صالح الرزوقبقلم: سكاوت ساترفيلد

ترجمة: صالح الرزوق


 

تراب أحمر. على امتداد أميال. لا شيء غيره يحاصر المطعم في وسط أرض قاحلة مهجورة في أريزونا. هذا المطعم المحاصر بالتراب كان مكانا مثاليا لأشياء عارضة غريبة. ففي داخله خمس مقصورات طعام خاصة من الفينيل الأحمر ملوثة بسجائر تحترق وبقع صلصة بندورة. وتخفي الأثلام بين مقاعد الفينيل أطعمة مقلية فاسدة وبقايا من جلد بشري ونمل ووقت.

هناك طاولة مغطاة بالموكيت، نظيفة، ولكن ألوانها باهتة بسبب مرور السنوات. وسوزان المرأة العجوز الواقفة خلف الطاولة مثلها، لونها باهت، ويستحيل تنظيفها. كانت الأسرار تجلل سوزان من رأسها لأخمص قدميها.

في معظم الأيام يتواجد زبون واحد في المطعم وتراه جالسا لوقت غير محدد. كانت سوزان تخدم جمهورا مطيعا يترك بقايا قليلة من حياته في هذه الفراغات البينية. وهي تصغي وتراقب، دون أن يلاحظها أحد، منسية، وخلف طاولة المبيعات، كما لو أنه هناك جدار بينها وبين الحاضرين، كما هو الحال في غرفة الاعتراف. كانت تشاهد أشخاصا يتشاحنون بغضب لا تدرك مصادره، ورأت أشخاصا يتخبطون في دورات المياه لممارسة الحب، وقابلت أشخاصا مهجورين في العراء بلا عائلة أو عاشق أو أصدقاء. حتى دون أمل ولا رغبة بالحياة.

كان بحوزة سوزان رقم سيارة أجرة، وقد ثبتته بمسمار على الجدار في نهاية المكتب. الإنسان المهجور يحتاج دائما لسيارة أجرة لشحنه إلى حياته المدنية، وهو ثمن اللعنة التي لا ترعاها عين الرب الساهرة.

2211 scoutفي إحدى المرات راقبت سوزان رجلا ترك طفلا وراءه. طلب الرجل من الصبي أن يذهب للحمام ليغسل يديه اللزجتين بالشراب. وحينما اختفى الصبي، نهض الرجل، ووضع ورقة من عشرين على الطاولة، وغادر. غطى معطف جديد من الغبار نوافذ المطعم عندما انطلقت سيارته من موقف السيارات. وبعد أن عاد الولد، قدمت له سوزان كوكتيل الحليب مجانا، وطلبت الشرطة. وجاؤوا بعد ما يزيد على ساعة وحملوا معهم الولد. ولا تعلم سوزان ماذا جرى له أو لوالده إن كان أباه.

تؤدي سوزان واجبها من وراء المنصة بصمت. هي لا ترقى للحكم على الآخرين - على الأقل ليس علنا. والتزمت بحدود التلصص. وكلما زاد هدوؤها، كلما ارتفع صوت الأسرار في داخلها.

اليوم، اثنان احتلا إحدى مقصورات الطعام.

هما الزبونان الوحيدان في المطعم.

اسم المرأة أماندا، ولكن الرجل لا يعرف اسمها.

وقامت أماندا بعملها، وهو ما تتقنه. ولا تزال مستمرة به منذ عشرة سنوات وأصبحت امرأة غنية منه. وهذا الرجل الجالس قبالتها هو آخر واجب لها قبل التقاعد. فقد بلغت 35 عاما. كانت أماندا تفكر بالتقاعد كلما تسنت لها فرصة للتفكير بسيرتها المهنية. وهي فرص لا تزيد على لحظات عابرة. هناك بيت في كوزوميل قامت بتجديده وإعادة تهيئته. هناك امرأة جميلة بانتظارها وسط رمال بيض. وهي تفكر بالمارغاريتا، والنقود، والمرأة، والبيت، والرمل، والشمس. ثم تناست صوت الأخلاق.

رشفت أماندا القهوة السوداء، مع ملعقتي سكر. فعلت ذلك بحرص لتحافظ على شفتيها الليلكيتين. كان شعر أماندا قصيرا مثل رجل. وهي ترتدي ثيابا قطنية مريحة تمنحها حرية الحركة دون أن تكون فضفاضة. وتبدو بها مثل لوحة بورسلان ولكنها تترك لديك الانطباع أنه أنت من سيكسرها.

أما الرجل المقابل لها كان بشعر طويل، مثل النساء. وهو أشقر ولماع، ومغبر وأجعد. ويبدو مثل متشرد لو لا الثياب التي ارتداها، وهي قميص خفيف من القطن وجينز، ومكوية دون تجاعيد. ولم يكن قادرا على الحركة بحرية مثل أماندا. اسم الرجل هو بول، ولكن في آخر خمسة عشر عاما، كان يدعى 397 “ثلاثة - تسعة - سبعة”. هذا بعد أن قتل فتاة وأمها في صبيحة حارة من أيام تكساس قبل ستة عشر عاما، هكذا أصبح الشخص رقم ثلاثمائة وسبعة وتسعين المحكوم بالإعدام في الولاية.

ولكن بول ليس من النمط العنيف حقا. وفي ذلك اليوم، قبل سنوات عديدة، كان الطقس كما يتذكر ملتهبا، ثم وجد أمامه البنت القتيلة، بعد ذلك أمها. ميتة بجوارها. كان يعمل بخدمتهما. منحته الأم عملا وهو تشذيب المرج، وتنظيف البركة، أشياء من هذا النوع. وكان متشردا، وبعد أن حصل على العمل، توقف عن تسول الطعام بعرض الطريق. والحق يقال كان بول عاملا نشيطا، ومهذبا. ينظر لجهة مختلفة كلما تعرت المرأة أمامه لتسبح في البركة. كانت تحضر له كأسا طويلة من الليمون وترغمه على شربها حتى آخر قطرة دفعة واحدة أمامها، ويدها ممدودة لتستعيد كأسها الفارغة. وهذه الحركات السخيفة التي تنم عن الغطرسة تختفي كلما حضر زوجها أو ابنتها. ونادرا ما يتواجد زوجها في البيت، وكان لا يعني بول بشيء، وكان بول سعيدا بتجنبه. ولكن البنت تأتي يوميا بعد دوام المدرسة، ودائما أثناء وقت انشغال بول. وأحيانا تنضم لأمها وله وهما في الباحة.

كانت فرصة مرحة طيبة. ثم جاءت البنت في أحد الأيام للبيت باكرا، وكان الطقس حارا، والشمس ملتهبة للغاية...

بعد ست عشرة سنة، حينما حان وقت إعدام بول، ظهرت هذه المرأة، هذه الصورة الغامضة ذات الشعر الأحمر الجالسة أمامه على الطاولة، وحملته في سيارتها، وقادته لمكان مجهول لا يعلم به غير الله.

لا يزال بول يلوم الحر. ألقى قطعة من همبرغر الجبنة في فمه. ووجد صعوبة بابتلاعها. فهو لم يتناول طعامه منذ عدة أيام. وراقبته أماندا، كانت تعتقد أن الرجال يبدون أحيانا مثل حيوانات كاسرة. غير أن ترويض الحيوانات أسهل من ترويض رجل.

انتهى بول من طعامه ومال نحو تاج الدخان الذي يأتي من سيجارة محترقة. ونظر للمرأة بابتسامة رضا.

قال:” شكرا لك”. وارتعش صوته قليلا. فهو لم يتكلم منذ أمد طويل.

ردت بصدق:” ليس عليك أن تشكرني”.

تلاشت ابتسامته قليلا. وزحف شيء في عينيه، شيء داكن، ربما الخوف. وكان يبدو كأن سوزان تأتي من وراء ستارة غير مرئية. سلمت الفاتورة إلى بول. وابتسمت أماندا للنادلة العجوز كأنها شمس مشرقة وقالت: "آه. شكرا لك. سأتكفل أنا بها”. وأخرجت بطاقة بلاتينيوم من محفظتها.

 قالت سوزان:”لا نقبل البطاقات هنا”. وردت على ابتسامتها بمثلها فمن عادتها أن تعكس مشاعر الآخرين كالمرآة.

قالت أماندا:”ما من مشكلة”. ومدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت محفظة من الجلد الأسود. وبحثت بين عدة فواتير قبل أن تسحب ورقة من مائة، وقدمتها لسوزان بيد ماهرة. وبصوت أنعم من السابق قالت للنادلة أن تحتفظ بباقي الحساب لنفسها. ولكن لم ترتسم الابتسامة على مرآة سوزان. وقالت: “شكرا لكرمك يا سيدتي. هل من شيء آخر يمكنني أن أخدمكما به؟. شيء يفيدكما في طريق العودة؟”.

قالت:” شكرا لك.  سنغادر حالا”.

وافقت سوزان بحركة من رأسها. وعادت لموضعها وراء المنصة، ودست المائة في مريولها.

نظرت أماندا إلى بول. وغاضت الابتسامة من وجهها. وأشارت برأسها للنافذة، تدعوه للتحرك. وتبعته وهو يغادر المطعم. وحينما اقتربا من هوندا رمادية، دخلت موستانغ حمراء براقة إلى باحة سيارات من ثلاثة مواقف.  وطار الغبار أمام وجه بول. وقفز رجل متوسط العمر من السيارة، وقال بصوت مرتفع:” آسف!”. وهرع نحو المطعم.

قال بول متهكما:”لا بد أنه جائع”.

ونفضت أماندا التراب الأحمر عن بلوزتها البيضاء. وجلست وراء المقود بينما احتل بول المقعد الخلفي. فكيس ممتلئ بالدراق شغل المقعد الأمامي.

ضغط قلب سام على رئتيه وهو يسرع من جانب الاثنين. وذهب للنادلة العجوز وقال:”أريد طعاما فورا، أي شيء، أي شيء تحضيره سريع”.

لم تكن سوزان متسرعة. وأخذت وقتها بفرم شرائح فطيرة البقان. وبعد دقيقة، سكبت له كوبا من القهوة. حمل سام كلاهما إلى المقصورة البعيدة عن المدخل. ولم يأكل. حطت ذبابة على الفطيرة الحلوة بهوادة. ونظر سام باهتمام من النوافذ المغبرة. كان قلب سام يدق، ورئتاه تنقبضان. كان يهبط من مكان شاهق، من بهجة عارمة امتدت لشهر وجعلته يتخيل أشياء لا يمكنه التعبير عنها، ويشعر بأمور لا يفهمها، ويقول كلاما لا يتكلم به في الأحوال العادية. كان سام بحاجة للمزيد من هذه المشاعر، لكن انتهى وقته. ما كان عليه أن يتناول الأقراص، وهو يدرك ذلك. ولكن الشاب سبقه إليها على مرأى منه، ابتلعها قبله وأمامه. وأحب الشاب الحبوب السود وتأثيرها وابتسم ابتسامة كسولة وأخبره كم أسعدت أيامه، رسمت له نجوما في السماء في سقف بيت والده. وفي إحدى اللحظات انتصب انتصابا مخيفا. وأمسك عن الضحك وهو يقول إنه لم يشعر بالانفعال هكذا منذ شهور. واستطرد كثيرا. وهو يضحك من انتصابه الهائل، ويمأمئ عن النجوم، كأنه يكلم سام وأشخاصا خياليين. وزعم أنه يستطيع أن يفعل أي شيء، ولكن كل ما يريده الآن أن يجلس هكذا ويستمتع بهذه المشاعر.

لم يكن سام سعيدا هكذا لفترة طويلة.

والآن، بعد شهر وعدد كبير من الأقراص، نفد مخزونه. وبدأت يداه ترتعشان. وساقاه ترتبكان. وجفناه يطرفان. أصبح دمه نظيفا وعاديا بمرور الوقت.

ظهرت سيارة في نهاية شريط الطريق البراق وأسرعت نحو المطعم. نبح كلب. وجلس سام منتصبا، وطرف بعينيه عدة مرات، ووضب ياقته بزرها المغبر، وأخيرا جرع رشفة من قهوته الخفيفة الدافئة. وخرجت من السيارة امرأة ترتدي رداء حفلات أخضر  براقا التمع في شمس أريزونا الساطعة. كان شعرها أسود ويغطي كتفيها العاريين. وحملت معها كلبا صغيرا بنيا بلون الكاراميلا. لم يحرض سوزان هذه الأناقة. وتقدمت المرأة اللؤلؤية نحو المطعم وجلست أمام سام.

قال لها:”مرحبا يا لو”.

ردت:” مرحبا يا سام. كيف حالك اليوم؟”.

“أنا بخييير”.

ران الصمت، ثم همس سام:”حسنا. واجهتنا في تولسا بعض المشاكل”.

“تولسا؟. أخبرني ماذا حصل في تولسا يا سام؟”.

قال وهو يتحاشى نظرتها“حـ...حسنا. لم يمكنني نقل المدخرات”.

تنهدت وقالت:”كم بقي معك؟”.

“خمسة”.

سألته وكان صوتها ناعما:”أنت تعلم معنى ذلك؟”.

نظر سام نحوها بعينين واسعتين وقال:”كلا”.

هزت لو رأسها وقالت:”بل نعم، أنا أخشى أن هذا هو الحال. أنت وقعت عقدا، ولا يمكنني أن أفعل شيئا حيال ذلك”. وتزايدت ارتعاشات سام. وتشكلت الدموع في عينيه.

وضحكت لو قائلة:” آه، لا تفعل ذلك من فضلك!. أنت تعلم أنني عاجزة عن أي شيء. لا تبدأ بالبكاء يا سام. لقد خرج الأمر من بين يدي الآن. وأنت متأكد”.

واصل سام بكاءه. فقالت:”لا بأس. حسنا. شكرا لخدماتك. سأنصرف الآن. لدي حفل غداء في ألبوكويركيو، ولا يمكنني أن أتأخر”.

نهضت وأذنا الجرو منتصبتان. وقبل أن تبتعد، طلبت منه بقية ما لديه من حبوب. قدم لها سام زجاجة بلاستيكية في داخلها خمسة أقراص سود. وغطت لو فمها بيد ذات أظافر حسنة التشذيب والطلاء وقالت ساخرة بدهشة:”هل هذا كل شيء؟. أنت لم تبتلعها يا سام. أليس كذلك”.

ونظر سام للذبابة فوق فطيرته وقال:”أنت متأكدة أنني فعلت”.

وتصلب صوت لو وهي تقول:”فعلت كل شيء بمشيئتك”.

قال:”من فضلك اسمحي لي بواحد. من أجلي”.

تأملته لو، وتأملت الزجاجة، ونظرت لكل قرص. وغادرت المطعم، ودخلت في سيارتها، وقادتها بعيدا. نظر سام لقهوته الباردة، كانت بلا سكر، وفكر ربما الأمر ليس سيئا جدا. ولم يلمس فطيرة البقان، وأسقط ورقة من خمسة دولارات على المنضدة أمام سوزان، وزمجر وهو يغادر نحو سيارته. وقادها لمسافة ميلين بعد المطعم، بما يكفي ليختلي بنفسه. وكان جهاز التسجيل يعزف أغنية لو ريد “تقدم على الضفة المتوحشة”. وكان التراب الأحمر يحاصره. لن يمر أحد من جواره قبل ساعة. ثم صوت معدني. واختفى صوت البنات الملونات...

انفجار سيارة في الصحراء حادث سريالي.

وهذا ما حصل: بعد دقيقة بقي لدينا معدن محمر، دواليب مطاطية، مقاعد من الجلد، وسائق، ورعب، وعرق، وموسيقا. في اللحظة التالية، كل ما تبقى كومة من الخردة المعدنية الملتهبة، وصيوان أذن ممزق، وصدى متجمد. ما تبقى انصهر، تمزق، تشتت، وتطاير بعيدا ولمسافة واسعة، إفطار من الجحيم.

نظرت سوزان من وراء حصالة النقود وهي تسمع الصوت. وانتظرت دقيقة قبل أن تعيد الفطيرة غير المأكولة إلى مكانها في الواقية الزجاجية التي تحمي الوجبات الكاملة من الصحراء.

سكاوت ساترفيلد  Scout Satterfield شاعرة وقاصة أمريكية من سان أنطونيو و تعيش حاليا في ناشفيل. تعمل محررة في “بوستسكريبت أون لاين”.  القصة مترجمة من مجلة بوستسكريبت، عدد 30، ضمن محور خاص بعنوان :”العمل”.

 ***

 

نزار سرطاويبرويز شهريار

ترجمة نزار سرطاوي


 

شفتان قرمزيتان

همستا شيئًا في أذنيّ بلا كلمات

شيء تحرّك في قلبي 

فتفتّحت في الطين أزهارٌ شبيهة اللوتس

لمحتْ عيناي

خنفساءَ سمراءَ مضيئةٌ تلامس البراعم

أحسّت البراعمُ بدفء اللمسات

ففتحتْ أعينها

الأشعة الذهبية راحت تدغدغ الفراشات

ففردت أحواضَ أجنحتِها 

الطائراتُ الورقيةُ المربوطةُ بِبَكرة 

انطلقت تحلقُ في الفضاء

قوةُ شدٍّ مركزية حلّت في الخيط

فارتفع إلى أقصى حدود مرمى البصر

اتسعتْ خيمةُ السماء

وانحنتْ الغيومُ إلى الأسفل

إلى أن لامست عذريةَ التلال

وعلا

صداحُ الماء  المتدحرجِ

وأقبلَ جدولُ ماءٍ صغير 

يشقُّ الأرضَ الهـشّـة هناك

وبعد هُنيهَاتٍ

شاهدَ الأفقُ في الفضاء

سربًا من طيور الكركي البيضاء تنداح في طيرانها

وتذوب جميعًا في الأجواء 

وشرعت السماء تمطر قططًا وكلابًا

وعلى حين غرّة، امتلأ كل شيءٍ بقطرات الماء

كانت لحظاتُ الخلقِ تلك

أشبه بمفاجأةٍ  تبعث البهجة

***

 

..........................

 

2204 برويز شهريارThe Moments of Creation

Dr. Perwaiz Shaharyar

 

Scarlet lips

Silently whispered something in the ears

Something stirred in the heart

Some lotus-like bloomed in the distant mud

Eyes saw

Shiny dark beetle touching) the buds

The buds with the warmth of touches

Opened their eyes

Butterflies by the tickling of golden rays

Opened wide their pans of the wings

Kites began flying higher in the sky

Tied with spinner

Some Centre-petal force took place in the thread

Up to the maximum limit of sight

The tent of sky stretched over all in all

The cloud by bending down

Touched the virginity of the hills

In such a manner

The chirping sounds of rolling water were heard

A tiny spring of water

Came out breaking open the brittle soil around

And then, with the passage of the moments

The horizon witnessed on the sky

A flock of white cranes made a curve out of their fly

And dissolved in the atmosphere, all in all

Then, it rained cats and dogs

Suddenly, everything was filled with the water drops They were something like a pleasant surprise

Those moments of creation

 

.............................

الدكتور برويز شهريار: شاعرٌ وقاصّ هندي مُجاز في اللغة الإنكليزية مع مرتبة الشرف من جامعة رانتشين ويحمل شهادة الدكتوراه في الآدب من جامعة دلهي. عمل محررًا في المجلس الوطني للبحوث التربوية والتدريب التابع لوزارة التربية والتعليم الهندية. 

يكتب شهريار الشعر والقصة القصيرة منذ عام 1980. صدر له ديوانان شعريان ومجموعتان قصصيتان، كما صدرت له أربعة كتب في النقد والبحث في مجال القصة. وقد عمل في وزارة التربية مديرًا للمطبوعات، وهو حاليًا عضو في الهيئة الاستشارية للمجلس الوطني الهندي للكتاب. يمارس القراءة والكتابة في اللغات الثلاث الرئيسة في الهند: الإنكليزية والهندية والأوردية. كتب ما ينوف على 100 بحث ومقالة. كذلك شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات على المستويين الوطني والدولي. كرمته المؤسسات الأكاديمية في كل من دلهي، وأتار براديش، وبيهار، تقديرًا لمساهماته الأدبية.

كتب شهريار في أدب الأطفال. وقام بترجمة أربعة كتب لصالح المجلس الوطني للبحوث التربوية والتدريب إلى اللغة الأوردية. وقد تكفل المجلس الوطني للكتاب بطباعة كتاب الأطفال الذي ألفه. أما القصة التي كتبها للأطفال فقد اختيرت للقراءة الإضافية في اللغة الهندية وذلك من قِبَل الهيئة الاستشارية للمجلس الوطني للكتاب.

يشرف شهريار على إنتاج الكتب المدرسية في كافة المواضيع وصولًا إلى المرحلة الثانوية العليا في الهند وفي المدارس الهندية في السعودية ودول الخليج العربي. كما يقوم بالتنسيق مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية في الداخل والخارج المتعلقة بالمناسبات الخاصة التي ينظمها المجلس.

 

 

حاتم حميد محسنشعر: كافالوسكي

ترجمة: حاتم حميد محسن


هم نخبة من الرجال المبدعين البيض،

أخطاؤهم السياسية مدعاة للخجل.

بنوا عظمتهم على العبودية،

كانوا ذكوريين ومتحيزين جنسيا حتى النخاع،

هم مجّدوا المحارب،وحاربوا بلا هوادة.

كانوا قساة وعادة ما احتقروا الرحمة كضعف.

ومع ذلك – وبعد كل ذلك

نحن لانزال مسحورين بالشظايا المتطايرة لعالمهم الصغير ومنذ وقت طويل. لماذا؟

ربما نرى فيهم انعكاسا،

كمرآة قديمة متصدعة،

نفوسنا الجوفية،

ألهنا الدايونسي المكبوت فينا

الانغماس والهوس في السلطة والعنف.

وفي النهاية،وبالنسبة للعديد منا،

هم أسلافنا الثقافيين

ومهما حاولنا الهروب او التبرؤ منهم،

فنحن نحمل بصمات جنونهم وعبقريتهم.

لكي نفهم طبيعتنا المتنافرة

نحن يجب ان نحتضنهم.

العودة لليونان

هي عودة لجذورنا.

ولكن هناك شيء آخر.

في فجر الحضارة،

في زاوية صخرية وقاسية من العالم،

وسط العنف والهيمنة التي

ازدهرت في كل مكان،طار الوعي الانساني

على أجنحة رقيقة من الشعر

والفلسفة،وفي لحظة موجزة وجميلة

ألقى المحاربون أسلحتهم

وبدأوا البحث عن الحقيقة والخير والجمال

من خلال الدراما والحوار والنقاش

هم حلموا بحلم الحكمة،

والفضيلة والديمقراطية

يحلّقون عاليا بجناح العقل،

يقاومون حدود ما يمكن ان يكون عليه البشر.

هم بنوا معابد الجمال

وقصائد الحب، خلقوا الفلسفة التي

سعت لمعرفة الذات،خلقوا العلوم

التي سبرت أغوار السماء والارض.

ولكن بعد كل ذلك عادت طبول الحرب من جديد.

فجأة انتهى كل شيء.

هم لم يتمكنوا من العيش في الحلم الذي حلموا به .

هذه هي المأساة والمفارقة فيهم.

***

 

عادل صالح الزبيديالشاعر: حيان شرارة

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 أنشودة الى المنزل المهجور

ايتها الريح وأيها المطر،

ها هي مفاتيح

المنزل—

باب مفقودة،

نافذتان محطمتان.

 

ايتها الطيور، لك غرفة

ذات إطلالة—غرفة النوم،

التي كانت يوما

تحجب القمر والنجوم

عن النظر.

 

ايها النمل والديدان،

الشهود الكبار الحزينون،

لكم العشب الذي لم يتم جزه،

الباحة التي كساها العشب

لترثوهما مرة أخرى.

 

وأنت أيتها الأوراق التي تدور

عبر أرضيات متغضنة

أرجوك خذي

صوت أبي

الذي يهمس

 

عسى أن تعيش الى الأبد،

عسى ان تقبرني.

***

 

.................

حيان شرارة: شاعر أميركي عربي من مواليد مدينة ديترويت لعام 1972 من أبوين هاجرا من لبنان. درس علوم الحياة والكيمياء في جامعة وين ستيت ونال شهادة الماجستير من جامعة نيويورك، إلا انه انتقل الى تكساس عام 2006 ليحول تخصصه الى الأدب فنال شهادة الدكتوراه في الأدب والكتابة الإبداعية من جامعة هيوستن. نشر ثلاث مجموعات شعرية هي (يوميات الكيميائي) 2001، (حزن الآخرين) 2006، و(شيء مشؤوم) 2016. في ملاحظة له عن قصيدته هذه يشير الشاعر الى الاستعمال العامي لكلمة "تقبرني" في اللهجة اللبنانية والتي تعبر عن تمني قائلها لمن يحب ان يعيشوا بعده لصعوبة احتمال العيش بعدهم  ان ماتوا هم قبله، وهي كلمة يستعملها عادة الآباء والأجداد للتعبير عن حبهم للأبناء. اما المنزل فهو منزل الشاعر في ديترويت حيث نشأ وترعرع.

 

نزار سرطاوي(قصة قصيرة) 

شيرزود آرتيكوف

ترجمة: نزار سرطاوي

صحوتُ فجأةً من نومي. كان الصباح قد حلّ. أحدهم يناديني بصوت عالٍ يأتي من الشارع.

قلت مُرحّبًا وأنا أفتح البوابة وأرى جاري يرتدي ملابس غير مناسبة: عمي نورمات. 

قال على عجل: أنا... أنا... أنا أنادي عليك منذ وقتٍ طويل. البرد شديد. فلنذهبْ الى الداخل.

كان العم نورمات في السبعين من عمره، رجل نحيف وضئيل للغاية، لم يسقط  شعر رأسه. عاش كما يعيش المتسولون. توفيت زوجته منذ سنواتٍ طوال، وتركتْه وحيدًا مع طفلتيه. لم يكن له أقارب يزورونه ويعتنون به سوى هاتين الابنتين. 

كان ممثلاً لم يلعب طوال حياته سوى أدوار ثانوية، رجلًا عاديًّا تحوّل حلمه في تجسيد شخصيات شكسبير على المسرح إلى رغبةٍ وصلت حد الهوس. هذا الرجل الذي كان الدور الوحيد المهم الذي أدّاه على المسرح هو شخصية بوبتشينسكي في مسرحية "المفتش الحكومي"* كان صادقًا متحررًا من العناد المتجذر في كبار السن، حسنَ النية مفعمًا بالحيوية. في تلك السنّ، لم يكن ثمّة ما يريده من الحياة، ولا ما يشكو منه من القدر. لكن لسببٍ ما، وعلى الرغم من خبرةِ أربعين عامًا، لم يكن لديه الإحساس بالثقة بالنفس على المسرح، ولذا فإنه على ما يقولون، لم يتمكن من أداء دور الملك العجوز لير في مسرحية شكسبير الشهيرة. قال وهو يعدو أمامي إلى داخل الغرفة بسبب البرد، ليستدفئ بجوار الموقد: لم يسِرِ الأمر على ما يرام. لم يكن مناسبًا. قلت لنفسي حينَها: كيف يمكنني أن أتدرب هكذا في المساء؟ لا بد  أن أتدرب في الصباح، أن أستيقظ مبكرًا. أظن أن هذا هو القرار الصحيح. ففي الليلة الماضية أعدت مونولوغ الملك المسكين في المشهد الأخير أربع مرات. لم يكن ناجحًا، وفي هذا الصباح كان أداءُ عبدِك المتواضع أفضل بكثير. قال ذلك وهو يفرك يديه معًا.

2195 شيزروفتابع الجار حديثه: هل يمكنني أن أجلس على الكرسي؟

 ويبدو أن الدفء انبعث في جسده  فابتعد عن الموقد.

- أنظر! كنت أجلس هكذا، بقامة غير منتصبة، بل منحنية قليلًا لأن الملك لير يجلس هكذا. فهو عجوز منهك. يداه لا تكفّان عن الارتعاش. لذا لا يستطيع أن يعانق جثة ابنته بقوة. وزيادة على ذلك فإنّه يفتح عينيه على وسعهما، ولا يريد أن يصدق أنها بلا حياة.

فتح عينيه كما يريد، وأخرج قطعة ورق مجعدة من جيب سترته. وأخيرًا اتخذ وضع الملك لير وراح يتلو مونولوغًا حزينًا وهو يلقي نظرة خاطفة على قطعة الورق.

- لدي بعض نقاط الضعف التي عليّ أن أعالجها، قال وقد أنهى المونولوغ

- في الغالب سأضطر إلى العمل على هذا المشهد الأخير. هذا هو الجزء الأصعب.

نهض عن كرسيه، مشى نحوي ونظر حوله بخجل وهمس: حتى كبار الممثلين بالكاد يستطيعون أداء هذا المشهد الأخير. عليَّ أن أكون جادًّا بشأن المونولوغ وأن أتعلمه. إلأ أن أحمل معي مونولوغات مكتوبة؟ إن عدت إلى المسرح اليوم أو غدًا، فليس من سبيل إلى قراءة المونولوغ من ورقة .

فرك صدغه وأخذ نفسًا.

 - لا بد لي من حل هذه المشكلة. من الأفضل أن أذهب إلى البيت.

على عجل أعرب عن امتنانه لي أنني شاهدت البروفة. ثم أمسك ورقة المونولوغ في قبضة يده وانطلق خارجًا من الغرفة.

بعد ذهابه خرجت مرتديًا ملابس دافئة. قضيت اليوم كله أعمل في مكتبة المدينة. تصفحت بعض الكتب، وجمعت معلومات لورقة بحث أكتبها عن أدب أميركا اللاتينية. وحين عدت إلى المنزل في المساء، قابلت عمي نورمات ثانيةً عند البوابة. كان يضرب بقبضته على البوابة وقد نفذ صبره. كان يرتدي الملابس نفسها كما قبل ساعتين.

قال عندما رآني: آه، لستَ في المنزل؟ 

أجبت وأنا أشير إلى الكتب: ذهبتُ إلى المكتبة.

قال متجاهلاً الكتب: ذهبتُ إلى المسرح اليوم. أردت أن أتحدث مع المخرج عن العودة إلى العمل. انتظرت خارج مكتبه لفترة طويلة، لكنه لم يظهر. غدًا سأفعل. ساذهب مرة أخرى. سأخبره أنني قررت العودة إلى العمل: سألعب دور الملك لير.

حين مررت ببيته في اليوم التالي انفتحت النافذةُ المطلةُ على الشارع  فأحدث إطارها صريرًا وأطلّ العم نورمات.

- صرخ ملوحا بيده:  جاري! التقيت بالمدير الليلة الماضية: لقد حضر. أخبرته عن نيتي. استمع إليّ باهتمام وتحدث بإطراء عن عودتي. لكن يبدو أنه تمّ تأجيل الوظيفة لأمدٍ طويل لأنه لا يوجد مكان شاغر في المسرح حاليًّا. قال إنه سيُبلِغني هاتفيًا بمجرد توفر شاغر.

خلال الأيام الثلاثة اللاحقة، لم يخرج العم نورمات لرؤيتي. وحين التقيته أخيرًا، بدا في غاية الانزعاج. راح يكرر بلا توقف: أوغاد، أوغاد!

جلس بجانب الموقد كعادته. كان يكثر من الإيماء أثناء حديثه.

- ابنتاي هنا!

كانت في صوته نبرة غضبٍ غريبةٍ عن طباعه.

- أخبرتهما أنني سأعود إلى المسرح، لكنهما لم توافقا على فكرتي. قالتا إنني كبرتُ ولم أعد أقوى على العمل كما كنت من قبل. قالتا إنه ليس في استطاعتي أن أعمل الآن. لا، هذا لن يحدث! إنه الوقت المناسب لأداء دور الملك لير. وعمري الآن مناسب. الملك لير كان عمره حوالي سبعين عامًا.

فجأة نهض، وراح يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا ويداه خلف ظهره.

قال: لقد رأيتَ بنفسك، أليس كذلك؟ وقف فجأة أمامي.

- لقد رأيتَ أن في مقدوري أن ألعب دور الملك لير، وقد درستُ حالته العقلية بعمق. لقد سمعتَ بأذنيك كيف كنتُ أقرأ المونولوغ بصورة مُعبّرة. وهما لم تريا ولم تسمعا. ابنتاي ملأتا روحي غمًّا بكلماتهن القاسية.

نظرتُ إلى الأعلى وقد شتّتَتْ ذهني أوصافُ لوحةٍ لوجه ماريو بينيديتي. ** كان ذلك جزءًا من عملي الأكاديمي.

لم يكن في وسعي أن أعمل حين  كان العم نورمات في حالة توَتّر بالغ. في تلك اللحظة كان الماء يغلي في الإبريق الكهربائي، فأعددت الشاي.

قال العم نورمات: الشاي يرفع ضغط الدم.

لم يكن عطشانًا فوضع الكأس على حافة النافذة.

قلت وأنا أكرع الشاي مرةً واحدة: عمي، ربما أن ابنتيك تقولان الحقيقة. ثم نظرتُ بأسفٍ إلى حثالة الشاي التي تركتها في قاع الكوب.

نظر إلي العم نورمات بحزن: إنهما لا تعرفان أي شيء.

هذه هي المنطقة التي كنت أستأجر فيها مكانًا لأعيش فيه. كانت زياراتي لوالديّ تتأخر أحيانًا بسبب العمل في المعهد، حيث يستهلك العمل في مجال العلم الكثير من الوقت. لكنني منذ أخذت إجازةً من عملي في القسم، أصبح لدي ما يكفي من الفرص لأزورهما أكثر من ذي قبل.

حين شعرت أن العم نورمات هدأ قليلاً قلت: غدًا سأذهب إلى القرية، سأزور والديّ ليومين أو ثلاثة، وربما لأسبوع.

أومأ برأسه وكأنه يقول حسنًا.

- حتى ذلك الحين سيكون مدير المسرح قد اتصلّ بي.

مكثت في القرية مدة أسبوعين. أيام يناير الباردة بدتْ أشدّ برودةً هناك. واصلت عملي البحثي دون أن أغادر البيت بسبب البرد. كانت الأيام مملة. عمدت إلى ترجمة قصص بينيديتي إلى اللغة الأوزبكية. تساقطت الثلوج بكثافة في اليوم الذي عدت فيه إلى المدينة فغرقَتْ في الثلح حتى الرُكَب. كانت الطرق زلقة. لم يكن المشي وحده خطيرًا، بل كانت قيادة السيارة كانت خطيرة كذلك. كنا نتحرك ببطء شديد، حتى بدا كما لو أن عداد السرعة في سيارة الأجرة معَطّل نظرًا للسرعة البطيئة.

عندما ترجَّلتُ من السيارة قريبًا من منزلي، لاحظت وجود سيارة إسعاف على القرب من بوابة العم نورمات، ولم يكن السائق يتحرك. كان مُتَكوّمًا فوق عجلة القيادة. بعد حين خرج أحد المسعفين من المنزل حاملاً في يده حقيبة أدوات طبية، وجلس على المقعد الأمامي. تحركت العربة ببطء على الطريق. بعد أن دفعتُ الأجرة لسائق التاكسي، ذهبت إلى بيت العم نورمات. عندما دخلتُ، كانت ابنته الكبرى زريفة تستخرج الماء من البئر، وألقتْ عليّ التحية. استفسرتُ عن أحوالها وصحتها، ثم دخلتُ البيت. كان العم نورمات مستلقيًا على سريره، يحدّقُ في السقف ورأسه مغطى بضمادةٍ بيضاء.

قالت زريفة: بالأمس كان في حالةِ سُكْرٍ شديد، وانزلق على الثلج فأصيبُ في مؤخرة رأسه.

جلستُ على كرسي بجانب السرير بعد أن ركنتُ أمتعتي بعيدًا.

قال العم نورمات عندما رآني: لم يتصل بي المخرج من المسرح بعد.

 

ساد الصمت لبرهةٍ قصيرة. جلتُ بنظري في أنحاء الغرفة. كان الموقد مشتعلًا. ثمّة خِزانة مائلة تحتوي على نحو دزينتين من الكتب، وسريرٌ زنبركي، وكرسيٌّ قديم، وجهازُ هاتفٍ قديم، وبجانبه زجاجةُ نبيذٍ فارغةٍ على عتبة النافذة، وكومة من الملاءات والمحاقن المستعملة المتناثرة هنا وهناك. كانت الغرفة شديدة البرودة.

عندما رأني العم نورمات أحضرُ للموقد حطبًا من الفناء، قال بقلقٍ: جاري! ألقِ نظرة على الهاتف، هل السلك مفصول؟

قلت وأنا ألقي نظرةً سريعةً على الهاتف: لا، كل شيء على ما يرام. أشعلت الفرن بعود ثقاب.

قال بارتياح كبير وقد طمْأنَتْه إجابتي: أوه، حسنًا! إذا اتصل المدير سيرن الهاتف.

سرعان ما سخن الموقد وراح الخشب يطقطق وانتشر الدفء في الغرفة. لابد أن زريفة رأت الدخان المنبعث من الموقد فدخلت الغرفة لتستدفئ.

قال العم نورمات حين خرجتْ ابنته إلى الفناء بعد أن شعرَتْ بالدفْ: لقد حفظتُ خطبَ ومونولوغاتِ الملك لير جميعًا عن ظهر قلب. 

لم يستطع أن يهزّ رأسه بسبب إصابته. فأدار عينيه وهو يتحدث.

- ومع ذلك، لم أتلق أي اتصال من المسرح. أنتظرُ كل يوم. ليس ثمة أخبار.

بعد قليل غفا العم نورمات. من الجليّ أن المسعف أضاف حبوبًا منومة عندما أعطاه حقنة التخدير. ذهبت سميرة، ابنة العم نورمات الصغرى، إلى حافة النافذة بمجرد دخولها الغرفة ومزقت الملاءات المتناثرة إلى أشلاء. وحين انتهت، جلستْ على حافة السرير حيث كان والدها يرقد.

قالت وهي تقترب من العم نورمات بعد أن استيقظ: لا بد أن تذهب إلى المستشفى دون أي جدال.

نظر العم نورمات إليها مندهشًا ثم إلى ابنته الكبرى التي أحضرت الشاي إلى الغرفة.

- لا أريد الذهاب إلى المستشفى. سأتلقى مكالمةً من المسرح قريبًا.

هزت ابنتاه رأسيهما. عندما سمعتا كلماته.

- قالت سميرة وهي تطلق آهةً عميقة: لن يتصلوا... أتعرف لماذا لا يتصلون بك؟ لأنهم لا يحتاجون إليك. هناك العشرات من الممثلين في المسرح يمكنهم لعب دور الملك لير. وهم جميعًا موهوبون أكثر من الآخرين. لن يمنحك المخرج الدور، بل سيعطيه لهم. لم يمنحوك دور البطولة حين كنت تعمل هناك. هل تعتقد أنهم سيعطونه لك الآن؟

زريفة، الابنة الكبرى، قالت بصوتٍ عالٍ من عتبة الباب:  ما تقوله شقيقتي صحيح... طوال حياتك كنت تحلم أن تلعب دور الملك لير. لقد أفنيتَ الكثير من حياتك وشبابك في سبيل هذا الحلم. لم يتحقق، لم يكن هذا قدرك. الآن تقدم بك العمر... لم تعد في سنٍّ يسمح لك أن تركض وراء حلم.

تنهد العم نورمات بعمق قابضًا على حافة السرير بكل ما أوتي من قوة: أنتما... كلاكما... اخرجا من الغرفة.

بعد أن غادرتا رقد بهدوء، ولم يرفع عينيه عن الباب. عندما تحدث، لم أستطع أن أُميّز فيما إذا كان يتحدث إلى نفسه أم إليّ.

- مرتْ حياتي، ليس في الجري وراء حلم، بل في مكابدة رعاية ابنتيّ. كان زملائي جميعًا يأتون إلى المسرح في الصباح بملابس نظيفة وشعرٍ مُرجّل، بينما كنت آتي بثيابي البالية ولحيتي التي تظل بدون حلاقة لأسابيع. فلم يكن لدي الوقت ما يكفي لأعتني بمظهري. لقد توليتُ رعاية ابنتيّ يوميًا بسبب مرض زوجتي. أعتني بهما وانظفهما وأطعمهما وأخذهما إلى روضة الأطفال والمدرسة وأساعدهما في حل واجباتهما المنزلية حين يصيبهما المرض، وأمكث معهما في المستشفى لبضعة أيام. ولذلك لم أتمكن من العمل في المسرح كما كنت أحلم. كنت موهوبًا أيضًا. لكن العناية بابنتيّ كانت تأخذ الكثير من الوقت. عند تقديم مسرحيةٍ على المسرح كان مدير المسرح كثيرًا ما يُوبخني، ليس لأنني لم أستطع أداء الدور المنوط بي بصورة مثالية فحسب، بل لأنّني لم أكن قادرًا حتى على حفظ نصوص الشخصيات. لم أكن أتعب على نفسي كالآخرين. لم أقرأ الكتب، ولم أطور قدرتي على الحديث. لأربع وعشرون ساعةً في اليوم كنت لا أفكر إلّا في ابنتيّ. توقفوا عن إعطائي الأدوار. غدوت في نظر المخرج المسرحي سيّءَ السمعة باعتباري ممثلًا يفتقر إلى الكفاءة، لا يصلح لأي دور، ليس عنده أي حسٍّ بالمسؤولية على الإطلاق، وتم إقصائي وتجاوزي في توزيع الأدوار قبل الأداء، ولم ألعب أي دور منذ شهور. تم تكليفي بأدوار من حينٍ لآخر وبشكل غير متوقع، لكنها كانت أدوارًا ثانوية في أعمال صغيرة لا تتمتع بشعبية، مجرد أعمالٍ عارضة لا تتجاوز سطرين أو ثلاثة.

كان العم نورمات صامتًا يحدق باكتئاب في الهاتف. توقفت الدموع في عينيه وتجمعت ثم سحّت على عظام وجنتيه.

قال وهو يغمض عينيه: لم أقضِ حياتي جريًا وراء حلم.

      لا بد أن الخشب الموجود في الموقد قد احترق الآن، لأن حرارة الموقد انخفضت كثيرًا. أحضرتُ حزمة أخرى من الحطب من الفناء.

فيما كنت أشعلها، فُتح الباب، وظهر المسعف الذي رأيته في الصباح على عتبة الباب.

قال لسميرة ملتمسًا لنفسه العذر: حاولنا نقل والدكِ إلى المستشفى، لكنه رفض أن يذهب بنفسه.

ردت الابنة وهي تنظر بحرج إلى السرير، حيث كان والدها يرقد: الرجل يغدو متقلبًا جدًا عندما يشيخ. 

حمل الرجلان العمَّ نورمات بعناية على نقالة. لم يُبدِ أية مقاومة. بل لم يفتح عينيه. ذهبتُ إلى النافذة، وقفتُ وحيدًا لبعض الوقت في وسط الغرفة. كانت قصاصات من الأوراق التي كُتبت عليها مونولوغات وخطوط الملك لير مبعثرةً عند عتبة النافذة، بعضها ملقى بجانب زجاجة نبيذ ومِحقنة، والبعض الآخر وراء الهاتف. شعرت بالرغبة في تهوية الغرفة وترتيبها قليلاً. عندما رأيتُ زريفة تقف على العتبة، خرجتُ إلى الممر. وقفتُ هناك متأملاً وأنا أتكئُ على الحائط. فجأةً رن جرس الهاتف. بعد هنيهة سمعت صوت زريفة وهي ترفع السماعة: هل أدخلتم والدي المستشفى؟ ها أنا أقوم بتهوية الغرفة، الرائحة تنبعث في كل مكان.

***

 

........................

شيرزود آرتكوف: كاتب قصص ومقالات ومترجم من أوزبكستان وأحد الفائزين بجائزة "إقليمي اللؤلؤي" للأعمال النثرية. ولد في مدينة مارغيلان عام 1985. تخرج من معهد فرغانة للبوليتكنيك عام 2002. صدر له كتاب بعنوان "سيمفونية الخريف" في عام 2020. ينشر أعماله في الصحافة المحلية، وكذلك ينشر في المجلات الالكترونية الروسية والأوكرانية مثل "كاميرتون" و "توبوس" و "أوتوغراف". كما نشرت قصصه مجلات ومواقع أدبية في العديد من دول العالم كالولايات المتحدة والصين والهند وباكستان وألمانيا والسعودية ومصر واليونان وإسبانيا وإيطاليا والأرجنتين والمكسيك وسواها.

هوامش

* مسرحية "المفتش الحكومي للكاتب الروسي الأوكراني نيكولاي غوغول (1809 -1852)

** ماريو بينيديتي صحفي وروائي وشاعر من أورغوي في أميركا الجنوبية (1920 – 2009).

 

 

صالح الرزوقبقلم: ريبيكا روث غولد

ت: صالح الرزوق


 

حضورهما معا كان مثل قصيدة لكافافيس. عندما تعانقا، تحول الزمان لفضاء مضغوط، والفضاء تحول إلى زمان. وكل قهر وتخاذل لفهما بعمق، وسقط أحدهما في ثنايا عواطف الآخر، وترك انطباعا يشبه بلوزة قديمة تشعر لارتدائها بالراحة حتى لو آلمتك، وليس مثل قميص جديد فضفاض. وعندما يكونان معا، تغيب العوائق التي تقف في طريق لقائهما دون إنذار. والجدار العازل ينهار ويتداعى، ويصبح ممارسة الحب ممرا ممهدا للتكوين، وسبيلا يحول كلماتهما إلى علقة ومضغة مخلقة، شيء - ليس كاملا، فقط كتلة كلمات، أو قشرة سطحية للوعي - ولكن يبقى على هذا الكوكب بعدهما.

قالت له في إحدى المرات:”لا أرغب أن أموت”. كانا يسيران على طول القناة في أمستردام، والشمس تتراكم فوق الأفق بطبقات وسلسلة من السحب تعلو في السماء. ثم أردفت:”أريد أن أعيش للأبد. ويدك تقبض على يدي”.

لم يرد. لم يكن لديه شيء يعرب عنه. كانا مجرد مخلوقين داخل قصيدة كافافيس، التي يتذكر بها الجسد نصيبه من الحب، وكيف يمنح نفسه لهذا الغرام، كما لو أنه لا يوجد عودة للوراء، وأن الحركة المسموح بها للأمام، باتجاه الهاوية. ولا يسع الكلام أن يكون مفيدا إلأا بتجميد لقائهما داخل المساحة الزمنية، ومنحه مظهرا متماسكا هو بحاجة له. كان حبهما مثاليا، في هذا الوجود، ولا تستوعبه أية لغة.

وأحيانا كانا يتبادلان الكلام بالشعر. وفي بعض الأوقات يلزمان الصمت التام. ويميلان لتتبع الملامح الأساسية لوجه كل منهما في خطوط يد الآخر. وأحيانا يختبئان عراة تحت الغطاء، مثل أولاد يهربون من أبويهما.  وفي مناسبات غيرها يقرآن معا، ويترلان بنعومة، الكلمات التي تبرق وتشع على الصفحة. وتبدو كل فقرة، بطريقة أو أخرى، كأنها عنهما حصرا.

2194 rebeccagouldكانا يتشاركان شريحة رقيقة وبراقة من الوقت، وانعكاسات النور الخاطف على سطح الماء: وكانت القبلات الأولى على ضفاف الدانوب، ثم خلال عبور جسر التيمز، أوهما ينظران لمياه السين ويتماسكان بالأيدي. كذلك حام نوتردام فوقهما وقمته مجللة بسواد فاحم.

ولكن انعقدت أواصر الحب بينهما مع شيء آخر: تلاقي الأفكار، والاندماج الثقافي، وبهذه الطريقة مزق كل منهما الحجاب الذي يخفي جسد الآخر أو تكلم بلسانه.

وذلك الكلام - المخلص - تغلغل في روحيهما. وفاضت العاطفة الحارة على الصفحة، وضمنت اتحادهما، وأقامت جسرا فوق المسافة الغائبة. وشعر كل منهما بكل لمسة حب كانت تعيد للعالم الواسع والفسيح شيئا من هباته. ثم كل على حدة ومعا تكفلا بتقديم أشياء لا يمكن أن تولد ما لم يتجاوزا هذه المعابر والممرات. ولمع البرق على سطح الماء حينما حدقا به معا.

وحينما كانا منفصلين، تعلمت كيف تحتمل غيابه. ليس لأنها غير مغرمة به، ولكن لأن زمام غرامها ليس بيدها. ولم تحتمل الجروح المفتوحة التي أصابت قلبها، وأصبحت مناطق ضعف فيها. وعذبها عجزه عن تخفيف جروحها، والعناية بها حتى تشفى بمعونة من عاطفته الفياضة كلما احتاجت له.

وهناك أوقات أيضا يكون فيها غائبا ولو أنه موجود، وهي الأوقات التي تفشل فيها كلماتها بالنفاذ إلى روحه. وبما أنه أنفق كل حياته في معارك تدور ببلدان نائية، لم يتمكن من ملاحظة ندوب معاركها. كانت حروبها تبدو صغيرة بالمقارنة مع حروبه. وكان معجبا بها. وأحيانا كان يعاملها مثل رب معبود وليس كمحبوبة، هذا هو الانطباع الذي تشكل لديها. وقالت له في عدة مناسبات: الوثنية دائما وقت مستقطع من الحياة. أو أنه تزوير وخداع. ولكنه لم يتأثر بقولها. فأردفت: إن الشعور بالعزلة وهي وحدها، أبسط من العزلة التي غرقت بها بعد أن بحثت لديه عن العزاء والصداقة دون فائدة.

وفي كل لقاء روحي مشترك، كانت النجوم تقف، وتكتب عليهما لعنة الوداع الأبدي غير المعلن عنه.

وقالت له، مجددا، بعد عامين من علاقتهما:”لا أريد أن أموت”.

في هذه المرة، كان للكلمات معنى مختلف عن معناها عند قناة أمستردام، مع أن الكلمات هي، هي نفسها.

ثم أصيبت بالسرطان، وانتشر بسرعة غير متوقعة. وأخبرها الأطباء أنه أمامها أقل من عام واحد. بالإضافة لذلك، لم يكن معها كلما احتاجت له. ولم يمكنه حل لغز ندوب معركتها، ولم يفهم لماذا هي مخلوق متألم. لقد عشقها ولكن بأسلوب خاطئ. كما لو أنها شخصية موجودة في كتابه المفضل، أو ممثلة في مسرحية يألفها، جزء - محبوب ومتخيل - من ثنايا خياله، الذي يولد مع ممارسة الحب.

وبالموت، اتحدا مجددا، مثلما هو حال قصيدة كافافيس.

***

 

.......................

ريبيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould: كاتبة وأستاذة جامعية أمريكية. تعمل بتدريس الحضارة الإسلامية والأديان المقارنة في جامعة برمنغهام، غرب إنكلترا. لها عدة مجموعات شعرية وقصصية آخرها “غرباء عشاق”. ستصدر في صيف عام 2021. وهذه القصة من هذه المجموعة. وتمت الترجمة بالاتفاق مع الكاتبة. وبتصرف بسيط اقتضاه الفارق الشعري والفلسفي بين اللغتين.

 

صالح الرزوقيصعدون إلى القمر ولكن يبدو أنهم غير مهتمين بدقات القلب البشري

بقلم: مارلين مونرو

ترجمة: صالح الرزوق


(ملاحظة من المحرر: في الخامس من شباط 1961، أودعت المطلقة حديثا، والمجهدة عقليا، مارلين مونرو، وبرعاية من الدكتورة ماريان كريس، في مصحة باين واتني للأزمات العقلية في نيويورك. وأقامت في غرفة مصفحة لمدة أربعة أيام فقط بعد تدخل مشكور من زوجها الثاني جو ديماجيو. وفي الأول من آذار كتبت مونرو - التي كانت تتعافى في مستشفى نيو يورك - رسالة من ست صفحات لطبيبها النفسي الآخر، الدكتور رالف غرينسون، وتكلمت فيها عن محنتها. وبعد عام وجد غرينسون، للأسف، مونرو ميتة في بيتها في لوس أنجليس).

........................

1 آذار 1961

الآن فقط حينما نظرت من نافذة المستشفى إلى الثلج الذي كان يغطي كل شيء، لاحظت فجأة أن كل شيء مثل غطاء أخضر أبكم. العشب، والشجيرات دائمة الخضرة الهزيلة - كانت الأشجار تعطيني القليل من الأمل - مع ذلك كانت الأغصان الواهمة والعارية تمنحني وعدا بربيع قادم، وربما هذا الوعد ينطوي على القليل من الأمل.

هل شاهدت “الناشزون” بعد؟. كيف كنت أرى الشجرة عارية وغريبة في نفس الوقت. لا أعلم إن كانت تبدو هكذا على الشاشة - لا أحب بعض اللقطات المختارة التي وظفوها. وحينما بدأت بكتابة هذه الرسالة سقطت أربع قطرات دمع بهدوء. ولا أعرف بالضبط ما هو السبب.

كنت أمس مستيقظة طوال الليل كالسابق. أحياناً أتساءل ما الفائدة من الليل والتوقيت الليلي. فهو تقريبا غير موجود عندي - كل شيء يبدو وكأنه يوم واحد طويل، يوم طويل وفظيع. على أي حال، فكرت في أن أكون إيجابية حياله وبدأت في قراءة رسائل سيغموند فرويد. عندما فتحت الكتاب لأول مرة رأيت صورة فرويد في الداخل مقابل صفحة العنوان وانفجرت بالبكاء - بدا مكتئبا جدا (ولا بد أن الصورة مأخوذة قرابة نهاية حياته)، فقد توفي وهو رجل خائب - ولكن الدكتورة كريس قالت إنه كان يعاني من ألم جسدي عضال وهو ما نما لعلمي من كتاب جونز - ولكن أيضا يمكنني معرفة ذلك بالاحتكام لغريزتي التي أثق بها ومن ملامح وجهه اللطيف والكئيب. يكشف الكتاب (على الرغم من أنني لست متأكدة ما هي الرسالة التي يجدر بنا نشرها) أنه لم يكن متصلبا!. أعني أن فكاهته اللطيفة والمحزنة وحبه للسعي كان أبدياً وجزءا لا يتجزأ منه. لم أقطع شوطا طويلا معه لأنه في نفس الوقت كنت أقرأ السيرة الذاتية الأولى لشون أوكيسي - (هل أخبرتك كيف كتب قصيدة لي ذات مرة ؟). في النهاية - قلقت من هذا الكتاب كما هو متوقع لو صادفتك أمور من هذا النوع.

2182 monreلم يكن هناك تعاطف معي في باين ويتني - وتركت عندي أثرا سلبيا جدا - فقد سألوني بعد أن أودعوني في “زنزانة” (أعني علبة إسمنتية وما شابه ذلك) عما إذا كنت أعرف شيئا عن المرضى المضطربين والكآبيين (علاوة على أني شعرت كأنني في سجن من السجون لجريمة لم أقترفها. اللإنسانية هناك متعمقة. وسألوني لماذا لا أشعر بالسعادة برفقتهم). كان كل شيء مغلقا عليه بالقفل والمفتاح. (أشياء مثل الأنوار الكهربائية، وأدراج خزانة الزينة، والحمامات، ومستودعات الثياب، والقضبان التي تدعم النوافذ - كان للأبواب نوافذ ويمكن رؤية المرضى طوال الوقت للمراقبة، وأيضا، كان العنف والعلامات التي يتركها لا تزال على الجدران من جراء مرضى سابقين). أجبت قائلة:”حسنا، أكون معتوهة لو أحببت هذا المكان”. ثم تناهى لسمعي عويل نساء من زنزاناتهن- وهن نساء تصرخن لأن الحياة بلغت درجة لا يمكن احتمالها على ما أعتقد - وكان في أوقات من هذا القبيل، على ما أظن، يحضر إليهن طبيب نفساني ويجاريهن بالكلام والملاطفة. ربما ليخفف مؤقتا من بؤسهن وألمهن. وعلى ما أظن (الأطباء) سيستنتجون شيئا ما من ذلك - ولكن كانوا يربطون كل شيء بمصدر واحد وهو الكتب التعليمية - وكم استغربت من ندرة المعلومات التي يعرفونها. ربما يمكنهم اكتشاف المزيد من الاطلاع على معاناة البشر الأحياء - كان لدي إحساس أنهم يهتمون بالسيطرة على المريض، وهم لا يطلقون سراحه إلا بعد أن ييأسوا منه. ثم طلبوا مني الاختلاط مع البقية، وأن أشترك بالعلاج المهني (ع. م.). قلت:”وما هو؟”. قالوا:”الخياطة أو لعب الضامة، أو حتى الورق وربما الحياكة”. وحاولت أن أبين لهم أن هذا هدر للوقت فقط، غبار يلوث اليدين فقط. فقد كانت مثل هذه الأمور بعيدة عن ذهني تماما. سألوني بعد ذلك لماذا أنا مختلفة (عن بقية المرضى). وحزمت رأيي: لو أنهم بهذا الغباء يجب أن أقدم لهم ردا بسيطا. لذلك قلت:”هذا ما أنا عليه وحسب”.

في أول يوم “اختلطت” مع مريضة. سألتني لماذا أبدو حزينة، واقترحت أن أتصل بصديقة لأخفف من وحدتي. أخبرتها أنهم أنبأوني أنه لا يوجد هاتف في ذلك الطابق. وبالإشارة للطوابق، كانت كلها مغلقة - لا أحد يمكنه الدخول أو الخروج منها. صدمتها بكلامي حتى ارتعشت وقالت:”سأقودك لهاتف حالا” - وبينما كنت أنتظر بالطابور ليحل دوري باستعمال الجهاز لاحظت وجود حارس (فقد كان يرتدي بذة رمادية)، وحينما اقتربت من الجهاز مد يده وقال بصلابة:”الهاتف غير مسموح لك”. بالمناسبة، كانوا يعتزون أنه لديهم هنا جو منزلي أليف. سألتهم (الأطباء) على أي أساس بنوا قناعاتهم. أجابوا:”حسنا، الطابق السادس مشهور بالسجاد والأثاث الحديث”. وعلقت فورا:”حسنا، مهما قدم المصمم من ديكور داخلي - لا بد من توفير النقود السائلة له”. كنت أقصد ضمنا باعتبار أنهم يتعاملون مع بشر لماذا لا يستطيعون أن يفهموا الحالة الداخلية للكائن البشري.

وكان يبدو أن الفتاة التي دلتني على الهاتف ضعيفة وسطحية. وقالت بعد أن منعني الحارس بيده الممدودة “لم أعتقد أنهم يتصرفون هكذا”. ثم أضافت:”أنا هنا بسبب ظروفي العقلية - قطعت حنجرتي عدة مرات وقطعت شرايين معصمي”. - وأضافت بلغ عدد المحاولات ثلاث أو أربع مرات.

انبعث رنين معدني jingle في ذهني:

واتربط ذلك بالعبارة التالية بطريقة لاشعورية :”الرنين يعني تلامس المعادن mingle - ولكن كيف يكون لدي تلامس وأنا مولودة وحيدة وأعيش بعزلة تامة”.

آه، حسنا. الرجال يصعدون إلى القمر ويبدو أنهم غير مهتمين بقلب بشري حي ينبض. يمكن للإنسان أن يتغير لكن هذا غير مؤكد - بالمناسبة، ذلك هو الموضوع الأصلي للـ “الناشزون” - ولم يفهم أحد هذه الفكرة حتى هذه اللحظة. وهذا جزئيا، برأيي، يعود للتبدلات في النص المكتوب، وبعض التغييرات في الإخراج و....

في وقت لاحق كتبت:

أعلم لن أكون سعيدة ولكن يمكن أن أمرح!. أخبرتكم أن كازان قال كنت أبهى بنت قابلها في حياته، وصدقوني كان يعرف كثيرات. غير أنه أحبني لعام واحد، ومرة هدهدني حتى غرقت بالنوم ليلا بعد المرور بفورة غضب. واقترح كذلك أن أخضع للتحليل، ولاحقا طلب مني أن أتعاون مع معلمه لي ستراسبيرغ. هل كان ملتون من كتب يقول:”السعيد لم يولد قط”. وأعلم أنه على الأقل يوجد طبيبان مختصان بالأعصاب، وانشغلا بالبحث عن مقاربة إيجابية للاضطرابات النفسية.

هذا الصباح. 2 آذار

مجددا لم أرقد في الليلة الماضية. نسيت أن أخبركم أمس بشيء ما. عندما أودعوني في أول غرفة في الطابق السادس لم أكن أعلم أنه طابق الصحة النفسية. وقالت الدكتورة كريس إنها ستزورني غدا. وجاءت الممرضة (بعد حضور الدكتور، طبيب الصحة العقلية) للفحص الفيزيائي، وتضمن ذلك معاينة الصدر خشية وجود أورام. وحاولت أن أمنعه لكن ليس بعنف. وحاولت أن أعرب عن رأيي: أن الطبيب الذي وضعني هنا، والحقيقة أنه رجل غبي وأحمق يدعى الدكتور ليبكين، فعل ذلك قبل ثلاثين يوما. ولكن عندما جاءت الممرضة لاحظت أنه لا توجد وسيلة، جرس أو زر موصول بمصباح، لاستدعاء الممرضات. وسألتها عن السبب وعن أشياء أخرى، فقالت لأنه طابق الصحة النفسية.

وبعد أن غادرت ارتديت ثيابي، وبعد ذلك التقيت مع الفتاة التي دلتني على الهاتف. كنت أنتظر عند باب المصعد، وكان يشبه بقية الأبواب وله قبضة لتفتحه، لكن يختلف بشيء واحد أنه بلا أرقام (لم يضعوا له رقما). وتكلمت مع الفتاة وأخبرتني عما فعلته بنفسها ثم عدت أدراجي لغرفتي ولدي قناعة تامة أنهم كذبوا علي بما يخص الهاتف. وجلست على السرير أفكر بهذا الوضع الذي ورطوني به، وكيف أتصرف لو كنت أرتجل دورا في تمثيلية من هذا النوع. كانت أفكاري مثل عجلة لها صوت صرير وتحتاج للزيت. وأعترف أن الصرير كان مرتفعا ولكن الفكرة كانت واضحة فقد اشتركت في فيلم يدعى “لا ضرورة لقرع الباب”. حملت كرسيا خفيفا وضربت به الزجاج، وكان هذا صعبا لأنني لم أكسر شيئا من قبل. ثم تهشم الزجاج. وكنت بحاجة لعدة ضربات للحصول على قطعة زجاج - وأسرعت بحمل الزجاج في يدي وجلست على السرير بانتظار حضورهم. وعندما وصلوا قلت لهم:” لو أنكم ستعاملونني كمجنونة سأجرح نفسي كمجنونة”. أعترف أن ما حصل بعد ذلك كان صعبا ولكن سبق أن فعلته في الفيلم باستثناء أنني استعملت في التمثيل حد الشفرة وليس شظايا الزجاج. وألمحت إذا لم يطلقوا سراحي سألحق الضرر بنفسي - وكان هذا أبعد شيء عن ذهني في تلك اللحظة. وكان الدكتور غرينسون يعلم أنني ممثلة ولا يمكن أن أتعمد ترك أثر واضح أو أي تشويه. كنت متألمة فقط. وحينما حاولت أن أضر نفسي، في وقت آخر، فعلت ذلك بحذر باستعمال عشرة حبوب مخدرة (سيكونال) وعشرة حبوب منومة (تيونال)، وقد ابتلعتها بمتعة (هذا ما شعرت به حينها). ولم أتعاون معهم بأية طريقة لأنه لم يكن بمقدوري الثقة بتصرفاتهم. وطلبوا مني الانصراف بهدوء، لكن رفضت التحرك، وبقيت على السرير حتى تعاون أربعة للقبض علي، امرأتان ضخمتان ورجلان ضخمان، وحملوني للطابق السابع بالمصعد. كان يجب أن أقول على الأقل أنهم تحلوا بالأخلاق وحملوني ووجهي نحو الأسفل. بتعبير آخر لم يكن وجهي للأعلى. وكنت أبكي بصمت طوال الطريق ثم أودعوني زنزانة أخبرتكم عنها وتلك المرأة الثور الضخمة التي أشرت إليها، قالت لي:”اغتنمي الفرصة واحصلي على حمام”. أخبرتها أنني للتو اغتسلت في الطابق السادس. قالت بعناد:”ما أن تبدلي الطابق عليك الاغتسال مجددا”. كان الرجل الذي يدير المكان، وهو من نمط مدراء المدارس الثانوية، مع أن الدكتورة كريس تشير له باسم “الملاحظ”، وكان مسموحا له أن يكلمني وأن يستجوبني مثل محلل نفسي.

أخبرني أنني مريضة جدا جدا، وكنت فتاة مريضة جدا جدا لسنوات عديدة. كان يقلل من شأن مرضاه، وسأخبركم، لاحقا، ماذا كان يبغي منهم. سألني كيف يمكنني العمل وأنا مضطربة. وتساءل هل لذلك علاقة بعملي. وكان شديد الصلابة وواضحا بطريقة كلامه.

وعمليا كان يقرر ولا يستجوب، وعلى هذا الأساس قلت:”ألا يعتقد أيضا أن غريتا غاربو وشارلي شابلن وربما إنغريد برغمان كانوا مضطربين عندما كانوا يقومون بأدوارهم. وقلت هذا يشبه أن تسأل هل لاعب الكرة ديماغيو يمكنه قذف الكرة حين يكون مكتئبا. يا للسخافة.

والآن أغتنم الفرصة لأقول: لدي أخبار طيبة. شيء شبه طيب. لقد خدمت شخصا. وادعى أنني كنت نافعة له. وهو جو. فقد قال إنني حافظت على حياته حينما نصحته بالطبيب النفسي، وقالت الدكتورة كريس إنه رجل لامع، تعني الطبيب. وقال جو إنه خنق نفسه مستعينا برباط حذائه بعد الطلاق. ولكنه أضاف لو الأمر بيده لطلق نفسه، فهو رجل لا يحتمل. وفي ليلة عيد الميلاد أرسل باقة زهور من نوع بوينسيتا. وعندما سألت ممن هذه الزهور فقد فاجأتني. (كانت صديقتي بات نيوكومب حاضرة) - وكانت الزهور وصلت حديثا. قالت:”لا أعلم، لكن البطاقة تحمل عبارة: مع أفضل تمنياتي، جو.

أجبت قائلة:”حسنا. ليس هناك غير جو واحد”. ولأنها ليلة عيد الميلاد اتصلت به وسألته: لماذا أرسل لي الزهور. قال: أولاً لأنني ظننت أنك ستتصلين بي لتشكريني. ثم قال، بحق الجحيم من لديك سواي في العالم. وقال: إنني كنت زوجك ولاحظت أنك بلا أقارب. وحياتك تخلو منهم أصلا. وطلب مني أن أحضر لأشاركه الشراب حالما يمكنني. قلت له: إنني أعرف أنك لا تشرب - فقال: إنه الآن يشرب قليلا - قاطعته بقولي: يجب أن يكون المكان مظلما جدا جدا إذا. فسألني: ماذا كنت أفعل ليلة عيد الميلاد. قلت له: لا شيء. رافقت صديقة. ثم طلب مني أن أسمح له بزيارة. وكنت سعيدة لأنه سيأتي. لكن قلت له كما يقتضي الواجب: حالتي كئيبة ومضطربة. ولكن بطريقة أو بأخرى كنت سعيدة بزيارته المزمعة.

والآن أعتقد أنه يجدر بي أن أتوقف لأنه لدي مشاغل أخرى. وشكرا لإصغائكم ولوقتكم الثمين.

مارلين م.

ملاحظة: هناك شخص ما كلما أذكر اسمه تعبس وترفع شواربك، وتنظر نحو السقف. احزر من يكون؟. كان (بالسر) صديقا معطاء جدا. أعلم أنك لن تصدق هذا لكن يجب أن تثق بغرائزي. لقد كانت علاقة عابرة وسريعة. لم يسبق لي أن فعلت ذلك من قبل، ولكن الآن تورطت بهذا التصرف – لكنه غير أناني على الإطلاق في السرير.

لم أسمع شيئا من إيف – ولا مانع لدي بذلك لأنني أحمل هذه الذكريات الحساسة والقوية والرائعة.

والآن أوشك على البكاء..

من مفكرة الممثلة الراحلة مارلين مونرو/ المصدر: فوكس بيوبولي.

***

 

 

صالح الرزوقبقلم: إيما دونهيو

ترجمة: صالح الرزوق


 

 كان بالخامسة عشرة أو ما قارب ذلك. واعتقد أنه سيكون في بيته في عيد الميلاد. هذا ما نما لعلمهم، وعندما قدموا لهم معاطفهم الحمر، وأبحروا بهم في المحيط لمواجهة الوطنيين: كانت التقديرات أنهم لن يستغرقوا أكثر من شهرين. وها هو شهر كانون الأول على الأبواب، والثلوج في نيوجرسي كثيفة مثل كعكة، والجميع ينتظرون تحقيق أمنية العودة. ولكنه يتساءل هل هذا صحيح أم أنه محض افتراء وأكاذيب.

فقط لو أمكن الصبي في الفرقة الألمانية، أن يتكلم بلغته على الأقل. هنا لم يسمع أي إنكليزي بمنطقة أنهالت - زيربست، ناهيك عن اسم قريته. ومع أنه لم يذهب إلى هيسة أبدا، كان زميله في المهجع يناديه في كل حال:”أنت الموالي من هيسة، بوش وغد”. أضف لذلك أنه أقصر بقدم أو اثنين من قامة إنسان كامل، وهكذا أصبح يعرف بـلقب “نصف بوش”.

إذا العودة للوطن ليست قريبة. كم سيطول الفراق؟. تعرضت قوات المعطف الأحمر لخسائر ثقيلة في فورت ميرسير، ولكنها نظفت فورت لي بنهاية تشرين الثاني. و هم الآن ينسحبون مثل الجرذان، ومهمة صبيان الفوج تتلخص بالضغط عليهم وطردهم من نيو جيرسي. وكان يرى رجال هوبويل خارج القاعدة في صبيحة كل يوم، فهم يفكرون بتوقيع معاهدة تحالف - وهذا لم يثبت تماما. ولم يتمكن جيش واشنطن الوطني من الاتفاق على انسحابه إلى بنسلفانيا لأن الريف موبوء بالخونة. وكان بمقدورهم تجهيز الأسلحة الخفيفة، والثياب والطعام، ملح ولحوم. كان لبعض رجال الفوج زوجات شابات، وآخرون ادعوا أن زوجاتهم جميلات جدا ولا يمكن تركهن وحيدات. وكانوا جميعا قلقين من هذه الحملة التي لا تبدو لها نهاية. أما الصبي فلديه أم فقط. في الليل، وهو تحت الغطاء، يفكر بسريره في المنزل في قريته في أنهالت - زيربست، والطريقة التي تطرق بها أشجار التنوب على زجاج نافذته. لقد كان يبكي لهذه الذكرى حتى يهزه البكاء.

قال له زميله في المهجع:”اهدأ قليلا والتقط أنفاسك يا صاح”.

كان هذا محض هراء لتمضية الوقت. في مطر كانون الأول المثلج، لا يكون بمقدورك أي شيء غير الانتظار. ثم صفت السماء ذات يوم. وأصبحت الأراضي المحيطة بهوبويل قاسية كالطبل.وحينها قال أحدهم:”هذا طقس مناسب للصيد”.

إذا يسمونه الصيد. ولم يسر ذلك الرائد. لكن هز الكابتن رأسه وقال له: على الرجال أن يحصلوا على القليل من التسلية. وبدأ هوتون وبرايان ووليامز والصبي المطاردة في بيت مزرعة على ضفاف البلدة، والمسدسات جاهزة لمواجهة المقاتلين الوطنيين. كانت معدة الصبي متشنجة، كما لو أنه على وشك الدخول بمعركة.

بعد أن قرعوا البابولم يرد أحد. فحطم برايان نافذة التهوية ببارودته. ثم سمعوا صوت أقدام تجري، وتبع ذلك تحرير الرتاج. قبض برايان على الخادمة من تنورتها وقال له وليامز:”أمسك نفسك يا رجل. أين السيدة، إيه؟. أين يختبئ الجميع؟”. هزت رأسها، وهي تبكي. فتنحى الصبي لجانب الجدار.

قال له:“إلى أين يا نصف بوش؟”.

رد:“لتفتيش المنزل”.

قال هوتون:”كأنك تفكر مثلي يا صاحبي”. فك أزراره بيد زاحدة وهو يضحك للخادمة.

في الطابق الثاني، ران على الممر السكون، باستثناء أنين الأرض تخت خطوات الصبي. وأمكنه سماع أصوات غامضة من الأسفل، ثم صرخات توقفت حالا. تفقد الصبي كل غرفة على حدة بنظراته، ودون تسرع. ماذا عليه أن يفعل لو قابل السيدات؟. عاهرات يانكي، عاهرات وطنيات. عاد أدراجه للطابق الأرضي. في المطبخ وجد إناء مخلل فالتهم منه قليلا،، كان هشا بالمقارنة مع مخللات أمه، ودون طعم تقريبا. تحسس حبوب كيس قديم، وقرأ ورقة على الجدار كتب عليها: سعرها أعلى من الجواهر الكريمة.

ثم رن شيء ما. تبع الصوت الخافت حتى المخزن، وتبين أنه فارغ، ثم فتح بابا صغيرا ووجد فتاة تجلس القرفصاء في في مكان اللحوم. وكانت تسد أذنيها بيديها.

2179 emma donoghueقال من تحت أنفاسه:”قردة”.

ردت:“هذا كلام غير متحضر!”.

أشار وقال:”اليدان على الأذنين؟. مثل القرد في الصورة”.

خفضت يديها مكرهة وقالت.”أي صورة؟”. ولمعت أذناها الشاحبتان من بين خصلات شعرها.

فكر الصبي: تشبه ابنة التنين.ثم قال:” ليس في ذلك شيء سيء”.

قالت: “أفهمك. ليس فيه شيء شرير”. وزحفت لتخرج من الخزانة، ثم وقفت، وكانت أطول مما توقع. وترتدي مريولا لماعا من النوع الذي يناسب الاستعراضات. وخصلة من شعرها مضمومة بشريط ملون. ثم قالت تتهمه:”أنت لست إنكليزيا”.

“كلا”. قال وهو يكاد أن ينزلق بسبب المفاجأة.

“مرتزق!”. خرجت الكلمة من فمها مثل شيء فاسد. وأصبح وجه الصبي خاليا من التعابير، وشرحت له بقولها:”أنت تخدم لقاء أجر، لتلقي النقود”.

قال لها:”بلا نقود. أحصل على معطف وبوط وتموين”.

وذكره ذلك بضرورة فحص الرفوف. ووجد سلة، تلمس بعض الأواني، ورأى كعكة في ورقة، وسقطت يده على زجاجة داكنة وكانت الأولى من نوعها.

سألته:”ماذا أحضرك إلى نيوجرسي إذا؟”. واقتربت منه من الخلف.

“أميري باعني. للمعاطف الحمر”.

ووجد ثلاثة زجاجات فوضعها فوق الكعكة.

“كيف أمكنه أن يبيعك. أنت أبيض مثلي؟”. قالت البنت. ثم أضافت:”هذا براندي خالتي. وهو من أفضل أنواع الكرز ولا يمكنك أن تسرقه”.

قال:”هذه مصادرة وليست سرقة”. وتعثر بالمفردات الإنكليزية التي يعرفها.

وصاح صوت برايان:”نصف بوش”. جاء صوته ضعيفا لكن عن مقربة.

و خرج الصبي من المخزن مع السلة وهو يعول:”شراب. وجدت شرابا”. ولم يكن لديه وقت لينظر إلى الخلف. لكنه فكر بالبنت. في تلك الليلة، في الثكنة، حينما كان الرجال يتبادلون القصص القذرة، وكان وليامز وهوتون وبرايان يتكلمون عن الخادمة في المزرعة المهجورة - تظاهر الصبي أن البراندي غلبه ودفعه للنوم. أغلق عينيه وفكر بالأذنين البارزتين مثل ثمار الأجاص.

وانتشرت إشاعة أن جيش واشنطن الوطني سينحل ويتلاشى في يوم أول السنة الجديدة، ستنتهي خدمة معظم المتطوعين. وحاول الصبي أن يتخيل أنه في البيت ويعتني بأزهار الحديقة الربيعية.

في اليوم التالي استمرت المطاردة. وتقدمت المعاطف الحمر في هوبويل. كانت هناك أشرطة حمر تقريبا على كل باب، ولكنها أشرطة رخيصة، وتعلن عن الولاء، دون أي دليل. كانوا يقرعون الأبواب ويصيحون:” نريد نساءكم!”.

ووقف الصبي للحراسة أمام العيادة بينما كان البقية في الداخل مع زوجة الطبيب وبناته. وبعد نصف ساعة، مد وليامز رأسه من النافذة ليقول:” تعال يا نصف بوش، حان الوقت لتصبح رجلا”.

لكنه تماسك وقال:”لا زلت أشعر بالدوار من البراندي”

وضحك وليامز وطرق على غطاء النافذة بقوة وسقط الجليد كالرماح.

واقترح هوتون في تلك اليلة:”علينا أن نعود للمزرعة. أكره أن أترك عذراء واحدة في ولاية نيوجرسي الحقيرة”.

وضحك وليامز بقوة كأنه يسعل.

في الصباح تشقق الحقل مثل الزجاج تحت أحذية الجنود. ولم يكن الصبي يرغب بالعودة من هذا الطريق ولو بالإكراه. ووصلوا خلال نصف ساعة، وفي هذه المرة بدأوا من الباب الخلفي: بهجوم مباغت.

ولكن كان المكان مهجورا، ولا أثر للخادمة. صعد الإنكليز الثلاثة إلى أعلى، وتوجه الصبي إلى المستودع. وكانت الفتاة هناك، كما توقع. كانت تحتفظ له بقليل من الجبنة. وكانت صلبة لدرجة مدهشة. ووجد نفسه يفشي لها بأحداث اليوم الذي انتشل به جزدانا من حزام سيد في أنهالت - زربست.

قالت: “علمت أنك لص”.

قال بلا مبالاة:”وأنت وطنية”.

“أنا لست كذلك!”. قالت بصوت مرتفع لا تسمح به ظروف المستودع الخانق. وتابعت:”أنا موالية مثلك. ولم أحلم بالقدوم لعش الخونة هؤلاء”. ورفعت يديها لتغطي بهما أذنيها. ومن على بعد قدمين، لاحظ الدموع وهي تملأ عينيها على طول رموشها. قالت له:”كان والدي في الفرسان. ولذلك صادر الوطنيون مزرعتنا في بنسلفانيا، وطردونا مع فرشة وطبق لكل واحد منا. وتوجب على شقيقي أن ينتظر معهم لينضم لجيشهم الوطني بالإكراه”. وتابعت بصوت أعلى:”وأرسلت الوالدة بناتها الثلاثة إلى الأقارب، لنكون بمأمن. ولم تكن تعلم أن خالتي في هوبويل من المرتدين. أما أولاد خالتي” قالت كأنها تبصق:”فقد عاملوني مثل منديل قديم لمسح الأصابع. وحرموني من وجبة الظهيرة، ولم يقدموا لي ولو سروالا داخليا -”.

دق قلبه في صدره بصوت خافت وقال:”وأين يختبئون؟ خالتك وأولادها؟”.

ضاقت حدقتاها وقالت بلا عاطفة:”لا أعلم. بعيدا”.

“ومتى غادروا؟”.

هزت منكبيها. وزحفت يداها إلى الأعلى ومسدت شعرها.

وفاجأ نفسه بالقبض على يديها وقال:”أذناك جميلتان. لا تغطيهما”.

“أنت تسخر مني”.

هز رأسه بعصبية وقال:”يا لك من جميلة”.

بحثت عن تفاحة وسكينة للتقشير، ثم قطعت له شريحة ولها شريحة. وحينما حاول تقبيلها، انسحبت بعيدا، ولكن ببطء. هل عليه أن يستأذنها أولا؟ أم يجب أن يصر؟. ولكنه قال:”أخبريني أين هم، أولاد الخالة الذين أساؤوا إليك”.

قالت:“فقط أكبر بناتها إن شئت الحقيقة”

احمر وجهه دون جدوى وقال:”الرجال - الآخرون الذين معي - يبحثون عن نساء”.

ضغطت أطراف أصابعها على أذنيها حتى التصقتا برأسها، كما لو أنها تريد أن تمنعهما من السقوط.

تابع: “يجب أن أجد لهم امرأة. هل تفهمين؟. لكن ليس أنت”.

واعتقد أنها قد تنهار بالبكاء، ولكنها تابعت النظر لحضنها. وقالت شيئا ما بصوت منخفض.

سألها:“ما هذا؟”.

قالت همسا أيضا:”في كومة التبن”.

عندما عاد إلى وليامز وهوتون وبرايان وجدهم في الطابق العلوي يملأون حقائبهم بأطباق فضية، أخبرهم أنه سمع أصواتا في الحظيرة. لكمه وليامز على ظهره بقوة حتى كاد أن يسقط. وقال للآخرين:”ربحنا لأنفسنا كلبا صغيرا للصيد. بوش كلب مفترس لا يمكن التغلب عليه”.

في الحظيرة، كان الصبي آخر شخص يصعد على السلم. وهناك أعول ولد يجلس في حضن سيدة مسنة، وخلفها اختبأت بنت طويلة. صاح هوتون وهو يفرك يديه مثل شرير على خشبة المسرح:”حسنا، حسنا، حسنا”.

واستقامت الخالة بقامتها وقالت:”من فضلك يا سيد - ”.

رد:“آه، سوف أكون سعيدا معك يا مدام، وسوف تسعدين كلنا جميعا”.

وأطلق وليامز عاصفة ضاحكة.

قال: “وإذا تذمرت إحداكن سوف أقطع أذنيها”.

تلكأ الولد في الخلفية. ودمدم شيئا حول الرغبة بالشرب.

قال برايان وهو يقبض عليه من كوعه:”تعال الآن، لمجد المجموعة، اختر من تريد - هل تريد اللحم الطازج أو المسنة؟”.

كانت عينا السيدة الكبيرة رماديتين مثل عيني أمه. تهرب من قبضة برايان، وتقريبا سقط وهو يتخبط على السلم نحو الأسفل.

وشعر كأنهم استغرقوا ساعات. وقف بالانتظار على عتبات الحظيرة، يرتجف بسترته الرقيقة والحمراء.

في تلك الليلة، كان موضوع كل الثكنة. وضع الضابط إبهامه على نحر الصبي وقال:”ماذا سمعت؟. ألا يمكنك أن ترفع علم المجموعة لمجد الملك جورج؟”. ولم يعرف الصبي كيف يرد بشكل مناسب.

أعلن هوتون قائلا:”هذه آخر فرصة يا نصف بوش. غدا سيغادر الرائد إلى برنستون لثلاثة أيام، ولذلك يجب أن نعد لذائذ هوبويل وتكون أمامنا هنا. وإن لم تحسن سلوكك مع الإناث ولم تقنعنا أنك قادر على أن تضبطهن..”.

قال الضابط وهو يميل وأنفاسه يتطاير منها شراب الجن:”الموضوع هو: هل أنت بنت أم رجل؟”. وتحركت قبضته من رقبته إلى حنجرته وقال:”لا يوجد احتمالان يا نصف بوش. رجل أم بنت”.

قال الصبي وهو ينسحب بحالة يرثى لها:”ضاجعت إحداهن. في المزرعة. قابلتها في يومي الأول. وهي أجملهن”.

ربت برايان على كتفه وقال:”أوووو. تحتفظ بالأفضل لنفسك. حسنا. أحضرها غدا وأثبت لنا معدنك الأصيل”.

معدنه الأصيل؟. عبارة لم يسمعها الصبي قبل الآن، ودفعه ذلك للتفكير بالصبي ذي اللحية العنبرية، الذي استمر بالهرب جريا حتى قبض عليه الذئب.

استيقظ قبل الفجر واستمر مضجعا مثل جثة. لم يكن يشعر بقديمه. ووجد نفسه يفكر بيدي أمه الطريتين المجعدتين، وهي تضع أمامه طبقا من الحساء. تخلص من ذاكرته. أمه لن تعرفه الآن. وأدرك بكل وضوح أنه لن يعود للبيت.

حوالي الظهيرة، وهو يركع قرب الفتاة في المستودع قبض على يديها. وحاول أن لا يسمع الصرخات البعيدة.

قالت ثانية:”أشعر أنني مكروهة”.

“و كيف علموا أنك -”.

اتسعت حدقتاها واسودتا وقالت:”لا تعلمن. دائما كنت مكروهة. والآن زادت الكراهية لأنني لم أكن برفقتهن في الحظيرة. خالتي فقدت عقلها. الصغيرة لم تبلغ الثانية عشرة. لم أعتقد -”.

همس يقول وعيناه منكستان:”لم أكن برفقتهم”. يا لهن من عاهرات. يانكيات. وطنيات. أضافت: “كانت تنزف طوال الليل”.

وارتفعت الأصوات البعيدة. وجمده وضوحها. قال:”تعالي معي الآن”. والتفت برأسه نحو الحقول.

قالت ووجها مشرق:”لأهرب معك؟. هل أنت أحمق؟. لم يمكنني أن أحلم بذلك”.

أساءت فهمه، ولكنه شاهد فرصته، اقترب منها وقبلها. لم يتوقع ذلك. كانت خفيفة كالريشة. وقال بصوت عميق:”أنت لي”.

قالت:”أعرفك قليلا”.

اتسعت ابتسامتها وشعر أنه كسب الجولة وغاص شيء في صدره وقال:”لن أنصرف دونك”.

“لكن خالتي، أنا - إلى أين سنذهب؟”.

تردد وقال:”من يعلم؟”.

“سيلقون القبض عليك. أتوقع ذلك؟”.

هز كتفيه. ونهض على قدميه. ولم يفلت يدها.

قالت:”دعني أسرع إلى أعلى وأحزم أمتعتي..”.

هز الصبي رأسه، وتنبه من فكرة حمل أشياء إضافية وقال:”لا وقت لدينا يا قردتي الصغيرة. يكفي معطفك”. وفي الخارج وهي تلهث من السرعة أذهلتها الحقول المغطاة بالجليد. قالت:”أليس لديك شيء نمتطيه؟”.

قال:”يمكنني أن أحملك فوق المياه الراكدة”.

ضحكت البنت وقالت:”ويمكنني أن أقفز من فوقها”.

ولدقيقة من الوقت، وهما يتابعان فوق المروج واليد باليد مثل طفلين، سمح لنفسه أن يعتقد أنهما يهربان. وأنه رجل ويمكنه أن يكون فارا من الخدمة. وأنه هناك مكان يمكنه أن يحمل هذه البنت إليه دون أن يسقط بأيدي المطاردين ويعود إلى هوبويل مغلولا بالسلاسل ثم يشنق على مرأى كل الصحاب. وأنه يمكنه أن يرافقها إلى الوطن وتتذوق حساء والدته.

ولكن طوال الوقت، كان يعلم كيف ستتطور الأمور. سوف يقودها إلى الثكنة المزدحمة ببنات أخريات حتما، بنات بأكمام ممزقة وأنوف وجماجم دامية، بنات وطنيات ومواليات، بنات ستخبرن بعيونهن هذه البنت كل ما تريد أن تعرفه. وحينما يصفق الضابط ويأمر نصف بوش أن يهجم، ستبدأ هذه البنت بالصياح، وسيمد الصبي أصابعه المتجمدة ويفك أزراره الواحد بعد الآخر.

ملاحظة: في نيو جرسي وستاتن آيلاند وخلال الشهور الأخيرة من 1776، واظبت القوات البريطانية والألمانية على الاغتصاب المنظم للأناث المحليات. وأحد آمري الفرسان، وهو لورد رادون، قال:”الحوريات الجميلات في هذه الجزيرة مصدر لكل المشاكل العجيبة، والبنت منهن لا يمكنها أن تزور الغابة لجني وردة دون أن تواجه الخطر الداهم بإلقاء القبض عليها”.

وهناك حكايات عن 16 بنتا من هوبويل وقعن لأيام في قبضة البريطانيين - وانتشرت هذه الحكايات المجهولة التي سجل عددا منها شارون بلوكس بكتابه “الاغتصاب والقوة الجنسية في بواكير أمريكا” (2006). وقد زحفت المعاطف الحمر من هوبويل إلى ترينتون في عيد الميلاد المذكور، وخسروا أمام قوات واشنطن بمعركة برنستون في 3 كانون الثاني من عام 1777.

 ***

 

نيو ستايتمان 2010

 ...........................

إيمال دونهيو Emma Donoghue روائية إيرلندية - كندية مولودة في دبلن عام 1969. من أهم أعمالها رواية “الغرفة”، “الاقتراب من هوليود”، “الغطاء” وغيرها...

 

صالح الرزوقإتغار كيريت

ترجمة: صالح الرزوق

وصل حيليك حوالي 12 صباحا. سأل:”هل أقاطعك؟”. أومأت له أن يدخل، ولكنه تردد وتمهل عند العتبة. وقال:”إن كنت مشغولا  سأعود لاحقا. لا أريد أن أزعجك أو ما شابه، أشعر بالفضول فقط”.

أعددت القهوة وجلسنا في غرفة المعيشة. لكنه لم يشرب القهوة، ولم يتذوقها، وغاص في الكنبة وحاول أن يبتسم. وقال:”عرجت عليك لأرى كيف تسير الأمور. المحررون في دار النشر على أحر من الجمر، متشوقون لحد الموت بانتظار قراءتها”.

قلت:”كل شيء جيد. الأمور تسير بشكل ممتاز”.

ابتسم حيليك وقال: ”رائع. أنا مسرور. كما تعلم مرت تسع سنوات. أقصد في آذار يكون مر عليك دون كتابة تسع سنوات...”.

قلت:”ولكن. أنا أكتب طوال الوقت. إنما لا يعجبني ما أكتب. هذا كل شيء”.

قال حيليك ويداه فوق فنجان القهوة وسط البخار الحار: ”أريدك أن تعلم أنه رغم سمعتك الطيبة المبيعات ليست كما يرام. أقسم، في أسبوع الكتاب، كان يأتي كل عشرة دقائق إنسان ما ويسأل متى ستنشر كتابا جديدا. اسأل دوبي. بعد حوالي عشرة سنوات، حتى الكتاب السيء يبيع. ولكن إن كنت لا تكتب شيئا جديدا، هذا يعني...”.

قلت:” أنا أكتب. طوال الوقت أكتب. ولكن لا أجد الرغبة في نشر كتاب غير ناضج. حتى لو كنت أنت أو دوبي..”.

قاطعني حيليك قائلا: ”طبعا. لا أحد يريدك أن تنشر شيئا ليس مكتملا. الأفضل أن يكون جيدا ليبيع أكثر. فقط انته من كتابك هذا.. بالله عليك انته منه”.

كنت أعرفه. وهذه ليست أول زيارة له. وسريعا سيكلمني عن ابنته المشلولة، ثم سيبكيها. دائما يختم زياراته بالبكاء. قلت بمحاولة لاستباق الأمور: ”انتهيت منه تقريبا. لكن أحتاج لخمسين صفحة إضافية”.

Foto: Stephan Röhlكرر حيليك بتشاؤم:”خمسون؟”. قلت له لأبدو جادا: ” نعم. خمسون إضافية. أحتاج لأصل مع البطل لجريمة قتل. وأنا بصدد ذلك. أن يقتل شخصا للدفاع عن النفس. ثم سينام مع أخت القتيل دون أن تعلم أنه القاتل. ثم أضيف عدة صفحات قليلة لأسبر بها تفكيره وهو يسير على شاطئ البحر في قيسارية. ثم فاصل قصير في السيارة العامة وهو في الطريق إلى شقته وحينها يسمع من الإذاعة عن انتشار فيروس كورونا، وكما تعلم، يمكن للقارئ أن يضع الحبكة بسياقها التاريخي”.

قال حيليك وهو يقبض على يد فنجان القهوة: ”قلت خمسين صفحة. خمسون صفحة إضافية وفيروس كورونا؟”. وفكر لحظة ثم ارتعشت يده قرابة الجدار، فلطخه ببقعة سوداء بدأت تسيل نحو الأرض. وقال:

” تذكر ماذا قلت لي في آخر لقاء. عشرون صفحة قلت. قلت عشرين!. عشرون صفحة تعالج بها آخر حرب على غزة. إن لم تكن تكتب هذا يعني أنك لا تكتب. ولكن بحق الرب نحن صديقان لما ينوف على 25 عاما، حتى قبل ولادة عفت، فلا تكذب علي”.

لم أتكلم. وصمت حيليك. وأدركت أنه انتبه لفعلته. كانت البقعة لا تزال تسيل، وستصل السجادة حالا. لكنه قال بعد فترة صمت قصيرة: ”هل لديك رقعة؟. لا تنهض من مكانك. فقط أخبرني أين وسأنظف المكان”. نفيت بحركة من رأسي. وفعلا لا أعتقد أنه عندي رقعة من النوع المطلوب.

قال: ”آسف. فقدت التحكم بحركاتي. أمر بوقت عصيب الآن. أعتذر. هل يمكنك أن تسامحني؟”. أومأت. قال حيليك: ”حسنا. سأنصرف الآن. ولا أريد أن أزعجك.. خمسون صفحة.. قلت خمسين؟. عظيم. تقريبا يعني أنك انتهيت. وحاول أن لا تختار نهاية كئيبة جدا. اتفقنا؟. اترك خصلة من الأمل. الناس تحب أن تشعر بوجود فرصة للخلاص”. وتمهل عند الباب ثم قال: ”أنا آسف حقا بسبب القهوة. أنت لست حانقا، أليس كذلك؟. فقط المسألة أن ابنتي تمر بوضع سيء..”. وبدأ بالبكاء المعهود. وضعت يدي على كتفه. نفس الكتف الذي وضعت يدي عليه في المرة السابقة.

قال حيليك: ”الحياة قاسية. عاهرة فعلا. بلا قلب. تطحنك حتى لا يتبقى منك غير الغبار. اكتب عن ذلك. اكتب شيئا عن ذلك. ليس الآن، ولكن في كتابك القادم”.

قلت له قبل إغلاق الباب: ”سأرسله لك حالما أنتهي منه وفورا. لن أستغرق وقتا طويلا. أوشكت على كتابة النهاية”.

بعد انصراف حيليك، جلست أمام حاسوبي وتصفحت عدة مواقع إباحية. أحدها يعرض صورة فتاة بتسريحة مميزة وكان اسمها نكي. وكانت تتكلم لغة لا أفهمها وتشرب كوكتيلا يقدمه لها شخص غير واضح. أغلقت الموقع وفتحت معالج الكتابة. كانت لدي أفكار كثيرة في رأسي. في الواقع الكثير منها. وفي هذه المرة أخبرت نفسي أنه يجب أن أكتب بطريقة مبتكرة. وأن أبدأ من الخاتمة.

وهكذا بدأت:

(همست نكي:”لا ضرورة للكلام عن ذلك الآن”. وغطت فمه بيدها الناعمة. وأضافت: ”ولا ضرورة للتفكير بالموضوع الآن. دعنا نتبادل قبلة ونشاهد غروب الشمس”. كانت الشمس قد غابت تماما في البحر الأسود، ولمعت حزمة منفردة فقط وعنيدة في السماء، بمحاولة أخيرة ويائسة لتمنح العالم الداكن والفاسد ضفيرة إضافية من النور).

ترجمها عن العبرية سوندرا سيلفيرستون Sondra Silverston

إتجار كيريت Etgar Keret روائي إسرائيلي من أصول بولونية. يدعم حقوق الفلسطينيين. من أهم أعماله: سائق الحافلة (قصص)، بلوز في غزة (بالاشتراك مع الفلسطيني سمير اليوسف)، اختفاء كيسنجر (قصص قصيرة جدا)، الأعوام السبع الطيبة (مذكرات) وغيرها....

***

 

 

عادل صالح الزبيديمحاكاة للشاعر الرقيق كوباياشي إيسا

روبرت هاس

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 صبيحة العام الجديد -

كل شيء يزهر!

اشعر انني عادي تقريبا.

 

ضفدع ضخم وأنا

نحدق ببعضنا،

لا احد منا يتحرك.

 

هذه الفراشة رأت الضوء

في غرفة امرأة -

احترقت حتى استحالت رقاقة.

 

حين سألوه عن عمره

فتح الفتى المرتدي الكيمونو الجديد

أصابعه الخمسة جميعها.

 

الأزهار في الليل

مثل الناس

تحركها الموسيقى

 

 نمت نصف النهار؛

لم يعاقبني

احد!

 

الميلاد الخمسون:

 

من الآن فصاعدا،

كله ربح صاف،

كل سماء.

 

لا تقلقي أيتها العناكب،

انني اعتني بالمنزل

على نحو متقطع.

 

يرقانات البحر هذه،

انها لا تبدو

يابانية.

 

الجحيم:

قمر خريفي ساطع؛

حلزونات من البركة

تبكي في المقلاة.

***

 

.................

روبرت هاس: شاعر أميركي من مواليد سان فرانسيسكو لعام 1941 تلقى تعليمه في كلية سانت ماري بكاليفورنيا ثم في جامعة سانفورد لينال شهادة الدكتوراه وليقوم بعدها بتدريس الأدب والكتابة في جامعات عديدة. تأثر هاس بشعراء جيل الإيقاع  وشعر الهايكو فضلا عن شعراء كان يعدهم أفضل شعراء الخمسين سنة الأخيرة وهم بابلو نيرودا وسيزار باييخو وسبيغنيو هربرت وفيسلافا زيمبورسكا وتيسلاف ميلوش وقد قضى ما يربو على العشرين عاما في ترجمة اعمال ميلوش بمشروع مشترك يضم الشاعر روبرت بينسكي وميلوش نفسه. يتميز شعر هاس بالوضوح وبساطة الأساليب واللغة المحكية ودقة التصوير. نال شعره العديد من الجوائز أبرزها جائزة الشعراء الشباب عام 1972 عن مجموعته البكر (دليل ميداني)؛ جائزة وليم كارلوس وليمز عام 1979 عن مجموعته (مديح)؛ جائزة الكتاب الوطني عام 2007 عن مجموعته (الزمن والمواد)؛ وجائزة البوليتزر عام 2008 مشاطرة مع شاعر آخر. كما شغل منصب شاعر الولايات المتحدة للفترة من 1995 الى 1997 .

 

صالح الرزوقفلاديمير سوروكين

ترجمة: صالح الرزوق

 وجدت آنا، في يوم الخميس، أنها حامل. ولدى العودة إلى البيت من العمل، لم تجهز الغداء، وإنما جلست وراء طاولة المطبخ القزمة، ووضعت يديها المنهكتين على غطاء الطاولة الجديد، ونظرت إليهما بعناد.

وجاء نيقولاي إلى البيت كالعادة في التاسعة ليلا.

سمعته آنا وهو يتخلى عن معطفه في الردهة الضيقة والمزدحمة بالأثاث. ثم اقتربت منه، وطوقت عنقه بذراعيها، اللزجتين بوقود التدفئة، وأحكمت العناق. وقالت:” لا يمكنني يا كوليا الاستمرار. يجب أن نفعلها”.

تنهد نيقولاي وحرك شفتيه بنعومة على شعرها الأشقر والرقيق. وقال: “كل شيء سيكون على ما يرام. لا تخشي شيئا”.

زحف ذراعاها الرفيعان كحيتين، وأحاطتا بكتفي زوجها الهزيلين. وقالت: “لماذا تحاول تهدئتي؟ هل قرأت أمس صحيفة الحقيقة؟.

“طبعا فعلت”.

“وماذا تنتظر؟ أن يأتونا؟ أم ليعلنوا “أننا رذاذ ضد التيار”؟”.

“طبعا لا. أنا أفكر فقط”.

ابتعدت آنا عنه. وقالت: “أنت تفكر.. بينما “هو” لا يزال عند عتبة النافذة. وكلنا نراه”.

“لا تقلقي. سنفعلها اليوم. بالتأكيد”.

خيم الظلام على المدينة وحولها إلى مستطيل من النيران الملونة غير المتساوية على امتداد شريط من السماء المسائية. وسرعان ما أظلمت السماء المضغوطة بين المدينة وإطار النافذة الرقيق المطلي، وامتلأت بضباب كثيف. وكلما زاد الظلام، كلما زاد وضوح وكثافة مظهره الذي انتصب أمام السهول الغامضة للمدينة. ولاحظ نيقولاي سابقا أن جسد “هو” الشاحب والمزهر يبدو مضيئا أمام العتمات المتزايدة.

***

2159 vladimir sorokin قبيل اثني عشر عاما شق أنبوب زهري اللون وناعم طريقه من تحت الأرض الداكنة وانتهى بزهرة فضية، وحوله كومة تراب تماثل زجاجة نبيذ عملاقة، وأدهش نيقولاي كيف أشرقت الزهرة بسرعة بعد سقوط الظلام.

في تلك الأمسية كانت العائلة تحتفل بيوم الزهرة الأول. وتوجب عليهم نقل خزانة بجوارير ليجلس الجميع حول الطاولة. وتذكر نيقولاي كيف أطفأ الأنوار، وأصغى للنشيد الوطني ووالده الذي وافاه الأجل يشرب نخب ما يحصل. وتذكر كيف شربوا النبيذ وتبادلوا الأدوار في سقاية الأرض الخصبة الداكنة اللزجة بقطرات من النبيذ.

ولما حان دور الوالد بعد اثنين بدينين قبله هما من م ب إ (مديرية البروباغاندا الانتقائية) قال:”اكبر من أجل سعادتنا على مر القرون!. اكبر من أجل موت كل الأعداء!”. ثم انحنى وطبع قبلة سريعة على الأنبوب.

في غضون ثلاث سنوات كبر الأنبوب 13 سنتمترا، وأمكن نيقولاي أن يلاحظ الخطوط العريضة لأول خطاف خرج من جسمه، وكان مثل ثمرة بطاطا مستطيلة. وأخبر في أحد الأيام أمه. فضحكت وجرته نحو السرير. وقالت:”يا لك من ولد بليد!. هل تعتقد أننا لم نلاحظ؟”.

ثم أضافت بصوت غامض:”قريبا لن تصدق ما تراه عيناك!”.

وفعليا، لم تمر السنة إلا والقمة النامية، التي كانت تبدو من أول نظرة أنبوبة بلا شكل محدد، قد أصبحت مستديرة، وبقاعدة أعرض، ولها برعمان يتجهان نحو الأسفل. ثم جمع الأب الضيوف معا مجددا، وجرح يده اليمنى، وأضاف لقمة الأنبوب نقطة أو نقطتين، وأعلن أن هذا اليوم هو يوم التكوين.

وعلى مدى السنتين القادمتين تطورت الأنبوبة 10 سنتمترات إضافية، وأصبح الرأس الزهري مستديرا، وتشكل عنق قوي، وكتفان عريضان كمناكب وبرزت لها بطن فوق خصر مستدق.

قال والده بتعجب:”هذه معجزة الانتخاب يا بني!”. وعبث بلحيته الرمادية التي لحق بها المشيب قبل الأوان. وأضاف:”فقط شعبنا الذي يصنع المعجزات يمكنه التوصل لهذا الاختراع!. ولك أن تتخيل - أب لا يموت يقود هذا البلد العظيم!. وهو على عتبة كل نافذة ومع كل عائلة، وفي كل بيت، وفي كل زاوية من وطننا الحر!”.

وبعد قليل شق الطريق أنف لحمي خرج من الرأس المستدير، تبعه انتفاخان بشكل حاجبين، ثم تشكلت ذقن، وبرزت أذنان. أما جسمه، الذي كان في كومة من التراب حتى وسط خصره، فقد تمدد وشد من عزمه. وغابت بعض الوحمات والثنيات تدريجيا، وضعف التدرن.

وبعد سنة إضافية، ظهرت شفتان على الوجه الوردي، وتعمقت غضون الجبهة وأصبح جسر الأنف منظورا، وتحول جبينه لما يشبه القبة. وغطت خصلة من الشعر القصير أعلى الجبهة. وانضغطت الرقبة وملأت قبة القميص الطبيعي، وتكورت بطنه الصلبة التي التحمت بالأرض.

كان نيقولاي قد تخرج من الجامعة حينما ظهرت غمازتان على وجنتي الرأس، وتطور صيوانا الأذنين وتزايدت الغضون في السترة الضيقة.

وبعد سنتين توفي والد نيقولاي.

وفي السنة التالية احتفلوا بيوم التنوير - بزغت حبتان ناعمتان عند الجفنين المنتفخين. وتوجب على نيقولاي أن يقود الحفل. أضاف لوجهه المساحيق وأنشد النشيد الوطني أمام الضيوف الحاضرين. وسكبت أمه في تراب الرأس كأسا من بصاق العائلة الذي وفروه لهذه المناسبة. ومنذ ذلك اليوم لم يطعموه غير البصاق. وكل إثني عشر يوما كان نيقولاي يقدم له جرعة من منيه (نطافه).

ويوم ظهرت أشرطة عسكرية صغيرة على سترته، وبرزت نهاية قلم من جيبه، تم تتويجه بسام يوم اكتمال النمو. لكن احتفلوا دون أم نيقولاي المتوفاة.

ثم سريعا ما تزوج نيقولاي من آنا وذهبا للعمل في المصنع.

ومنذ اليوم الأول لهما في بيت واحد، اعتنت آنا بـ “هو” باهتمام. كانت تمسح كل صباح الغبار، عنه، وتسقي النموات بالبصاق، وتنشط التراب الأسود وتلمع الزهرة الفضية.

واستمرت الأحوال هكذا لمدة عامين.

ولكن في صبيحة الثاني عشر من حزيران انتشرت أخبار مزعجة في البلاد مفادها أن: الزعيم العظيم مات.

وتوقف الجميع عن العمل لأسبوعين - انتظر الجميع في البيوت بحالة صدمة. وفي نهاية الأسبوعين، وبعد دفن المرحوم، قبل الزعيم الجديد المسؤولية باحتفال كبير. وبعكس سابقه، كان الجديد طويلا ونحيلا. ويلقي الخطابات ويكتب الرسائل ويتبادل الكلام مع الشعب. غير أن خطاباته لم تمر على ذكر سابقه الذي استمر في المسؤولية لـ 47 عاما. وشعر الناس بالخوف من ذلك. بعضهم فقد رشده، وآخرون قفزوا من النوافذ متمسكين بتراب أنبوباتهم.

وبعد شهر، ألقى الزعيم الجديد كلمة للأمة وقال فيها إن “السابق الذي كان في المسؤولية، كان يعالج الأزمات الضرورية التي وراءها أسباب”.

ومهما أجهد نيقولاي وآنا نفسيهما للوصول إلى المعنى المخفي لتلك الكلمات، كان المعنى المقصود يهرب منهما. أما البقية.. الآخرون فقد توزعوا على فئتين. فئة تخلت عن الأنابيب وأبعدتها عن النوافذ و تعرض أفرادها للاعتقال. وفئة تركت الأنابيب على عتبات النوافذ واستلم أفرادها تنبيها شديد اللهجة. ولكن لسبب ما لم يضايق أحد نيقولاي وآنا - لم يتلقيا البطاقة البريدية الحمراء مع التحذير وصورة شخص يبصق بعكس هبوب الريح. ولكن هذا لم يسعد الزوجين. إنما عكر مزاجهما.

مر شهر ونصف الشهر وهما في هذا الحال من التوتر والترقب. بينما تواصل اعتقال الجيران أو استلام التنبيهات. وعاجلا صدرت توجيهات تمنع الانتحار. وهكذا توقفت عمليات الانتحار..

**

لم يلاحظ نيقولاي أن آنا تتبعه. ولكن لمست يداها منكبيه. وقالت:”هل أنت خائف يا كوليا؟”.

استدار نيقولاي وقال:”ومم نخاف؟. الحق معنا. ونحن اثنان طيبان”.

“نعم نحن طيبان يا كوليا. فهل يتوجب علينا أن نبدأ؟”.

أومأ نيقولاي. فأطفأت آنا النور.حمل نيقولاي مدية وقربها من الأنبوب بحثا عن الخصر، ثم بعد أن ثبت ارتعاشات يديه، صنع شقا على طول الخصر.

وتبين له أن الملمس أقسى من البطاطا. وتصدع الأنبوب بهدوء تحت المدية. وبعد أن قطع نيقولاي الـ “هو”، قبضت آنا عليه وحملته بحذر في الظلام، إلى الطاولة.

 وأخرجت آنا إناء زجاجيا بسعة ثماني لترات وبفتحة واسعة. وأوقدت آنا الموقد، وملأت دلوا بالماء، ووضعته على النار ليسخن. وجلسا في الظلام، ولم يكن يضيء لهما المكان غير شعلة الموقد الضعيفة، وتأملا “هو” مستسلما هناك. واعتقد كل من نيقولاي وآنا أن “هو” تحرك.

وعندما وصل الماء إلى الغليان، وضعته آنا على الشرفة ليبرد، وسكبتاه في الإناء، وأضافا الملح والخل وورق الغار والبرسيم. ثم بعناية أودعاه في الإناء. وحينما سقط في الماء الساخن انتفخ كأنه يريد أن يهرب من الإناء. ولكن ضغط نيقولاي على رأسه للأسفل بغطاء معدني، وقبض على الغطاء وشرع بإغلاقه بإحكام وسرعة.

وبعد نهاية كل شيء، حمل الزوجان الإناء، ورفعاه بحذر نحو عتبة النافذة وأصبح بمكانه المعتاد. ومسحت آنا بعناية الإناء الحار بمنشفة. وبعد دقيقة من التردد، أضاء نيقولاي النور. كان الإناء بمكانه على طرف النافذة، وجوانبه الزجاجية تلمع. وسبح “هو” في الماء، محاطا بعدد من الأوراق الصغيرة، وهكذا لم تعد رؤيته سهلة.

قالت آنا بعد تفكير طويل:”شيء جميل”.

تنهد نيقولاي وقال:”نعم”.

عانق زوجته ووضع يده برشاقة على بطنها. فابتسمت آنا وغطت يده بيديها الدافئتين.

في الصباح التالي استيقظت آنا بموعدها العادي، قبل زوجها بنصف ساعة، وذهبت إلى المطبخ، وأوقدت الموقد ووضعت الإبريق عليه. وبعد ذلك توجب عليها سقاية “هو” بالبصاق الذي وفراه على طول يوم كامل. دغدغت نفسها بلا وعي، ومدت يدها آليا نحو كوب البصاق المودع على الرف ولكنها تجمدت: كان الكوب فارغا. نظرت آنا إلى طرف النافذة ولاحظت الإناء بالأنبوبة. تنفست براحة عميقة وهي تتذكر العملية التي قاما بها أمس ليلا. اقتربت منه ووضعت يدها على الإناء. ونظرت من النافذة. كانت المدينة تستيقظ والأنوار تشتعل في النوافذ. ولكن شيئا ما طرأ على المدينة. لقد تبدلت على نحو ملحوظ. فركت آنا عينيها وهي تتابع النظر: على عتبات النوافذ كانت أصص الزهور الفضية والذهبية التي اعتادت أن تراها منذ نعومة أظفارها قد اختفت وحلت بمحلها علب زجاجية تحمل الأنابيب المزهرة.

1979

***

 

.....................

* الترجمة من الروسية: مايكل أ. بيردي Michele A. Berdy

 فلاديمير سوروكين Vladimir Sorokin  روائي روسي معاصر. من أهم أعماله: يوم في حياة موظف مخابرات (رشحت للمان بوكر الدولية في لندن)، العاصفة الثلجية، الجليد وسواها....

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: إشتفان شينكا

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي

حَانَ الوَقْتُ لِأُصَفي حِسابي مَعَ الجَميعِ،

وَسَأُجْزي بِروحِ راهِبٍ كُلًّ حَسَبَ إيمانِهِ.

الأَعوَجُ، وَاَلْمُسْتَقيمُ

كُلُّ الأَصْدِقَاءِ الكَاذِبِينَ

اَلَّذِينَ يُصَافِحُونَنِي مِنْ بَعيدٍ

وَيَقِفُونَ فِي طَرِيقِي مِنْ قَريبٍ.

سَأَجْزي الأَكْلَفَ - والأَمْلَطَ!

وكَبيرُهُمْ أَيْضاً - خُذْ، إِلَيْكَ ظَهْري!

مُؤَكَّدٌ، إِنَّهُ صَغيرٌ،

لَكِنَّ هَذَا كُلُّ مَا أَسْتَطِعُ تَقْديمَهُ إِلَيْكَ

فَلَطَالَمَا انحَنَيَت كَيْ أَكونَ لكَ سُلَّما.

لِكُلٍّ مِنْكُمْ عِنْدِي مَا يَنوءُ بِهِ

فتَمَهَّلوا .. سَأُعْطِي لِلْكَثِيرِينَ مِنْكُمْ اليَوْمَ

فَأَنَا شَجَرَةٌ، وَأَغْصانِي تُورقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.

أَمَامِي صَحيفَةٌ. فِيهَا أَسْماءُ،

أُعدها. ثُمَّ أَشْعلَ اَلْسيجارَ الآنَ.

.. فَقطْ اهْدَأوا أَيُّهَا المُتَسَكِّعونَ الصِّغار.

وسَأَسْحَقُ مَنْ يَمَسُني بِسوء.

***

 

...........................

نبذة عن الشاعر:

ولد الشاعر إشتفان شينكا في 24 سبتمبر من عام 1897 في عائلة تعمل في رعي الأغنام، وقد زاول هو أيضاً المهنة ذاتها لوقت ما.. نشرت له أول قصائده في مجلة ذات طابع "عرقي". تعهدت المدرسة النحوية في مدينة سيكهالوم بنشر ديوانه الشعري الأول (ترانيم عند البوابة الشرقية) عام 1934.

عبَّرَ في قصائده عن مطالب فقراء الفلاحين، وعن معاناته وخيبات أمله السياسية، وغياب الإصلاحات الاجتماعية، مما دفعته إلى اليأس والمرض..

نجد في دواوينه زخارف من الطقوس السحرية القديمة والمعتقدات والعادات الشعبية التي تظهر بؤس الفلاحين الفقراء بجلاء.

لقد أثقلت أسطورة الفلاحين والأيديولوجية العرقية أيضاً سيرته الذاتية. توفي الشاعر عام 1969. بعد وفاته ب 21 عام وبالتحديد في عام 1990 منح جائزة كوشوت لايوش، والتي تعتبر إحدى أكبر الجوائز الأدبية في المجر.

 

صالح الرزوقبقلم: سارا هيوتلينغ

ترجمة وإعداد : صالح الرزوق

لم أكن في البيت، في بداية هذا الربيع، عندما وقعت حوادث الانتحار. ولم أكن أتابع الأخبار في الصحف المحلية ولم أسمع بتفسير السلطات المحلية المتلاحقة لهذه الأزمة الوجودية في البلدة -  تصويت المجلس لتمويل مراقبة على مدار الساعة يوميا عند مدرج سكة الحديد. والآن فقط، بعد عودتي، بنتيجة المعاناة من  سلسلة مصاعب في الدراسة، شاهدت في موقع حدوث الوفيات لوحة كتب عليها:

“مطلوب للعمل

نحن بحاجة لحراس ليليين للإشراف على معابر مدرجة”.

كانت لدينا أربع تقاطعات معروفة، بيش وماين، ثم ويلو وماين، وهكذا، وكل منها هي على مبعدة شارع أو ما يعادل ذلك من المدرسة، ومزودة بثلاثة معابر للمشاة حيث خط القطار يشترك مع المجال المدني بطريق من ثلاثة أزقة تمتد من الشمال للجنوب مرورا بالعمود الفقري لبلدتنا وتفصل استاد كرة القدم، وما تبقى من الجامعة، عن الأحياء السكنية. مزقت من اللافتة أحد الأرقام المدونة، وعدت للبيت، واتصلت بالهاتف.

ولاحظت من الإعلان أن ساعات العمل تناسبني ومفصلة على مقاسي. فباعتبار أنني لا أستطيع توفير الرعاية لوالدي بعد الآن، سيسمح لي العمل مساء في المعبر بإنفاق وقت النهار معه على أن أكون جاهزة وقريبة في الليل. نعم الأجر زهيد. وكلا، لن ينفعني لمتابعة حياتي، والتي هي مجرد تسكع على بوابة العالم الأكاديمي. ولكن أقنعت نفسي أن العودة للبيت والعمل إجراء مؤقت، استراحة حتى أجد القدرة الذهنية للبحث عن بديل. وطبعا لم أذكر شيئا من ذلك في المقابلة، وخلال بضعة أيام التحقت بالعمل.

مرت عطلة نهاية أسبوع ممطرة، ثم عدت إلى السكة، وحسب التعليمات كانت الغاية “التمرين” في “المكتب”. وتبين أنه كرسيان خفيفان مع شبكة للكؤوس كانت ترتكز على لوح من الإسمنت قرابة معبر القطار. وكانت هناك ذراع ضوئية وامضة، تعلو وتنخفض، وترسل قوسا من الضوء، ومنذ الانتحار، أضافوا بوقا منبها للإنذار بقوة خمسة وتسعين  حتى 115 ديسيبل. ولم يكن واجبي يقتضي إيقاف القطار، كما قال المدير، إبراهيم. ولكن ضمانة عدم زيادة سرعة العربات الخمسة السريعة المتجهة إلى شيكاغو عن 79 ميلا في الساعة وهي تستغرق ربع ميل قبل أن تتوقف تماما. أما العبّارات، التي تتوقف ليلا، فهي بحاجة لميل. وواجبي يتلخص باستدعاء الشرطة في حال وجود مراهقين منفردين يتسترون بظلام الليل. ثم قال:”عملك سهل. لا مهدئات، ولا كحول، ولا هاتف”.

التقط أنفاسه وسأل:”هل ستكونين على ما يرام؟”.

بلعت أنفاسي وقلت:”طبعا”.

“أقصد رغم أنك امرأة وحدها وفي الظلام؟”.

ولم يكن في كلامه شيء مقلق. وقلت:”أنا إنسانة ليلية”. ولمس قلبي باهتمامه - أفترض أنه لمسني لأنني أعتقد بالسر أنه لدي نبع غزير من المقلقات، وعلى ما يبدو أنه باستثناء إبراهيم لا يشعر بي أحد. 

هبت الريح في الغابة، واحتكت الأغصان بسور العاصفة وباللوحة التي تحمل عبارة: المساعدة على بعد مكالمة هاتفية فقط. وكانت تحت صورة يدين متماسكتين. وخلفها شاحنة كسولة وتلفظ الديزل. وقف إبراهيم وفعلت مثله. سألني:” هل تعيشين بعيدا؟. العودة للبيت بالسيارة تكون صعبة أول الأمر”.

وقبل أن أرد، نظرت للأعلى، من فوق كتف إبراهيم الأيمن، ونحو بيتنا، بطلائه المقشور، وسقفه المتوج، ومؤشر الرياح الأخضر، والشرفة التي تحاصره، وكرسيي القصب، حيث آمل أن يجلس والدي بانتظار أوبتي.

ألقيت تحية الوداع على إبراهيم، وعبرت الشارع، وأصبحت في البيت. بعد مطر الأمس، غطت بتلات أزهار الكرز الممشى الحجري، ولاحظت جمالها، وغمرني إحساس جديد بالمسؤولية. كنت مكبلة بعملي الجديد لكني ممتنة له، لأنه سيسمح لي بفرصة الاهتمام بوالدي ليلا بين حين وآخر. ما الغريب أن يحصل شيء لحظة أن أبتعد عن المسار؟. كان الوالد قد اتبع تعليماتي وغط بالنوم بهدوء في الكرسي الهزاز. وكان معه كتاب قديم من صديق ميت عن رودين، وكان مفتوحا على صدره، وكأنه يعانقه بحثا عن الراحة. قبلت جبينه الأصلع فاستيقظ، وابتسمت عيناه، وصنع إشارة راقصة بمعصمه لأن أصابعه كانت مرتبكة، وفهمت أنه يطلب مني أن أنضم له.

نمضي المساء، والدراجات الهوائية تتدحرج وراءنا بموجات يتحكم بها تدفق القطارات والمرور. بدأت ممارسة الرياضة الآن في المدرسة. ومر الأولاد من قربنا بثيابهم الموحدة، التي تلمع بالبرتقالي والأزرق، وخوذاتهم تتدلى من مقابض الدراجات. أنظر للجرح فوق صدغ والدي، لا يزال يشفى من سقطته يوم زيارة مؤسسة رعاية البالغين - آخر قشة. كان يبدو رقيقا. من المؤسف أن تتخيل أن معظم العالم لا يحسب حساب السقوط.

وضع والدي ساقا على ساق تحت معطفه، وبدأ يقول أمام السماء المفتوحة أمامنا، والعصافير تترنح فيها وتعلو: “كيف...”. وانتظرته أن يتابع.

كرر مجددا:”كيف...”. وارتفعت يده ثم سقطت.

حاولت أن لا أقاطعه. واستمعت لأنفاسه الضعيفة لربما وجدت لها معنى، ومنها يمكن أن أدخل لأفكاره وأحملها معي. وحاولت أن أذكّر نفسي أن وجود أحدنا برفقة الآخر أهم من أي كلام يمكن أن نتواصل به. وضعت يدي على يده. كانت باردة ومرتعشة. مر قطار. وهزّ الصوت المزيد من البتلات فسقطت بموجة غزيرة على الممشى.

قال:” أنت -”.

ساعدته بقولي:”كيف هو عملي؟”. وأخبرته أنني سأعمل بالحراسة على خط القطار ليلا، ولكنني

غير متأكدة إن فهم ما أقول. كان وجهه مقنّعا، والإرهاق يظلم عينيه، ويضع فيهما بريقا باردا. أطلق نفسا. “احتقنت الكلمات”. ومنطقيا أن أشعر بالأسف لهذا الاعتراف. لو ضمن لنفسه بضعة كلمات متماسكة يوميا، فقد استعمل أربع كلمات منها الآن. ثم سألته إن هو جائع. أومأ وقبض قصب ذراع الكرسي لينهض. قبل باركنسون كان طوله ستة أقدام، ووزنه يبلغ 220 رطلا. الآن هو يتراجع يوميا، وإذا وقف، كما يفعل حاليا، لا يعلو رأسه فوق رأسي. ترنح، ألقيت وركي بلصق فخذه ومررت ذراعي من تحت إبطيه، وتابعنا طريقنا إلى البيت وكانت أخشاب الشرفة تشخر تحت خطواتنا.

ما أن بلغنا المطبخ، مررت مريولا من فوق رأسه، وناورت به حتى الطاولة، وضبطت الراديو على ما بعد المحطة الوطنية واخترت “أغنيات العصافير في الأراضي الوسطى”، وهي بث مسائي عن عجائب المنطقة. تناولنا بالأمس بقايا أطعمة سابقة، وكانت الوجبة شهية - بوبوباس من نوعين، بالفاصولياء الحمراء، وبلحم العجل المفروم.

2147 HoughtelingSaraوالدي من علمني هذا الطهي، لأنه تعلمه قبلي، حينما كان متطوعا في كتائب حفظ السلام في السلفادور في 68 و69، وأي شيء يذكّره بذلك الوقت يسره. كان سهلا للمضغ وسهلا بالابتلاع. سكبت آخر لقمة في فمه، وجاءت من بين شفتيه المطبقتين همهمة تدل على استحسان المذاق. تبعها همهمة خافتة، وكانت هذه طريقة دماغه بالتعبير عن الرضا. ثم أحضرت طبقا من الآيس كريم بالشوكولا لكل واحد فينا، من مكانه المفضل في المجمع، قرابة متحف الفنون، وكان يعمل هناك في قسم الترميم.

كان متعبا جدا بعد تلقي الجرعة الليلية من الدواء، ومتعبا من الطعام، ومن المشي من الشرفة إلى المطبخ، ثم من المطبخ إلى الحمام، وهذا كل ما بوسعي لأحتفظ بوعيه وأنا أنظف له أسنانه.  لم أكن أستعمل المطهرات، مع أن واحدا من أضراسه يبدو بحالة خطيرة. ألبسته منامته الرقيقة التي أحضرتها أمي في عيد الميلاد السابق، ولنكون كلنا بمنامات متشابهة، وذهبت به إلى سريره، وقيدته على السرير، كي لا يتدحرج أو لا يفكر بالتململ والحركة. 

وضعت الشاشة الصغيرة على طاولته. ويمكنني أن أقول منذ الآن أنها ستستهلك البطارية. ومع ذلك هي أقل تكلفة من بيوت الرعاية أو زيارة الطوارئ. ليس لأن وضعنا المالي الحرج هو السبب الأساسي لتجنبها. والدي هو من دفعني لأقسم أن لا أقترب من كليهما. وهو واضح بإعلان رغبته: أن يموت في البيت. في سريره. دون أنابيب ولا أجهزة مغذية ولا إجراءات فائقة الخصوصية. “ليس مثل أمك المسكينة”. هذه التوجيهات ناقشناها قبل خمس سنوات حينما كانت حالته صعبة. كنا في عيادة طبيب الأعصاب وهو من قال:”لنتكلم عن هذه الأمور ما دام قادرا على ذلك”.

ضغطت على زر الشاشة واشتعل الضوء الأحمر. كان أبي نائما. وهيأت السماعة، وبدأ الجهاز يرن إيذانا بالتسجيل حتى غادرت الغرفة إلى الردهة. وتابعت الهبوط على السلالم، ثم غادرت البيت، واتجهت إلى الخط الحديدي، وكنت حريصة أن لا أضع عيني بعين حارس الليلة، والذي كان يلهو بكلمات متقاطعة، وهو يرتدي القفازات. وضعت السماعة على أذني. حتى بعد التقاطع كان بمقدوري التقاط صوت أنفاس والدي، وسعاله وغرغراته. وكان هناك صوت خشخشة، وأدركت أن الإشارة تتقاطع مع أجهزة أخرى لها نفس الموجة. وسمعت صوت بكاء طفل، ومحطة إذاعة تعزف الموسيقا، ومكالمة هاتفية يتخللها توبيخ “بربارا” بسبب الإنفاق على السمك، والهدايا، والأحذية. ثم صوت والدي مجددا.

عدت أدراجي إلى الشرفة، والكرسي الهزاز، لتفحص الغيوم والخفافيش التي تطارد حشرات بين أسلاك الهاتف. ونعبت بومة من أغصان قيقب قرب الباب. سحبت الوشاح على كتفي، وأعدت التفكير بمشكلة الأمراض - كيف أن الوالد يحتاج لمساعدة موثوقة ودائمة لمتابعة أعماله، والتي هي كل شيء في حياته. وكيف أن ديغاس أصابه العمى، وبيتهوفن الصمم. وشومان: شلل الدين، واضطراب السمع، والجنون. وأمي ذات القامة الفارعة الورم في صدرها. عدت أدراجي للطابق العلوي، ولم أجد وسيلة للنوم. تناولت قرصا منوما، وبعد تسعين دقيقة قرصا مهدئا، وأخيرا سقطت بالنوم، وأنا أسمع موسيقا القطار، وإيقاع صفيره، ولحنا من موجتين، كل منهما يتبعه صمت، ثم نصف لحن عزيف بوق. ورنت الأجراس مع هبوط البوابة عند التقاطع. لو أنني فصلت العجلات الثلاثية التي تقعقع عن الخط الحديدي، فإن سرعة القطار وهو يمر منها سيشبه هدير موج البحر.

و فشل الهاتف في إيقاظي في الساعة الرابعة، وأعتقد أنني كنت أحلم حينما سمعت كلام والدي بالإسبانية التي يتقنها. قال بصوت مرح:

”Buenas noches, Isidro. ¿Cómo está usted?¿Cómo está su papá? ¿Cómo está Don Chepe?”.

“ليلتك سعيدة يا إيزيديرو. كيف حالك؟ ووالدك؟ كيف دون شيبي؟”.

استيقظت، وجلست، وعركت عيني، وبحثت عن الضوء، والاسم يرن. إزيدرو؟ إزيدرو؟. منذ أيام عمل والدي في كتيبة السلام في السلفادور، كان أحد الأبناء السبعة من العائلة التي استضافت الوالد. ابن دون شيبي، رجل الدين الذي احترمه والدي ووصفه في عدة مناسبات بأنه مخلص، ومستقيم، وجاهل، وكريم، وشجاع. دون شيبي الذي أيده والدي ووقف بجانبه حينما ضجر منه المالك بسبب إيوائه لوالدي وبسبب نادي الكتاب الذي أنشأه لشباب البلدة الذكور. والآن أنا أقل تحيرا من نداء إيزيدرو لو قارنت ذلك بكلام والدي بإسبانية سلسة. زحفت من السرير. ورغبت بالاستماع.

بدأ والدي ينوح من خلال الأزيز قائلا:” آه، كلا”.ثم تنهد. وتخيلت دون شيبي ميتا. خطوات والدي تترنح نحو الطاولة. وجرار ينفتح. ويبحث في صينية الأقلام القديمة، وأغطيتها المعدنية ترتطم ببعضها بعضا، ثم بقرقعة رنانة يضرب الهاتف الأرض ويرتجف البيت بينما والدي يسقط. أسرعت على السلالم  نحو الأسفل ومن خلال باب غرفة النوم رأيته على البساط، شكرا لله، كان رأسه بعيدا عدة بوصات فقط عن الطاولة وإطار زجاجها وعلبة الملاقط والشكالات والفرشاة والملفات. ثم ترن السماعة من بعيد.

ومن الأرض يأمرني والدي:”Llama a Isidro. Ahora mismo”. “اتصلي بإيزيديرو حالا”. يبدو أنه شيء مهم. كان وجهه أبيض ناصعا وراء لحيته السوداء الرمادية وكان فمه مفتوحا. تفحصت ساقيه وذراعيه بحثا عن عظام مكسورة. كانت ركبته مثل مخطوطة قديمة، مبقعة بعدة دوائر داكنة. دفع يدي بعيدا وقال:”اتصلي”.

توسلت له قائلة:”كيف؟”.

أشار للورقة القانونية الصفراء التي ضحى بنفسه للحصول عليها. وسجل شيئا عليها بعجالة، ولكن الأرقام كانت تبدو كأنها مكتوبة أثناء زلزال. جربت *69 فرد المقسم. حاولت عشرة أرقام مختلفة، ولكن أيقظت أغرابا لا أعرفهم في أرجاء البلاد. ولم تمتنع يدي عن الرعشة. لم يرد أحد يدعى إزيدرو.

علا صوت تنفس الوالد، وتساءلت هل أصاب ضلعا من أضلاعه، أم أسوأ. كان لا يزال على الأرض، ولم يك لم يكن ممكنا أن أرفعه دون أن يبذل بنفسه جهدا، ولذلك انتظرنا، كلانا مستلقيين هناك، حتى استعاد وعيه. وأخيرا، قبضت على يده، وسحبته للأعلى نحو سريره، وهناك ربت على وجهي وقال بمحبة “فتاة قوية”. وضع خده على الوسادة، وبدأت أنتبه للمشكلة، كان يتألم، وتوقعت أولا أنه محموم - ربما التقط عدوى من مكان ما، ربما بسبب ذلك السن. ولكن في النهاية أوضح لي: أنه علم أن إزيدرو سقط بيد الشرطة عند الحدود. والآن هو في مركز الاحتجاز، وبانتظار الطرد. وأراد من والدي أن يدفع الكفالة - 15000 دولار - نقود تسمح له بإطلاق سراحه ثم مواجهة قضيته من الخارج. ووعد إزيدرو أن يحضر جلسة التحقيق. ووعد والدي بإعادة المبلغ.

كانت لدينا مشكلتان، كبيرة وصغيرة، ويتوقف ذلك على طريقة نظرتك للأمور. لم يتذكر الوالد أو لم يسمع أين هو مركز الاحتجاز أو ما اسمه. ولم يكن بحوزتنا المبلغ المطلوب. وأنا أعلم أن البيت مرهون وأعيد رهنه وكل شهر أدفع لحد الأدنى من المبلغ ببطاقة الإئتمان. وعلى ما أفترض هناك مشكلة ثالثة. كان إزيديرو دائما إما “مضطربا” أو “مصدرا للاضطراب”.  ولم يكن بمقدوري فهم ما يقول الوالد لأنه أغفى بمنتصف الجملة. راقبته لفترة طويلة. النور مشتعل، وبه تفحصت الصور الموجودة على الطاولة، وكان عددها ثلاثا. الأولى والدتي في بدايات زواجها، وهي تسرع وغمامة من الثلج على الزلاجة التي هيأها الوالد من أجلها.  الثانية في بستان. وكنت بعمر أربع أو خمس سنوات بأفرول من الشاموا، وعلى كتفي والدي، وعلى  رأسي تفاحة. والأخيرة في السلفادور. ومن الغريب أنني لم أنتبه لها من قبل، وهي صورة من بين ثلاث فقط في غرفة عمل والدي - ملجأه - صورة من أيامه في الخارج وبجانب صورتي وصورة أمي.

 التقطت الصورة الفوتوغرافية، ونفخت الغبار عن الزجاج، وتأملت المشهد. دون شيبي، وزوجته، وأبناؤه الخمس يقفون أمام باب مائل وباهت. والجميع بثياب بيض، والشعر ناعم ومصفف بأناقة. على ما أعتقد أن إزيدرو هو الطفل في الصورة، وبين ذراعي أمه. ويد دون شيبي المرفوعة تستقر على كتف والدي. وكان والدي الوحيد بقميص غير مكوي ولكنه طويل وأسمر وبشيالات ومع ابتسامة بطريقة مريحة وبسيطة.  ولكن لم أتعرف على تعابيره، حتى قبل الباركنسون. كانت غير واضحة، هذه النسخة السعيدة منه التي لم تشاهدها  عيني، أو التي تنتمي لفترة من الماضي. هذه المشاعر ليست جديدة - وحتى كطفلة أتذكره وهو يعرض الصورة علي ويقول بصوت عاطفي:” فكري كم من الصعب علينا نحن الآباء أن نحتفظ بوجوه وثياب أولادنا نظيفة”.

والآن انظروا لهذا. هؤلاء الأولاد أكثر وسامة منك ومني في أي وقت ما، وها هم يعيشون في بيت بأرض ترابية. لكنه أنظف بيت وقفت عليه بقدمي. وأتذكر تعاستي لأنني فشلت من الحياة بمقاييس أبناء دون شيبي، الذين حدثني والدي عنهم على فترات. كنت شابة ولا يمكنني التساؤل إن كان يبالغ، أو يختصر. ولا أريد أن أعتقد هذا.  

حاولت أن أنظر في وجه إزيدرو الطفولي، ولكن الصورة لم تكشف شيئا أكثر من حزمة من الظل - أنف وجبين وهذه البقع الغامضة أيضا، الأم. لا بد أنها كانت تهدهده وتدلله، وتعتني به، ليكون هادئا في الصورة. وهذا حول أفكاري مجددا لأمي ولحقيقة أن أحدا منا لا يستطيع أن يتذكر أحاسيسه، أن يكون حزمة بين يدي الأم الحاضنة. عدت للسرير ولم أتمكن من النوم. وحينما نمت أخيرا، حلمت أنني كلمتها بالهاتف العمومي. وتبادلنا الكلام حتى نفدت النقود من الحصالة، ولكن عن ماذا تكلمنا، لا يمكنني أن أتذكر.

في الصباح التالي، أيقظتني يد والدي وهي تربت على كتفي وترتعش. وهو ما أرعبني. أولا لأنه صعد على سلالم البيت الضيقة وحيدا، وثانيا لأنني لم أسمع صوت اقترابه. جلست في السرير، والقلب يقرع كالمطرقة. وكان المطر في الخارج يسيل بغزارة.

قال:”لإيزيدرو خال في فلوريدا. دون أرتورو. وهو من أرسل لك الثوب الأصفر”. استغرقت دقيقة، لأعود للخلف ما يزيد على عشرين عاما، وبشيء من المرح الشقي تذكرت الهدية، الثوب، تلك التفصيلة من الحرير والتول التي كانت صغيرة على حجمي لدى وصولها، كانت تشبه بذة كسارة بندق أو زي تعميد، وليس شيئا عمليا، من النوع الاقتصادي الذي تعلقه الوالدة في الخزانة. أين ذهب؟. وتذكرت لماذا أخبرني الوالد بذلك. تذكرت مسألة الكفالة، والولد الضائع. نهضت وأنا منومة،  وبحثت عن حامل ملفات الوالد. بعض البطاقات كانت مطبوعة، دليل آخر على سيرة حياة الوالد وشغفه بأقلام الحبر القديمة. فتشنا في بطاقات قديمة لجامعين من غروس بوينت ومتاحف في هيوستن حتى وصلنا أخيرا إلى أرتورو فلوريس، خال إيزيدرو، شقيق أمه.

أن يكون الوالد قادرا على تذكر كنيته عبارة عن لغز آخر من ألغاز باركنسون. طلبت الرقم، وتكلمت مع زوجته، وهي أعطتنا رقم موقف السيارات الذي يعمل فيه زوجها.

طلبنا الرقم الآخر. بعد رنات كثيرة، رد دون آرتورو، وأصر الوالد أن يكلمه، وبالإسبانية. ومجددا، كان بليغا لحد يثير الإعجاب منذ البداية - وأتذكر الآن، أن طبيب الأعصاب أخبرنا أنه من الأسهل أحيانا على مريض الباركنسون أن يتكلم بلغة أجنبية من الكلام بلغة لسانه الأم. وحينما بدأ الوالد ينفعل، تابعت. إزيدرو لم يكلم دون أرتورو. ويبدو أنه تلقى مخابرة واحدة، وكانت من الوالد. وأبدى الاستعداد لمخابرتنا إن وردته أنباء أخرى.

وقال:” اسمعي يا آنسة”. كنت على وشك أن أغلق الخط. تابع:”سوف يطرد. أنا أعلم أن والدك رجل طيب. ولكنه يهدر أمواله. إن اتصل بي ابن أختي سأقول له: آسف. لا يمكنني مساعدتك. سيكلفني عشرة - أو خمس عشرة - ألف، ومقابل لا شيء”. أصاب الغم كلينا. ويمكن أن أؤكد أن الوالد أصابه الاضطراب لأنه غرق بالنوم لفترة أطول، وعندما استفاق كانت معدته غير مرتاحة وأنفق وقتا طويلا في الحمام. ونظرت من ثقب الباب لأتأكد أنه لم يسقط مغشيا عليه. وطوال اليوم هاتفت مراكز الاحتجاز ومحامي الهجرة وأرقام طوارئ حقوق المهاجرين والشرطة في دوغلاس وناسو ونوغاليس وأريزونا. ثم بدأت بتكساس، وسط تكساس. وبعدها كاليفورنيا. وأخبروني أن هذه المراكز لا تستقبل المكالمات. وعلمت أن الموقوفين يدفعون لقاء مكالماتهم، وأن مكالمة واحدة يمكن أن تكلف أتعاب أسابيع من العمل (فالموقوف يحصل على دولار واحد في اليوم). وعلمت أن هناك لوائح تحدد أماكن الموقوفين. واستعمالها يتوقف على أن تعلم مسبقا تاريخ ولادته بدقة وتعرف اسمه الكامل وبتهجئة صحيحية. وكان لأحد المحامين الذين كلمتهم تكاليف محددة. وأخبرني آخر أن الرقم الذي سجله الوالد قد يكون رقم بطاقة هوية الموقوف إزيدرو. ونصحني ثالث بلوس أنجليس لأن أتعاب المحامي وكفالة الموقوف أقل على وجه العموم. وحسب ما ورد في موقع visahelp.com أن كفالة إيزيدرو البالغة 15000 دولارا يعني أنه مصنف بين الهاربين الخطرين.

و لحق بي التعب والعصبية. وكذلك الوالد.

سألني وهو على كرسيه في الشرفة:”ماذا علينا أن ...؟”. وكرر العبارة مجددا، بدأ وتوقف. ونعبت البومة من شجرة قيقب الجيران.

“علينا أن نتصرف حالا”.

“لا يمكننا”.

تحرك الوالد وأنّ قصب الكرسي. قال:”النقود”. ولكن كنت أفكر كيف وأنا طفلة، في يوم عيد ميلادي، حملنا الساطور الذي اشتراه من السلفادور وقطع به قالب الحلوى. وكيف أن بوط التسلق الذي ارتداه في كتيبة حفظ السلام ترك علامة على الأرض في الردهة، وكيف أن الكتب المصفرة والمجعدة بسبب جماعة القراءة ذات القدر السيء بقيت مكومة على الرف خلف البيانو. مختارات أشعار خوسيه مارتي، وترجمة الغريب، والشيخ والبحر. كان الوالد يوشك على البكاء.

قال:”يا لها من خسارة”.

لم أكن واثقة مما يقول، ولم يكن لدي وقت للسؤال. كان علي أن أساعده بروتين وقت رقاده ثم أذهب لأول ليلة عمل لي. كانت لفمه رائحة كريهة. إما بسبب الضرس أو لجفاف الحلق - أثر جانبي آخر لعلاجه، والذي يبدو تقريبا وأحيانا منذرا بالمخاطر كالداء نفسه.

أخبرته إلى أين سأنصرف. ولا يمكنني أن أعلم ماذا فهم، ولكنه قبض على ذراعي بإحكام ووجد صعوبة بإفلاتي. أعلم أنه داء الباركنسون، ولكنه جعل وداعنا أقوى وأرق. وكنت مضطربة بسبب المغادرة. وبدأت أتعرق. وبذة الليل لم تنفعني - وضعت قبعة من القماش وسروالا مخططا رقيقا وسترة العمل الخضراء، والتي لم تكن تبدو جديدة. وقرقع شيء في جيبها - ووجدت قطعة فارغة من ورق الألومنيوم لحبوب الكافايين، وفي الجيب الآخر عدة قطع من بدائل النيكوتين، ومسبحة، واحتفظت بها دون تشاؤم. وحملت معي السماعة الصغيرة، وتركت النور مشتعلا في الممر، وأغلقت الباب الأمامي، وبغضون خمسة وأربعين ثانية كنت على السكة، قبل نوبتي بخمس دقائق. حصلت على إشارة من كريسينسيو،  وصافح يدي وقدم لي كعكة لا تزال بعلبتها البلاستيكية، وبقايا من وجبته، وكتاب صلوات مهترئ قال إن حارسا آخر قدمه له في أول ليلة عمل.

قال:”مسرور لأنهم وجدوا شخصا أفضل من ريتشي”. ومن الواضح أن ريتشي هرب من نوبته وبعد ثلاثين دقيقة اعتقل بتهمة محاولة السرقة بالإكراه في مخزن كبير في نهاية الشارع. وأضاف:”التمسك بالموظفين مشكلة”.

سألته:” لماذا”.

قال وهو يضع حقيبته على كتفه:” سترين”. ثم انطلق بدراجته وذاب في الليل.

أول شيء رأيته شخص ينزه كلبه، وبيطري متشرد أعرفه من موقف سيارات كروغير، وبعض العدائين وسماعاتهم في آذانهم. ثم المحامي الذي حاول ريتشي سرقته، وكان يتزلج. نقلت نظراتي بينهم، وفحصت كل واحد منهم بنظرة سريعة، ولكنهم كانوا أشخاصا محترمين.

وصاح أحدهم:”شكرا لكونك معنا”. وشاهدت عددا من الجيران، ولم يعرفني أي منهم، إما بسبب السترة أو التقدم بالعمر. وجاء أول قطار يعول. جهزت صفارتي، وحملت جهاز الإرسال بيمناي، ولوحت للسائق بيسراي. وسمح لذراعه أن تتدلى من العربة وأشار لي “بتلويحة” هاواي. وشعرت بومضة من الحب لهذا الرجل. ومر قطار آخر، ولوحت مجددا. وربما لم يشاهدني السائق. أو لعله غير معتاد على التلويحات. وفي الحادية عشرة، بلغ البرد أوجه ورغبت أن لا أخرج يدي من جيبي ما لم أضطر. وخبا شكل آخر منزهي الكلاب في الشارع المنحني والمغطى بالأوراق. ووجدت نفسي وحيدة. ومعي إيقاع القطارات الراعد وصوت وشيش الشاشة الصغيرة.

حل منتصف الليل. مرت عشر قطارات. وتقدم كلب شارد على السكة. حاولت أن أخدعه ليبتعد مستعملا قطعة كعك محلاة. قاطع شخير الوالد بالسماعة أصوات القطار. كانوا يسمون أنفسهم “صانعو الفقاعات”. في القطار تتجمع الفقاعات في فمك. وتوقعت عدم وجود عبارة تستحق المشاهدة في هذه الساعة. ولكنهم استمروا بالكلام فيما بينهم. وفكرت بإيزيدرو، ذلك الصبي الباهت في الصورة، وكيف كان عبوره من الحدود، والآن الساعات التي يمضيها في الزنزانة أو مركز الحجز المزدحم متساءلة كيف سيتصرف والدي.

الساعة الواحدة صباحا. الساقان خدرتان. خمس قطارات إضافية. في الساعة الثانية، كنت أترنح، لاعنة نوم ليلة أمس غير المتواصلة. مرت قطار شحن عملاق يقرقع مع غمامة من بخار الديزل العاصف. كان المنبه يشبه صوت بوق الجاز وهو يعزف واه - واه - لكن انفجار وزعيق صوته كان موسيقيا، نوع من الصوت الذي يجلب الصمم والذي لا يمكنني تفسيره. ثم عادت أفكاري مجددا إلى إيزيدرو والقليل المخجل الذي أعرفه عن السلفادور. كنت أتابع روميرو مع الوالد وهو يبكي. الهزات الأرضية. العوائل الأربعة عشرة. رافق دون شيبي الوالد إلى أكاجوتلا، وأخبرني الوالد بعداء الهنود للإسبانيين هناك. ولكن لم أتمكن من مشاهدة أو سماع الأخبار بعد عودتي من المدرسة إلى البيت ولم يكن بمقدوري تسمية رئيس السلفادور لو حاولت. هذا سيخجل الوالد. يا له من خراب.

في الثالثة، بدأ الليل ينبض بسترات وراء محيط بصري. وفي الرابعة، اقترب مراهق يرتدي سترة رسمية بلون برتقالي وأزرق مثل بذة المدرسة. وكانت موسيقاه عالية ويمكنني سماعها وهي تنفجر بإيقاعات طبول وغيتارات داخل سماعاته. أخرج سيجارة من علبة، وقدم لي واحدة.

رفضتها، وبعد لحظة، بحثت في جيبي عن بديل النيكوتين وقدمتها بالمقابل. ضحك، بصوت مرتفع، وربما بسبب الموسيقا. وصاح يقول:”شيء جيد. يجب تجريبها”.

وبدأ قوس الضوء يلمع، واندفعت نحونا 4:44. منحني الصبي نظرة جانبية وارتكز على أطراف أصابعه. وبخطوة واحدة، أصبحت بجانبه، ويدي ممدودة بزاوية منخفضة، كما اعتادت الوالدة أن تفعل في السيارة لو كنت أجلس بالمقدمة وعليها أن تقف. قلت له:”ابتعد عن البوابة”. ولكنه لمس الحاجز الحديدي، من الإبهام حتى البنصر، كما لو أنك تحاول أن تلعب لعبة غوينيا.

قال:”لا أسمعك”. وتخلص من السماعة الضخمة الموصولة بأذنه ثم أعادها وقال:”عليك أن تبرد”.

ما أن مر القطار، أخذت نفسا بطيئا هادئا. ورغبت أن أسأل إن كان أبواه يعرفان أين هو وماذا يفعل في الرابعة صباحا. وأردت أن أسأله ماذا يستمع. أردت أن أسأله عن أي شيء، لا على التحديد. هذا ليس لأن وجوده يسبب لي القلق ولكن بسبب غرابة وشذوذ الموقف. تنشأ علاقة عجيبة من التقارب بين غريبين يقفان متقاربين على الرصيف. لهوت بالمسبحة، وتراجعت على كعبي قدمي، ونظرت لأعلى كأنني أتأمل السماء، وكانت تضيء بنور رمادي فوق أسلاك الهاتف. وقفت البومة على أحد الأعمدة وانتصبت أذناها. كنا على الأعشاب. ضغط الصبي على زر المتابعة، وانتظر الإشارة، ولكن لم نشاهد أي مركبة في مجال الرؤية. قال من فوق كتفه “الأمان أولا”. ثم عبر بخطوات غير منتظمة وطويلة. في الخامسة، على بعد ساعة من نهاية النوبة، بدأ ضوء الشاشة يومض. وارتفعت الخشخشة، ثم رنت السماعة وبعد ذلك سقطت بالصمت والعتمة. واندلعت موجة من الأدرنالين في ذراعي حتى الرسغين. من بطني حتى الركبتين. وأمكنني تخيل الجرار، على يمين المغسلة، ثلاثي - مثل المجال الذي يكون فوق الشوكة. لو مر أحد الجيران، يمكنني أن أخبرهم أين البطاريات. أي منهم، حتى الفوضوي ابن المدرسة الثانوية. سأمرر لهم مفاتيحي. الآن الساعة 5 صباحا.   وهو توقيت سيء - الوالد ينام نوما خفيفا في الصباح، ويستيقظ باكرا. وهو الآن جائع، وبحاجة لدوائه، فضغط دمه منخفض. وكسر كوعه في العام الماضي وهو يبحث عن طريقه إلى المطبخ لتناول الإفطار. انتظرت موعد مرور القطار التالي ولكن لم أشاهد أحدا في مجال البصر. فحصت السكة، والمدرج، والشجيرات البارزة من خلف أسلاك سور بيت الدجاج. وفي ضوء مصباحي، بعيدا، اعتقدت أنني أشاهد لونا برتقاليا، ولكن في النظرة التالية، كانت فقط الومضة التي مرت في بصري وتشبه ما أراه مع مرور القطارات بأضوائها الساطعة والتي تسبب الغشيان للشبكية.

 تأملت السكة مجددا، مرة، اثنتان، ثلاث، لا أحد هناك. وليس من المفترض أن يأتي القطار التالي قبل سبع عشرة دقيقة. وهكذا فارقت مكاني.

في البيت، كان الوالد بالكاد قد تحرك. وكانت تجهيزاتي الطبية موضبة، أسرعت للمطبخ ومن خلف البيت إلى موضعي مع عبوة بطاريات جديدة. والسترتان تهتزان بصوت حفيف حول أذني، وكنت أتعرق كالمجنونة، وراحتاي الرطبتان والمرتعشتان جعلتا مهمة إخراج البطاريات، من العلبة البلاستيكية الصلبة، صعبة. ثم تدبرت أمري. وأودعت الخرطوشتين في التجويف. واشتعل الضوء الأحمر. وسمعت الأزيز، وصوت غيتار، ورضيعا يعول. ووجهت الهوائي الغليظ باتجاه نافذة الوالد وسمعت أنفاسه.

وصل إبراهيم في السادسة مع مبرد أحمر وكأسين من الفلين يعلوهما بخار القهوة. أخذت أحدهما وجرعت منه ولم يكن حارا جدا وكان حلو المذاق. وحينما عرضت أن أدفع بدا عليه الشعور بالإهانة.

سألني:”كيف مرت ليلتك؟”.

قلت:”هادئة”. وقدمت له التقرير اليومي. وترقرقت القهوة في معدتي. ولم يتوقف جفناي عن الحركة. وتخيلت البيت، وغرفتين وأمكنني الإحساس بنسيج الغطاء الأخضر على أصابعي وأنا أجرها إلى الخلف لأغطي نفسي. ولكن لسبب ما أضفت:”فقط مراهق في الرابعة بسترة  من نوع غريزلي”.

“هل لفت انتباهك؟”.

“كلا. فقط - اهتمام. ولد، وحده”.

ضغط إبراهيم فمه. وقال:”هذا ليس ضد القانون. أنت تعرفين ما يجب أن تقلقي بشأنه”.

لا زلت أفكر بهذه الكلمة، القيمة، وأنا أعود إلى البيت، وأمر فوق بتلات الكرز والتي تبدل لونها بالنور. وفي المطبخ، جهزت وجبة شوفان وملأت علبة أقراص والدي واستمعنا لعزف الأمس من نداء الطيور من محطة الميد ويست “المنطقة الوسطى”.

وذكر مضيف البرنامج بصوت لطيف جدا وبطيء:” برنامج اليوم سيقدم آكل الزواحف وكسار الجوز والبقويقة والقرقف”. وكأنه يتوقع وجود طير مجاور. وتابع:”هل تعرفون أن صديقنا القرقف يضيف نغمة دي حينما يكون خائفا ومتنبها؟”.

في التاسعة اتصلت بعيادة كلية الحقوق في الجامعة. ولم يقبلوا الحالة، وركزوا على ملجأ النساء والأطفال. ولكن طالب الحقوق أخبرني أن أزيدرو ربما أرسل إلى لشمال مثل كولورادو أو الغرب مثل أوكلاهوما، وهكذا بدأت أفتش في الخريطة والإنترنت آملة أن أجد أحدا يتكلم معي. جربت قنصلية السلفادور. كانت تبدو حالة إيزيدرو يائسة ولكنها  بشكل ما أسهل من أي شيء آخر ويمكن حلها. وسقطت بالنوم متأهبة. 

عندما استيقظت، استمعنا إلى إسطوانة أوبرا ترنادوت التي تعشقها الوالدة. ولمس والدي يدي حينما وصلنا إلى نيسون دورما. ثم بدأ المغني السويدي بنبرته العالية المشهورة قرابة النهاية. كان يغفو ويستيقظ وأنا أقرأ بصوت مرتفع من مجلة طلاب كليته.

حان وقت العمل، ويمكن القول إنك بحاجة لقلب مجرم لتتكون متيقظا. عدت إلى السكة، وذرعت المكان بخطواتي حتى اختفى آخر شخص مع كلبه. حاولت مضغ بديل النيكوتين، ووجدت أن طعمه مثل القرفة ولكنه أحرق خدي من الداخل وجعلني أصاب بالدوار. ولأربعين ثانية كنت متنبها لدرجة رغبت أن أغادر بها جلدي زحفا، وشعرت بالراحة بعد توقف الطنين. وبعد ذلك لم أستيقظ إلا على صوت القطار. حملت السماعة ووضعتها في ياقة السترة لأسمع صوت تقلب والدي. وتابعت المشي. ثم تبولت. وأخبرت نفسي إن الطقس بارد ولا يمكن لأحد ارتكاب جريمة انتحار، ولكنها حماقة برأيي. وقرصت معصمي، وعضضت شفتي، وصفعت وجهي، وقفت، مشيت، جلست، ثم غفوت. في الرابعة سمعت موسيقا قبل أن أرى الولد بسترة السكة. اقترب، والسيجارة تبرز من بين شفتيه. سألني:”أين كنت أمس؟”. وتخلص من سماعته وحرر كتلة من المعدن الميت وأضاف:” عدت ولم تكوني هنا؟”.

تأتأت بالإجابة قائلة: “في استراحة دورة المياه”. حرك أصبعه وقال:”لا تكذبي”. كان أظفره مثلي مقروضا حتى اللحم. وكان خداه موشومين برشة من النمش، وكذلك خداي. ضغط على زر المتابعة، وانتظر الإشارة،ثم وعبر الطريق المهجور.

كانت الليلة التالية أسهل. لم يظهر الولد. وكفتني البطاريات لثماني ساعات. ولكن زرت الوالد في كل حال بعد 4:44 ومرور العبارة. وتأقلمت مع حياة بديل النيكوتين، ولروتين نوم والدي. ومر أسبوع، ثم اثنان. وحققت خلالهما تطورا محدودا بالبحث عن مكان إيزيدرو. وتعرفت آنذاك على ثماني شخصيات باسم إيزيدرو بيريز في مراكز الحجز المنتشرة على الحدود الجنوبية، ومع ذلك لم نعرف إن كان إيزيدرو قد اعترف باسمه الثاني الحقيقي. وجاء عامل طوارئ من الرعاية الطبية لفحص البيت، وراقبته يتسلق السلالم التي تفضي بنا للدوش الوحيد وحوض الاستحمام في الطابق الثاني لمعاينتها. ثم تنحى بي جانبا وقال “هذا فخ للموت”. وعندما غادر قلت للوالد:”كرامتنا محفوظة، ولكن السرية مشكوك بها”. فقبض على يدي بقوة.

كانت ليلة أربعاء. وبعدها سأغادر لستين ساعة. قلت وأنا أقبل صدغه الخشن والندبة الملتئمة:”شكرا لله إنه الأربعاء”. وانزلقت بسترتي الثقيلة وغادرت إلى العمل. كان أسبوعا طيبا. لا سقطات، والنقود في جيبي، وعدت للمدرج حينما مر قطار شيكاغو السريع. وتحدثت مع أحد منزهي الكلاب الاعتياديين، وهي محللة نفسية تعمل في المنطقة ومتطوعة للعمل في المتحف الفني وأرادت أن تقابل الوالد. ولديها مأوى مع مدبرة منزل تدعى آبي.

وأخبرتها أنني مشغولة بشيء أكاديمي وثلاث علب من البحوث عن كاميل كلوديل، وهي مكومة في المرآب مع رفش الثلج، وسيارة شيفروليت تحتاج لمعايرة، وحينها جاء من الشاشة الصغيرة فحيح مرعب وهمهمة غريبة تعني أن الوالد ينهض من سريره. ولخمس ثوان لم أتصرف. ثم من بين أغصان السنديان الأبيض لاحظت ضوء الحمام يشتعل. وكان هناك صوت دحرجة سابيربان في نهاية الشارع. وكان أربعة أشخاص بجانبي على مدرج القطار. فأسرعت بقفزة واحدة.

صعدت على سلالم الشرفة، وناديت اسمه. لابد أنه مغشي عليه في الحمام - من المشاهد علمت أنه لم يصل لدورة المياه، الوالد المسكين. كان المكان مضطربا، وهو مثله. وضعت منشفة على الأرض، وعلى المنشفة كرسي هواء طلق بلاستيكي، ومسحت دموعي. كان الوالد يعاني ولكنه ليس متضررا على ما يبدو، أو على ما آمل. صامت ويعاني من الدوار قليلا. وسرني أنه من النافذة، وفوق حبل الستارة، يمكنني رؤية السكة. وكان الصبي ذو السترة البرتقالية يتجه غربا، ويداه الشاحباتان تضربان الهواء. والمحامي على الزلاجة. والمحللة، كما هو واضح، بانتظاري. وبصمت وثقت بها وبآبي. فهما ستحرسان السكة. من فضلكما. قلت لنفسي.

نشفت الوالد، واستبدلت له المنامة، وسكبت لكل منا طبقا من اللبن. وفي طبقه أضفت القليل من مسحوق أقراص المهدئات النفسية لأنه ينكمش من أشياء لا أعرفها ويتكلم عن راهبات قتلن في سانتياغو نونوالكو. وكنت أحاول أن أساعده ولكن لا يمكن أن تضمن تماسك أي شخص يتوهم أشياء فظيعة ويمر بسن الكهولة قبل الأوان.

قلت: لا يمكنهم إلحاق الضرر بك. أنت آمنة معي”. ولكن كيف يتكلم عن إيزيدرو والزنزانة متخيلا وجوده فيها، وعبوره الصحراء. قال:” لا يمكننا مساعدته يا ميغ”. وقلت بدوري:”أعلم”. قدمت له الماء مع شلمونة، وملاءة نظيفة، ثم عريت السرير، وأحضرت والدي إلى هناك، ومددته عليه بقوة فبدأ يئن. تركت يدي على جبينه البارد حتى فتح فمه وعلمت أنه غرق بالنوم. استبدلت بطاريات الشاشة وضغطت الزر. وحملت طرفا من الهاتف وقلت: نعم، نعم- أوه، هوه، نعم. ثم ابتعدت خطوات قليلة، كان هناك إعلان عن قروض يومية باللغة الإسبانية. وطفل يبكي، ويحاول أن يجلس. ثم خشخشة. ثم تنفس هادئ.

عدت إلى السكة، وفكرت بوجه الوالد النائم، كيف يبدو مثل قناع ميت، والمقالة التي بدأت بها عن أقنعة الموت وفشلت في استكمالها - مارات كرومويل، وامرأة السين المجهولة L’Inconnue de la Seine. وفكرت كيف أن إحدى جرائم الباركنسون هو تصلب العضلات. وغالبا ما يكون أحد تعابير وجه والدي الغضب. وأتذكر أنه أخبرني منذ سنوات قائلا:”توجد ثلاثة وأربعون عضلة مشابهة، ورودين يعرفها كلها”. كنا في الأستوديو، وحاليا تحول لغرفة نوم، وكان يحزم حقيبة صلبة أودع فيها أدوات عمله، استعدادا للسفر برحلة إلى نيويورك، إلى فريش كيلز لاندفيل في جزيرة ستاتين، حيث تخزن أكوام فظيعة من نفايات مركز التجارة العالمي. وبينها، وهي سبب رحلته، نسخة من جين د ير  Jean d’Aire،   أحد تماثيل  مواطني كالي بنحت رودين.  وكان محفوظا في مكاتب كانتور فيتزجرالد في الطابق المائة وخمسة من البرج الشمالي - “متحف في السماء”. وتم العثور عليه على بعد ربع ميل، مخدوشا لكن سليما.

بدأ النور بالوميض عند المدرج ففركت راحتي بوجنتي. ومرت قاطرة، وكانت نوافذها مغلفة بلون أزرق، كما لو أن كل القطار مليء بالماء وخيال المائة راكب كلهم مخلوقات مائية. وتلاها، قاطرة شحن تتدحرج، وهي بطول ميل من العربات القافزة. وحاولت أن أعدها ووصلت لرقم ثلاثة وتسعين، وذلك حينما لفت انتباهي شيء أو شخص ما. وكان يتحرك بين عنب الثعلب في أعلى الطريق.

تأملت الأرض الطويلة على امتداد السكة  والحصى الثقيل. وهناك بعد كتلة أعشاب، لمع شيء بلون فضي. وكان يبدو مثل شعار عاكس للضوء على حذاء خفيف صبياني. وأمكنني رؤية أضواء القطار البعيدة، وزوج من العيون في الأسفل، أغلقت زر الشاشة وناديت الشرطة بالجهاز قائلة “نشاط - مشبوه” ولكن بعد ذلك لم أعد أذكر ما هو الروتين أو الرمز المناسب، لذلك صحت “يوجد شخص على السكة” مع أنني كنت أعلم أنه لا يمكنك إيقاف القطار متى أردت.

كان يسرع بطريقه، وكنا على مبعدة أقل من ربع ميل. ولم أتمكن من رؤية ذلك الشخص بعد ذلك، لكن كنت أعدو باتجاهه غريزيا. نحو الشيء غير الواضح الذي ضاع في النور الساطع المقترب. وكنت أصيح هيي، أنت هيي، توقف - وكنت  لا أعني “قف” ولكن : تبخر، أسرع كالبرق، افرد جناحيك، اذهب لأي مكان عدا هذا. وبدأت أغرد بصفارتي الصغيرة، وكانت عديمة الجدوى فقذفتها من فمي.

سمعت صوت حفيف سترة، وخبطات قدم على أطراف الحصى، وكانت أنفاسي تصفر وتندلع، وعلى مسافة تقترب بالتدريج، سمعت زعيق 115 ديسيبل. ثم فقدت معالم الشيء الذي كنت أطارده. تخليت عن جهازي وأنا أقفز، وكذلك شاشة المراقبة الصغيرة. وكنت بين المحطات. كان عنب الثعلب كثيفا وبأشواك. ولا توجد طريقة لأشرح ما رأيت، باختصار هو إنذار كاذب، ولا يوجد أحد أقول له ذلك. وتوسلت بصمت: رجاء لا تطردوني من عملي. ثم وقفت وظهري بعكس حاجز الرياح، وأذناي مسدودتان أمام زعيق مرعب يأتي من قطار شحن طويل يحاول أن يقف ويجمد رغم سرعته الهائلة.

وعندما عدت أدراجي إلى البيت، كان الوالد في غرفة المعيشة، يجلس على وسادة مسند القدمين، والتي انزلق عنها. وكان الهاتف بعيدا عن مكانه وبجانبه، وكتاب رودين مفتوح، وعلى غلافه الداخلي وصفحة العنوان  ثلاثة أرقام مكتوبة بخط مرتعش وكبير. قال “اتصل إزيدرو” وطلب كوب ماء. عدلت وضع الوالد، وأتيت له بالماء، ونظرت لغلاف كتاب رودين.

في الخارج طرق المطر الخفيف النوافذ. وشاهدت طائر قيقف برأس أسود يحط على صحن طعام الطيور الفارغ لدينا ويؤرجحه. وكان يغني سويتي، سويتي، سويتي. رغبت أن أخبر الوالد عما جرى اليوم، ولكن لم أكن متأكدة أنه سيتفهم وربما سأرعبه فقط. وكنت مسرورة لعدم اضطراري إبلاغه كيف أن ابنته أخفقت مجددا - التحذير الرسمي والخطأ في العمل، وعقوبة ضياع الجهاز، وعبوس إبراهيم وسؤاله اللطيف:”هل أنت متأكدة أنك جاهزة لهذا العمل يا ميج؟”.

حصلت على حمام سريع، وحاولت أن أتناول الطعام، واستلقيت، ولكن يداي كانتا ترتعشان، ونبضي يدق بم - بم. وفي التاسعة غادرت السرير أخيرا. وفي الظهيرة خابرت محامي الهجرة في لوس أنجليس. رد الخط: اضغط على رقم 1 للغة الإنكليزية، para español, oprima numero dos.

بحثت عن دفتر ملاحظات الوالد في جارور الأقلام غير العميق. وفتحته وتذكرت كل المرات التي كنت أطالبه فيها بالنقود. كانت الشيكات مبعثرة بين بقايا أوراق مالية تخص والدتي - دفعات التأمين، رحلات إلى عيادات مايو، مؤسسة الرعاية الخاصة. بعد وفاتها بدأ دفع التبرعات كل سنتين إلى أميغوس دي لاس أميريكاس، عدة مئات من الدولارات كل مرة، وهذا ما صعب علينا توفيره لاحقا. ولكنه ملأ بيتنا بكريفون لا ينقطع. ودائما يصل بشكل طبقات على فراش من القش، في علب خشب رقيقة.

كنت أستعد. واعتقد الوالد أنني أتكلم مع السلفادور.

قال مضطربا وهو يذكر اسم والد إزيدرو: ”هل تكلمين دون شيبي. أخبري دون شيبي أنه ليس بوسعنا أن نفعلها؟”. بعد قليل من التفكير، قررت ربما  قصد الوالد كلامه ولم يخلط بالأسماء. وربما هذا ما أراد أن يقوله.

قلت برقة:”لا تقلق يا والدي”. ضحك ضحكة خشنة واحدة ردا على كلامي. شيء عبثي أن لا تقلق. وشعرت بالفخر على نحو غريب. وأصبحت خفيفة. وضحك والدي بحضوري. خطوت وأنا أتابع نابض حبل الهاتف الحلزوني الممدود ورائي على عرض السجادة.

وأخيرا حينما وصلت للشخص الصحيح، استغرقت فترة أطول مما يحتاج إقناع شخص بالمشكلة. وكنت مشوشة بسبب الضجة التي حولي، الأغنية وقرقعة دستة من الألسن، وضربات مفاتيح الكومبيوتر. لذلك ترنحت  نحو الخلف نحو استوديو الوالد القديم وأغلقت الباب وبدأت بشرح حكايتنا.

تناولت الكتاب الذي سجل عليه من الداخل رقم بطاقة اعتقال إيزيدرو. قرأته لعاملة المقسم مرتين. وأدركت أن أي شيك سوف أكتبه سيؤثر، ولذلك بحثت عن أحدث بطاقة ائتمان. في الخارج، مر قطار، وآخر. وقفت قرب النافذة، بانتظار الـ 12:19 وعيناي على السكة، لربما إبراهيم باستراحة. أو أنه ينظر للجهة المقابلة. أو لعله سقط بالنوم رغم أنفه. ومررت أصابعي على أدوات الوالد، كما لو أنني أختار منها، أو كأنني أرتب خطة له ليكرر رحلته إلى فريش كيلز بغرض استعادة نموذج مواطني كالي لرودان. كما لو أن مساعدة إزيدرو مسألة تشبه انتقاء مشبك، ملقط، فرشاة، ملف، شيء يمكن أن تحمله باليد وتستأنف العمل.

  ***

 

...................

سارة هيوتنغ  Sara Houghteling: روائية أمريكية. أول رواياتها هي “صور المعرض”. تعمل بتدريس القصة والرواية في برنامج ستانفورد للكتابة الإبداعية.

 

 

صالح الرزوققصة: ليني زوماس

ت: صالح الرزوق


 

 الشيطان مشغول.

شاهدت بالأمس شابا يدعو مظهره “للشبهات”. يقول الجيران إنني نظرت بعينه مباشرة وألقيت عليه التحية. عموما لم أسجل أي نشاط مشبوه. وفي حالات سابقة مشابهة اتصلت بالشرطة ولم أحصل منهم إلا على هذا الرد “إن لم تشاهد أي أفعال مشبوهة، لا يوجد لديك شيء لتبلغي عنه”.

وفي الحقيقة إنني لا أملك دليلا واحدا ضدهم باستثناء أنهم مشبوهون، وحري بي أن أعلم إن كانوا قد ظهروا بحالات مشبوهة في منطقتنا.

رجل ضعيف حاول أن يقتلع شجرة من الشارع في منتصف الليل.

طبعا هذا مزعج، والأسوأ أنه كان لدي دليلان على شيء يحدث على مقربة مني.

واليوم دق على بابنا رجل أسود فارع الطول.

ودمدمة صاخبة مجانية انطلقت في 1:30 صباحا وسمعتها كل المنطقة المجاورة.

هل يثير حنقك إن قلت :”رجل آسيوي ضخم” أو “رجل أبيض عملاق”؟.

ليس تصرفا عنصريا إن قلت إن رجلا أسود ضخما قرع باب بيتك. فهذا ما جرى حقا.

ولأنني مصورة فوتوغرافية رأيت عدة أشياء “غير مرئية”.

عاهرات حقيقيات مخمورات فقدن رشدهن قبل 8:55 مساء.

يرجى إخباري إن حصل بالصدفة وقابل أي منكم شيئا مهملا، لتكن ساقا عظمية بحجم كامل. فساقه المتبقية تشعر بالوحدة.

كانت هناك مركبة مشبوهة في الـ 15 بين فيلينغ وشيفير صباحا. والسيد الذي كان في السيارة حدجني بنظرة ثاقبة وأنا أغادر البيت لأرافق الكلب بنزهة. لكن هذا لم ينذرني بأي شيء مهم.

وإنما لاحظت أنه لا ينتمي لهذا الحي وكان يحمل على كتفه حقيبة سوداء ماركة نايك.

ربما علينا أن نترك على شرفاتنا لهؤلاء اللصوص مفاجآت أخرى - ولعله يتوجب علي أن أحتفظ بكل براز كلبي العجوز في علبة ، وأضعها على الشرفة مغلقة بالكامل.

وإن كان عندهم أولاد، سيرسلونهم لمدارس أخرى، ولذلك لن يدوس أبناؤهم وهم يجرون على البقايا المتعفنة.

وعندما نظر لهم زوجي معتقدا أنهم متطفلون محتملون، ردوا “كم عدد الأشخاص الذين يسرقون مكانا وهم عراة؟”. و“نحن لسنا أشخاصا شريرين”.

أنا لست مسيحية، وبوجود أشياء من هذا النوع، ربما لن أكون مسيحية على الإطلاق.

كنت مزكوما والكلب دون ثيابه ولذلك لم نخرج إلى الشرفة كالعادة.

كلب يلتهم المخدرات ونحن نمشي في شارع ألبيرتا - وهو عمليا نقطة نهاية بالنسبة لأشخاص يتقنون الأعمال غير القانونية والقادمين من “باطن الأرض”.

ولكنني لا أحترم أحدا يطلب مني “التركيز”. هذه خشونة.

دعنا نمسك بقاتل الهررة في بورتلاند.

اعتدت أن أعيش في قاع الجحيم - جاء كثيرون، لكن قليل منهم ذهبوا إلى البيت.

هل فعلا تريد مسدسا موجها على وجهك في غرفة المعيشة؟. أنا لا أريد.

لم أحلب معزاة على الإطلاق، مع أن هذا في دمي.

وكما قال شرشل: في النهاية نقوم بما يجب - لكن أول محاولة خاطئة دائما.

هذه النباتات الجميلية تنحني تحت المطر، وتصبح صفعة بالوجه، عيبا بالثياب، وعموما مصدرا للمخاطر.

أصدقائي الطبيعة دائما تمتص دمك في النهاية.

***

 

......................

 ليني زوماس Leni Zumas: روائية أمريكية من واشنطن. وتعيش حاليا في أوريغون. من أهم أعمالها رواية: الساعات الحمر، المستمعون، وداعا أيها الملاح (قصص)....

 

 

صحيفة المثقفللشاعرة لوري شوارتزفاغر

ترجمة: مريم لطفي

مثلما اجلس هنا بمفردي معجبا بمشهد الشروق المبكر للشمس

اميل راسي للخلف واغمض عيني

نسيم رقيق ناعم يعبر وجهي

انظر حولي واستمتع بهدوء لسلام الله

والحركة الرقيقة الناعمة

الاشجار مكتملة الازهار، الاوراق جاهزة للسقوط

جمال الله على الارض ، انا معجب بها كلها

مثلما تشرق الشمس وتبدا يوما جديدا

اجلس هنا بهدوء وابدا الصلاة

الهي العزيز، ابدا القول ، ارجوك احطني بعنايتك

واحفظني

اعطني الامل وارني الايمان

وجهني للسراط واخبرني انك قريب

اسمح لي ان اكون قويا ومليئا بالحب،  لان الحب يقهركل الخوف

نسيم لطيف يعبر طريقي ويمنحني قشعريرة طفيفة

 الله يجيب.. انا باق معك

لن اتركك بمفردك او ادعك جانبا، انا في قلبك، ساكون دليلك

سابصرك الطريق لتسيطر على صعوبات الحياة وتثق بقلبك

لانني معك الان والى الابد، لن اتخلى عنك ابدا

نسيم لطيف اشعر مرة اخرى، وانا اعلم ان

صلواتي قد اجيبت، لقد سمع الله مناشدتي

لقد اشار الى هذا لارى

الحياة بها العديد من المفاجات كل يوم، لايمكننا العيش على الندم والاسى

مرة اخرى اشعر بنسيم لطيف، مما يعني ان الله يقول

يابني هنالك الغد

 الشمس ستشرق مرة اخرى، وستستمر الطيور بالغناء

ستدوم الذكريات الى الابد وتستمتع بالحياة ليوم جديد

 بكل ما قد يحمله..

....................

 

A Gentle Breeze

Laurie Swartzfager

Published: September 2011

As I sit here all alone admiring the view of an early sunrise,

I tilt my head back and close my eyes.

A soft gentle breeze crosses my face.

I look around and enjoy the quietness of God's peace and the soft gentle pace.

The trees are in full bloom, the leaves ready to fall.

God's beauty of earth, I admire it all.

As the sun comes up and begins a new day,

I sit here quietly and begin to pray.

Dear God, I begin to say, please watch over my life and keep me safe.

Give me hope and show me faith.

Guide my path and let me know you are near.

Allow me to be strong and filled with love, for love conquers all fear.

A gentle breeze crosses my path and gives me a slight chill.

God answers and says: I am with you still.

I've never left you alone or threw you aside, I am in your heart, I will be your guide.

I will show you the way to master life's difficulties and trust your heart,

For I am with you now and forever, I shall never part.

A gentle breeze I feel again, I know my prayers are answered, God has heard my plea.

He has pointed this out for me to see.

Life has many surprises each and every day. We cannot live on regrets and sorrow.

Once again I feel a gentle breeze, which means God is saying:

My child, there is a tomorrow: will

The sun shine once again, the birds will continue to sing.

          Memories will last forever, and

Enjoy life anew today, and all that it may bring.

.........................

قصيدة تحفيزية لحب الله والحياة

تقول  الشاعرة  كتبت القصيدة في وقت من حياتي عندما كنت اشعر بعدم الامان، كنت بحاجة الى تاكيد ان الله لايزال في حياتي، كنت انظر الى حياتي بفزع، وشعرت بالوحدة والقلق، شعرت بالالهام من الصلاة للتحدث مع الله وكتابة افكاري اثناء الجلوس على شرفة منزلي، جاءت الكلمات الى ذهني عندما كلمني الله، ووضعت هذه الكلمات على الورق، امل ان تلهمك هذه القصيدة ايضا..

مريم لطفي

 

 

صالح الرزوقبقلم: نعومي ألديرمان

ترجمة: صالح الرزوق


“وهل شيدت أورشليم هنا؟”.

وليام بليك

1-

أوسكفورد، إنكلترا، نيسان 1221 م

راقبها (إدريك) في السوق. هناك في المكان الذي رآها فيه لأول مرة. كانت تنتقي الأسماك وتتجادل مع التاجر حول طزاجة بضاعته. إنها على حق هنا في أكسفورد، فالنهر الذي يجري على مشارف المدينة فقط، لا يترك للأسماك أي عذر لتكون غير طازجة تماما. ولكن هذه يغطيها جلد قاتم يدل أنها من موسم أمس. ألقت هذا التعليق المباشر الذي لا يخلو من المرح. وقالت:”وهل أنا عمياء؟. أم بلا يدين لألمس بها السمكة وأرى أنها جافة؟. سأدفع بها ربع بنس لا أكثر".

رد بائع السمك يقول:” سيدتي، لقاء هذا الثمن سألقي بها إلى النهر مجددا آملا أن تعود للحياة”.

ولم ترتدع. قالت:” بل إذا اشتريتها منك ببنس واحد سأكون مثل من يرمي نقوده في النهر!”.

راقبها إندريك من الخلف. كانت ترتدي ثوباً بنياً بياقة بيضاء وسوارين بيضاوين. ومغسول للتو.ومؤخرتها مستديرة و أنيقة. ووركاها عريضان. كان قد وصل حديثا إلى (أكسفورد) قادما من (كوفنتري). ولم يمر عليه هنا أكثر من ثلاثة شهور. ولم يلمس من قبل عش فتاة واحدة. كان شعرها أسود وبشرتها ذهبية مثل القمح. وتساءل كيف يبدو ثدياها، وما لون الشعر الذي بين ساقيها يا ترى.

والتفتت بوجهها ونظرت نظرة جانبية، وهي تمسك بجبينها لتدل على مبلغ سخطها من تاجر السمك. ولم يخيب (إدريك) شكل وجهها. فم واسع، جبين عال، أنف صغير، عين بنية سريعة ونفاذة. وبدأ يفكر ببداية للكلام معها – ربما عليه أن يسألها فقط ماذا ستفعل بالسمكة – وحينما اعتقد أنها فكرت بالانصراف مشمئزة استدارت. ولاحظ البقعة البيضاء المخاطة بمقدمة ثوبها.

2-

"مع الأسف، لم يكن هناك تمييز واضح بما فيه الكفاية بين اليهود والمسيحيين، فقد كان هناك زواج مختلط أو علاقات أقل ديمومة، ومن أجل منع ذلك صدرت تعليمات أن يعلق كل يهودي على واجهة ثوبه مربعا أو رقعة من القماش بطول أربعة أصابع وعرض أصبعين، وبلون مختلف عن بقية ألوان ملبسه”.

(كتابة على تماثيل من حقبة عام 1215 تقريبا)

عندما قرأت ذلك، فصلت الرقعة. وثبتنها على ثيابي وحول جسمي، بحيث تمتد من النحر تقريبا وحتى المعصم. ولا يمكن أن يكون هناك مجال للتستر عليها. وهذه هي الغاية طبعا.

كانت هذه البقع والرموز وحتى القبعات الخاصة باليهود شائعة في أوروبا. وعندما اعتمد راينهارد هيدريتش، أحد كبار مهندسي الهولوكوست، النجم الأصفر مع كلمة يهوذا في الوسط ليحملها يهود الرايخ، لم يكن يخترع شيئاً جديداً. كان يعيد تقليداً قديماً. شيئا معروفا يعود لأيام أوروبا في العصور الوسطى؛ مثل اللافتات والحفلات والنقابات.

3-

لم يتكلم معها إيدريك. وتابعها بعينيه و هي تتابع الشراء - قال لنفسه: تنازل قليلا عن ثمن السمكة ولو بما يعادل نصف قيمتها. لا ضرر في احترام شكل المرأة حتى لو أنها يهودية. كان فتى في العشرين من عمره في النهاية، وربما أكبر قليلا - 22 أو 23. وكان صدرها مرسوما تحت ثيابها المشدودة، ويبدو مستديرا وناعما وشامخا.

ثم قال لنفسه: لكن لا شك هناك ضرر. بالتأكيد هذه الوساوس ضارة.

بدورها لاحظت أنه ينظر إليها، وانتبهت لعينيه، وابتسمت له، إنه ليس فتى سيء المظهر عموما. وربما أصابه الجدري حينما كان عمره 16 عاما وخلف كوكبة من الثقوب والعلامات على أحد خديه. لكن الآخر لم يمسسه سوء. كان أيضا قوي الكتفين والذراعين. ولعله يفكر كيف يمكنه رفعها بذراع واحدة، وكيف ستصرخ وكيف سيعجبه تصرفها ويغريه. رد بابتسامة مماثلة وتابع التفكير: لا تبدو له كشيطانة. ولو لديها قرنان تحت شعرها فهما مخبآن بمهارة فائقة.

أخيرا قال:”موافق على صفقة تلك السمكة”. وانتابه بالغ السرور لكرمه المسيحي ولتجاوبه معها وكأنها امرأة طيبة من أكسفورد مثل الأخريات. لا ضرورة لمعاملتهن مثل وحوش. ثم ها هي تنظر له، بحياد، وتطرف بعينيها.

قالت:”آسفة. أنا لا أكلم المسيحيين. ربما أصبت روحي بالضرر”.

وابتسمت وفي عينيها بريق مشاغب. وكان لخديها غمازتان. غمازتان أسعدتاه. ولم يمكنه إلا أن يتبعها ويسير وراءها في السوق. مع أنه سمع تلميحات من امرأة أو اثنتين مسنتين. في النهاية، ما الضرر من الكلام؟.

سألها أخيرا:"ما اسمك؟" .

قالت:"يهودية. لست بحاجة لي؟".

كانت صريحة ومباشرة ورغب بها بشدة.

قال:"لا ولكن أخبريني. ما اسمك". لم يكن لديه أطماع فوق ذلك.

قالت:"هانا. ابنة أليعازر العلقة”.

وكان مدير إدريك قد نصحه عدة مرات بزيارة الطبيب اليهودي للعلاج. قال:"الطبيب! أنا أعرفه. مساحيقه لتحسين الأمعاء ... فعالة جدا”.

ابتسمت، ابتسامة سريعة وطبيعية، دون افتعال أو إغاظة.

فأردف:"إذا لا بد أن نلتقي مرة أخرى”.

4-

تذكر الأنباء أن اليهود قدموا إلى إنجلترا في العصور الوسطى عنوة على يد وليام الفاتح، على الرغم من أن هناك بعض الأدلة على أن بعض اليهود كانوا موجودين قبل ذلك. غير أنه بالتأكيد زاد من أعدادهم. ومنحهم حماية الملك، وأعلن في عام 1070 أنه "سيتعامل مع أنفسهم وممتلكاتهم كما لو أنها ملك يمينه”. وأصبح اليهود من بين خصوصيات الملك، ولا يمكن لأي أحد أن يؤذيهم دون الإضرار بممتلكاته، ولم يسمح لأي يهودي أن يسافر أو يستوطن إلا بمشيئته.

5-

ركع إدريك أمام تمثال العذراء المباركة في كنيسة بيت أوغسطين المرتبة. وضغط جبهته على أحجار المصلى وتلا صلاته: “"ابقيني بعيدا عن الإغواء واحميني من الشر. أعرف أنه خطأ يا مباركة يا مريم، أعرف أنها سم، وأنها ملعونة، من فضلك امنعيني من الوقوع في حبائلها”.

حتى وهو يتلو هذه الكلمات، فكر بالمتعة التي توفرها، كما لو أن السم ذاته ينقط من بين ساقيها، وطلب أن يساعده المسيح على تجاوز المحنة، لأن الرغبة لا تزال تخنقه.

ولم يكن من الصعب أن يجد سببا ليعود الطبيب. فبناء أوغسطين رطب. ودائما يوجد شخص مصاب بالحمى أو العلل أو بسعال لا يزول، وليس من أخلاقه المسيحية ولا نبالته ولا مزاجه أن يخترق الشوارع الموحلة ليبحث عن علقة للشفاء؟. ومثلما قبل آدم التفاحة، كان يعلم أنه يرتكب خطيئة.

في الغرفة الخلفية القريبة من مخزن والدها، وحينما كان العجوز يمزج المقادير ويطحن جذور الأعشاب، تبادل إدريك وهانا الكلام. اكتشف أنها فطنة وأن الكلام معها ممتع. وكانت قادرة على القراءة- وأدهشه ذلك. وأخبرته أن المرأة اليهودية متعلمة وتقرأ مثل الرجل - وأن المرأة اليهودية في يوم زفافها ربما تتلقى الكتاب المقدس هدية، بنسخة مصغرة وبخط اليد ومخيطة. وتبين له أنه معجب بها. وأنها قابلت نصف الرجال في البيت الأوغسطيني حينما جاؤوا للبحث عن علاج على يد والدها، وتركوا عندها انطباعات تدعو للسخرية والهزء. وأنبأته عن مخاوفها المستمرة على مصير والدها، إن توجب عليها الزواج وتركه وحيدا. وأخبرها عن أبويه في كافنتري - كانا فخورين بابنهما، ابنهما الوحيد، وتنصيبه شماسا، وهما متحمسان للعثور على زوجة مناسبة له.

وهناك، حينما تحول الكلام لصمت وتبادلا النظرات، ودق قلبه داخل صدره واقتربت منه، هناك وهي برفقة والدها تطحن البهارات في الغرفة المجاورة، طبع علها فمها قبلة وطبعت قبلة. ثم ترافقا بنزهة في الغابة الهادئة صباحا وذهبت لجمع النباتات. وبعد أن أنهى صلواته الصباحية التقيا مجددا. وتبادلا الكلام، وأمسكت يده. ورفعتها وأسندتها على سنديانة، فرفع تنورتها ولمسه بأصابعه. وانغمسا باللذة. وكان بمقدوره أن يتابع ولكنها هزت رأسها وضحكت وقالت:

“يجب أن أحتفظ ببعض الفضيلة لليلة زفافي”.

وأصابته الدهشة. وفتنته. وسحرته. وأثارته. هذه الأشياء يجب أن تطفو على الوجه.

قالت:”والآن هل تعتقد أن اليهودية امرأة شيطانية؟”.

وقبلت رأسه. وتابعت:”نحن متشابهون. أخلاقنا وأخلاقكم متشابهة. باستثناء أن أخلاقكم أكثر.. إنكارا منا. نحن نتمسك بطرقنا القديمة، وأنتم تتخلون عنها. وهذا ليس خلافا كبيرا”.

ليساعده الله، حينما ألصق وجهه بأرض المصلى البارد وطلب من العذراء أن تحميه وتغيره، وأن تخلصه من رغبته غير الطبيعية، ليساعده الله، ولكنها ربما كانت محقة.

attends the Baileys Women's Prize for Fiction 2017 at the Royal Festival Hall on June 7, 2017 in London, England.

6-

ابنة خال جدتي وأبناؤها هربوا من الحرب العالمية الثانية إلى مزرعة في شمال إنكلترا. وفي أحد الأيام، شاهدت ابنة خال جدتي زوجة المزارع تفحص رؤوس الأولاد، وتتخلل شعورهم بأصابعها، متلمسة الجمجمة بعظام أصابعها.

قالت زوجة المزارع:”هل حان وقتها؟”.

قالت ابنة خال جدتي:”ماذا؟”.

قالت زوجة المزارع:”القرون”.

لا يزال أولئك الأولاد أحياء - وهم بعمر والديّ.

7-

لكن العذراء لم تفعل شيئا لحمايته. حاول، لبضعة أيام، أن يبقى بعيداً. كانت النار تشتعل في عروقه. كان هناك خطأ ما يأكله، وهو يشعر بذلك. وأخيرا بعد عدة أيام اعترف للقس أنه يرغب بامرأة يهودية. ومن خلف الستارة العازلة تمتم الكاهن أن الشيطان يحاول أن يورط المسيحي الطيب بالغواية، وعليه أن يكرس نفسه للعذراء المباركة. ثم يطلب المغفرة. وفي ممرات الكنيسة عرف أي قس كان يستمع لاعترافه من النظرة الثابتة التي نظر بها له - هو توماس، الرجل القاسي والمؤمن. وخفض إدريك عينيه كي لا يلتقي بنظرة توماس.

في ذلك المساء، فشلت العذراء مرة أخرى في مساعدته أو حمايته. وتعرض أحد الإخوة المتواجدين لنوبة سعال قوية، رافقها صفير عميق لدرجة أن الرجل لم يكن يستطيع التنفس. قال أحدهم – وكأن الشيطان يتكلم بلسانه – "هذا السعال مصدر خطر. يجب على أحدنا ان يذهب للكافر ليحضر العلاج”.

كان الوقت متأخرا، والمطر يهطل بغزارة في الخارج. ولم يرغب أحد بالذهاب.

قال إدريك: “سأذهب أنا، أنا سأذهب إلى الطبيب لجلب الدواء".

شكره لآخرون ومنحه توماس نظرة مظلمة وهزة صغيرة من الرأس. لكن (توماس) لم يتطوع للذهاب بدلاً منه لأن المطر شديد جداً، في نهاية الأمر.

وكانت هانا غاضبة منه في البداية، لأنه غاب عنها لفترة طويلة. وعبرت عن ذلك بالتحدث معه مثل أي عميل آخر. وقالت حينما أخبر والدها بأعراض الرجل المريض:”نعم يا سيدي. الطبيب أليعازر سيحضر العلاج الآن، شراب من العسل والأعشاب. يمكنك الانتظار هنا حتى يصبح جاهزا يا سيدي”.

“هل يمكن أن تنتظري بجواري؟”.

وناح قلبه من فكرة أنه ربما فقدها.

قالت: "لماذا لا، يا سيدي. أنا لا أنتظر مع الزبائن، ولكن فقط مع أصدقائي".

نظر أليعازر لهما بعين شاردة. وقال:"ابنتي. نسيت أين وضعت الأعشاب التي أحتاج إليها لتحضير هذه الوصفة. تعالي وساعديني واتركي هذا الرجل الطيب في سلام".

ردت:"هذا ما أفكر به يا والدي".

وتركاه هناك وحده. ولكن مجرد رؤيتها أثارته مجددا لدرجة أنه لم يتحمل احتمال أنه لن يلمسها الليلة.

بعد فترة قصيرة، فتحت باب الغرفة حيث كان ينتظر على أحر من الجمر، وقالت:”طلب والدي مني أن أقدم لك بعض الطعام أو كوبا من الجعة لنساعدك على مصاعب الانتظار يا سيدي”.

ولم يكن أبوها معها. وقف على قدميه، قبل أن تعترض، أو تتحرك، وقبلها وهو يعتصر بيده صدرها. وبادلته القبلة لبضع لحظات، ثم دفعته بغضب بعيداً. وقالت:”هل هذا كل ما أعنيه لك. عاهرة يهودية تستطيع أن تتحرش بها وأنت بانتظار العلاج؟”.

قال:"لا.لا لا لا”. وانفطر قلبه وهو يخبرها بالحقيقة قائلا: "أنا أفكر بك طوال الوقت. صليت إلى مريم العذراء لكي أنساك ولكن لا لم أتمكن من نسيانك، أنت كل ما أريد". وكرر ذلك مرة أخرى، لأنه لاحظ أول مرة أن هذا ما يعنيه حقاً فقال:"أنت كل ما أريد".

نظرت إليه، وبحث عن علامات الحقيقة في وجهه. وكانت هناك دموع غاضبة في عينيها. وقالت:"لا أستطيع الزواج منك. لا أستطيع الزواج إلا من رجل يهودي. وعلى ما أعتقد أن والدي اختار لي زوجا مناسبا” .

ابتسم وقال:”وهل طلبت منك الزواج؟".

كانت عيناها سوداوين، ولمح لمعة مرحة صغيرة فيهما.

وقالت:"أتوقع أن تفعل".

وتبادلا الكلام. وبحلول الوقت الذي انتهى به تحضير الخلطة، كان خلافهما قد سوي. فهي تريده أيضاً، وهو شيء واضح. ببنيته القصيرة المضغوطة ونعومته ورأسه المتمرد. نعم هذا هو ما تريد بمعنى من المعاني.

نظر أليعازر لهما ثانية وهو يجلب الخلطة. من المستحيل أن لا تلاحظ شيئا من هذا القبيل. وهز أليعازر رأسه بأسف. وقال لإدريك:"هذا ممنوع بموجب قانونك كما تعلم".

وأسعد قلب إدريك أن يسمع أي تعليق حول الموضوع.فهي تريده. وهذا هو كل القانون. وودع هانا بقبلة طويلة في الشارع المظلم والبراق في أكسفورد، كان المطر حكاية منتهية. وكانا يلهثان وهما يفترقان، وقالت له همسا: "كما تعلم مريم العذراء كانت امرأة يهودية أيضا".

ولم يسمع من قبل تجديفا من هذا النوع.

8-

كان اليهود معروفين في الغالب باسم قتلة المسيح. وورد ذلك في العهد الجديد، بالطبع، وهو الكتاب الذي نشر كراهية اليهود من مدينة إلى أخرى، ومن أمة إلى أمة، حتى عم في أرجاء نصف العالم. وأصبح معلوما على نطاق واسع أن اليهود قتلوا الأطفال المسيحيين بالصليب. وأنهم شربوا أو أكلوا دماءهم. ولم يرحم اليهود ملك مثل وليام الفاتح. وأدين اليهود بإصابة ريتشارد الأول بـ"العين الشريرة" أثناء تتويجه، مما أدى إلى مذبحة كبيرة ضد اليهود في جميع أنحاء إنجلترا. وفي عام 1190، قُتل اليهود في كينغ لين، وفي نوريتش، في ستامفورد، وفي كولشستر، وهويتوفورد، وبوري سانت إدموندز، ويورك. وقد أصبحت هذه المجازر،بأقل تقدير، منتظمة إن لم تكن روتينية.

9-

تبقى شيء واحد للقيام به. ولكنها لم تطلب منه ذلك، إنما كانت تعلم أنه يجب أن يحصل. وعلى الرغم من أن أليعازر عرض مساعدته، قرر أنه من الأفضل أن ينفذه بيده. وفي وقت مبكر من صباح أحد الأيام هبط في نهر إيزيس عاريا حتى خضره، ووقف هناك حتى فقد الإحساس بقدميه أو ساقيه أو أي شيء أعلى منهما. ثم خرج بسرعة، ومعه شفرة حادة جدا، وجر قلفته وقطعها بحركة واحدة. وانتشر ألم حارق رغم الخدر أول الأمر. ونزف أكثر مما توقع وشعر بالامتنان لأليعازر الذي منحه مرطبا يرشه عليه. ولمدة أسبوعين اعتصم في غرفته في بيت أوغسطين، وادعى أنه جرح فخذه بعد أن سقط في الغابة. وقد أحضروا له الطعام والماء وشعر من جراء ذلك بالقليل من الذنب لأنه كان يدرك خطته.

ثم هرب من بيت أوغسطين، والحزن يكلله، وهو يقول: إن الرب ظهر له في الرؤية وأخبره أن قدره ليس في أن يكون شماسا وطالباً بل أن يبحث عن مهنة أخرى. وراقب وجهه توماس، وبعض الإخوة الآخرين، بارتياب. ولكن ماذا يمكنهم أن يفعلوا؟. إنه رجل حر، وله عقل يفكر، ويمكنه الذهاب إلى حيث يحب وأن يفعل ما يشاء.

وكان قد قررر أن يذهب إلى منزل (هانا) في الحي اليهودي. وكانت تنتظره. وأخبرها أنه قام بالختان. وهو لا يزال متألماً، لكن الجرح سيشفى. ولا سبيل للتراجع الآن. وحينما كان يكلمها، استولى عليه خوف مهيب، لربما لن تقبل به الآن، وستدعوه للانصراف.

لكنها كانت ترديه فعلاً. وكانت بنفسها تخشى أنه لن يعود إليها، وأنها ستلاقيه في الشارع بعد عدة شهور وسيسخر منها ويناديها يا عاهرة الشيطان وسيكون قد نسي التحاب الذي بينهما. كان كلاهما خائفين. لكن كان الشوق أكبر من الخوف. وقبلته بفمها وكان حبه ألذ من النبيذ. وفي غضون شهر، عندما شفي تماما، تزوجا.

ومرت عدة شهور من السعادة، هذا مؤكد. وكانا في بعض الأيام يستيقظان معا ويمارسان الحب في الصباح برقة بالغة. وكانت تدلك وجهه الذي غطته لحية كاملة. وشرعت تعلمه سبلها ومعتقداتها وأسرار الأعشاب، وكانت تجلس على ركبته ليلقنها علوم القواعد اللاتينية ويخبرها عن كافنتري. ولا يمكننا أن ننكر أنهما أنفقا معا بضعة شهور.

وعلى الرغم منأهمية الكتمان، قام توماس بإفشاء السر لماثيوو، وماثيو تكلم مع سيمون، وسيمون مع روجير، ووصل الكلام لسلطات الكنيسة وبلغ مسامعهم أن مسيحيا اعتنق الدين اليهودي واقترن بامرأة يهودية. وهكذا في صباح أحد الأيام، بينما هانا في النهر تستحم، جاء عشرون من رجال المأمور يحملون الهراوات بحثا عن إدريك. ووجدوه يعمل على وعاء من المساحيق للكدمات. ونادى على الجيران لتحذير هانا، وحثها على الهرب، وفي نفس الوقت قبض عليه الرجال وغطوا رأسه بكيس.

10-

هذه القصة حقيقية، على الأقل في خطوطها العامة. وهي مدونة في عدة سجلات، جنبا إلى جنب مع العديد من المجازر والجرائم الأخرى التي لحقت باليهود في إنجلترا في العصور الوسطى. وخلال الفترة التي كنت أقرأ عنها في المكتبة، دردشت مع امرأة كانت تعمل في المكتبة أيضا. وأخبرتها عن اليهود الذين لقوا الموت بطرق مختلفة في عدة فترات حكم لملوك إنجلترا.

قالت المرأة :” حسنا، عليك أن تفهم هذه الأشياء في سياقها التاريخي".

ورأيت أنني كنت غاضبا جدا لدى سماع ما تقوله. وأجبتها:"لا أعتقد أن الناس نظروا للموضوع في سياقه التاريخي حينما كانوا يتعرضون للقتل. لا أعتقد أنهم قالوا لأنفسهم: حسناً، يجب أن أفهم المجتمع والدوائر الثقافية التي جعلت ذلك يحدث. على ما أفترض أنهم عانوا وماتوا".

وأعتقد أن هذه المرأة شعرت أنني لست شهما بما فيه الكفاية. ولا أمتلك ما يكفي من روح المحبة والكرم المسيحي.

11-

تمت محاكمة إدريك أمام رئيس الأساقفة. وعرضوا عليه الصليب والرب المصلوب عليه. تذكر إدريك طفولته، وهو يركع أمام صليب كهذا، يقبله بشفتيه اللتين قبل بهما هانا مرارا وتكرارا. وهو يريدها الآن وجسده يحن ويتألم ليعانقها. وتخيلها كما يجب أن تكون، في العربة المتنقلة الصغيرة التي يمتلكها عمها، وهي بالطريق إلى لندن، مختبئة تحت الملاءات والبطانيات والتفاح. ربما آمنة. وربما سيراها لاحقا.

قال له رئيس الأساقفة:"عبر عن توبتك، وتخلص من خطيئتك وإلا لن يغفر لك؟".

كان بمقدوره أن يتوب الآن. سيكون الأمر بسيطا. وباستطاعته أن يقول: أنا نادم، وأومن أن الرب يسوع في قلبي. كان بإمكانه أن يفعل ذلك وربما يرحمونه وربما يسمحون له بالانصراف، وربما تحت جنح الظلام يمكنه أن يهرب بعيداً ويبحث عن هانا في لندن ويلف ذراعه حول خصرها ويسمع ضحكتها الناعمة. وربما يسافران بطريقة ما إلى باريس أو أمستردام أو حتى إسبانيا حيث يمكن أن يكونا مجرد رجل يهودي آخر وزوجته اليهودية، وبطنها مزدحمة بأطفال يهود. هذا ما يريده، وهذا شيء بسيط. ولكن يأتي وقت يكون القلب فيه متيقنا أن اللسان يعجز عن أن ينطق بما يفرضونه عليه.

وبدأ يصيح:"لا أريد القانون الجديد الموضوع، فهو بدعة. وأنا مع ما سبقه. ولا أتبع تعاليم يسوع. كان كاذباً مثل والدته ماري – بالتأكيد كانت مستلقية مع رجل، وعندما حملت منه ادعت أن الرب منحها طفلا. أنا يهودي الآن. يهودي مثل الآخرين".

وهذه هي الحقيقة. ألم يذكر إنجيل يوحنا إن"الحقيقة ستحررك"؟.

12-

كان ستيفن لانغتون هو رئيس الأساقفة. وكان هو نفسه موضع خلاف كبير بين روما وإنكلترا -- ورفض الملك جون الاعتراف به رئيسا لأساقفة كانتربري، وأصر البابا إنوسينت عليه. وكانت نتيجة الشجار تجميدا دام خمس سنوات: فقد رفض البابا السماح بالاحتفال بأي ولادة أو زواج أو قداس في إنكلترا. والتجميد واقع سيء عرض أرواح الشعب الإنكليزي للمخاطر، ولا يمكن العودة لتلك الظروف. وأن يهين مسيحي صالح مريم العذراء بهذه الطريقة سلوك يجلب غضب الله - والبابا - على الأرض. ولذلك هناك نهاية واحدة ممكنة فقط.

13-

والسجلات غير واضحة ومتناقضة قليلاً حول كيفية حدوث النهاية. البعض يقول إنه حريق وهذا هو رأي الأغلبية. ولكن رواية ماثيو باريس تروي ذلك بشكل مختلف.

ورد أنه تم طرد ستيفن لانغتون الشماس الإنجليي من الكنيسة لأنه أحب يهودية حبا غير قانوني.

ويخبرنا باريس: إن السير فالكس دي بريوتي، وهو فارس محلي، و"سريع في إراقة الدماء"، غضب من تحول الرجل المسيحي إلى الدين اليهودي، ومن الكلمات التي تحدث بها ضد العذراء لدرجة أنه: انتزعه عن الأرض، وأقسم 'بأنفاس الله!. سوف أقطع الحلق الذي تفوه بمثل هذه الكلمات’، وجرّه بعيداً إلى بقعة سرية وقطع رأسه. كان هذا البائس المسكين مولودا في كوفنتري. لكن اليهودية تمكنت من الفرار، مما أحزن فالكس الذي قال: "أنا آسف لأن هذا المسكين ذهب إلى الجحيم وحده”.

ربما كان الحريق وربما كان السيف. ولكننا نعلم أن الرجل الذي أدعوه هنا إدريك، فاسمه منسي منذ فترة طويلة، مات على يد الكنيسة، وأولئك الذين سعوا إلى حماية شرفها.

واليهودية التي دعوتها باسم هانا، لأن اسمها بالمثل لم يتم تسجيله، هربت. ربما يمكننا أن نتخيلها، هناك، بين التفاح، تبكي على زوجها وهي تسافر بالعربة متنقلة طوال أميال وعرة وغير سالكة حتى بلغت الساحل. وربما مات وهو يعلم أنها آمنة. وربما كانت تحمل مستقبلها في رحمها. حيث حياة جديدة تتحرك فيه. وربما كان يعرف هذا عندما مات. ربما. ربما.

***

 

.......................

*عدد من التفاصيل التاريخية في هذه القصة مأخوذة من كتاب روبن مانديل “ملك اليهود”.

نعومي ألديرمان Naomi Alderman روائية بريطانية من إسكوتلاندا. تعيش في مدينة باث الإنكليزية. من أهم أعمالها: القوة (رواية خيال علمي)، إنجيل المنافقين، الدرس، وسوى ذلك....

هذه االقصة نشرت لأول مرة في نيو ستايتمان (أيار / 2012).

 

 

 يوسف حنايحرس قطيع متناقضاتنا من الذئاب

فتحي مهذب - تونس

ترجمة الشاعر د. يوسف حنا - فلسطين


He guards our herd of opposites against wolves

By Fathi Muhadub / Tunisia

Translation from Arabic Dr. Yousef Hanna /Palestine

Your grizzly pistol

With husky throat

Killers tweet at the treetops

The imagination howls

In your head park.

Don't despair

Don't break the forgetfulness jar

The dragon will be polite in refining your wing

He will feed your blind sun,

Fire and blessings.

The musician will take good care of your ghosts,

By your fresh blessing in the Castle of Words.

The abyss will suckle you

Instead of the messenger

That was snatched by her madness in the opera house

For whom the train emptied his tears

Up in the air.

Then open fire

And scatter the savage birds of obsessions.

***

Your windows are fresh milk.

O house that resembles an eagle

Which shepherds fill in with narration

And with smell of wild fern.

O house that kicks the ass of the void

And from its lamps,

The nostalgia rose rises

To keep your door wide open

For the new Moriscos.

***

On my back is a filled basket with emptiness.

The fresh Ideas have been captured

By a woodpecker.

Only blinds can see

God’s ravenous teeth.

***

the three of us remained at the bottom of the cave

While our dog extended his arms

At the courtyard,

Guards our herd of opposites

Against wolves.

Our shadows of poetry angina

Our charred prayers by the Mongols horses’ hooves

The Lord did not protect us from roaring of ourselves

Neither from the bat whip

That flows from our hoops of words

Our empty words’ bags are of rice and blessings

We spent our lives devouring ghosts

We are moving toward decline

While the world is (burning wheel

Passing over our heads)

Waiting for Noah's ark.

***

I was upright like a tree

Full of sparrows

Butterflies cross me

And flying saucers.

And from time to time,

A crow throws at me an enchanted feather

I was the favorite mother of the jungle trees

Suddenly woodmen attacked us

We fell one by one

Into the abyss.

***

I love the train

Which at ten o’clock night, turns completely

To a ninth symphony.

Love the little cloud

That sits in front of me

And take care of her nails

Her eyes are speaking gull’s eloquence.

I love the old woman chewing her tough luck

She haunts her coffin in cold blood,

Love the train that plows my spine

With his sad tone.

.........................

يحرس قطيع متناقضاتنا من الذئاب

فتحي مهذب - تونس

*** مسدسك الأشيب

مبحوح الحنجرة.

القتلة يغردون في رؤوس الأشجار.

المخيلة تعوي

في حديقة رأسك.

لا تيأس .

لا تكسر جرة النسيان.

التنين سيكون مهذبا في صقل جناحك.

سيطعم شمسك الضريرة

النار والبركات.

الموسيقار سيعتني بأشباحك جيدا.

بأنهارك العذبة في قلعة الكلمات.

سترضعك الهاوية

بدلا من الرسولة.

التي خطفها الجنون في دار الأوبرا.

التي من أجلها أفرغ القطار دموعه

في الهواء.

إذن إفتح النار.

شتت طيور الهواجس الكاسرة.

***

نوافذك حليب طازج.

أيها البيت الذي يشبه النسر.

الذي يملؤه الرعاة بالسرد.

ورائحة السرخس البري.

أيها البيت الذي يركل مؤخرة الفراغ.

ومن مصابيحه تصعد وردة النوستالجيا.

ليظل بابك مشرعا

للموريسكيين الجدد.

***

على ظهري سلة مملوءة بالفراغ.

السمكات ذابت في الطريق.

الأفكار الطازجة إلتقطها

نقار الخشب.

العميان وحدهم يبصرون

أسنان الرب المفترسة.

***

قبعنا ثلاثتنا في قاع الكهف

بينما كلبنا باسط ذراعيه

بالوصيد.

يحرس قطيع متناقضانتا

من الذئاب.

ظلالنا من الذبحة الشعرية.

صلواتنا المتفحمة من حوافر أحصنة المغول.

لم يحمنا الرب من زئير أنفسنا.

من وطوطة الخفافيش

التي تزرب من أطواق كلماتنا.

كلماتنا الفارغة أكياسها من الرز والبركات.

أفنينا أعمارنا في التهام الأشباح.

نتحرك في النقصان

بينما العالم (عجلة مشتعلة

تمر فوق رؤوسنا).

في انتظار سفينة نوح .

***

كنت منتصبا مثل شجرة.

مليء بعصافير الدوري.

تعبرني الفراشات

والصحون الطائرة.

ومن حين إلى آخر .

يرشقني غراب بريشة مسحورة.

كنت الأم الأثيرة لأشجار الغابة.

وعلى غرة هاجمنا الحطابون

سقطنا الواحد تلو الآخر

في الهاوية.

***

أحب القطار

الذي يتحول تمام العاشرة ليلا.

إلى سينفونية تاسعة.

أحب الغيمة الصغيرة

التي تجلس أمامي

وتعتني بأظافرها.

عيناها تتكلمان بفصاحة نورس.

أحب العجوز التي تمضغ حظها العاثر.

تطارد تابوتها بدم بارد.

أحب القطار الذي يحرث عمودي الفقري

بنبرته الحزينة.

 

 

جمال ابو زيدأوسكار وايلد

ترجمة: جمال أبو زيد

دأب الأطفال على الذهاب إلى حديقة العملاق، لدى عودتهم من المدرسة،  في أصيل كل يوم، لِلَّعِبِ فيها. كانت تلك الحديقة جميلة مترامية الأطراف، وكان عشبها أخضر ناعماً، تنتشر فوقه هنا وهناك الزهور الجميلة التي تبدو كالنجوم. كانت ثمّة اثنتا عشرة شجرة خوخ تتفتق في فصل الربيع عن أزهار رقيقة بلون ٍ قرمزيٍّ أو لؤلؤيّ. وما إن يقبل فصل الخريف حتى تجود بثمارها الوافرة. كانت الطيور تجثم على الأشجار وتشدو بصوت في غاية العذوبة إلى حدِّ أن الأطفال كانوا يتوقفون عن اللعب بغية الإنصات إليها.

وكانوا يتصايحون قائلين: "ما أسعدنا هنا!"

وفي أحد الأيام عاد العملاق. كان في زيارة صديقه الغول المقيم في كورنوول، حيث قضى معه مدة سبع سنوات. وبعد انقضائها كان قد قال كلَّ ما كان لزاماً عليه أن يقوله، إذ كانت محادثته معه محدودة، وعقد العزم على  العودة إلى قلعته. وحين وصل رأى الأطفال يلعبون في الحديقة. 

فصاح بصوت أجش إلى حدٍّ كبير: "ماذا تفعلون هنا؟!" . وفرّ الأطفال مذعورين. قال العملاق: " حديقتي هي حديقتي! وفي مقدور أي شخص أن يفهم ذلك. ولن أسمح لأيِّ شخص كان، سواي، بأن يلعب فيها".

وهكذا بنى سوراً عالياً حولها، ووضع عليه لوحة إعلانات تقول:

المتعدُّون

سيُحاكَمون.

كان عملاقاً شديدَ الأنانيّة.

لم يكن لدى الأطفال المساكين الآن أي مكان آخر يلعبون فيه. حاولوا أن يلعبوا على الطريق، بَيْدَ أنه كان مكسوّاً بالغبار ويعجُّ بالحجارة الصلبة، ولم يَحُزْ إعجابَهم . واعتادوا أن يدوروا حولَ السور العالي لدى انتهاء دروسِهِم  ويتحدثوا عن الحديقة الجميلة الموجودة في داخله. وكان كلٌّ منهم يقول للآخر: " لشدَّ ما كنّا سعداءَ هناك".

ثم أقبل الربيع، وانتشرت الأزهار والطيور في جميع أرجاء البلاد. وفقط في حديقة العملاق الأناني، كان الشتاءُ لا يزال هناك. ولم تكترث الطيور بالشدوِ فيها، إذ لم يكن ثمة أطفال، ونسيت الأشجار أن تزهر فيها. وذات مرّةٍ، أطلت زهرة جميلة برأسها من خلال العشب، بَيْدَ أنها حين أبصَرَتْ لوحة الإعلانات شعرَت بالأسف الشديد على الأطفال وانسلّتْ عائدةً إلى الأرض مرة أخرى وأخلدتْ إلى النوم. ولم يكن أحد سعيداً فيها إلا الثلج والصقيع، فصاحا قائلَيْنِ: " لقد نسي الربيع هذه الحديقة! لذا سنعيش هنا على مدار السنة!"

غطّى الثلجُ العشبَ بعباءته البيضاء العظيمة، وطلا الصقيعُ جميع الأشجار باللون الفضي، ثم وجّها دعوةً إلى ريح الشمالِ للإقامة معهما فجاءت. كانت متلفِّعَةً بالفراء، وظلّتْ تهدرُ حول الحديقة طوال اليوم، وحطمت قدورَ المدخنة (1) وأسقطتها إلى الأسفل. وقالت: "هذه بقعة رائعة، وعلينا أن نطلب من البَرَدِ أن يزورنا". وهكذا جاءَ البَرَدُ. وكلّ يوم، ولمدة ثلاث ساعات، كان يقعقع على سطح القلعة إلى أن حطم معظم الألواح الخشبية، ثم يدور ويدور في الحديقة بأسرع ما لديه من طاقة. كان مُتَّشِحاً باللون الرمادي، وكان نَفَسُهُ كالثلج.

قال العملاق الأناني وهو يجلس عند النافذة ويرنو ببصره إلى حديقته المكسوّة بالبياض في الخارج: "لا أستطيع أن أفهم لماذا تأخر الربيع كثيراً في المجيء. آمل أن يتغير الطقس!"

بيد أنّ الربيع لم يأتِ قَطّ، وكذلك الصيف. الخريف جادَ بثماره الذهبية على كل حديقة سوى حديقة العملاق، قائلاً: "إنه شديد الأنانية".

وهكذا كان فصل الشتاء دائماً هناك، وكانت ريحُ الشمال، والبَرَد، والصقيع، والثلوج  تتراقص متجوّلةً عَبْرَ الأشجار.

ذات صباح، كان العملاق يستلقي مستيقظاً في فراشه حين سمع أنغام موسيقى عذبة. كان وَقْعُها في غاية العذوبة في أذنيه إلى حدِّ أنه اعتقد أن موسيقيي الملك كانوا يمرّون في الجوار. كان في الواقع مجرّد تُفّاحيٍّ (2) صغير يشدو خارج نافذته. بيد أنه كان قد مضى وقتٌ طويلٌ مُذْ سمع طائراً يشدو في حديقته، إلى حدِّ أن ذلك الشدو بدا بالنسبة إليه أعذب موسيقى في العالَم. 

ثم توقف البَرَدُ عن الرقص فوق رأسه، وكفَّتْ ريحُ الشمال عن الهدير، وتناهى إليه عبيرٌ عذبٌ من خلال النافذة المفتوحة. قال العملاق: " أعتقد أن الربيع قد أقبل أخيراً". وقفز من السرير ورنا ببصره إلى الخارج.

وماذا رأى؟

رأى واحداً من أجمل المَشاهد. من خلال فتحة صغيرة في السور كان الأطفال قد دخلوا إلى الحديقة وجلسوا على غصون الأشجار. وفي كل شجرة وقع بصره عليها، كان ثمة طفل صغير. وكانت الأشجار في غاية السرور لعودة الأطفال إليها إلى حدِّ أنها غطتْ أنفسها بالأزهار وطفقت تلوّح أذرعها بلطفٍ فوق رؤوس الأطفال.

كانت الطيور تحلق في المكان وتغرّد في ابتهاج، وكانت الأزهار تطلّ برؤوسها من العشب الأخضر ضاحكة. كان مشهداً جميلاً. وفي ركن واحد فحسب، كان الشتاء لا يزال قابعاً هناك. كان أبعدَ ركنٍ في الحديقة، وفيه كان يقف طفل صغير. كان ضئيل الجسم للغاية ولذلك عجز عن الوصول إلى أغصان الشجرة، فراح يحوم حولها ويبكي بمرارة. كانت الشجرةُ البائسة لا تزال مغطاةً بالصقيع والثلج، وكانت ريح الشمال تهبّ وتهدر فوقها. قالت الشجرةُ للطفل: " تسلّقْ أيها الصبيّ الصغير"، وخفضتْ أغصانها إلى أدنى ما في مقدورها من استطاعة، بيد أن الصبيّ الصغير كان ضئيل الجسم للغاية.

ذابَ قلبُ العملاق حين أبصر ذلك، وقال: " ما أشدّ أنانيّتي. الآن أدركُ لماذا لا يأتي الربيعُ إلى هنا. سوف أضعُ ذلك الصبيَّ الصغيرَ على قمة الشجرة، ثم سأهدم السور، وسوف تصبح حديقتي ملعبَ الأطفال إلى أبدِ الآبدين". لقد تملّكه، في الواقع، الأسفُ الشديد على ما كان قد فعل.

وهكذا، انسلَّ إلى الطابق السفلي وفتح الباب الأمامي بهدوء شديد ، وخرج إلى الحديقة. وما إن رآه الأطفال حتى انتابهم الرعبُ وفرّوا جميعاً لا يلوون على شيء. وعادت الحديقة إلى فصل الشتاء مرة أخرى. وحده الصبي الصغير لم يركض، لأن عينيه كانتا مليئتين بالدموع إلى درجة أنه لم ينتبه إلى قدوم العملاق نحوه. انسلّ العملاق خلفه برفق ووضعه فوق الشجرة، فاستحالت إلى زهور في الحال، وأسرعت إليها الطيور وهي تشدو فوقها. بسط الولد الصغير ذراعيه ولفَّهُما حول عنق العملاق، وقبَّله. وعندما رأى الأطفالُ الآخرون أن العملاق لم يعد شرّيراً، عادوا راكضين وعاد معهم الربيع. قال العملاق: " إنها حديقتكم الآن أيها الأطفال الصغار"، ثم تناول فأسًا كبيرةً وهدَمَ السور. وحين كان الناس في طريقهم إلى السوق، عند الساعة الثانية عشرة، وجدوا العملاق يلعب مع الأطفال في أجمل حديقة وقعت عليها أبصارهم على الإطلاق.

ولعبوا طوال اليوم، وفي المساء جاؤوا إلى العملاق ليودّعوه، فقال: " ولكن أين رفيقكم الصغير؟ الصبي الذي وضعتُهُ على الشجرة".

كان العملاق قد كنَّ له أشدَّ الحبِّ لأنه كان قد قبَّلَه.

أجاب الأطفال: "لا ندري. لقد ولّى."

فقال العملاق: "يجب أن تخبروه أن يأتي إلى هنا غداً بكلّ تأكيد". غير أن الأطفال قالوا إنهم لم يكونوا يعرفون أين يعيش، ولم يروه من قبل قَطّ. وأحسّ العملاق بالحزن الشديد.

وفي كلِّ أصيل، ومع انتهاء الدوام المدرسي، كان الأطفال يأتون بغية اللعب مع العملاق. بَيْدَ أنّ الصبي الصغير الذي أحبّه العملاق لم يُشاهَدْ مرة أخرى قَطّ. كان العملاق في غاية اللطف مع جميع الأطفال، ومع ذلك كان يتوق إلى رؤية صديقه الصغير، وكان يتحدّث عنه أغلب الوقت.

واعتاد أن يقول: " كم أتوق إلى رؤيته!"

ومرّت السنون، وتقدّم العملاق في السِّنِّ وأصابه الوَهَن. ولم يعد في إمكانه مواصلة اللعب،  لذا كان يجلس على كرسي ضخم بذراعَيْنِ ، ويراقب الأطفال وهم يلعبون، ويُعْجَبُ بحديقته. كان يقول:" لدّي الكثير من الأزهار الجميلة، بيدَ أن الأطفال هم أجمل الأزهار قاطبة."

وذات صباحٍ في الشتاء نظر إلى الخارج من نافذته بينما كان يرتدي ملابسه. لم يعد يكره الشتاء الآن، لأنه كان يعلم أنه ليس إلا الربيع نائماً فحسب، وأن الأزهار في حالة استراحة.

فجأة فرك عينيه متعجباً، ثم أخذ ينعم النظر. كان بالتأكيد مشهداً رائعاً. في أقصى ركن من الحديقة كانت ثمة شجرة مغطاة بأكملها بأزهارٍ بيض جميلة. وكانت غصونها كلّها ذهبية، وقد تدلّتْ منها فاكهة فضية، وتحتها كان يقف الطفل الصغير الذي أحبّه.

وركض العملاق إلى الطابق السفلي والفرح يغمره، وخرج إلى الحديقة. جرى عَبْرَ العشب ودنا من الطفل. وحين اقترب أكثر احمرّ وجهه غضباً وقال: " مَنْ جَرُؤ على أَنْ يجرحك؟" إذ كان قد أبصر على راحتي يدي الطفل أثرَي مسمارَيْنِ، وأثري مسمارين على قدميه الصغيرتين.

وصاح العملاق قائلاً: "من الذي جرؤ على أن يجرحك؟ أخبرني! لآخذ سيفي الكبير وأقتله".

أجاب الطفل: "كلا! هذه جروح الحب فحسب".

قال العملاق: " مَنْ أنت؟"، واعترته رهبة غريبة، وركع أمام الطفل الصغير.

ابتسم الطفلُ للعملاق وقال له: "لقد سمحتَ لي أن ألعب ذات مرّة في حديقتكَ، واليوم ستأتي معي إلى حديقتي والتي هي الجّنَّة".

وحين ركض الأطفالُ ذلك الأصيل، وجدوا العملاق مستلقياً تحت الشجرة وقد فارق الحياة، وكان مغطّىً بأكمله بالأزهار البيض.

***

 

...........................

أوسكار وايلد (1854 – 1900): ولد أوسكار وايلد (واسمه الكامل أوسكار فينغال أوفلاهيرتي ويلز وايلد) في دبلن/إيرلندا عام 1854، وكان ترتيبه الثاني بين ثلاثة أطفال لطبيب العيون الإيرلندي ويليام روبرت ويلز وايلد وزوجته جين فرانسيسكا إيلغي وايلد، والتي كانت صحفية وشاعرة إيرلندية ناجحة تذيِّل قصائدها باسم مستعار. تألق أوسكار في دراسته المدرسية كما تألق في كلية "ترينيتي" في دبلن وكلية "ماغدالين" في جامعة أوكسفورد ذائعة الصيت. وبعد تخرّجه انتقل إلى لندن وسرعان ما اكتسب شهرة عارمة في المجتمع اللندني، وكان أحد أركان المدرسة الجمالية في الفنّ والأدب في تلك الفترة، والتي تُلخّصها عبارة " الفنّ للفنّ".

في عام 1881 نشر مجموعة شعرية بعنوان " قصائد"، وفي العام التالي سافر من لندن إلى مدينة نيويورك ليشارك في إلقاء محاضرات في مدن أمريكية مختلفة، وقد ألقى خلال جولته التي استمرت 9 أشهر نحو 140 محاضرة.

وفي عام 1884 تزوج كونستانس لويد، وكانت كاتبة قصص أطفال، وأنجبت له صبيَّيْنِ. كتب الكثير من المقالات وألقى العديد من المحاضرات لدعم أفكاره عن الفن والجمال.

من أعماله: " الأمير السعيد وحكايات أخرى" (مجموعة قصصية، 1888، ويُعتَقَدُ أنه كتبها من أجل ابنَيْه)، ومنها ترجمنا هذه القصة، " صورة دوريان غراي" ( رواية 1890)، "جريمة اللورد آرثر سافيل وقصص أخرى" (1891)، " مروحة الليدي ويندرمير" (مسرحية 1892)، " امرأة لا أهمية لها (مسرحية 1893)، "زوج مثالي" (مسرحية 1895). 

....................

هوامش

(1) قِدْرُ المدخنة: أنبوب فخاريٌّ، أو معدنيٌّ، في أعلى المدخنة لجعلها أقدرَ على تصريف الدخان. (المورد)

(2) التُّفّاحيّ: طائر مغرّد. (المورد).

 

احمد الزاهر الكحلالفَراشَةُ المَغرورَةُ

ميَّادة مهنَّا سليمان/سورية

ترجمة إلى الإسبانية: أحمد الزاهر لكحل/المغرب

القصة الأولى من المجموعة القصصية: "قَريَةُ الفَراشَاتِ"

“La mariposa vanidosa*”

Mayada Muhanna Solaiman/Siria

Traducción del árabe al español: Ahmed Zahir Lakhal/Marruecos

 

*El primer cuento de la colección “La aldea de las mariposas” compuesto por diez cuentos infantiles

******

En una pequeña colina estaba la hermosa aldea de las lindas mariposas. Cada mariposa tenía una casa en forma de flor de su color.

Las mariposas vivían en paz y tranquilidad en esa aldea.  Su reina era la sabia mariposa blanca, a la que acudían las mariposas cuando era necesario.

En algún día, la reina de las mariposas tuvo que viajar a otra aldea para visitar a su prima que estaba muy enferma.

Las mariposas se despertaron con mucha energía, aleteando sus alas con mucha alegría y gozo, y echaron a libar el néctar de las coloridas flores de la aldea.

Notaron  que la mariposa negra no estaba con ellos en su recorrido matutino, y la mariposa roja dijo:

Quizá se quedó dormida, tenemos que despertarla para tomar un delicioso desayuno de estas delicadas flores.

La mariposa púrpura respondió:

¿O quizá le pasó algo malo?

Y la mariposa azul dijo inmediatamente:

Vamos a su casa, creo que está enferma y no ha podido levantarse.

Y las nobles mariposas volaban hacia su casa a excepción de la mariposa amarilla que se negó arrogantemente, diciendo:

¡No iré con vosotras!

Soy  yo la mariposa amarilla y dorada 

Y ella es una mariposa negra, oscura como la noche

¡Parece un murciélago feo!

Todas las mariposas se pusieron molestas por sus hirientes palabras, y la dejaron sola en ese prado, porque estaban hartas  de su vanidad y arrogancia.

Cuando las mariposas llegaron a la casa de la mariposa negra, la pobre tenía  fiebre muy elevada, e inmediatamente la mariposa naranja le puso compresas en la frente y permanecieron cerca de ella agasajándola para que no se sintiera sola y enferma.

Mientras tanto, la mariposa amarilla volaba orgullosa y cantaba de alegría:

Soy  la hermosa mariposa

Vuelo de placer

en los campos

Libo el néctar de las flores

Vuelo en el valle

y en todas las llanuras

Todo el mundo me ama

Soy bella y encantadora

Todos los prados me anhelan

Y  me llama ansiosamente

cada maleza

Soy yo la princesa

Soy yo la dorada

Soy yo, soy yo la más guapa

Mientras ella cantaba muy feliz, la escucharon los dos traviesos hermanos “Adham” y “Ayham”, se acercaron tranquilamente, la agarraron, y la metieron en una bolsa transparente, luego la colgaron en una rama de un arbusto y se echaron a burlarse de ella mientras trataba de salir. 

La  familia estaba haciendo picnic cerca del hermoso pueblo de las mariposas. Unos momentos después, escucharon la voz de su madre llamando a almorzar.

Ambos traviesos chicos se apresuraron, y dejaron a esa pobre mariposa colgada en esa rama, agotada de cansancio, por sus muchas tentativas de salir de la bolsa.

 

Las mariposas terminaron su visita, y cuando vieron que  la mariposa negra se mejoró, le sugirieron que saliera con ellas a dar paseo por los campos, esperando que se recuperara un poco y libara algo del néctar de las flores.

Mientras volaban, de repente notaron que una pequeña cosa estaba moviéndose  en una bolsa, entonces se acercaron y gritaron de pánico:

¡Dense prisa amigas!

Las mariposas se reunieron asombradas.

¿Cómo la van a salvar, y con quién lo consultan, ya que la sabia mariposa blanca aún no ha regresado de su visita?

Mientras  estaban confundidas, la mariposa negra dijo:

¡Iré un rato y me volveré!

Unos   momentos después, volvió la mariposa acompañada con una pequeña ardilla, y las mariposas sonrieron, admirando su inteligencia.

La ardilla mordió la bolsa y, de inmediato, salió sin aliento la engreída mariposa. Las mariposas la felicitaron por su seguridad y sus ojos se llenaron de lágrimas agradeciéndoles, luego se acercó a la mariposa negra, la abrazó con amor y lamentó:

Me salvaste la vida, aunque merecía la muerte, me negué a visitarte, mientras estabas enferma, entonces Dios me castigó y tú me has salvado.

¡Por favor perdóname hermana!

Todas las mariposas se pusieron alegres, y pasaron unos ratos muy divertidos, luego decidieron regresar a sus casas, ya que se acercó la puesta del sol, y la sabia mariposa blanca sin duda ha regresado, y se preocupará por ellas.

Aletearon con amor y tranquilidad, y se dirigieron a su hermoso y apacible pueblo, y contaron a su sabia reina los extraños acontecimientos que les sucedieron en ese día.

.................................

الفَراشَةُ المَغرورَةُ

ميَّادة مهنَّا سليمان/سورية

ترجمة إلى الإسبانية: أحمد الزاهر لكحل/المغرب

القصة الأولى من المجموعة القصصية: "قَريَةُ الفَراشَاتِ"

على تلّةٍ صغيرةٍ كانتْ تقعُ قريةُ الفرَاشاتِ الجميلةِ، وكانَ لِكُلِّ فراشةٍ مَنزلٌ على شكلِ زهرةٍ من لونِها.

كانتِ الفراشاتُ تعيشُ بِسَلامٍ، وطُمأنينةٍ في تلك القريةِ، وكانتْ ملكتُهم الفراشةُ البيضاءُ الحكِيمةُ، الّتي تلجأ إليها الفراشاتُ عند الضّرورةِ.

وفي يومٍ من الأيّامِ اضطرَّتِ الفراشةُ الملِكةُ إلى السَّفر لقريةٍ أخرى لرؤية فراشةٍ قريبةٍ لها

تُعاني من مرضٍ شديدٍ.

استيقظتِ الفراشاتُ نشيطاتٍ، رفرَفْنَ بأجنحتِهنَّ بِسعادةٍ، وَزهوٍ، وقُمنَ بجمعِ الرَّحيقِ من زُهورِ القريةِ الملوّنةِ.

ثُمَّ لاحظنَ أنَّ الفَراشةَ السَّوداءَ لم تكنْ معهنَّ في جولتهنَّ الصَّباحيّةِ، فقالتِ الفراشةُ الحمراءُ:

لعلّها بقيت نائمةً، علينا إيقاظُها لتناولِ وجبةِ الفطورِ الشّهيِّ من هَذي الأزهارِ الشّذيّةِ.

فردّتِ الفراشةُ البنفسجيّةُ:

أو لعلَّ مكروهًا أصابَها؟

فقالتْ على الفورِ الفراشةُ الزّرقاءُ:

لنتّجه إلى منزلها، أظنّها مريضةً، لم تقوَ على النُّهوضِ.

وهمَّتِ الفراشاتُ النّبيلاتُ بالطَّيرانِ نحوَ منزلها

إلّا الفراشةَ الصَّفراءَ، فقد رفضتْ قائلةً بغرورٍ:

لن أذهبَ معكنّ!

أنا الفراشةُ الصَّفراءُ الذَّهبيَةُ

وهيَ تلك الفراشةُ السَّوداءُ المُعتِمةُ كالليلِ

إنَّها تشبهُ الوطواطَ القبيحَ!

انزعجتِ الفَراشاتُ كلهنَّ من كلامِها الجارحِ، وتركنَها وحدَها في تلك المُروجِ، فقد كُنَّ يُعانِينَ دومًا من غُرورِها وتكبُّرِها عليهنَّ.

لمَّا وصلتِ الفراشاتُ منزلَ الفراشةِ السَّوداءِ، كانتِ المسكينةُ تُعاني من ارتفاعِ حرارتِها، فقامتِ الفراشةُ البُرتقاليَّةُ على الفَورِ بِوضعِ  كمَّاداتٍ على جَبينِها، ومَكثنَ قُربَها يُسلِّينَها كي لا تشعُرَ بالوَحدةِ، ووطأةِ المرضِ.

في تلكَ الأثناءِ، كانتِ الفراشةُ الصَّفراءُ تطيرُ بزَهوٍ وهي تغنِّي بفرحٍ:

أنا الفراشةُ الجميلة

أطيرُ مسرورةً

عبر الحقولْ

أرشفُ رحيقَ الزُّهورِ

أطيرُ في الوَادي

وفي كلِّ السُّهولْ

الكلُّ يُحبُّني

أنا الجميلةُ السَّاحرةُ

يهواني كلُّ مرجٍ

تناديني بلهفةٍ

كلُّ خميلةْ

أنا الأميرةُ

أنا الذَّهبيَّةُ

أنا.. أنا الجمييييييلةْ

وبينما هيَ مسرورةٌ تغنِّي، سمِعَها الأخوانِ الشَّقيَّانِ أدهمُ وأيهمُ فاقتربا بهدوءٍ، وأمسَكاها، ووضعاها في كيسٍ شفَّافٍ، ثمَّ علَّقاها على غصنِ شُجيرةٍ صغيرةٍ، وأخذا يضحكانِ عليها، وهي تحاولُ بصعوبةٍ الخروجَ منَ الكيسِ.

بعدَ قليلٍ سمِعا صوتَ أُمِّهما تناديهما لتناولِ وجبةِ الغداءِ فقد كانا في نزهةٍ جميلةٍ مع أسرتِهم بالقربِ من قرية الفراشاتِ الجميلةِ.

أسرعَ المُشاكِسانِ، وتركا تلك المِسكينةَ معلَّقةً على ذلكَ الغُصنِ، وقد أنهكها التَّعبُ، لكثرةِ محاولاتِها اختراقَ الكيسِ والخروجَ منهُ.

أنهتِ الفراشاتُ زيارتهنَّ للفراشةِ السَّوداءِ، ولمَّا رأينَها تحسَّنتْ، اقترحنَ عليها القيامَ معهنَّ بجولةٍ عبرَ الحقولِ، علَّها تتنشَّطُ قليلًا، وترشفُ شيئًا يُقيتُها من رحيقِ الزُّهورِ.

وأثناءَ طَيرانهنَّ انتبهتْ فجأةً أنَّ هناكَ شيئًا صغيرًا يتخبَّطُ في كِيسٍ، فاقتربتْ، وصرختْ مذعورةً:

أسرعنَ يا صديقاتي!

اجتمعتِ الفراشاتُ مذهولاتٍ، وأصابتهنَّ الحيرةُ

كيف يُنقذنها، ومن يَستشِرنَ، فالفراشةُ البيضاءُ الحَكيمةُ لم تعدْ بعدُ من زيارتِها؟

وهُنَّ في حَيرتهنَّ قالتِ الفراشةُ السَّوداءُ:

سأذهبُ قليلًا وأعودُ إليكم!

وماهيَ إلَّا لحظاتٌ، وإذْ بها قدْ عادتْ،

ومعَها سنجابٌ صغيرٌ، فابتسمتِ الفراشاتُ منشرحاتٍ لذكائِها.

قامَ السِّنجابُ بقرضِ الكِيسِ، وخرجتْ على الفَورِ الفراشةُ المغرورةُ، وهيَ بالكادِ تتنفَّسُ، هنَّأتْها الفراشاتُ بالسَّلامةِ، فأدمعتْ عيناها، وهي تشكُرُهنَّ، ثمَّ تقدَّمتْ منَ الفراشةِ السَّوداءِ، عانقَتْها بِحُبٍّ، وأسفٍ قائلةً:

لقدْ أنقذتِ حياتي، رغمًا أنِّي كنتُ أستحقُّ

الموتَ، فقد رفضتُ زيارَتكِ، وأنتِ مريضةٌ، ثمَّ عاقبَني اللهُ، وكانَ خَلاصي على يديكِ

أرجوكِ.. سامِحيني أُختاهُ!

فرحتِ الفَراشاتُ جميعهُنَّ، وأمضينَ وقتًا مسلِّيًا وهنَّ يمرَحْنَ، ثمَّ قرَّرْنَ العودةَ إلى بيوتهنَّ، فالشَّمسُ قاربتْ على المغيبِ، والفرَاشةُ البيضاءُ الحكِيمةُ لاشكَّ عادتْ، وسَتقلقُ عليهنَّ.

رفرَفنَ بمحبَّةٍ، وسَكينةٍ، ومضينَ إلى قريتهنَّ الوادعةِ الجميلةِ، وحكَينَ ما جرى معهنَّ من أحداثٍ غريبةٍ في هذا اليومِ لملكتِهنَّ الحَكيمةِ.

 

 

عادل صالح الزبيديقصيدة الشاعر: بيلي كولينز

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


حياتي كتاب مفتوح. يشغل مكانه هنا

على سطح منضدة زجاجية، صفحاته مكشوفة بلا استحياء،

مستلقيا كأنه طائر له مئات من الأجنحة الورقية الرقيقة.

 

انه سيرة ذاتية، ولا حاجة للقول،

انني أقوم بقراءته وكتابته على نحو متزامن

بلغة مزعجة وشخصية.

وعلى كل قارئ ان يكون مترجما بيده قاموس ضخم.

 

لم يقرأه كله احد سواي.

يتصفحه اغلبهم حتى المنتصف من اجل بضع فقرات،

ثم ينتقلون الى رفوف أخرى ومكتبات أخرى.

والبعض لا يسمح وقتهم سوى للرسوم التوضيحية.

 

أحب الشعور بتقليب الصفحات يوميا،

الجمل تتراخى كالوتر،

وحين يحدث شيء مهم حقا،

اخرج من حافة الصفحة

انا التلميذ دائما،

واخط علامة نجمية، نجمة صغيرة، في الهامش.

***

 

......................

بيلي كولينز: شاعر أميركي من مواليد مدينة نيويورك لعام 1941 . شغل منصب شاعر الولايات المتحدة خلال الفترة من 2001 الى 2003، وشاعر نيويورك للفترة من 2004 الى 2006. عمل أستاذا في جامعة نيويورك حتى تقاعده في عام  2016، ويقوم حاليا بالتدريس في برنامج الماجستير للفنون الجميلة في جامعة ستوني بروك.

يتميز شعره بكسر جميع الأشكال والأوزان التقليدية فهو يكتب شعرا متحررا من جميع القيود ويذهب أحيانا إلى اختراع أشكال شعرية تحاكي الأشكال التقليدية محاكاة ساخرة كما فعل مع شكل شعري شهير هو الفيلانيلة وشكل شعري آخر أكثر شهرة وشيوعا وهو السونيتة.

نال كولينز جوائز عديدة على مجموعاته الشعرية وفيما يأتي بعض عناوينها: (قصائد فيديو) 1980 (التفاحة التي أدهشت باريس) 1988 (فن براوننغ) 1995 (الإبحار وحيدا حول الغرفة) 2001 (تسعة خيول) 2002 و(المتاعب التي يثيرها الشعر وقصائد أخرى)2005 .