3020 تشارلز سيميكبقلم: تشارلز سيميك

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


  الشوكة

لا بد ان هذا الشيء الغريب قد خرج

زاحفا من الجحيم.

انه يشبه قدم طير

يرتديه آكل لحوم بشر حول عنقه.

 

وانت اذ تمسكه بيدك،

وتطعن به قطعة لحم،

يمكن تخيل بقية الطير:

رأسه الذي يشبه قبضتك

كبير، اصلع، بلا منقار، وأعمى.

***

 

......................

تشارلز سيميك: شاعر ومترجم وكاتب مقالات أميركي من أصل صربي ولد عام 1938 في مدينة بلغراد بيوغوسلافيا السابقة. عاش سنين الكارثة التي حلت بأوربا خلال الحرب العالمية الثانية وهاجر بعدها في سني مراهقته إلى أميركا ليصبح واحدا من أبرز شعرائها المعاصرين. نشأ في شيكاغو وتلقى تعليمه في جامعة نيويورك ويعمل حاليا أستاذا للأدب الأميركي والكتابة الإبداعية في جامعة نيوهامبشير، ومحررا لمجلة (باريس ريفيو) بالاشتراك مع الكاتبة والشاعرة ميغان أورورك. نشر سيميك أولى قصائده عام 1959 ولكنه بدأ مسيرته الأدبية مع أول مجموعة ظهرت له عام 1967 بعنوان (ما يقوله العشب) وسرعان ما جذب المزيد من الاهتمام النقدي وخصوصا عند نشره قصائد له بالانكليزية وترجمات شعرية لشعراء يوغسلاف. نال شعره جوائز عديدة منها جائزة البوليتزر لعام 1990 عن ديوانه (العالم لا ينتهي: قصائد نثر) وجائزة والاس ستيفنز عام 2007. وانتخب لمنصب شاعر الولايات المتحدة عام 2007. من عناوين مجموعاته الشعرية: (تعرية الصمت) 1971، (مدرسة لأفكار سوداء) 1978، (أغاني بلوز لا تنتهي) 1986، (أرق الفنادق) 1992، (عرس في الجحيم) 1994، (اصطحاب القطة السوداء)) 1996، (نزهة ليلية) 2001، و(ستون قصيدة) 2008.

 

3007 pelevinبقلم: فكتور بيلفين

ترجمة: صالح الرزوق


 كان الشارع العريض والبيوت الواقفة على طرفيه مثل الفك السفلي لبلشفي عجوز تقدم بالعمر، وعاش حتى عاش في ظل الديمقراطية. كانت البيوت القديمة من العهد الستاليني - عالية على شاكلة ضرس العقل الذي يغطيه القلح، نتاج عدد طويل من السنوات المتتالية وتدخين تبغ رديء وخشن. هذه البيوت، رغم كل حسناتها تبدو ميتة ومستسلمة، ويمكن القول إنها فقدت عاطفتها بسبب محتوياتها السامة. والأماكن التي تعرضت فيها بيوت العهد السابق للهدم كانت تحمل الآن بقايا ناتئة ومضرة بالبصر تخلفت عن تكديس شقق من ثماني طوابق. باختصار هي مشهد كئيب. والبقعة المضيئة الوحيدة التي تعاند هذه الخلفيات المزعجة هي مركز تجاري بناه الأتراك، وقد جعله شكله الهرمي مع أضواء النيون البراقة يشبه نابا ذهبيا عملاقا تغطيه نقاط من دماء طازجة. وفي السماء كان القمر المنير مشرقا وساطعا ويشبه ضوء طبيب أسنان مرفوع فوق حامل طويل يلقي كل نوره على فم المريض.

سأل بيوتر بيتروفتش وهو ينظر لزميله الصامت:”بمن تثق، بمن تثق؟ أنا حاليا رجل بسيط، وربما مغفل. سطحي وساذج. كما تعلم أصدق كل شيء أقرأه في الصحف”.

رد صديقه بصوت منخفض:”الصحيفة؟”. وعدل من وضع القبعة السوداء التي تغطي رأسه.

قال بيوتر بيتروفتش:”نعم. الصحيفة. أي صحيفة. ولا يهم اسمها. أكون على متن قطار الأنفاق، وأجد بجانبي رجلا جالسا ويقرأ، فأميل قليلا، وأسترق النظر، وفورا أومن بما أقرأ”.

“تؤمن بما تقرأ؟”.

“نعم. مهما كان. ربما باستثناء الإيمان بالله. تأخر الوقت لأومن بالرب. وإن آمنت به فجأة سيبدو الأمر كأنه نفاق. طوال عمري أنكرت الله، وحينما اقتربت من الخمسين بدأت أشعر به على نحو من الأنحاء؟. من أجل أي هدف أنا أعيش إذا؟. ولكن وجدت الحل بالإيمان بـ “هيربا لايف”* (*شركة منتجات غذائية) أو بالسلطات المختصة”.

سأله زميله:”لماذا؟”.

فكر بيوتر بتروفتش:”يا له من ذل. إنه لا يتكلم لكنه ينق. لماذا أنا صريح ومنفتح معه؟. حتى أنني لا أعرفه”.   وتابعا المسير بصمت لبعض الوقت، أحدهما وراء الآخر، بخطوات خفيفة، وأحد اليدين تتحسس الجدار طوال الوقت. أخيرا قال بيوتر بتروفيتش:”سأخبرك لماذا. كما لو هناك شيء يحتفظ بك على متن الحافلة. ولا يهم ما هو ما دمت لا أسقط منها. هذا يشبه قول الشاعر: - أن تتابع التقدم في الليل البهيم، تنظر بأمل من ثقب أسود في النافذة -. وها أنت، ربما تنظر لي وتقدح زناد أفكارك وتقول: أنت رومنسي ضمنيا وقلبيا، هل أنت كذلك يا صاحبي، حتى لو أن هذا لا يبدو عليك بوضوح في الظاهر - حسنا، أنت منهم، أليس كذلك؟”.  

اختفى شريكه في أول منعطف وغاب عن بصره. وشعر بيوتر بتروفيتش أن أحدا قاطعه في منتصف عبارة هامة، فأسرع ليلحق به. وحينما أصبح الأحدب الأسود في مجال نظره مجددا، شعر بالطمأنينة وفكر دون أي سبب أن القبعة المدببة جعلت منظر شريكه شبيها بكنيسة محترقة.

همهم الأسود بهدوء:”كم أنت رومنسي رقيق يا صاحبي”.

واعترض بيوتر بيتروفتش بحرارة:”أنا لست رومنسيا. بالحقيقة يمكن أن تصفني بصفة معاكسة تماما. أنا رجل عملي جدا. لا أهتم إلا بالعمل. ونادرا ما أتذكر لماذا أنا أعيش. بالتأكيد ليس من أجل هذا العمل، اللعنة عليه - ليس من أجله، ولكن هكذا”.

“هكذا؟”.“ربما هكذا يمكنني أن أخرج في المساء وأتنفس الهواء بعمق وأشعر أنني جزء من الكون، ورقة أعشاب مغمورة بالإسمنت، يمكنك أن تقول ذلك - ومن المؤسف أنني لا أرى الجوهر الفعلي في هذه الأيام. ربما بسبب ذلك هناك”. 

رفع يده وأشار للقمر الهائل الملتهب في السماء، ثم أدرك أن شريكه يمشي أمامه ولا يمكنه رؤية إشاراته. ولكن لا بد أن لدى شريكه شيئا ما مثل عين في خلف رأسه، لأنه قلد إشارة بيوتر بتروفيتش بنفس الوقت تقريبا، ومد ذراعه بنفس الطريقة تماما.

قال بيوتر بتروفيتش:”في وقت مثل هذا أسأل نفسي ماذا أفعل في كل ما تبقى من وقت في حياتي. ولماذا نادرا ما أشاهد كل شيء بنفس الطريقة إذا؟. ولماذا أتمسك بنفس الخيار، وأجلس في غرفتي وأنظر بأحلك الزوايا؟”.

ومنحت بيوتر بتروفيتش هذه الدقة المبالغ بها في كلماته الأخيرة طمأنية مريرة. ولكنه تعثر، فلوح بذراعيه فوق رأسه في الفراغ، وغاب موضوع الحوار من رأسه. احتفظ بتوازنه بطريقة القرد حينما يدور حول نفسه، واستند على الجدار بيد واحدة، بينما طرقت يده الأخرى زجاج نافذة قريبة منه وربما كسرته. من الجهة المقابلة للنافذة توجد غرفة صغيرة يضيئها النور الأحمر الذي نستعمله ليلا. ولذلك كانت تبدو كأنها شقة اجتماعات - فالأثاث يتضمن ثلاجة، ونصف سرير مخبأ بخزانة، ولا يمكن رؤية النائم باستثناء الساقين العاريتين الرفيعتين. حدق بيوتر بتروفيتش بالجدار الذي يعلو الضوء الليلي، والمغطى بعدد كبير من الصور. بينها صور عائلية، صور أطفال ويافعين ورجال مسنين، وعجائز، وكلاب. وفي المنتصف تماما صورة لحفل تخرج من أحد المعاهد، ويحيط بالوجوه أشكال إهليلجية بيض، لتبدو اللوحة كلها مثل علبة بيض مقسومة نصفين. نظر بيوتر بيتروفيتش لأحد النصفين، وشاهد في الشكل البيضاوي رجلا يبتسم له. لكنه كان بوجه أصفر بسبب مرور الوقت. كانت كل الصور قديمة، وتنشر رائحة قوية تدل على حياة منتهية، فشعر بيوتر بيتروفتش بالغثيان. وفورا ابتعد عن المكان وتابع مسيره.

قال بعد عدة خطوات:”نعم، نعم. أعلم ماذا تريد أن تقول: من الأفضل أن تلزم الهدوء. بالضبط. هذا درس نتعلمه من الحياة. ببساطة نحن نفقد القدرة على رؤية أي شيء آخر يدور حولنا باستثناء صور الماضي المجلل بالغبار المعلق بالفضاء. نحن ننظر إليها بعمق وتركيز. ثم نتساءل لماذا تحول العالم المحيط بنا إلى كومة نفايات. ولاحقا حينما يسطع القمر، تفهم فجأة أن العالم غير ملوم، بل أنت من تبدل، ولا تعلم متى ولا لماذا”.

خيم الصمت. وتأثر بيوتر بيتروفيتش كثيرا بما شاهد في الغرفة، ولا سيما الوجوه المصفرة المتخثرة. واستغل الظلام وعدم ملاحظة أحد له، ومد لسانه من فمه وقطب وجهه حتى جحظت عيناه، وتحول وجهه لما يشبه قناعا إفريقيا - وأنقذه هذا التصرف للحظات قليلة من ملله المفاجئ. وتلاشت الرغبة بالكلام فورا - والأسوأ من ذلك، كان الأمر كما لو أن الحوار الطويل أضاءه فقط النور الأحمر الخامد الصادر عن المصباح الليلي، وبدا أنه غبي ولا ضرورة له. نظر بيوتر بيتروفيتش لزميله، معتقدا أنه محروم من الذكاء وبمقتبل شبابه.

قال بنبرة بالغة التهذيب:”لا أفهم تماما عما نتكلم الآن”.

لم يرد شريكه. اقترح بيوتر بيتروفيتش:”ربما من الأفضل أن نلزم الهدوء لبعض الوقت؟”.

همهم زميله:”لنلتزم الصمت”.

2

كلما ابتعد بيوتر بيتروفيتش وشريكه، كلما زاد جمال وغموض العالم المحيط بهما. لم يكن هناك حاجة للكلام مطلقا. وكان الطريق الضيق تحت أقدامهما يلمع بضوء القمر. والجدار الذي لا يكف عن تبديل لونه رسم أحيانا خيال كتفيهما، أحيانا الكتف الأيسر، وكانت النوافذ التي يمرون بقربها معتمة، تماما مثل النوافذ التي ورد ذكرها في قصيدة بيوتر بتروفيتش. وفي بعض الأوقات كان عليهما الصعود على سفح التلال، وفي أوقات أخرى العكس تماما. الهبوط على السفوح. وباتفاق غير مكتوب كانا يتوقفان فجأة وينتظران بالمكان لفترة طويلة، وعيونهما تنظر لمنظر رائع. كانت الأضواء البعيدة، على وجه الخصوص، جميلة تماما. وفي عدة أوقات توقفا لينظرا لتلك المشاهد، وفي كل مرة تطول النظرات، عشر دقائق أو أكثر. وكان بيوتر بتروفيتش يفكر بأمور غامضة، تقريبا لا يمكن التعبير عنها بالكلمات. ولم يكن يبدو أن للأضواء أي علاقة خاصة بالكائنات البشرية، بل هي جزء من الطبيعة - إما تعود لمرحلة من مراحل تعفن جذور الأشجار، أو لنجوم سقطت من السماء. بكل الحالات كان الليل قاتما حقا، وقد حددت البقع الصفر والحمر، التي تنطبع على الأفق، لحد ما أبعاد العالم المحيط بهما - ولولاها لن يجدا طريقة لمعرفة اتجاه تطور الحياة، أو إن كانت الحياة موجودة أصلا. وفي كل مرة كان يخرج من أفكاره لدى سماع صوت خطوات شريكه. وكلما تابع شريكه التقدم على الطريق، يستيقظ بيوتر بتروفيتش من تأملاته ويسرع خلفه. وحالا ينسى الصور التي رآها من النافذة، ويتناقص وزن قلبه وتغمره السعادة، ولكن الصمت يقلقه. فكر بيوتر بتروفيتش:”هناك شيء آخر. أنا لا أعرف اسمه. يجب أن أسأل”. وانتظر لحظة ثم سأله بتهذيب:” هممم. جاءت بذهني فكرة. نحن معا، نمشي كل هذا الوقت ونتبادل الكلام، ولكن لم يقدم أحدنا نفسه للآخر”.

لم يرد زميله.

قال بيوتر بتروفيتش بنبرة مصالحة حينما مر وقت كاف ليتأكد أنه لن يحصل على إجابة:”ولكن طبعا، ما هو الاسم. إنه. مجرد صوت لا معنى له - بالنهاية إن كانت المعرفة متبادلة بين اثنين، لن يكون هناك شيء لتتكلما عنه. وستواصل التساؤل كيف يفكر بك، وماذا يقول عنك. ولكن إن كنت لا تعرف مع من تتكلم، يمكنك أن تقول أي شيء. الفرامل لا تعمل. كم مضى علينا ونحن نثرثر، حوالي ساعتين، أليس كذلك؟. وانظر، أنا من أحرك لساني كل الوقت. لكن بالعادة أميل للصمت، والآن أشعر كأن السد انهار. وربما لا أبدو بناظريك ذكيا، مع ذلك أنا أصغي لنفسي كل الوقت، ولا سيما قرب التماثيل، هل تذكر؟. حينما كنت أتكلم عن الحب - وحينما أصغي لنفسي تصيبني الدهشة. هل حقا أنا خبير بالحياة كل هذا القدر؟”.

رفع بيوتر بتروفيتش وجهه نحو النجوم وتنهد بعمق، وبدا أن وجهه مغطى بخيال جناح غير مرئي يأتي من ابتسامة غير واقعية طارت من قربهما. وفجأة لمح حركة غير محسوسة تقريبا على يساره، واهتزت ثم خمدت.

نادى زميله همسا:”هيي. توقف. اهدأ. أنت تخيفه. أعتقد أنه قط - نعم، هو هناك. هل تراه؟”.

استدار بقبعته نحو اليسار، ولكن رغم كل جهوده فشل بيوتر بتروفيتش مجددا ولم يشاهد وجه رفيقه الذي نظر كما يبدو بالاتجاه الخاطئ.

همس بيوتر بتروفيتش بيأس:”هناك. انظر. حيث توجد القارورة؟. نصف ياردة نحو اليسار، لا يزال يحرك ذيله. لنعد حتى ثلاثة. استدر لليسار. وأنا سأذهب لليمين. مثل المرة الماضية”.

هز زميله كتفيه بلا اهتمام، ثم أومأ مضطرا.

عد بيوتر بتروفيتش:” واحد. اثنان. ثلاثة”. وألقى ساقيه فوق الحاجز الحديدي المنخفض الذي يلتمع ببلادة في ضوء القمر. وتبعه زميله مباشرة، وانطلقا للأمام. والله يعلم كم مرة شعر بيوتر بتروفيتش بالسعادة في تلك الليلة. والآن غمرته السعادة أيضا، وهو يركض تحت السماء السوداء، حرا من كل الحسابات ومصادر العذاب، واختفت فجأة كل المشاكل التي حولت حياته لجحيم قبل يوم أو يومين، وحتى لو رغب أن يتذكرها لن يجد شيئا في منها في ذهنه. عبرت ثلاثة ظلال على سطح أسود تحت قدميه - أحدها داكن وقصير، وألقاه القمر، والآخران، غير ثابتين ولا منتظمين، ورسمتهما منابع ضوء مختلفة، ربما كانت تنسكب من النوافذ. وحينما ذهب بيوتر بتروفيتش يسارا زميله يعدو يمينا. وحينما أصبح القط بينهما في مكان ما، التفت نحوه وأسرع من خطواته. أما الشخص المعتمر بقبعة سوداء فقد قام فورا بمناورة مماثلة - وأصبحت حركاتهما متزامنة جدا وشعر بيوتر بتروفيتش بخبطة من شيء غامض معلق، ولكن لم يكن لديه وقت للاهتمام به. كان القط يجلس بنفس المكان، وهذا شيء غريب، لأنهما بالعادة لا يسمحان لأحد بالاقتراب لهذه الدرجة. مثلا آخر قط، القط الذي طارداه قبل أربعين دقيقة، حتى ابتعد عن التماثيل، لم يسمح لهما بالاقتراب لمسافة عشر ياردات. وشعر بيوتر بتروفيتش بخدعة ما، فأبطأ بمشيه. ثم توقف عن التقدم تماما. واحتفظ بمسافة تقدر بعدة خطوات من القط. وكرر شريكه كل حركاته وتوقف بمكانه تقريبا بنفس اللحظة، على مبعدة ثلاث ياردات. ومن هذه المسافة، تبين لبيوتر بتروفيتش أن ما حسبه قطا، هو في الحقيقة حقيبة بلاستيكية رمادية لها يد ممزقة وكانت تتأرجح مع الريح - وهو ما خيل له خطأ أنه ذنب. ووقف شريك بيوتر بتروفيتش بمواجهته، ولكن بقي وجهه الحقيقي مخفيا - فالقمر كان يسكب نوره في عيني بيوتر بتروفيتش، وكل ما تمكن من رؤيته هو الخيال المدبب الداكن المألوف. مال بيوتر بتروفيتش للأمام (وانحنى شريكه للأسفل بنفس اللحظة، وتقريبا ارتطم رأساهما) وجر الحقيبة من زاويتها (أما شريكه فقد جر الزاوية المقابلة). وتأرجحت الحقيبة بينهما، وسقط منها شيء طري وتكوم على الإسفلت. وكان عبارة عن جثة قطة ميتة نصف متعفنة. قال بيوتر بتروفيتش وهو يلتفت بعيدا:”إع. يا لها من نفايات متعفنة. كان علينا أن نخمن”.

وردد شريكه:”كان علينا أن نخمن”.

قال بيوتر بتروفيتش:”دعنا نبتعد”. وأسرع باتجاه الحدود القصديرية المحيطة بالحقل المسود.

3

تابعا المشي صامتين لعدة دقائق. وكان الظهر الداكن يتأرجح أمام وجه بيوتر بتروفيتش مجددا. والآن فقط أمكنه أن يتأكد أنه ظهره، وليس صدره. وليساعده بتجميع أفكاره، أغلق عينيه بنصف إغماضة ونظر للأسفل. وكل ما شاهده مجرد خط من الفضة يمتد تحت قدميه. وهدأه مرآه ونومه مغناطيسيا لحد ما. وبالتدريج غمر وعيه وضوح غير تام، وبدأت أفكاره تتسارع في ذهنه تلقائيا - أو على الأرجح، كانت فكرة منفردة متكررة عن الزمن الماضي الذي اعتدى عليه وأحكم قبضته على خناقه.

وتساءل بيوتر بتروفيتش:”لماذا يكرر دائما حركاتي؟. وكل شيء يقوله هو صدى لآخر عبارة نطقت بها. هو يتصرف بالضبط مثل خيال منعكس. ولكن حولنا الكثير من النوافذ!. ربما هو مجرد وهم بصري، ولأنني منفعل قليلا، يبدو لي أنه يوجد اثنان منا؟. في النهاية العديد من الأمور التي آمن الناس بها في بعض الأوقات يمكن تفسيرها بالوهم البصري. وتقريبا هذا ينطبق على كل شيء في الحقيقة”. وأسعدت هذه الفكرة على نحو غير متوقع بيوتر بتروفيتش وعززته بالثقة. وفكر سرا:” إنه ضياء القمر. انعكاس الضوء من نافذة على أخرى بالإضافة لتلك الرائحة الزهرية المعطرة - ويجب أن لا ننسى أننا الآن في تموز - الزهور يمكنها أن تخلق هذا التأثير. كلامه هو مجرد صدى بسيط، صدى ساكن وهادئ. وطبعا هذا يفسر كل شيء!. هو دائما يكررالكلمات التي نطقت بها للتو”. 

ألقى بيوتر بتروفيتش نظرة على قفا الشخص الذي يتأرجح بانتظام أمامه.  وتابع سيل أفكاره:”أضف لذلك أنني قرأت بعدة أماكن إن ضغط عليك شخص أو أحرجك بطريقة من الطرق، لن يكون على الأغلب شخصا منفصلا عنك، ولكن هذا تجريد نفسي. وحينما تهدأ بمكانك أو تقوم بتكرار أي شيء، مثلا أفعال متشابهة ليس لها معنى محدد كالمشي أو التفكير، فإن انعكاس خيالك يبدو دائما مثل تصرف مستقل. يمكن أن يكون في البداية مثل خطوة صغيرة، ولكنك لا تلاحظ. ويمكنه أن يقوم بحركات لا تعرف عنها شيئا - وطبعا شريطة أنها ليست أشياء جوهرية. وفي النهاية يمكنه أن يتمرد عليك فعلا وتعتقد أنه شيء موجود حقا، ثم ينقلب ضدك. وكما أتذكر توجد طريقة واحدة فقط للتأكد إن كان انعكاسا لخيال أم لا - عليك أن تقوم بحركة فجائية وغير غامضة أبدا، وهكذا يكررها الخيال بوضوح تام، لأنها لا تزال انعكاسا وعليه أن يطيع قوانين الطبيعة، أو على الأقل بعضها. هكذا ببساطة. يجب أن أحول انتباهه بالكلام ثم أقوم بشيء فجائي وغير متوقع وألاحظ ما يجري. يمكنني أن أتطرق لأي شيء، ما دمت لم أفكر به مسبقا”.

نظف حنجرته وقال: “شيء جيد أن تحتفظ بشفتيك مطبقتين. الاستماع فن. وأن تدفع الآخرين لكشف أنفسهم بمتابعة الكلام... يقال: الصامتون هم أفضل الأصدقاء. هل تعلم بماذا أفكر الآن؟”.

وانتظر بيوتر بتروفيتش لحظة ليسمع الرد. ولكن لم يطرق سمعه شيء، فتابع يقول:”عن أسباب حبي لليالي الصيف كثيرا. طبعا لأنها سوداء وهادئة. جميل. ولكن ليس هذا هو أفضل ما فيها. أحيانا يبدو لي أن جزءا من روحي نام فترة طويلة واستيقظ لعدة ثوان في ليالي الصيف ليتأكد كيف تتطور الأشياء بعد تبدل المكان والوقت - السماء الزرقاء المعتمة.. مع النجوم... يعني الإبهام”.

4

وسريعا أصبح من المؤكد أن متابعة المشي احتمال صعب. فقد وجدا بعد الانعطاف حول زاوية أخرى، أنهما في الجانب المعتم، حيث القمر يختفي وراء بيت مرتفع أمامهما. وغمر بيوتر بتروفيتش فورا التعب والتردد. وتابع الحديث، مع أن لفظ الكلمات أصبح متعبا. وبدا أن شريكه يعاني من نفس المشكلة أيضا، لأنه امتنع عن المشاركة حتى بالردود الموجزة - وكان أحيانا يهمهم بكلام غير مفهوم. وأصبحت خطواتهما أقصر وتبعث على مزيد من الحذر. وبين وقت وآخر كان شريكه الذي يتقدمه يتوقف ليتأكد من الاتجاه - كان هو من يتخذ القرار، وكل ما توجب على بيوتر بتروفيتش أن يتبعه. سقط مثلث مشرق من ضوء القمر على جدار أمامهما، بعد أن مر من بين فجوة تفصل بيتين في الطرف الآخر. رفع بيوتر بتروفيتش عينيه مجددا عن الطريق الفضي الباهت الذي كان تحت قدميه، وشاهد في ضوء المثلث قطعة غليظة من سلك كهربائي تتدلى على الجدار. ووضع ذهنه فورا خطة بدت له طبيعية تماما، ومرحة. وفكر:”آها. هذا ما يمكنني القيام به. بوسعي القبض على ذلك الشيء ووضع قدمي على الجدار ثم جره بعيدا عنه. لو أنه خيال أو ظل حقا، لا بد أن يكشف نفسه. وعليه أن يحذو حذوي ولكن باتجاه معاكس. هذا مؤكد - لماذا لم أفكر بذلك من قبل؟. يمكنني أن أعبئه كساعة، لو تأرجحت بقوة. ولو أن هذا اللعين مجرد انعكاس لخيال...”.

ولم يستكمل بيوتر بتروفيتش التخطيط لبقية الأمر، ولكن كان من الواضح أن هذا الأسلوب يمكنه من نفي أو تأكيد الشبهات التي تعذبه. وفكر:”أهم شيء بالموضوع هو المفاجأة. يجب أن أباغته”. قال وهو يبدل موضوع الحوار الذي أصبح وراءهما وبالتدريج:”على كل حال المياه تجري بطريقها، ولكن المدهش أنه حتى في المدينة يمكنك التقرب من عالم الطبيعة، وعليك أن تبعد نفسك قليلا عن التعقيدات. طبعا ليس من المحتمل أن نحسن تدبير الأمر - فنحن محافظون جدا. إنما أؤكد لك أن الأولاد يقومون بذلك يوميا..”.

وتوقف بيوتر بتروفيتش ليمنح شريكه فرصة ليقول شيئا، ولكن مجددا لزم الصمت، فتابع بيوتر بتروفيتش كلامه:” أنا أقصد لهوهم. طبعا هم غالبا فوضويون ومشاكسون، وأحيانا يتركون عند الانطباع أنهم ينبعون من النفايات وأنهم أبناء المجاعة ويكبرون ويتطورون في هذه الأيام. مع ذلك أعتقد أن المجاعة ليس لها علاقة. هذا ليس لأنهم لا يمتلكون ثمن دراجات نارية أو زلاقات. مثلا هم مغرمون بما يسمى أرجوحة طرزان. هل سمعت بها؟”.

دمدم زميله:”سمعت بها”.

تابع بيوتر بتروفيتش كلامه قائلا:”هي حبل مربوط بشجرة، بغصن قوي، كلما كان أعلى أفضل”. ونظر للمثلث المضيء من نور القمر وفكر إنهما بحاجة لأقل من دقيقة ليصلا إليه. ثم أردف:”وبالأخص إذا كانت الشجرة على أطراف منحدر خطر. أهم شيء أن يكون منحدرا شديدا. على أطراف الماء، ثم يمكنك أن تغطس. أما طرزان فهو شخص. يوجد فيلم بهذا العنوان، وفيه ينفق شاب اسمه طرزان كل وقته وهو يتأرجح بحبال أشجار الليانا. شيء بسيط. تمسك بالحبل، وتندفع بقدميك، وتتأرجح لمسافة طويلة، بقوس واسع، وإن أحببت يمكن أن تفلته وتقفز إلى الأمام برأسك أولا ثم تسقط بالماء. بصدق لم أجرب من قبل أرجوحة طرزان بهذه الطريقة، ولكن بسهولة أتصور تأثير تلك اللحظة المدهشة وأنا أرتطم بالسطح، ثم أغوص ببطء في صمت وسلام رائعين - آه، فقط لو أعلم أين يطير أولئك الأولاد باستعمال أرجوحاتهم الخاصة”. 

دخل شريكه في الفضاء المغمور بضوء القمر. واجتاز بيوتر بتروفيتش حدود دائرة الضوء وراءه. وتابع بهوس وهو يقيس بعينيه المسافة التي تفصله عن السلك يقول:”هل تعلم لماذا بإمكاني تخيله؟. لسبب بسيط. أتذكر كيف في إحدى المرات في طفولتي قفزت في بركة للسباحة من أعلى برج مرتفع. طبعا ألحقت الضرر ببطني في الماء، ولكن في تلك اللحظة تلقيت درسا هاما - هاما جدا وذلك حينما صعدت للسطح كررت سرا وعدة مرات عبارة: ’ لا تنس، لا تنس’. وحينما خرحت من الماء، لم أكن أتذكر غير تلك الكلمات ’ لا تنس’”.

 في هذه اللحظة أصبح بيوتر بتروفيتش أمام السلك. مد يده وتمسك به ليتأكد أنه مربوط بإحكام. وقال وهو يستعد للقفز وبصوت هادئ وصادق:”حتى الآن أهوى القفز بطريقة من الطرق. طبعا هذا غباء وشيء غير نافع ولكنني أشعر أنه بمقدوري تحقيق شيء أو تذكر شيء. فلننطلق بعد إذنك”.

قال بيوتر بتروفيتش ذلك وقام بعدة خطوات سريعة، واندفع بقوة، وطار في الفضاء الحار المعتم. ولم يستمر طيرانه (لو أمكننا أن نسميه كذلك) إلا لغمضة عين. تأرجح مبتعدا عن الجدار مسافة يارد أو اثنين. والتف حول نفسه وهو يندفع قدما، وارتطم بالجدار قرب شريكه الذي قفز للخلف خائفا. فقد بيوتر بتروفيتش توازنه وتوجب عليه أن يمسكه من كتفيه، وبالتأكيد أكد له ذلك بوضوح أنه ليس انعكاسا أو ظلا. كان الأمر كله غريبا، وتخلله الكثير من اللهاث والطبطبات. ونجم من شريك بيوتر بتروفيتش بعد الصدمة ردة فعل عصبية جدا: تخلص من يد بيوتر بتروفيتش. وكانت على كتفه. ابتعد للوراء. وتخلى عن غطاء رأسه وصاح بحنق:” ماذا فعلت برأيك؟”.

قال بيوتر بتروفيتش وهو يشعر أنه يحمر:” آسف جدا. لم أقصد ذلك..” - وأسعده أن الليل حالك.

وقاطعه شريكه بقوله:”هل تذكر ماذا قلت. إنك هادئ وسلس، وأنك غير عنيف، وأنك ببساطة وحيد ولا يوجد لديك من تكلمه؟. هل هذا ما أخبرتني به بالضبط؟”.

همس بيوتر بتروفيتش وهو يخفض وجهه ويستره بين يديه:”نعم. قلت ذلك. لا يمكنني أن أنسى. ولكن تملكتني أفكار غريبة، أنك لست أنت حقا، ولكنك انعكاس لظلي على النوافذ أو أنك خيالي. شيء غريب أليس كذلك؟”.قال شريكه:”لا أعتقد أن هذا مضحك. الآن على الأقل تذكرت من أكون”.

قال بيوتر بتروفيتش وهو يقوم بحركات غريبة برأسه:”نعم”. كان يحني رأسه أو يدفنه بين كتفيه.

“شكرا لك يا رب. ولذلك قررت أن تدفعني لأقفز لتتأكد إن كنت خيالا، أليس كذلك؟. واختلقت قصة عن أرجوحة طرزان لتشتت انتباهي”.

صاح بيوتر بتروفيتش، وهو يبتعد بإحدى يديه عن السللك الكهربائي ويضغط بها على صدره:”لا. طبعا لا. يمكن أن تقول في البداية كنت أحاول أن أشتت انتباهك، ولكن في البداية فقط. إنما ما أن شرعت بالكلام ركزت على أشياء كانت تزعزع حياتي كلها. أشياء أشعر بها من أعماق قلبي”.

قال شريكه:”أنت تقول أشياء مبهمة. بدأت أشك بسلامة عقلك. فكر بذلك فقط - تسير معي لساعتين، وتبادلني الكلام، ثم تفكر بجدية أن الشخص الذي برفقتك هو انعكاس خيالك. هل تعتقد أن هذا النوع من التفكير يخطر بذهن إنسان طبيعي؟”.

وفكر بيوتر بتروفيتش بالموضوع. وقال:” كلااااا. لا يمكن. ويبدو بالظاهر حماقة. خيال متكلم، يسير وظهره أمامك - أرجوحة طرزان... لكنك تعلم، أن هذا يبدو لي منطقيا لو أخبرتك بتسلسل أفكاري، لن تشعر بالدهشة أبدا”.

نظر إلى الأعلى. كان القمر على السطح المقابل مختبئا وراء سحابة طويلة ذات أطراف مدببة. ولسبب ما فسر ذلك على أنه إشارة شؤم. وأردف يقول:”نعم. إذا حللت دوافع ما تحت الشعور المتحكمة بتصرفاتي، يبدو كما لو أني ببساطة أبحث عن لحظة من لحظات المجد..”.

قاطعه شريكه بصوت أعلى:”أستطيع أن أفهم الظل. ولكن الشيء الغريب هو الهراء عن أرجوحة طرزان. حول الإقلاع بالهواء واستنتاج شيء أو آخر منه. ماذا كنت تعني بالضبط؟”.

نظر بيوتر بتروفيتش إلى عيني شريكه ثم نقل نظرته فورا إلى رأسه الحليق. وقال:”كيف أعبر لك؟. لا أرتاح للغة الحقائق التافهة”.

سأله شريكه وهو يعتمر بقبعته مجددا:”أي حقيقة؟. عنك، عن الناس، عن العالم؟. لدينا أنواع متعددة من الحقائق”.

فكر بيوتر بتروفيتش بذلك. وقال:”أفترض عني. أو بالأحرى عن الحياة. عن نفسي في هذه الحياة. طبعا”.

سأله زميله:”تريد أن أخبرك عن هذا إذا؟”.

قال له بيوتر بتروفيتش بعدائية مفاجئة:”إن كان لديك علم بها، تفضل”.

سأله زميله بعدائية مماثلة وهو يشير للجهة التي جاءا منها:”ألا تخشى أن تكون هذه الحقيقة غير ذات نفع لك كأنها جثة قطة ميتة”.

قال بيوتر بتروفيتش لنفسه:”هو يعني ضمنا شيئا ما. يسخر مني. يطبق علي ضغطا نفسيا. ولكنه سيرى أنني لست كما يتصور. ولكن ما غايته من هذه السادية؟. كل ما فعلته أنني دفعته من كتفه. واعتذرت لاحقا”.

قال وهو يشد من كتفيه وينظر بتركيز لعيني زميله:”كلا. لست خائفا. فلنتابع”.

“حسنا. هل كلمة ’أبله” تعني لك شيئا؟”.

“أبله؟. ماذا، الذين لا ينامون ليلا ويتسكعون أمام بوابات الأبنية؟ أنا أعلم... آه يا إلهي!”.

5

أشرق ذهنه بطريقة تشبه القفز في ماء بارد وهو ما حاول بيوتر بتروفيتش أن يحذر منه زميله المتكبر- وهذا ليس فقط لأنه انتبه كيف يكون الليل القارس البرودة. نظر بيوتر بتروفيتش لقدميه ولاحظ أن الطريق الضيق الفضي الذي كان يتبعه لفترة طويلة هو في الواقع زخرفة بالقصدير وقد انحنى بشدة تحت وزنه.

سأل زميله:”حسنا؟”.

نظر إليه بيوتر بتروفيتش - بحذر، ولم يشاهد الهوة تحت قدميه للحظة من الوقت.

قال بهدوء ولكن بإلحاح:”توقف. من فضلك توقف. سأسقط”.

رد زميله بتنهيدة:”كيف يمكنني أن أتوقف؟ هذا يحدث لك وليس لي”.

وأدرك بيوتر بتروفيتش أن زميله محق، ولكن بعد لحظة أدرك شيئا آخر، شيئا غمره بالخجل. وصاح وهو مقتنع بما يقول:”هذه عنجهية وشذوذ. يمكنك أن تفعل ذلك بأي إنسان. تخبره أنه أبله يتمختر على أطراف فراغ لا يراه!. على إفريز... لماذا، مضت لحظة وأنت... والآن...”.

أومأ شريكه برأسه وقال:”هذا صحيح. ليس لديك فكرة كم أحسنت بالتعبير”.

“لماذا تفعل ذلك بي؟”.

“لا يمكنني أن أخبرك بما تريد. أولا امتلأ رأسك بشيء، ثم بشيء آخر. والآن أنت تفكر إلى أين يمكن أن تطير باستعمال أرجوحة طرزان. بصراحة هذا شيء مؤثر حقا. ثم أنت تريد الاستماع للحقيقة. وبالمناسبة إنها ليست الحقيقة النهائية”.

“إذا ماذايجب أن أفعل الآن؟”.

“أنت؟. لا ضرورة لتفعل أي شيء. ستتطور الأمور تلقائيا”. قال شريكه، ولاحظ بيوتر بتروفيتش فجأة أنه لا يقبض على أي شيء وهو يقف على ما يشبه زاوية”.

همس بيوتر بتروفيتش:”هل تسخر مني؟”.

“أبدا”. قال بيوتر بتروفيتش بصوت مهزوز:”أيها الوقح. أنت مجرم. لقد قتلتني. ها أنا أسقط”.

قال شريكه:”لقد بدأنا. إهانة، وحقد. الشيء التالي أن تهاجمني مجددا أو تبصق علي، كما يفعل غيرك. سأنصرف”.

واستدار وبدأ بتمهل بالابتعاد. صاح بيوتر بتروفيتش:”هيي!. هيي. انتظر. من فضلك”.

ولكن زميله لم يتوقف - ولوح يده بوداع فاتر وبيد باهتة تبزغ من كم عباءته أو معطفه. وبعد عدة خطوات قليلة انعطف من حول الزاوية واختفى. أغلق بيوتر بتروفيتش عينيه مجددا وضغط بجبهته المبلولة على الجدار.

6

وفكر:”حسنا. هذا كل شيء. هذه هي النهاية الآن. أنا انتهيت. طوال حياتي كنت أتساءل كيف ستكون. وها هي النتيجة أمامك. سأتأرجح قليلا، وأرمي ذراعي بالهواء، و- تماسك يا بيوتر تماسك - أتساءل إن كنت سأرفع صوتي وأصيح؟. تماسك الآن يا بيوتر - لا تفكر بذلك. فكر بأي شيء آخر، لكن ليس هذا. من فضلك. أهم شيء أن تحتفظ بهدوئك، مهما كانت الأحوال. الخوف يعني الموت. تذكر شيئا يسعدك ويسرك. ولكن ماذا يوجد هناك لتتذكر؟. ماذا أسعدك اليوم، على سبيل المثال؟. باستثناء الحوار قرب التماثيل، حينما كنت أكلم الشاب ذا الرأس الحليق عن الحب. آه يا إلهي. ها أنا أتذكره مجددا الآن. يا لي من أحمق. لماذا لم أتابع المشي، والاستمتاع بالحياة وما يحيط بي من مشاهد. ولكن لا، يجب أن أتساءل عن هويته، وهل هو خيال أو انعكاس ظل. لقد كسبت ما استحق. هذا مقابل قراءة كل أنواع النفايات. ولكن حقا من هو؟. اللعنة، أتذكر ذلك الآن. كلا. لم أتذكر. بل هو من أخبرني بلسانه - من أين جاء؟”. فتح بيوتر بتروفيتش عينيه لدقيقة عابرة وشاهد أن الجدار المجاور لوجهه أصفر وساطع - وقد أشرق القمر من وراء الغيوم. غيوم. وهذا ما جعله يشعر أنه أفضل قليلا. وفكر:”حسنا. أين قابلته؟. قبل التماثيل، هذا مؤكد. حينما برزت التماثيل، كان موجودا تقريبا. وطاردنا أول هرة أمام التماثيل أيضا. هذا مؤكد، لم يرغب بذلك في البداية، مهما حاولت إقناعه. ثم بدأت أكلمه عن الطبيعة، والحب - أعلم أنه يجب أن لا أفعل: وأن أتكتم على هذه الأشياء حتى لا أتلقى إهانات من أحد - كيف عبر الإنجيل عنها - ’لا تعرض ما لديم من لآلئ على خنازير، لأنهم سيدوسون عليها’. أليس كذلك؟. يا لها من حياة!. حتى لو أحببت شيئا، ربما بالطريقة التي يشع بها القمر على التماثيل، يجب أن تكتفي بالنظر إليها بهدوء. يجب أن تلزم الصمت كل الوقت، ولو فتحت فمك ستندم. شيء غريب، حسنا. أدركت ذلك قبيل وقت طويل، ولكن كنت أعاني بسبب طبيعتي البسيطة. أنتظر كل الوقت ليكيلوا لي الإهانات - وهذا، يا له من خنزير ضار - خنزير حقيقي، خنزير، خنزير. لقد أخبرني أن كل شيء سيتحسن. يا له من إنسان واضح - اللعنة عليه بكل حال، ها أنا أفكر به لساعة من الوقت، مع أن القمر قد يغيب في أية لحظة. إنه لا يستحق هذا العناء مني!”.

التفت بيوتر بتروفيتش وابتعد عن الجدار، ونظر إلى الأعلى، وابتسم بضعف بالغ. كان القمر يشع من فراغ مستدير غير منتظم تخلل سحابة، ولذلك ظهر كأنه خيال منعكس في فجوة في نهر متجلد متخيل وغير موجود فعلا. وكانت المدينة في الأسفل هادئة، والهواء ساكنا ومشحونا بعبير خفيف ينتشر من البراعم النباتية التي لا يعرف أسماءها. ومن نافذة بعيدة بدأ “ستنغ” يغني بنبرة غليظة كأنه قرصان - فعلا نبرة عالية جدا بالنسبة للتوقيت. فقد كان الليل مخيما. كانت الأغنية هي “القمر فوق شارع بوربون”. أغنية يتذكرها بيوتر بتروفيتش بقلب يحن لأيام صباه. ونسي كل شيء. وتفرغ للإصغاء. وفي نقطة ما طرفت عيناه بسرعة وهو يتذكر شيئا كان طي النسيان منذ عهد بعيد. وبالتدريج تناسى ألمه وشعوره بالضرر والسقوط. وبمرور كل لحظة كانت صدفة تعرفه على زميله تبدو أقل أهمية، حتى لم يعد يفهم أخيرا لماذا كان مضطربا من ذلك قبل دقائق قليلة.

وعندما خفت صوت “ستنغ” أبعد بيوتر بتروفيتش يده عن الجدار ولوح بأصابعه في وقت تزامن مع الكلمات الإنكليزية اليائسة، بإشارة وداع:

ولن تري وجهي أبدا

أو تسمعي صوت خطواتي

حينما يكون القمر ساطعا على شارع بوربون.

توقفت الأغنية أخيرا. وتنهد بيوتر بتروفيتش وهز رأسه ليجمع أفكاره. استدار إلى الوراء، ودار حول المنعطف، وقفز برشاقة مقدار ياردين، وهناك كان المشي أيسر. كان الليل صامتا مثل لغز وكان رقيقا، ولم يشعر بالرغبة في الابتعاد عنه، وكان صباحه التالي حافلا. ويجب أن ينام قليلا على الأقل. نظر حوله لمرة أخيرة، ثم نظر إلى الأعلى لفترة وجيزة، وابتسم، ثم تابع ببطء على امتداد الشريط البراق الفضي، وكانت النسمات تلفح وجهه كما لو أنه يقبلّها، وفكر كم هو بشكل أساسي إنسان سعيد.

 ***

............................

* الترجمة عن الروسية: أندرو برومفيلد - من المجموعة القصصية “مشكلة مستذئب في وسط روسيا وقصص أخرى” الصادرة عن دار الاتجاهات الحديثة في نيويورك عام 1998.

فكتور بيليفين  Victor Pelevin روائي وقاص روسي. من مواليد موسكو عام 1962. 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: كاوة اكبر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


  القصيدة المثالية

في امبراطورية الرب المشرقة،

تنط قطعان الديناصورات الثلاثية القرون

على قوائمها الخلفية لتتشقلب فوق السهول.

يستلقي الملائكة في الشمس يأكلون ازهار الخطمية بدبابيس.

غالبا يدعكون بطونهم ويدمدمون بهدوء مع انفسهم،

 

لكن الجمل القليلة التي

ينطقونها تخرج كقصائد مثالية.

هنا على الأرض نحن نهذر على نحو متواصل،

وكل الذي نقوله مقسم بين الصراع  والإغواء.

الصراع: "افهمك تماما."

الإغواء: "في المرة القادمة لا تقل هذا بصوت عال."

هنا تأكل القصيدة ابناءها في رحمها

 

مثل قرش نمر رملي او نجم يتحول الى ثقب اسود،

ثم تتهادى نحو العالم متحدية ايانا ان نبقى مجانين.

نعرف ان جل كوننا مفقود.

القصيدة المثالية تعرف اين رحل.

القصيدة المثالية ليست اكبر من دب.

تأتي قبعة عيد ميلادها بخمار اسود

يثرثر ويثرثر

 

عن رماد النيازك والعشرة آلاف حُليمة لسان.

شأنها شأن الناس والغربان، بامكان القصيدة المثالية

ان تتذكر الوجوه وتكنّ الضغائن.

انها تفي بوعودها.

القصيدة المثالية ليست ذهبا او رصاصا او باب حديقة

موصد مقفل او شراع  يصفق في عاصفة.

القصيدة المثالية هي ذاتها لعبتها المفضلة.

 

انها ليست حالة ذهنية او نوعا من الارتياب

او عادة حسنة او سيئة او زهرة  من اي لون.

انها لن تكون متوافرة للاجابة عن الأسئلة.

القصيدة المثالية خفيفة مثل غبارعلى جناح خفاش،

وحيدة مثل برغوثة منفردة.

***

...................

كاوة اكبر: شاعر اميركي ايراني من مواليد طهران لعام 1989  تلقى تعليمه في جامعتي بتلر وفلوريدا. صدرت له مجموعتان شعريتان هما (تسمية الذئب ذئبا) و(ناقوس الحاج) وكتيب بعنوان (صورة السكير). فاز شعره بعدة جوائز ابرزها جائزة بوشكارت للشعر لعامي 2017 و2018 .

 

 

بهجت عباسصهباء – قصيدة بثلاث لغات

شعر د. عادل الحنظل

ترجمة د. بهجت عباس


 

Wine

Poet: Adil Alhandal

Translated by Bahjat Abbas

My longing to you...

When the time descends by the night’s shelter,

And the silence removes the veil of terraces,

Pillows Jasmin’s fragrance,

Not escaping,

Not escaping from me,

From self’s fear

Or enfolding worries,

Which I can't hide their evidences,

A destiny, knows where I live,

Paints them on my forehead.

It comes afraid,

Hiding in the shadow of an angel.

In his hand is a herb of love,

Makes my face a battlefield,

Merchants of calamities

Enjoy seeing.

Knights on the lie’s mules

Throw what is coming

To the guilt of what was elapsed.

O wine ..

O a whiff of wind in the lungs of the Sick,

O truth of the Sayer’s mouth,

When the say thwarts him ...

For me

You are a message of forgiveness.

A prayer for a pardon.

If the heart would betray the visions of my eyes,

If my weakness would hide

What the light revealed..

O start, if it would be hard to start,

O difference between the worship of imposter’s prayer

And holiness of the Lord.

I move towards you to shake off wetness from me,

That makes my wing heavy,

In order to fly like an eagle,

which made the claw blind,

To come back and my hunt is unburdened by guilt

***

Deutsch

Wein

Dichter: Adil Alhandal

Übersetzer: Bahjat abbas

Meine Sehnsucht zu dir...

Wenn die Zeit durch den Schutzraum der Nacht sinkt,

Und die Stille den Schleier der Terrassen entfernt,

legt auf den Duft der Jasmine,

Nicht entkommen,

Nicht vor mir entkommen,

Aus Selbstangst,

Oder Einhüllung der Sorgen,

Welche ich ihre Beweise nicht verbergen kann,

Ein Schicksal, das weiß, wo ich wohne,

Malt sie auf meine Stirn.

Es kommt ängstlich,

Versteckt sich im Schatten eines Engels.

In seiner Hand ist ein Kraut der Liebe,

Macht von meinem Gesicht ein Schlachtfeld,

Das Händler von Katastrophen gerne sehen.

Ritter auf den Maultieren der Lügen

Werfen was kommt

Zur Schuld des Vergangenen.

O Wein ..

O ein Windhauch in den Lungen des Kranken,

Wahrheit des Sagermundes,

Wenn das Sagen ihn durchkreuzt ...

Für mich bist du eine Botschaft der Vergebung.

Ein Gebet um Verzeihung.

Wenn das Herz den Visionen meiner Augen verraten würde,

Wenn meine Schwäche verstecken würde,

Was das Licht enthüllte.

O Anfang, wenn es shwer wäre anzufangen.

O Unterschied zwischen der Anbetung des Betrügergebets

Und Heiligkeiet des Herrn

Ich bewege mich auf dich zu,

Um die Nässe, die meine Flügel schwer macht,

 Von mir abzuschütteln,

Dann fliege ich wie ein Adler,

Der die Klaue blind machte,

Zurückzukommen und meine Jagd ist von Schuld entlastet.

***

...........................

عادل الحنظل: صهباء

ا. د. عادل الحنظل

شوقي لكِ   …

حينَ يغورُ الوقتُ بخِدْرِ الليلْ

ويُنحَّي الصمتُ لِثامَ الشُرُفاتْ

يتوسدُّ عطرَ الفُلّْ

ليسَ هروباً

ليس فراراً مِنّي

من هَلَعِ الذاتْ

أو طيّاً لهمومٍ

لا أُحسنُ إخفاءَ شواهدِها

يرسمُها فوقَ جبيني

قَدَرٌ يعلمُ أينَ اقيمُ

فيأتي وَحِلاً

يتوارى في ظلّ ملاكْ

في يدهِ عُشبَةُ حُبّْ

يجعلُ من وجهي ساحةَ حَربْ

يلْتَذُّ برؤيتِها

تُجّارُ النَكَباتْ

فرسانٌ فوق بِغالِ الكذْبْ

يرمونَ الآتي

بجريرةِ ما فاتْ

صهباءْ ..

يا نفحَةَ ريحٍ في رئَةِ المسلولْ

يا صدْقَ فَمِ القائلِ

لو أعياهُ القولْ

لي ...

أنتِ رسالةُ غفرانٍ

ودعاءَ استغفارْ

إنْ خانَ رُؤىٰ عَينيّ القلبْ

إن أخفىٰ ضَعفي

ما كَشَفَ الضوءْ

يا بدءاً لو صَعبَ البدءْ

يا بَوْناً بين عِبادةِ أفّاكٍ

وقداسةِ ربّْ

أسعى نحوَكِ كي أنفُضَ عني بلَلاً

يُثقِلُ جُنحي

فأطيرُ كنسرٍ

جَعَلَ المِخلبَ أعمىٰ

لأعودَ وصَيدي لا يثقلُهُ ذَنبْ

***

https://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/959426

 

 

2985 Brian turnerبقلم: بريان تيرنير

ترجمة: صالح الرزوق


 قافلة الجمال تنقل الموتى

من بلاد الفرس وما بعد، لتجف أجسادهم

ثم تلف بالسجاجيد، وأمنيتهم الأخيرة

هي الدفن قرب علي،

في المكان الذي جر به

أول جمل جسم علي في عرض الصحراء

المغلولة بأقدارها الموحشة.

النجف هو المكان الطبيعي للأموات،

هناك أمامهم تفتح الجنة بواباتها

ويغمرهم الضياء الساطع، ويغسل الماء

الدم من أجسادهم.

 

هذا هو شهر تشرين الثاني/ نوفمبر،

والسحب مزيج من دخان البارود والمطر،

الأرض أصبحت حبلى بالأموات،

والقبور ممدودة بصفوف متتالية

مع مساحة تكفي لمحصول

السنوات

الآتية: على حفاري القبور أن يحفروا بالرفش فقط،

حفنة بعد حفنة.

***

.................

بريان تيرنير Brian Turne شاعر أمريكي معاصر. من أعماله المجموعات التالية: ضجيج الطيف، مفاتيح تشرين الثاني، حياتي مثل بلاد غريبة. والترجمة من مجموعته "هنا الرصاصة".

 

2981 دافيد كونستانتينبقلم: دافيد كونستانتين

ترجمة:  صالح الرزوق


 لم يلاحظ أحد. من الواضح أنهم لا ينتبهون لذلك. وإن فعلوا، فهم يخطئون بالتقدير. وربما هي واحدة من تلك الوقفات الفجائية - صمت أو فجوة - حينما يقول أحدهم: الملائكة مرت. ولكن لا يوجد رصيد واقعي لهذا المنطق. الروح هي التي غادرت، مندفعة باتجاه مكانها المحدد في الدائرة التاسعة.

رفع السيد سيلفير مان بصره للأعلى، ونظر حوله. كل الرجال موجودون هناك، الرجال وامرأة أو امرأتان حازتا على نصيب من التوفيق والنجاح، الجميع موجود. تابع كلامه. وربما لم يرجف. وواصل، حتى بلغ النهاية. ثم فتح باب الأسئلة، وطلب بعضهم طلب إجابات أطول من خطابه. ثم انتهى كل شيء، ولاحظ أنه استكمل مهمته. كانوا يبتسمون، وأرادوا ما يريد. جاؤوا الواحد بعد الآخر وصافحوه، خاطبوه بلا كلفة باسمه الأول، وتقدموا له بالتهاني، وتمنوا له رحلة عودة موفقة. ولاحظ ترددهم - لأنه لم يبق غير أقل من نصفهم - فانتاب السيد سيلفير مان الرعب، ولدرجة ما، الفضول. ألم يلاحظ هذا أحد؟. خشي أنهم انتبهوا، والآن كل العالم سوف يقابله بالنفاق والتظاهر. أو ربما لم ينتبهوا، ولذلك عليه أن يقترب من الحقيقة ويخوض في غمارها، على هذا الأساس، أساس غفلتهم عنه، وهنا قبض على كم رجل ضخم وجره إلى النافذة بحركة معروفة ملؤها الثقة. واقترب منه الرجل العملاق - واسمه راينغولد، ويحب أن تناديه باسم إي دي - وأصغى له، وهو يهز رأسه بين حين وآخر، وكل خصلة فيه تدل على المودة، وكل نقطة من جسمه - يديه ووجهه الأليف العريض، تدل على الصداقة. لكن السيد سيلفر مان، الذي تكلم بهدوء، كان يعلم أن وراءه آخرين ينتظرون تقديم آيات الاحترام، وهو يتابع طريقه - ثم شعر السيد سيلفر مان أن الغرفة حارة جدا والهواء في الخارج بارد جدا مع أن الطقس في مانهاتن كان مشرقا ولوح الزجاج الذي يعزل المنطقة الحارة عن البرد غير نفوذ على الإطلاق بكل تأكيد. شيء غامض، خسارة، وانفصال. هل يمكن لشخص متلون أن يلاحظ خسارته، مثل شكل باهت لطير يسبح وراء الزجاج في الفراغ؟. لا بد أن جزيئات الزجاج تسمح بمرور الروح المصرة على التوجه إلى الجحيم. كانوا في مكان شاهق، في مكان ما يقدر بالمئات. والأبراج الفولاذية والزجاجية المحيطة بهم تبدو كأنها تتأرجح أو تنتفض مثل القماش، ولكن هذا فقط بفعل الضوء والظل والغيوم وانعكاسات الريح المتجمدة. مع ذلك كانت الأبراج مستقرة وراسخة كعهدها دائما. قال السيد سيلفير مان: نعم. كل شيء تم على ما يرام برأيي. ولمس كم إي دي راينغولد.

قال إي دي راينغولد: ماذا تقول؟ ماذا كان على ما يرام.  ثم أضاف وهو ينظر للأسفل: بمقدورك أن تفعل ذلك يا بوب. تعجب السيد سيلفر مان، وشعر بدهشة بالغة، وتخلله شيء من الامتعاض. ألم يلاحظ ذلك أحد حقا؟. هل فعلا إن امتلاك روح أو عدم امتلاكها شيء لا يهم؟. في الموت، كما هو معروف، يصبح الجسم أخف بنسبة معينة: حوالي واحد وعشرين غراما، في كل الحالات. نقول: آه، لا بد أن هذا هو وزن الروح البشرية المفقودة. ولكن تختلف الجثامين على نحو واسع. شاهدت مراهقة في ذلك اليوم يبلغ وزنها عشرين حجرة*(6.35* كغ). وكان في مجمع التسوق الجديد المقام في المرفأ القديم رقم 17. ويقدم الطعام هناك في الطابق العلوي، وكانت هي تقف في أسفل السلم المتحرك، وتحاول أن تزمع رأيها هل تصعد أم لا. وكانت تزين شعرها بأدوات زينة تشبه الهوائيات، مثل أي قزم أو جنية تراها في الصور الفكتورية. من جهة أخرى أي طفل حديث الولادة، من إثيوبيا مثلا، لا يبلغ وزنه أكثر من رطل أو اثنين. ولكن ما يخسره عند الموت، كما هو واضح، يكون بنفس المقدار.

استيقظ السيد سيلفر مان في اليوم التالي ولم يشعر أنه أخف. بالعكس شعر أنه أثقل وزنا. تخيل كرة من الرصاص زرعت في داخلك خلال الليل. أو أن نفس العضو، بحجم الكلية تقريبا، تحول إلى رصاص خلال نومك. هذا ما حصل. من الصعب أن تحدد أين بالضبط: خلف رأسك، في منطقة القلب، في حفرة البطن؟. عموما يبدو أنه متنقل. أينما ضغطت يدك، لا تستطيع أن تجده. وربما يمكنه أن يذوب ويحتل كل المساحة مثل إنفلونزا ثقيلة. وشعر بالنعاس وانتابه حلم.  ثم استيقظ مجددا بسبب نداء صباحي مبكر - كان عليه أن يسافر بالطائرة إلى سنغافورة - وجلس السيد سيلفر مان على السرير وحاول أن يبكي. هز رأسه، توتر، بكى، لكن الدموع التي انحدرت لم تكن تزيد على أثر رطوبة عدة بلورات ثلجية لطخت وجنتيه. وهذا ليس خلاصا. حصل على دوش، وتجول بلا ثياب في الغرفة الحارة. ثم مرارا وتكرارا، صدمته موجات كهربائية بسيطة، وهو يلمس قبضات الأبواب، وأزرار الإنارة، والإطارات المعدنية - صدمات كهرباء بجرعات ضئيلة. وأرعبته وهي تسري فيه بدفقات صغيرة من خلال أنامله في طريقها إلى قلبه. وكلما شعر بذلك كان يطلق صرخة طفيفة. حتى خيم الموت على الغرفة. ثم نظر من النافذة. كان في الأعالي، في الطابق 90 أو أعلى، وكانت الشمس تشع على الأطراف الشاهقة من الأبراج. وفي الأسفل - نظر السيد سيلفر مان للأسفل - وكان الصمت يتغلغل في الظل. وما هو الأسوأ؟. تحديد المسافة البعيدة بنفسه دون أي مساعدة؟. أم إثباتها وهو يتمسك بالمدعو إي دي راينغولد؟. ولمست مشاعر جليدية قارسة البرودة السيد سيلفر مان وهو يفكر بالتفاوت بين أساليب عمل الرعب. فهو شيء نسبي. وكان يختلف من مكان لآخر. سيارة. مطار. طائرة. سنغافورة. المرور - بخطوات حذرة، وثابتة، ومتداخلة - باتجاه صالة الحقائب. وهناك شاهد السيد سيلفير مان شيئا غريبا. رأى بساطا، وكأسا، العديد من الكؤوس، وكانت تسقط من كل الجهات مثل بول حار يتبخر، وهناك أيضا موسيقا معتادة: لكن أغرب من ذلك وجود طير، عصفور عادي بمظهره، وكان يحلق نحو السقف، ربما هو سقف زائف، من الزجاح الذي انسكبت عليه أشعة الشمس، وكان العصفور يخفق بجناحيه. من الطبيعي أن يبحث العصفور على الضوء وأي هواء متوفر في الخارج. ولكن ما لا يصدق هو المكان الذي بلغه. لم يكن يقترب من هناك أي مخلوق حي، باستثناء كلاب العميان وكلاب المتفجرات التي تقود البشر، ولكن لا شيء آخر، إن نسينا الترانزيت. ولا حتى الكائنات الدقيقة دخلت إلى هناك. فقط البشر طوال القامة. أما عصفور؟. هذا غير ممكن. وبالتأكيد ليس العصفور الدوري. وها نحن نراه هنا، يرفرف ويخفق ويطرق الزجاج المشمس. تلك كانت آخر مفاجأة مدوية يراها السيد سيلفر مان خلال سنوات. عصفور يطرق السقف الزجاجي، وهو في طريقه لصالة الحقائب!. واعترف لاحقا أنها كانت آخر فرصة يمكنه أن يبكي فيها. قال: نعم، ما أن تنحيت وركعت على تلك السجادة السميكة وحضنت رأسي بين يدي، مع سابق علمي أن العصفور يرتطم بالسقف الذي كان فوقي، والله يشهد على ما أقول، أمكنني أن أبكي، وانفجرت الدموع من عيني وسالت من بين أصابعي، فرفعت قبضتي عاليا مثل طبق، مليء بالعطايا الدامعة. الحياة الأخرى غامضة، وتتسكع في الأرجاء قليلا بين نيويورك وسنغافورة، بين مدرج المطار وصالة الحقائب، وهي الحياة الأخرى التي يمكنك أن تبكي فيها. ولكن استقبل السيد سيلفر مان لدى وصوله سائق مبتسم يحمل لوحة عليها اسمه: السيد بوب سيلفر مان، فيديلتي إنفيسمسنت* (*شركة الإخلاص للاستثمار). وفورا بدأ روتينه والناس تبتسم من حوله. وبعد يومين من الاجتماعات والمقترحات، تحقق له النجاح. وضغط على الشركة كي تقبل بما يريد. كان ذهنه مشرقا، وعرض الحقائق والأرقام بوضوح، وقدم مداخلات جازمة، وكانت النتائج لا يمكن أن ترد. ولا غرابة أنه حقق النجاح!. كان مقنعا منذ لحظة الولادة، والإقناع شيء من طبعه مثل لعب الغولف أو الكمان عند غيره من بسطاء البشر. وطوال الوقت لزم الصمت. وقف جانبا، يصغي لصوته الداخلي، وأمكنه أن يلاحظ صوته، صوته السري، وهو يقف جانبا، وبذهن مشحوذ.

وكانت الحجرات في سنغافورة، إن أمكن القول، باردة والهواء في الخارج (القليل منه الذي لفح وجهه وهو يغادر أو يركب السيارة) حارا جدا لو جاز لنا أن نقول ذلك. لكن الحجرات كانت شاهقة، تقدر بالمئات، والأبراج تحيط بها، وترتفع متلاصقة، وكانت تبدو - بنظر السيد سيلفر مان - على وشك السقوط في أية لحظة. وجاء الرجال للأعلى لتهنئته وليتمنوا له رحلة ميمونة، ولكنهم كانوا أقصر وأصغر منه، ويرتدون ثيابا مثله، وينحنون مع نظاراتهم نحوه باحترام لا متناه. وحينما قل عددهم، أمسك مجددا بكم أحدهم، ووقف قرب النافذة، وتبادل معه الكلام بالمفردات والحركات القديمة. وشعر في داخل جسمه بشيء غامض، وعانى من الارتباك في البداية، ولكن هذا لم يكن يعني شيئا لهؤلاء السادة المتفوقين بأعمالهم، سواء وقف أو تحرك أو تواجد فقط بينهم، وروحه تخفق في جنباته أو بجمود يخلو من الروح. ثم واتته الفكرة العقيمة التي قد لا يكون لها أي مدلول، وسقط خيال مثل الرصاص غطى على ماضيه، فأصاب الذبول كل حياته قبل الخسارة التي مني بها،ورأى أن حياته تندحر للموت. وتأكد له أنها لم تكن ذات قيمة، وأنه كان بمقدوره أن ينجح، وبإمكانه أن يتقدم ويصعد للأعلى، حتى لو لم تكن هناك أي روح بين جنباته. ولم يكن مطلوبا منه أن يتمسك بروحه.

ثم قابلته زوجته السيدة سيلفر مان في هيثرو. نظر في عينيها، ليرى إن كانت تلاحظ ذلك. وبدا أنها لم تنتبه. قبلها على شفتيها بقليل من التوتر. هل ارتعشت شفتاها بسبب البرد؟. كلا ظاهريا. أحضرت معها ابنيها. وهذا أسهل من البحث عن من يرعاهما بغيابها. وسألته هل نجحت رحلته؟. قال نعم. جدا. وشحذ بصره ليرى هل تلاحظ ذلك؟. ثم سألها عن وقتها خلال تلك الفترة. قالت: مشغولة. وذكرت المصاعب بالتفصيل. ثم حل الصمت على الزوج والزوجة، وهما يقودان السيارة في الزحام، وخيم الصمت أيضا على الطفلين الجالسين في المقعد الخلفي. وشعر أن زوجته عادت لمشاغلها الخاصة وتأكد له بما لا يدعو للشك أن ما جرى له لن يجري لها. وقد استنفذت قواها، فقد مرت عليها أيام وأسابيع وهي مغمورة بالمشاغل. ولكن وراء ودون ذلك كان هناك شيء ما يستمر في داخلها ويؤكد ضرورة وجود روح لديها. وشعر السيد سيلفر مان بالكآبة وتخيل أيامه المتبقية تحت ضغط هذه الظروف. قبل أن يدخل أي إنسان في صراع من أجل الاحتفاظ بروحه حية عليه أولا أن يقتنع أنه بحاجة لها.

وبدأ السيد سيلفر مان يلاحظ وجود رجال ونساء عانوا من الخسارة. فالملائكة التي تتجول في العالم على هيئة بشر يعرفون بعضهم بعضا. وكذلك بالنسبة للجماعة التي ينتمي لها السيد سيلفر مان. أدهشه في أحد التجمعات أنه عرف أمثاله الهائمين على وجوههم وتعرفوا عليه. كانوا من مختلف المشارب. على الأقل قابلهم في بعض مشاوير حياته الغامضة التي رافقته بها السيدة سيلفر مان. على سبيل المثال في حفلة عيد ميلاد، وفي مكان ما أمام الطريق M25 تعرف على أكاديمي ذائع الصيت. ورأى كل واحد منهما في الآخر حقيقة الموضوع. ماذا نقول؟. لا شيء.

لم تكن العلاقة بينهما دافئة. وقفا جنبا إلى جنب، واشلركة وراءهما، وهما ينظران لحديقة تغسلها أنوار مسحورة تضيء بين أغصان شجرة ميتة. قال الأكاديمي الدكتور بلينش: معظم ما نعرفه عن الدائرة التاسعة منبعه دانتي، طبعا. وكان لديه فأس ليضرب بها. غير أن الجليد كان حقيقيا، هل يمكن أن تقر بذلك؟. غير أن السيد سيلفر مان لم يطلع على دانتي، ولا يفهم أي شيء عن الجليد، ولكنه أقر فورا، بعد عدة كلمات مع الدكتور بلينش، أن تفسير دانتي للجليد صحيح بلا شك. تابع الدكتور بلينش يقول: ولكن الشيء الذي لم أستوعبه: لماذا قال إنه شيء يحصل للخونة. أعني هل أنت خائن؟. لكن لا أعتقد أنني خائن. ولربما وصل لتلك النتيجة بالخطأ، حتى لو أن الجليد حقيقة ملموسة. 

فكر السيد سيلفر مان العائد إلى البيت بالسيارة وهو على طريق M25 بالخيانة. هل هو خائن؟. هل هو كذاب؟. ومن استهدفه بخيانته؟. وعلى من كذب؟. نظر لزوجته. كانت تركز على الطريق في هذا البحر المضيء وتحت وابل المطر والرذاذ. وتابع تفكيره: لن يحدث ذلك لها. عندما ترتاح قليلا ستعود لحياتها المعتادة، والروح ضرورية لهؤلاء. لكنه لا يعتقد أن عدوه اللدود أو ملائكة يوم الحساب تستطيع أن تثبت خيانته لزوجته. فهو، وفي مناسبتين أو ثلاث، خلال رحلة عمل تورط مع عاهرات. في طوكيو أرسلوا له عاهرة لغرفته في الطابق رقم 141 دون أن يطلب ذلك منهم. كان التصرف على سبيل اللباقة فقط. مع ذلك أخبر السيدة سيلفر مان بعد العودة للبيت أنه لم يشعر هناك لا بالمتعة ولا السعادة. ولا يمكنه الآن أن يؤكد أنها غفرت له. ولكن عليه أن يقر أنها لم تتكلم عن التبرئة أو الخطيئة. بل أثنت عليه وتنهدت. ودارت حول الموضوع قليلا، كما لو أنه شيء غريب إنما لا بد منه. وكان يبدو أنها تفكر إن أذاها ذلك أم لا، وقررت مع تنهيدة، أن الأمر لا يستدعي الضغينة.

ولبعض الوقت تورط بعلاقة غرامية مع امرأة من فرانكفورت، تعمل سكرتيرة في عدة نشاطات اشترك بها. وأخبرته أنه رجل مؤثر. ومارسا الجنس معا لبعض الوقت في رحلات العمل. ولكنه اعترف للسيدة سيلفر مان أنه لم ينغمس معها حقا، وفكرت بالموضوع وبجوهر الأمر لبعض الوقت وانتهت لما يلي: لا شيء يستحق الذكر. ولذلك هو لا يعتبر نفسه خائنا ولا كذابا. على الأقل ليس مع زوجته، أقرب شريك له على وجه الأرض. من كان ضحية خيانته إذا؟.

وليس هناك أشياء كثيرة يمكن أن تقولها عن السنوات المتبقية - سنوات متعددة، لا تحصى، كما يبدو له أحيانا - من موته وهو على قيد الحياة. فقد كان السيد سيلفر مان أشبه بالميت الحي. وبضوء الأحداث التي لا يمكن تجنبها، والتي تصيب أشخاصا مثل السيد سيلفر مان، بالصدفة أو بفعل المنة الإلهية، اضطر أن يدخر بعض النقود، ويضيفها لحساب السيدة سيلفر مان لمنفعة أطفالها. أخبرها بذلك بهدوء ودون أي خيلاء وتكبر، وتقبلته كما فعلت حينما أخبرها عن العاهرات والسكرتيرة التي مارس معها الجنس لفترة بسيطة في فرانكفورت: وشكرته، وأومأت برأسها، كما لو أنهما غريبان وبينهما رسميات. وراقبها وهي تختفي وراء عينيها، في المكان الذي تنتمي له فعلا. فكر السيد سيلفر مان مطولا بالجليد. وربطه بعجزه عن البكاء - وكان محقا. وفي إحدى الأمسيات وهو في المصعد، يصعد بسرعة رهيبة للطابق 151 في مانهاتن أو طوكيو أو فرانكفورت أو سنغافورة، وجد لنفسه شراكة روحيه مختبئة في كائن مثله، رجل أضخم بالحجم، يرتدي بذة من قماش عالي الجودة، ويضع ربطة عنق ممتازة، وفي بنصره الأيسر خاتم مميز عريض. قال له الرجل: اسمي سام. وأخبره فورا عن نهاية سيئة (إن كانت نهاية أصلا) وعلم بها للتو. فتح الباب، ووقف السيد سيلفر مان وسام معا في الممر الصامت. وتابع سام. الرجل المعني - لا بد أنه واحد منا - رفع معول الجليد نحو وجهه بيأس مطبق، وبيد ثابتة. وكما ورد في الحكاية، كان وجهه، الحقيقة كل رأسه، مغلفا بالجليد مثل خوذة ضخمة.  يمكن أن تقول إنه رفع من وراء غلالة اليأس والوهم فأس الجليد إلى ما بين عينيه ليفتح لهما نافذة، وليسهل على الدموع أن تسيل منهما. وحسب قناعته لتنبع منهما، كانت دموع حارة تنبع بغزارة من عينيه ولا تجد فرصة لتسيل للأسفل.

*** 

...................

* من مجموعته "في بلد آخر - قصص مختارة". 2015.

* دافيد كونستانتين David Constantine قاص وشاعر إنكليزي. مولود عام 1944.

 

بهجت عباسللشاعر الألماني فريدريش شيلر (1759-1805)

ترجمة: د. بهجت عباس


 الترجمة النثريّـة

تهدر غابة شجر البلّوط وتنتشر السُّحبُ،

وعلى الشاطئ الأخضر ، حيث تتكسّـر الموجة

بعنف وبعنف، تجلس فـتاة صـغيرة

وتتـنهّـد في الليل المعـتكـر،

والعينُ معتمة من البكاء.

**

" القـلبُ مـات، والدّنـيا خالـية،

ولا تعطي شيئاً لتحقـيق أيًّ أمنية بعد هذا،

أيّها المُـقدَّس، أرجـِعْ طفـلـَك إلـيك،

لقد ذقتُ سـعادةَ الدّنـيا،

فلقد عشتُ وعشقتُ! "

**

تجري الدّمـوع مدراراً دون جدوى،

والشكوى لا توقـظ المـوتى،

لو عرفت شيئاً يريح القلبَ ويَشـفيه،

بعـد اختـفاءِ مُـتـعةِ الحبِّ اللذيـذ،

سوف لن أدعَ هِـبَـةَ السَّمـاء تذهب منّي.

**

" دع ِ الدّمـوعَ تجـري من دون طـائل،

فالشكوى لا تُـوقظَ المـوتى،

السَّعادة الأشـدُّ حـلاوةً للقلب الحـزين،

بعـد زوال مُـتعـةِ الحبِّ الجميـل،

هي آلامُ الحبِّ والمعاناة."

***

الترجمة الشعرية

عنـدمـــا تكسو سماءَ الكـونِ طَيّـاتُ الغُــيــــوم ِ

وتدوّي غابـةُ البلـّوط في الدُّجْنةِ في ليل بهــيــمِ

عند ذاك الشاطئِ الأخضرِ فـي حُــزنٍ مُــقــيــمِ

تجلس الحسناءُ والآهـاتُ منها عَبَـراتٍ تـتـفجّـَرْ

عينـُها مُعتِمةٌ لا تبصِرُ المـــــوجَ بعنـفٍ يتكسَّرْ

"يا إلهـي مات قلبي وخَلتْ دنيايَ إلاّ من هموم ِ

**

وأمـانيَّ الـتـي عـشتُ بهـا أحْـلُـمُ دَهْــــــــــرا

ذهبـتْ مـثـلَ سـرابٍ وانقضتْ دنياي هَـــدْرا

فلَـقَـد عشـتُ وأحببتُ وكـان العُـمْــــرُ زَهْـرا

أيّـُها الأقـدسُ أَرجِـعْ طفـلَـكَ الغـالـي إليــْكــا

وخُـذِ القـلبَ الذي ذاب هـُيامـاً فــي يَـديـْكـــا

إنّني أُبصِـر دنيـايَ ظلاماً مُـدلَهِمّـاً مكفهـرّا "

**

ودمـوعــي فـوق خدّي ليس تـُطفي أيَّ جَـمْـــرِ

ونُواحي المَيْتَ لا يُوقِــظُ مــنْ أعمــاقِ قـبْــــرِ

أنا لو أعرف ما يشفي فؤادي من تباريحٍ وهجْرِ

بـعدما يـذهـبُ سِـحـرُ الحبِّ كالطيفِ الجميــلِ

بـعدما يخـبـو لهيبُ الـوجْـدِ في روح الأصيــلِ

سوف لا أترك هـذي الهِبــةَ السَّمحــاءَ تسري

**

" فَـدَعِ الدَّمعَ علـى الخـدَّيْـنِ يجــري دون طائــــــلْ

إنَّ هذا النَوحَ لا يُوقظُ موتى غادروا شمسَ الأصائلْ

إنَّ أحلى ما يُـزيلُ الكَرْبَ عنْ قلبٍ أصابته الغوائــلْ*

بـعدَ عيـشٍ كان حُـلــواً صار كالـعـلـقـــم مُـــرّا

إذ ذَوتْ وردةُ روضٍ نشـرتْ بالأمـس عـطـرا

إنّهـا آلامُ حبٍّ ومعانـاةُ عــذابٍ غَــيْــرِ زائـلْ "

***

...................

* الغوائل: النوائب أو المصائب

...................................

 

Friedrich Schiller

Des Mädchens Klage.

Der Eichenwald brauset, die Wolken ziehn,

Das Mägdlein sitzet an Ufers Grün;

Es bricht sich die Welle mit Macht, mit Macht,

Und sie seufzt hinaus in die finstre Nacht,

Das Auge vom Weinen getrübet.

»Das Herz ist gestorben, die Welt ist leer,

Und weiter gibt sie dem Wunsche nichts mehr.

Du Heilige, rufe dein Kind zurück,

Ich habe genossen das irdische Glück,

Ich habe gelebt und geliebet!«

Es rinnet der Thränen vergeblicher Lauf,

Die Klage, sie wecket die Todten nicht auf;

Doch nenne, was tröstet und heilet die Brust

Nach der süßen Liebe verschwundener Lust,

Ich, die Himmlische, will's nicht versagen.

Laß rinnen der Thränen vergeblichen Lauf!

Es wecke die Klage den Todten nicht auf!

Das süßeste Glück für die Trauernde Brust

Nach der schönen Liebe verschwundener Lust

Sind der Liebe Schmerzen und Klagen.

  

2979 دنيس لفرتوفبقلم الشاعرة الامريكية: دنيس لفرتوف

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


  اقامات قصيرة في العالم الموازي

نعيش حياتنا بالعواطف البشرية،

الأعمال الوحشية، الأحلام، المفاهيم،

الجرائم وتمرين الفضيلة

في داخل وبجانب عالم خلو من انهماكاتنا،

خلو من التوجس-

رغم تأثره، على نحو مؤكد، بأفعالنا.

عالم مواز لعالمنا ولو انهما يتداخلان.

نسميه "الطبيعة"؛ مكرهين على السماح

لأنفسنا بأن نكون "الطبيعة" ايضا.

كلما نفقد أثر وساوسنا،

انشغالنا بذاتنا، بسبب انجرافنا للحظة،

بل لساعة حتى، نحو الاستجابة الخالصة

(الخالصة تقريبا) لتلك الحياة اللامبالية:

غيمة، طير، ثعلب، انهمار النور، رحلة

الماء الراقص، السكون العريض

للأشياء المسحورة السريعة الزوال على نافذة مضاءة،

اصوات حيوانات، طنين معادن، رياح تتحدث مع المطر،

محيط مع صخر، تمتمة النار مع الفحم

- حينها يتحرر منفلتا عنا شيء مقيد بنا،

مقيدة قوائمه مثل حمار فوق رقعته

ذات العشب المقضوم والأشواك.

لا احد يكتشف

اين كنا بالضبط،

متى نحتجز ثانية في مجالنا ذاته

(اين علينا ان نعود بالفعل، لنخطط  مصائرنا)

- لكننا قد تغيرنا، قليلا.

***

....................

دنيس لفرتوف (1923- 1997) شاعرة أميركية ولدت في انكلترة من أب يهودي روسي وأم مسيحية ويلزية تزوجت من الكاتب الأميركي متشل غودمان واستقرت معه في الولايات المتحدة. ظهرت موهبة لفرتوف الشعرية مبكرا فقد أرسلت بعضا من قصائدها وهي في سن الثانية عشرة الى ت. س. أليوت فكان رده رسالة بصفحتين يشجعها فيها ويقدم لها النصائح. نشرت أول مجموعة شعرية لها عام 1946 بعنوان (الصورة المزدوجة). انطلقت شهرة لفرتوف في أميركا تحت تأثير شعراء مثل والاس ستيفنز ووليام كارلوس وليامز وكذلك من خلال ارتباطها بما يعرف بشعراء الجبل الأسود، تشارلز أولسن وروبرت كريلي وروبرت دنكان، الذين دعوا إلى ما أسموه بالشكل الشعري "المفتوح" أو "العضوي". منحت لفرتوف جوائز عديدة ونشرت ما يزيد على الخمسين كتابا بين الشعر والنثر. من عناوين كتبها الشعرية: (مجموعة قصائد مبكرة 1940-1960)؛ (قصائد 1968-1972) 1978؛ (الحياة حولنا: قصائد مختارة عن الطبيعة)1997؛ (التيار والياقوت الأزرق: قصائد مختارة عن موضوعات دينية)) 1997 ؛و(قصائد أخيرة) 1999.

 

 

سهيل الزهاويالشاعر النرويجي أرنولف أوفيرلاند*

ترجمة من النرويجية : سهيل الزهاوي


 اِسْتَفَقْتُ ذات ليلة مِنْ نَوْمِي،

على حلمِ غريب

صوتُ يتحدث معي

كأنه يَتدفق من قعر الماء تحت سطح الأرض.

نهضت:

ماذا تريد منى؟

 

يجب عليك أن لا تنام! .. يجب عليك أن لا تنام!

يجب عليك أن لا تَتخْيِيل أنك تحلم.

لقد حُكمتُ امس!

نصب ليلة أمس مشنقة في الساحة.

سوف يصطحوبني في الخامسة غداً.

 

جميع السَرادِبُ ممتلئة

تصطف قبواً  تلو قبوٍ في كافة الثكنات العسكرية

نحن نتمدد و ننتظر مصيرنا،

في زنازين شديدة البرودة .

نحن نضطجع و نتعفن في الدَهاليزِ المظلمة

 

لا نعرف لماذا نحن هنا وما ننتظره،

ولا نعرف من منا سيستدعي ويلقى مصيره.

نحن نئن ونصرخ - لكن هل تُسمعونا؟

هَلْ يُمكنكَم مساعدتنا؟

 

لا يُسمح لأحد برؤيتنا.

لا احد يعلم ما يحدث لنا.

أكثر من ذلك:

لا أحد يستطيع تصديق ما يحدث هنا يوميًا!

 

انت تعتقد ، هذا ليس حقيقة؟

لا يمكن أن يكون الانسان شريراً الى هذا الحد!

هناك أشخاص اصلاء احياناً !، أليس كذلك؟

أخي، لديك الكثير لتتعلمه!

 

قيل : سوف تتخذ ا قراراً يصل الى حد التضحية بالذات إن اقتضى الأمر

والان يُسفك الدماء عبثا .. عبثا

لقد أصبحنا في طي النسيان في هذا العالم!

تعرّضنا للخداع!

يجب عليك أن لا تنام منذ هذه الليلة

 

تركيزك يجب أن لا ينصب في حجم الربح والخسارة

كما يحدث في المشروع التجاري

يجب عليك ان لآ تتذرَّعُ لاَ هَذَا وَلاَ ذَاكَ

وحتى لو كان لديك ما يكفي منها.

 

لا تقول : لأمر محزن ما يحدث لهؤلاء المساكين

عندما تجلس في المنزل الدافئ

يجب ألا تتقبل إيقاع الظلم على الآخرين،

وحتى وإن كنت بعيداً عنها

أَصْرُخُ بِصَوْتِي مستغلاً نفسي الاخير:

ليس من حقك أن تدير ظهرك و تتَنَاسَى ما يحدث

 

لا تغفر لهم ؛ إنهم يعرفون ماذا يفعلون!

إنهم يتنفسون جمر الكراهية والشر!

يُتَلَذَّذُون بالقتل،  يستمتعون وهم ينظرون إلى أنين الضحية

يرغبون أن يروا عالمنا يحترق!

ويُغرق في بحر من الدم .

ألا تصدق ذلك؟

أنت تدرك ذلك حقاً!

 

أنت تعلم حقاَ أن أطفال المدارس قد جندوا،

تجمهروا وراحوا ينشدون في الشوارع والميادين،

استمدّ الاطفال حماسهم من تقوى الامهات المُراوَغة

يَتَهَيَّأُونَ للحرب مدافعاً عن الوطن.

 

أنت تعرف خداع الوضيع للناس

تحت مسميات الشجاعة والإيمان والكرامة

أنت تعلم ، أن الطفل يحلم بالبطولة،

كما تعلم ، يريد التلويح بالسيف والعلم!

 

ومن ثم يخرج من سقيفة فولاذية

ويعلق ثانية على الأسلاك الشائكة المعقدة

وتتعفن من أجل فكرة العرق الآري لهتلر!

انت تعرف ، هذا هو رأي الرجل و هدفه!

 

لم اكن ادرك هذه التصورات .

الان قد فات الاوان.

استحق هذا العقاب. حكمي عادل.

كنت أؤمن بالتقدم ، وآمنت بالسلام ،

بالعمل ، بالتضامن ، بالحب!

ولكن من لآ يريد أن يموت مع الجمهور

ليجرب حظه مع الجلاد بمفرده!

 

أصرخ في الظلام - أوف ، لَيتَ تسمعون!

هناك شيء واحد فقط، العمل من أجله:

ساعد نفسك  مادام أنت حر اليدين!

انقذوا أطفالكم!  أوروبا تحترق!

 

ارْتَجَف من شدة البرد.  ارتديت ملابسي

يبرق النجوم في الخارج.

مجرد خيط يحترق ببطء في الشرق.

تَكَهَّنَ ، ذات الصوت في الحلم:

ارتفع اليوم خلف حافة الأرض

بقعة حمراء من الدم والنار

ازداد القلق بشدة إلى درجة اللَهَثَاتِ

كما لو كانت النجوم قد تجمدت!

فكرت: الآن يحدث شيء ما. -

لقد انتهى وقتنا - أوروبا تحترق!

***

 

ترجمة من النرويجية

....................

* نبذة عن تاريخ حياة الشاعر أرنولف أوفيرلاند

ولد أرنولف أوفيرلاند (1889-1968)  ( Arnulf Øverland )  في مدينة كريستين سوند على ساحل بحر الشمال . كان كاتبًا وشاعرًا، كما ساهم في تطوير اللغة النرويجية.

عمل أرنولف أوفيرلاند في صفوف الحزب الشيوعي النرويجى لحين انتهاء الحرب العالمية الثانية وترك الحزب بسبب موقفه من ستالين وسياسته .

كان شخصية ناشطة في منظمة حركة مقاومة اليوم وهي منظمة فكرية سياسية شيوعية.

كان اوفيرلاند ملماً بالحركات السياسية والاضطرابات الجارية في أوروبا ما بين الحربين العالمية الثانية وانتصار الفاشية الألمانية والسيطرة على الحكم في عام 1933 والأساليب القمعية التي تتبعها النازية في ألمانيا الهتلرية وتنبأ بمخاطر توسع نفوذها في كافة انحاء اوروبا .

كتب الشاعر اوفيرلاند قصيدة  *يجب عليك أن لا تنام *  في عام 1936 وصدر في عام 1937 أي قبل الحرب العالمية الثانية بسنتين، وهي ضمن مجموعته الشعرية ( الراية الحمراء )،

لقد تنبأ أوفيرلاند بالفعل قبل عامين من اندلاع الحرب أن شيئًا فظيعًا على وشك الحدوث. استخدم القصيدة كسلاح ضد الفاشية لتوعية المواطنين النرويجيين  لتجنب المآسي والويلات التي تحدث لاحقا وأراد منها أن تقدم صورة حقيقية للفاشية الالمانية. وايقاظ الشعب النرويجي  من السبات والسذاجة  واللامبالاة، واتخاذ موقفا معاديا للحرب والفاشية وتحمل المسؤولية ويدعو الشعب النرويجي الى الكفاح ضد انتهاكات حقوق الإنسان وحتى ان كان خارج حدود بلادك،  ولإنقاذ العالم لما يقع مالا يحمد عقباه. وكان اوفرلاند رسول السلام والعمل والوحدة والحب والتضامن فيما بينهم. أصبحت هذه القصيدة منذ ذلك الحين نصبًا تذكاريًا في الكفاح ضد تهديدات النازية في الثلاثينيات.

وكتب العديد من القصائد الثورية لتحفيز الشعب النرويجي ضد مخاطر النازية و مَخاطِيطُه، عندما احتلت ألمانيا الهتلرية النازية النرويج واعتقل اوفرلاند من قبل الفاشية الألمانية ووضع في سجن انفرادي وفي عام 1941 كتب مجموعته الشعرية باسم شارع المطاحن وهربها من السجن على أوراق التواليت. في عام 1943، تم إرسال أوفيرلاند إلى معسكر الاعتقال الألماني في زاكسينهاوزن ، ولم يطلق سراحه إلا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. كل الاساليب القسرية التي  مورست ضده لم يثنيه بل ازداد اصراراً على المقاومة وكتب قصائد جديد وهو داخل معتقلات الألمان النازية وهو يشجع الأسرى على الصمود.

لقد منحت الحكومة النرويجية وسام بطل القومي للنرويج.

 

2955 KincadeKathyبقلم: كاثي كينكايد

ترجمة: صالح الرزوق


كنا في حقول الأرز نصيد الحمام. من الرائع أن أشارك، ولكن لم أحب صوت البواريد، وكذلك لم يعجبني أن يطلق والدي وأخي النار على كائنات حية وهي في السماء - ثم ببساطة تموت. لم يكن معنا كلب، ولذلك كانوا يدلونني على المكان الذي تسقط به الطيور. كان ذلك في شهر تشرين الثاني، والسماء رمادية، والأرض تحت أقدامنا مقرمشة. سأل أخي وهو يلمسني ببارودته المفضلة عيار 12:”هل تريدين أن تجربي؟”. أحيانا كانت تنتابني الكوابيس ويوقظ نواحي الوالدة. وحينما تأتي لتتأكد أنني على ما يرام، أسمع صوت والدي يطلب منها أن لا تفعل، فهي ترعاني مثل طفلة حديثة الولادة. كان يقول لها:”هي بحاجة للاعتياد على المصاعب”. واليوم، لا أريد أن أكون طفلة. اليوم سأطلق النار بالبارودة. مع أنها تؤلم سأعتاد عليها. ستترك أثرا في قلبي لكن سأكتمه.

في تلك الليلة انعقدت حفلة عيد ميلاد. ولذلك شاركت بالصيد، وأنفقت النصف الثاني من اليوم جالسة على كرسي في الباحة الخلفية، وبين ساقي كيس صيد وفير من طيور ميتة. كان جندي يغني عند البيانو قائلا:”السماء الزرقاء تبتسم لي، وأنا لا أرى غير سماوات زرق”. وكانت قدماه تضربان الدواسة المرتفعة القديمة، وساقاه النحيلتان بسروال بوليستر، والفودكا في الصواني. لم يكن يقبل مصافحة رجل أسود، لكنه يقول له:”مرحبا يا دولي. مرحباااا يا دولي، يسرني أن أراك في المكان الذي تنتمي له”.

أما النساء - الوالدة، الجدة، والخالتان المتزوجتان من شقيقي والدي، كلاهما طبيب أسنان - فقد اجتمعن في المطبخ، للعناية بالشواء والبطاطا والفاصولياء الخضراء (دائما يكون الطهي جائرا أو فجا)، وغالبا تخفقن كريمة شوكولا الكعكة الألمانية لتصبح بيضاء كثيفة. وتبقى الحمامات طي النسيان. في نفس الوقت يجلس الوالد والعم جايك والعم جيم في غرفة المعيشة، يرشفون المشروبات ويناقشون مصير جيل الـ 49 والحرب والحزب الجمهوري، وكل ذلك بنفس واحد. أما أنا فأجلس في مكان ما في الوسط.

قال العم جايك:”مرحبا يا كايدو، اقترب - دعني أقدر طولك”. كانت هذه هي لعبته المفضلة. يضع يديه فوق رأسي، الأصبع أمام الأصبع، والإبهام على الإبهام مثل تاج، ثم يتابع ليخبرني معدل نموي الأخير منذ آخر مرة التقاني بها. وأنا لا أرفع عيني عن الأرض ولا أتحرك لأن كل الآخرين يراقبوننا وهم يضحكون، ولكن من أعماقي كنت أحب هذه الطقوس. فهي تجعلني أعتقد أنني إنسان له خصوصية، بنفس الطريقة التي يشعر بها نحوي كلما قام بزيارتنا. 

العم جيم هو الأكبر - ويصر أن ندعوه جيمس - ولكنه لا يحب عائلتي كثيرا. ولا يحب أحدا منا، إن شئت الحقيقة. ومع أنه ليس أكبر بكثير من بقية أبناء العم ولكنه يجلس على كرسي بمحاذاة الجدار ببلوزةلها ياقة بشكل V وسروال فضفاض، وذراعاه معقودان على صدره. وأعتقد أن لذلك علاقة بالوالدة، فهي ليست من نفس العرق والسلالة. بمعنى أنها بلا مؤهلات جامعية، ولا حلقة أصدقاء، ولا قلادة من اللؤلؤ.

كنت أراقبها خلال الغداء، وأنا أجلس عند نهاية الطاولة البراقة الداكنة والتي صممها أحد أجدادي، بسيقان عليها نقوش محفورة بمهارة. والجميع يصيح، والوالد وجايك وجيم يتبادلون الحكايات التي لا تخلو من الكلمات البذيئة لإضحاك الجدة، في حين تكون الخالات مشغولات بتنظيف الأطباق وتحضير الكعك والمثلجات على وجه السرعة. وتقف الوالدة ساكنة بلا حراك، وسيجارة بيضاء طويلة بيدها، مع ابتسامة خفيفة، وهي تنفخ الدخان فوق رؤوس الجميع لتمرير الوقت. وفي الختام خلال لحظة صمت تنفض سيجارتها على حافة طبق وتقول:”لقد فقدتم فرصة ذهبية للتحلي بالصمت وإطباق أفواهكم”. في تلك اللحظة تبدو مثالية وذكية وحكيمة ولا يسعني التنفس من الإعجاب بها، ولا يكون بمقدور أحد أن ينكر ذلك. بعد سنوات حينما اعتادت على حقن المورفين، وبدأنا نسهر بنوبات قرب سريرها، جلست بحزم منتصبة الظهر في أحد الليالي، وقبضت على ركبتي، وقالت:”لماذا لا يعجبك شيء أبدا؟”.

*

يعيش جداي في المدينة التي نقطن بها نحن، في وسط بستان أشجار لوز من بيت إيجار، فهو ليس ملكا لهما - وهذه ناحية لم نناقشها أبدا في العلن. وهناك أشياء كثيرة لم نتطرق لها، مثل ماذا جرى للوالد حينما اشترك بالحرب، وما هو مصير النقود التي أرسلها لبيته لضرورات الحياة، وما هي نتيجة الخالة التي أحمل اسمها والمسافرة في هاواي دون أي نية بالعودة. وما هي الهمسات التي يسر بها الوالد في أذن الوالدة حين نكون في السيارة، ونتظاهر أنا وأخي بالنوم، خلال العودة للبيت بعد إحدى الزيارات. كنت أحب زيارة بيت الجدة، فهي تعلمنا لعبة البوكر وصناعة السكاكر، وتنظيف البندورة من الدودة الخضراء، وتتكلم بالهاتف بصوت مرتفع حقا، دون أن يزعجني ذلك لأن بيتها هادئ جدا ويجلله الغبار. فجدي على ما يبدو يرقد مريضا في سريره كل الوقت. وحينما نذهب للنوم أستلقي بعينين مفتوحتين وأصيخ السمع له وهو يسعل في غرفته في نهاية الصالة كما لو أنه على وشك أن يفقد رئته. وطوال الوقت تكون الساعة تقضم الوقت بصوت مسموع. 

في ليلة من ليالي الصيف آلمتني أذني كثيرا، ولم أتمكن من النوم، ولم أسمح لأحد أن يلمسني، وأخيرا قادتني الجدة للطبيب. كان يشبه بيري مايسون، وارتعبت منه، ولكن كانت أخته المدعوة "وميلتي" في الصف الثالث، ولذلك تمالكت نفسي. عدا أن صوته عميق ويديه ناعمتان كان دائما يقدم لنا المصاصات. وجه لجدتي بعض الأسئلة، ثم وضع الضوء على جبينه، ومال حتى اقترب مني، وقال:”احذري. هذا سيؤلمك”. ثم دس المعدن البارد في أذني. قبضت الجدة على يدي وضغطتها - بقسوة - فأغلقت عيني وحاولت أن لا أكون طفلة، ولم يؤلمني شيء في كل حياتي مثل هذا، واعتقدت أنني موشكة على التقيؤ. لكنه قال بهدوء:”انتهينا”. وربت على كتفي وأخبرني أنني كنت بغاية الشجاعة. ولدى المغادرة اخترت من السلة المصاصة الحمراء، وعندما انشغل الآخرون عني، تناولت مصاصة ثانية وأودعتها بسرعة في جيبي. 

أحب المدرسة. وأود أن أتعلم كل يوم شيئا جديدا، ومن الواضح أنني مستعدة لذلك. وخطط المعلمون لترفيعي للصف الأعلى، من الرابع إلى الخامس، ولكن لم يقبل الوالد والوالدة، فهما لا يريدان ان أفتقد صديقاتي. كنت قد أنجزت واجباتي في الصف الرابع بمادة الرياضيات واللغة الإنكليزية، غير أنهما لم يسمعا بذلك. ولذلك كنت أتطوع طوال كل نصف يوم لتحضير واجبات الصف الخامس. آوي لمبنى مؤقت بمحاذاة ملعب الإسفلت المخصص للعبة “كرة اليد” وأنكب على الدراسة. وفي أحد الأيام وجدت الوالد في البيت بعد العودة من المدرسة، وكان يتكئ على الطاولة وهو بالشورت. والندوب تغطي ساقه، والثلج في كأس الشراب، والغبار يتراقص في ضوء المساء. سكب شرابه في فمه وأشار لي كي أقترب منه. قال:”أريد أن أريك شيئا”. كان عطره “أولد سبايس” يقودني على طول الممر باتجاه غرفتهما، ثم نحو خزانتها، ثم إلى أدراج بحث فيها بين الجوارب النسائية والسراويل حتى وجد ما يريد: علبة الأحذية. علبة من الورق المقوى الباهت، لم يلفت انتباهي بعد أول نظرة، لكن آه، يا للكنز المودع فيه. أزال الغطاء، وحفن بيده حفنة من الفضة والذهب واللآلئ والماس. ثم قال ووجهه متجعد ومحمر:”انظري لهذا. انظري لهذا. وضعت كل شيء هنا. وأصبح عقدة لعينة”. وفجأة أصبح كل شيء غريبا جدا - كلانا في غرفة لا أعرفها تماما، لأنني نادرا ما أدخل إليها، والستائر مغلقة كالعادة وتحجب شمس أواخر النهار، وتعتم على الجدران الإسمنتية الرمادية المخضرة - الشبيهة بزنزانة في السجن - وهو ينقب في علبة ليعرف لماذا عليه أن يهتم، لماذا قدم لها ذلك مع أنه في النهاية سيتحول لهذه النتيجة: مجرد عقدة من النوايا الطيبة.

لدينا أخت أكبر بالعمر ولكنها غالبا منطوية على ذاتها في غرفة نوم خلفية. شعرها برتقالي اللون وصدرها ضخم وتجادل الوالد كثيرا، وأحيانا ترتفع الأصوات وتسبب لي الرعاف. ولكن حينما تعزف على الغيتار ترتسم البسمة على أفواه الجميع، كانت تهمس لي بأسرارها، ولكن لا أفهم كل شيء، وهذا غير مهم فأنا الوحيدة التي تشاركني سرها. ثم في أحد الأيام ودون سابق إنذار اختفت. كان الأمر كما لو أنني كنت أستضيفها، وكما لو أن حياتي لا تزيد على أن تكون صداقات خيالية. بعد ذلك لم يبق بيننا مواعيد، ولا لقاءات عائلية. وتوالت وجبات الإفطار والغداء والعشاء كالعادة مع الاحتفاظ بمقعدها فارغا. سألت الوالدة عما جرى، وأين غابت ولماذا غادرت وهل بمقدورنا أن نزورها. لكن الوالدة اكتفت بإشعال سيجارة أخرى وأعطتني واجبا آخر وهو كي الملاءات. واستغرقت بهذه النتيجة كل الأمسية بالإضافة لكنس المرآب مجددا. ومؤخرا غمرتني أحلام الهروب. لا بد من حل أفضل، ولكن لا أعرف ماذا وأين. ربما أفلحت أختي بحياتها وكل ما علي هو أن أحدد مكانها و ألتحق به. كنت أستيقظ في كل صباح وأنا آمل أنها ستظهر وتعود إلينا لكنها لم تفعل. ولربما لو غادرت مثلها سينسون أمري. وربما يتوقفون عن رواية الحكاية المضجرة المتكررة: أنه من المفترض أن أكون صبيا واسمي مايكل.

ولعل هذا ليس في النهاية أمرا سيئا.

***

 

............... 

كاثي كينكايد Kathy Kincade: كاتبة متخصصة بالعلوم والتكنولوجيا. تحمل درجة جامعية في “الاتصال الجماهيري” من جامعة كاليفورينا، بيركلي. تعيش في ساكرامينتو.

 

بهجت عباسللشاعر الألماني الكبير غوته 1749 – 1832

ترجمة: بهجت عباس

(إلى الصديق الفنان الدكتور مصدق الحبيب)


  

مبكِّـراً جلستُ على قمّـة صخرة،

محـدِّقا بعينـيَّ المشدوهتين في الضَّباب،

المتمدّد مثل قماشٍ رمـاديِّ الطّلاءِ،

يغطّي كلَّ شيء اتّساعاً وارتفاعاً.

Amor als Landschaftsmaler

Johann Wolfgang von Goethe

1749-1832

 

Saß ich früh auf einer Felsenspitze,

Sah mit starren Augen in den Nebel;

Wie ein grau grundiertes Tuch gespannet,

Deckt' er alles in die Breit und Höhe.

**

حـطَّ إلى جـانبي صبـيّ،

وقال:  يا صديقي العزيز، كيف تحبّ التحديقَ

مشدوهاً في ذلك القماش الفارغ ؟

هل فقدتَ حقـاً مُـتـعةَ الرسم وابتداع

الصّـور إلى الأبد ؟

Stellt' ein Knabe sich mir an die Seite,

Sagte: lieber Freund, wie magst du starrend

Auf das leere Tuch gelassen schauen?

Hast du denn zum Malen und zum Bilden

Alle Lust auf ewig wohl verloren?

**

نظرتُ إلى الصَّـبيِّ وفكَّـرتُ في قرارة نفسي،

أيـريد هـذا الصَّـبيّ ُ الصًّـغير أن يصيرَ المعلِّـمَ !

 

إذا أردتَ أنْ تبقى متجهِّماً دوماً وخاملاً،

فلا شيءَ سيكون متألّقاً ؛ قال الصبيّ،

أنظر، سأرسم لك صورة صغيرة فوراً،

وأعلِّـمكَ كيف ترسم صورة صغيرة جميلة .

Sah ich an das Kind, und dachte heimlich:

Will das Bübchen doch den Meister machen!

Willst du immer trüb und müßig bleiben,

Sprach der Knabe, kann nichts Kluges werden;

Sieh, ich will dir gleich ein Bildchen malen,

Dich ein hübsches Bildchen malen lehren

**

وصـوَّبَ سـبّـابـته،

التي كانت حمراءَ مثلَ وردة،

نحو البساط الوسيع الممـتـدّ،

وبدأ يرسم بإصبـعـه .

Und er richtete den Zeigefinger,

Der so rötlich war wie eine Rose,

Nach dem weiten ausgespannten Teppich,

Fing mit seinem Finger an, zu zeichnen.

**

في الأعلى رسم شمساً جميلة،

شـعّـتْ في عينيَّ بقوة،

ورسم حاشيةَ الغـيْم ذهبيةً،

جاعلاً الأشـعّـةَ تخترق الغـيْـم،

Oben malt' er eine schöne Sonne,

Die mir in die Augen mächtig glänzte,

Und den Saum der Wolken macht' er golden,

Ließ die Strahlen durch die Wolken dringen;

**

ثـمَّ رسـمَ الرؤوسَ اللطيفة

لأشجار جديدة غضّـة، سحب التَّـلال

واحداً فواحداً، بحريّـة خـلفها ؛

وفي أسفلها لمْ يَدَعِ الماء بعيداً عنها،

رسم النهرَ طبيعياً جداً،

حيث ظهر متلألئاً بأشعَّـة الشمس،

وبانَ يهدر على حافّته العـالية .

Malte dann die zarten leichten Wipfel

Frisch erquickter Bäume, zog die Hügel,

Einen nach dem andern, frei dahinter;

Unten ließ ers nicht an Wasser fehlen,

Zeichnete den Fluß so ganz natürlich,

Dass er schien im Sonnenstrahl zu glitzern,

Dass er schien am hohen Rand zu rauschen

**

آه، عند النهر تنـتصبُ زُهُـور،

وهنا كانتْ ألوانٌ على المَـرج،

ذهَب وميـنا وأرجوان وأخضـر،

كلـّـُها مثلُ زمـرّدٍ ومثلُ وياقـوتٍ !

Ach, da standen Blumen an dem Flusse,

Und da waren Farben auf der Wiese,

Gold und Schmelz und Purpur und ein Grünes,

Alles wie Smaragd und wie Karfunkel!

**

وفي الأعلى جعل السّماء تلمع ناصعةً صافيةً

وصيّـر الجبالَ الزرقَ تتراجع بُعداً،

حيث أنّي افتـتاناً ذُهِـلتُ وولدتُ من جديد،

نظرتُ فوراً إلى الرسّام، ونظرتُ فوراً إلى الصّورة .

Hell und rein lasiert er drauf den Himmel

Und die blauen Berge fern und ferner,

Dass ich, ganz entzückt und neugeboren,

Bald den Maler, bald das Bild beschaute.

**

هكذا برهنتُ لك حقـّاً، قال،

أنني أفهم حرفة اليد هذه جيداً،

ولكنَّ الأصعبَ لم يأتِ بعـد .

Hab ich doch, so sagt' er, dir bewiesen,

Dass ich dieses Handwerk gut verstehe;

Doch es ist das Schwerste noch zurücke.

**

وبعدها رسم بطرف إصبعـه

وبعناية كبيرة عند الغابة الصّـغيـرة،

تمـاماً عند نهـايتها،  حيث الشمسُ

تُـعـكَـسُ بشِدَّةٍ من الأرض اللمّـاعة،

رسم أجملَ الفتـيـات،

بتـكوين قويـم، وبملابسَ أنيـقةٍ،

وجنات نضرة تحت شعر بنّيّ،

وكانت الوجنات كلَـوْنِ

الإصبع الصّـغيرة التي رسمتها.

Zeichnete darnach mit spitzem Finger

Und mit großer Sorgfalt an dem Wäldchen,

Grad ans Ende, wo die Sonne kräftig

Von dem hellen Boden widerglänzte,

Zeichnete das allerliebste Mädchen,

Wohlgebildet, zierlich angekleidet,

Frische Wangen unter braunen Haaren,

Und die Wangen waren von der Farbe

Wie das Fingerchen, das sie gebildet.

**

آه يا صبيُّ!، صرختُ، أيُّ معلِّـمٍ

هذا الذي اخذك في مدرستـه،

أنْ تكون بمثل هذه السرعة، ومثل هذه الفطرة،

فتبدأ كلَّ شيء ببراعة وتُـنهيه جيداً ؟

O du Knabe! rief ich, welch ein Meister

Hat in seine Schule dich genommen,

Dass du so geschwind und so natürlich

Alles klug beginnst und gut vollendest?

**

بينا أنا لا أزال في قولي، هَـبّتْ

نُـسَـيْمـة وحرّكتْ قمّـة الجبل،

جعّـدتْ كلَّ أمواج النهر،

نفختْ حجابَ الفتاة المتكاملة،

والذي أدهشني أكثرَ من دهشتي التي أنا فيها،

بدأت الفتاةَ تُـحرِّك قدميها،

تمضي بالمشيِ، وتقتـرب من البقعـة،

حيث أجلسُ مع المعـلِّـم الطّلـيق.

Da ich noch so rede, sieh, da rühret

Sich ein Windchen und bewegt die Gipfel,

Kräuselt alle Wellen auf dem Flusse,

Füllt den Schleier des vollkommnen Mädchens

Und, was mich Erstaunten mehr erstaunte,

Fängt das Mädchen an, den Fuß zu rühren,

Geht zu kommen, nähert sich dem Orte,

Wo ich mit dem losen Lehrer sitze.

**

الآن كلّ ُ شيء، كلّ ُ شيء تحـرَّك،

أشجار، نهر وزهور والحجاب

والقدم الرقيقة لأجمل المخلـوقات،

هل تعتـقدون حـقـّاً، أنني  بَـقِـيتُ

على صخرتي ساكناً وجامداً كصخرة ؟

Da nun alles, alles sich bewegte,

Bäume, Fluß und Blumen und der Schleier

Und der zarte Fuß der Allerschönsten,

Glaubt ihr wohl, ich sei auf meinem Felsen

Wie ein Felsen still und fest geblieben?

***

 

2940 أليسبقلم: أنجيل إليس

ترجمة: صالح الرزوق


 1- الوصول

إبرة جدتي العجوز تبدل السلم الموسيقي.

ألو، ألو، ألـ ... لوووو بيـ.....رووووت

أغنية عن رقم خاطئ، عن الغزل.

أنا لست سوداء، أنا لست بيضاء، أنا حنطية.

نحن نطير بوجه دليل الرحلة.

أتراك، كانوا غزاة، ويأتون الآن بالمناشف الساخنة.

وجهي غامض في نافذة الطائرة.

قالت: هو أبيض مثلك. وحنطي مثل أختك.

قرأت عن لاعب بيسبول يمقت نيويورك.

تخيل... القطار 7 الذي يجري إلى ملعب البيسبول، يشبه بيروت.

**

2- الجبال

 

لم ينضج العنب في مزارع عمي الكبير.

ناعم هو مثل الوجنات التي نقبلها ثلاث مرات أثناء التحية.

أبناء العم يسألون: ماذا يظن الأمريكيون بنا؟.

انفطر قلبي، مثل الدوار الذي يصيبك بعد ركوب البحر.

وحتى لو أنني أعرف ثلاث لغات لا يمكنني أن أفهم ما يلي:

ظل أغطية النوافذ، مثل طواويس تتهادى على الماء.

وأعداد السفوح المدرجة شارف أن يكون أسطوريا.

الورود أطباق عميقة لعذوبة لا تطاق.

تضحك الشيخة جهينة بلؤم، وهي منقبة بدخان السجائر.

لذلك أحب أن أكون  في قطين - وليس هنا لأنه لا أحد يثيرني.

**

3- الخط الأخضر

2941 أليسفي صور الحرب، الأطلال تذبل تحت الرصاص.

وتبدو أقدم مما توفر له الحماية.

متحف بيروت، خط التقسيم في الحرب الأهلية.

في أرض المفارقات، الشرق مسيحي، والغرب مسلم.

الحراس يحضرون أنفسهم قبل اندلاع الشرارة كأنهم يحرسون بومبي.

والكنوز الصغيرة في صناديق الإيداع بالمصارف، والبقية مدفونون بالإسمنت.

وبين نجاحات لا تحصى، تجد حالة اعتقال فاشلة واحدة.

المادة تتحول، حتى بدا أنها تهشمت.

قوس قزح من قوارير الزجاج الروماني، تنصهر في الانفجار.

وتتكوم واحدة فوق الأخرى، مثل الجثامين.

**

4 - قانا

لم يظهر أبناء عمي في الجنوب منذ خمسة وعشرين عاما.

ونصف أعمارهم مرت بحماية القبيلة الهشة.

نحن نقترب من حرارة الحدود.

ونمشي كأن العظام تتجمع تحت باطن أقدامنا.

هنا المكان الذي يمكن للماء أن يصبح فيه كالنبيذ.

والآن التاريخ تهمة على الجدار: يا حسين.

هرب القرويون إلى مخيم الأمم المتحدة بحثا عن ملجأ.

لكن مدافع هاوزير الإسرائيلية أفلحت بإصابة مباشرة.

لا يمكن التعرف عليها: الركام، والأطفال المحترقون...

أمكنة لا يرقى فيها اللوم لمرتبة إدانة.

**

5 - الرحيل

الموظف يضع خاتمه على جوازات سفرنا، مفتونا بالأخوات.

ويسأل: من هي الأكبر بالعمر؟ - - الكبيرة هي  المتسولة.

حقائبنا تجلس القرفصاء على المدرج المهدم.

وتعرفنا على كل قطعة، كما لو أنها لغم بارد.

هل أنت خائفة؟. الفكرة تتدحرج مثل مسبحة الصلاة.

كلا -No. طرقعت بلساني باستهانة مثل الأسلاف.

سمارة في أي مكان: فالموت لا مفر منه.

هذه بقعة من الجليد الأسود، أنبوب ينفجر في الدماغ.

نزح نفس الموظف من الطائرة، بعد الفحص الأمني.

قال: احرصي على أخواتك. ورشق ابتسامة في عيني.

***

..................

أنجيل إليس   Angele Ellis : شاعرة أمريكية من أصول لبنانية وسورية، تعيش في بيتسبورا، بنسلفانيا. من أهم أعمالها المجموعات التالية: عربي على شاشة الرادار 2007، الناجية  2011، تحت ساعة كوفمان 2016 . تكتب في مجلة “الجديد - النسخة الإنكليزية” مراجعات الأفلام والإصدارات الحديثة. الترجمة من مجموعتها (عربي على شاشة الرادار) وبإذن شخصي.

 

2929 emiziبقلم: إكويكي إميزي

ترجمة: صالح الرزوق


 كانت والدتي تتكلم عن الله طوال الوقت، كما لو أنها صديقة مقربة له، كما لو أنه اقترض منها فمها ربما لأنه وثق بها كثيرا أو لأن الكلام أسهل من تدمير الغابات وقصف الرعد في السماء دون أن أذن مصغية له. كبرت وأنا أعتقد أنه يتغلغل في داخلها، بهدوء، كما ينتشر السكر الأبيض الناعم في البيض المخفوق، أو يشكل جيوبا منفصلة في الزوايا. كنت صبيا، وليس من المفروض أن أنتظر في المطبخ لأراقب يديها وهما تقومان بتلك الأعمال النسائية - هذه مهمة أختي يوري، ومن المتوقع أن تقدم لها يد المساعدة في مثل هذه الواجبات: المزج والتقليب والسكب. ولكن كانت يوري تمقت المعجنات، وتكرهها مثلما يكره الطفل شيئا يمقته، ولذلك كانت تختبئ في الخزانة خلف جدار من الثياب المعلقة، وتمد لسانها لي بمقت واستفزاز إذا ما أرسلتني الوالدة لإحضارها.

اشتكت بقولها: ”الجو حار جدا ومضجر جدا. لا أريد هذا”. ونظرت لي بعينين دعجاوين وقالت: ”اذهب أنت وعاونها يا كاشي”. تنهدت وتركتها وحدها مع كتابها ومصباح يدوي. وحينما سألت الوالدة أين يوري، لم أنظر بعينيها خشية أن يكون الله ينظر بهما. وكذبت قائلا: ”لم أشاهدها”. كنت بالتاسعة من العمر. هزت الوالدة رأسها وشدت من المئزر حولها وقالت: ”تلك البنت. عنيدة منذ الآن - لا أعلم كيف سيقبل بها أي زوج حينما تتقدم بالعمر. أتمنى أن يكون لديها إحساس بهذه المشكلة”. ونظرت لي وفكرت للحظة من الوقت، ثم قدمت لي طبقا مع ملعقة خشبية وقالت: ”هيا بسرعة اخفق المحتويات حتى تصبح قشدة متجانسة”. نظرت بالطبق وشاهدت كتلة من المارجرين وتحيط بها أنهار وبحيرات من حبات السكر. سألتها: ”هل بمقدوري أن أفعل ذلك في غرفة المائدة؟”.

كانت هذه هي مهمتي المفضلة، ورغبت أن أكون وحيدا وأنا أؤديها. وافقت الوالدة بهزة من رأسها، فأسرعت بالابتعاد، ووضعت الطبق على طاولة الطعام وركعت على إحدى الكراسي، لأتمكن من استعمال كلتا يدي لتحريك وخلط المزيج. وما أن أصبح قشدة حبيبية صفراء اللون، حتى غمست أصابعي وسكبت القليل منه، وجعلت أمتصه ببطء وتلذذ. غلف الطعم الحلو الزيتي لساني، وأمكنني الاستماع من المطبخ لصوت غناء الوالدة وهي تنشد أغنية مسيحية بلغة الإغبو كما لو أنها أغنية غرامية، وكان صوتها يرتعش بالمشاعر والعاطفة الخالصة. كنت صبيا، ولم أكن أعلم أنها في الحقيقة أغنية عن الحب، وموجهة للإنسان الذي عشقته أكثر منا. ولم أكن أعلم أنها تفضله علي، ولم أكن أتخيل صورة هذا الشخص الذي اختارته من بين الجميع. لم يخبرني أحد أي شيء عن إبراهام أو إسحاق أو عن الأشياء المزعجة التي يمكن للكبار القيام بها حين يكونون في أعلى الجبل. كنت سعيدا لأن الوالدة سمحت لي بالمشاركة في صناعة المعجنات، وأن هذا سر صغير بيننا، ولن يخبر أحد به الوالد، ولا حتى حينما يلتهم الكعكة ويهمهم معربا عن إعجابه بما شاركت به. لو علم ذلك سنكون أنا ويوري في ورطة. وأوضحت لي الوالدة المسألة فقالت: ”أبوك لا يحب أن تدخل إلى المطبخ. ومن الأفضل أن تكون منكبا على كتبك حين يعود للبيت”.

وحددت لي بعض الفقرات من الإنجيل لقراءتها، وكنت أفضل الفقرات التي تقول إن الله، سواء الروح أو الابن، موجود في داخلي. وفهمت المعنى كله. بما أنني ابن أمي أنا ابن الله أيضا، وبما أنه في داخلها، من المؤكد أنه في داخلي أيضا. وأحيانا أستلقي وأفكر بهذه القضية، أن الله يسكن تحت جلدي. وتساءلت إن كان وزن شيء من هذا القبيل ثقيلا، لكن في الحقيقة لم أشعر أنه ثقيل أبدا. وأصبحت حذرا. ولم أكن أريد أن ألعب ألعابا عنيفة مع يوري كي لا أتأذى. وكنت أحسب حساب أي جرح، في هذه الحالة سينزف جزء من الله ويغادرني، وأنا لست مستعدا لخسارة أي جزء منه. وحتى حينما بلغت الثانية عشرة وأدركت أن الله ليس حقا موجود في دمي، بدأت أهتم بجسمي. وكرهت القذارة والجروح والفوضى. وأسعد ذلك الوالدة. قالت لأختي التي تمزق دوما ثيابها وتخدش ركبتيها وكوعيها: ”هكذا يجب أن يكون مظهرك. اتبعي طريقة كاشي. حافظي على بعض الاتزان بمظهرك”. رمقتني يوري بنظرة نارية وبعد عدة أيام، حينما كنا في الشارع على متن دراجتينا، ودخلنا بنزاع، فقدت أعصابها واستعملت دولابها الأمامي لأفقد توازني، ولتلقيني على الأرض وتجرح شفتي. ثم عدت للبيت وأنا أبكي، والدم يسيل من ذقني. فركت الوالدة أذن يوري وأجبرتها على مواجهتي وهي تصيح: ”انظري ماذا فعلت بأخيك”. هربت يوري ببصرها إلى الأرض، ونظرت لخفيها المنزليين، ولكل الأرجاء كي لا تنظر لي. وفي وقت لاحق من تلك الليلة، مدت يدها وهي على سريرها ودست لفافة علكة تريبور بالنعناع تحت وسادتي وهمست: ”آسفة يا كاشي”. تظاهرت أنني نائم، ولكن في اليوم التالي دخلت إلى الحمام وهي تنظف أسنانها وقدمت لها النعناع دون أي كلمة. كنت أود أن أؤكد لها أنني غير غاضب منها. نظرت يوري للباب لتتأكد أن أيا من والدينا غير موجود ثم قبلتني، لأول مرة، بنعومة بالغة. كانت قبلة دافئة ولطيفة، مثل لقمة أكاراجي، ولدغني الألم بسبب الجرح مثل الفليفلة. نظرت إليها بفمي المنتفخ حينما ابتعدت عني، وتابعت تنظيف أسنانها كما لو أن شيئا لم يحصل.

انصرفت وقلبي يدق. في المرة التالية حينما أرسلتني الوالدة للتفتيش عنها، شاهدتها تقرأ في الخزانة، تماما بنفس الطريقة حينما كنا صغارا. أغلقت الباب وطبعت قبلة على ظهرها، وحاصرتنا الثياب الرقيقة والظلام. وكانت شفتي يومذاك قد شفيت تقريبا.

بعد عدة سنوات، حينما بلغت السادسة عشرة، لم يبق غير مجرد ندبة على شفتي العليا، مع ثوران غامض في صدري حينما أفكر بيوري. وفي المدرسة حينما كنت أتبادل رواية الحكايات مع زملائي عن قصصي الغرامية مع البنات، لم أكن قادرا على التطرق لأول قبلة لي معها. بعض الأولاد يذكرون ابن عم في القرية وخلال احتفال عيد الميلاد، واجبات منزلية في مستودع مغلق، أحدهم ذكر لنا شيئا عن معلم وغرفة صف فارغ بعد انتهاء ساعات الدوام. ولكن كانت حكايتي مختلفة، ولو اعترفت بها علنا سألفت انتباه الآخرين. ولذلك احتفظت بهذا السر. في المنزل كنت أراقب أختي. كانت ترتدي الجينز الضيق، مع صدارة لها حمالات رفيعة كالسباكيتي، وكانت الوالدة تطلب منها باستمرار استبدال ثيابها. كانت تستعمل طلاء شفاه براق، وكحلا يزيد من سعة العينين، وظل عيون لا نراه إلا في الحفلات. كانت يوري مشرقة دائما وجميلة. وهي لي، ولكن في نفس الوقت، ليست لي على الإطلاق. وكانت ترفض تقديم العون للوالدة في أعمال المطبخ، ولكن حينما يغيب الوالدان عن البيت، تراقبني وأنا أصنع كعكة ومعجنات، وتسخر من طريقتي بإضافة السكر، ولكنها تساعدني في التنظيف لاحقا. وكانت الوالدة مسرورة من مشاركتي بالمطبخ لأنه شيء يربطني بها، ولكنها لم تذكر ذلك علنا ما لم يكن على سبيل التشجيع وبالصدفة. وكنت لا أزال صبيا صغيرا. وبعد عودتها كانت تتذوق كمية قليلة مما أطهو، وتقول دون أن توجه كلامها لشخص بعينه: ”هذه المحاولة جيدة. ليست سيئة. ليست سيئة. في المرة القادمة يفضل إضافة المزيد من الطحين”. وكانت يوري تهرب بعينيها، وتضحك، وتبرز أسنانها من فمها اللماع الأحمر. وأتمنى لو أقبلها مجددا.

*

جلست وحيدا في غرفتي ومرآة يدوية بين فخذي، وهي من بلاستيك أزرق، والسروال خاكي عريض. نظرت لفمي في الزجاج. كان شبيها بفم الوالد. جعلت المرآة تميل للخلف لأتمكن من ملاحظة عيني والجدار الكريمي وراء رأسي. كانت هذه الغرفة مكتب والدي - أما يوري فقد بقيت في غرفتنا القديمة ذات الجدران الزرق بلون السماء، وانتقلت أنا إلى غرفة نوم جديدة لأن الوالدة تعتقد أننا كبرنا ولا يمكننا الاشتراك بغرفة واحدة. كان معي قلم كحل والدتي، وهو أنبوب رفيع من البلاستيك بلون أخضر خافت مثل أفعى الأعشاب. ضغطت عليه حتى برز رأسه الناعم الأسود وتساءلت كيف أباشر باستعماله. كان كل من الوالدة ويوري تخططان عيونهما لكن بطرق مختلفة. كانت الوالدة ترسم خطا عريضا على رموشها السفلية، والقلم يجري على الرموش فتنحني وتميل مثل أوراق الأعشاب الطويلة. وكانت رموشها أشبه بسور يجذب الأنظار لتلاحظ ماذا يوجد وراءه. أما يوري فقد كانت تضغط على رموشها للأسفل حتى تظهر الشرايين الحمر المنتفخة في الداخل. ثم ترسم الخط على الرف الجلدي الرقيق هناك. كنت أحب أسلوبها، فلون القلم الأسود يحتضن بدفء ومحبة القوس الأبيض للعين، كما لو أنه جزء منها. توقفت لحظة. كانت المرآة محجوزة بين فخذي، والقلم الخفيف في يدي، نظرت لانعكاس صورتي، وقلت لوجهي: ”ما هذا يا كاشي. ماذا تفعل”. لو رآني الوالد سيقتلني. لكن الوالدة ستجن وتثور. ولربما جن جنون الله المحبوس في داخلها، لست متأكدا من ذلك. ربما كان الله ينظر لي كلما نظرت لنفسي. وربما يكون الله متختبئا في عيني الآن، ويستخدمهما كنافذة ينظر منها. أسدلت جفني ولاحظت الخط الرفيع للجلد الرطب. وحينما حاولت أن أرسم عليه بالقلم، لدغتني عيني ونبعت الدموع منها، وبللت طرف القلم فاضطررت للتوقف، جففته وطرفت بعيني حتى تحسنت حالتها. حاولت مجددا ونجحت بالمرة الثانية - لم يكن الخط منسابا، لكنه كامل تقريبا، وكانت الزاوية الخارجية تميل للداخل. نظرت بالمرآة وكانت إحدى العينين مكتملة. رسمت الثانية. وأصبح وجهي على الزجاج رقيقا ومدهشا، ومقلتاي غائرتين. وددت أن ألفت انتباه يوري. انزلقت من غرفتي وتابعت في الممر إلى غرفتها. وسمعت صوت ماء الدوش ينهمر وصوت المولد يدمدم في الخارج. وعندما دخلت الحمام، مسحت يوري زجاج الدوش لتشاهد القادم.

قالت: ”آه، هذا أنت”. ابتسمت وعادت لمتابعة غسل شعرها. تنهدت وجلست على غطاء دورة المياه، وقلت لها: ”كم بقي لك”. نظرت لخيالها من وراء ضباب الزجاج. كانت ثيابها الداخلية على الأرض، سروال وحمالة صدر. انحنيت لالتقاط السروال ولاحظت البطانة الملتصقة بالقفل، وكانت مطوية ونظيفة. حملته بيدي وكان لا يزال حارا، وانتقلت ذاكرة جلدها الدافئ لراحة يدي. ضغطته وألقيته في علبة النفايات، ثم اتكأت على خزان البورسلان، كان قطن سروالها مثل عصفور أبيض في يدي. وبدأ صدري يدق. وجاء صوت يوري من خلف البخار يقول: ”هل عادت الوالدة؟”.

قلت: ”سمعت صوت سيارتها قادمة”.

كانت حنجرتي جافة، وشعرت بالاضطراب والتردد. كنت أود أن ألفت انتباه يوري لزينتي ولكن كنت أيضا بحاجة لتنظيف وجهي من هذه الزينة قبل أن تأتي الوالدة.

أضفت قائلا: ”أنت تسنفذين مخزون المياه الحارة”. أغلقت يوري الماء الحار، وفتحت باب الدوش. نظرت إليها كان جلدها صفحة طويلة رطبة مثل برية ذات لون بني داكن. مدت يدها وسبحت أصابعها في الهواء الفاصل بيننا.

قالت: ”أعطني المنشفة”.

وقفت ويدي التي تحمل سروالها وراء جسمي كي لا تراها، ثم ألقيت السروال على الأرض. سقط دون صوت. كانت منشفة يوري الزهرية معلقة على قضيب الحديد، على بعد يسير من متناولها. قدمتها إليها، وأنا أنظر لقطرات الماء التي تسقط من شعرها وتسيل على رقبتها. ابتسمت لي ثم لاحظت الكحل. قالت: ”آها. ما هذا؟”. حاولت أن أفسر نبرة صوتها. كانت مندهشة، ولكنها غير مشمئزة، وهذا فأل طيب. مع ذلك خفضت عيني، وكنت أختنق بالحرارة التي تدق في صدري. قالت: ”إنها تناسبك”. كان كلامها عذبا مثل مكعب سكر مسروق، والإعجاب يشع من صوتها. شعرت بالراحة وهي تنتشر في داخلي مثل عدد من الأنوار الصغيرة، ونظرت إليها مع ابتسامة، وكل ما أذكره، أنني عانقتها بقبلة طويلة، ويداي تضغطان على جدار الدوش. وأفترض أنني شعرت كأنها أول قبلة لي في حمام، بينما كانت قبلة الخزانة هي الثانية، وهي تعبير عن محبة بريئة، ولكن بدهشة بالغة، شعرت أنني ألتصق بها، ويداها تنزرعان داخل صدري، وتضغطان وتخلفان أثرا نديا.

سألتني: ”برأيك ماذا تفعل؟”. وكان في صوتها تحذير ثلجي وبارد. وبدأت أفكر بشيء أرد به على كلامها. وقفت مثل أحمق، جامدا وصامتا. لفت يوري حولها المنشفة لتستر نفسها من نظراتي.

قلت مخنوقا: ”آسف”. وكان صدري ينفصل عني. وتابعت: ”توقعت... بناء على ما سبق... توقعت أنك لن تمانعي”.

قطبت ملامحها ودفعتني بعيدا عن طريقها، وتوجهت لغرفة نومها. وهي تقول: “بناء على ما سبق؟. تقصد بعد حادثة الدراجة؟. بربك، يا كاشي، كنا طفلين”.

تبعتها بصمت ووقفت على بساطها. لم يمر على ذلك غير أربع سنوات، فهل تغيرت الأمور لدرجة ملحوظة؟. كيف فهمت المسألة على نحو خاطئ؟. كنا متقاربين، متقاربين مثل معظم البنات والشباب الأغراب الذين أعرفهم. ولم أكن أعتقد أن لذلك أي معنى سلبي، قبلة صغيرة واحدة من ذلك النوع، ألا تعني أنني أعرب لها عن محبتي فقط؟. امتلأت عيناي بالدموع وتورمت بالإحساس بالخزي. وفكرت إن البكاء أمامها سيزيد الأمر سوءا. لكنها راقبتني بوجه فارغ من الملامح، والماء يقطر حولها. ثم سألتني: ”هل استعملت قلم تخطيط عيوني؟”. هززت رأسي وقلت: ”استعملت قلم الوالدة”.

“من الأفضل أن تعيده قبل أن تكتشف ذلك”.

أومأت بالموافقة وتوجهت نحو الباب ولكنها أوقفتني قائلة: ”انظر يا كاشي”.

التفت برأسي للخلف. كانت لا تزال حانقة، ولكنها تحاول أن تجد كلمة طيبة تقولها. ولم يحسن ذلك من نفسيتي. وتلاشى الفراغ الذي يحتل وجهها ولم يتبق سوى الاشمئزاز الصامت المجرد الذي ترسب عليه.

قالت: ”مهما كانت مشاعرك نحوي لن يكون بيننا أي علاقة، هل تفهم؟”.

لم أستوعب ماذا تريد أن تقول. غير أنها تنهدت وحملت منشفتها وقالت: ”أنت لا ترغب بي. أنت تريد أن تكون مثلي”.

تبادلنا نظرة لعدة دقائق. كانت مخطئة، ولم أكن أعلم كيف أبدد النظرة السلبية التي تظهر في عينيها. كنت أريد أن أعبر عن نفسي وأقبلها، وهذا كل شيء. ولكن لم تستوعب ذلك، ولن يقبله مني أي مخلوق آخر. خفضت عيني واستدرت مستعدا للمغادرة، وأغلقت ورائي الباب، وسمعت صوت إغلاق القفل من الداخل. وهكذا جرحت مشاعري كأنها تعتقد أنني نوع من الوحوش الضارية المفترسة، مخلوق مرعب وهي بحاجة لحماية نفسها منه. توجهت إلى غرفتي وحملت قلم تخطيط العين من السرير، وأنا أصيخ السمع في طريق عودتي للممر. كان بمقدوري سماع صوت التلفزيون من الأسفل وهو يلفظ الأصوات، لا بد أن الوالدة أشعلته، وهذا يعني أنها تتربع على الكنبة الآن. إذا لدي وقت. تسللت إلى غرفة الوالدين، ثم تابعت نحو الطاولة التي تحتفظ الوالدة فيها بمكياجها. كانت أقلام العين محفوظة في علبة صغيرة، أقلام داكنة شمعية تغطيها حروف براقة، مع أغطية بلاستيكية رفيعة لحماية نهاياتها المدببة. الأقلام الثانوية وغير السوداء أو البنية التي اعتادت استعمالها كانت مودعة في العلبة بالمقلوب، ويمكنها أن تتعرف عليها من ألوان الأغطية التي تحمي نهاياتها - فضية مثل معدن رقيق، وأخضر لماع، وأزرق مثل مياه البحر. أعدت القلم المستعار لمكانه وبحثت عن ورق تنظيف لأمحي التخطيط الأسود من حول عيني. ولكن ترددت كلمات يوري في رأسي وبدأ شيء يتسرب مني، وتصورت أنني سأفقد لوني وأصبح شفافا بعد أن تنتهي هذه الحالة. نظرت للعلبة التي تحتوي كل الأقلام وانتقيت القلم الفضي، وفتحت الغطاء واقتربت من المرآة. حتى لو أن هذا آخر يوم لي في الحياة فقد عزمت على تجريبه، كنت أريد أن أراه على وجهي، ولو لدقيقة واحدة، وبعد ذلك أعاود تنظيفه، وأهبط للأسفل، وأتظاهر أنني ابن وأخ مطيع ويتبع التعليمات والأصول. بيد ثابتة ضغطت رأس القلم للزاوية الداخلية من عيني اليسرى، بما فيه الكفاية ليخلف بقعة مضيئة هناك. وكررت نفس الشيء مع الزاوية الثانية. ثم وضعت غطاء القلم وأعدت القلم لمكانه، وتراجعت عدة خطوات لأرى نفسي من مسافة كافية، ولأتأكد أن البريق سيحافظ على إشراقتي المفقودة. لم أشاهد حقيبة الوالدة اليدوية ملقاة على الأرض خلفي لذلك تعثرت بها، وفقدت توازني وارتميت فوق الكرسي. وبإثر ذلك سقطت علبة أحذية وتبعثرت المحتويات في أرجاء الغرفة وطرقت الأرض بصوت مرتفع. وضرب كوعي الأرض بقوة والتهبت عيناي من الألم ودمعتا. قلت: ”اللعنة. اللعنة. اللعنة”. نهضت بسرعة، وأعدت الكرسي لمكانه، وكان كوعي يؤلمني وانتشر الألم في كل ذراعي. وكنت أحاول إيداع الحذاء في العلبة حينما دخلت الوالدة من الباب، وألقت حقيبتها على السرير وهي تصيح: ”ما هذه الضجة؟. أنتم لا تسمحون لي ببعض الراحة والخصوصية؟”. وجمدت حينما وقعت عيناها علي.

قالت: ”كاشي؟. هل أنت من يحطم هذه الغرفة؟. من سمح لك بالدخول إلى غرفتي، آ.؟”.

“آسف يا ماما. كنت أبحث عن شيء ما”.

وتركت الحذاء وحاولت أن أهرب منها ورأسي منكس للأسفل وذلك قبل أن تضع يدها علي، ولكن كان هناك الكثير من لون الفضة في زاوية عيني. وكانت تلمع.

قالت بصوت آمر كأنها تضرب بالعصا: ”قف مكانك يا صديقي”.

وأطعت الأمر كالعادة، والتصقت قدماي بالبساط.

قالت: ”ماذا تضع على وجهك؟”.

حاولت أن أمحوه بسرعة ولكنها أسرعت بالاقتراب وقبضت على ذراعي.

قالت: ”توقف عن هذه الحركة البلهاء. دعني أشاهد ما فعلت”.

وجرت رأسي نحوها وقطبت ملامحها وقالت: ”آه، آه!. يا كاشي. والآن أخبرني ما هذا؟. منذ متى وأنت تستعمل قلم عيوني؟”.

كان وجهها مكفهرا، والدهشة والاضطراب يغطيان على الغضب الذي توقعته.

دمدمت: ”اسمحي لي أن أنصرف لأغسله”. وتأهبت للمغادرة والإفلات من قبضة يدها. قررت أن أهرب، أن أغادر الغرفة، ولكنها عقدت ذراعيها على صدرها وقالت: ”هل تريد أن أخبر والدك؟”. كانت أشبه بصفعة على الوجه. توقفت فورا، ونظرت إليها بانتباه. قالت: ”الأفضل أن تنتظر معي، وتجلس، لتفسر لي هذا الهراء الطائش”. جلست على طرف السرير ووقفت هي أمامي، ويداها معقودتان على صدرها. تنحنحت ونظرت للبساط وقلت: ”هذا لا شيء. فقط رغبت أن أرى كيف يبدو”.

“جيني كا ا نا-إكوو؟. لم أفهم ماذا قلت للتو”.

راقبتها وهي تحرك قدمها بخفها المنزلي وبقلق. ترددت وعضت شفتها، كما لو أنها تفكر بما ستقول. وحينما تكلمت، كان صوتها ناعما وغدارا، مثل السم، قبل أن يقتل. قالت: ”والآن يا كاشي، أخبرني بالحقيقة واستعذ من الشيطان. هل أنت شاذ”.

رفعت عيني لوجهها وقلت بخزي وقهر: ”ماما. أنا لست لوطيا”.

أسدلت الوالدة ذراعيها، وحركت عينيها، وكانت تنظر في كل الأرجاء وتبحث عن شيء غير موجود. ثم قالت: ”آه يا إلهي. انظر كيف زارنا الشيطان وتقمص ابننا”. وغرست قدميها وحركت يديها. وشعرت بالاستفزاز. وتخلصت من رعبي وقلت: ”المسألة ليست خطيرة يا ماما. كنت على وشك غسل الألوان”. وقفت بلا حراك ونظرت لي، مصدومة، وقالت: ”إه؟ ماذا تعني أن المسألة ليست خطيرة؟. شيطان اللواط يدفعك لتتزين بقلم تخطيط عيوني وأنت تقول إن المسألة لا تستحق التفكير؟”.

“لماذا دائما تفكرين بالعفاريت والشياطين؟ لماذا ليس هناك شيء آخر؟. مثلا أن الله يخاطبني ويوحي لي بذلك -”.

ولم أتم كلامي لأن الوالدة لطمتني بقوة، ولمس خاتمها طرف فمي وجرحه.

رفعت يدي بسرعة لألمس الدم، ونظرت هي لي مليا، وصدرها يلهث. جلست على السرير على وشك البكاء وأنا أقول: ”ميشي أونو جي! هل جننت؟”. كان كلاما غبيا، ولكن توقعت أن تفهم، باعتبار أنها تؤمن بالله. واعتقدت أنها رأته وهو يشرق في وجهي، كما هو الحال الآن. وشعرت بفجوة تتوسع بيننا، وتتركني على السفح وحدي. وكانت تواصل صياحها، ولكن لم أستمع لها. وتطاير البصاق على وجهي من فمها وزاد ضيق صدري تدريجيا. وصفعتني مجددا وهي تقول: ”هل تستمع لما أقول؟”. رفعت نظري إليها، وفي تلك اللحظة غلبني المقت والكره. وبدأ المقت يغلي في صدري ويندفع إلى عيني، وهكذا أصبح بوسعها أن ترى كل شيء. فبدأت تنوح وتتلوى وتهمس: ”يا إلهي. دم مسيحي ينزف في بيتنا". ووقفت وهممت بالمغادرة، والدموع تسد مقلتي. ولكن فورا انفجر في قفا رأسي ألم فظيع. وصرخت. ثم سقطت على ركبتي. ورفعت ذراعي غريزيا، والتفتت لأرى ماذا ورائي. كانت الوالدة تقف هناك، وبيدها حذاء الكعب العالي، وعيناها تلتهبان بالشرر والرعب. قالت: ”الشيطان لن يسرق ابني مني. انقلع! أطلق سراحه باسم المسيح”. وضربتني مجددا بحذائها، وخدشت ساعدي.

قلت لها: ”ماما ماذا تفعلين. توقفي يا ماما”.

“أستطيع أن ألمحك في عينيه! شيطان اللواط! أطلق سراحه! أطلق سراحه!”. وكانت تعقب على كل عبارة بضربة إضافية، تودع بها كل القوة المتوفرة في ذراعها. لم أكن أعلم أن الحب يمكنه أن يأخذ هذا الشكل العنفي.

توسلت لها: ”من فضلك يا أمي”.

لم تستمع لرجائي. وانطويت على نفسي كالكرة، وحميت رأسي وهي تضربني بالحذاء وبراحة يدها، ضربات عنيفة لم أتحملها. وصرخت من الألم. وفي النهاية طلبت النجدة. قلت: ”يوري! يوري! ساعديني يا يوري”.

وتحول غضب الوالدة لجنون وجهته ضدي وهي تقول: ”لا يمكنك استعمال قلم العيون. ابني لن يكون لوطيا”. ونسيت موضوع الشيطان المفترض الذي يتقمصني. هل غيرت قناعتها حيال الدافع الذي شجعني على استعمال قلم تخطيط العين؟. ويبدو أنها قررت، بغض النظر عن من هو المسؤول، أن هذا الضرب سيحل المشكلة بطريقة أو أخرى. نظرت من بين تسارع وتيرة ضرباتها، والدم ينبع ويسيل على عيني اليسرى، وشاهدت يوري واقفة بالباب، صامتة وعاجزة عن الحركة. فتحت فمي لأطلب منها المعونة، وهنا ضربتني أمي على صفحة وجهي. كنت أبكي. كنت أبكي منذ البداية. ونظرت أختي لي فغاصت معدتي في داخلي. وتلاشت اللامبالاة القاسية وأعرب وجهها عن كل شيء - إنها لن تمد يد العون لي، ولن تحاول أن تمنعها. كان هناك شيء فظيع خاطئ ينمو في داخلي، وحتى لو أن الوالدة كانت تضربني لسبب مفتعل، فقد كنت أستحق العقوبة لسبب آخر، لم تكن الوالدة تعلم به، وهو خطأي الفظيع في الحمام، عشقي المخزي. لم تشاهد الوالدة يوري لأنها لم تحول بصرها عني، وسقط الحذاء بقربها وبدأت تلطمني على رأسي، وهي تصفني بالكافر. وأعتقد أنني كفرت. وأن الله سيعاتبني لأنني أهنته حين تشبهت بالنساء، ولم أتصرف مثل الرجال، مع أنه خلقني على هيئة رجل. لكن كان الخطأ يقع على الوالدة لأنها سمحت لي بالعمل في المطابخ مثل النساء.

قالت الوالدة: ”أنت رجل. هل تسمعني. لن أسمح لهذا الخطأ في بيتي”. خفضت يوري نظراتها وغادرت. ونظرت للفراغ في محيط الباب حيث كانت تقف، وأعتقد أن قلبي تصدع فورا. كان رأسي ينزف وكانت عيني اليسرى محمرة. لو أن الله موجود في داخلي، هل شعر بهذا الألم الذي أشعر به، الألم النفسي والجسمي. هل شاركني هذا المصاب؟. هل امتزج دمه بدمي؟. ولو أن الله كان موجودا في الوالدة، هل كان هو من يضربني؟. وهل هذا يعني أنه كان يلطم جزءا منه؟. ضغطت بيدي على وجهي ومسحت عيني حتى لوث الكحل أصابعي، وحتى خرج الله من وجهي، وبقيت وحيدا أستلقي هناك على البساط، وأمي فوقي، وهي تتنفس بمشقة، وذراعها مكدودة والدم يغلف خاتمها.

أكويكي إميزي Akwaeke Emezi روائية نيجيرية. من أهم أعمالها: مياه منعشة 2018، حيوان أليف 2019، موت فيفيك أوجي 2020، عزيزتي سينثوران 2021. سيصدر لها في عام 2022: مرارة، تحذيرات مؤكدة، أنت تسخر من الموت. تلقت علومها في جامعة مدينة نيويورك. وتبلغ الآن من العمر 34 عاما. وهي على خصومة علنية مع مواطنتها الكاتبة المعروفة “شيماماندا نغوزي أديشي”. 

***

.......................

* نشرت مجلة غرانتا بالتعاون مع إدارة “كتاب الكومونولث” أعمال الفائزين بجائزة القصة القصيرة في الكومونولث لعام 2017. وقد مثلت القصة المدرجة أدناه القارة الإفريقية.

 

 

بهجت عباسللشاعر الفرنسي جاك بريفير

ترجمها عن الإنگليزية د. بهجت عباس

(إلى الدكتور عبد الهادي الخليلي)*


 آهِ ، كلّي أملٌ أنْ تذكري الأمسَ وأيّاماً جميلـةْ

عنـدمـا كـنّـا رفيـقـيـْن نغـنـّي فـي الخـميـلـةْ ،

حيث كان العيشُ أحلى ، لنْ تـَرَيْ أبْداً مثيـلهْ

حيث كانتْ شمسُنـا أكثـرَ وَهْـجـاً وسُـطوعـاً

ما لشمسِ اليـومِ تبدو في السَّـما جِـدَّ كـلـيـلــةْ

هي ذي الأوراقُ ، أوراقُ غصون الشَّجَراتِ

فـوق جـرّافـة حـرثٍ جُـمـِعَــتْ بعـد شَتـاتِ

هل تريْنَ ؟ إنني لست بناس ٍ...

فوق جرّافــة حــرثٍ جُـمِـعـتْ بعــد شتـاتِ،

وكذا الآهــاتُ طــرّاً وجـمـيـعُ الـذِّكـريـاتِ،

 

كلّـهـا مـقـهــورةٌ تحـمـلـها ريــحُ الشَّـمــالِ

فــي خـفـايــا لـيـلــة بـاردةٍ نـحـــوَ الـزَّوالِ

وكـذا النِّسيـان يَـطـويــها إلـى غـيـر مــآلِ

لـنْ تـَريْـني نـاسيــاً أغـنـيـةً غَـنّـيـتِـهـا لـي.

 

إنّـها أغـنـيـة ٌ تُـشـبـِهـنــا حُــبّـاً ووَجْـــدا

أنـتِ، يـا أنـتِ الـتـي هـامــتْ غــرامـــا

وأنـا الـوالِــهُ في حُـبـِّـكِ شوقـاً وهـُيـامـا

فلقد عشنا معـاً ننهل كأس الحُـبِّ رغـدا

  أنتِ، يـا أنتِ الـتـي هـامـتْ غـــرامــا

وأنا الـوالِـه فـي حُـبِّـكِ شوقـاً وهـُيـامــا

لكنِ الدّهـرُ ضنينٌ يُـبعِــد العشّاق حَسْدا

وبلـطـف دون أنْ يُحـدِثَ صوتـاً أو نـغــمْ

ومن الرَّمل مياهُ البحر تمحـو كلَّ آثار قدمْ

لمحبّـيـن نَأوا عـن بعضهم قـهـراً ونَكـدا

 

هي ذي الأوراقُ، أوراقُ غصون الشَّجَراتِ

فـوق جرّافـة حـرثٍ جُمـِعَـتْ بعـد شَتاتِ

وكذا الآهـاتُ طـرّاً وجـمـيعُ الذكـريـاتِ

إنّ حُـبّـي ، هــادئـاً عَـذبـاً نـقــيّـا ،

باسمٌ دومــاً ومـمـتـنّ ٌلهاتـيـكَ الحـيـاةِ

إنَّ حُـبّـي لـك جَـمّ وافــرٌ لـيس يُـحَــدّ ُ

فلقد كُـنتِ بحُسْنٍ ما لـه فـي الكـون نِـدّ ُ

 

فلماذا الظنّ ُ أنْ أنساكِ لا حبّ ٌوعهدُ ؟

وحياة االأمس أحلى زانها عطر ووردُ

حيث كانتْ شمسُنا أكثرَ وهجاً وسطوعاً

ولقد كنتِ ليَ الأكثـرَ عطفاً يا فـتـاتي

غير أني لم أكنْ أفعلُ غيرَ الحَسَـراتِ

والتي غنّـيْـتِـها لي من أغانيك شجـيّـا

سوف أبقى دائماً أسمعها ما دمتُ حيّـا

***

..................

* كتبها السيناريست الفرنسي جاك بريفير (1900 – 1977 ) عام 1945 وغناها أول مرة الممثل الفرنسي إيف مونتان سنة 1946، وترجمها الشاعر والروائي الأميركي جوني مَـرسَر (1909-1976) إلى اللغة الإنكليزية سنة 1950 وغناها فرانك سيناترا ونات كينغ كول وبربارا سترايساند وآخرون. ظهرت واشتهرت في فيلم (قصة حب). العنوان في الفرنسية " الأوراق الميتة"

Les Feuilles Mortes

ولكن الترجمة الإنگليزية ظهرت بعنوان (أوراق الخريف)

The Autumn Leaves 

................................

 

Les Feuilles Mortes

Lyrics by Jacques Prévert, (1945)

Oh! I really hope you remember

Those happy days when we were friends.

In those times life was more beautiful

And the sun brighter than today's.

The dead leaves gather on the rake.

You see, I have not forgotten...

The dead leaves gather on the rake,

As do the memories and the regrets,

 

And the north wind carries them

Into the oblivion of the cold night.

You see, I have not forgotten

The song that you used to sing to me.)

 

(It's a song that resembles us.

You, you loved me and I loved you

And we lived together,

You who loved me, I who loved you.

But life separates those who love,

Gently, without making a sound,

And the sea erases from the sand-

The footsteps of separated lovers.)

 

(The dead leaves gather on the rake

As do the memories and the regrets

But my love, quiet and loyal,

Always smiles and is grateful for life.

I loved you so much, you were so beautiful.

 

How can you expect me to forget you?

In those times, life was more beautiful

And the sun brighter than today's.

You were my kindest friend

But I only created regrets

And the song that you used to sing,

I hear it always, always...)

***

.........................

*من مجموعة (مختارات من الشعر العالمي بلغة مزدوجة – المؤسسة العربية للدراسات والنشر - عمّان 2009).

 

  

2915 Viet Thanh Nguyenبقلم: فيت ثان نغوين

ترجمة: صالح الرزوق


 اضغط على زر دائرة الضوء، انظر إليه وهو يطرف بعينيه ويقطب وجهه. في صورة الكاميرا كان للمدير شكل بائس، رجل مرعوب بأواسط العمر ببذة تدريب حمراء كالصلصال، والإبزيم مغلق، المعصمان والكاحلان يشدها رباط رفيع ولكن متين. وأنفه الروماني تغطيه قشرة دموية حيث ضربته بالمفتاح الإنكليزي، وقذاله البدين في رقبته له ظل أزرق مسود، بسبب الرضوض التي تركتها حينما ضغطت عليه بركبتك. انزلق أمام الكاميرا واركع بجواره. كلاكما ليس عاكسا للضوء. أنت أصلع مثل شخصية "هامتي دامتي"*. ولكن باعتبار أنه مريض مثلك، سبقته بسهولة في مضمار الجري داخل الغابة وراء هذا البيت، وقمت بتثبيته فوق فراش من الطحالب، وهواء الخريف يداعب رقبتك.

قلت العلاج الكيميائي. دعكت رأسك بيدك، كانت أناملك خشنة مثل ورق الزجاج، جلد رأسك رطب من العرق والزيت. هل تتراكم الأشياء؟.

هز رأسه بقوة، وأذنه على الأرض القذرة. الحارس الذي أخبرتنا أنه سيصل غدا صباحا، والناس الذين سيشاهدون هذا الفيديو سيتخذون كل أشكال الأحكام القطعية، حتى وهم داخل هذه الشاحنة الوضيعة. فاض الحزن وغمرك من جراء أحكامهم الخاطئة. حاولت أن تبدو بمظهر والتر كونكايت** حينما نظرت إلى الكاميرا، وهي هدية قدمتها أساسا لابنتك في عيد ميلادها الخامس عشر قبيل شهرين. كانت ترغب أن تعمل في صناعة الأفلام. بطريقة من الطرق.

مرحبا. مع أنها ليست الكلمة المناسبة لتباشر منها، ولكن لنتابع. مرحبا يا أمريكا. اتسعت عيناه من الخوف، ثم ضاقتا بسبب اللوعة. مرت تقريبا أربعة عقود منذ شاهدت تلك النظرة. أطلق سامي عدة طلقات بسلاح أ. ك. - 47، وتحول ليونيل إلى أشلاء بعد انفجار لغم هاوتزر مفخخ. ودائما يعقب الخوف واللوعة مشاعر الدهشة، ولكن الدهشة من ماذا، لا يمكنك أن تعرف. لنتابع. أخبره كيف ولدت عام 1950، وخدمت وطنك باعتزاز وتزوجت وكنت مخلصا، طوال 37 عاما، لثلاث نساء. اعتذرت من ماريبيث، وهي الثالثة والأخيرة والأقرب لقلبك، وكنت قد التقيت بها في البريد، وكانت الزوجة الوحيدة التي أحبت ابنتك بمقدار ما أحببتها أنت. وكنت ممتنا لامرأة شريفة وكريمة المحتد مثل ماريبيث، مع علمك مسبقا أنها لم تقترن منك إلا لأن بلدها فقير، ولا يمكنها أن تعيش في موطنها. قل آسف. ليس هذا ما وعدتك به في مانيلا، ولكن هذه أفضل نتيجة. ليس عليك أن تعتني بي بعد الآن، ولا سيما إذا لم أكن قادرا على رعايتك.

ألق لوم دموعك على العلاج الهرموني الذي قيد التستيسترون. وتأكدت أن العلاج الهرموني ليس من منتجات شركة هذا الرجل. كانت لك علاقة محدودة بكل شيء، أليس كذلك؟. الأسمدة، الغراء، البوليمرات، الأقمشة، الطلاء، البروتينات، الأدوية، الصمغ، البلاستيك. لا يمكن للعالم أن يعيش دونك، هل أنا محق؟. تغضن جبينه، ولكمه بعينه، وارتطم رأسه بالأرض، وبدأ ينتحب، وأغلق كلتا عينيه مع أنك لطمته على واحدة منهما. اللوم يقع على غضبك من العلاج الهرموني أيضا. أنت لم تضر أحدا طوال 40 عاما. قدمت المساعدة للبسطاء، وبطريقة محترمة، حين كنت تعمل مدقق تأمينات. كنت تنظر لقيمة الأضرار، وتقرر ماذا ينفع، وماذا يجب استبداله أو صيانته أو استبعاده. أتساءل كم تبلغ قيمة حياتك بالمقارنة مع هذا الرجل. أنت أعليت من تقدير قيمة حياتك على نحو مبالغ به. كان هذا بفعل الوهم الذي رأيته عدة مرات بين موكليك. حاول أن تتخلص من وهمك. لكنك لا تفعل. المدير على الأرض ويداه في الهواء وهو يبكي. أخرج محفظتك ليشاهد صور ابنتك. ابتلت عيناه بالأمل مجددا حالما شاهد الدرجات العالية في سجل آنا السنوي.

يا لها من بنت ساحرة، ألست معي؟. أومأ بموافقة حارة. لها نمش وشعر أمها الأشقر. لكن تلك العينان الخضراوان مني. وهذه الثانية. التقطتها في نزهة. 

اقلب الصورة. المدير يرجف وعيناه تطرفان برعب وقرف. فالعاطفتان تتداخلان. تذكرهما وهما في عيون الناس حين شاهدوا آنا لأول مرة، وفي عيني أمها، زوجتك الثانية، وفي عيون أولئك البشر وهم يتعثرون بجثامين أبناء بلدهم الذين أطلقت عليهم النار وتركتهم في القيظ ليفسدوا ويسودوا، ويتكاثر حولهم الذباب والديدان.

لم يكن لديها أذرع أو سيقان، أليس كذلك؟. أومأ برأسه، ثم هزه. نبعت الدموع من عينيه. لا أعلم كيف خططت آنا لاستعمال كاميرتها. كل ذلك السم الذي ضخته شركتك فيها لم يفسد عقلها. كانت تؤمن أنها تستطيع أداء دور نافع، ودائما أقول لها، نعم، بمقدورك ذلك. احمل المسدس .38 من حزامك. ابرم بيت النار. بدأ يضرب مثل الكائنات البشرية الأخرى الذين يتجمعون للتحقيق، وربما التعذيب، مع احتمال صدور حكم بالإعدام. في قاعة المحاكمة لا يمكنه تحريك حلقه هكذا، فهو ناعم وأبيض مثل أمعاء سامي المكشوفة. أمام القاضي والمحلفين، يمكنه القول إنهم غير مسؤولين. ولكن أنت من يعلم كيف تكون المسؤولية.

كلمه عن سيرتك الذاتية، أولا كيف تطوعت بمجرد التخرج من مدرسة والدك الثانوية.

لقد بذلت جهدك في فورت دكس، حصلت على درجتك الجامعية من تايغر لاند، ورحلت من أوكلاند على متن طائرة بانام، وحاولت قدر ما يمكن أن تتذكر شكل الضيافة التي تعكسها بذتها الزرقاء الشاحبة. وكنت تعلم أنك لن تشاهد مخلوقة مثلها لحوالي عام على الأقل، عام سوف تنفقه في سهول مقاطعة كا ماو، حيث يغمس الريف، الحار لدرجة غير مسبوقة، أصابعه في الماء بين خليج تايلاند وبحر الصين الجنوبية، وحيث بوفالو الماء يعتبر شيوعيا، وحيث يوجد عدد لا محدود من الغوريلات، والرجال والنساءمهما نضجوا يكونون بحجم الأطفال، ويختبئون جميعا في أدغال من مستنقعات وغابات الأشجار الطويلة. وطائرات القوى الجوية المنتفخة تعبر فوقك، وتجر وراءها غمامة من مبيدات الأعشاب. ها هي الشمس تلمع في ضباب الدايوكسينات.  وهكذا تبدأ الأدغال المزدهرة للمانغروف والكيبوت بالذبول. عد الأيام ليوم ميلادك العشرين، وأغرق بعرقك، واحلم بزوجتك الأولى، وهي مراهقة مثلك، ثم ذات يوم، استيقظ، وتأمل الأرض من خلف جدار من أكياس الرمل، واستغرب كيف أن الرب استعمل شفرته وشذب فلورا متنوعة عاشت ألف عام، واقتلعها من وجه هذه الأرض الترابية، ولم يحتفظ إلا بجذوع مترمدة لأشجار مقتلعة وميتة. بعد سنوات من عودتي إلى الولايات المتحدة، بدأت هذه البقع الجلدية تظهر. وأصابني التحسس. وناوشتني نوبات من الدوار. ولكن لم أضخّم المسألة. كنت أشعر أنني غير محظوظ فقط. ثم أصبح لي ابنة.

عيناه مطبقتان. وهو يتفصد بالعرق. الجو خانق في الشاحنة ودائرة الإضاءة مشتعلة. شعرت بشيء من الشفقة لأنه بمقدور الإنسان أن يتظاهر بعاطفة ليست منه، غير أنه لا يستطيع أن يتظاهر أنه يتعرق. فتح سترته، وانتشرت منه رائحة بشرية، شيء دافئ يشبه الرائحة التي علقت بك بعد أسبوع، شهر، ثلاثة شهور لأنك دون حمام ولا جوارب ولا ثياب داخلية - فعلا دون ثياب داخلية على الإطلاق ومعظم الوقت - لم تكن نظيفا أبدا باستثناء بندقيتك. فتح عينيه وحاول أن يتكلم مستعملا قدراته المستعادة، لكنه غرغر وناح. اضغط أصابعك على جبينه ليتوقف عن المعاناة مع الكلام.

أنت تقول إنك كنت هناك مجرد طالب في كلية الحقوق. حسنا، إن كنت بلا أي أهمية، فمن المهم إذا؟. انظر لي. قتلت نفوسا بشرية في الحرب. حتى يوم ذاك كنت أعلم أن بعضهم ليس عدوا حقيقيا، بل هم أشخاص مرعوبون وتورطوا بحروب غيرهم. نساء وأولاد وأشخاص كبيرو السن. ضغطت على الزناد. ولكن لم أدفع ثمن الرصاصة. من دفع ثمن الرصاصة؟. كلنا دفعنا أليس كذلك؟..

لقم المسدس. صاح. ولكن سمع فقط حفيفا خنقه الشريط اللاصق. هز رأسه كما لو أن جرذا يقضم أذنه. واجه الكاميرا. تجاهلهم. لم يكن وجهه هو آخر شيء تود أن تتذكره. ضع فوهة المسدس على صدغك. تنفس وكن متفائلا. أم أنك تتظاهر؟. وهل هذا لا يزول بسهولة؟. ستجبر ملايين الناس كي يفكروا مرتين ويحاورونك في نشرة الأخبار الإذاعية، ومئات الألوف سيشعرون بالانسحاب من الخيوط غير المرئية التي تربط قدرك وأفعالك بهم؟. كل أولئك نسوا شيئا سوف تذكرهم به. شيء منسي. حتى أنك تشعر أنك نسيت شيئا، ولكنك لا تعلم ما هو. ترى وجه سامي ووجه ليونيل ووجوه أولئك الذين لا تعرف أسماءهم أبدا. وترى أن الكاميرا لم تنتبه لأي شيء من تلك الأشياء. لتحسب حساب هذا. كن متفائلا مليئا بالأمل - ثم ها هي تأتي دون قيد أو شرط، ذكرى هذا الصباح. كانت ماريبيث تخفق البيض وتعصر برتقال فالينسيا الطازج، الذي قطفته من أشجار أنت غرستها.

أنت تمتلك فدانين من البساتين، وتراها من نافذة مطبخك. وتطعم آنا ملعقة بعد ملعقة، وتشرب قهوتك دون حليب. قبلت ماريبيث وقلت لها مهال كيتا***. وقبلت آنا، وحينما ردت نلتقي الليلة، قلت لها وداعا يا عزيزتي. أنّت ألواح الخشب في أرض غرفة المعيشة وأنت تمشي فوقها. وحينما فتحت الباب الأمامي، أوقفتك صورة أشجار القيقب عند العتبة. لقد أنشأت هذا البستان منذ سنوات، والأوراق تتفتح الآن، وتلمع بظل أحمر وذهبي ساطع. وهذا يتكرر في كل خريف، ويدهشك في كل مرة. ومع أنك تعلم مسبقا كيف سيكون حاله لاحقا، أنت متأكد أن الدهشة ستغمرك مثل أول مرة. تستدير برغبة عارمة لتطلب منهما القدوم ومشاركتك متعة النظر، ولكنك تسمع أصواتهما في المطبخ، هما تضحكان من شيء ما أنت تجهله، فتغلق الباب بهدوء.

***

.....................

- منشورة في مشروع الرجال الطيبين. 19 شباط 2019

* شخصية في أغنية أطفال إنكليزية.

** صحافي ومذيع أمريكي معروف.

*** أحبك

- فيت ثانة نغوين Viet Thanh Nguyen روائي أمريكي من أصول فيتنامية. يعمل بالتدريس في جامعة جنوب كاليفورنيا. من أهم أعماله كتاب “العرق والمقاومة: الأدب والسياسة في أمريكا الآسيوية 2002”. وله عدد من الروايات أهمها “المتعاطف 2015” وحازت على البوليتزر عام 2016، “لا شيء يموت 2016”، “اللاجئون 2017”.

 

 

 

 

2913 جرنيل آناندللشاعر جرنيل أناند

ترجمة نزار سرطاوي


 أحيانًا تغريني صحة بدني أن أصعد  

جبلًا 

أحيانًا تترهلُّ أطرافي

إذْ حين يراودني عقلي

أن أتمشّى ذاتَ مساءٍ 

يبدو لي ذلك إسرافًا.

أحيانًا أقوى

أحيانًا لا أقوى

حتى أن أمسك بالتلفون المحمولِ

لعلّي أكتبُ شيئًا

أو أزجي للناس تحياتي 

فأنا تحت مراقبةٍ صارمةٍ: 

اِشربْ هذا الشايَ. حذارِ من البسكوتِ

استرخِ تمامًا،

لا تمسكْ بالتلفونِ المحمول

ولا الحاسوبْ.

ولكي لا أفقد أعصابي

ولكي أحميها من داء الشعراء –

القلقِ ثنائيِّ القطبية، 

أنأى عمّا فيه استفزاز.

وطبيبي جسدي.

فيه استشعارٌ يكفيه

ليحميَ نفسَهْ

وليوصيني ألّا أكتبَ

بل أن أخلدَ من فوري للراحة.

..........................

The Doc's Prescription

Dr Jernail S Aanand

Sometimes I am fit to go even to the mountains.

And sometimes I have sagging limbs

When even the thought of an evening walk

Appears luxury.

Sometimes I can and sometimes I can't

Touch my mobile

To write or greet people

I am so closely watched and monitored

Take tea now, no, not biscuits

Now relax on the bed,

Don't touch mobile

No work on laptop.

To stop me from breaking my nerves

And to save me from bipolar disorders

Which 40% poets have,

I keep away from thinking excitement.

My body is my doctor.

It is sensitivised enough to respond

In prevention and self-protection

It tells me to stop writing now and take rest.

........................

الدكتور جرنيل سينغ آناند شاعر هندي معروف صدر له ما ينوف على 60 كتابًا في الشعر والقصة والكتابة الصحفية والروحانيات والدراسات الأدبية وسواها. كذلك فهو ناشط في حماية البيئة وفي الحرب على تغيّر المناخ. حصل على شهادة الدكتوراه في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة تشانديغراه بالبنجاب في عام 2000. شغل منصب مدير في سلك التعليم ثم تقاعد، حيث يشغل الآن منصبًا فخريًا كأستاذ مدى الحياة في المؤسسة الأوروبية للدراسات والأبحاث المتعلقة بشعوب الروما، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية والقانون الدولي، والتي تتخذ من العاصمة الصربية بلغراد مقرًا لها. وقد شارك في عدد كبير من المهرجانات والمؤتمرات الشعرية في الهند وفي دول أخرى. وفاز بعشرات الجوائز المحلية والعالمية.

للدكتور آناند باع طويل في النقد، حيث اشترك مع الباحث الإيراني رغَيّ فارسي في بناء نظرية "النص المرتبط بالسيرة". وكان قد ترأس المؤتمر الدولي للشعر الذي عُقِد في مدينة باذِندا بولاية البنجاب الهندية في تشرين أول/ أكتوبر من عام 2019.

يذكر أن الدكتور آناند والشاعر نزار سرطاوي (المترجم) قد أصدرا مؤخرًا ديوانًا شعريًا مشتركًا بعنوان "الرواق الشعري الروحاني الهندي-الأردني".

 Anand has co-innovated the theory of Bio-Text in Critical Theory along with an Iranian Scholar, Dr Roghaye Farsi. He Was President of The World Poetry Conference Organized in October 2019 in Bathinda Punjab, India.[5][6]

 

 

 

قصي الشيخ عسكرشعر الشاعر الأمريكي: فيليب تيرمان

ترجمة قصي الشيخ عسكر


 من غروب الشمس حتى الغروب التالي

نبتلع ريقنا ونظلّ صائمين

آلام المعدة تتسع في بقعة صغيرة

على مدار أربع وعشرين ساعة

حتى تمحو بقعة الألم تلك

كلّ الخطايا التي اقترفناها عمدا طوال العام

بحقك يا الله

او الخطايا التي اقترفناها سهوا

بحقك يا الله

مرة في السنة نترك كلّ أعمالنا

نخرج ماشين

ضوء أكتوبر الناعم

يترشح من بين أوراق الأشجار

كي يملأ الحرم بالكفّارة التي تمحو خطايانا

والكاهن نفسه بقعة سوداء في بيت الله

كما لو أنه يقرأ من مخطوطات

مضاءة بالنور الذي يتقد إلى الأبد

على ذلك الضوء

نقر بشكل متناغم أخطاءنا

تقرؤها بصفتها مجموعة من الخطايا

بلايين الأصوات الضعيفة (الميتة من شدة تعب الصيام) تردد عبر أفواهنا

ومن اليمين إلى اليسار

ترتجف أصابعنا تحت الحروف السوداء الغريبة

تلك الحروف التي

تلاها آباؤنا ومن قبل أجدادنا

هي نفسها نظل نتلوها

نتلوها كل دورة قمر حتى النهاية

سوف (نرتلها بدقة)

والقبة قبة المعبد تغطي رؤوسنا

مثل قلنسوة بيضاء تتفتح

والضوء يمحو ما على ورق الرق من سطور

ولن يضطرّ أحد أن يقرأها مرة أخرى

لا أحد

كل ذنوبنا الغبية انسلخت مثل قطع اللحم

التي تجردت من هيكلها العظمي

حياتنا

شيئا فشيئا

أصبحت غريبة عنا

لقد أصابنا الهزال

وأصبحنا مفتونين بالإفطار

***

.............................

هذه القصيدة للشاعر الأمريكي فيليب تيرمان، شاعر و اكاديمي . استاذ الأدب الحديث في جامعة كلايون الأمريكية. نشر قصائده في مجموعة شعرية، أشرف على ترجة قصائد رياض الصالح الحسين إلى اللغة الإنكليزية التي ترجمها الدكتور صالح الرزوق.  وبدعم من صديقي الأديب د. صالح رزوق ومني أيضا نشرت له مجلة مزايا المحكّمة التي تصدرها جامعة مزايا في الناصريّة بحثا باللغة الإنكليزية عن شعر الشاعر محمود درويش

يلاحظ القارئ الكريم أني غيرت عنوان القصيدة من عيد الغفران إلى ذوبان الخطايا لأننا دخلنا في حرب معهم صادفت وقت عيد الغفران الذي أعجبني فيها- القصيدة- أجواؤها الصوفية العرفانية الشفافة التوحيدية الخالصة أضف إلى ذلك أن الشاعر والباحب السيد تيرمان من المناصرين لحقنا العرب تجدر الإشارة إلى أني أحتفظ منه بإيميلي برسالة من خمسة أسطر يبدي فيها إعجابه بشعر وقصص لمحة كتبتها باللغة الإنكليزي ،أحتفظ بها اعتزازا برأيه.

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: جيمي سانتياغو باكا

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 مهاجرون في ارضنا

نولد والأحلام في قلوبنا،

نتطلع الى ايام افضل آتية.

على البوابات يعطوننا اوراق جديدة،

يأخذون ملابسنا القديمة

ويعطوننا بدلات مثل التي يلبسها الميكانيكيون.

يحقنوننا حقناً ويسألنا الأطباء أسئلة.

ثم نتجمع في غرفة اخرى

حيث يرشدنا المرشدون نحو ارض جديدة

سنعيش فيها الآن. نخضع لاختبارات.

بعضنا كانوا حرفيين في العالم القديم،

ماهرين باستعمال ايدينا وفخورين بعملنا.

وآخرون كانوا بارعين باستعمال عقولهم.

كانوا يستعملون المنطق مثلما يستعمل

العلماء النظارات والكتب ليفهموا العالم.

لكن اكثرنا لم يكمل المدرسة الثانوية.

**

كبار السن الذين يعيشون هنا يحدقون بنا،

بأعين مضطربة، عابسة، مدحورة .

نجتازهم وهم يقفون كسالى حول المكان،

يتكئون على المجارف والمعازق او على الجدران.

آمالنا كبيرة: في العالم القديم،

كانوا يتحدثون عن اعادة التأهيل،

عن امكانية اكمال الدراسة،

وتعلم حرفة جيدة اخرى.

لكننا نرسل مباشرة للعمل غاسلي صحون،

للعمل في الحقول مقابل ثلاثة سنتات في الساعة.

تقول الادارة ان هذا مؤقت

لذلك نقوم بعملنا، السود مع السود،

البيض الفقراء مع البيض الفقراء،

الشيكانو والهنود لوحدهم.

تقول الادارة ان هذا صحيح،

لا تمازج ثقافي، ليبقوا منفصلين،

مثلما في الأحياء القديمة التي جئنا منها.

**

جئنا الى هنا هربا من الوعود الكاذبة،

من الطغاة في احيائنا،

الذين يلبسون البدلات الزرقاء ويكسرون ابوابنا

متى ما ارادوا، يعتقلوننا متى ما رغبوا،

يلوحون بالهراوات ويطلقون البنادق متى شاءوا.

لكن الحال ليس مختلفا هنا. كلها معسكرات اعتقال.

الاطباء لا يكترثون، اجسادنا تتحلل،

عقولنا تتدهور، لا نتعلم شيئا ذا قيمة.

حياتنا لا تتحسن، نتدهور سريعا.

**

زنزانتي تتشابك داخلها حبال الغسيل،

تجف عليها قمصاني، سراويلي  الرياضية القصيرة والعادية وجواربي.

تماما مثلما كانت في حينا:

من جميع المنازل يعلق الغسيل من نافذة الى نافذة.

يخرج (جوي) يديه عبر الممر

ليناول (فيليبي) سيجارة من خلال القضبان،

يتصايح الرجال من زنزانة الى زنزانة،

قائلين ان مغاطسهم لا تعمل،

او يصيح احدهم في الدور الأسفل غاضبا

متذمرا حول مرحاض يطفح،

او ان سخانات الماء لا تعمل.

**

اطلب من جاري (كويوت) ان يرمي لي

بقليل من مسحوق الغسيل كي انهي غسيلي.

انظر تحت وارى مهاجرين جدد يدخلون،

أفرشتهم ملفوفة على اكتافهم ،

تسريحات شعر جديدة واحذية غليظة،

يتطلعون حولهم، كل يحمل حلما في قلبه،

معتقدا انه سيحصل على فرصة لتغيير حياته.

**

ولكن في النهاية، سيجلس البعض في مكانهم

يتحدثون عن العالم القديم وكيف كان جيدا.

بعض الشباب سيصبحون افراد عصابات.

بعضهم سيموتون وبعضهم سيواصلون العيش

دونما روح، او مستقبل، او سبب للعيش.

البعض سيخرجون من هنا والكراهية في عيونهم،

لكن القليل جدا سيخرجون من هنا بشرا

مثلما جاءوا، انهم يغادرون متسائلين ما الذي حصلوا عليه الآن

بينما ينظرون الى اكفهم التي ابتعدهم مدة طويلة عن ادواتها،

بينما ينظرون الى انفسهم، بعد ان ابتعدوا طويلا عن عائلاتهم،

ابتعدوا طويلا عن حياتهم نفسها، وقد تغيرت اشياء كثيرة.

***

........................

ولد الشاعر الأميركي جيمي سنتياغو باكا عام 1952 في مدينة سانتا- فَيْ بولاية نيومكسيكو من أصول هندية مكسيكية. قامت جدته بتربيته ثم أرسلته إلى دار للأيتام . عندما بلغ الثالثة عشرة من العمر هرب من دار الأيتام وعاش حياة تشرد كان يمكن أن تصنع منه مجرما محترفا، إلا إن حياته اتخذت مسارا آخر عندما حكم عليه بالسجن خمس سنوات تحت حراسة مشددة فاستطاع خلال فترة سجنه اكتشاف موهبته الشعرية وقام بشحذها وتطويرها بقراءة شعراء أثروا فيه كثيرا مثل نيرودا و لوركا. أصدر أول مجموعة شعرية بعنوان (مهاجرون في أرضنا) عام 1979 وهو العام الذي أطلق فيه سراحه.

بعد خروجه من السجن أكمل باكا تعليمه الجامعي فنال شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة نيومكسيكو وقام بتكريس حياته لمساعدة من يحتاجون إلى من يعينهم على التغلب على صعوبات الحياة، فأقام المئات من ورش تعليم الكتابة في السجون والمراكز الاجتماعية والمكتبات والجامعات في أنحاء الولايات المتحدة، وأنشأ عام 2005 مؤسسة تحت اسم (شجرة السدر))تعنى بتوفير التعليم المجاني وفرص تطوير الحياة لمن بحاجة إليها فضلا عن توفير فرص الدراسة والمواد الكتابية والكتب وغيرها.

تتميز أشعار وكتابات باكا بصلتها الوثيقة بثقافته الأصلية وما تتضمنه من تراث شعبي وأساطير فضلا عن تعلقه بالأرض والتاريخ وتعبيره عن موضوعات أثيرة في الشعر الأميركي عموما مثل موضوعة البحث عن الهوية أو العودة إلى الجذور، وكان لتجاربه الحياتية القاسية أثرها البالغ في شعره. حازت مؤلفاته على جوائز عديدة، ومن بين عناوين مجموعاته الشعرية (قصائد ميسا السوداء) 1989 و(العمل في الظلام) 1992 و (أضرم النار بهذا الكتاب) 1999.

 

 

2902 victor pelevin 1بقلم: / فكتور بيلفين

ترجمة: صالح الرزوق


 أغلق شارلز داروين الرتاج، وكان فوق رأسه، بدوي صاخب، وهكذا غابت أصوات الرجال الجالسين في الأعلى على الرصيف، ثم انزلق بصمت تحت الرصيف. تمسك بيده بالسور، الذي يلمع من الاحتكاك براحات أيدي الناس، وقبض على جسم الشمعدان المزود بشمعة سميكة بيده الأخرى. وحينما ابتعد عن آخر سلمة وسمع صريرها، أفلت السور وتقدم للأمام بحذر بالغ. كانت الأرض مغسولة، وجاء من الشمعة ما يكفي من الضوء ليميز الجدران الخشنة، وبرميلا دبقا، وعدة حبات بطاطا ملقاة على الأرض، وصفوفا طويلة من حاويات خشبية متشابهة محاها الظلام المتزايد بالتدريج. وكانت الحاويات مثبتة على الجدران بأسلاك قوية، وممدودة على طرفي الممر. تقدم داروين عدة خطوات إضافية، وأمكنه مشاهدة عدة براميل نبيذ وبضع أكياس مكومة في العتمة بمحاذاة الجدار. واتسع عرض الممر. وفي نهايته شاهد شيئا يتحرك. تقهقر داروين مرعوبا، ثم أدرك فورا ما هو، فقد هبت نسمة من عمق الظلام، وجعلت النار ترتجف، والخيال يتأرجح. وبدا له ذلك مثل شيء يتحرك أمامه. وبعد أن مر داروين بجانب كل الحاويات المصفوفة على الجدران، وجد نفسه في باحة واسعة إلى حد ما. كانت الزوايا مليئة بالنفايات: بقايا أشرعة قوارب، أوان مسودة، وألواح مكومة كيفما اتفق. وتأرجح قليلا جزء من سلك أمام وجهه. رفع داروين ذراع الشمعدان ونظر للسقف. كان السلك مربوطا بخطاف ضخم مثبت بخشب السقف الخشن. دار حول السلك بحذر، وقام بعدة خطوات حول المتاح من الأرض واقترب من طاولة ودكة قرابة الجدار. شم رائحة رطوبة وفئران، ولم تكن منعشة. في الواقع حولت الفضاء لما يشبه جو البيت. كانت عصا طويلة متكئة على الجدار بجوار سلة مفتوحة لها غطاء منسوج. كانت الأشياء التي تركها بالأمس هنا في مكانها. رمى داروين للجانب طية طويلة من معطفه، وجلس على الدكة، ووضع الشمعة على الطاولة، ونظر بتأمل في الظلام. نظر للأشياء وظلالها البارزة من الزوايا المعتمة، وفكر:”ألا يجد العقل البشري طريقه بسلوك يشبه هذه التعمية؟. ألا نجد في الظلمة بعض الترابطات المتاحة لذكائنا بنفس هذا الأسلوب ونحاول توظيفها في فهمنا لهذا العالم؟. ها هو برميل، وبعده حاوية، ولكن كما أرى إنها لا تشبه على الإطلاق بقية البراميل والحاويات الموجودة في كل مكان، أينما تذهب.. لماذا أفكر بالحاويات؟. الحاويات لا تهم. ما يهم هو أن لامارك ينتقي أحد وظائف الوعي البشري ويحولها ميكانيكيا إلى طبيعة.  هو يتكلم عن تطور تجريدي للحياة من أجل الكمال الذاتي. ولكن إذا كان التطور حقا هو السبب الأساسي للتحسن والتحول في العالم الطبيعي، كما يؤكد لامارك، ستكون كل الكائنات الحية مثالية ذاتيا وعلى نفس الدرجة من الجودة. والحقيقة نحن نرى شيئا مختلفا تماما!. نوع يسمح بالمرور لنوع آخر، ثم نوع ثالث يحل محل الثاني... 

بالأمس أكدنا أن للظروف التي نشأت فيها الحياة تأثيرا حاسما. ولكن بأي طريقة؟. لماذا يموت نوع ويزدهر غيره؟. ماذا يحكم آلية التحسن؟. وأية قوة تتسبب باستمرار الحياة بأشكال جديدة؟. وكيف يمكن أن نصل للانسجام مما يبدو لنا في النظرة الأولى أنه فوضى شاملة...؟”.  عزفت بهدوء ساعة بيرغوت المودعة في جيبه ألحانا من أوبرا “روبرت الشيطان”، فانتبه داروين من غيبوبته. وكالعادة أخذته أفكاره بعيدا - لمسافة بعيدة جدا، وحينما فتح عينيه، لم يعرف مباشرة أين هو وماذا يفعل. قال لنفسه:”والآن هيا إلى العمل. سأتابع من حيث انتهيت البارحة”. نهض من جلسته، واقترب من الجدار، والتقط عصا، ورفعه فوق رأسه وضرب به على السقف ثلاث مرات. بعد لحظة ردت ثلاث دقات. ضرب داروين السقف مرة إضافية ثم أعاد العصا لمكانها. وتخلص من معطفه وعلقه بأناقة على الكرسي. كان يرتدي صدارة سوداء مصنوعة من الجلد السميك، ومغطاة بكثافة بأشواك معدنية قصيرة. خفف من الرباط حول صدره، وتراجع عن الطاولة وبدأ يؤرجح ذراعيه ويقفز في مكانه ليدفئ عضلاته قبل بداية التجربة. ولكن تقريبا لم يكن لديه وقت للجمباز. سمع في الظلام صوت فتح القفل، ثم أصوات متوعدة وغرغرة مكتومة. وسقطت حزمة من الضوء للحظة على الممر الذي جاء منه، ثم بسرعة تم إغلاق القفل بصوت مدو، وخيمت الظلمة والهدوء مجددا. ومرت عدة دقائق وقف خلالها داروين بلا حراك قرب الطاولة، بمحاولة جاهدة ليستمع. وأخيرا جاء صوت خربشة من الظلام البعيد المنتشر وراء الفسحة المضيئة - صوت جر شيء ثقيل. وصرت ألواح الخشب. وانطلق صوت شيء يشبه الضحك من مسافة بعيدة، ثم طار برميل من الممر وتدحرج حتى قدمي داروين. ضحك داروين وتنحى جانبا. فتدحرج البرميل لمسافة أبعد، وارتطم بكيس دقيق واستقر بمكانه. الصمت مجددا. فجأة أصاب شيء صلب صدر داروينثم سقط على الأرض. قفز داروين جانبا وشاهد ثمرة بطاطا كبيرة أمامه. وطارت حبة بطاطا أخرى من وراء الحاويات وأصابت كتفه. تقدم داروين للأمام، وباعد ما بين قدميه، المتعبتين من بوط ثقيل، ومال للأمام وصفر بصوت مرتفع. فظهر شكل غامض في الممر، ثم حرك ذراعه وألقى حبة بطاطا أخرى مرت قرب أذنه. التقط داروين إحدى البطاطات من الأرض وسددها ثم بكل قوته ألقاها على منتصف الخيال المبهم. ومن الظلام جاء صوت صياح استفزازي تحول إلى شخير هادئ. ثم جاء نحو داروين خيال غاضب ضخم. كان يزمجر ويهدد، وتقدم الخيال ثم جمد عند حدود الدائرة المضيئة. والآن أصبح واضحا تماما. ومع أن داروين معتاد على المنظر، تراجع أوتوماتيكيا للخلف. وأمامه وقف غوريلا عجوز، يميل للأمام ويستند على ذراعين طويلتين لامستا الأرض. كان رأسه مدببا ووجهه بارزا، ويعطيه مظهر طفل مشوه ملأ فمه بكمية كبيرة من الأطعمة. كانت شفتاه متجعدتين ومنتبجتين، وأنفه - أفطس وداكن، ولكن عيناه البشريتان لهما نظرة عنيدة وكسولة. ومن خصره نحو الأعلى كان يبدو ضخما ومنتفخا مثل أحد الزوار اليوميين لحانات إدنبرة  - شخص من عشاق البيرة الذين يتخلون عن قمصانهم في الحر.          

كانت هناك تجاعيد سميكة على صدره الأمرد تقريبا وتشبه ثديين متهدلين - وزاد من هذا التشابه حلمتاه الداكنتان الضخمتان - ولكن داروين يعلم أنه لا توجد ولو أونصة واحدة من الدهون في عضلات المخلوق الفولاذية. مع ذلك هناك شيء أنوثي في خصلات الشعر الطويلة ذات اللون الأشهب التي تنمو على جانبي جسمه الخارق، ووركيه العريضين والمصمتين وبطنه المنتفخة. رفع القرد - إنسان الغاب - ذراعيه ثم ضرب بقبضتيه برشاقة على الأرض. ورد عليه داروين بتثبيت قدميه، وبالصفير مجددا ثم التقدم للأمام. التقت العيون، وشعر داروين أن القرد فهم كل شيء كما يجب. ولكن لم يكن يعلم كيف ولا بأي صورة عكست الإدراكات الحيوانية حقيقة ما يجري، غير أنه شعر أن القرد على شاكلته، مستعد للمعركة الأخيرة، وجاهز للمواجهة العنيفة والمتوحشة من أجل البقاء في عالمه البدائي. وفهم داروين ذلك من إشارات تفهمها عينه المدربة. كانت الرقبة القصيرة للقرد المذكر ملتفة، والثنيات العميقة التي تغطيها تتمدد وتتقلص، وهذا شيء طبيعي. فإنسان الغاب يطيل جلد رقبته كلما تعرض للإثارة أو الضغط. وأحيانا يغلق عينيه للحظة ويتنفس “بهدوء” ويبدل من القدم التي يرتكز عليها بثقله - يلقي وزن جسمه الثقيل على أصابعه الأمامية، والتي تكون ملامسة للأرض.  تقدم داروين من إنسان الغاب ببطء، وتأمل كفيه الأماميين. وحينما اقتلعهما عن الأرض، جلس بسرعة. وحرك كفه الضخم لما فوق رأسه وقبض على الهواء الفارغ. أصبح داروين الآن على يمينه. فوقف فجأة وحاول أن يمسكه مجددا، فأطلق داروين نفسا عميقا وضرب القرد على صدره. وللحظة عابرة فقد القرد توازنه وحرك  ذراعيه بحماقة وطيش. ضرب داروين أنفه الأفطس الداكن بلطمات قصيرة ودقيقة، فانهار القرد على الأرض، ولكنه قفز فورا. وزعق “ووووووو”. صفر داروين وقفز القرد المذكر حوله دون أن يقترب منه كثيرا. تحرك بالارتكاز على ذراعه وقذف ساقه القصيرة المغطاة بالشعر بعيدا باتجاه جانبي. وراقبه داروين مع ابتسامة باردة، وهو يدور حول نفسه كي لا يغفل عن مكان القرد. توقف القرد، وأبعد ذراعيه عن الأرض ودق على بطنه بيدين مضمومتين رماديتين. وزعق مجددا “ووووو” وأفلت راحتيه وفتحهما. قفز داروين بسرعة وصدره للأسفل، وسقط كلاهما على الأرض. وحينما كانت أصابع داروين تضغط على حنجرة القرد المجعدة، لف ساقيه بإحكام حول بطن القرد البارزة. وحاول القرد أن يلتف بعيدا ونجح في الإفلات عدة مرات من تحته، لكن داروين تمسك به وضغط بأصابعه بقوة مضاعفة. ولبعض الوقت دقت راحة القرد على جانبه بطياشة بالغة لكن كانت الضربة ضعيفة، ثم فجأة قبض على شعره من الجانبين - من المؤكد أن القرد أراد أن يقبض على حلقه، غير أن داروين توقع ذلك ووضع ذقنه بمحاذاة صدره لحمايتها. وضغط القرد بقوة أكبر على صدغيه وجر داروين نحوه، وتقريبا وضع وجه داروين لصق وجهه. ثم استلقى القرد والرجل بلا حراك لدقيقة من الوقت. ولم يعكر الصمت غير صفير الأنفاس اللاهثة. وفكر داروين وهو مشمئز من رائحة فم القرد المزعجة:” أساسا الطبيعة واحدة. وهي عضو ضخم واحد. ولكن عدة مخلوقات وأنواع تنفذ كل بطريقتها وظائف الأعضاء والخلايا المختلفة. وما يبدو من أول نظرة معركة لا تصالح فيها في سبيل الحياة، هو عمليا لا يزيد على أن يكون تجديدا ذاتيا للعضو، وهي آلية مشابهة لما يجري في أي شيء حي حينما تموت الخلايا المسنة وتتنحى، لأسباب طبيعية، وتحل محلها الخلايا الجديدة وتأخذ مكانها... ما هو الوجود المستقل من وجهة نظر الأنواع؟. ما هو وجود الأنواع من وجهة نظر كل شيء على قيد الحياة؟. إنه وظيفته ودوره..”. لم يتحرك الجسمان. حدق زوج من العينين بالزوج الآخر. وتقابلت كتلتان، واتحدتا كما في عناق عاشقين، ولكن واحدا منهما فقط يمكنه أن يفوز، واحد فقط يمكنه أن يعيش والآخر، الأقل قوة والأقل استحقاقا للحياة، يجب أن يموت ويصبح طعاما لملايين المخلوقات المختلفة - الكبير والصغير والذي لا تراه العين أبدا - عليه أن يقاتل حتى الموت وفناء آخر خلية حية. فكر داروين وهو يجمع قواه لآخر جولة:”وهكذا إن المعركة الوحشية بين كائنين حيين هي مجرد تقابل بين ذرتين موجودتين، نوع فريد من التفاعلات الكيميائية. في الحقيقة نحن واحد. نحن خلايا لمخلوق لا يفنى ويأكل باستمرار نفسه، واسمه الحياة. الطبيعة لا تميز بين فرددددد..”. والتف إنسان الغاب، وقوس ظهره، وتدفقت منه همهمتان مليئتان بالكراهية وتحولتا إلى عواء طويل من المعاناة وحب الحياة. ولعدة دقائق كان هناك ما يشبه جسد واحد من أربعة أذرع وأربعة أقدام - وكان من المستحيل أن تحدد لمن تعود هذه الأطراف وهذا الجسم. يد قبضت على بلعوم. ويد جرت خصلة من الشعر. جذع مرتعش التصق بالثاني. وطقطقت الأضلاع، وصرت الأسنان، وبرزت الأنياب. ثم تبع ذلك فقاعة من اللعاب والغرغرة. وطرقت كعاب الأقدام على الأرض. وقاتلت كل خلية من العضلات المشدودة في معركة حتى الموت، وحاولت أن تستعمل كل القوى المخزونة فيها، كما لو أنها تشعر أن هذه هي آخر فرصة. ضغط الورك القوي على الحضن، وانتفخت السرة. والتحمت سمانتا الساقين. ونفخت ثقوب الأنف، وتدلى لسان أزرق ملبد من الفم. وارتجفت للحظة إرادتان متنافستان فوق الميزان. ولكن كانت النتيجة قد ظهرت - أحدهما انطوى على نفسه، واستسلم، وانهار وانصهر تحت ضغط الآخر. مرت عدة ثوان. اثنتان من العيون الأربعة أصبحتا غائمتين بالكراهية وابيضتا بالتدريج. وأصبح داروين قادرا على إدراك وعيه ثانية. هز رأسه، وأرخى أنامله حول الحلق المغطى بالشعر ونهض ببطء على قدميه. وهمهم كل جسمه. وآلمه ظفر مكسور في يده اليمنى، وأنت ركبته المصدوعة، ولكن لا شيء من ذلك يمكن مقارنته مع المشاعر التي خرجت من أعماق قلبه، وبالتدريج وصلت إلى عقله. وبيد مرتجفة نحى بعض النفايات عن صدره. وفكر يقول لنفسه:”يجب دائما أن تنظر للانتصار في سبيل البقاء الذي يترسب وراء قناع مقطب الملامح قوامه المعاناة والموت. جوهريا لا يوجد موت. ولكن لدينا مخاض لولادة عالم جديد ومثالي. وبهذا الخصوص كان لامارك مصيبا تماما”. نظر حوله. كل محتويات الأشياء الموزعة حوله - الحاويات، الأكياس، والبطاطا المتدحرجة على الأرض - أصبح لها قيمة جديدة. كل شيء تعمد بوهج الانتصار وبرز من داخلها الجمال المدفون فيها، مثل عذراء تخلع النقاب الذي تغطي به وجهها لتسفر عنه للمحارب الذي سباها. كانت الحياة عظيمة. تراجع داروين، على ساقين متوترتين بسبب الجهد الأخير، نحو الطاولة التي كانت عليها شمعة تحترق. وجلس على الدكة. ولم تتبادر له أفكار جديدة لبعض الوقت. ثم نظر لقبضته المغطاة بالشعر والخدوش، وتذكر لامارك. قال لنفسه:”ليس وعي الطبيعة هو المكافح في سبيل تحقيق حالة مثالية. نحن نشاهد الانتخاب يلعب دوره، والأضعف يتنحى أمام الأقوى. ولذلك إن نوعا معينا يستبعد آخر ويستعمر البيئة. ولكن السؤال الآن: ماذا يحدد بالضبط مستوى الكفاءة؟. هل هي القوة؟”. ونظر لقبضته مجددا. على قفا يده شاهد الوشم الذي يصور ثلاثة تيجان غامضة تحيط بكتاب مفتوح. وعلى صفحات الكتاب مكتوب بحروف زرق عريضة “الرب هو ضوئي - Dominus illuminatio mea”. وارتعش عرق مزرق بسرعة بين كلمتي “دومينوس” و“إلوميناتو”. وفكر داروين:”كلا. لو أن المسألة مسألة قوة بدنية، لسكنت الأرض عمليا الفيلة والحيتان. من الواضح أن المسألة شيء آخر. ولكن ما هي؟. أحيانا أشعر أنني قريب جدا من اكتشاف الإجابة..”. وضع يده على جمجمته القوية الموجودة في رأسه، وانزلق بغيبوبة طويلة. ارتعش لسان الشمعة قليلا، وذاب الشمع، وجاء صوت من فأر غير مرئي. غرق داروين بتفكير عميق. كان خياله الضخم لا يتحرك أبدا كأنه تمثال. ثم تململ قليلا. وقف، والتقط عصا مستندة على الجدار، وطرق على السقف أربع مرات. وردت أربع ضربات خفيفة فورا من الأعلى، طرق داروين مرة إضافية على السقف. ثم أعاد العصا لمكانها، وانحنى على السلة، وحمل غطاءها النسيجي، والتقط موزتين خضرواين. أودعهما في جيب سرواله الأسود العريض، وحل أزرار قميصه، وجره لفوق رأسه ورماه على الطاولة بجوار معطفه. وحينما أغلق القفل غير المرئي بصوت مسموع، وأنت ألواح الخشب على طول الممر تحت خطوات ثقيلة وبطيئة، كان داروين قد استكمل استعداداته. في هذه المرة لم تنهمر عليه ثمار البطاطا - وتحرك الضيف الجديد دون أي هيجان. وحينما تحرك، لم يجر أصابعه على الأرض. تحرك بثقة، ودون تهور. وظهر غوريلا مرعب في دائرة النور. وكان مغطى بشعر أسود متجانس - فقط كان وجهه ويداه دون شعر، وكان له شكل عملاق يرتدي بذة سوداء ضيقة. وشعر داروين فجأة أمامه أنه صغير وضعيف. كان كتفاه عريضين، ولكن قامته أقصر. فكر يقول:”وإذا”. تنفس ووقف بصلابة واستقرت الأرض تحت قدميه. قال لنفسه:”إنها ليست مسألة قوة متوحشة جبارة. ماذا يحدد خيارات الطبيعة إذا؟. ربما أن تكون قادرا على التأقلم مع ظروف الحياة؟. القدرة على استعمال أفضل لما تقدمه لك البيئة؟”. تقدم خطوة من الغوريلا. كانت عيناه الصغيرتان غائرتين في جمجمته، وتنظران من تحت حاجبيه المقوسين بحذر، ولكن دون خوف. كان فمه مثل ندبة مشوهة. وأمكن لداروين ان يشاهد إحدى أذنيه حينما التفت الغوريلا برأسه لينظر لجثة من سبقه. وكانت أذنا الغوريلا شبيهتين تماما بآذان البشر. وحينما شاهد الغوريلا الجثمان الميت ثارت ثائرته. صدر عن الحيوان همهمة منخفضة، كنواح كلب، وأبرز أنيابا صفرا ضخمة. استدار لينظر إلى داروين، والذي لم يهدأ ولو لحظة واحدة. قام داروين بخطوتين سريعتين، واستعمل كل قوته ليقفز عن الأرض ويقبض على سلك متحلزن يتدلى من السقف. وتأرجح بدنه نحو الأمام مثل بندول عملاق. وحينما فصلته عن الغوريلا مسافة تقل عن يارد واحد، تراجع الغوريلا بخوف، ورفع داروين ساقيه بسرعة نحو بطنه، ثم ركل الوجه العريض الممسوح بكعبي قدميه. في آخر لحظة حاول القرد أن يتراجع، ولكنه لم يكن سريعا بما يكفي. وكانت الركلة قوية. التف الغوريلا على نفسه، وفقد توازنه وسقط بقوة على الأرض. أصابت القرد الدهشة البالغة. وسقط واستلقى بلا حراك. قفز داروين برشاقة للأسفل على الأرض واقترب منه. وفكر:”ما هي الكفاءة إذا؟. ماذا يحدد إذا كان كائن جاهزا للحياة في بيئة معينة؟. القابلية للبقاء؟ ولكنها دائرة شرسة. الكفاءة تحدد القدرة على البقاء، والقدرة على البقاء تحدد الكفاءة. كلا. لقد فقدت خيط المنطق...”. سحب ساقه ليضرب، ولكن في تلك اللحظة فتح الغوريلا عينيه وزحف عن الأرض. وأطبق بفكيه على بوط داروين. ولحسن الحظ أن داروين تمكن من جر قدمه وتحريرها، وغاصت أسنان الوحش في الكعب، وعض الساق المعدنية الغليظة. وانسحب داروين وخرجت قدمه من البوط. وبقفزة واحدة وقف الغوريلا على قدميه. وبغضون ثوان عض البوط ومزقه ليصبح كتلة بلا شكل من جلود ممزقة. ألقاه جانبا، واقترب من العالم، وزمجر، وأشهر مخالبه. وانتصبت موجات الشعر التي تغطي رأسه. وفكر داروين:”ربما كانت قوانين الطبيعة كونية. ولكنها تعلن عن نفسها في حياة كل نوع بدرجات مختلفة؟. ذلك هو شكل من أشكال التداخل بين الأنماط المختلفة وبمجموعها تحدد نتيجة الانتخاب الطبيعي؟".

وصاح:” غوررررر”. قفز الغوريلا للخلف خطوة. سحب داروين موزة من جيبه، ولوح بها أمام وجه الغوريلا ثم رماها نحو السقف. جرح الوحش رأسه وهو يلقي مخالبة إلى الأعلى بمحاولة للقبض على الموزة، ولكن في تلك اللحظة لوح داروين قدمه العارية وركل بها بطن القرد الأعزل. شهق القرد وانكفأ على نفسه ثم أصابه خطاف قوي ألقي من جهة اليمين ورماه على الأرض. وسقط الحيوان على صدره، ولم يضيع داروين وقته، قلبه على ظهره وقبض على حلقه وضغط بقبضته الفولاذية بقوة فادحة. وفكر:”المثقف أو حتى المثقف المبتدئ - يزيد من فرص النوع بالبقاء أثناء المعركة مع أنه أضعف بالقوة البدنية...”.

وبدأت معركة البقاء. جمع الغوريلا قواه بعد أن سقط على الأرض، وزمجر وحاول أن يتدحرج على ظهره. لكن داروين فتح ساقيه على وسعهما ليمنح نفسه موقعا أفضل ويضاعف قوته. وتنحنح الغوريلا وسحب كفه للخلف. وشاهد داروين اليد المجعدة مع الجلد بين الأصابع الوسطى التي حاذت وجهه. لكنه قبض على شعره. غشيت عينا داروين من الألم وضعفت قبضته. واستفاد الغوريلا فورا من ذلك وتدحرج على جانبه بالتفاتة قوية واحدة. وتوجب على داروين استخدام كل قواه ليثبته بمكانه - لو استدار الغوريلا قليلا فقط لفقد كل وسائل الدفاع عن أسنانه. وناح داروين وشعر أنه على وشك أن يفقد وعيه. شيء ما التمع أمام عينيه، ثم شاهد بوضوح، مثل نقوش عميقة، بيتا من ثلاثة طوابق ينتصب على ضفة النهر، وينمو عليه اللبلاب حتى قرابة السقف - بيت شروسبيري الذي أنفق فيه طفولته. شاهد غرفته مزدحمة بصناديق تحتوي على قشور وبيض العصافير. ثم شاهد نفسه، حينما كان طفلا، بمعطف غير مريح وضيق، يتجول على طول البحر خلال الجزر، وينظر لرخويات وأسماك يحملها الماء. ثم شاهد بوضوح الوجه الملهم للأستاذ غرانت، أول معلم له، وكان يتكلم عن الأشكال البدائية لدودة العلق والحزازية، ثم مرت وجوه أخرى، شاهد صورها فقط لكنها كانت حية على نحو غريب - وجده إرازموس الذي مات قبل سبع سنوات من مولده. وكارل لينيوس وجين باتيستا لامارك، وجون ستيفنز (وسرعان ما تذكر الملاحظة المكتوبة تحت لوحة الخنفساء النادرة في كتاب الحشرات البريطانية “قبض عليها ش. داروين المحترم”). كل تلك الوجوه كانت تنظر إليه بتفاؤل، وكلها تنتظره ليجد القوة في داخله ليفوز ويتابع العمل الذي باشر به، وجميعا أرسلوا له المعونة والدعم عبر ظلام السنوات والمسافات. وفكر داروين يقول لنفسه:”ليس لدي الحق بالموت. لم أبرهن على كل شيء بعد.. لا يمكنني أن أموت الآن”. واستعمل قوة بشرية خارقة، وشد كل عضلات جسمه الضخم ولف يده على رقبة القرد المنبطح تحته. وسمع صوت كسر الرقبة الخافت. وتحول الغوريلا في قبضته القوية إلى جثمان، ولكن لبعض الوقت لم يتمكن داروين من تحرير يده وبقي مستلقيا على الحيوان، بانتظار أن تعود أنفاسه لطبيعتها. وفكر:”نعم، لا تكفي الثقافة وحدها دون الإرادة. إرادة الحياة. يجب أن أفكر بكل شيء مجددا”. وقف على قدميه، وتحرك ببطء نحو الطاولة، وألقى معطفه على كتفيه والتقط الشمعدان بشمعته المشتعلة. وكان صدره الجريح ينزف، وساقه تؤلمه، ورقبته المشدودة تلتهب - مع ذلك خالجه الشعور بالسعادة. كان على بعد خطوات من الحقيقة، ومن نورها الوضاء - لا تزال غير براقة لكنها مرئية بوضوح - وتنير له ظلمات روحه. وقف داروين فوق الغوريلا الميت، ودار حول ساقي إنسان الغاب المفتوحتين بوضاعة، ثم اتجه إلى الباب. وحينما فتح القفل وواجه الشاطئ، أعماه ضياء الشمس. لبعض الوقت طرف بعينيه بسرعة، وتمسك بالسور، حتى اقتربت عدة أذرع لمساعدته في الصعود إلى الرصيف. غطى داروين وجهه بيده. وحينما اعتادت عيناه على النور، فتح جفنيه وشاهد النور الساطع اللامتناهي للمحيط والطيور البيض التي تحوم وتطير فوقه. وعلى مبعدة، فوق سفينة منخفضة، ومن خلال فراغات شبكة مرتجفة، شاهد الشاطئ الأخضر لجزيرة غير معروفة، كانت تختفي تحت السفينة ثم ترتفع مجددا. صاح صوت القبطان قرب أذنه:”سيد شارلز، هل أنت على ما يرام؟”.  دمدم داروين يقول:”أستحلفك بالله لا تخاطبني بكلمة سيد”.

قال القبطان بثبات:”صدقني إنه لشرف لي و لكل الطاقم أن نرافقك بهذه الرحلة”.

صنع داروين بيده حركة خفيفة. وتأكيدا لكلام القبطان، انفجرت أسلحة بجواره وارتفعت غمامة من دخان أبيض فوق الماء.

رفع داروين عينيه. وقف البحارون بصف واحد على طول جانب السفينة - تقريبا كل الطاقم. وعشرات الأعين نظرت إليه بمحبة، وحينما لوح نائب القبطان بسيفه، وكان واقفا أمام الصف ببذته الرسمية، انطلقت صيحة “هوراه” ووصلت لكل أرجاء الرصيف والبحر. قال داروين:”أهيب بك أن لا تفعل. فعلا - هذا لا يريحني”.

قال القبطان:” أنت فخر بريطانيا. كل رجل من هؤلاء سيروي قصصك لأحفاده”.

شعر داروين بالتحسس والإحراج، ونظر بعينين زائغتين لصف البحارة. وسار على طول الرصيف. وبقربه، في محاولة للمتابعة، رافقه القبطان، ووراءه هرع مجدف الزورق بقفازات بيض، وبيده سطل يحتوي على زجاجات الشمبانيا الباردة. هبت الريح الرطبة على معطف داروين، وشعر ببرودة مريحة في صدره العاري، وعادت إليه قواه بسرعة.

سأله القبطان:”بماذا تفكر؟”.

“أنا أفكر... آه، يا إلهي. هل يمكن أن يتوقفوا عن الصياح”.

لوح القبطان بيده وصمت صوت “هوراه”. وتابع داروين بجفاء:”أفكر ببحوثي”.

قال القبطان:”سيد شارلز. حينما أفكر بآرائك الشجاعة وبالمدى والعمق الذي بلغته، ينتابني الدوار. أعلم أن أفكارك قد لا تكون مفهومة لضابط بسيط من ضباط جلالتها، ولكن لا أعتبر نفسي جاهلا حقا. أنا أيضا درست في أكسفورد...”. وبحركة سريعة، رفع القبطان كم معطفه وعرض على داروين الوشم: ثلاثة تيجان زرق وكتاب مفتوح يحمل العبارة المعروفة. وانبسطت تعابير داروين. وقال:”أنا درست في كامبريدج. ولكن ليست هذه هي المسألة. أنا أفكر بمشكلة البقاء. أن تكون حيا شيء رائع، أليس كذلك؟. إنما المعركة وحدها هي التي تبعث فيك المسرة والمتعة - معركة قاسية وحامية الوطيس من أجل أن تنتزع حقك بتنفس هذا الهواء. انظر للبحر ولتلك النوارس. هل تفهم ماذا أعني؟”.  ورفع عينيه للقبطان، وأومأ القبطان بحكمة مثل شخص لم يفهم تماما معنى الكلمات التي انصبت عليه ولكنه يفكر بها بعقله ليستنتج حكمة من معانيها لاحقا، حين يكررها لنفسه وهو بعزلته عدة مرات. تقابلت عيونهما، رفع داروين ذراعه وألقاها على كتف القبطان. وفجأة بدا أن عيني القبطان فقدتا اللون - وتحول الإعجاب تقريبا لرعب ملحوظ. ابتسم داروين وخفض ذراعه. وتقريبا شعر أن جدارا يفصله عن بقية الناس، الناس العاديين المهمومين، وكان يصعب أن تعيش بينهم إذا كنت تنتمي للأبدية والتاريخ. وحتى لا يربك القبطان، نظر داروين لصف طويل من الأقفاص الموجودة على متن السفينة. عشرات من القردة العملاقة نظرت إليه من وراء قضبان أقفاصها بلا أية عاطفة. بعضها مد راحته خارج الأقفاص المشبكة، بعضها جلس مقاطعا ساقيه مثل الأتراك حين يتربعون على الأرض، وبعضها كانت تتحرك بتململ. وضع داروين يده في جيبه، وتحسس شيئا رطبا ولزجا. وأخرج موزة مسحوقة. وكانت تلتصق بها عدة خصل من شعر أسود محمر. رمى الموزة بعيدا والتفت للقبطان، وقال:”بغضون ساعتين اسمح لآخرين بالدخول. ربما اثنان وهذا يكفي لهذا اليوم. أما الآن...”.

سأله القبطان بانتباه:”بعض الشمبانيا؟”.

قال داروين:”شكرا. شكرا. يجب أن أتابع العمل. وبصراحة أعاني من صداع فظيع”.

***

......................

* ترجمتها عن الروسية: ميشيلي أ. بيردي

* فيكتور بيلفين Victor Pelevin: كاتب روسي معاصر. حاز على البوكر الروسية عام 1993. ينتمي لـ “جماعة الصراحة الجديدة”، وهي حركة روسية نقدية تدمج الخيال العلمي مع الفلسفة وما بعد الحداثة.  من أهم أعماله: حياة الحشرة 1993، أصبع بوذا الصغيرة 1996، الجيل باء 1999، شمس حرة 2020... 

 

 

2892 Philip Metresبقلم: فيليب ميترز

ترجمة: صالح الرزوق


 إن لم تكن منحوتة من حجر

هي قطعة لازورد

مهاجرة من بلاد فارس،

ومهربة من الفارسية

إلى العربية، وملقاة

مثل طائر من غير أجنحة

عبر سماء - بحر مظلم

إلى أن تفيض

صورتها من الأفواه الإنكليزية.

فتقول: لابيس لازولي.

يا فخ الروح الجميلة،

أنت خيال..

منهك في آخر يوم

من صيف لاهب كالفرن

ها أنا أغادر المنزل

وأدخل في حقيقة غسقية

زرقاء: لا اسم آخر أفضل

من لازورد، لازورد،

ولا بيت آخر

مثل لون السماء المنبثق

والمخيم فوق هذه الأرض،

ولا طريق إلى النعيم

إلا من خلال هذا التراب.

***

...............................

* المصدر: مجلة “شعر” الأمريكية. عدد أيلول 2021.

* فيليب ميتريس Philip Metres شاعر أمريكي معاصر. له عدة مجموعات شعرية من أهمها: كي تشاهد الأرض 2008، انتظام أوراق النبات 2013، أوبرا رملية 2015، صور في معرض 2016، خريطة الشظايا 2020. يعمل بتدريس الأدب الأنكليزي في جامعة جون كورنيل، أوهايو/ الترجمة بإذن مسبق من الشاعر.