرنسا والمانيا لأنهما عارضا الحرب على العراق لافتقارها لمبرراتها، اضافة الى روسيا والصين. لم يصدر اي قرار من مجلس الامن الدولي في منح امريكا او تفويض امريكا في غزو واحتلال العراق لغرض نزع اسلحته. لذا، للعراق حق المطالبة بالتعويض المادي والمعنوي والاعتباري مهما تقادم الزمن على عراق الحضارة وشعبه الأبي والشجاع والكريم كرامة لا تعرف لها حدود، ومقاتل لا يهين ولا يرتضي ابدا، مهما كانت قساوة الظروف والاحوال عليه؛ القبول بالاحتلال والتسليم بالأمر الواقع الذي صار شعب العراق فيه كتداعيات ومسوغات وفرها للاستراتيجية الكونية الامريكية المعد سلفا ربما حتى قبل بدء حرب الثماني سنوات، قرار فردي لنظام دكتاتوري في ارتكاب خطيئة غزو واحتلال الكويت حتى وزير الدفاع سمع به من المذياع. فقد قاوم شعب العراق، كل شعب العراق الاحتلال الامريكي،( المقاوم حصرا في جنوب الوطن وفي شماله ووسطه وغربه وشرقه)؛ مقاومة عرفها المحتل الامريكي ولايزال يعرفها من ظل منهم، او من جاء للعراق لاحقا منهم، كعنوان يذكر شعب العراق بالمحتل في تواصل يومي معها سواء بالقلم والكلمة والموقف، او ضرورة أخرى من ضرورات التصدي له وان لبس ثوب الثقافة والتبادل المعرفي اذا لبسها كثوب الغش الذي نسجت خيوطه بحرفية لقصد وهدف بعيد كليا عن المعرفة والتبادل الثقافي بين شعوب الارض.. ليس المقصود هنا العلاقات السياسية والدبلوماسية وغيرها المتعارف عليها بين دول ذات سيادة كاملة لكل منهما أو حتى الزيارات السياحية الودية التي لا تحمل في جعبتها اجنده مخابراتية. كما عرف جميع خصال هذا الشعب الكريم في الكرم والعطاء كل من مر بارض العراق زائرا او ساكنا. بالعودة الى كتاب مذكرات رامسفيلد: ألقى باول وزير خارجية امريكا في الامم كلمة امريكا والتي اشار فيها الى امتلاك العراق اسلحة بيولوجية والتي ثبت الواقع بطلانها بعد الاحتلال. كولن باول لاحقا بعد سنوات اعلن عن ندمه. يكتب رامسفيلد في هذه المذكرات ان كولن باول كان يعرف وعلى علم بامتلاك العراق اسلحة دمار شامل، والتي تمكن من اخفائها عن مفتشي الامم المتحدة. لا يمكن يكتب؛ ان يغيب عنه هذا وهو الذي امضى اكثر من 25عاما عسكريا وقد مر في كل صنوف الجيش الامريكي والاستخبارات الامريكية. في هذا يريد رامسفيلد الاشارة الى ان ندم باول ليس صحيحا. رغم كل هذا النشاط الدبلوماسي والسياسي وجميع وسائل الضغط التي عرفت بها امريكا سواء على حلفائها او على اصدقائها لم تحصل على التفويض الاممي في غزو واحتلال العراق.  ندرج نصا مقاطع منتخبة من كتاب مذكرات رامسفيلد:-

- في 22يناير اعلن الرئيس شيراك وجبرهارد شرودر انهما سيعارضان الاطاحة بالنظام. لقد كان موقفا مؤسفا لاثنين من حلفاء الولايات المتحدة القدامى ناهيك عن المتنافسين التاريخيين انفسهما، ان يعارضا الجهود الدبلوماسية للولايات المتحدة بقوة مثلما فعلا..

- في 3 فبراير، قبل يومين من توجه باول الى نيويورك، قدم للرئيس موجزا عم عرضه في اجتماع لمجلس الامن القومي. قال باول للرئيس بثقة:" لدينا مصادر لكل شيء". ولو شعر باول بانه تعرض للخداع او الغش بشأن اي جانب من جوانب عرضه، كما سيدعي البعض لاحقا، فلم تظهر اي علامه على ذلك قبل يومين من تقديمه..

- في اكتوبر 2002، اصدر الكونغرس تفويضا باستخدام القوة العسكرية ضد العراق. يعكس هذا الاجراء الذي تم تجاهله في كثير من الاحيان ولكن المهم في الكونغرس وجهة نظر قوية وواسعة ومتحزبة بان من الضروري الاطاحة بنظام صدام حسين بالقوة لحماية الولايات المتحدة والسلام والامن الدوليين. وبدلا من التركيز فقط على برامج اسلحة الدمار الشامل، ادرج التشريع 23لائحة اتهام منفصلة ضد النظام..

- عندما راح الصدر يطلق على التحالف اسم العدو شعرت انه تجاوز الخط..

- قبل شهرين من تولي العراقيين السيطرة على بلدهم، صعق العالم بصور جنود امريكيين يسخرون من عراقيين عراة في سجن ابو غريب، صور الرقمية التي التقطها الجنود اثناء الانغماس في ممارسات اباحية توثق الاساءة السادية والتعذيب الذي الحقوه بالسجناء المسؤولين عنهم. تلك الافعال كانت لاتغتفر. وهددت الصور بأضعاف التأييد الشعبي والتشكيك في شرعية جهودنا المستمرة عشية الانتقال الى السيادة العراقية. لم تنشر بعض الصور في ذلك الوقت. أظهروا جنودا يشاركون في افعال جنسية سادية مزعجة مماثلة- ولكن مع بعضهم البعض: الامريكيون مع الامريكيين. لو نشرت جميع الصور دفعة واحدة، لرسم الجمهور بسرعة اكبر النتائج..

- واعلن السيناتور تيد كينيدي امام مجلس الشيوخ:" للأسف علمنا الان ان غرف التعذيب الخاصة بصدام قد اعيد فتحها تحت ادارة جديدة، هي الإدارة الامريكية". ان مساواة احد كبار اعضاء مجلس الشيوخ للمغامرات الشاذة المنحرفة لحفنة من الحراس في وردية منتصف الليل مع الممارسات الروتينية للاغتصاب والتعذيب والقتل في سجون صدام يعد امرا مروعا، حتى وفق ادنى معايير الفترات السياسية.

يريد رامسفيلد في هذا الكتاب ان غزو واحتلال العراق لم يكن خطأ بل كان عملية مهمة جدا لحفظ امن واستقرار ومصالح امريكا وامنها القوي. وان كل الاصوات التي تلت عملية احتلال العراق والتي قالت عنها او انها قد ادانت عملية غزو واحتلال العراق ليس من كل دول العالم بطريقة او بأخرى بل من اغلب الساسة الامريكيون. كون هذا الغزو والاحتلال كان قد أتى على كيان الدولة العراقية وليس عملية تغير نظام سياسي. حتى من الذين كانوا قد ايدوا هذا الغزو والاحتلال من الساسة الامريكيون ولو بعد خراب البصرة كما يفيدنا هنا المثال العراقي في وصف ما جرى للعراق في الاحتلال وما بعد الاحتلال من خراب وتدمير يكاد يكون شاملا وواسعا. في هذا الكتاب يبين رامسفيلد ان امريكا في احتلالها للعراق قد قامت بإنجاز اكبر مهمة تاريخية لها تأثيرات على صعيد الوطن العربي ومن الطبيعي هو لم يكتب الوطن العربي، بل كتب دول الشرق الاوسط. صحيح تماما ما ذهب إليه رامسفيلد في هذا الاتجاه في وصف غزو واحتلال دولة من غير غطاء قانوني دولي بل بإرادة امريكية صرفة تصب في نهاية المطاف في خدمة الاستراتيجية الامريكية الكونية ليس في الوطن العربي فقط بل في جوار هذا الوطن المجزأ والمبتلى بأنظمة خانعة وتابعة ومستبدة وطاغية على شعوبها وليس على من تخضع له من قوى دولية واعني حصريا امريكا. ان رامسفيلد في هذا الكتاب، كتاب المذكرات يكسر اعناق الحقائق ويريد تغير ما جرى من وقائع بأخرى غيرها يورد فيها جزء من الواقعة وليس كل الواقعة ويغطيها برؤيته الشخصية ليضفي عليها صدق وجودها في الواقع وكأنها كلية الوجود في الواقع مع ان ما يورد منها ما هو الا دفن للوقائع وتغير مجرياتها بمجريات أخرى لا وجود لها على ارض الواقع. ان كاتب هذه القراءة مقتنع تماما ان رامسفيلد اراد بهذا الكتاب، كتاب مذكراته ان يجمل احتلال بلده للعراق وانها اي امريكا قامت بإنجاز تاريخي للعراق وشعبه. في تعذيب سجناء ابوغريب  يحاول رامسفيلد ان يبرىء الادارة الامريكية والقادة العسكريين الامريكيين من جرائم سجن ابو غريب ويحيلها الى التصرفات الفردية في الليل وفي الخفاء من دون علم مسؤوليهم. في وقت او في حينها كل المؤشرات والدلائل تؤكد ان العملية المخزية الامريكية في اخضاع السجناء العراقيين للذل والمهانة ما هي الا عملية يراد منها انتزاع أعترافتهم بطريقة لايمارسها الا ما جاء من الشوارع من الولادة حتى صار جنديا في الجيش الامريكي المحتل لبلد الحضارة والتاريخ. في كتاب مذكرات بوش الابن والذي صدر منذ سنوات والذي حمل عنوان القرارات الصعبة يؤكد وفي اكثر من فصل من هذا الكتاب؛ لولا هذه الممارسات في السجون الامريكية لما تمكنا من الوصول الى قادة الارهاب، كما ان هذه السجون ليس على الارض الامريكية، بل هي خارج الارض الامريكية لذا، لا ينطبق عليها القانون الامريكي في طريقة الوصول الى الاهداف بالتحقيق. في النهاية اقول ان قراءة هذا الكتاب مهمة بل مهم جدا، إنما بفحص وتمعن وببطء.

***

مزهر جبر الساعدي

 

إشكالية تبعية منظمات المجتمع المدني للأحزاب السياسية في العراق

وُلدت منظمات المجتمع المدني في جوهرها النظري لتكون صوت المجتمع المستقل ومساحةً حرة بين الدولة والمواطن. وظيفتها الأساسية هي الدفاع عن الحقوق، وتعزيز المشاركة، ونشر قيم المواطنة والعدالة، ومراقبة أداء السلطة. لكن هذه الفكرة النبوية تعرضت في العراق، خلال السنوات الماضية لتشوهات عميقة، تمثلت في تحول بعض هذه المنظمات تدريجياً إلى امتدادات غير معلنة للأحزاب السياسية، تعمل ضمن حساباتها وتتحرك وفق مصالحها الضيقة.

شهد العراق بعد عام 2003 طفرة كبيرة في أعداد منظمات المجتمع المدني، مستفيداً من الانفتاح السياسي والدعم الدولي السخي. سُجِّلت آلاف المنظمات التي تنوعت مجالات عملها بين حقوق الإنسان والتنمية وتمكين المرأة والإغاثة ومراقبة الانتخابات. وكان يُفترض بهذا الانتشار أن يعكس حيوية المجتمع ورغبته في بناء فضاء مدني مستقل. إلا أن الواقع كشف لاحقاً أن جزءاً غير قليل من هذه المنظمات إما نشأ برعاية أحزاب سياسية أو وقع تحت تأثير شخصيات حزبية نافذة، مستغلة ضعف الخبرة المؤسسية وهشاشة مصادر التمويل المستقلة.

عندما تدخل الأحزاب إلى فضاء العمل المدني، فإنها غالباً ما تحاول توجيهه بما يخدم أهدافها. فتتحول المنظمة من إطار يمثل المجتمع إلى أداة للدعاية السياسية، أو وسيلة لبناء نفوذ اجتماعي، أو قناة للحصول على التمويل المحلي والدولي. وفي مثل هذه الحالات، يصبح نشاط المنظمة مرتبطاً بمواقف الحزب الذي يقف خلفها: تدافع عن قضاياه، وتتجنب نقده، وقد تشارك في حملاته الانتخابية بشكل مباشر أو غير مباشر.

هذه الظاهرة تخلق عدداً من الإشكالات الخطيرة. أولها إضعاف ثقة المجتمع بمنظمات المجتمع المدني. فحين يشعر المواطن بأن المنظمة ليست مستقلة بل مرتبطة بحزب معين، فإنه يتعامل معها بوصفها جزءاً من الصراع السياسي لا جزءاً من المجتمع. وهنا تفقد المنظمة أهم رأسمال تملكه، وهو المصداقية.

أما الإشكال الثاني فيكمن في تشويه مفهوم العمل المدني نفسه. فالمجتمع المدني يفترض أن يكون مساحة جامعة تتجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، لكن عندما تخضع المنظمات لهيمنة الأحزاب فإنها تصبح جزءاً من منظومة الاستقطاب ذاتها التي يعاني منها المجتمع.

وثالث هذه الإشكالات هو إقصاء المبادرات المدنية الحقيقية. فالمنظمات المرتبطة بالأحزاب غالباً ما تمتلك موارد أكبر، وعلاقات أوسع، وقدرة أعلى على الوصول إلى التمويل أو المؤسسات الرسمية. وهذا يضع المنظمات المستقلة، التي تعتمد على جهود تطوعية صادقة، في موقع ضعيف وغير متكافئ.

إن استقلال المجتمع المدني ليس ترفاً فكرياً، بل شرطاً أساسياً لبناء دولة ديمقراطية سليمة. فالمجتمع المدني المستقل يستطيع أن يراقب السلطة، وينتقدها، ويدافع عن حقوق المواطنين دون خوف أو حسابات حزبية. أما حين يتحول إلى تابع للأحزاب، فإنه يفقد دوره الرقابي ويتحول إلى جزء من منظومة النفوذ نفسها.

لذلك فإن حماية العمل المدني في العراق تتطلب تعزيز الشفافية في تمويل المنظمات، ووضع معايير واضحة للفصل بين النشاط الحزبي والعمل المدني، وتشجيع المبادرات المستقلة التي تنبع فعلاً من احتياجات المجتمع لا من حسابات السياسة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للمجتمع المدني أن يكون صوت المجتمع إذا كان صدىً للأحزاب؟ إن الجواب عن هذا السؤال يحدد إلى حد بعيد مستقبل الحياة المدنية والديمقراطية في العراق.

لكن مبدئياً، يُفترض بمنظمات المجتمع المدني أن تكون مرآةً للمجتمع، تعكس همومه وتطلعاته، وتدافع عن مصالحه بعيداً عن ضغوط السلطة وتقلبات السياسة. فهي في الأصل مساحة مستقلة بين الدولة والمجتمع، تعمل على تمكين المواطنين، ومراقبة الأداء الحكومي، والمساهمة في ترسيخ قيم المشاركة والشفافية. لكن هذا الدور يفقد معناه عندما تتحول هذه المنظمات إلى امتداد غير معلن للأحزاب السياسية.

في كثير من الأحيان، لا يكون الخلل في فكرة المجتمع المدني نفسها، بل في الطريقة التي تُدار بها بعض منظماته. فعندما تتسلل الأحزاب إلى هذه المنظمات عبر التمويل أو النفوذ أو التعيينات، تصبح برامجها وأنشطتها انعكاساً لأجندات حزبية أكثر مما هي استجابة لحاجات المجتمع. عندها لا يعود المجتمع المدني صوتاً للمواطنين، بل يتحول إلى صدىً لخطاب سياسي مُعدّ سلفاً.

تكمن خطورة هذا التحول في أنه يفرغ مفهوم المجتمع المدني من جوهره. فالمجتمع يحتاج إلى مؤسسات قادرة على تمثيله والدفاع عن مصالحه بمعزل عن الصراع الحزبي، خصوصاً في المجتمعات التي تعاني من انقسامات سياسية أو طائفية. أما إذا أصبحت منظمات المجتمع المدني جزءاً من هذا الصراع، فإنها تفقد ثقة الناس بها، وتتحول إلى أداة إضافية لتعميق الانقسام بدلاً من أن تكون جسراً للحوار.

ولا يعني هذا أن المجتمع المدني يجب أن يكون معزولاً تماماً عن السياسة، فالقضايا التي يتناولها – مثل الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية – هي بطبيعتها قضايا سياسية. لكن الفرق كبير بين الانخراط في الشأن العام من موقع الاستقلال، وبين العمل كواجهة أو ذراع غير رسمية لحزب أو تيار سياسي.

إن استقلالية المجتمع المدني هي الشرط الأساسي لصدقيته. وهذه الاستقلالية لا تتحقق بالشعارات، بل عبر الشفافية في التمويل، والديمقراطية في إدارة المنظمات، ووضوح الأهداف والبرامج. كما أن المجتمع نفسه مطالب بمتابعة أداء هذه المنظمات ومساءلتها، حتى لا تتحول إلى كيانات مغلقة تخدم مصالح ضيقة.

في النهاية، لا يمكن للمجتمع المدني أن يكون صوت المجتمع إذا كان صدىً للأحزاب. فالصوت الحقيقي هو الذي ينطلق من الناس ويعود إليهم، يعبر عن احتياجاتهم ويستمد شرعيته من ثقتهم. أما الصدى، فهو مجرد تكرار لصوت آخر، مهما حاول أن يبدو مستقلاً. وبين الصوت والصدى يكمن الفرق بين مجتمع مدني حيّ، وآخر فقد دوره ومعناه.

كيف تتمكن بعض الأحزاب السياسية في العراق إستمالة منظمات المجتمع المدني لكي تعمل لصالحها ووفق أجنداتها الحزبية؟

تتمكّن بعض الأحزاب السياسية في العراق من استمالة منظمات المجتمع المدني والعمل من خلالها بطرق متعددة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر. يعود ذلك غالبًا إلى طبيعة البيئة السياسية والاجتماعية بعد عام 2003، حيث نشأت آلاف المنظمات بسرعة كبيرة، أحيانًا دون خبرة مؤسسية أو مصادر تمويل مستقلة. وفيما يلي أبرز الآليات التي تُستخدم عادة:

اولاً- التمويل والسيطرة المالية: أن الكثير من منظمات المجتمع المدني تعتمد على التمويل للبقاء، فتستغل ذلك بعض الأحزاب عبر تقديم دعم مالي مباشر للمنظمة أو لمشاريعها، أوتسهيل الحصول على منح أو عقود حكومية من خلال نفوذها السياسي، أوتمويل غير معلن مقابل تبني مواقف أو نشاطات تخدم الحزب.

وعندما تصبح المنظمة معتمدة مالياً على جهة حزبية، يتشكل نوع من الارتباط غير المعلن الذي يؤثر على قراراتها ونشاطها.

ثانياً- إنشاء منظمة واجهة: إذ بعض الأحزاب تقوم اساساً بتأسيس منظمات مجتمع مدني تابعة لها، لكنها تُقدّم للجمهور كمنظمات مستقلة؛ هذه المنظمات قد تنظم فعاليات تبدو مدنية أو ثقافية، أو تصدر بيانات أو تقارير تدعم مواقف الحزب، أو تعمل على تحسين صورة الحزب في المجتمع.

ثالثاً- اختراق الهيئات الإدارية: أحياناً تسعى الأحزاب إلى إدخال أعضاء موالين لها إلى مجالس إدارة المنظمات أو مواقع قيادية فيها، وبمرور الوقت يمكن أن تتغير توجهات المنظمة، أو تتحول أنشطتها تدريجياً لخدمة أجندة سياسية معينة.

رابعاً- استغلال النفوذ الحكومي: أن الأحزاب التي تملك نفوذاً في مؤسسات الدولة قد تستخدمه؛ لتسهيل تسجيل المنظمات القريبة منها، وتقديم امتيازات (مقرات، تصاريح، دعم لوجستي)، والضغط غير المباشر على المنظمات المستقلة.

خامساً- توظيف الخطاب المدني لخدمة أهداف سياسية عبر تشجيع المنظمات على تنظيم ندوات أو حملات إعلامية تدعم سياسات محددة، أو التأثير على الرأي العام تحت عنوان الدفاع عن حقوق أو قضايا اجتماعية، أو المشاركة في مراقبة الانتخابات بطريقة منحازة.

سادساً- العلاقة الشخصية والشبكات الاجتماعية، وفي كثير من الأحيان يتم الأمر عبر علاقات شخصية بين ناشطين وقادة حزبيين، أو تقديم فرص عمل أو مناصب، أو إدماج ناشطين مدنيين في مشاريع سياسية أو انتخابية.

سابعاً- ضعف الإطار التنظيمي والرقابي، ويتمثل في ضعف قوانين الشفافية الخاصة بالمنظمات، أو محدودية الرقابة على مصادر التمويل، أو عدم وضوح الحدود بين النشاط المدني والنشاط الحزبي.

وعندما يحدث هذا التداخل بين الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، قد يؤدي إلى تسييس العمل المدني، وفقدان ثقة الجمهور بالمنظمات، وإضعاف الدور الرقابي الحقيقي للمجتمع المدني على السلطة.

في التجربة العراقية بعد 2003 لم يكن المجتمع المدني دائماً فضاء مستقلاً تماماً، بل أصبح في بعض الأحيان ساحة صراع وتأثير بين القوى السياسية. ومع ذلك يبقى وجود مجتمع مدني حقيقي ومستقل عنصرا أساسياً لأي عملية ديمقراطية.

جدير بالذكر، توجد في العراق أيضاً منظمات مستقلة فعلاً تحاول الحفاظ على حيادها والعمل وفق مبادئ المجتمع المدني، لكنها تواجه تحديات كبيرة في التمويل والبيئة السياسية.

***

جورج منصور

منذُ ما يدنو من خمس عشرة سنة وأنا أقومُ بنشر المحاضرات التثقيفية حول الفكر السياسي بمختلف مشاربه ومذاهبه وإتجاهاته، الاسلامية منها والغربية، سواء تلك التي تميل الى الفرد بليبراليتها، أو التي تعتكز على الجماعة باشتراكيتها، أو تلك التي شقت طريقها بين المسارين، محاضراتٌ كان همّها الأبرز هو إعادة ضخّ موضوعات الفكر السياسي المعروفة بكونها عصية على العديد من المتخصصين، فضلاً عن سواهم، بطريقة تقترب من السهل الممتنع كما أخبرني الكثيرون من متابعيها من مختلف دول العالم كما يشي بذلك البريد الألكتروني الخاص بها.

بيد أني تفاجـأتُ بإغلاق القناة من قبل شركة يوتيوب بعد أن قمتُ بنشر مقطع فيديو أُدين فيه الحرب الظالمة على الجمهورية الاسلامية في ايران، وكونها عدواناً سافراً يتطلب موقفاً مندداً من النخب والمثقفين في سبيل تعرية هذه الحرب، والعمل بكل ما أمكن في سبيل التنديد بها، والمطالبة بإيقافها، منتقداً في الوقت عينه أولئك الذين يبررون هكذا اعتداءات بذريعة أنها الوقوف ضدها يعني دعماً للطرف المعتدى عليه، وهو تبرير إن دلّ على شيء فإنما يدل على خيانة ثقافية بارزة، أو كما أستميتُه في الفيديو "خيانة المثقفين"، وهو تعبير قمتُ بإستعارته من أحد مقالات المفكر إدوارد سعيد (1935-2003م) كان قد كتبه في عموده الاسبوعي في الــــ(Alahram Weekly).

لم تكن ذريعة الإغلاق من قبل اليوتيوب سوى كون القناة تقوم بمدح أطراف مجرمة! وهم يقصدون بذلك الجمهورية الاسلامية في ايران وحزب الله في لبنان، مع العلم أن الجميع يتفق، بما في ذلك الامم المتحدة، أن الحرب نتيجة اعتداء غير مبرر وغير مشروع من قبل الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني، وهنا نكون امام الازدواجية الغربية التي لم تعد قابلة للتغطية أو التمرير فيما يتعلق بحرية التعبير أو احترام الرأي الاخر، فالغرب الديمقراطي جداً وكثيراً لم تعد منصاته وتطبيقاته تسمح لمن يختلف مع غرستهم الاستعمارية إسرائيل، على حد تعبير المفكر العراقي هادي العلوي (1932-1998م)، فكل شيء مباحٌ طالما لا تنتقد هذا الكيان الذي زرعه الغرب في المنطقة بالشكل الذي زادها فوضى على ما فيها من فوضى وصراع!

لستُ أدري على أي الأمور احزن، على ذهاب منجز متواضع أفتخر أنه اسهم في تنوير وتثقيف الكثيرين بضغطة زرٍ من شركة اليوتيوب، أم على البقية من أبناء جلدتنا من الذين ما زالوا منخدعين بأن الغرب يؤمن بحقوق الانسان وحرية التعبير من الجميع ومن كل مكان كما يقولون؟

وأي يكن الامر، ومهما كانت الكلفة والنتائج، فإن هذه الحربَ حربٌ ظالمة  كما وصفتها المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، وبما كشفته طبيعة مجرياتها في الميدان، إذ تم فيها قصف المدارس والجامعات ومراكز الدراسات والبنى التحتية المدنية، وأن أولئك الذين رفضوا أن يستنكروها من المثقفين بذريعة ان ذلك فيه فيه دعم لإيران او لحزب الله او لغيرهم فيقعون ضمن يمارس الخيانة الثقافية التي لا يمكن أن يبررها عقل سليم أو ضمير فيه حياة، فالظلمُ ظلمٌ حتى وإن إتفقتَ مع فاعله، والمظلومُ مظلومٌ مهما إختلفتَ مع من وقع عليه.

***

د. محمد هاشم البطاط

الإسهاب: الإطالة والتوسع بالكلام المكتوب بغير منفعة.

نعيش عصر الإختصار والتكثيف، وحتى في العصور الخوالي تنبه أوائل الكتاب إلى فنون صنعة الكتابة، وأوجزوا وعبروا عن مناهج ما قل ودل، فكيف بنا ونحن في عصر السرعات الخارقات من الإبتكارات والإختراعات التي تضخنا بتيارات من المعلومات الفياضة.

إختيار المفردات، التعبير عن الفكرة بأقل الكلمات، تحبيب المكتوب وجعله مرغوب، من أساسيات صنعة الكتابة، أما الإسراف بسكب الكلمات بلا منظور منهجي وخطة تعبيرية ذات قيمة معرقية وتأثيرية، وقدرة على شد القارئ إلى المنشور، فهذا عبث وتبذير للوقت وإستهانة بالمعارف، وتجاهل للقارئ، وكأن الكتابة لشخص الكاتب، وإرضاء لنزعاته الوهمية ونرجسيته الإستعلاية الفجة والحاجات الترويحية.

"القلم شجرة ثمرتها الألفاظ"

"عقل الكاتب في قلمه"

"قول الناس مدونة في أطراف أقلامهم"

"اللسان وزير الإنسان"

فهل نمتلك مهارة التعبير عن أفكارنا بأقل كلام؟!!

كَتبْنا كيْفما شِئنا فخِبْنا

بإسْهابٍ يؤرّقنا فغِبنا

لأنّ زماننا برهانُ لحْظٍ

يُداهِمُنا ويُطلقنا فتُهنا

إذا عِشنا بأرْوقةِ انْهزامٍ

تدحْرَجْنا إلى وَجَعٍ ومُتنا

***

د. صادق السامرائي

يعد الذوق من المفاهيم المحورية في التجربة الروحية في الاسلام، فهو ليس مجرد حس جمالي شكلي، بل هو ملكة باطنية تمكن السالك من إدراك الحقائق الخفية والمعاني العميقة الكامنة وراء الظواهر. وقد أولى الشيوخ الكمل من اهل التصوف عناية فائقة لتربية هذا الذوق لدى مريديهم، معتبرين إياه مفتاحا للوصول إلى مراتب سامية من المعرفة والمشاهدة. ومن أبرز هؤلاء الشيوخ الذين تجلت في أعمالهم هذه التربية، العارف بالله سيدي محمد الحراق المتوفى سنة 1845 م، والذي اشتهر بتائيته البديعة أتطلب ليلى وهي فيك تجلت

و تحسبها غيرا و غيرك ليست، وبمنهجه في التربية بالطرب و السماع كما سماه الدكتور محمد التهامي الحراق.

تعد اللغة الرمزية والإشارية قوام الشعر الصوفي، حيث تتجاوز الكلمات دلالاتها الظاهرية لتشير إلى معان روحية عميقة. وفي تائية الحراق، يبرز هذا التوظيف الرمزي بوضوح في مطلعها الشهير:

أتطلب ليلى وهي فيك تجلت

وتحسبها غيرا وغيرك ليست

هنا في هذا البيت الشعري الجميل، لا تمثل ليلى المحبوبة البشرية بالمعنى الحسي المباشر، بل هي رمز للروح او النفخة الإلهية الكامنة في الجسد الإنساني والتي يدرك بها العارف الذات الإلهية.

إنها إشارة إلى الحقيقة الكونية بأن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، وأنه متجل في كل ذرة من الوجود، وفي ذات السالك لطريق القوم نفسه. هذا البيت الشعري يدعو المريد إلى تجاوز البحث عن الحق خارج ذاته، فالحقيقة متجلية فيه، وليست غيرا منفصلا عنه. ومن خلال هذا التفكيك للرمز، يتدرب السالك على تنمية حسه التأويلي، ليتمكن من قراءة الإشارات والرموز الكونية والقرآنية، وإدراك المعاني العميقة التي تتجاوز القشور الظاهرية.

إن هذا التوجه يعمق فهم السالك بأن جمال المخلوق هو انعكاس لجمال الخالق، وأن العشق للكيان المادي المقيد هو في الأصل عشق للروح الأزلية المقدسة التي تسكنه.

وبالتالي، فإن ليلى في شعر الحراق تتحول إلى جسر فني للعبور إلى مقام العشق المقدس للحضرة الإلهية، مما يرتقي بالمحبة من مستواها الحسي إلى مستوى روحي مطلق.

***

د. محمد غاني

إنَّ التطلع إلى الخلود واحدةٌ من الأفكار التي استحوذت على تفكير الإنسان، فسعى عبر أزمانٍ متواصلة إلى تحقيق هذه الفكرة، ولعلَّ ملحمة كلكامش (2700–2000 قبل الميلاد) واحدةٌ من أبرز وأقدم القصص الملحمية التي تناولت رحلة البحث عن الخلود وجسّدت الصراع الأبدي بين الإنسان والموت. وظلت هذه الفكرة مصدر إلهام وبحث للعديد من الفلاسفة والعلماء، وكذلك الأدباء الذين اختاروا موضوعات ترمز إلى الخلود التاريخي ومن بينهم الروائي التشيكي (ميلان كونديرا 1929–2023)، الذي اتخذ "الخلود" عنوانًا لواحدة من أهم رواياته التي عالجت فكرة الخلود من زاوية رمزية وهي أن يظل الإنسان حيًا في الذاكرة والتاريخ عبر أسماء مثل نابليون بونابرت ولودفيغ فان بيتهوفن وإرنست همنغواي وكان يرمز بها إلى الخلود التاريخي لا الخلود الجسدي. وكذلك الروائي البرتغالي (أندريه أوليفيرا) كتب رواية (ماراثون الخلود)، التي تتبّع فيها حياة عدّاء رياضي وحلمه بحياة أفضل من خلال كفاحه للفوز بالماراثون الأولمبي، لكن الموت يقف حائلًا أمام تحقيق أمنيته.

أما العلماء، فقد سخّروا أفكارهم وكرسوا تجاربهم لتحقيق الخلود الجسدي، وكان من أبرزهم عالم الفيزياء الأمريكي روبرت إيتينجر (1918–2011)، الملقب بـ"أبو علم التجميد"، الذي طرح في كتابه (آفاق الخلود) الصادر عام 1962 فكرة تجميد جثث الموتى علميًا على أمل إحيائهم مستقبلاً بفضل التطور العلمي، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف، قام بتأسيس "معهد التجميد"، حيث تم تجميد جثث أفراد عائلته بعد وفاتهم أملًا في تحقيق الخلود، وسرعان ما تلقفت السينما هذه الفكرة، فقامت بترجمتها في فيلم سينمائي بعنوان "الغيبة الطويلة"، شاهدته في مطلع سبعينيات القرن الماضي، ويحكي قصة حب بين شابين. تتعرض فيه الحبيبة إلى مرض غريب، يتفق الأطباء على أنه يمكن التوصل إلى علاج للمرض بعد 25 عامًا من التجارب. ولشدة تعلق الشاب بحبيبته، واستعداده للتضحية بكل ما يملك من أجل إنقاذ حياتها، يتم الاتفاق مع الفريق الطبي المشرف على علاجها على تجميدها لحين حلول الموعد المتوقع، وبعد انقضاء المدة، ينجح الفريق الأطباء في التوصل إلى العلاج ويتمكنون من شفائها، فتعود الحبيبة إلى الحياة وهي ما تزال شابة، محتفظة بنضارتها وحيويتها كما كانت عليه هيئتها عند تجميدها، إذ إن النمو قد توقف ولم تتأثر بعامل الزمن بفعل التجميد، غير أن الصدمة تقع حين يحضر حبيبها لمقابلتها فلا تتمكن من التعرف عليه بسبب التغيرات التي طرأت على شكله، وذهاب جانبٍ من ألق شبابه، ليصبح الفارق بينهما في العمر كبيرًا، ففكرة الفيلم تقول: حتى لو انتصر العلم على الموت، لكنه يستحيل الانتصار على الزمن.

مساكين العلماء..  كانوا يأملون في "هزيمة الموت" بإعادة الجثث المجمدة إلى الحياة، ولكن الزمن كان القوة القاهرة التي هزمت الحب وانقضّت عليه، فالموت ليس وحده هو الخصم انما هناك الزمن الذي يؤثر في بنية الكائنات ويعمل على اختلال العلاقات وتدهور العاطفة.

***

ثامر الحاج أمين

شهد العالم خلال الحرب العالمية الثانية تجربتين قاسيتين شكّلتا منعطفًا تاريخيًا في مسار الصراعات الدولية، وأصبحتا نموذجين متباينين في كيفية نهاية الحروب الكبرى.

التجربة الأولى تمثلت في استسلام اليابان بعد الضربات النووية التي استهدفت مدينتي هيروشيما وناغازاكي. هذا الحدث المأساوي، رغم فداحته الإنسانية، أدى إلى إنهاء الحرب سريعًا، وفتح الباب أمام مرحلة إعادة البناء والتحول الاقتصادي والسياسي، لتتحول اليابان لاحقًا إلى واحدة من أقوى الدول في العالم.

أما التجربة الثانية، فقد تجسدت في ألمانيا النازية، التي واصلت القتال حتى النهاية مدفوعة بعقيدة أيديولوجية متطرفة، ما أدى إلى دمار شامل طال البنية التحتية والمجتمع، وانتهى بسقوط النظام وتقسيم البلاد إلى شطرين: ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية، في واحدة من أبرز نتائج الإصرار على المواجهة دون أفق للحلول.

هاتان التجربتان تبرزان بوضوح أن طبيعة الأنظمة السياسية والأيديولوجيات التي تتبناها تلعب دورًا حاسمًا في تحديد مصير الشعوب خلال الأزمات. فالأنظمة التي تنغلق على أفكار متشددة وتغلق أبواب الحوار، قد تقود بلدانها إلى سيناريوهات مدمّرة، في حين أن المرونة والواقعية السياسية قد تفتح طريقًا لتقليل الخسائر وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

إن استحضار هذه الدروس التاريخية لا ينبغي أن يكون بهدف إسقاطات حادة أو الترويج لسيناريوهات كارثية، بل لفهم أن الحروب لا تترك رابحًا حقيقيًا، وأن الشعوب هي التي تدفع الثمن الأكبر. من هنا، تبرز أهمية الحلول الدبلوماسية، وتغليب لغة العقل، والابتعاد عن التصعيد الذي قد يقود إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها.

في النهاية، يبقى التاريخ مرآة للحاضر، لكنه لا يفرض مسارًا حتميًا للمستقبل، بل يقدّم دروسًا يمكن الاستفادة منها لتجنّب تكرار المآسي وبناء عالم أكثر استقرارًا وسلامًا.

***

خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد

هل سيندم المطربون على أغانيهم التي قدموها قبل سنين؟

هل الذائقة الفنية تتغير مع تقدم العمر؟

أستمع لأغاني أم كلثوم التي كنت متعلقا بها . وأجدها لا تستحق ذلك الإهتمام والذوبان في كلماتها، وألحانها رغم روعتها وتميزها، فالملحنون الذين صاغوا أغانيها من العباقرة الأفذاذ، وهذا ربما يعني أن لكل حالة عمر ذوقي معين وقدرة على المواكبة الزمنية ولكن إلى حين.

القول ببلوغ قمة الشيئ وهم بعيد المنال، فالتفاعل مع الحياة بميادينها المتنوعة أشبه بمطاردة سراب، وتداعيات أخيلة تعصف في أركان الوعي والإدراك.

لا توجد عطاءات بشرية أبدية الطباع، بل مرحلية المواصفات، ولا يجوز طغيان ما جرى في مرحلة على ما بعدها.

"وتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم..."، وعندما نُخرج الآية من المفاهيم التي حاوطتها على مر القرون، نكتشف أن فيها إشارة إلى أن لكل حالة زمنها، ومثلما للحي عمر فكذلك للناجم عنه عمر قد يطول أو يقصر، لكن القول بالأبدية لما ينطلق من الحي، موضوع لا أساس له من الواقع ولا يتوافق مع إرادة الأكوان ونواميسها الفاعلة فيما فوق التراب.

أجيال القرن الحادي والعشرين لا تتذوق الأغاني الطويلة، ولا تعرف عمالقة الفن الطربي في القرن العشرين، وهم يتراقصون على وقع الأنغام السريعة الضاجة بالأصوات العالية، ولو حدّثتهم عن الألحان والموسيقى العربية الأصيلة التي تألقت بإبداعات الملحنين الكبار لما إستأنسوا بما تقول، ومهما حاولت أن تخبرهم عن محمد عبد الوهاب، والموجي، والسنباطي وبليغ حمدي وغيرهم ما تفاعلوا مع الكلام، وحسبوك قادم من زمان مجهول في غياهب النسيان، فأمواج الأجيال تتطامى، ولاحقها يزيح سابقها، وتلك الأيام يتم مداولتها بين الخلق أجمعين.

أجيال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين يتمتعون بمميزات تكنولوجية وتواصلية ذات إيقاع خاطف، وتوالد لحظي المواصفات، وأكثرهم يتمتع بما لا يخطر على بال من الرؤى والتصورات المنبثقة من ثورات الإبداع المتجدد.

بنا دارتْ وما عَرفتْ مُنانا

بها نَمْضي إلى وجعٍ حَدانا

هيَ الدنيا تُباغِتنا بفِعلٍ

يُغيِّرُ في زمانٍ مُحْتوانا

إذا الأجيالُ ما نَهَضتْ بعقلٍ

تَمَلّكها هوانٌ لا يُدانى

***

د. صادق السامرائي

حين أسّس حسن البنا حركته في مصر عام 1928، لم يكن مصطلح "النظام العالمي الجديد" قد وُلد بعد، لكن البنية التي سينبثق عنها هذا المفهوم كانت تتشكّل بالفعل. العالم الخارج من الحرب العالمية الأولى كان يتجه نحو إعادة تنظيم دولي تقوده القوى الاستعمارية، قبل أن يترسخ لاحقًا بعد الحرب الباردة في صورة نظام دولي أكثر وضوحًا. في هذا السياق، يظهر فكر البنا كاستجابة مبكرة، بل واعتراض تأسيسي، على المسار الذي سيقود إلى النظام العالمي بصيغته الحديثة.

البنا لم يكن مجرد داعية ديني، بل كان صاحب مشروع سياسي-حضاري يرى أن الخلل في العالم الإسلامي ليس داخليًا فقط، بل هو نتيجة اندماجه القسري في نظام دولي تهيمن عليه قوى خارجية. لذلك، فإن طرحه لمفهوم "شمولية الإسلام" لم يكن وعظًا روحيًا بقدر ما كان محاولة لبناء إطار بديل للنظام الدولي القائم. في مقابل عالم يتجه إلى تكريس الدولة القومية كفاعل أساسي، كان البنا يستدعي مفهوم "الأمة" ككيان عابر للحدود، يتجاوز التقسيمات التي فرضها الاستعمار.

هذا التباين ليس شكليًا، بل يمس جوهر الرؤية السياسية. فالنظام العالمي، كما تبلور عبر مؤسسات مثل الأمم المتحدة، يقوم على مبدأ السيادة الوطنية والتوازن بين الدول، حتى وإن كان هذا التوازن مختلًا لصالح القوى الكبرى. أما عند البنا، فالدولة ليست غاية نهائية، بل مرحلة ضمن مشروع أوسع يهدف إلى إعادة تشكيل المجال السياسي وفق مرجعية دينية. هنا يتجلى التناقض: نظام دولي يسعى إلى إدارة الاختلاف، مقابل مشروع أيديولوجي يسعى إلى إعادة تعريفه من الأساس.

الأهم من ذلك أن البنا قرأ مبكرًا مسألة الهيمنة، وإن بلغة عصره. فقد رأى أن الغرب لا يفرض سيطرته فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا عبر الثقافة والاقتصاد وأنماط الحكم. وهذه القراءة تتقاطع مع تحليلات لاحقة للنظام العالمي، لكنها تختلف في الاستنتاج: فبينما يدعو النظام الدولي إلى الاندماج في منظومته، يدعو البنا إلى الانفصال عنها وبناء بديل مستقل.

ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن مشروع البنا بقي نظريًا جزئيًا في علاقته بالنظام الدولي. فهو لم يقدّم تصورًا عمليًا لكيفية إدارة علاقات دولية معقدة في عالم متعدد القوى، بقدر ما ركّز على إعادة بناء الداخل كمدخل للتغيير الخارجي. وهذا ما يجعل الفارق بينه وبين النظام العالمي ليس فقط في الأهداف، بل في مستوى الاشتغال: البنا يتحرك في حقل الفكرة والتعبئة، بينما يتحرك النظام العالمي في حقل المصالح والتوازنات.

اليوم، وبعد تحولات كبرى وصعود قوى مثل الصين وروسيا، لم يعد النظام العالمي أحاديًا كما كان، لكن جوهره لم يتغير: ما زال قائمًا على الدولة، السيادة، والمصالح. في المقابل، تستمر أفكار البنا بأشكال مختلفة في تمثيل تيار يرفض هذا الأساس من جذوره، لا من تفاصيله.

في الخلاصة، العلاقة بين حسن البنا والنظام العالمي ليست علاقة تفاعل مباشر، بل علاقة "اختلاف بنيوي". إنه اختلاف بين مشروعين: أحدهما يسعى إلى تنظيم العالم كما هو، والآخر يسعى إلى إعادة تعريفه كما ينبغي أن يكون.

***

محمد البغدادي

في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح مكانة خاصة في وجدان أجيال من العراقيين. فمنذ بداياته، لم يكن هذا الحزب مجرد تنظيم سياسي يسعى إلى موقع في السلطة، بل كان، في أحد أبرز وجوهه، تعبيرًا عن نزعة أخلاقية ووطنية رأت الإنسان قيمة عليا، ورأت العدالة شرطًا لازمًا لكرامة المجتمع، لذلك لم يقتصر حضوره على البيانات والشعارات، بل تجلّى في المعلم والعامل والكاتب والطالب، وفي تلك النماذج البشرية التي منحت السياسة معنى أنظف، وربطت الوطنية بالسلوك اليومي لا بالادعاء الخطابي.

ولعل ما ميّز الشيوعي العراقي، في الذاكرة العامة، أنه لم يكن مجرد حامل لفكرة أيديولوجية، بل كان غالبًا حاملًا لخلق مدني رفيع، كثيرون ممن لم ينتموا إليه، تعلّموا على أيدي شيوعيين أولى معاني احترام الإنسان، وحب الوطن، والانحياز إلى الفقراء، والإيمان بأن المرأة ليست هامشًا في المجتمع بل شريكًا كامل الكرامة، وأن التنوع القومي والديني ليس لعنة على العراق، بل إحدى حقائقه الكبرى التي لا تستقيم الدولة من دون الاعتراف بها وإنصافها.

ومن بين أكثر المواقف التي تُحسب لهذا الحزب، موقفه الإنساني والوطني المتقدم من القضية الكردية، في زمنٍ كان فيه كثيرون ينكرون على الكرد حتى حقهم في الاعتراف والإنصاف، يوم رفع شعاره المعروف: الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان، لم يكن يطلق عبارة دعائية عابرة، بل كان يعبّر عن فهم مبكر لطبيعة العراق بوصفه وطنًا متعدد القوميات والمكونات، لا يستقر بالقهر ولا يُدار بالإنكار، ومن هذه الزاوية أيضًا، انفتح خطابه على بقية المكونات العرقية والدينية، مؤمنًا بأن المواطنة الحقة لا تتجزأ، وأن العدالة لا تكون عدالة إذا استثنت قومية أو دينًا أو لغة.    لقد دفع الشيوعيون العراقيون أثمانًا باهظة من دمهم وحريتهم وسمعتهم الاجتماعية، سجونًا ومطاردات ومنافي وتشويهًا وتكفيرًا، لكنهم ظلوا، في صور كثيرة، مثالًا لنظافة اليد، ونبل السلوك، والإخلاص لفكرة الوطن العادل، ولهذا بقيت صورتهم، بالرغم من كل ما تعرضوا له، أوسع من حدود التنظيم، وأرسخ من حملات التخوين والإقصاء.

صحيح أننا لسنا شيوعيين، وربما نختلف معهم في بعض الأفكار والمبادئ والرؤى، لكن الإنصاف يقتضي أن يقال بوضوح إن هذا الخلاف لا يلغي كونهم، في جانب كبير من تاريخهم، مدرسة وطنية عراقية رفيعة، بسلوكها المدني، ونظافة انتمائها، وسموّ مواطنتها، وإخلاصها الصادق للفقراء والمظلومين، واحترامها لحقوق الكرد وسائر المكونات العراقية، ولذلك فإن التحية في ذكرى تأسيسهم لا تُهدى إلى حزب فقط، بل إلى تقليد نضالي وأخلاقي علّم العراقيين أن الأوطان لا تُبنى بالغلبة، بل بالعدالة، ولا تصان بالشعارات، بل بالخلق والوفاء والتضحية.

***

كفاح محمود

 

بعد مرور أكثر من شهرٍ على الصراع المسلح في إيران، شهد العالم تفاقمًا ملحوظًا في أزمة نقص النفط الخام، مما يهدد بتحوّل هذه المشكلة إلى نقصٍ شامل ليس فقط في الوقود، ولكن في مجموعة واسعة من المنتجات الأساسية.

تؤكد البيانات الحالية أن النزاع الدائر في الشرق الأوسط أدى إلى تراجع كبير في تدفقات النفط والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، وهو ما تسبّب بدوره في انخفاض الإمدادات العالمية بنسبة تُقدّر بخُمس الإنتاج العالمي من هذه الموارد الحيوية.

هذا الانخفاض في الإمدادات لم يقتصر تأثيره على ارتفاع أسعار الوقود فقط، بل أثّر بشكل عميق على توفر المواد البتروكيماوية الضرورية لتصنيع عدد كبير من السلع اليومية، مثل الملابس، والأحذية، والأكياس البلاستيكية.

وقد أصبح الوضع أكثر تعقيدًا مع تصاعد الأسعار المرتبطة بالمواد الأولية مثل البلاستيك والمطاط والبوليستر، الأمر الذي فرض ضغوطًا إضافية على الأسواق الاستهلاكية، خاصة في آسيا، التي تستحوذ على أكثر من نصف الإنتاج الصناعي العالمي وتعتمد بشكل أساسي على الواردات النفطية والبتروكيماوية.

1-  في كوريا الجنوبية، شهدت الفترات الأخيرة ذعرًا بين المواطنين الذين اندفعوا لشراء أكياس القمامة بسبب مخاوف متنامية من نفادها. في مواجهة هذه الأزمة، سعت الحكومة الكورية إلى تقليل استهلاك المواد ذات الاستخدام الواحد.

الحكومة الكورية سارعت إلى استغلال قرار تعليق العقوبات الأمريكية المفروضة على المنتجات النفطية القادمة من روسيا، إذ استوردت أولى شحناتها من النافثا الروسية منذ اندلاع الحرب الأوكرانية.

وفي إطار مواجهة الأزمة الداخلية للإمدادات النفطية، فرضت الحكومة الكورية حظرًا على تصدير النافثا للحفاظ على المخزون المحلي.

2-  وعلى صعيد مشابه، أعلنت - تايوان - إطلاق خط ساخن للمصانع المتضررة من شح المواد البلاستيكية، بينما أعرب مزارعون محليون عن احتمالية رفع أسعار الأرز نتيجة لعدم توفر الأكياس المخصصة لتعبئته.

3-  أما في اليابان، فقد أثارت أزمة النفط مخاوف جدّية بشأن إمكانية حصول مرضى الفشل الكلوي المزمن على العلاج اللازم، حيث عانت البلاد من نقص في الأنابيب البلاستيكية المستخدمة في عمليات غسيل الكلى.

4-  وفي ماليزيا، تواجه شركات تصنيع القفازات الطبية أزمة تهدد الإمدادات العالمية بسبب نقص أحد مشتقات البترول الضرورية لإنتاج مطاط اللاتكس.

على الصعيد الأوسع، يُظهر تحليل أجرته (شركة ديزان شيرا ) وشركاه أنّ الأزمة تفاقمت لتؤثر على مجموعة متنوعة من الصناعات، بدءًا من المواد الغذائية مثل البيرة ورقائق البطاطس ووصولاً إلى مستحضرات التجميل.

والسبب يكمن في النقص الحاد بالمواد المستخدمة في التعبئة والتغليف كالأغطية البلاستيكية والصناديق والعبوات. هذا الوضع يعكس تحول التداعيات الاقتصادية بسرعة من اضطراب قطاع النفط والشحن إلى تأثيرات أعمق طالت الصناعات الاستهلاكية والبتروكيماويات.

وقد دفع هذا التدهور السريع إلى ارتفاع معدلات التضخم العالمي، حيث يواجه المصنعون تكاليف أكبر للطاقة والمواد الخام، ما يضعف هامش أرباحهم ويرفع الأسعار على المستهلكين النهائيين.

في الوقت نفسه، يتسبب ارتفاع أسعار الوقود في اضطرابات كبيرة لقطاعي النقل والخدمات اللوجستية، لا سيما مع نقص إضافي ملحوظ في مواد قادمة من الشرق الأوسط مثل الأسمدة والهيليوم، مما أدى بدوره إلى ارتفاع أسعار الغذاء والإلكترونيات. كما أشار صندوق النقد الدولي مؤخرًا إلى أن هذه الأزمة متعددة الجوانب تأتي في وقت تعاني فيه العديد من الاقتصادات من محدودية قدرتها على مواجهة الصدمات الاقتصادية. وبيّن أن هذه التداعيات تؤدي بشكل حتمي إلى ارتفاع الأسعار والتأثير السلبي على معدلات النمو الاقتصادي.

في ظل هذه الأوضاع المقلقة، لجأت العديد من الدول إلى إطلاق كميات قياسية من النفط المخزن ضمن احتياطاتها الاستراتيجية لتخفيف حدة الأزمة. ومع ذلك، يُعد النقص الملحوظ في النافثا، وهو أحد المشتقات الأساسية للبترول المستخدمة في إنتاج المواد الاصطناعية، أحد أبرز المشكلات التي تؤثر على الإمدادات العالمية. وأدى هذا النقص إلى اضطرار بعض الشركات البتروكيماوية في آسيا إلى تقليل معدلات إنتاجها أو حتى إعلان حالة القوة القاهرة بسبب العجز عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية نتيجة انعدام البدائل للنافثا.

***

شاكر عبد موسى/ العراق

منذ إنتهاء الدولة العثمانية في (3\3\1924) والمسلمون يطاردون سراب تصورات دولة الخلافة، وأهملوا مقومات الحياة والقوة والإقتدار.

فما أطعموا أنفسهم ولا صنعوا، ولا وضعوا أسسا لتنامي قوتهم، بل تحوّلوا إلى أعداء بعضهم، وأدوات لتدمير ذاتهم وموضوعهم، وهم للطامعين فيهم صاغرين.

من موائد الغير يأكلون، ولبعضهم يقتلون، والدنيا تتقدم وهم يتأخرون، وبالأجداث ينبشون.

ما أن إنتهت الخلافة في إستانبول حتى إنطلقت فكرة إعادتها، وتأسست الأحزاب المؤدينة لتحقيق تلك الغاية الوهمية وإعادة الزمن إلى الوراء.

فتأسس حزب الإخوان المسلمين في (22\3\1928) بواسطة حسن البنا (1906 - 1949)، الذي أسسه وهو في عمر (22)!!

ومن رحم هذا الحزب وفكرته في إستعادة الخلافة، ولدت أحزاب ذات مواصفات دينية، تطارد خيوط دخان، وتسفك الدماء وتدمر الإنسان، وتحسب ما تقوم به قرابين تديّن وإيمان.

الأرض تدور وللتغيير حضور، وما بقيت الرواتع والقصور، والبعض على كله يثور، وفوق التراب تتدحرج العصور، كأنها الهباء المنثور، فلماذا التخندق بالقبور، وبالعبث المسجور، والأجيال من غيها تخور.

وكل من عليها فان، وله في كل يوم شان، فلماذا التواصي بالتجاهل والإمتهان؟

أحزاب تأكل أحزابا، ومجتمعات تقطّع أربابا، والأعداء أصبحو أصحابا، وكلهم صاروا مفكرين وفلاسفة وعارفين وكتّابا، وحصيدهم أضحى خيابا، فكيف تكون الأمة بعد أن هجرت الكتابا؟

هيا إلى شر العمل، نداؤها الذي فعل، وأصمت الأمل، وترنم بالأجل.

مَن أطلق فكرة الأحزاب الدينية، وضلل الناس بأنهم في أسوأ الأحوال لأن دولة الخلافة إنتهت، وعليهم إعادتها لتحيا الأمة من جديد.

الأمة غابت ورحلت إلى غياهب المجهول، وما فات مات، وعلينا بما هو آت، لنصنع الحياة.

الإتحاد قوة، فهل إتحد أبناء أمة بلا إرادة جامعة؟

مَضى زمنٌ بهِ الأزمانُ قاستْ

إلى زمن ٍ يُدين بما أقامَتْ

تواصلتِ الخطوبُ على شُعوبٍ

مُشرْذمةٍ بما مَلكتْ تهاوتْ

فلا نفعتْ بها دولُ اخْتيالٍ

وكلُّ صَنيعةٍ ذهَبتْ تلاشتْ

أ تُعقلُ عودةً لديارِ كانوا

وهلْ بقيتْ مَناقبهمْ ودامَتْ

خيالاتٌ بها الأذهانُ جادَتْ

فهلْ فعلوا إذا حَقّتْ ورانَتْ

بآونَةٍ تبرْعَمَ مُحْتواها

وإنّ لحيْنها بشرٌ تواصَتْ

***

د. صادق السامرائي

يمر الإنسان في حياته بمحطات يشعر فيها بأن صدره قد ضاق، وأن الأشياء من حوله لم تعد كما كانت، وأن المعاني في الحياة ورونقها التي كان يستند إليها بدأت تهتز أو تبتعد. في تلك اللحظات، لا يكون الضيق مجرد شعور عابر ومؤقت، بل تجربة عميقة تمس الفكر والمشاعر والروح معاً. إنه حالة يعيشها الإنسان بكليته وتتفاعل معها جميع مكنوناته ودواخل نفسه، تتداخل فيها ضغوط الحياة مع صراعاته الداخلية، وتكشف له جانباً من ذاته ربما لم يكن يراه من قبل.

الضيق ليس ضعفاً كما يظن البعض، وليس دليلاً على الانهيار والإنكسار، بل هو في كثير من الأحيان علامة على وعيٍ يتشكل، أو سؤال يبحث عن إجابة، أو معنى لم يكتمل بعد. فالإنسان الذي يشعر بالضيق هو إنسان حي، يتفاعل مع ما حوله، ويتأثر، ويحزن ويفرح ، ويبحث، ويجتهد في فهم ذاته والعالم من حوله. ولهذا، فإن الضيق قد يكون بداية تحول مهمة، لا نهاية طريق.

حين يضيق الإنسان، فإن أول ما يتأثر هو داخل ذاته؛ أفكاره تتزاحم وتتناثر، ومشاعره تثقل وتتشعب ما بين خوف وحزن وإحباط، وقد يشعر وكأن كل شيء قد فقد توازنه. لكنه في الحقيقة يكون أمام فرصة لإعادة ترتيب هذا الداخل الذي هو بحاجه إلى تنظيمه وإعادة صياغته وتشكيله بصورة أكثر قوة وتحصين نفسي وروحي، لإعادة النظر في طريقة تفكيره، وفي تفسيره لما يحدث حوله. فالحدث نفسه قد لا يتغير، لكن طريقة رؤيته له يمكن أن تتغير وتصبح أكثر وعياً وإحاطة بالظروف والأحداث بشكل أكثر منطقية، وهنا يبدأ الفرق الحقيقي في النظرة والرؤية الإيجابية ذات النفع والقائدة المرجوة له.

كثير من الضيق الذي نعيشه لا يأتي فقط من الواقع الذي نعيشه، بل من الطريقة التي نحمله بها داخلنا. من تضخيم بعض الأمور دون الحاجة لذلك، بل هي مجرد وهم وتفسير زائد للحدث أو الموقف، أو من جلد الذات وإشعارها بالتقصير والضعف والهوان، أو من توقعات غير واقعية، أو من رغبتنا في أن تسير الحياة وفق ما نريد تماماً وبمثالية زادة عن الحد. وعندما لا يحدث ذلك، نشعر بالاختناق وتتغير أحوالنا ، ونبدأ بتفاعل معها بشكل سلبي بدل الهدوء والانضباط عندما نتعرض لها، وكأن العالم قد ضاق بنا، وإنسدت الآفاق فينا، بينما الحقيقة أن المساحة الداخلية هي التي تحتاج إلى إعادة اتساع وصبر وثبات.

وفي خضم هذا الضيق، يبحث الإنسان عن مخرج، عن شيء يعيد له توازنه وطمأنينته. " وفي ضوء هذا الفهم التكاملي، تتجلى أهمية النظر إلى الضيق النفسي بوصفه تجربةً يمكن إدارتها والتعامل معها بآليات تجمع بين البعدين الروحي والعلمي. ففي الوقت الذي يوجه فيه القرآن الكريم الإنسان إلى ممارساتٍ كالذكر والصلاة والتسبيح والدعاء والتوكل على الله؛ نجد في (التفسير المنير) توضيحاً لذلك، حيث سلى الله نبيه عما يصيبه من أذى المشركين بقوله: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } [الحجر: 97]، أي: نعلم يا محمد أن سخرية المشركين تسبب لك الضيق والانقباض، فلا يمنعك ذلك من إبلاغ رسالة الله، وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك، والجأ إليه لزوال هذا الضيق. ثم أمره سبحانه بالتسبيح والعبادة بقوله: { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر: 98-99]، أي: داوم على ذكر الله وتسبيحه وعبادته عبر الصلاة حتى يأتيك اليقين، وهو الموت الذي لا مفر منه".1

وأن البعض قد يجده في الحديث مع شخص قريب، والبعض في العزلة المؤقتة، والبعض في التأمل أو الدعاء أو إعادة ترتيب حياته. وكل هذه الطرق، مهما اختلفت، تشترك في أنها تعيد الإنسان إلى ذاته وتجدد حياته، وتمنحه فرصة ليهدأ، ويرى الأمور بوضوح أكبر.

ومن أهم ما يساعد الإنسان في هذه اللحظات أن يدرك أن الضيق لا يدوم، وأن ما يشعر به الآن ليس حكماً نهائياً على حياته. فكم من لحظة ضيق كانت بداية لفهم جديد وتغير سديد وناجح، وكم من أزمة فتحت باباً لم يكن ليفتح لولاها والظروف التي احاطت بها. الضيق قد يكون قاسياً ومؤلماً، لكنه أحياناً يحمل في طياته بذور التغيير والخير والنفع والسمو والرفعة والمكانة.

كما أن وجود الآخرين في حياة الإنسان يلعب دوراً كبيراً في تخفيف هذا الشعور وتسليته وحمل جماعي وتحد مشترك له. فالكلمة الطيبة، والاستماع الصادق، والدعم الحقيقي، يمكن أن يخفف الكثير من ثقل الضيق وهموم المرحلة. الإنسان لا يعيش وحده وليس بمعزل عن الآخرين ، هو في الحقيقة كائن اجتماعي يتفاعل ويأنس بغيره وهم بجواره ومحيطه، ومشاركته لما يشعر به قد تكون خطوة مهمة نحو التعافي والدعم والمساندة.

ومع ذلك، يبقى الجزء الأهم هو العلاقة التي يبنيها الإنسان مع نفسه. كيف يتحدث معها؟ كيف يفسر ما يمر به؟ هل يقسو عليها أم يحتويها؟ هل يراها ضعيفة أم يراها في طريقها للنمو؟ هذه الأسئلة تصنع الفارق الحقيقي بين أنسان وعى ففهم واستفاد من تجربته وآخر قد يرى نفسه ضائقاً به صدره لا يتحمل ولا يقوى على المواجهة والهم الذي يلازمه وينخص عليه حياته، فيتلاشى ويضعف رويداً رويداً حتى تذبل حياته وينتعد عن المشهد وينعزل عن واقعه ويثقل بالهموم. فالإنسان الذي يتعامل مع نفسه برفق ووعي، يكون أقدر على عبور الضيق، وتحويله إلى تجربة تعلم ونضج.

إن الضيق، رغم صعوبته، يحمل رسالة. رسالة تدعونا للتوقف، للتفكير والتأمل، لإعادة التوازن، وربما لتغيير بعض المسارات والمسلكيات. هو ليس دائماً شيئاً يجب الهروب منه، بل أحياناً يحتاج إلى مواجهته وأن نقترب منه، نفهمه، ونستمع لما يحمله لنا من الخير والنفع وتقوية الذات والأواصر بين الناس.

وفي النهاية، حين يمر الإنسان بتجربة الضيق ويتعامل معها بوعي وادراك، فإنه لا يخرج منها كما دخل. يخرج أكثر فهماً لنفسه، أكثر قدرة على التكيف والتوافق مع الناس والمستجدات واكتساب الخبرات، وأكثر نضجاً وتماسكاً ومنعة وقوة في نظرته للحياة ولمن حوله. قد لا تختفي التحديات، لكن طريقته في التعامل معها تتغير ويكون لديه رصيد كاف من القدرة على مواجته والصمود أمامه، وهذا هو الفرق الحقيقي. فالضيق قد يضيق بالقلب لحظة، لكنه قد يوسع الإنسان عمراً كاملاً ويكسبه قوة التحمل والصلابة والثبات في مواقف الحياة وشدتها.

***

د. أكرم عثمان

5-4-2026

......................

  - https://islamonline.net/137458

حين بدأ النبي محمد (ص) بنشر رسالته، هل كان يحمل مشروعًا سياسيًا؟ هل كان يخطط للتوسع والحروب؟ وهل كان يتوقع أن يتشظّى الإسلام إلى مذاهب وطوائف، بل وتتفرع عنه قراءات متباينة تصل حدّ التنازع؟

لست هنا أتحدث نيابة عن النبي، حاشا لله. فقد سبقني إلى ذلك كثير من الشيوخ والفقهاء ورجال الدين الذين نصّبوا أنفسهم وكلاء عن الله والنبي والأئمة، فاحتكروا التفسير والفقه، وطوّعوا النصوص وفق قناعاتهم أو مصالحهم، وغالبًا ما كانت مصالح سياسية.

وهنا يبرز الوجه الأكثر إشكالية: الإسلام السياسي. فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع صعود هذا المصطلح، اختلطت الحدود بين الروحي والمادي، ونشأ صراع بين من يرى الدين مشروعًا سياسيًا يُنظّم الدولة والمجتمع، ومن يراه طريقًا داخليًا للإصلاح الأخلاقي والسمو الروحي. وبين هذين الاتجاهين، دار صراع طويل على احتكار "التمثيل الشرعي" للإسلام.

وُلد الإسلام السياسي من رحم الأزمات الحديثة: انهيار الدولة الإسلامية التي امتد سلطانها قرونًا، ثم الاستعمار وما تبعه من تقسيم وتهميش سياسي وثقافي. فرفع هذا التيار شعار استعادة "المجد الإسلامي" عبر تطبيق الشريعة. غير أنّ الأفكار، ما إن تحوّلت إلى أيديولوجيات وأحزاب، حتى تراجع البعد الروحي، وانساق الناس خلف هذا الحزب أو ذاك الزعيم. ولم يقتصر الأمر على النخب، بل امتد إلى قطاعات واسعة من البسطاء الذين اتبعوا زعماءهم في خياراتهم السياسية بلا مساءلة، في مشهد أعاد إنتاج التعصّب القبلي وصنمية الولاء التي جاء الإسلام أساسًا ليقوّضها.

وما نشهده اليوم من حكومات تقوم على أساس ديني أو طائفي، ومن انتخابات يتصدرها زعماء يرفعون راية الدفاع عن الدين، ليس إلا طعنة في جوهر الرسالة، إذ يُستَخدم الدين غطاءً للصراع على السلطة، فتُشوَّه الحقيقة ويُفرَّغ المعنى.

والحقيقة أن الإسلام لا يحتاج إلى من يثبّته بالقوة، فالإيمان علاقة بين الإنسان وربه، لا تُفرض بالسيف ولا تُصان بالشعارات. أما أحلام استعادة أنماط حكم تاريخية، فقد أثبت الواقع أنها أوهام سرعان ما تتبدد. فالتاريخ دورات متعاقبة، إمبراطوريات كبرى كروما وأثينا أفلت، لكن شعوبها لم ترتهن للماضي، بل تقبّلت حاضرها وسعت إلى تطويره.

فمتى يكفّ المتحدثون باسم الدين عن توظيفه في مشاريعهم السلطوية؟ ومتى يُصارحون الناس بأن ما يختبئ خلف الشعارات ليس سوى طموح إلى الهيمنة، مهما تجمّل بعبارات مدنية؟

ربما تكمن الحكمة اليوم في استعادة التوازن: أن يبقى الإسلام قوة أخلاقية تُنير الحياة العامة دون أن يُختزل في صراع على السلطة. فحين يغيب البعد الروحي، يتحول الدين إلى أداة هيمنة، وحين ينفصل عن الواقع، يصبح عزلة لا تُغيّر شيئًا. الإسلام الأصيل ليس سياسيًا ولا روحانيًا فحسب، بل هو توازن بين الحق والرحمة، بين العقل والروح، بين الإنسان وربّه.

***

بشرى الهلالي

"في الرحيل الخامس لصاحب الجفرا الكنعاني عز الدين المناصرة"

يا راحلًا وما ارتحل، ويا حاضرًا وإنْ غاب في الأجل، يا من نسج من الحنين وترًا، ومن الأرض وطنًا، ومن الجفرا نبضًا لا يُختزل.

سلامٌ على روحك إذ تعلو ولا تأفل، وعلى حروفك إذ تفيض ولا تنفصل، وعلى خطاك إذ عبرت بنا من جرحٍ إلى أمل، ومن غيمٍ إلى مطرٍ لا يملّ الهطول ولا يملّ.

أما بعد…

في الرحيل الخامس نعلم جميعا بأنّ الفقد يُقاس بما يخلّفه من صدى، وما يورثه من وجعٍ جميل، يشبه ابتسامةً في عيون الذاكرة.

يقف عز الدين المناصرة حاضرا ثابتا كأنّه يعيد ترتيب حضوره فينا مرّةً أخرى على هيئة قصيدة.

كان المناصرة وطناً يمشي على قدمين، يحمل في قلبه خرائط القرى، ويخبّئ في صوته حنين الزيتون، ويترك في كل بيتٍ من أبياته نافذةً تطل على فلسطين.

كان إذا كتب اشتعلت اللغة قمحًا، وإذا أنشد سالت الجفرا في الشرايين كأنها وعدٌ لا يخون.

في حضرة كلمات عز الدين المناصرة نقرأ الشعر وطنًا يتكلّم، ونُصغي إلى ذاكرةٍ تُغنّي كي تبقى متوهّجة.

تتقدّم قصيدته مثل خبز الأمهات دافئةً، مفعمةً برائحة الأرض، متشبّعةً بملح الحكايات، لتتسلّل من التفاصيل اليومية إلى أفق الأسطورة في لحظةٍ واحدة.

وفي “الجفرا” التي أعاد إشعالها في الوجدان يتردّد صوته كأنّه نشيدٌ أبديّ ولازمةٌ تتّسع لعشق الأرض والإنسان، وترفع القلب نحو فسحةٍ من ضوءٍ لا يخبو.

تمضي كلماته جسورًا بين الحنين والمستقبل، وتغدو مرآةً لروحٍ تُقاوم النسيان وتُصِرّ على الإزهار في كل الفصول، فتتجاور الفجيعة مع الجمال، ويتعانق الحزن مع الأمل في نسيجٍ لغويٍّ نابض.

فجأة يصير الشعر فعل نجاةٍ جماعي تُرمَّم به الأرواح كما تُرمَّم البيوت، وتُضاء به الطرقات كما تُضاء النوافذ في ليالي الانتظار.

تخرج من بين سطورِه الأغنية مضمّخةً بالتراب والزعتر، وتنهض الحكاية على إيقاع خطى العائدين، وتُكتب الذاكرة على هيئة قمحٍ لا ينحني.

وفي كل مقطعٍ تتجلّى لافتته الأجمل بأنّ الكلمة الصادقة تُبقي الوطن حيًّا، وتمنح القلب قدرةً على العبور، وتفتح للروح دروبًا من ضياء مهما تعاقبت مسافات الرحيل.

وفي مساحاتٍ أخرى من شعر عز الدين المناصرة تتوهّج نصوصه بنبرةٍ أكثر تأمّلًا وعمقًا، فتمتزج الأسطورة بالتاريخ، وتنهض الذاكرة على أكتاف الكنعانيّين كأنها شجرةٌ ضاربةٌ في البدء.

يُصغي الشاعر إلى أصداء الحضارات، ويستدعي رموزًا موغلةً في القدم ليصوغ منها حاضرًا نابضًا، فتغدو القصيدة فضاءً تتعانق فيه الأزمنة، وتتحاور فيه الأرواح.

في ديوانه “كنعانياذا” تتجلّى هذه الرؤية بوصفها ملحمةً لغويةً تنسج الهوية من خيوط الميثولوجيا والتجربة المعاصرة، وتفتح للمعنى أبوابًا على اتساع الذاكرة الجمعية.

كما تتألق في نصوصه نبرة الحبّ الإنسانيّ الصافي، إذْ تتلوّن اللغة برهافةٍ شفيفة، وتنساب العاطفة كجدولٍ يروي تفاصيل الروح، فتغدو المرأة رمزًا للأرض، ويغدو العشق مرادفًا للبقاء.

وفي قصائد أخرى تتخذ اللغة طابعًا حواريًا حيًّا، ويكأنّ الشاعر يخاطب ذاته والعالم في آنٍ واحد، ويزرع الأسئلة في جسد النص، ويتركها تنمو كأغصانٍ تبحث عن سماءٍ أوسع.

تتراءى المدن في شعره ككائناتٍ حيّة، تنبض بالحزن والرجاء، وتتحوّل الأمكنة إلى مرايا للروح تتكسّر فيها الغربة وتتشظّى، ثم تعود فتلتئم على هيئة أملٍ عنيد.

ومن بين هذا كلّه تتصاعد إشاراتٌ دقيقة إلى قضايا الإنسان الكبرى المتمثلة في الحرية، والكرامة، والانتماء، فتكتسب قصيدته بُعدًا كونيًا يجاوز حدود الجغرافيا دون أنْ يغادرها.

بهذا الامتداد الفني يقدّم المناصرة تجربةً شعريةً متفرّدة تتلاقى فيها اللغة مع الرؤيا، ويتحوّل النص إلى كيانٍ حيٍّ يتنفّس، ويكتب القارئ بقدر ما يقرأه، ويترك في القلب أثرًا يمتدّ كضوءٍ لا ينطفئ يرافق الخطى، ويعيد تشكيل العالم بكلماتٍ تنبض بالحياة.

في الرحيل الخامس نعيد قراءة الغياب كأنّه حضورٌ آخر، ونبحث عنه في الأغاني التي ما زالت تحفظ نبرته في القصائد التي لم تجفّ، وفي الكلمات التي لم تنحنِ رغم ثقل الفقد.

كأنّ الموت أمامه استراحة شاعر يتهيّأ بعدها لصعودٍ أعلى في سماء الذاكرة.

أيها الكنعانيّ الذي لم يغادر، يا صاحب الجفرا التي صارت نشيدًا يتوارثه العشّاق، كيف استطعت أنْ تجعل الرحيل معنىً لا يُخيف؟

وكيف تركت لنا من نورك ما يكفي لنرى الطريق حتى في العتمة؟

في هذا الرحيل الخامس لا نبكيك كما يُبكى الراحلون، إنما نكتبك كما تُكتب البدايات، ونزرع اسمك في القصيدة، فنحصدك في القلب.

سنعزف قصيدك، ونترك المسرح لكلماتك لتتآلف كما لو أنّها تعودُ إلى أصلها الأول، ويمتزجُ الشعرُ بالأرض، ويغدو الصوتُ ظلًّا للذاكرةِ لا يزول، فيا كنعانيَّ الحرفِ الذي يفيضُ فينا كالنهر، تمضي وتبقى في القصائد نبضَ أرضٍ لا يشيخ ولا يذبل، زرعتَ في الكلمات روحًا فاستفاق الحلم قمحًا وازدهر، وغدت “جفرا” في المدى وعدًا يردده الهوى ويصونه وتر السحر، تمشي القصيدة في خطاك كأنها ظلّ يضيء ولا ينحسر، وتظل فينا كلما نادى الحنين نشيد قلب لا يمل ولا يفتر.

اسمك في وجداننا شجرٌ يعانق السماء فيثمر أغنيات المطر، والروح تحمل من ضيائك قبسًا يبقي الحكاية حيّةً فينا، وتمضي بنا نحو المعنى الأجمل الذي لا ينكسر.

نهمس: لم يمت من جعل الأرض قصيدة، ولم يغب من علّم الريح أن تنطق باسم الوطن.

سنردّد قصيدك ليبلغ عنان السماء: "لفلسطينَ الخضراءَ، أغنّي

لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ السجنِ، أُغنّي

لرفاقٍ ﻟﻲ ﻓﻲ القبرِ، أُغنّي

جفرا أُمّي إنْ غابتْ أُمّي".

سلامٌ عليك في خامس الغياب، وفي كل حضورٍ يتجدّد.

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

الذين لا يزرعون لا يأكلون، فالمجتمعات التي طلقت الزراعة بالثلاث، تحولت إلى عالة على غيرها، حتى صارت الصين والهند تطعمها، رغم كثرتها البشرية.

لا يوجد جائع في الصين، ويوجد ما لا يحصى من الجياع في بلاد العُرب أوطاني.

لماذا تنكرتم للزراعة، ونفرتم من إرادة الأنهار، وأهملتموها، وهدرتم مياهها، وبددتم مياه الأمظار، وإستغثتم منها، وخاصمتم الأرض وأنفتم من رعايتها والعناية بترابها المعطاء، فداهمتها الأملاح والأدغال.

أين أنتم من أراضيكم الفيحاء، ومن ثرواتكم الحيوانية وخيرات البلاد التي تجهلون مهارات إستثمارها وتطويرها، وتحويلها إلى مصادر للإقتصاد العامر الوفير.

دول كانت تصدر المحاصيل الزراعية بأنواعها، تحولت إلى مستورد حتى للبصل، وتعتمد على غيرها في توفير طعامها، ولولا النفط وعائداته لأصابتها المجاعات وقضت عليها بالجملة.

لا بد من يقظة زراعية، وهبّة نهضوية للتفاعل مع الأرض بحب وإخلاص، وأمل بعطاء وفير، فما أروع أن يساهم المواطن بإطعام نفسه وغيره، فلا بد من إستغلال أية بقعة جرداء ومنحها روح اللون الأخضر.

من عجائب السلوك الباباني أنهم يزرعون ويزرعون، وحتى في السنادين داخل البيوت وعلى الشرفات يزرعون ما يؤكل، ولا توجد بقعة جرداء حول منزل أو في أي مكان تصل إليه يد البشر.

إنهم يزرعون ويصنعون، ويأكلون ويطعمون الآخرين الذين أوهنهم الكسل وعطلهم الإمعان بإجترار الغابرات.

فهل لنا أن نزرع لنأكل؟!!

سُلِقْنا في تَجاهلِنا ودُمْنا

نريدُ الغيرَ يُطعمنا لأنّا

تَركنا أرضنا بورا وعِشْنا

على أمَلٍ يُناهضُ ما لديْنا

إذا الأقوامُ ما غنمتْ بخَيرٍ

فإنّ الشرَّ من شممٍ تَدّنى

***

د. صادق السامرائي

منذ الصغر كان يطلّ علينا هذا الذي ينتخي به والدي (انا اخو عبد)، حين تجرحه الليالي، أو ينهمر عليه الحزن، حين يقاوم فقدان شقيقه الوحيد (حنون) الذي مات شاباً بسبب مرض السرطان، ولم يحضر مجلس عزائه، لانه مثقل بحكم غيابي بعشرات السنين بعد انقلاب شباط ٦٣ وهروبه من سجن الكوت.

اتذكرك ياعم، في كل آذار، وفي كل مساء جريح، لأنك كنت تختصر لنا الدروب، وتطرزها بالأمل، أتذكر وجهك كالقمر يبزغ في الظلام، لا أنسى حكاياتك، حينما كنت تقتسم مع صنو روحك (حسن) خبز الحياة، كنتما شريكين في الأمنيات، منذ الصبا، أي نموذج للرفقة و(الخوّة) الصادقة الصافية قدمتما لأبنائكما، ولتلامذتكم؟؟

ما سر ذلك الفرح الذي غمر معلمي الدواية؟ غير إيمان بعدالة قضية، ونظام اعتقدوا انه أسلوب الحياة الوحيد، ويقين صادق وعميق بالأفكار ..المعلمون القادمون من الشطرة (عبد چياد، حسن العتّابي، جواد كاظم الجويد، عبد الحسن عيسى) وجدوا في الدواية منذ منتصف اربعينيات القرن المنصرم عالماً يتّسع لأحلامهم، كانوا يعتقدون أن التغيير يبدأ من الدواية، والدواية، كل ما يحيط بها يوحي بالأنين والاسى، أعواد من القصب والبردي المتيبس، مسكونة بالطيور والأسماك، بيوتها من طين، حين ينزل عليها المساء، تغطّ بالظلام والنوم، وأبخرة الدخان الراكد يلفّ أجمات التبن ليحيل الجدران الى سخام أسود..

العالم يعيش عصر تحولات كبيرة، اندحار الفاشية وهزيمة النازية، معلمو الدواية مأخوذون ببهجة هلامية، ومنحازون بالطبع لتلك التحولات، يخاطبني عبد كما روى بعد سنين: هنيئا لك جمال، ستعيش في عصر الاشتراكية! - كان يعيش هذا الوهم بالتأكيد-! بعد عقدين من الزمن يزورني الوالد ورفيق دربه أبو ليلى، في معتقل شرطة الكاظمية، عام 62 وأنا مازلت طالباً في الاعدادية، وقد علت وجهه ابتسامة خفيفة، ومن خلف القضبان، يخاطبني (عمي) بأسى: هنيئاً لك ولدي، أنت تعيش عصر الإشتراكية حقاً!

يبدو عبد چياد الأكثر مرحا وسخرية من الواقع، واكثر تدفقاً من بين رفاقه، وفي سنوات لاحقة، كانت تسعفه هذه الروح من الإفلات من سطوة الإستبداد والأحكام الجائرة في المجالس العرفية، كان ساخراً، يمتاز برهافة الاحساس والاكتفاء بالقليل من متاع الدنيا، كلماته تنساب بلا ضجيج، واراؤه رصينة، وهي سمات المناضل الحقيقي الناكر لذاته والمضحّي المخلص،

كنت تسخر من جلاديك ياعم، لا أنسى أبداً وقفتك الشامخة في قفص الاتهام في المجلس العرفي الثاني وأنت تسخر من رئيسه العقيد شاكر مدحت السعود، حين اتهمك انك كسبت شقيقك الاصغر هادي الى الحزب الشيوعي، يومها كان هادي الضابط المتخرج تواً من الكلية العسكرية قدنجا من قطار الموت وزجّ به في سجن نقرة السلمان، لم يجد عناءً في الرد، ولا وقتاً يسعفه، سىوى ضحكة دوّت وسط القاعة أطلقها بوجه السعود، واجابة، استفاق بعدها (الحاكم) ليعيد ترتيب أسئلته من جديد، قال : صحيح أنا كسبت هادي شيوعياً! لكن شقيقي الآخر سمير يعاني من مرض مزمن، هل كنت السبب في حالته المرضية ؟؟

عاد السعود، وهو الغارق حدّ أذنيه في وهم العجرفة والصلف ليسأل (ابو ليلى): أنت ياعبد كنت تجبر الفلاحين بتقديم (الطليان) لك كهدايا!!

كيف تصدق هذه الرواية يا حضرة(الحاكم)؟ وأنت (الفاهم) في الأمور ! أجاب عبد بكل برود وهدوء: هل يصح لي وانا بهذا الطول والعرض أن أقبل هدايا صغيرة مثل (الطليان)، هذه تهمة باطلة، والشهود زوروا الحقيقة، أنا يا رئيس المجلس لا أقبل بغير (البعران).

ها نحن يا عم نقتفي أثرك اسمح لنا أن نضع وردة حمراء فوق صورتك التي ماتزال معلّقة في قلوبنا في ذكرى ميلاد حزبك، ها أنا أراك في عيون الفراشات، تمنح تلامذتك في الدّواية حبات التمر لأنهم يتضورن جوعا في الدرس، وفي كل عيد تكسو اجسادهم النحيلة بدشاديش جديدة، ها أنا أكتب إليك وفاءً ياعم.

***

جمال العتابي

لا شك أن ميناء الوصول لا يشيده في الحقيقة الا عطاء العبور، كيف ذلك يا ترى؟

فليست الحياة مسرحا نمر عليه عابرين، بل هي حقل ممتد على مساحة أعمارنا، كل حركة نخطوها فيه ما هي في حقيقة الأمر إلا بمثابة عملية بذر وإن كانت غير مرئية. في حياتنا هذه فهي مرئية ببصر من حديد في الحياة الأخرى.

إن المبدأ الذي يحكم هذا الوجود من ضمن قوانين لا تعد ولا تحصى، هو قانون العود؛ فكل ما يخرج من كينونة الإنسان من فكر، أو شعور، أو مادة، يطوف في فلك الحياة ليعود إلى نقطة انطلاقه في الوقت والمكان المناسبين.

 إننا حين نقرأ مثلا قوله تعالى: "وما أَنفقتم من شيء فهو يخلفه" سبأ، 39، نجد أن الآية وضعت كلمة شَيء كقاعدة عامة تشمل كل مدركات الوجود. إن الخلف الرباني ليس عملية حسابية مادية جافة، بل هو نظام كوني يعيد صياغة ما قدمته للآخرين ليصب في آنيتك الشخصية. لذلك يردد الصوفي العارف بالله في هذا المعنى:

شرابي لي مني وسري في الأواني

حاشا يكون الثاني انا الشارب المشروب

و يقول الآخر وهو الحسن الششتري في ديوانه:

 يدنو ويفهم سر المعاني

مني عليا دارت كؤوسي

كاس المعاني حلو المذاق

من بعد موتي تراني حي

رقت خمور في الاصطباح

وشمسي شرقت على الملاح

نمرح ونسقي لاهل الملاح

ولا نحب إِلا من أصاح

ومن فهم معنى الاصطباحح

يبقى منعم من شرب الراح

مني عليا دارت كؤوسي

من بعد موتي تراني حي

إنك في الحقيقة حين تمنح الآخرين ذلك الأمان النفسي وتكون مرفأ لآلامهم، فإنك تبني دون أن تشعر شبكة خفية من السكينة ستحيط بك في أوقاتك الصعبة.

لا غرو إن زكاة العلم نشره،، فالعلم يزكو الإنفاق، وكلما أنفق الإنسان من علمه ليرفع جهل غيره، وجد آفاقا جديدة من الفهم تفتح أمامه، وكأن المعرفة التي خرجت عادت إليه بصيرة أعمق.

 أضف الى ما سبق انك حين تقتطع من وقتك لخدمة قضية نبيلة أو مساعدة محتاج، فإن هذا الوقت لا يضيع، بل يخلفه الله لك في بركة تلمسها في إنجازاتك الشخصية وسلاسة يومك.

لا تعمل الحياة كمرآة دقيقة فقط، حيث لا تكتفي بعكس صورتك فقط، بل تعكس أثرك. فالمحيط الذي نعيش فيه يتشكل وفقا لما نضخه فيه من طاقات. فمن يزرع التيسير في حياة الناس، يجد طرق حياته ممهدة باللطف الخفي، ومن يزرع العسر والضيق، يجد الجدران تحيط به من حيث لا يدري.

من خلال ما سبق:

إن السر الكامن في قوله تعالى "فهو يخلفه" يتجاوز لدى كل ذي لب المعنى الحسابي البسيط، ليدخل في نطاق ما يمكن أن نسميه كيمياء الوجود المعنوي تلك العملية الروحية التي تحول ذرات العطاء المحدودة إلى مجرات من النماء اللامتناهي. حين تخرج المنفعة من يدك سواء كانت فكرة تنير عقلا، أو عاطفة تجبر كسرا، أو مالا يرفع ضيقا، فإنها لا تغادر عالمك البتة، بل تمر بتفاعل رباني يعيد صياغتها لتصبح جنتك المعنوية التي تحيا فيها قبل أن تصل إليها.

إن محيطك ليس في حقيقة الامر إلا بمثابة مختبر كبير؛ ما تضخه فيه من نبل يعود إليك نضوجا في روحك وتيسيرا في شأنك. فالعطاء ليس نقيضا من الموارد، بل هو الشرط الوحيد لاتساعها. وكما لا يمكن للنهر أن يظل عذبا إلا إذا استمر في الجريان والمنح، لا يمكن لروح الإنسان أن تزهر إلا إذا بذلت من مائها للآخرين. فكن على يقين أن كل بذرة حب أو علم أو وقت تغرسها في حقل محيطك اليوم، هي في الحقيقة أكسجين غدك، والنماء الذي سيحيطك حين تحتاج إلى الظل. أنت لا تعطي لتفقد، بل تعطي لتمتد، وتلك هي أسمى صور التجارة مع الغني ذي الجلال والاكرام جل وعلا.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

عندما يركض لاعبو المنتخب العراقي فوق المستطيل الأخضر، لا يركضون وحدهم؛ يركض معهم وطنٌ بأكمله. في تلك اللحظات، تتلاشى الحدود غير المرئية التي رسمتها السياسة، وتسقط الحواجز التي تراكمت عبر سنوات من الخلافات. هدفٌ واحد كفيل بأن يُسمِع صدى الفرح من البصرة إلى الموصل، ومن أربيل إلى بغداد، فتختلط الهتافات وتتوحد القلوب، وكأن العراق يستعيد ذاته التي يعرفها أبناؤه في أعماقهم.

حين يتأهل المنتخب، لا يسأل أحد عن دين الآخر، ولا عن طائفته أو قوميته. الشارع العراقي يتحول إلى لوحة فسيفسائية نابضة بالحياة، تُعبّر عن وحدة حقيقية لا تحتاج إلى شعارات. الأعلام تُرفع في كل مكان، والأهازيج تنطلق بلهجات متعددة لكنها تحمل معنى واحداً: نحن هنا، معاً. في تلك اللحظة، يصبح الانتماء الأول هو للعراق، لا لغيره.

لكن، وعلى النقيض من هذا المشهد النقي، تقف الأحزاب السياسية في زاوية أخرى من الواقع. فبدل أن تستثمر هذه اللحظات الجامعة لتعزيز الوحدة الوطنية، تستمر في خطابها الذي يغذي الانقسام، ويعمّق الفجوات بين أبناء الشعب الواحد. تتعدد الأسماء والبرامج، لكن النتيجة واحدة: شروخ في النسيج الاجتماعي، وانقسامات تُضعف ما تبقى من الروابط المشتركة.

المفارقة مؤلمة؛ ففريق كرة قدم، بإمكانات محدودة، يستطيع أن يحقق ما عجزت عنه قوى سياسية تملك السلطة والموارد. لاعبون شباب يوحدون الملايين بعرقهم وإصرارهم، بينما تعجز النخب السياسية عن إنتاج خطاب جامع يُعيد الثقة بين الناس.

إن ما يقدمه المنتخب العراقي ليس مجرد انتصار رياضي، بل درسٌ بليغ في معنى الوطنية. هو تذكير بأن الوحدة ليست حلماً مستحيلاً، بل واقعاً يمكن أن يتحقق حين تتوفر الإرادة الصادقة. وإذا كان هدفٌ في مباراة قادراً على جمع العراقيين، فكم من الممكن أن يتحقق لو أن العمل السياسي اتجه نحو بناء الجسور بدل تعميق الهوة؟

يبقى السؤال مفتوحاً: لماذا يستطيع الرياضيون أن يوحدوا ما تفرقه السياسة؟ وربما الإجابة تكمن في النية؛ فهناك من يلعب من أجل الوطن، وهناك من يتاجر به.

***

جورج منصور

تحنيط الإبداع وتسليع المشاعر

لعل من البديهي الاشارة إلى الإبداع، لم يعد حكرا على التجربة الإنسانية المتفردة، كما كان الحال عليه قبل الثورة الرقمية، بعد ان أصبح الابداع االيوم، قابلاً للتوليد، وإعادة الإنتاج اليا في اللحظة، بضغطة زر، اذ نحن اليوم، أمام حالة تحنيط للابداع في قوالب رقمية جامدة. اذ لاشك أن الذكاء الاصطناعي قد اتاح امكانات غير مسبوقة لصناعة النصوص، وانتاج الصور، والموسيقى، حيث بات بالإمكان إنتاج أعمال إبداعية، عند الطلب، خلال ثوانٍ معدودة.

 ولا ريب أن هذا التسارع المذهل، في التطور الحاصل في تقنيات الذكاء الإصطناعي، يحمل في طياته تداعيات كبيرة تتمثل في تفريغ الإبداع من جوهره الإنساني، فالإبداع في أصله وكما هو معروف، انعكاس للتجربة الذاتية، وللصراع الداخلي، في حين أنه عندما يختزل إلى أنماط ٱلية قابلة للتكرار، فإنه يتحول إلى منتج الي معلب، يفتقر للروح المتوهجة، والحس المرهف، فيغدو عندئذ، محنطا في هيئة ثابتة، خالية من النبص الحقيقي.

وهكذا، تصبح الأعمال المتولدة بالذكاء الاصطناعي، نسخا محسنة تقنيا، لكنها تفتقر إلى العفوية، والتلقائية، وإلى الومضة المتوهجة في اللحظة، والتي تميز العمل الإنساني الأصيل، عن غيره من الأعمال الآلية المصطنعة، التي تعجز عن ملامسة العمق الوجداني للمبدع، والمتلقي، على حد سواء.

ويتجلى تسليع المشاعر كأحد أبرز آثار هذا التحول، في تحنيطها، بحيث باتت الأحاسيس، تنتج وفقا لذائقة الجمهور، بشكل اساسي، وليس تلبية لصدق حس المبدع، واستحابة لعمق تجربته الوجدانية، حتى أصبحت القصائد تنظم لتثير الحزن، لا لأنها نابعة منه، وترسم اللوحات لتبهر العين، لا لتعكس رؤية داخلية للفنان، الأمر الذي جعل المشاعر تتحول إلى سلعة، تقاس قيمتها بعدد الإعجابات، والمشاركات، لا بعمق تأثيرها في وجدان المتلقي، ورسوخها في أعماق ذاته.

وهكذا بات الأمر يتطلب الانتباه إلى أن يكون الذكاء الاصطناعي اداة محايدة، وملهمة في العملية الإبداعية، وليس بديلا عنها. ولذلك فان التحدي الحقيقي، يكمن في الحفاظ على التوازن بين التقنية، والإنسان، وبين السرعة، والتأمل، وبين الٱلية، والصدق.

فالإبداع ليس مجرد نتاج، وحسب، بل هو تجربة، داخل أعماق الذات، وبالتالي فإنه إذا ما فقد الابداع هذه الأبعاد، فإنه سيتحول عندئذ، إلى مجرد محتوى ٱلي، في فضاء لا يعرف إلا التلقي، والإستهلاك.

***

نايف عبوش

معظم دولنا فيها نسبة عالية من التصحر، وما فكرنا في إستثمارها والتفاعل معها بعقول معاصرة وبقدرات إستثمارية تسساهم في دعم الإقتصاد، وبناء المشاريع التي تحد من البطالة، وتمنحنا الشعور بالقدرة على إنجاز ما نريد.

الصحراء وجدت في الأرض لغاية مهمة، فهي غنية بالمعادن، والموارد الطبيعية، ويمكن أن تكون مصادر لإنتاج الطاقة، فلو تعلمنا كيفيات إستصلاحها كما يفعل الصينيون، وخبرنا وسائل إنشاء البحيرات الإصطناعية فيها، وأوصلنا مياه الأنهار إليها، لجنينا منها خيرا وفيرا.

في مصر نهر النيل تحيطه الصحارى، وما فكر أحدٌ بوصلها بالنهر عن طريق الأنابيب العملاقة أو شق الترع والأنهر المغذية لها.

لا يوجد في الأرض بقعة وجدت عبثا، بل لكل ذرة تراب رسالة ودور بيئي يساهم في ديمومة الحياة وتأكيد البقاء.

الصحارى من التحديات البيئية التي تستدعي تفعيل العقول لا تجديبها، وإخماد طاقاتها، وتدمير كينونة مجتمعاتها، فعقول الآخرين أخذت تستثمر في صحاراها وتوفر القدرات الكفيلة بتحويلها إلى واحات خضراء، بعد أن توفرت القدرات التكنولوجية العالية اللازمة لإنشاء الكيانات الحصارية المعاصرة في أية بقعة أرضية، مهما كانت قسوتها وتحدياتها.

إن التفاعل مع الصحارى بإستسلامية تعبير عن الإنهزامية والقنوط، وتجسيد للكسل والتراخي والإنكسار الخسراني المبيد.

فلنتواصى بتأهيل الصحارى وتحويلها إلى منشآت ذات ربحية عالية وإستثمارات إقتصادية مجزية.

تَصحّرتِ العقولُ بما اعْتراها

وألغتْ فعلها ورمَتْ عَصاها

مُقيّدةٌ بما جَهلتْ وسابَتْ

تُباركُ رَقدةً أكَلتْ جُناها

بها الصحراءُ مُنطلقُ ارْتقاءٍ

وتأهيلٌ لما مَلكَتْ ثَراها

***

د. صادق السامرائي

عندما تتجلى قيمتك في نظر نفسك، وتحرص على احترامها وتقديرها، وتسعى بوعي وإدراك إلى البحث عن السبل الكفيلة بإسعادها ونجاحها، فإنك لا تبني مجرد شعور داخلي مؤقت وعابر، بل تؤسس لنمط حياة متكامل قائم على الوعي والاتزان والثقة. وعندها ستدرك، عاجلاً أم آجلاً، أن هذه القيمة التي زرعتها في داخلك قد انعكست بوضوح في عقول وقلوب الناس من حولك، فأصبحت ترى في كلماتك، وتلمس في أفعالك، وتحترم في حضورك وغيابك. إن قيمة الإنسان لا تفرض على الآخرين جبراً وعنوة، بل تبنى داخلياً وتؤسس ثم تترجم خارجياً.

إن المتأمل في مسيرة الأفراد الناجحين يجد أن نقطة التحول الحقيقية في حياتهم لم تكن مرتبطة بظروف خارجية بعيدة عنهم بقدر ما كانت مرتبطة بتحول عميق في نظرتهم إلى أنفسهم وتطلعهم لها. فالقيمة الحقيقية للمرء تكمن أساساً في صورته الذهنية قبل أن تكون في واقعه الملموس والمعاش. هذه الصورة الذهنية هي العدسة والمجهر الذي يرى الإنسان من خلاله ذاته والعالم من حوله، وهي التي تحدد مستوى طموحه، ورؤيته لنفسه ونوعية قراراته، وحدود ما يقبله أو يرفضه في حياته الشخصية والمهنية.

حين يرى الإنسان نفسه ذا قيمة، فإنه يتصرف على هذا الأساس؛ يختار ما يليق به، ويرفض ما ينتقص منه ويقلل من شأنه، ويضع لنفسه معايير واضحة لا يتنازل عنها بسهولة. لا يسمح لنفسه أن تكون رهينة لآراء الآخرين أو تقلباتهم المزاجية رضوا عنه أم رفضوه، ولا يقبل أن يساوم على كرامته مقابل مكاسب مؤقتة. بل يدرك أن كل تنازل غير واع هو خصم من رصيده الذاتي، وأن كل موقف يحافظ فيه على قيمته هو استثمار طويل الأمد في ذاته ومكسب له على المدى القريب والبعيد.

وفي المقابل، فإن التقليل من قيمة الذات لا يحدث بشكل فجائي، بل يتسلل بهدوء عبر ممارسات يومية قد تبدو بسيطة، لكنها مع التكرار تحدث أثراً عميقاً في نفسه وحياته؛ كأن يقبل الإنسان بوضع لا يليق به، أو يسكت عن حقه، أو يتنازل عن مبادئه لإرضاء الآخرين، أو يستسلم لصوت داخلي ناقد يضعف ثقته بنفسه ويحجم مدارها ومسرتها وتطلعاتها. ومع مرور الوقت، تتشكل صورة ذهنية سلبية، تقيد إمكاناته وتُكبّل حركته ونشاطه، وتحد من جرأته، وتجعله يعيش دون مستوى قدراته الحقيقية.

 إن العدالة مع الذات هي حجر الأساس في بناء القيمة الحقيقية؛ فليست العدالة أن نقسو على أنفسنا فنجلدها عند كل خطأ ونحاسبها على كل هفوة أو همسة، ولا أن نبالغ في تقديرها فنغفل عن تقصيرها ونعيش في عالم مليء بالعجب ونرجسية الذات وعشقها، بل أن نمنحها التقييم المتوازن الذي يجمع بين الاعتراف بالإنجاز والسعي المستمر للتطوير والنمو والازدهار. أن نكافئ أنفسنا عندما ننجح، ونتعلم منها عندما نخطئ، ونهذبها عند انزلاقها وخروجها عن القواعد والضوابط والممارسات الخاطئة، وأن نعاملها ككيان يستحق الرعاية والاهتمام والتقدير.

 إن قيمة الذات لا تعني الغرور أو التعالي على الآخرين والتكبر عليهم، بل على العكس، هي الوعي الحقيقي بالقدرات والإمكانات، وتوظيفها بما يخدم رسالة الإنسان في الحياة وعمارته للأرض ومهمته فيها؛ فالشخص الذي يعرف قيمته لا يحتاج إلى إثبات نفسه بطريقة مبالغ فيها، ولا يسعى إلى التقليل من الآخرين ليشعر بالأهمية ولفت الانتباه وحب الظهور، بل يتحرك بثقة هادئة، ويترك أثره من خلال أفعاله لا ادعاءاته أو كلماته التي لا يكون لها ترجمة في السلوك والممارسات.

تتجلى قيمة الذات في بيئة العمل من خلال مستوى الأداء والانضباط والالتزام؛ فالموظف الذي يقدر ذاته يحرص على جودة عمله، ويسعى لتطوير مهاراته، ويتعامل مع زملائه باحترام، طامحاً لأن يكون إضافة حقيقية لمؤسسته لا مجرد رقمٍ عابر. وعلى الصعيد الاجتماعي، يحسن الفرد الذي يدرك قيمته اختيار علاقاته، ويضع حدوداً صحية تضمن عطاءه دون استنزاف، ويحب دون أن يفقد هويته أو يغفل عن رسالته.

وعند مواجهة الأزمات، تصبح قيمة الذات الفيصل في طريقة التعاطي مع التحديات؛ فإما الاستسلام للإحباط، أو إعادة ترتيب النفس والانطلاق مجدداً متجاوزاً عثرات الماضي. وهنا تبرز سمات الصبر، والمثابرة، والتعلم من الأخطاء كعوامل جوهرية للنهوض، فغالباً ما تكون الأزمات منعطفاً نحو وعيٍ جديد ونضج أعمق. إن الحفاظ على قيمة الذات هو رحلة مستمرة وسلوك يومي يتجدد في كل موقف وقرار، بدءاً من حوار الذات ووصولاً إلى المواقف الكبرى؛ فكلما زاد وعي المرء بهذه القيمة، تعززت قدرته على حمايتها وتنميتها.

ختاماً، تذكر أن قيمتك ليست رهينة بظروفك، ولا مرتبطة برضا من حولك، بل هي قرار داخلي تجسده أفعالك يومياً. إن القوة الكامنة فيك هي التي تمنحك القدرة على النهوض بعد كل عثرة، والاستمرار بعد كل توقف. لذا، احرص على ألا تبخس قيمتك، ولا تستهن بوزن شخصيتك وقدراتك وما اكتسبته من خبرات طوال مسيرتك المهنية والاجتماعية، ولا تسمح للممارسات العابرة أن تنتقص منها أو تحرف بوصلتها. كن عادلاً مع ذاتك، رفيقاً بها، حازماً في حمايتها، وواعياً في تطويرها. ارتقِ بفكرك وسلوكك ووجدانك، لترتقي بك مكانة وأثراً، وتسمو بها أمام نفسك أولاً، ثم تكبر ويعلو شأنها في أعين الآخرين.

***

د. أكرم عثمان

3-4-2026

ليس من السهل أن نكتب عن رجلٍ جمع بين صرامة الفكر وحرارة الالتزام، بين عمق المعرفة ونبل الموقف، كما فعل الأستاذ عبد الغني أبو العزم. فبرحيله، لا نفقد مجرد أستاذ جامعي أو كاتب سيرة ذاتية، بل نفقد صوتًا من الأصوات التي آمنت بأن المعرفة مسؤولية، وأن اللغة ليست أداةً فحسب، بل قدرٌ يُعاش.

لقد انتمى الراحل إلى جيلٍ لم يكن يفصل بين الثقافة والنضال، بين الفكرة والفعل. كان يؤمن أن المثقف الحقيقي لا يقف على الهامش، بل ينخرط في قضايا عصره، يعيد مساءلتها، ويمنحها أفقًا جديدًا للفهم. لذلك، لم تكن مسيرته الأكاديمية معزولة عن انشغالاته المجتمعية، بل كانت امتدادًا لها، وتعميقًا لأسئلتها.

في قاعة الدرس، لم يكن الأستاذ عبد الغني أبو العزم مجرد ناقلٍ للمعرفة، بل كان صانعًا للأسئلة. كان يفتح أمام طلبته أبواب التفكير، ويحرّضهم على الشكّ الإيجابي، وعلى إعادة النظر في المسلّمات. كان يعلّمهم أن المعرفة ليست تكديسًا للمعلومات، بل هي موقف من العالم، وطريقة في رؤيته وتأويله. لذلك، ظل أثره حيًّا في ذاكرة أجيالٍ من الطلبة الذين وجدوا فيه أستاذًا وموجّهًا، وربما أبًا روحيًا.

أما في مجال الكتابة، فقد اختار لنفسه طريقًا صعبًا: طريق السيرة الذاتية. لكنه لم يسلكه من باب الاعتراف أو التباهي، بل من باب المساءلة والتفكيك. لقد كتب ذاته كما لو كان يكتب زمنًا بكامله، فجعل من تجربته الشخصية مدخلًا لفهم تحولات المجتمع، وتقلبات الفكر، وانكسارات الحلم. كان صادقًا إلى حدّ القسوة أحيانًا، لكنه صدقٌ ضروري، يضيء مناطق العتمة في الذات وفي العالم.

غير أن الوجه الأبرز في مسيرته، والذي سيخلّد اسمه طويلًا، هو عمله المعجمي الرائد. فقد كان الراحل معجميًا من طراز خاص، أدرك أن اللغة كائن حي، وأنها في حاجة دائمة إلى من يُصغي إلى نبضها، ويتابع تحوّلاتها. ومن هنا جاء مشروعه الكبير معجم الغني، الذي لم يكن مجرد تجميعٍ للألفاظ، بل رؤية متكاملة للغة في حركتها وتجدّدها.

تميّز هذا المعجم بسعيه إلى تجاوز الطابع التقليدي للمعاجم، من خلال تقديم معجمٍ حديثٍ يراعي الاستعمال، ويقارب اللغة في سياقها الحيّ، لا في عزلتها القاموسية. لقد كان عبد الغني أبو العزم واعيًا بأن اللغة لا تُحفظ في الرفوف، بل تُصان في التداول، وأن المعجم الحقيقي هو الذي يواكب حياة الناس، ويستجيب لحاجاتهم التعبيرية. وهكذا، أسهم في تقريب اللغة من مستعمليها، وجعلها أكثر مرونةً وانفتاحًا على العصر.

إن الجمع بين السيرة الذاتية والعمل المعجمي ليس أمرًا عارضًا في مسار هذا الرجل، بل هو تعبير عن رؤية عميقة: فكما كتب ذاته ليحفظ تجربته من النسيان، كتب اللغة ليحفظها من الجمود. في الحالتين، كان يواجه الفناء بطريقته الخاصة: مرةً بالكتابة عن الذات، ومرةً بالكتابة للغة.

وفي نضاله، ظل وفيًّا لقيمه، بعيدًا عن الضجيج والشعارات الجوفاء. لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ليُسمَعوا، بل من الذين يتركون أثرهم ليُحَسّ. كان يؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ من الوعي، وأن الكلمة الصادقة قد تكون أبلغ من ألف خطاب. لذلك، كان حضوره هادئًا، لكنه عميق، كجذورٍ تمتد في الأرض دون أن تُرى، لكنها تمنح الشجرة حياتها.

اليوم، ونحن نودّع الأستاذ عبد الغني أبو العزم، نشعر بأن فراغًا كبيرًا قد خَلَفَهُ رحيله. غير أن هذا الفراغ نفسه هو دليل على امتلاء حياته بالمعنى. فقد ترك لنا إرثًا فكريًا وإنسانيًا لا يُختزل في كتابٍ أو معجم، بل يمتد في العقول التي أثارها، والقلوب التي لمسها، واللغة التي خدمها بإخلاص.

لقد عاش عبد الغني أبو العزم كما يليق بمثقفٍ حقيقي: مفكّرًا، مناضلًا، وكاتبًا، ومعجميًا. وحين رحل، ترك وراءه ما يجعل الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور.

رحمه الله، وجعل أثره باقياً في اللغة التي أحبّها، وفي الذاكرة التي لن تنساه. اليوم، ونحن نودّع الأستاذ عبد الغني أبو العزم، نشعر بأن فراغًا كبيرًا قد خَلَفَهُ رحيله. غير أن هذا الفراغ نفسه هو دليل على امتلاء حياته بالمعنى. فقد ترك لنا إرثًا فكريًا وإنسانيًا لا يُختزل في كتابٍ أو معجم، بل يمتد في العقول التي أثارها، والقلوب التي لمسها، واللغة التي خدمها بإخلاص.

لقد عاش عبد الغني أبو العزم كما يليق بمثقفٍ حقيقي: مفكّرًا، مناضلًا، وكاتبًا، ومعجميًا. وحين رحل، ترك وراءه ما يجعل الغياب شكلًا آخر من أشكال الحضور.

رحمه الله، وجعل أثره باقياً في اللغة التي أحبّها، وفي الذاكرة التي لن تنساه.

***

حسن لمين

 

(.. نصف التاريخ مجازر بشرية فلو ضربت قلبه لتفجرت منه بحار من دم)... احد الحكماء

والحرب ظاهرة رافقت البشرية منذ فجر التاريخ حتى يومنا هذا وستبقى الى وقت غير معروف ترافقه كظله حيث عرفت كرتنا الارضية (١٤) الف حرب وصراع مسلح منذ ان وجد الانسان وقد طورا اسلحته من الاسلحة الحجرية الى المعدنية ثم إلى الطائرات الصواريخ والطائرات المسيرة وقد ذهب ضحية هذه الحروب الملايين من البشر بالاضافة إلى تدمير البنى التحتية.

اسماء والقاب بعض الحروب عبر العصور

1 - حروب ما قبل الميلاد: الحروب الفارسية - اليونانية – الحروب الفارسية - الرومانية - الحروب البونية - حروب البيلوبونيز - الحروب الميدية وتعد الحرب الفارسية - الرومانية نموجاً لحروب ما قبل الميلاد.

 الحرب الفارسية - الرومانية: دارت رطى هذه الحرب عام (٥3) قبل الميلاد عندما تمكن الرومان من احتلال بلاد الشام وشمال العراق بعد سقوط اليونانين وكانت اسباب الحرب المنافسة بين الفرس والرومان حول السيطرة على طرق التجارة وخاصة (تدمر) و(البحر الابيض المتوسط) الذي كان يسمى (بحر الروم) فكانت معركة (حران) التي انتصر فيها الفرس وابادو الجيش الروماني عن بكرة ابيه تلتها معركة (نصيبين) التي أفشلت خطط الرومان في احتلال فارس وانهت الحرب بين الطرفين

2 - حروب العصور الوسطى: الحروب الاسلامية - حروب المغول - الحروب الصليبية - حرب الوردتين

حرب الوردتين: ٤5٢ - ١٤٨٥م نشبت هذه الحرب بين اسرتين في انكلترا: اسرة لا نكستر واسرة يورك

وكان شعار لانكستر الوردة الحمراء وشعار يورك الوردة البيضاء وسبب الحرب التي استمرت اكثر من ثلاثين عاماً هو نزاع حول وراثة الحكم ومن سيخلف الملك المريض بعد مماته لانه لم ينجب وريثاً وهكذا وقعت سلسلة من الحروب انتهت بانتصار الوردة الحمراء وتنصيب (هنري تيودور) ملكاً على الكلترا .

3 - حروب العصر الحديث: حرب الافيون - الحرب المنسية - الحرب العالمية الاولى والثانية - حروب نابليون - الحرب القذرة . - حرب فيتنام - الحرب النفسية - الحرب العربية - الاسرائيلية.

 حرب الافيون: ١٨٤٠ - ١٨٤٢م - اندلعت هذه الحرب بين الصين وبريطانيا وسببها رغبة بريطانيا بتقليص نفوذ الصين على التبادل التجاري بينها وبين الدول الأخرى ، انتهت بتوقيع الصين معاهدة مع بريطانيا - وسميت هذه الحرب بهذا التسمية لانها بدأت بقيام الجمهور الصيني اطراق سلع صدرتها بريطانيا الى الهند وتبين انها مؤلفة من مادة الافيون .

الحرب المنسية: وهي الحرب التي دارت بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بسبب ضرب بريطانيا سفينتين امريكيتين بالاضافة الى كراهية الامريكان بريطانيا حيث أخذ الكونغرس الأمريكي يدعو للحرب ضد بريطانيا غير ان بريطانيا حاولت تجنب الحرب لانها كانت تعاني من ازمة اقتصادية الا ان الحرب اندلعت عام ١٨١٢ وقد اطلق الامريكان عليها اسم (حرب الاستقلال الثانية)، وقد انتهت الحرب بمعاهدة بين الطرفين ، اما لماذا سميت بالحرب المنسية فيعود ذلك الى ان كثير من المصادر التأريخية التي كتبت عنها تعرضت للتلف وقد اكتنفها الكثير من الغموض

الحرب القذرة: وقعت هذه الحرب في عام ١٩٨٢ م بين بريطانيا والارجنتين في جزر الفوكلاند التي تقع في جنوب المحيط الاطلس ولها أهمية من الناحية الاستراتيجية اما الصراع بين بريطانيا والارجنتين حول هذه الجزر فقديم وذلك لان بريطانيا ومنذ القرن الخامس عشر تقلدت الدور القيادي في الثورة الصناعية وكانت بحاجة إلى المواد الاولية والايدي العاملة والاسواق لتصريف منتجاتها الصناعية لذلك قامت بريطانيا باحتلالها وقد صادف في عام ١٩٨٢ مرور ١٥٠ عاماً على احتلال بريطانيا هذه الجزر التي كانت تحت سيادة الارجنتين فقررت الارجنتين استرجاع سيادتها على الجزر بالقوة المسلحة فوقعت الحرب التي هزمت فيها الارجنتين - اما سبب تسميتها بالحرب القذرة فيعود إلى استخدام الارجنتين إلى الهجمات السريعة والانسحاب السريع فضلاً عن كون الحرب كان صراعاً سياسياً لإنقاذ النظام الدكتاتوري في الارجنتين من السقوط

4 - الحروب الاهلية: الحرب الاهلية الامريكية - الحرب الاهلية الروسية الحرب الاهلية الاسبانية - الحرب الأهلية اللبنانية الحرب الأهلية السودانية.

الحرب الأهلية اللبنانية: 1975 م – 1990 م

حدثت هذه الحرب في لبنان وقد ادت إلى سقوط آلاف اللبنانين بين قتيل وجريح وتشريد الآلاف من منازلهم اما اسباب الحرب فهي عديدة منها أن النظام اللبناني نظاماً طائفياً وقد اختل توازنه بالاضافة الى انتقال منظمة التحرير الفلسطينية إلى لبنان ومقتل عدد من الفلسطينين بعد اطلاق النار عليهم فضلا عن التنافس السياسي بين الاحزاب اللبنانية ولم تتوقف الا بعد التدخل السوري .

5 - حروب بالارقام: حرب المئة سنة - حرب الاسابيع السبعة - حرب السبع سنوات - حرب الثلاثين سنة - حرب الايام السنة - حرب الثماني سنوات .

حرب الايام الستة: ١٩٦٧م - هي الحرب التي وقعت بين اسرائيل وكل من مصر - سوريا - العراق - الاردن وسبب الحرب هو اعلان الرئيس المصري جمال عبد الناصر اغلاق مضايق (تيران) بوجه الملاحة الاسرائيلية ومنع السفن من تزويد اسرائيل بالسلع والبضائع واستمرت الحرب سنة ايام حيث اعلن مجلس الامن الدولي وقف اطلاق النار وقد انتهت الحرب بهزيمة الجيوش العربية واحتلال اسرائيل الضفة الغربية لنهر الاردن وسيناء وهضبة الجولان لذلك اعتبرت نكسة جديدة في تاريخ العرب .

6 - اسماء والقاب اخرى للحروب: الحرب النفسية - الحرب الجرثومية - حرب كوريا - حرب الاسعار - الحرب الباردة - حرب النجوم - حرب التحرير - الحرب العرضية – حرب القرم - حرب البوير - الحرب الخاطفة - حرب البسوس .

7 - اقصر حرب في التاريخ: ان اقصر حرب في التاريخ هي الحرب التي اندلعت بين بريطانيا وزنجبار عام ١٨٩٦م واستمرت (٤٥) دقيقة انتهت باستسلام زنجبار – فيا لها من حرب ضروس.

***

غريب دوحي

حذق: تعلّم، عرف معرفة كاملة.

تحذّق: تكلف الحذق وتظاهر به. أي إدّعى المعرفة وهو الجاهل بما يرى ويقول.

التحاذق سلوك يطغى على العديد من المدونات التي وردت إلينا من السالفين، خصوصا عندما يُطرح سؤال على الذين يحسبون أنفسهم من العارفين، فيتمنطقون بعبارات غريبة ليثبتوا للسائل بأنهم يعرفون، وما تجد موطنا لعبارة لا أعرف في تفاعلاتهم مع معاصريهم.

هذه التحاذقية شوّهت الحقائق، ودونت التصورات والتوهمات وما نطقت بصدق وأمانة، فكيف يدّعي المعرفة مَن لا يعرف؟

وفي بعض المجتمعات الخائبة تجد التحاذقية سائدة ومؤثرة في الواقع اليومي، ومحكومة بقانون لا يدري ويدري أنه يدري، وتلك مأساة مدلهمة، تضرب في أرجاء وجودٍ يتآكل، ويندثر في غياهب الغابرات.

فالواقع البشري يؤكد أن الشخص يعرف شيئا وتغيب عنه أشياء وأشياء، لكنه يتقوقع في ما يتوهم درايته وينكر غيره، أي أن وهم المعرفة يهيمن على وعيه، ويخرجه عن سواء السبيل.

"من قال أنا عالم فهو جاهل"

"وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"

"فقل لمن يدّعي في العلم فلسفةً...حفظت شيئا وغابت عنك أشياء"

"إني أعرف شيئا واحدا، وهو أني لا أعرف"

"يجب أن تتعلم كثيرا لكي تفقه قليلا"

كلّها تدري وتدري كلّها

ضاعَ علمٌ في ثنايا جَهلها

زمنٌ فاقَ قروناً سَبقتْ

وتَعالى مُسْتبيحاً وعْيَها

أطلقَ الإدراكَ في أفلاكِها

وبهِ الأكوانُ ألقتْ حِمْلها

***

د. صادق السامرائي

 

يشكّل الذكاء الاصطناعي امتدادًا متقدمًا للعقل الهندسي البشري، غير أنه في الآن ذاته راكم قدرات نوعية أعادت تشكيل قواعد إنتاج المعرفة، وأثّرت بشكل عميق في نماذج التكوين والمهن الهندسية. ولم تعد الهندسة، في صيغتها التقليدية، قادرة على الاستجابة لتحولات عالم يتجه بسرعة نحو هيمنة الخوارزميات وتوسّع مجالات الأتمتة والإبداع الآلي. نحن، إذن، أمام واقع جديد تتقاطع فيه الفرص الكبرى مع تحديات غير مسبوقة، يضع المغرب، باعتباره بلدًا صاعدًا، في قلب رهانات ثورة الذكاء الاصطناعي.

لقد بدأ العالم يودّع أنماط الهندسة الكلاسيكية، بمختلف تخصصاتها وآليات اشتغالها، لصالح ما يمكن تسميته بـ"الهندسة الذكية"، التي تقوم على التفاعل الخلاق بين الإنسان والآلة. ولم يعد مهندس الغد مطالبًا فقط بإتقان الأدوات التقنية، بل أصبح مدعوًا إلى ابتكار صيغ جديدة تدمج بين القدرات البشرية وقوة الذكاء الاصطناعي، بما يتيح إنتاج حلول مركّبة وفعّالة. ويُعدّ هذا التحول مدخلًا أساسيًا لتعزيز السيادة التكنولوجية، باعتبارها ركيزة مكمّلة للسيادة الوطنية، وشرطًا ضروريًا للاندماج الفعّال في اقتصاد المعرفة.

وفي هذا السياق، لا يمكن للمغرب أن يضمن تموقعه ضمن التحولات العالمية الكبرى، إلا من خلال الارتقاء بالمنظومة الهندسية على المستوى المؤسسي، عبر تطوير منظومات التكوين، وتنمية مهارات جديدة عابرة للتخصصات، وتمكين الكفاءات الوطنية من ولوج المواقع المتقدمة داخل سلاسل القيمة التكنولوجية العالمية. فالهندسة لم تعد مجرد وظيفة تقنية، بل أصبحت رافعة استراتيجية لإنتاج الثروة وصياغة السياسات العمومية.

إن الدولة اليوم في حاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار لدور المهندس، ليس فقط كفاعل تقني، بل كشريك في صناعة القرار العمومي. فمستقبل التدبير الترابي - من خلال المدن الذكية، والبنيات التحتية المتصلة، والتحول الرقمي للإدارة ... - لن يستقيم دون إدماج فعلي للذكاء الاصطناعي، إلى جانب تأطير استعمالاته بإطار تشريعي وأخلاقي متين. كما أن بروز ريادة أعمال هندسية موجّهة للسياسات العمومية يفتح آفاقًا جديدة لإعادة تشكيل سوق الشغل، حيث ستندثر بعض المهن، وتظهر أخرى، وتتغير طبيعة العمل بشكل جذري.

إن التحولات المتسارعة التي أفرزتها الثورة الرقمية، والتي بدأت تُربك توازنات النسيج الاقتصادي الوطني، جعلت من الذكاء الاصطناعي محددًا رئيسيًا في إعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمع. وفي قلب هذه الدينامية، يتموقع قطاع الهندسة، سواء من حيث تطوير الحلول الذكية، أو من خلال إعادة تعريف أدوار المهندس، أو عبر الإسهام في إنتاج سياسات عمومية مبتكرة.

وأمام هذه التحولات، يصبح من الضروري أن يطرح المغرب، دولةً ومجتمعًا، أسئلة جوهرية حول مدى جاهزية منظومته الهندسية لمواكبة هذه الدينامية، وقدرتها على الإسهام في تحقيق تنمية مستدامة، وتعزيز السيادة التكنولوجية، وتقليص الفجوة الرقمية.

وعليه، تبرز الإشكالية المحورية التالية:

كيف يمكن للهندسة بالمغرب أن تتأقلم مع تحولات الذكاء الاصطناعي، وأن تتحول من مجرد أداة تقنية إلى رافعة استراتيجية للتنمية وصنع القرار؟

***

الحسين  بوخرطة

 

منذ ظهور الأرقام في مهد الحضارات في وادي الرافدين تعاملت الأمم مع الأرقام ليس كرموز حسابية فقط بل أضفت عليها معاني روحية ومعتقدات غيبية تتعلق بالكون والخلق. وقد تشابهت الشعوب رغم اختلاف أديانها وثقافاتها في تقديس أرقام معينة حتى أصبحت جزءًا من هويتها الدينية والثقافية ورمزا لتقاليد معينة. تقديس الأرقام ليس مسألة خرافية بل هو انعكاس لطريقة الإنسان في فهم الكون. الأرقام لغة رمزية مشتركة بين الشعوب رغم اختلاف معتقداتها وهي تكشف عن حاجة الإنسان الدائمة إلى النظام والارتباط.

أسباب تقديس الأرقام: تقديس الأرقام يرتبط بعدة عوامل: الارتباط بالظواهر الكونية عدد أيام الأسبوع والشهر والسنة، الفصول الأربعة، الاتجاهات الأربعة ودورات الشمس والقمر. هذه الظواهر ربطت بعض الأرقام بنظام الكون الطبيعي فاعتبرتها البشرية مقدسة. الرموز الدينية الأديان استخدمت الأرقام في عدد الصلوات، عدد أيام العبادة كالصيام، عدد الملائكة أو عدد السماوات. الكتب المقدسة عندما تذكر ارقام معينة بكثرة في كتاب مقدس تكتسب معنى خاصا وتكتسب القداسة. طبيعة الانسان النفسية الإنسان يميل إلى البحث عن أنماط معينة ليتمكن من تصنيف ما حوله من ظواهر، فيرى في الأرقام رسائل أو إشارات ذات دلالات معينة.

الأرقام المقدسة في الأديان الإبراهيمية: الرقم 1 مقدس في الإسلام واليهودية. الرقم 3 مقدس في المسيحية وبعض الطقوس اليهودية. الرقم 4 يرمز إلى الجهات الأربع الفصول الأربعة العناصر الأربعة (نار، ماء، هواء، تراب) مقدس في اليهودية. الرقم 7 أشهر الأرقام المقدسة على الإطلاق. في الإسلام السماوات السبع الطواف سبع مرات السعي سبع مرات أبواب جهنم سبعة آيات سورة الفاتحة سبع آيات. في اليهودية السبت اليوم السابع وسبع سنوات للراحة الزراعية. في المسيحية سبع فضائل سبع خطايا. سبب قدسيته يرمز إلى الكمال والتمام، لأنه ناتج عن اتحاد الرقمين 3 (الروح) و4 (المادة).

الرقم 12 يرمز إلى التنظيم الكوني في الأديان، 12 سبطًا لبني إسرائيل 12 حواريًا للمسيح 12شهرًا في السنة 12 إمامًا عند الشيعة وعند الصوفية الابدال 12. الرقم 40 يرمز إلى الامتحان والابتلاء. في الإسلام بلوغ النبوة عند الأربعين، مكث موسى 40 ليلة ، الطوفان 40 يومًا. في المسيحية صيام المسيح 40 يومًا واليهودية التيه 40 سنة.

الأرقام المقدسة في الديانات الشرقية: في الهندوسية الرقم 108 مقدس جدًا عدد حبات المسبحة عدد الآلهة الثانوية عدد الطاقات الروحية. في البوذية الرقم 8 يمثل الطريق النبيل الثماني. الرقم 108 تمثل عدد الرغبات البشرية التي يجب التحرر منها.

الأرقام المقدسة في الحضارات القديمة الكبرى مثل الحضارة المصرية، البابلية، اليونانية، والهندية، التي نقلت رمزية الأرقام إلى العالم. في الحضارة المصرية القديمة يرمز رقم 3 الى الحياة والموت والبعث كما يرمز الرقم 9 إلى تاسوع الآلهة، اما الرقم 42 يرمز الى قضاة محكمة الموتى. في الحضارة البابلية الرقم 60 أساس نظامهم العددي الرقم 7 مرتبط بالكواكب السبعة المرئية. في الحضارة اليونانية يرمز الرقم 4 الى العناصر الأربعة ويرمز الرقم 10 للكمال عند فيثاغورس. في الحضارة الصينية يرمز رقم 8 الى الحظ والازدهار ويرمز الرقم 9 الى الإمبراطور والرقم 4 يرمز الى النحس لأنه يشبه كلمة موت.

التفسير النفسي والاجتماعي لتقديس الأرقام: الأرقام تمنح الإنسان شعورًا بالسيطرة في عالم مليء بالفوضى تمنح الأرقام معنى ونظامًا. الأرقام تسهل حفظ التعاليم مثل 7، 12،40 والأرقام تُستخدم كرموز تختصر مفاهيم روحية معقدة. الأرقام تُعطي طابعًا قدسيًا للطقوس كلما كان الرقم ثابتًا، زادت قوة الطقس.

الرقم 1 في الفلسفة اليونانية القديمة: فيثاغورس والواحد اعتبر فيثاغورس أن الرقم 1 هو أصل الأعداد كلها ومبدأ الوجود ورمز الوحدة الكونية. كان يرى أن الواحد هو النقطة الأولى التي تنبثق منها الخطوط والأشكال، وبالتالي الكون. أفلاطون والأرقام في فلسفة أفلاطون الواحد هو عالم المثل هو الخير الأسمى هو مصدر كل وجود. أرسطو اعتبر أن الواحد هو مبدأ الهوية والشرط الأول للمعرفة.

الرقم 1 في الحضارات القديمة: الحضارة المصرية القديمة بداية الخلق وحدة الملك (الفرعون الواحد). الحضارة البابلية رغم نظامهم الستيني، اعتبر البابليون الرقم رمزًا للبدء رمزًا للإله الأعلى مردوخ. الحضارة الصينية في كتاب التاو تي تشينغ الواحد يولد الاثنين، والاثنان يولدان الثلاثة، والثلاثة تولد كل الأشياء الواحد هنا هو الطاو، أصل الكون.

الرقم 1 في التصوف الإسلامي: وحدة الوجود: عند ابن عربي والواحد هو الوجود الحق كل شيء آخر تجلٍّ لهذا الواحد. وحدة الشهود: عند الصوفية رؤية الله في كل شيء إدراك أن الكثرة مجرد مظاهر للوحدة. الدلالات الرمزية للرقم1 البداية أول يوم أول خطوة أول حرف. التفرد: الواحد لا يتكرر، لذلك يرمز إلى الأصالة الهوية الذات الوحدة: يرمز إلى وحدة الخالق وحدة الكون وحدة الإنسان مع ذاته. الاستقامة: الرقم 1 خط مستقيم، لذلك يرمز إلى الحق الصدق الطريق المستقيم. اكتسب الرقم 1 قدسية عالمية لأنه أصل الأعداد كل الأرقام الأخرى مضاعفات للواحد لأنه يمثل البساطة والكمال لا يحتاج إلى غيره لأنه يعكس فكرة الإله الواحد في معظم الديانات التوحيدية ولأنه رمز فلسفي للوجود الوجود واحد والكثرة مجرد مظاهر.

***

احمد المغير

 

في يوم الأرض الخالد

يتهادى الكلام في مطالع الحكاية على نبرٍ رخيم كأنّه مقامٌ ينساب من عودٍ قديم، وتولد الأرض في اللغة نغمةً أولى، وتستقر في القلب إيقاعًا لا يخبو، فتتعانق الحروف كما تتعانق السنابل في مواسم الامتلاء، ويغدو اللفظ مرآةً لسرٍّ عميق يسكن التراب ويصعد منه نورًا يتوزّع على المعاني.

يا أرضُ، يا نغمةً تتردّد في مقام الصبا عندما يشتد الشوق، ويا وترًا يعلو في مقام البيات عندما يفيض الدفء.

فيكِ تستقيم الجملة، وتعتدل القافية، ويجد الحرف طريقه نحو اكتماله.

فيكِ تتآلف المقامات من حجاز يفيض حنينًا، ورستٌ يرسو على اليقين، إلى نهوندٌ يبوح بما يختلج في الصدر من أسرار.

على ثراك تتشكّل اللغة كما تتشكّل الأغنية، فتبدأ همسًا، ثم تعلو رويدًا حتى تبلغ ذروة الإحساس، ثم تعود لتستقر في قرارٍ عميق يشبه استقرار الجذور في باطن التراب.

كلّ كلمةٍ تمشي على إيقاعٍ داخلي، وكلّ جملةٍ تنحني كما ينحني العود بين يدي العازف، فتغدو الكتابة طقسًا من طقوس الانتماء.

في حضرة الأرض يصفو اللسان، ويزدان البيان، وتغدو العبارة كأنها جملة موسيقية تتوزع بين مدٍّ وجزر، وبين ارتفاعٍ وانخفاض حتى تكتمل في أذن السامع صورةً سمعيةً وبصريةً في آنٍ واحد.

هكذا تُفتتح الحكاية مقامًا يفيض عذوبة، ونصًا يتوشّح الإيقاع، وقلبًا يجد في الأرض لحنه الأول والأخير.

في الثلاثين من آذار تتسع الذاكرة حتى تصير سماءً كاملة، وتنهض الأرض من عمقها كأمٍّ تنفض عن كتفيها غبار السنين، وتستقبل أبناءها بنداءٍ يعرفونه كما يعرفون أسماءهم.

خمسون عامًا تمضي منذ لحظة اشتعال الوعي في الجليل، وما زالت الحكاية تتجدد كنبعٍ يتدفّق من صخرٍ صلب يروي العطش المتوارث جيلًا بعد جيل.

في عام 1976 انفتح المشهدٍ المشحون بالحياة، وتحوّل التراب إلى معنى، وصارت الحقول بيانًا مفتوحًا يعلن قداسة العلاقة بين الإنسان وأرضه.

ستة شهداء ارتقوا كأغنيةٍ عالية حفرت حضورها في الوجدان، والعشرات من الجرحى كتبوا بأجسادهم نصًّا حيًّا، والمئات من المعتقلين حملوا الحكاية إلى الزنازين فصارت الجدران دفاتر تحفظ صدى الأصوات الأولى.

لم تكن بقعة صغيرة، فقد كانت واحد وعشرين ألف دونم من الجليل حملت آنذاك عبق المواسم، وعرق الفلاحين، وحكايات البيوت التي تتكئ على سفوح التلال، إذْ تمتد أشجار الزيتون كقصائد صامتة، ويتجلّى المعنى في أبسط تفاصيله: حفنة تراب، وظل شجرة، ورائحة خبز، وطفولة تركض بين السنابل. تلك المساحات تحوّلت إلى مرآةٍ تعكس هويةً كاملة، فغدا الدفاع عنها دفاعًا عن الذاكرة، وعن المستقبل الذي ينمو في رحم الحكاية.

ومن هذه اللحظة المفصلية انبثقت في الشعر الفلسطيني طاقةٌ إبداعية هائلة جعلت من الأرض محورًا تدور حوله الكلمات، ومن التراب نغمةً أساسية في سيمفونية المقاومة.

هنا يطلّ محمود درويش حاملًا الأرض في قصائده كما يحمل القلب نبضه، فتأتي قصيدته “سجّل أنا عربي” كصرخةٍ مشبعة بالكرامة، وتتحوّل الأرض في نصوصه إلى أمٍّ، وإلى معشوقةٍ، وإلى ذاكرةٍ حيّة تنبض في تفاصيل اللغة.

تصير الأرض في شعره أكثر من مكان، وتصبح كيانًا يكتب الإنسان من خلاله ذاته، ويستعيد عبره ملامحه الأولى.

وبالقرب من هذا الصوت يقف سميح القاسم الذي صاغ من الأرض نشيدًا لا يخبو، وجعل من الصمود قصيدةً تمشي على قدمين.

يتجلى التراب في كلماته كقوةٍ دافعة تحمل الإنسان نحو الثبات، وتمنحه القدرة على تحويل الألم إلى فعلٍ خلاق. فالأرض في شعره تتزيّن بالكبرياء، وتغدو رمزًا للكرامة التي تنمو كما تنمو السنابل في مواسم الخير.

ويأتي توفيق زياد ليكتب الأرض بلهجة الناس البسطاء، ويجعل من تفاصيل الحياة اليومية مادةً شعرية نابضة.

ففي قصيدته “هنا باقون” تتحوّل الأرض إلى وعدٍ دائم، وإلى حضورٍ متجذر في الوجدان، فالكلمات تشبه الحجارة في صلابتها، وتشبه الزهور في رقتها عندما تتفتح على الأمل.

أما فدوى طوقان فتنسج من الأرض حكايةً مفعمة بالعاطفة والحنين، وتكتبها بصوتٍ أنثويٍّ يفيض بالصدق والدفء.

في شعرها تتجلّى الأرض كحضنٍ واسع، يحتضن الألم والأمل معًا، ويمنح الروح مساحةً للتحليق رغم ثقل الواقع. كلماتها تنساب كجدولٍ رقراق يحمل بين ضفتيه وجعًا شفيفًا، وإصرارًا عميقًا على البقاء.

وفي هذا السياق تتواصل الأصوات فيحضر معين بسيسو الذي جعل من الأرض ساحةً للثورة الشعرية، ومن الكلمة أداةً للفعل والتغيير.

تتّقد قصائده بطاقةٍ مشتعلة، وتجعل القارئ يعيش لحظة المواجهة بكل تفاصيلها، فالأرض تنبض بالحياة، وتدعو أبناءها إلى الانتماء الفاعل.

هكذا يتكامل المشهد بين الحدث والتعبير، فيوم الأرض لحظة تاريخية، والشعر ذاكرة حية تحفظ تلك اللحظة وتعيد إنتاجها في كل زمن.

تغدو الكلمات هنا فعل حضور يربط الإنسان بأرضه عبر خيوطٍ من المعنى العميق.

ففي الذكرى الخمسين تتجلّى هذه الأصوات كجوقةٍ واحدة تغنّي للأرض بلغاتٍ متعددة، وتكتبها بصيغٍ شتى، ومع ذلك تلتقي جميعها عند جوهرٍ واحد، فالأرض روحٌ تسكن الإنسان، وهويةٌ تنمو في أعماقه، وقصةٌ تستمر في التشكل مع كل شروقٍ جديد.

ومهما عتت الرياح تبقى الأرض نصًا مفتوحًا يكتبه الشعراء بمداد القلب، ويقرؤه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية، فتغدو الحكاية أوسع من زمنها، وأعمق من حدودها، وتظلّ نابضةً بما يحمله الإنسان في داخله من حبٍّ وانتماء.

وفي الشعر الفلسطيني يتخذ عنوان “الأرض” هيئة كونٍ كامل يتجاوز حدود الموضوع ليغدو جوهر التجربة، ومنبع اللغة، وسرّ النبرة التي تتردّد بين الحنين واليقين.

فالأرض ليست مفردةً ضمن قاموس، فهي مركز الدائرة التي تتشكل حولها الرؤية، فتنبثق منها الصور، وتتوالد منها المعاني، وتتشابك عندها الأزمنة.

ومنذ البدايات ارتبطت الأرض في الوعي الشعري الفلسطيني بحضورٍ عضويّ، إذْ تتماهى مع الجسد، وتتمازج مع الروح، وتدخل في تفاصيل الحياة اليومية كما يدخل الضوء إلى البيوت.

ولنا في ذلك صولات وجولات مع شعراء المقاومة الفلسطينية، فلو عدنا مجدّدا إلى درويش وحدّقنا في قصائده سنرى الأرض تتجلّى ككائنٍ حيّ يبادل الإنسان الشعور، ويشاركه الذاكرة، فتتحول إلى أمٍّ حينًا، وإلى حبيبةٍ حينًا آخر، وإلى مرآةٍ يرى فيها الشاعر ذاته.

وتتكثف الرموز في لغته، فيصير الزيتون ذاكرةً، والقمح وعدًا، والبحر أفقًا مفتوحًا على الحلم.

أما عند سميح القاسم فتغدو الأرض عنوانًا للكرامة المتجذرة، وتتخذ القصيدة شكل موقفٍ صلب يفيض بالحياة.

ففي نصوصه تتقدم الأرض بوصفها قيمةً عليا تحمل في طياتها معاني الثبات، وتُغذّي الروح بطاقةٍ لا تنضب. وكلماته تشبه خطى الفلاح في حقله، واثقة راسخة تنتمي إلى المكان كما ينتمي النبض إلى القلب.

وفي شعر توفيق زياد تتجسد الأرض في أبسط صورها وأكثرها صفاءً، وتتماهى مع تفاصيل الحياة اليومية: البيت، والشجرة، والحجر، والطريق.

هذه البساطة تمنح الأرض عمقًا إنسانيًا يجعلها قريبة من وجدان الناس، ويحوّلها إلى رمزٍ مشترك يلتقي عنده الجميع.

فالأرض وعدٌ بالاستمرار، ونغمةٌ جماعية تنبض في صوت الجماهير.

وتأتي فدوى طوقان لتمنح الأرض بعدًا وجدانيًا رقيقًا، لتنسج منها حكايةً مشبعة بالعاطفة.

وفي قصائدها تتفتح الأرض كحديقةٍ من المشاعر، وتجمع بين الألم والرجاء، كما تعبّر عن علاقةٍ عميقة تتجاوز المادي إلى الروحي.

وحضورها في النص يشبه حضنًا دافئًا يختزن الذكريات، ويمنح الشاعر مساحةً للتأمل والبقاء.

ويتوسع العنوان أكثر في شعر معين بسيسو، وتتحول الأرض إلى ساحةٍ للفعل والحركة، وإلى رمزٍ للثورة المتواصلة.

فاللغة عنده مشتعلة، والإيقاع متسارع، ويكأنّ القصيدة تتحرك على أرضٍ تهتز بالحياة، ويغدو العنوان طاقةً دافعة تدفع بالكلمات نحو التغيير، وتمنحها بعدًا جماهيريًا.

ومن خلال هذا التنوع يتضح أنّ “الأرض” في الشعر الفلسطيني عنوانٌ متعدد الطبقات يحمل أبعادًا متداخلة، فهو ذاكرةٌ جماعية تختزن الماضي، وهويةٌ حاضرة تتشكل في الآن، وأفقٌ مستقبليّ يتطلع إلى الامتداد.

وهو في الوقت ذاته صورةٌ حسية ملموسة، ورمزٌ معنويّ عميق يجمع بين البساطة والتعقيد في آنٍ واحد.

تتكرر مفردات الأرض في القصائد: من الزيتون، فالتراب، فالسنابل، فالحقول، إلى الجبال، فتغدو هذه العناصر علاماتٍ لغوية تشير إلى منظومةٍ كاملة من المعاني.

ومع التكرار تكتسب هذه المفردات طاقةً رمزية تجعلها قادرة على حمل التجربة بكل ثقلها وخفّتها، وبكل ألمها وأملها.

وفي الذكرى الخمسين ليوم الأرض يتجدد هذا العنوان في القصيدة الفلسطينية، فيكتسب أبعادًا جديدة دون أن يفقد جذوره الأولى.

فالشعراء يواصلون كتابة الأرض بمدادٍ متجدد يواكب التحولات، ويحتفظ في الوقت ذاته بروح البدايات.

وهكذا يظل العنوان مفتوحًا على احتمالات لا تنتهي، وقادرًا على استيعاب التجربة بكل تنوعها وثرائها.

إنّ الأرض في هذا الشعر نصٌّ حيّ يتنفس مع الإنسان، وينمو معه، ويعيد تشكيل ذاته في كل قراءة.

إنها ليست موضوعًا يُكتب عنه، إنما كيانٌ يُكتب من خلاله، وحضورٌ يضيء اللغة من الداخل، فيمنحها صدقها وعمقها واستمرارها.

في ختام النشيد يهدأ الإيقاع ليصير عمقًا، وتستقر النغمة على قرارٍ راسخ، وتقوم الأرض مقامًا لا يزول، وتنهض في الروح وعدًا يتجدّد مع كل شروق حتى تتآلف المقامات في لحنٍ أخير، هو رستٌ يرسو على الثبات، وحجازٌ يسكب الشجن نورًا، وبياتٌ يحتضن الدفء في قلب الحكاية.

فيا أرضُ، يا وترًا مشدودًا بين الصبر والبقاء، فيكِ تمضي الخطى على ميزانٍ لا يختل، وفيكِ تنبت الحروف كما تنبت السنابل في موسم الامتلاء.

إنّ كلّ جذرٍ فيكِ قصيدة، وكلّ حجرٍ رواية، وكلّ نسمةٍ مقامٌ يعلّم القلب كيف يستقيم على نغمة الصمود، ليمتد اللحن، ويتصاعد، ثم يعلو حتى يبلغ ذروة اليقين، فتتجلّى الحكاية في أكمل صورها، في حضور دائم، وانتماء يزهر في كل حين، ونبض يتوارثه الأبناء كما تتوارث الأغاني أصداءها.

في هذا المقام الأخير تتوحّد الأصوات، وتصفو العبارة، وتغدو النهاية بدايةً أخرى تكتبها الأرض بمداد الحياة، ويستقر النشيد في ذاكرة الزمان مقامًا خالدًا، ولحنًا يتردّد في الأعماق، ويحمل سرّ البقاء، ويعلن أنّ الأرض تعرف أهلها، وأن الإيقاع مستمر، وأنّ الحكاية تمضي مقامًا بعد مقام حتى يكتمل اللحن في أفقٍ من صمودٍ لا ينفد، وبقاءٍ يتجدّد كالفجر في كلّ يوم. سنردّد يومًا ما نشيد الأرض، وستعلو حناجرنا بالقصيد:

يا أرضُ يا نغماً يُقيمُ مقامَهُ

بينَ القلوبِ ويستفيقُ بيانُ

فيكِ ابتدأنا والسنابلُ شهقةٌ

خضراءُ يكتبُ ظلَّها الإنسانُ

نمضي وفي وترِ الترابِ قصيدةٌ

عذراءُ يعزفُ لحنَها الإيمانُ

تبقينَ ما دامتْ على شرفاتِنا

شمسٌ وما في صدرِنا وجدانُ

***

غدير حميدان الزبون - فلسطين

الحياة ليست شيئاً واحداً، وليست مجرد خط مستقيم من الرخاء أو نهر متدفق من السعادة والهناء الدائم؛ إنها موج يتناوب فيه المد والجزر، والشدة واللين، والضوء والعتمة. في أوقات السعة، ينشغل الإنسان بنجاحاته وتستغرقه الحركة والإنجاز، فيظن للحظات أن الدنيا استقرت له وخضعت لإرادته. لكن ما إن تضيق الأحوال وتشتد الأزمات والكروب، حتى ينكفئ على نفسه ليبدأ بحسابات مرهقة تثقل كاهله، كأنما انقلب العالم عليه فجأة دون سابق إنذار.

المشكلة ليست في تقلب الحياة، فهو من سننها، بل في أن يسمح الإنسان لتقلبها أن ينفذ إلى قلبه ويتسلل الهوان والضعف فيه، فيضعف ثقته ويزرع فيه الهم والغم، ويثقل روحه بالحزن والكآبة. حينئذ لا تكون الأزمة خارجية فحسب، بل تصبح داخلية أيضاً تنال منه ومن قواه ونفسه، فتصيبه في مقتل، وتضاعف أثرها وتسرق منه توازنه وحكمته وأجمل ما فيه.

الإنسان الواعي يدرك أن للحياة وجهين لا ينفصلان: رخاء ونجاحات وهناء وسعادة يختبر فيه بالشكر والامتنان للمنعم والنعمة التي حصل عليها، وضيق قد يحاصره وتضييق به الدنيا يختبر فيه بالصبر والاحتساب والثبات في مواجهة العواصف والأزمات. وما بينهما تتشكل شخصيته وتصاغ قوته وتماسكه وصلابته. فإذا أحسن في زمن السعة والرخاء، فجعل حياته قائمة على حساب وإدارة لوقته وعمره وماله، واستثمر نعمته في الطاعة والتقرب والعمل دون أن ينسى شكر ربه، كان أقدر على الثبات والاستمرار دون معاناة حين تضيق به الدنيا وتتزلزل أركانها وكياناتها. وإذا نزلت به الشدائد، لم ينسَ نفسه، ولم يسلم قلبه للهزيمة والضعف والانكسار، بل تذكر أن ما يمر به مرحلة ستنتهي وتنقضي ساعاتها وأيامها، وما يبقى هو الحضور والقوة بعد صبر وثبات.

أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان في خضم الأزمات والصراعات والحروب ليس الخسارة المادية ولا تعثر الطريق أو فقدان ما امتلكه المرء وجناه، بل أن يخسر نفسه؛ أن يفقد بوصلته، ويستسلم لفكرة الضعف والهوان والهزيمة، ويسلم قياده لليأس والإحباط والسكون. هنا يتحول الألم من تجربة عابرة إلى حالة دائمة تثقله ويتآكل به كيانه ووجوده. أما من يحفظ قلبه، فيبقى-رغم الألم- متماسكاً جلداً قوياً لا تهزه ولا تهزمه مصائب أو خسارات، يرى في المحنة أمل ومنحة ومعنى وقيمة يستحق أن يعيش لأجلها، وفي الضيق درساً وعبرة وعظة، وفي الصبر طريقاً للعبور والخلاص والنجاة.

إن القوة الحقيقية ليست في غياب الضعف، فهذا ممكن وطبيعي للبشر أن ينال منهم ذلك، بل في القدرة على منعه من الوصول إلى القلب والوجدان. أن تتعب نعم، أن تقلق نعم، أن تحزن نعم، لكن أن تظل من الداخل ثابتاً، متماسكاً، مؤمناً بأن بعد الضيق سعة، وبعد العسر يسراً وفرجاً يزيل الهموم والغموم والكربات. هذه هي المعادلة التي تصنع الإنسان الصلب: وعي بطبيعة المرحلة والحياة برمتها وطبيعتها، وثقة بالله عز وجل أن يزيلها ويفرج عن كرباتها، وإرادة لا تنكسر مهما نال منها الزمن والأحداث ومجريات الأمور. " وكما جاء في الحديث - عنِ ابنِ عبَّاسٍ قالَ : كنتُ رِدفَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فالتفتَ إليَّ فقالَ : يا غلامُ ، احفَظِ اللَّهَ يحفَظكَ ، احفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ ، تَعرَّف إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ ، يَعرِفْكَ في الشِّدَّةِ قد جفَّ القلَمُ بما هوَ كائنٌ ، فلَو أنَّ الخلقَ كُلَّهُم جميعًا أَرادوا أن ينفَعوكَ بشَيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ لَكَ ، لَم يَقدِروا عليهِ ، أو أرادوا أن يضرُّوكَ بشيءٍ لم يقضِهِ اللَّهُ علَيكَ ، لَم يقدِروا علَيهِ … واعلَم أنَّ ما أصابَكَ لم يكُن ليُخطِئَك وما أخطأكَ لم يكُن ليُصيبَكَ ، واعلَم أنَّ النَّصرَ معَ الصَّبرِ ، وأنَّ الفرجَ معَ الكربِ ، وأنَّ معَ العُسرِ يُسرًا. أخرجه الترمذي وأحمد

نافلة الأمر عندما تضيق الدنيا، لا تضعف فكرياً ولا ذهنياً وتنهزم روحك ونفسيتك عن مواجهة ظروفك وأحوالك وما ألم بك وبمن حولك؛ بل قاتل من أجل هذه اللحظة والفرصة المتاحة، اعمد إلى ما تملكه من قوارب النجاة من ثقة بالله سبحانه وتعالى أن يفرج الكرب، ومن ثم ركز فيما تجيده وتبحر به سفينتك للنجاة والعبور مهما أشتد بك الخطب أو الحال حتى تخرج منها معافى في بدنك ونفسك، ومع من تحبهم ومن أجلهم. لا تسلم قلبك لليأس، كي لا تهزم روحك وتعاني من جراء ضعفك وهوانك. واجه التحديات بما لديك من قيم ومبادئ راسخة، واستدع إيمانك ومعتقداتك، وسخر طاقتك ومهاراتك وخبرتك للتكيف والنهوض مجدداً، رغم الألم والشدة والخسارة التي قد تحدث. فالحياة لا تمنحنا دائماً ما نرغب، لكنها تمنحنا فرصة لنكون أقوى وأشد بأساً مما كنا عليه. وفي المحصلة، الانتصار الحقيقي ليس في تجنب الأزمات، بل في الخروج منها بأقل التكاليف دون أن تفقد ذاتك وقوتك وعزيمتك.

***

د. أكرم عثمان

31-3-2026

* من أبشع التناقضات الفكرية عند الإنسان "تَمثُّل" "معيار نظام الحق والخير والجمال" و"ضربه" أو الإخلال به، في آن واحد، وفي الموضوع الواحد! في مستوى التجريد والمفاهيم المجردة وفي مستوى العيني والمصاديق والأشكال والتطبيقات المعينة! فيكون التناقض خالطا، وخادعا بسبب هذا الخلط بين الإلتزام والإخلال! خاصة في الموضوعات المركبة المعقدة، حيث يَخفى التناقض بشكل أكبر وأخبث! وبما أن هذا المعيار والنظام أصل وأساس للتفكير، يترتب على هذا الخلل أخطاء وأضرر كبيرة وخطيرة في العلم والعمل، وذلك ما نراه في الواقع، أو أن النتيجة السيئة هو هذا الواقع السيء بكل عناصره ومجالاته!

* التحرير، تحرير أي شيء، الأوطان أو غيرها، يعني في الحقيقة، تطهيره من استعمال وتوظيف الجهلة والطغاة له، لأغراض سيئة! وكل "تحرير" لا يلتزم هذا المعنى الشريف أو لا يحققه، هو تحرير كاذب وخادع ومختل!  

* "الصراع" هو اسم خاطئ وخادع وركيك ل"التغالب"!

"التغالب" هو محاولة كل طرف، تثبيت أو تغيير امتلاك شيء ما مادي أو معنوي. وقد يتحقق ذلك في بعض الحالات بما يسمى "فرض الإرادة"!

* هناك نوعان من الإرادة، إرادة حق وخير وإرادة باطل وشر!

حيث أن الإرادة مثل غيرها، عنصر وجودي أو حياتي محايد في الأصل! لكن ينتمي لاحقا إلى الحق والخير أو الباطل والشر، بفعل بشري، أو ممارسة بشرية!

* مبدأ" الزائد الضار كالناقص الضار" من المبادئ الشريفة الأساسية التي أهملها المسلمون قديماً وحديثاً في العلم والعمل، وفي كل مجالات الحياة، وسبب لهم ولثقافتهم ضرراً كبيرا، وهذا الإهمال سبب أساسي من أسباب حالنا أو واقعنا السيء الذي نعيشه وإخلال بمبدأ أساسي من مبادئ "فقه الواقعية"!

* لا توجد "حرب عادلة" إلا نادرا جدا وبشكل نسبي أو مرحلي مؤقت، لأن الحرب مثل الشيطان ومثل الواقع أيضا، بارعة في تزوير الحقائق وخلط الأمور بشكل خبيث وتغليب الباطل والشر على الحق والخير، بشتى الطرق والأشكال!

* لماذا الشر غالب على الخير في الواقع، لأن الأشرار غالبا، أكثر فهما وصدقا وجرأءة وواقعية من الأخيار الذين هم أشباه أخيار، غالبا، لأن الشر يتحقق بلا كلفة أو جهد، بمجرد نزوع النفس أو الواقع، وببعض العوامل أو الشروط المتوفرة، بينما الخير يحتاج إلى كلفة وتكلف معنوي ومادي كبير، وشروط شديدة ليتحقق في الواقع! بل إن الأخيار وأشباه الاخيار قد يكونون عوائق أمام الخير وتحققه في الواقع!

* المشكلة ليست في الشيطان، بقدر ما هي في الإنسان الذي يكون مرة إنسانا ومرة شيطانا، بحيث يخدع نفسه وغيره بهذا التحول من حال إلى حال! حيث "الباطل والشر" الصريح أو المباشر أو البسيط، ولو كان صاخبا أو عنيفا أو كبيرا أو كثيرا، هو عادةً، أهون وأقل سوءا وضررا من الباطل والشر الخفي أو المستتر أو المقنَّع أو المركب "المعقد"!

* ما نعرفه بشكل غامض أو ناقص أو مختل أو قاصر يعيقنا عن الحقيقة مثل الجهل.

* بكيفية ملائمة أو مناسبة، مبادئ الوجود والطبيعة والواقع هي مبادئ العقل والفكر.

* "الحق والخير والجمال" هو "النظام - المعيار" الذي نلتزم به بشكل واع  أو غير واع ونخالفه بشكل واع أو غير واع، في تناقض كبير وخطير ومتكرر.

* الطغيان يصنعه الخوفُ والطمع الخاطئان، عند الحاكم الطاغي والمحكوم الخاضع.

* الشكل الزائف من الموجودات خاصة الأساسية الفعالة، ربما يضرب الحقيقي منه ويضره أكثر من ضده؛ فالحق الزائف ربما يضرب الحق أو يضرّه أكثر من الباطل، وهكذا الخير والعدالة والحرية وباقي الموجودات أو المفاهيم.

* تصحيح الخطأ بالخطأ أسوأ وأخطر من الخطأ، لأنه يعمي الإنسان بشدة عن النتيجة الخاطئة.

* (أحياناً) هو التسمية الساذجة العامية (للحالات الملائمة) التي يصدق عليها الحكم العقلي.

* الصوابات العاقلة والأخطاء العاقلة تتعاون من أجل االخير والإبداع والنجاح.

* يوجد فرق حقيقي بين الحقيقة والمعنى، الحقيقة هي المعنى الحقيقي للشيء بينما المعنى هو معناه عند الكائن (العاني) أو ما يتصوره المتصور. الحقيقة لا تكون خاطئة بينما المعنى قد يكون خاطئاً. الحقيقة حقيقة بينما المعنى فكرة.

* الأخطاء العاقلة التي يتعامل معها الإنسان بحكمة أفضل من الصوابات التي يتعامل معها بحماقة؛ حيث أن العبرة بالإستعمال الصحيح والنتيجة النافعة.

* من مساوئ وأضرار "حرية الرأي" مثل أية حرية خالطة منفلتة عن معيار نظام الحق والخير والجمال، أنها غالباً ما تُبرِّر للآرأء السخيفة الضارة، قمعَها للآرأء الشريفة النافعة.

* الإستعمال الجيد للأشياء أفضل من الإمتلاك غير الجيد لها.

* الناس السيّئون هم بدرجة كبيرة وباعتبار ملائم، خَطأُ الناس الجيدين.

***

جميل شيخو

30 / 3 / 2026

في زمنٍ اختلطت فيه كل شيء، صار الوجه قناعًا، وصار القناع حقيقة.

العقل يمشي على عكاز الشك، والروح تُساق إلى أسواق الضجيج، حيث تُباع المعاني (الحقائق) بثمنٍ بخس، ويُشترى الفراغ بوصفه حرية.

العبثية اليوم ليست فكرةً عابرة في كتابٍ أصفر، ولا تأملًا حزينًا في ليل الفلاسفة، بل هي كائنٌ هلامي، يتكاثر في الظلال، يتسلل عبر الشاشات، وينام في تفاصيل اللغة.

تراه في الضحكة التي لا سبب لها، وفي الحزن الذي بلا جذور، وفي إنسانٍ يمشي طويلًا دون أن يعرف إلى أين.

إنها ريحٌ سوداء، لا تُسقط الجدران، بل تُفرغها من أسمنتها وحديدها وكذلك المعنى من الألفاظ الكبرى والكلمات الدالة على الحياة، حتى تقف المدن قائمةً كقبورٍ مفتوحة، يسكنها أحياءٌ فقدوا سرّ الحياة.

لم تعد العبثية تبحث عن معنى، بل صارت تصنع اللامعنى وتروّجه.

ترتدي وجوهًا كثيرة: وجه المثقف الذي يقدّس الشك حتى يكفر بالبديهيات، ووجه السياسي الذي يحوّل الوطن إلى رقعة شطرنج، ووجه الإعلامي الذي يبيع الضجيج على أنه وعي.

وفي العمق، يقف كائنٌ غامض، يشبه الإنسان، لكنه بلا جذور، بلا ذاكرة، بلا قبلة

إنه الإنسان المعلّق بين السماء والأرض، لا هو طائرٌ فيحلق، ولا هو حجرٌ فيستقر.

مقولات كالرصاص الصامت ليست أخطر ما في العبثية صراخها، بل همسها

تلك الجمل التي تتسلل إلى القلب كالدخان.

لا معنى لشيء......

فتتحول الحياة إلى انتظارٍ بلا موعد.....

كل شيء نسبي.....

فيصير الحق باطلاً، والباطل وجهة نظر....

الانتماء وهم......

فيغدو الإنسان غريبًا حتى عن اسمه.....

إنها ليست أفكارًا، بل شقوقٌ في جدار الروح، يتسرّب منها الليل.

حين تصير الأوطان زجاج مكسورة

انظر إلى الخرائط ليست خطوطًا وحدودًا، بل جراحٌ مفتوحة

مدنٌ كانت تغني، صارت تبكي....

أنهارٌ كانت تعكس السماء، صارت تعكس الدخان.....

أطفالٌ كانوا يرسمون الشمس، صاروا يرسمون الدبابات ......

في مشهدٍ سرياليٍّ فادح :

رجلٌ يحمل وطنه في حقيبة، امرأةٌ تخيط قريتها بدموعها، وطفلٌ يسأل: أين بيتي؟

ولا أحد يجيب .

هكذا تعمل العبثية :

لا تهدم الحجر فقط، بل تمحو السؤال .

العقل المستلب: حين يُنفى الإنسان من داخله

أخطر ما فعلته العبثية أنها لم تحتل الأرض، بل احتلت الرأس جعلت الإنسان يشك في بداهته، ويسخر من جذوره، ويخجل من انتمائه....

صار العقل كغرفةٍ بلا نوافذ، يدور فيها صاحبه حول نفسه، حتى يتعب، فيجلس على أرض الشك، ويعلن استسلامه للفراغ...

وهنا لا يعود الإنسان عبدًا لسلطةٍ خارجية، بل سجينًا لفوضاه الداخلية.....

قلت تعالوا لنحرّر العقل لكن ليس ليتيه، بل ليهتدي......

حرّروه من سلاسل العبثية، من عبادة الشك، من تقديس اللايقين، ليعود إلى فطرته الأولى، حيث النور لا يُجادَل، والحق لا يُساوَم.

لنحرر العقل ليرجع إلى الله تعالى،

فإن العقل إذا انفصل عن السماء، صار أداة هدم، وإذا اتصل بها، صار مصباح هداية.....

لنحرر العقل من العبثية، ليسير في درب الأنبياء، حيث الطريق واضح، وإن طال، وحيث المعنى عميق، وإن خفي، وحيث الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يعرف.....

لسنا أمام خيارٍ بسيط، بل أمام مفترق وجودي: إما أن نستمر في عبادة الفراغ، أو نعيد اكتشاف المعنى.....

البذرة ما زالت فينا في ذاكرة الأرض، في صوت الأذان، في دمعة الأم، في كتابٍ لم يُقرأ بعد

نحتاج فقط أن نحرث هذا الركام، أن نعيد للعقل وضوحه، وللقلب يقينه، وللروح وجهتها ليست العبثية قدرًا، بل غفلة

وليست نهاية، بل انحراف في الطريق....

وحين يعود الإنسان إلى نفسه... إلى ربه.. إلى معنى وجوده....…

تسقط الأقنعة، وتنطفئ الضوضاء، ويبدأ العالم من جديد لا كفوضى، بل كآية.

***

بقلم: بلحمدي رابح - الجزائر

كثيرة هي المعايير التي ولدت خارج الأنظمة، ثم ما لبثت أن اندمجت فيها، حتى غدت جزءٍ من بنيتها، ولعل " البربرية" من أبرز هذه المفاهيم التي شهدت هذا التحول. في أصلها التاريخي، كان اليونان يطلقون صفة " البربري" على كل من لا يتقن اللغة الإغريقية، ثم اتسعت الدلالة لتشمل كل من يقف خارج أسوار المدينة، وخارج نظامها وقوانينها، لم يكن البربري انذاك توصيفاً أخلاقياً بقدر ما كان حدا فاصلا بين" نحن" و" الاخر" .

غير أن التداول اللاحق للمفهوم حمله بعداُ قيميا، فصار البربري هو ذاك الذي يمارس العنف والهمجية، ويقع خارج المعايير الإنسانية والأخلاقية، وهنا استقر المعنى في الوعي العام: البربري كائن بدائي، لا ينتمي إلى المدينة، ولا يتناغم مع مفاهيم الإنسان الحديث المشبعة بشعارات الحق والقانون والإنسانوية.

لكن ماذا لو انقلبت الدلالة؟

لم يعد السؤال اليوم: من هو البربري؟ بل: أين تسكن البربرية؟

الواقع الراهن يضعنا أمام أزمة عميقة في ضبط المفاهيم، فمصطلحات مثل السلام، والحقوق، والحرب، والإعلام، لم تعد تشير إلى معان مستقرة، بل أصبحت قابلة لإعادة التشكيل وفق السياق والسلطة. في هذا الاضطراب، لم تعد البربرية استثناء، بل صارت جزء من هذا الانزلاق المفهومي العام.

لم تعد البربرية تقف خارج الأسوار، بل انزاحت نحو مركز المدينة.

نجدها اليوم في قلب العلم، وفي بنية التكنولوجيا، وفي آليات القرار السياسي، لم تعد تشير إلى من هو اقل انسانية، بل إلى من يتحكم في تعريف الإنسانية ذاتها.

فقد اقترنت البربرية بالسلطة، ووجدت في الأنظمة الرأسمالية مجالا لإعادة انتاجها، لم تعد مرفوضة كما في السابق، بل أُعيد تشكيلها وتهجينها داخل نظام جديد، يرفع شعارات الحقوق، والمؤسسات، والإنتاجية. وهكذا لم تختف البربرية، بل تغير شكلها: من عنف فوضوي إلى عنف منظم، من قسوة مكشوفة إلى قسوة ممأسسة.

إن البربري اليوم لا يعيش خارج الحضارة، بل في عمقها.

يمارس سلوكا بدائيا، لكن بأدوات متقدمة، وينتج عنفه داخل منظومة تدعي العقلانية.

وهنا تكمن المفارقة:

لم نعد ننتظر البرابرة.. بل أصبحنا نعيش زمنا تعاد فيه صياغة البربرية بوصفها أحد أشكال الحضارة.

***

زهراء ماجد