 ترجمات أدبية

أدريين أودول: شَجَرَةُ التٌينِ الْمَلْعُونَةُ

قصة قصيرة بقلم : أدريين أودول

ترجمة: عبد الله هاشي


اعتاد عمر على السير بقطيع الغنم صوب الهضاب حيث تنتشر المراعي المعشبة المترامية على خاصرة مدينة تارودانت. تنقضي عليه خلف الخرفان ساعات النهار تمتلئ بكل ألوان السأم والبطء والضجر. أحيانا، تشاركه رفيقته فاطمة الزهراء متاعب الرعي وضنك المكوث على امتداد النهار في الحقول والشعاب الخالية.

كانا، معاً، يقضيان أوقاتهما ينشئان هنا وهناك مواقد صغيرة يطبخون على نيرانها كل شيء وأي شيء تقع عليه أياديهما : ما يتيسر من الفطر، ومن سيخ الجراد، ومن نبات العسقل الذي تملك البنت الصغيرة إلماماً بمكنون أسراره، وفي بعض المرات عصفوراً يسقطه عمر بضربة المقلاع. وبالقش كانا يستخرجان ألوانا من النغمات ومن النبرات الموسيقية؛ وبأعناق الأوراق الكبيرة وبالسيقان الغليظة للنباتات ينجحان في إطلاق صافرات متعددة الطبقات والاصداء .  كانا لا يشبعان من ممارسة لعبة الكعب، وكثيرا ما يهيمان في أشكال من الهذر ومن الثرثرة التي لا تنتهي لحد ما تنهدٌ بين جوانحهما الخلجات وتخور الانفاس .  كانت فاطمة الزهراء ذات ثلاثة عشر عاماً ؛  أما عمر فذو ثماني سنوات.

وإلى الجانب الأسفل من الهضبة النازلة في منحدر خفيف، ينحفر واد صغير تعبره طريق مرسومة بحوافر البهائم وبأقدام العابرين، متقلبة الاتجاهات، تقوم على جانبها شجرة تين طاعنة في القدم، قليلة الارتفاع، متشابكة الأغصان، تمارس ظلالها الكثيفة على الرعاة غواية تستهوي اليها الافئدة وتجتذب النفوس. لكن عمر وفاطمة الزهراء يحرصان شديد الحرص على عدم الاقتراب منها بسبب ما سمعا عنها من الحكايات التي تشتهر بها كشجرة تين ملعونة حاملة للشؤم، يتميز ظلها الآسر في مخيلتهما كمرتع غامض للمصائب والنحوس.

في اللحظات الأخيرة من ظهيرة ذلك اليوم الشديد القيظ، انتبهت فاطمة الزهراء الى أن عنزاتها الثلاث قد انفصلن عن خرفان عمر وسرحن عبر المساحة المعشوشبة تحت ظلال شجرة التين  السيئة الذكر.  فانطلقت على التوٌ تركض، مشمولة بسورة انفعال عنيفة، وهبطت مسرعة عبر الهضبة المنحدرة للحاقهن وطردهن بعيداً عن المكان. وعندما جفلت العنزات وابتعدن مذعورات، رجعت لسبب ما – لأي سبب يا ترى؟ - الى الشجرة، فاستلقت على عشبها النديٌ، واستسلمت لظلالها اللذيذة تنشد استرجاع الانفاس، أخذ قليل من الرحة، مداعبة أطياف حلم عابر، وربما، أيضاً، مجابهة القدر المحتوم بالازدراء وبالسخرية وبالتحدي. ناداها عمر بكل ما امتلأت به جوانحه من مشاعر اللهفة والذعر والقلق؛ غير أنها لم تكن تسمع نداءه.

ومن الجهة الأخرى، تناهت الى مسامع عمر ضوضاء متصاعدة لموكب من الفرسان قادم يحث السير مسرعاً على الطريق المرسوم في مجموعة من نحو نصف دزينة من الخيالة أحدث وصولهم زوبعة من الغبار بسطت رداءها المعفر على مجموع الفضاء. هرع عمر فاختبأ ما بين الأعشاب حتى لا تقع عليه أبصارهم، ومكث ينتظر مرورهم...  مروا به؛ ثم، فجأة، كروا راجعين على أعقابهم، وقصدوا شجرة التين. وإذا بقائد المجموعة يترجل عن حصانه متسربلا في برنسه الأبيض؛ يرمي باللجام لأحد مرافقيه،  ثم يتقدم قاصدا فاطمة الزهراء التي رفعت رأسها متطلعة اليهم من تحت الشجرة. لمح عمر الرجل وهو ينحني عليها؛ ورأى بأم عينيه أرفال برنسه الأبيض وهي تنتشر عليها في الهواء متموجة ومرتعشة لكأنها أجنحة الكواسر الهائجة.

اصطف بقية الفرسان في نصف دائرة من حول شجرة التين، فلم يتمكن عمر من رؤية أي شيء مما كان يجري. وانصرمت دقائق معدودات في سكون بهيم كأنها حقب طويلة من الدهر. وها هو الفارس المقدام يعود للظهور من جديد؛ وبحيوية الرجال، يثب وثبة رشيقة على ظهر حصانه.

استأنفت الزمرة الصغيرة من الفرسان طريقها بعدو سريع على وقع اللحظات الأخيرة من نهاية النهار.

بعد كل الزمن الهائل الذي قضاه عمر مختبئاٌ ما بين الأعشاب والاشواك يرتعد خوفاً من أن يعثروا عليه، يقوم من مكمنه، ويهرع راكضا صوب رفيقته.

وجد فاطمة الزهراء منطرحة على الأرض، شاحبة اللون، تنسدل على ملامحها،  بين أحضان البلبلة التي انتثرت على ثيابها، وسامة فريدة وجمال آسر. اقترب منها عمر وجثا الى جنبها. لمح على احدى ساقيها خيطاً رفيعا من الدم يكاد يجف. استعاد عمر بعضا من صفاء الذهن فشرع يتكلم بصوت خافت الى صديقته؛ حاول أن يحركها لكنها أصدرت أنيناً مخنوقاً وموجعاً دفع به الى النهوض والتقهقر؛ ثم لم يلبث أن أطلق ساقيه للريح طلباً للنجدة، وبحثاً عن المساعدة والعون.

وصل القرية يلهث من فرط ما جرى وركض وأسرع؛ وعلى باب بيت محجوبة، أم فاطمة الزهراء، راح يطرطق ويخبط بكلتا قبضتي يديه. فتحت المرأة باب الدار تعلو محياها ملامح غضب واستياء.

صاح عمر أمامها والدموع تنهمر على خديه : " فاطمة الزهراء. مستلقية تحت شجرة التين. إنها مريضة. أظن أنها ستموت ".

خطفت محجوبة لها وشاحاً تتغطى به، ونادت على بعض جاراتها، ثم انطلقن جميعا يسرعن الخطى صوب شجرة التين الملعونة. أما عمر، فقد انبطح على الأرض منهوك القوى، يكاد يفقد كل قدرة على التنفس.

بعد لحظة من الاستراحة، هب عائداً الى المراعي من أجل معاينة عودة النساء. كانت اثنتان منهن تحملان فاطمة الزهراء ملفوفة في الغطاء، معدومة الحراك؛ بينما لبثت الأخريان تسندان الأم المنتحبة والمبعثرة الملامح من البكاء والعويل. وتقدم عمر منهن قليلا ثم سأل بنبرة يكتنفها الاختناق : " هل ماتت ؟ "

" كلا. لم تمت. " صرخت فيه الأم بشراسة ارتعدت لها فرائصه.

كان الليل قد شرع يسدل ستائره على الكون. وجازف عمر بنظرة وجلة على الوادي الصغير، فتبدت أمام عينيه الكتلة المعتمة لشجرة التين كأنها كائن مخيف يتقرفص في حالة توثب وترقب؛ ومن ورائه على جبين السماء الطافحة بلحن الغسق تراقصت باقة من الأثلام المغراء كآخر ما تبقى من الفلول والدلائل التي زخر بها الغروب الباذخ الأسى في ذلك المساء.

سار الراعي الصغير بقطيعه الى الضيعة؛ ثم عاد للبحث عن عنزات فاطمة الزهراء، وأخذهن الى ملجئهن، ثم أوصد عليهن زريبتهن. ولقد كال للعنزات المشاكسات ألوانا من التعنيف والضرب الشديد بالعصا وفيض غزير من الشتائم : " يا أيتها الخبيثات الشريرات. يا أيتها الحقيرات الممقوتات. " أولسن هن الجانيات اللواتي تسببن في ذهاب فاطمة الزهراء صوب شجرة التين ؟

ولما تبين لعمر بأن مهماته قد أشرفت على نهايتها، اجتاحته مشاعر تصده عن الرغبة في الحصول عما استجد من أخبار صديقته؛ لذلك قرر أن يعود الى البيت. كانت أمه غائبة. تناول قدرا مليئا باللبن وشرب منه رأساً جرعات معدودات؛ والتهم بقايا عجة باردة من البيض؛ ثم خلد الى النوم ترتسم على شفتيه برطمات مسترسلة وتعابير تذمر وغضب.

في الغد، قضى يوما طويلا وثقيلا لا نهاية له. ضاعت في عينيه كل رغبة في اللهو واللعب. ولقد انطلقت على مقربة من قدميه تقريبا حجلة، فما خطر بباله أن يتناول المقلاع لإسقاطها.

ظل جالسا طيلة النهار يجرفه الحزن والألم. غفا قليلا، سرعان ما هب منتصبا من غفوته. ساعة قبل حلول الغروب، هاجت به العواطف والشجون، ونفذ منه الصبر، فكرٌ راجعاً بالقطيع الى الضيعة قبل الموعد المعتاد. وقصد منزل محجوبة للسؤال عن رفيقته. طرق الباب عدة طرقات مفعمة بالتهيب والحياء. فتحت له الأم، فأبصر حياله وجهاً قد خربته الدموع وعبثت به الخدوش. كانت فاطمة الزهراء مستلقية على المقعد المنجد ملفوفة في البطانية. دنا منها متمهلا ثم قال لها بصوت خافت : " هل تتألمين ؟ " لا من جواب.

" ماذا بك ؟ " سألها. حينئذ، أشاحت البنت عنه بوجهها دون أن تنبس بكلمة؛ ثم إنها أخرجت يدها من تحت البطانية وأشارت اليه بالانصراف. " انصرف. انصرف. " وارتد عمر  الى الوراء ،  متسائلا  :  "  لكن،  يا ترى، ما ذا بها  ؟  إنها لم تعد مثلما كانت. "

" معك الحق، يا ولدي عمر "؛ همست الأم محجوبة، ثم استطردت : " لم تعد مثلما كانت... وسوف لن تعود الى الأبد مثلما كانت. "

عندما رجع عمر الى البيت، وجد أمه بصدد القيام بتغييرات وترتيبات منزلية كبيرة و بادية الأهمية.

بادر الى الكلام يريد إخبارها قائلا :

- " هل تعلمين، يا أمي، بأن فاطمة الزهراء... ".

وردت عليه تقاطعه :

- " أجل، أجل أعرف؛ لا تعد الى الحديث مرة أخرى عن هذا؛ الأمر لا يعنينا. "

ثم إنه سألها في ذهول :

- " لكن، ما ذا تفعلين ؟.

- " إنك ترى ما ذا أفعل.  إنني أجمع أمتعتنا وحوائجنا؛  فغداً، في الصباح الباكر، سنرحل... سنذهب للإقامة بمدينة الرباط.

وكذلك كان؛ مع الانفاس الأولى من صباح اليوم الموالي، وبعد مسيرة طويلة على الاقدام محفوفة بندى الفجر، وصلا معا، عمر وأمه، الى مدينة تارودانت. وانهار عمر على احدى المقاعد  الخلفية  للحافلة التي ما عتمت ان انطلقت  تلتهم  المسافات الطويلة متمايلة، مترجحة ومهتزة.

ولقد مكث، قبل أن تخطفه يد النوم، يحاول أن يتذكر شيئا تركه وراءه ونسي أن يحمله معه. كان متأكدا من أنه نسي شيئا. ما ذا كان هذا الشيء الذي ضاع منه يا ترى ؟ تضاءلت ملامح الجواب على صفحة ذهنه، فخلد الى الرقاد بلا يقين.

لقد كانت طفولته هي التي سقطت عنه في غفلة من الرحيل. طفولته في تلك البوادي النائية هي التي آثرت أن تتوارى مبتعدة وراءه. طفولته التي ما انفكت تمتلئ بكل أصناف البؤس والشقاء والقسوة، لكنها، كانت طفولة سعيدة.

***

................................

- Adrienne Odoul : Le Figuier maudit. Coté Maroc ( nouvelles ) V. 2006. Collection de nouvelles. Editions MARSAM – Rabat. MAROC.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5406 المصادف: 2021-06-24 03:47:38


Share on Myspace