جمعة عبد اللهللشاعر اليوناني: جورج سفيريس

 (Γιωρους Σεφερης)

 ترجمة : جمعة عبدالله

عودة الغريب

- صديقي القديم ماذا تبحث؟

في سنوات الغربة

 الصورة التي تعلقت بك

تحت سماء الغربة

بعيداً عن بلدك وبيتكَ

- أبحث عن حديقتي القديمة

عن الاشجار التي تمددت الى المنتصف

عن التلال ومنحدراتها

مثلما كنت طفلاً

ألعب على العشب

ادور في كل الاتجاهات

حتى يداهمني اللهاث والتعب .

- صديقي القديم لابد أن تستريح

رويداً رويداً ستتعود على ذلك

سنصعد في الصاعدات

في الدروب التي تعرفنا

ومشيناه سوية

تحت ظلال  الاشجار العريضة

رويداً رويداً ستأتي قربك

البستان وما حوليه

- أبحث عن بيتي القديم

مع نوافذه العالية

في دكنة اشجار اللبلاب

أبحث عن الاعمدة القديمة

التي يتطلع اليها البحارة

كيف تريد ان ادخل في الاسطبل

سقوف بلدي جاءت على الاكتاف

مهما كنت بعيداً تظل تتطلع اليها

أنظر الى  الناس يركعون

وتقول كأنهم يؤدون الصلاة

- صديقي القديم هل تسمعني؟

رويداً رويداً ستتعود على ذلك

هذا بيتك الذي تراه

وهذا الباب الذي يطرقه

قليل من الاصدقاء والاهل

يرحبون بك بحلو الاستقبال .

- لماذا تبعد صوتك؟

ارفع رأسك قليلاً

حتى أفهم ما تقول

 مهما تتحدث فأن  مشاعرك

 تذوب وتصغر

كما لو كنت تغوص في التراب .

- صديقي القديم  فكر

رويداً رويداً ستتعود على ذلك

الحنين يغرق في صدرك

في بلد لا يوجد فيه قانون

كأن الناس خارج الارض .

- لم اعد اتحمل الصرير

يضرب بصدري يا صديقي

غريب كيف اذوب واصغر

في كل مكان يدورون حولك بين الحين والآخر

 هنا يعبرون ويحصدون

بالآف المناجل

 أثينا . ربيع 38 .

  ***

 

..........................

 النص اليوناني

Ὁ γυρισμὸς τοῦ ξενιτεμένου

 

- Παλιέ μου φίλε τί γυρεύεις;

χρόνια ξενιτεμένος ἦρθες

μὲ εἰκόνες ποὺ ἔχεις ἀναθρέψει

κάτω ἀπὸ ξένους οὐρανοὺς

μακριὰ ἀπ᾿ τὸν τόπο τὸ δικό σου.

 

- Γυρεύω τὸν παλιό μου κῆπο·

τὰ δέντρα μοῦ ἔρχουνται ὡς τὴ μέση

κι οἱ λόφοι μοιάζουν μὲ πεζούλια

κι ὅμως σὰν ἤμουνα παιδὶ

ἔπαιζα πάνω στὸ χορτάρι

κάτω ἀπὸ τοὺς μεγάλους ἴσκιους

κι ἔτρεχα πάνω σὲ πλαγιὲς

ὥρα πολλὴ λαχανιασμένος.

 

- Παλιέ μου φίλε ξεκουράσου

σιγά-σιγὰ θὰ συνηθίσεις·

θ᾿ ἀνηφορίσουμε μαζὶ

στὰ γνώριμά σου μονοπάτια

θὰ ξαποστάσουμε μαζὶ

κάτω ἀπ᾿ τὸ θόλο τῶν πλατάνων

σιγά-σιγὰ θὰ ῾ρθοῦν κοντά σου

τὸ περιβόλι κι οἱ πλαγιές σου.

 

- Γυρεύω τὸ παλιό μου σπίτι

μὲ τ᾿ ἀψηλὰ τὰ παραθύρια

σκοτεινιασμένα ἀπ᾿ τὸν κισσὸ

γυρεύω τὴν ἀρχαία κολόνα

ποὺ κοίταζε ὁ θαλασσινός.

Πῶς θὲς νὰ μπῶ σ᾿ αὐτὴ τὴ στάνη;

οἱ στέγες μου ἔρχουνται ὡς τοὺς ὤμους

κι ὅσο μακριὰ καὶ νὰ κοιτάξω

βλέπω γονατιστοὺς ἀνθρώπους

λὲς κάνουνε τὴν προσευχή τους.

 

- Παλιέ μου φίλε δὲ μ᾿ ἀκοῦς;

σιγά-σιγὰ θὰ συνηθίσεις

τὸ σπίτι σου εἶναι αὐτὸ ποὺ βλέπεις

κι αὐτὴ τὴν πόρτα θὰ χτυπήσουν

σὲ λίγο οἱ φίλοι κι οἱ δικοί σου

γλυκὰ νὰ σὲ καλωσορίσουν.

 

- Γιατί εἶναι ἀπόμακρη ἡ φωνή σου;

σήκωσε λίγο τὸ κεφάλι

νὰ καταλάβω τί μοῦ λὲς

ὅσο μιλᾶς τ᾿ ἀνάστημά σου

ὁλοένα πάει καὶ λιγοστεύει

λὲς καὶ βυθίζεσαι στὸ χῶμα.

 

- Παλιέ μου φίλε συλλογίσου

σιγά-σιγὰ θὰ συνηθίσεις

ἡ νοσταλγία σου ἔχει πλάσει

μιὰ χώρα ἀνύπαρχτη μὲ νόμους

ἔξω ἀπ᾿ τὴ γῆς κι ἀπ᾿ τοὺς ἀνθρώπους.

 

- Πιὰ δὲν ἀκούω τσιμουδιὰ

βούλιαξε κι ὁ στερνός μου φίλος

παράξενο πὼς χαμηλώνουν

ὅλα τριγύρω κάθε τόσο

ἐδῶ διαβαίνουν καὶ θερίζουν

χιλιάδες ἅρματα δρεπανηφόρα.

 

Ἀθήνα, ἄνοιξη ῾38         

...............................

الشاعر جورج سفيريس (1900 - 1971) من كبار شعراء العصر الحديث في اليونان  . نال جائزة نوبل للاداب عام 1963 . كما اشتغل في الحقل الدبلوماسي

 

 جمعة عبدالله

 

عامر كامل السامرائيقصيدة للشاعر اليوناني: جيورجيوس سفريس

ترجمها عن اللغة المجريَّة: عامر كامل السامرّائي


الحديقة والنافورات تحت المطر

لا تراها إلا من أسفل النافذة

عِبرَ الزجاج المضبب بالبخار. في غرفتكَ

ليس سوى شعلة الموقد تضيء

وتومض أحيانًا بروق بعيدة فيلتمع

جبينكَ المتغضن، صديقي العجوز.

الحديقة والنافورات، تحت معصمك

أضحت نبضاً لحياة أخرى، للواقع المأساوي،

ينداح أمامك بين آثار أنقاض رخامية وأعمدة

ترقص خلفها الدفلى رقصة دائرية

بالقرب من مقالع الصخر المُكْتَشَفة حديثاً

كلُّ هذه ستقْتَطِعها النافذة المُضبَّبَة من عمركَ.

لمْ تعد تتنفس؛ نَسغُ الأشجار، الأرض

تتساقط من ذاكرتك، فترتطم بلوح الزجاج،

الذي يفصلك عن عالم

ينهمر فيه مطر غزير.

***

 

....................

نبذة عن الشاعر:

جيورجيوس سفريس (باليوناية  ιώργος Σεφέρης) اسمه الحقيقي جيورجوس سفريادس.

شاعر وكاتب ودبلوماسي يوناني حاز على جائزة نوبل عام 1962

ولد سفريس في إزمير عام 1900 وتوفي في العاصمة أثينا عام 1971

تلقى تعليمه في أزمير وأثينا وأخيراً في باريس، حيث درس القانون وتخرج عام 1924 ولكن اهتمامه الرئيسي كان منصباً على الأدب العالمي.

عاد إلى أثينا وعمل بوزارة الخارجية فخطا بذلك خطوته الأولى في السلك الدبلوماسي الذي أمضى فيه سنوات طويلة وناجحة. عمل خلالها في سفارة بلاده في لندن مرتين وألبانيا، وأنقرة، ثم عُيّن سفيراً لليونان في بيروت مع امتداد صلاحياته إلى سوريا والأردن والعراق وذلك من 1953 إلى 1956. ووقَعَ عليه الاختيار ليكون عضوا في الوفد اليوناني بالأمم المتحدة بنيويورك.

 صدر أول ديوان له عام 1931 بعنوان "نقطة تحول" ثم توالت دواوينه الشعرية.

 

 

صالح الرزوقتوني رايت

ترجمة: صالح الرزوق


في صبيحة كل يوم أجلس وراء طاولتي في غرفة المعيشة، وأفتح جهاز المحمول وأستغرق بالواجبات المترتبة علي. أحيانا تكون إبداعية، وأحيانا مجرد ترهات، ولكن لا يمكن أن يمر يوم دون أن أفعل ذلك. وفي صبيحة كل يوم، وبالعادة حوالي الساعة 11، أشاهد ستائر البيت المقابل على الطرف الثاني من الشارع وهي ترتفع. ثم أراه. أكبر مني بحوالي 20 عاما، وغالبا عاري الصدر كما لو أنه استيقظ للتو. وحينما يفتح نافذته ليدخن سيجارة أتابعه بنظراتي، وهو يتفحص الشارع في الأسفل بعينيه. وهنا أجر كرسيي قليلا نحو اليسار كي لا يكون أحدنا قبالة الآخر تماما. لقد كرهته. كنت أكره رؤية جذعه النحيل وجلده المشدود، ووجهه المصاب بالذبول، وصلعته العارية من الشعر. كرهت أن ألاحظ كيف ينفض الرماد على الشارع ثم يرمي السيجارة للأسفل. ولكن لحسن الحظ كانت هذه الفترة اليومية القصيرة من الامتعاض تنتهي بانتهاء سيجارته. بعد ذلك يغلق النافذة ويختفي عن نظري. وأتابع عملي بلا شرود. أرتاح من شرود أفكاري وانشغالي به. ويمضي اليوم ويحين وقت المساء. وربما أكون وراء طاولتي لو حالفني الحظ ودخلت في جو إبداعي، أو مستغرقا بالواجبات المتأخرة. أو ربما أشاهد التلفزيون. حينها أسمع أصواتا تأتي من الخارج، وهكذا أشحذ حاسة الفضول، وأنظر للخارج لأتحرى ماذا يجري. وفي معظم الأحوال يكون الصوت صادرا من جاري وهو يجادل نفسه في طريق عودته إلى مبناه، مخمورا، وبين يديه الكحول. ويصعد سخطي مجددا. وأراه يتخبط ليضع مفتاحه بالباب. وأحيانا يدق الجرس ويركل الباب، ويصيح، لأنه نسي مفتاحه. يا له من مكان ملعون. هكذا أفكر. دائما يتبادر ذلك إلى ذهني. وأعلم أنه من غير المناسب أن أفكر بهذه الطريقة عن جيراني. ولكن هذا ما يحصل. وبعد أن يأوي لبيته، أشاهد النور في شقته يلمع من وراء ستائر رقيقة، ثم يغيب مجددا ويحل محله نور متقطع. وربما مصدره التلفزيون، فأنا أسمع هديره المرتفع، كان الصوت ينزف من نوافذه المواربة التي أراها على الطرف المقابل من الشارع ويتسلل من نوافذي المواربة إلى شقتي. حيث أجلس وأشاهد مثله التلفزيون. وهذا الصباح، جلست خلف طاولتي كالعادة، وانشغلت بعملي. وقبيل الساعة 11 بقليل فتح الستائر،  وظهر أمامي بصدره العاري مجددا. وتوقعت أن يفتح النافذة ويدخن، ليتم الخطوة الثانية والثالثة من طقوسه المتكررة - وقد فعل ذلك بالوقت المناسب -  ولكن أولا، التفت ليساره ومد يده نحو شيء ما. كانت هذه حركة جديدة. لم أشاهده يفعل ذلك من قبل. وعلى يساره وجدت قفصا كبيرا للعصافير لم يسبق لي مرآه. فتح الباب فطار منه عصفور أزرق ووقف على كتفه. ابتسم الرجل، ورفع يده وأطعمه البذور، ثم طار العصفور من كتفه وتجول في أرجاء الشقة، وهو يمد جناحيه. توقفت عن التظاهر أنني أطبع على الطابعة ونظرت مثل الرجل، الذي كان يتابع عصفوره وهو يدور في أنحاء الغرفة، ثم استدار وانصرف، وترك العصفور يستمتع بحريته المؤقتة. وتبادر لذهني: كنت مخطئا بأفكاري عن هذا الرجل. لقد رأيت جانبا آخر منه، من خلال هذه التطورات الصغيرة، واطلعت على تفاصيل إضافية حول مشكلته. كان  في حياته، وفي بيته، إذا، قلب آخر ينبض. ثم شعرت نحوه بمزيد من البغضاء. بغضاء مختلفة قليلا لأنه ليس وحيدا تماما مثلي.

***

 

...................

توني رايت Tony Wright عازف غيتار سابق. له كتاب صوتي بعنوان “فصل & قصيدة”. يعيش في بلفاست. القصة مترجمة عن آيريش تايمز. عدد 14 تشرين الأول 2020. 

 

 

صالح الرزوقريبيكا غولد

ترجمة صالح الرزوق


 I.

همس وهو يمرر أصابعه في خصلات شعرها:”عليك أن تخبريني إذا شعرت يوما أنك غير محبوبة”. كانت قد مرت ثلاثة أيام على تعارفهما. ومع ذلك حصل شيء غير متوقع أبدا. كأنهما عاشا هذه التجربة من قبل، وانتابهما القلق من إطلاق طاقة الوداد والألفة في الفضاء. كان جسداهما مغمورين بروائح ورواسب وذكريات العواطف السابقة. 

أردف:“إن شعرت في أية لحظة أنك غير محبوبة يجب أن تخبريني، اتفقنا؟”.

قالت:”حسنا”.

“هذا وعد؟”.

وعدته، فهي لا تتخيل أن لا يحبها،  كان هذا الرجل الأكثر حنانا من بين كل الذين عرفتهم على الإطلاق. على مدى الأيام الستة الماضية، لم تبتعد يداه عن جزء محدد من جسدها. وكانا قد التقيا في باريس، في الدائرة 13، في فندق بيلامبرا في شارع  كورفيسارت. وقد تعارفا بواسطة البريد الإلكتروني عن طريق سام، إحدى معارفه، وكانت تحاول مساعدة ديمتريوس للتخلص من ماضيه. والتقت سام بتيريزا في مؤتمر عقد لتكريم زوجها الذي توفي قبل ثلاث سنوات في حادث سيارة. وعلى الرغم من أنها تعلم أنها لن تنساه أبداً، قالت لسام بعد أن جرعت الكثير من النبيذ إنها مستعدة للمضي قدماً، والعثور على رجل آخر. لكن المشكلة أنه لا يوجد  أحد يمكن أن تقع بحبه، لأن كل معارفها مرتبطون مسبقا. قالت سام:"حسنا. أعرف صديقا بنفس الوضع، ويبحث عن قصة حب”.

كان صديق سام رجلا يونانيا يدعى ديمتريوس. وأب لابن واحد. وكان حديث الطلاق. وكان ديمتريوس أيضا من معارف صديقتها جيسيكا. وهذا يعني أنهما يشتركان بحالة انفصال من مستويين. وأخبرت سام ديمتريوس أن لصديقته صديقة ولعله يرغب بمقابلتها. قال وهو يبتسم مع شيء من الإيحاءات:”لا بد أنها  بنفس حالتك”. همست جيسيكا في أذن تيريزا وهي ترافقها إلى محطة القطار تقول:”أنتما مخلوقان لبعضكما بعضا في السماء. وأتوقع أن ينجذب أحدكما للآخر دون فراق”.

لو كان لديها مجال الاختيار بين الرجال، لن يكون هو أول من تختار. فقد كان موظفا مدنيا ضمن قطاع الوظائف البيروقراطية المريع في أوروبا، واختصاصه الفيزياء النظرية. رجل مثله دون أي قيمة عملية أو قيمة فنية ولا يدعوك للمراهنة عليه؟. كان أمامها في حياتها الخاصة ما يكفي ويزيد من العلماء. هذه الطبقة من الناس لم تكن ترتاح لها لما تمثله من عاطفة بطيئة وعقل ضيق وخشونة وانطواء على الذات إلا فيما يتعلق بمجال العمل. والأسوأ من ذلك: أنه ابتعد عن أبحاثه بعد حصوله على الدكتوراة. وانضوى في سلك الوظائف، ليبني مستقبله في الدولة. بيروقراطي!. مرتزق!. كيف يمكنهما التواصل؟. كان عمله يضمن له دخلا مريحا ووضعا آمنا، ولكنه لا يعطي لحياته أي معنى. بينما هي لم تكن تجني من عملها مبلغا مناسبا، وأحيانا تصبح في عداد اليائسين، مع ذلك كانت تشعر بمغزى الحياة. سألت نفسها: ماذا لو أنه يكره ما أحب؟. أو أنه يبغض الحقائق التي أومن بها؟. وماذا لو أنه تحسس مني، كما يحصل مع بقية الرجال؟. وأصرت تيريزا أن هذه الشكوك ثقيلة ولا تحتمل. ثم وافقت أن تلتقي به في باريس. فقد كانت تعيش في المملكة المتحدة، وهذا لن يكلفها أكثر من رحلة في نهاية الأسبوع.

 II.

حينما وصلت إلى الفندق، اتصلت به من الاستعلامات. وهبط ليقابلها. وتبادلا التحية مثل صديقين قديمين. وامتد الفطور ليتحول إلى غداء. وتطور الغداء لعشاء ورغبا لو أنه يستمر للأبد. وكانت المحادثة أشبه برحلة في قطار يصعد المرتفعات، دون أي نهاية تلوح في الأفق. كان لديهما أشياء كثيرة يعبران عنها!. ولم يتمكن ديمتريوس من امتلاك الشجاعة الكافية ليطبع قبلة على وجهها منذ أول ليلة. ولكنه رغب بذلك. ثم تمنى لها ليلة طيبة وافترقا وذهب كل منهما إلى غرفته الخاصة.

وسهرت لوقت متأخر، واللوعة تتملكها. وشعرت أن شعر جلدها يقف مثل الإبر، بطريقة لا تنقصها المتعة. كان شيء على وشك أن يقع لها، له، لحياة كل منهما. وامتنت لهذا التأخير، فقد منحها وقتا لتفكر وتتوقع، ولتنتظر قبلة. وقالت لنفسها: بعد ذلك نهوي من القمة على طول السفوح. ولم تتحرر من ذكريات العشاق السابقين الذين تعرفت عليهم قبل زواجها.

وفي وقت مبكر من صباح اليوم التالي، وبعد الإفطار فورا، طلب الإذن ليزورها في غرفتها. وبدأ يكلمها عن رواية كان يقرأها وهي “ستونر” لجون وليامز. كانت رواية أمريكية من فترة الستينات لقيت التجاهل في حياة المؤلف وبقيت منسية حتى اكتشافها مؤخرا بترجمة فرنسية عام 2013. واهتمت تيريزا بمنطق ديمتريوس الأوروبي حول الرواية الأمريكية كلما استغرق بالكلام عن حبكة الرواية. ثم فجأة توقف بمنتصف الجملة وطبع قبلة على شفتيها. ومنذ تلك اللحظة وصاعدا امتلكها الشعور أن جسدها بطريقة أو أخرى مغروس في جسده.  بعد الإفطار والقبلة تابعا الكلام طوال الأمسية وحتى منتصف الليل. رسما صورة للمدينة وتجاهلا ما حولهما. وبعد ساعة من المشي على ضفاف السين، وصلا إلى شكسبير وشركاه، المكتبة التي استضافت جويس وهمنغواي. دخلا وتبادلا المعلومات عن كل الكتب التي استمتعا بقراءتها. وهما يجلسان متجاورين على كنبة مريحة في صدر الصالة في الطابق الثاني وبأيديهما كتب اختاراها من الرفوف. وأنفقا يومين بالتجول في الأرجاء وداخل وخارج البانثيون. كانت أزقة وشوارع باريس تبدو كما رسمها كتابهم وشعراؤهم ومخرجو الأفلام المفضلون. شارع ليبيك أصبح مسرحيات تشيكوف. وشارع سان أنطوان كان انعكاسا لأجواء دستويفسكي. وشارع روزير بدا كأنه من أفلام كرزيشتوف كيزلوفسكي. وتابعا في الأزقة الضيقة، وهناك دعاها لترحل معه إلى بروكسل لتمضية ما تبقى من العطلة برفقته في بيته الحالي. قال وهو يتنهد:”بيتي واسع!. وسأخصص غرفة لك فقط إذا أردت أن تكوني وحدك”. كانت هذه عطلة الشتاء عند كليهما. وكان ابنه يمضي استراحة عيد الميلاد مع أمه، ولذلك يمكنهما الانفراد طوال عطلة عيد الميلاد ويحتفلان معا بالعام الجديد. عام 2015 كان عام الفراق والموت. عام 2016 - كما يأمل - سيكون عام لم الشمل. استقلا القطار السريع من باريس إلى بروكسل، وكانت سيقانهما متلامسة طوال الرحلة. والإحساس من هذا التلامس، دون أي تشنج وبلا أي تقارب مفتعل، عاد بذاكرتيهما لأوقات بعيدة. رافقها إلى مكتبته الخاصة، وأشار باعتزاز لثلاثة رفوف من السنديان، محفورة بالجدار، ومزدحمة بكل أنواع الأقراص المضغوطة، والبلوراي، وحتى أشرطة الفيديو القديمة. كانت مجموعته من الأفلام ومن الكتب واسعة النطاق، وتغطي كل الفترات والأمكنة والأنواع. وعلى الجدار المقابل مكتبة أصغر للكتب النقدية عن الأفلام ومصنفة حسب بلد المنشأ. وكان الصف الثالث في الرف الأوسط مخصصا لمخرجه المفضل: فريتس لانغ. وأخبرها ديمتريوس عن هروب لانغ إلى هوليود أثناء الرايش الثالث، في نفس اليوم الذي حصل فيه على عرض من جوزيف غوبلز ليشغل منصب رئيس استوديو الأفلام الوطنية الألماني. لكن زوجة لانغ رفضت مرافقة زوجها واختارت أن تبقى خلفه مع النظام النازي. قال:”ما رأيك أن نرتب مهرجانا قصيرا للأفلام على شرف زيارتك. وللاحتفال بقدوم عام 2016؟”. ابتسمت وهو يلفها بذراعيه وقالت:” أفكارك عظيمة دائما”.

سألها وهو يطبع قبلة على شفتيها:”هل هذا يعني نعم؟”.

ردت بقبلة مماثلة. ووضع لسانه في فمها، وسريعا ما استلقيا معا على الكنبة. وتقرر ترتيب مهرجان الأفلام المصغر في القبو، وهو بسعة صالتي عرض. في أول ليلة شاهدا فيلمين، أحدهما من فترة لانغ الألمانية، والثاني من الفترة التي أعقبت هجرته إلى أمريكا. وأثناء الفيلم الثاني حضنت بنعومة عضوه حتى انتصب تماما. أصبح هذا تقليدا. أحيانا يتابعان مشاهدة الفيلم حتى النهاية، وأحيانا يتوقفان عند هذه اللحظة ويمارسان الحب. وليلة أن أصر أن تخبره هل انتابها الشعور لمرة في حياتها أنها غير محبوبة صادفت ثالث ليلة من مهرجان الأفلام المصغر. وبدأ بفيلم من الفترة الألمانية، وتبعه “أنت تعيش مرة واحدة” من فترة لانغ الأمريكية. ثم تناولا البوغاتسا، وهي فطيرة يونانية محشوة بالقشدة، وامتص كل منهما صلصة الليمون المتبقية على شفتي الآخر. وفي تلك الليلة ذهبا إلى السرير كما كانا يفعلان كل ليلة في باريس، كل منهما بين ذراعي الآخر. واستيقظ يسبح بعرقه، فعقد ذراعيه حولها، ولف ساقيه حول ساقيها. وتوافق الكلام مع الاندماج العاطفي حتى سالت دموعها من عينيها. كان جسدهما جائعا لمثل هذا الاتحاد ومنذ سنوات طويلة. في الليلة الرابعة من المهرجان انتقلا من فريتز لانغ إلى ثاني مخرج مفضل عند ديمتريوس، وهو لارس فون تيرير. وأول فيلم شاهداه هو نيمفومانيا “المرأة الشهوانية”، واستغرقت مشاهدته ثلاث ليال لأنه تخللته ممارسة الحب الجنوني.

وغرقت بالتفكير: كيف سقطت سريعا بالغرام، بعد ترملها، مع رجل متزوج لا يبادلها الحب. وحينما أخبرته بمشاعرها قال بطريقة ميكانيكية تقريبا إن عاطفته مرتبطة بمكان آخر. وأخبرها أنه لا يمكنها أن تفعل شيئا لتبديل ذلك. وشعرت بالخجل من الاعتراف له، ولكنها الحقيقة: مشاعرها نحو رجل متزوج لا يحبها قد حطمها أكثر من وفاة زوجها، ونهاية زواج استمر لثلاثة عشر عاما.

وفي هذه السنة نفسها، كان ديمتريوس يرعى ابنا من امرأة كشف عن هويتها فجأة، ولكن قبل ولادتها بشهر، طلبت الطلاق. وأخبرته أنها توقفت عن حبه. ويوم الولادة رفضت أن يعانقها وقالت له إنها تبغض نبرة صوته. لكن احتكاك جسد تيريزا به كان مثل رؤيا بالنسبة له. وقد وجد نفسه عدة مرات خلال ممارسة الحب على وشك البكاء. وزاد وضوح الفرق الوحيد بينهما بعد كل جلسة حوار: كانت أذنه لا تستمتع بالشعر. وبعد أن تكلما عن كل الروايات والمسرحيات والقصص القصيرة التي قرآها، سألته عن الشعراء وقالت:”أليس هناك شعراء تحب قراءتهم؟”. رد:”يجب عليك أن تخبريني عن الشعر. استمتاع الناس بهذا الفن مجرد لغز بنظري. الشعر مثل الاعتناء بالحدائق. لا يشكل مشكلة. ولكنه لا يفيد أيضا؟. من بحاجة للشعر؟”. كانت تعيش في الكلمات، وتستمد من الشعر القدرة على التحمل. وغشيتها موجة من الألم وهو يتكلم، وسرعان ما غمرتها عاطفة أخرى مع اقترابهما من اهتمامات مشتركة. وبعد خمسة أيام من زيارتها وجدت نفسها تقول كل يوم، كما لو أنها تردد بيتا من الشعر: هذا أقرب ما يكون للفردوس/ مثل جنة على الأرض. وشعرت بالنشوة، وأنها على طريق السعادة. لقد اكتشفت مجددا معنى الحب بعد عام كامل من الجفاف العاطفي الوجودي.

 III.

بعد مرور أسبوع من هذه الاستراحة عادت إلى بيتها في إكستر، وهي مدينة صغيرة وأثرية في الجنوب الغربي، وقد انتقلت إليها قبيل ثلاثة شهور بغاية الحصول على وظيفة في مجلس الفنون البلدي. وفي إكستر تابعت مهامها اليومية: مراجعة استمارات التمويل، وترتيب جدول القراءات الشعرية، واللقاء بالمجتمع المحلي. وغمرها الندم لأنها تبعد عن لندن حوالي ثلاث ساعات، وهي المدينة التي تبدو وكأنها تنتمي لها. ومع أن في إكستر أشياء كثيرة تهمها، غير أنها معزولة وضيقة إلى حد ما. وأن تعيش في لندن يعني توفر قطار مباشر إلى بروكسل والتواجد على مقربة من محبوبها.  

وهكذا مر الوقت. الأسابيع أصبحت شهورا طويلة. وكانا يتبادلان الكلام بالهاتف في كل ليلة، بما يعادل ساعة أو أكثر، وهما يتصارحان بكل شيء عن ظروف هذه الحياة المقسمة في مكانين. كيف ينامان، ماذا يأكلان، ماذا يرتديان، الذهاب للعمل والعودة منه، وتفاصيل مكالماتهما مع العائلة والأصدقاء: كشفا الغطاء عن كل شيء، حتى أدق التفاصيل إلا ما لا يمكن الكلام عنه ويجب عدم المساس به أوتوماتيكيا. والأجزاء المحذوفة من المكاشفة هي كل ما يملأ حياتها من الداخل. وهي توافه لا يمكن أن تعني له شيئا: مثل أماكن التسوق، وعدد ساعات التدريس، وماذا تناولت على الغداء، وماركة الثلاجة التي تحفظ فيها طعامها. بالمقارنة مع ديمتريوس لم تكن تود المشاركة بهذه الترهات. ومع مرور كل ساعة كانت تشعر بالمزيد من الاغتراب والعزلة عن الرجل الذي أحبته.

وكانت المبادرة بالمكالمات الهاتفية منه. وشعرت أنها تريحه. كان يريد “أن يعيش كل حياته برفقتها”. كما قال، ولاحظت أن تلك المكالمات ضرورية ليكونا معا. ودغدغ هذا الإصرار أحاسيسها وما توحي به من إخلاص وطاعة، وانصاعت لطلبه كي تكون صابرة وتتجاهل مشكلة الوقت. ولكن لهذا السبب كانت تشعر بالمرارة كلما حان وقت مكالمة كل ليلة. فقد استدعى ذلك منها أن تسهر وهي تفكر بما يجب أن تقول له في المرة القادمة. فعليا بدأت تنفر من هذه المكالمات. ولكنها لم تود أن تخاطر بعلاقتهما في مرحلة مبكرة منها. بالإضافة لذلك أصابها القلق من احتمال أن تأسف على عزل نفسها عن الشخص الوحيد الذي شعرت طوال حياتها بالحاجة للكلام معه على أساس يومي، سواء كانت المكالمات تعزز من ثقتها بذاتها أم لا.

وبعد ثلاثة أسابيع من هذه المكالمات المؤلمة، وبغرض تبديل إيقاعها، قررا اللقاء في لندن. كان لديها حصص تدريبية حول أخلاق التعامل مع الحكومة، وكان مسرح دوق يورك يعرض مسرحية فرنسية تكلمت الصحف عنها  وهي “الأب”. عرض مسرحي. وكان ديمتريوس متحمسا للحضور. اشترى تذكرة القطار السريع وطلب إجازة لعدة أيام حتى نهاية الأسبوع. وجددت بدورها حجز الفندق ليكون لشخصين. وأملا كثيرا من لقائهما هذا، لأنه سيجدد مشاعر فترة باريس، لو كان المدخل مختلفا.

وتماما مثل أول لقاء لهما في باريس وصلت متأخرة ساعتين. وطوال الطريق، أخبرت نفسها أن تأخرها لن يؤثر بشيء. فهو سيتوجه للفندق مباشرة، وهناك يلتقيان عوضا عن اللقاء وسط المدينة كما خططت. ولكن لم تكن محقة بذلك. فقد حياها وهو يتذمر من الوقت الضائع الذي يمكن أن يمضيه مع ابنه. وحاولت تبريد جراحه بلمسة رقيقة في مواضع يستجيب لها جسمه، حسب خبراتها من أيام باريس وبروكسل. ولكنه ابتعد عنها بإصرار.

ومرت الليلة بمرارة. وبهجة اللقاء التي جعلتها مخدرة في باريس لم يمكن استعادتها. وأول مشكلة كانت باختيار مكان للطعام. كل مكان يعجبها كان برأيه تافها. وقرعها لأنها رخيصة وقال:”كم ذوقك رخيص!. أنت لا تحترمين المستويات الراقية في الحياة!”.

وفي النهاية، لتخفيف التحسس، قررت الموافقة على أي مطعم يختاره.  فهو من حضر إلى لندن ليقابلها، ولم يكن في نيتها إفساد زيارته بالجدال. ولكن هدوءها ضاعف من غضبه.

قال:”أعتقد يجب أن أنصرف؟”.

سألته ملتاعة:”تنصرف إلى أين؟”.

قال:”أنصرف فحسب! وتوقفي عن إلقاء الأسئلة”.

مدت يدها بالغريزة لتلمسه، ولكنها جمدت عندما لاحظت الغضب على وجهه. ما خطأها؟. تابعته عن مبعدة وهو يغذ خطاه في الشارع. ثم يئست منه. صاحت على أمل أنه سيسمعها:”سأقابلك عند مدخل المسرح في مور لاين في السابعة والربع”.

بدأ العرض في 7:30. ولكن لدهشتها وصل في 7:15 بعد أن زال غضبه. وكان وجهه بلا ملامح، لكن على الأقل كان صوته هادئا. وبدماثة كما لو أنه إنسان آلي قبض على يدها. وهما يصعدان السلالم باتجاه مقعديهما، تساءلت سرا: أين ذهبت تلك العاطفة التي أوشكت أن تغير حياتي؟. ماذا قتلها؟. كانت المسرحية قصيرة ومشحونة وتروي حكاية رجل مسن مصاب بالزهايمر. وكلما قابل الأب ابنته كان يلاحظ كأنها شخص آخر ولها شريك مختلف. وتدهورت حالته مع كل مشهد مسرحي جديد. وقررت الابنة في خاتمة المطاف أن تودع أباها في بيت للرعاية في باريس. وقبل أن تفارقه للأبد، وعدته أن  تأتي كل أسبوع من لندن لتزوره. كان ديمتريوس وتيريزا في الصف الأول. وتماسكت أيديهما لكن راحتيهما كانتا باردتين. وكانت متوترة وخائفة بعد نهاية العرض لأن هذا يعني أنهما سيتجادلان مجددا. وخشيت أن لا تسعفها الكلمات. ثلاثة شهور من الحب، والشهر الرابع أوشك على نهايته، ولكن الكلمات لم تعد تسعف أيا منهما.

بعد نهاية العرض غادرا الصالة وتوقفا لعشاء سريع في جيمي أوليفير، وهو مطعم إيطالي عند أول منعطف. ومر العشاء دون نقاش لكن من الواضح أن رومنسيات باريس تبدو لهما الآن حلما بعيدا. لم يتماسكا بالأيدي في قطار الأنفاق خلال العودة إلى الفندق. وكل كلمة كان يمكنها تسميم جو الأمسية، لذلك لزما الصمت تقريبا وهما يسيران، وبينهما عدة بوصات تفصل الواحد منهما عن الآخر. ولم يكن المشوار يشبه النزهة المتأخرة على ضفاف السين واليد باليد!.

وغرقا بالنوم وكل منهما على جهة من السرير. وكانت هذه أول ليلة بلا جنس منذ ثلاثة شهور من التعارف. وعندما بدأ ديمتريوس بالشخير استدارت وواجهته وقالت هامسة بأذنه:”أريد أن أخبرك بشيء”.

توقف شخيره. وأبعد وجهه عنها وقال:”ماذا؟”.

ردت:“كنت أتخيل رجالا من نمط آخر كلما مارست العادة السرية. ولا أشعر بالذروة إلا حينما أتخيل رجلا لا يشبهك”.

سألها:”لماذا تخبرينني بذلك؟”.

قالت:“أنا قلقة من معنى ذلك على حياتنا”.

استدار بكامل جسمه بعيدا عنها وعاد للشخير فورا بصوت أعلى فغطت رأسها بالوسادة لتمنع هذا الصوت من أن يملأ الفضاء. وتساءلت هل يتصنع ذلك. وهل يمكن لأي رجل أن يكون فظا وهمجيا لهذه الدرجة؟.

IV.

استيقظا في صباح اليوم التالي دون فكرة مؤكدة كيف سيمضيان يومهما معاً. كانت مسارح لندن مغلقة يوم الأحد. بعد أن تجادلا لعدة ساعات في السرير حول أين يذهبان، اتفقا أخيرا على مجرد استكشاف المدينة. سارا في هامبستيد ومرا بغابة سانت جون نحو حدائق ماريسفيلد. بشكل غير متوقع، انتهى بهما المطاف أمام المنزل الذي أمض فيه سيغموند فرويد سنواته الأخيرة بعد مغادرته فيينا، وهنا أمضت ابنته آنا العقود المتبقية من حياتها. كان للمنزل لوحة تعلن أنه متحف فرويد، ويفتح سبعة أيام في الأسبوع. كان المتحف  سيثير اهتمامها في أي مناسبة أخرى، لكنها كانت مكتئبة من رفيقها. وكل لحظة لهما معاً تبدو وكأنها تشحن سموما جديدة في الجو. وهكذا عادا بصمت لقطار الأنفاق. ثم دبت مشاحنة حول مكان تناول العشاء. وأخيرا انفجر ينتقدها بصوت مرتفع قائلا: "كل ما يهمك هو حياتك المهنية والمال!. هذا يكفي!. لقد انتهيت”.

ابتعد وهو يدق الأرض بقدميه، وترك تيريزا تراقبه، وسترتها ملفوفة حول جسدها الذي مات وتلاشى فجأة.  شعرت أنها صغيرة ومكشوفة، وخشيت من العودة إلى الفندق في الليل وحدها. ومع كل خطوة إلى الأمام في هذا الليل، حاولت إقناع نفسها بأن جدلهما مجرد نعمة مقنعة. وأن تقول إن الواحد منهما يثير أعصاب الآخر قول لا يدل على كل الحقيقة المؤلمة.  كانت الكراهية تتفاعل.  كل منهما يجر الآخر للجنون. وكانا أشد بؤسا باجتماعهما والأفضل لهما أن يفترقا. قرارات بسيطة، مثل مكان تناول العشاء، وضعهما على الحافة. وكل مناقشة ولدت المزيد من البغضاء، ويبدو على نحو متزايد أنه ليتفاهما لا بد من الامتناع عن تبادل الكلام والنقاش.

عندما دخل غرفتهما في الفندق حوالي الساعة الحادية عشرة ليلاً، أدارت وجهها نحو النافذة وفتحت حاسوبها المحمول. جلس على زاوية  السرير وبدأ يبحث في البريد الإلكتروني بينما هي تطبع بسرعة محمومة.  ومرت ثلاثون دقيقة وكل منهما مشغول بجهازه الخاص به. وأخيراً قال:"هل يمكنك أن تتوقفي عن الكتابة؟ أحتاج للحصول على بعض النوم". لكنها تابعت ضرب لوحة المفاتيح بأطراف أصابعها. نظر إليها وكرر كلماته. وواصلت الكتابة بعناد. حدق في وجهها لمدة ثلاثين ثانية، كما لو كان ينتظر أن تتوقف، ثم اندفع نحوها، مهدداً بتخريب حاسوبها والاتصال بالشرطة. وقال بإلحاح:”هذه غرفتي. لقد دفعت لقاء ذلك ببطاقة الإئتمان! وأفكر أن أطردك إلى الشارع!”. لم تحرك عينيها عن شاشة الكمبيوتر المحمول فتابع الصراخ قائلا:"أنت أشبه بحصان بهذين العينين الجاحظتين الخامدتين دون أن تلاحظي أبدا ما يجري حولك. استيقظي، أيتها العاهرة الأنانية!". واختتم التهكم بقوله:"لقد انتهى الأمر. لقاؤنا أكبر خطأ في حياتي. سأحجز غرفة وأترككِ وحدكِ الليلة. وداعا. انعمي بحياة أفضل”. شعرت بالصدمة. لم تتوقع المشاعر التي تفجرت في داخلها عند انفصالهما. ولم تستطع تذكر شعورها لدى مقابلته للمرة الأولى. ولم تستطع أن تفكر بالخوف الناجم عن انسحابه من حياتها.  بدلا من ذلك شغلت نفسها بما سيحصل لاحقا، وتساءلت: كيف سأشرح نهاية هذه العلاقة لصديقاتي؟. وفكرت بكتبها.  كيف سأعيدها إلى إكستر؟. وهل يجب أن أستأجر شركة نقل؟. هل سيتم شحنها؟. وأخيرا توقف تدفق الأسئلة البسيطة أمام أسئلة أهم، وسألت نفسها: هل أنا أحبه؟. وكيف لي أن أعرف؟. ما هو الحب؟. عموما هو هو من بادربالانفصال عني.

وواصل ديمتريوس الصراخ. كانت قد توقفت منذ فترة طويلة عن محاولة فهمه. وتظاهرت بالصمم، حتى قاطعت أخيرا ثورته بقولها: "هل اكتفيت من توجيه الإهانات لي".

بدت الكلمات بمجرد أن خرجت من فمها ضعيفة بشكل يدعو لليأس. ولم يكن خجلها يبلغ درجة عدوانيته. ثم أدركت أن المهم في الجدال ليس ما يقوله الإنسان، ولكن ارتفاع نبرته. وهكذا تراجعت إلى قوقعتها وابتعدت عنه. ثم لفه الصمت، فاقتربت منه وهو في السرير، وغابا معا بنعاس يقود للنوم. حاولت لمس مؤخرة ركبتيه، لجس نبضه، ولتتأكد ما إذا كان يعني حقا ما قاله، وما إذا كان جادا في الانفصال. فبقي ساكناً. ولم يكن بمقدورها أن تعلم هل هذا لأنه نائم أو لأنه ينوي إنهاء علاقتهما. وكانت ترغب بالتكهن بالجواب. وفكرت: إذا لم يقرر الانفصال، إن البقاء معه يعني قبول هذا السلوك المريب. والاستمرار بحبه يعني إذلال ذاتها.  وأنا لست مازوشية. ويجب أن أرفض.

عندما استيقظا في صباح اليوم التالي بدأت في حزم أمتعتها. وانتقلت إلى الفندق الآخر الذي حجزته لها مؤسستها. وافترضت أنه سيحجز ليلة أخرى في الفندق الذي كانا فيه. وافترضت أنهما على وشك الإنفصال. وانشغلت بحزم أمتعتها لمدة خمس عشرة دقيقة، وتابع هو اللهو بجهاز الكمبيوتر المحمول، متظاهرا أنه يحجز لنفسه ليلة إضافية في الفندق. وكان من شأن هذا الحجز أن يدل على نهاية علاقتهما. ومع ذلك عندما انتهت من تجهيز حقيبتها وجلست بجانبه، بدا أنه لم يحرز أي تقدم في حجزه. ما الذي يمنعه؟. هل لا يزال مصرا على الكلمات التي ألقاها على مسامعها في الليلة السابقة؟. لم تستطع أن تقرر. وعندما جلست بجانبه، نظر إليها بهدوء، عيناه البنيتان بلون عيون الغزال مفتوحتان وبريئتان. كان من المستحيل ربط عنف الليلة الماضية بهاتين العينين. هاتان هما العينان اللتان وقعت بحبهما: لطيفتان كالغزال، هادئتان ومفتوحتان على كل شيء وللجميع. كانتا فارغتين من المشاحنة.  وتمنت لو أنه لا يتعين عليها رؤية عينيه إلا هكذا. واستلقيا جنبا إلى جنب واخترعا كلاما مبهما وبعيدا حول الأخبار والأحداث - الانتخابات الإيرانية، خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، الرئاسة الأمريكية - وتجنبا الإشارة عما جرى بينهما في الليلة السابقة. ثم تلامسا. وتخلص من ملابسه. ومارسا الحب كما فعلا في باريس وبروكسل، وهكذا غاب كل شيء وكل الموجودات التي هي خارج نطاق جسديهما عنهما في تلك اللحظة. همس في أذنها يقول:"أريد أن تصلي للذروة. أن تصلي وأنا معك في داخلك . هذا واجبك. ولن أقذف حتى تعطيني الإشارة”.

عندما انتهيا لف ذراعيه حول كتفيها وقال: "هيا لنذهب إلى فندقك". وانتهى جدال الليل السابق، واختفى  كما لو أنهما في حلم.

في تلك الليلة، وللمرة الأولى بعد الوصول إلى لندن، لم يتشاحنا حول المكان الذي سيأكلان فيه. تناولا الغداء في مطعم سوشي قريب، قبالة ساحة راسل، ثم توجها إلى سكوبس، أكبر مكتبة للكتب المستعملة في لندن. هنا فعلا بالضبط ما فعلاه في باريس، مدينة حبهما. مرا برفوف الكتب، وتكلما في طريق العودة عن أفضل كتاب يستحق الاقتناء، وصنعا قائمة بمئات الكتب التي يريدان قراءتها. وخلال هذا الوقت كان من الواضح أن الواحد منهما يستكمل الآخر: كانا أكبر متحمسين لاقتناء الكتب في العالم. مثل باريس مرة أخرى.

وكانا قد يئسا تقريبا من فكرة العثور على شيء جديد في تلك الأمسية عندما اقترح ديمتريوس أن يتفحصا برنامج ألميدا، وهو مسرح قريب من الويست إيند وفي منتصف منطقة أنجيل. نظر ديمتريوس في موقع المسرح على الإنترنت. كان العرض في تلك الليلة هو “الخال فانيا”. وكان هناك مقعدان متاحين، وكلاهما خلف أعمدة هائلة الحجم.  قال لنفسه: على الأقل سيكونان قادرين على الجلوس معاً. كان تشيخوف قد جمعهما معا في باريس، والآن، كما يأمل، سيجمعهما معاً، مرة أخرى، في لندن. اتصلت بالمسرح وحجزت مقعدين.

وكان العرض قد حصل على مراجعات سلبية في صحيفة “الغارديان” بسبب طوله ، لكنها لم تهتم. لقد عشقت تشيخوف. وقالت لنفسها: العرض الأطول أفضل. قد تكون هذه آخر مرة أراه فيها. هرعا إلى المسرح يداً بيد، وجلسا خلف الأعمدة. همس لها بين المشاهد مشيداً بالتمثيل. وأومأت بالموافقة على كل كلمة قالها. ثم اشترى الآيس كريم لهما، بلفتة كرم معهودة منه، وبمقدار كوبين لكل فصل: وكانا بالكراميل المملح، والتوت، وفانيلا الفول، والبندق.

وأمكنها أن تلاحظ  كيف كان مسرورا من الأداء من الطريقة التي انحنى بها منصوب القامة على كرسيه، وعينا الغزال البنيتان مستغرقتان في المشاهدة بسلام. بعد العرض، كانت هناك جلسة أسئلة وأجوبة مع الممثلين. جلسا خلالها  بهدوء، وأيديهما متماسكة. كانت الرغبة تجتاحهما مرة أخرى، وحولت عنف الليلة السابقة إلى أحلام وردية. وقربتهما من لم الشمل. وتبادل المكان الحقيقي مع الوهمي بفضل تشيخوف.

قال ديمتريوس خلال استراحة قصيرة بشكل سؤال وجواب:” لاحظت شيئا واحدا مستمرا في مسرحيات تشيخوف، وهو أن الشخصيات دائما مغرمة بالإنسان الخطأ. سواء كانت سونيا ومايكل أو فانيا وايلينا، هؤلاء الأشخاص لا يعرفون مصلحتهم، لذلك هم في نهاية المطاف يضرون أنفسهم".

وبعد نهاية جلسة الأسئلة والأجوبة حدق في عينيها ثم قبلها. وكانت هذه هي المرة الأولى منذ أيام باريس  يتبادلان فيها قبلة بهذه الطريقة، وهي المرة الأولى التي نسيا فيها محيطهما. ومع ذلك طوال الوقت كان جزء منها يعرف أن غرامها له سيستمر مدة وجيزة. وما كان بينهما سينتهي قريبا. وقالت إنها لا تستطيع أن تسمح  بالمزيد من الإساءة لنفسها، أو أن تخاطر بالتعرض لمزيد من الضرر. قد يلتقيان مرة أخرى، ولكن في المرة القادمة التي ستقابله بها لن يعني لها ما كان يعنيه من قبل. سيكونان كالأغراب. 

لقد مرا بتجربة ولادة وموت حكاية حبهما. وعودة أي شعورسيوقظ أشباح تلك الليلة التي تخللتها الكراهية والبغضاء. وأصبحت في تلك الليلة إنسانة حقيقية لأول مرة، وغيرت كل شيء إلى الأبد. وأدخل العنف إلى حياتهاواقعا جديدا لا يمكنها تجاهله.

وعادا على الفور إلى الفندق كل منهما متعطش لجسد الآخر. ومرت تلك الليلة وهما معاً عاريين وبحالة حميمية خالية من كل التوترات.  وكما حصل في وقت سابق من ذلك اليوم، أصر على أن تصل إلى النشوة الجنسية أولاً، ورفض أن يقذف حتى تشعر بالذروة. وقال إنه لا يريد الجنس من أجل متعته فقط. وأراد أن يصبح جزءاً من الرغبات التي تنتابها في أحلامها.

عندما كانا ينامان معاً في الماضي، كانت عادة ما ترقد إلى جانبه لمدة ساعة حتى ينام. ثم تذهب إلى دورة المياه أو غرفة مجاورة حيث  تعمل لبضع ساعات على جهاز الكمبيوتر المحمول، وغالبا حتى الفجر. فهي لا يمكن أن تعمل إلا في عزلة، بعيدا عنه، حتى لو كان ذلك يعني مرور الليل جالسة على المرحاض. ثم بمجرد أن تبدأ الشمس بالسطوع، ينطلق المنبه الداخلي، وتعود إلى السرير، وأخيراً تغفو، وظهره لها. هذه الليلة كانت مختلفة فهي آخر ليلة لهما معاً، وأرادت لكل لحظة أن تدوم أطول ما يمكن. ولذلك  لم تذهب إلى دورة المياه، ولم يرن المنبه الداخلي. بدلاً من ذلك نامت بين ذراعيه.

استيقظا متأخرين ساعتين. وكان قد فاته القطار، وكانت هي قد تأخرت عن الحصة الأولى من تدريباتها. وبعد موجة من الذعر، أدركت أنها لن تتمكن من توديعه بالإيماءات الرقيقة التي حلمت بها وهي ممددة بين ذراعيه في الليلة السابقة. في الوقت الذي فتحت به عينيها كان بالفعل يعمل على الكمبيوتر، ويبحث بشكل محموم عن تذكرة جديدة على يوروستار للعودة إلى بروكسل. ومن خبرتها السابقة معه في المواقف العصيبة، كانت تعرف أنه من الأفضل عدم التحدث الآن. التقطت حقيبتها وهمست: "أراك قريباً" وغادرت ببساطة. وهكذا  تجنبت إحراج الفراق الذي يتلازم مع طقوس الوداع. لكن هذه كذبة. فهي تعرف أنها لن تراه مرة أخرى، على الرغم من أنها لم تكن متأكدة أنه يدرك ذلك.

في معظم المسافة إلى محطة يوستون كانت تحدق بالأرض، خائفة مما  سترى إذا رفعت عينيها. كان مشهد العشاق الشباب أمامها مؤلمًا بشكل خاص. قالت بصوت مرتفع:"إنه الحب. يا لها من مزحة". 

كانت مسرحية الليلة السابقة قد أثارت ذكريات كل لقاءاتها الماضية مع تشيخوف. كانت تعرف قصصه أكثر من مسرحياته. وتذكرت قصة واحدة على وجه الخصوص وهي "السيدة صاحبة الكلب"، لقد قرأتها خلال سنتها الأولى في الجامعة. كان للقصة في نفسها صدى على مستويات مختلفة كثيرة، ومع أنها لم تكن في علاقة غرامية من النوع الذي ورد في القصة بين غوروف وآنا سيرجيفنا. أكثر ما أثار قلقها من القصة هو انقسامها بين الحياة الحقيقية، التي تجري تحت غطاء من الليل وفي السر، والحياة المزيفة، التي تتحكم بنهارات عملنا، وعلاقاتنا المهنية، وكل ما نقوم به في ساعات النهار. معظم العالم لا يعرف إلا الشوط الثاني، حتى لو أن عقولنا تسكن في العالم الأول. بالنسبة لغوروف بطل تشيخوف، لم يشعر بحياته الحقيقية إلا عندما كان مع حبيبته آنا. ومع ذلك كان حبهما مثقلاً بالازدواجية: فقد خالف قوانين المجتمع وانتهك الأخلاق التقليدية. لقد خان زوجته. خان زواجه. وعندما وصلت تيريزا إلى محطة يوستون قررت قراءة "السيدة صاحبة الكلب" مرة أخرى. حتى لو لم تتمكن القصة من توجيهها في قابل الأيام، من شأنها أن تساعدها على مواجهة سقوط علاقتها مع ديمتريوس.

V.

بينما كانت تيريزا تنتظر القطار الذي ستستقله إلى الدورة التدريبية، تأملت في العطلة الكارثية التي مرت - أو بالأحرى التي قتلتها - هي وديمتريوس. لماذا نؤذي من نحبهم؟. سألت نفسها، وشعورها مثل شخصيات  مسرحية تشيخوف. لماذا نهينهم بطرق لا نهين بها حتى الغرباءً؟. كيف يمكن للكلمات أن تكون مليئة بالكراهية؟.

صعدت السيارة الأولى، وبحثت عن مقعد شاغر وجلست. بدت لها الحروف المائلة في رأسها وكأنها علامة للاحتفال بولادة قصة تكتبها. حول ماذا بالضبط، لا تعلم، لكنها خمنت أن تشيخوف سوف يتبلور فيها بطريقة ما.  ستكون قصتها عن تشيخوف كما يراه ديمتريوس، تشيخوف بعيون عشيقها السابق. على الرغم من أنه عمي عن العديد من أحاسيس قلبها، فهما يشتركان بعواطف متعددة. كان (تشيخوف) واحداً منها. وأنفقت ما تبقى من الرحلة على خط فيكتوريا وهي تتخيل كيف سيكتب عشيقها نهاية علاقتهما. في إحدى المناسبات تكهن أنها لن تراه مرة أخرى. كيف سيصف قرارها بالتخلي عنه في ذلك الصباح في غرفة الفندق، دون أن تقول وداعاً؟.

وقررت تيريزا: أنه من الآن فصاعدا  سيكون ديمتريوس شخصية وهمية من مسرحية تشيخوف. وستصبح هي سونيا، ابنة أخت الخال فانيا، التي راهنت بكل آمالها على السلام الذي سيتبع وفاتها. كان مقدرا على سونيا أن تصبح العانس، وأن تدير عقارات الأسرة وحدها. وستحرر ديمتريوس، سيكون حرا للعثورعلى نفسه، وحرا أيضا في العثور على حبه. وستسعى لتحقيق هذه الأشياء ذاتها لنفسها، دون أن تتوقع أن تنجح في مسعاها. واقتبست من سونيا كلامها في المسرحية: المسعى هو الذي يهم، وليس ما تجده عندما تصل إلى نهاية الطريق. وإذا بقيت وحدها بعد هذا الكد الذي سيضني كل حياتها،  ستعرف على الأقل، وذات مرة، أنها أحبت حقا. لقد عرفت الحب مع شخص غريب في باريس، قبل أن يتم تدجين علاقتهما على يد الحياة اليومية. فروحاهما اندمجتا بنفس قوة اندماج جسديهما،  وهما يسيران اليد باليد على ضفاف السين.

 لن تنسى أبدا عيني الغزال البنيتين، أو توسله الرقيق، بعد عدة أيام من تعارفهما، كي تخبره إذا شعرت في أي لحظة أنها غير محبوبة. بالطبع، هي لم تخبره بذلك. وكيف يمكنها أن تقول شيئاً كهذا حتى لو شعرت به؟. خلال تلك الأيام الأولى من التعارف.  فوقته كان مخصصا لها ووقتها كان مخصصا له. وقد تقاسما معا لحظات لا يمكن أن تتكرر، على الإطلاق، مع أي شخص. تلك اللحظات تنتمي إلى فصل آخر في حياتها، فصل من كتاب يصل لنهايته. فالحاضر لا يمحو الماضي. همست تقول: وداعاً يا (ديميتريوس). أرسلت له قبلة عبر الأثير. ووقفت لتبديل القطار. 

 

...................

ريبيكا غولد Rebecca Gould شاعرة وقاصة ومترجمة أمريكية. تعمل بتدريس الحضارة الإسلامية والثقافات المقارنة في جامعة برمنغهام. صدر لها كتاب بعنوان “كتاب وثوار: أدب الثورة في القوقاز”. والترجمة بالاتفاق معها.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجريَّة: عامر كامل السامرّائي


أردتُ أن أصف جسَدَكِ. جسَدُكِ - بلا نهاية.

جسَدُكِ

بتلةُ وردٍ رقيقةٍ في كأسِ ماءٍ عذبٍ.

جسَدُكِ

غابةٌ وحشيةٌ، بأربعين فحّاماً أسود. جسَدكِ أوديةٌ عميقةٌ نديةٌ،

قُبيل شروق الشمس. جسدكِ ليلتين، ودقات ناقوس، وشُهب، وقطارات خرجت عن مسارها.

جسدكِ

حانة شبه معتمة، ببحارة سكارى، ومهربي تبغ، يخشخشون بالنرد،

ويهشمون الأقداح، يبصقون، ويشتمون.

جسدكِ،

اسطولٌ بحريٌّ بأكملهِ - غواصاتٌ، وبوارج مدمرة، وزوارق حربية؛ تَرفعُ المِرْساة بقعقعةٍ؛ ويَغمر الماء ظهورها؛ بحارٌ يقفز من أعلى الصّارية على رأسه في البحر. جسدكِ

صمتٌ متعدد الألحان، خمسُ سكاكينَ، وثلاثُ حرباتٍ، وطعنة سيف واحد. جسدكِ

بحيرةٌ شفّافةٌ - تُرى في أعماقِها، المدينةُ البيضاءُ الغريقةُ.

جسدكِ،

أخطبوطٌ عملاقٌ، قابعٌ في حوض القمر الزجاجي، بمجساتٍ دامية،

فوق الشوارع المضاءة، حين الغسق، حيث تَمُرُّ بوقارٍ تامٍ جنازة آخر القياصرة. الكثير من الأزهار المُداسَة فوق الإسفلت المبلَّل بالبنزين. جسدكِ

ماخورٌ قديمٌ في أطراف المدينة، بغانياتٍ عجائز، على وجوههن طلاء سميك ورخيص، يضعن أهداباً زائفةً، وهناك بينهن عاهرةٌ شابةٌ أيضاً- تُمتّعُ نفسها مع كل زبون، تنسى عد نقودها المتروكة على الطاولةِ اللّيليةِ. جسدكِ

صبيةٌ ورديةُ الوجه، تجلس أسفَلَ شجرةِ التفاحِ، تقضمُ رغيفَ خبزٍ طازجٍ، مع بندورة مملحة، وتغرز بين حينٍ وآخر وردة تفاح بين نهديها. جسدكِ

جندبٌ يُغني منفرداً في أُذُنِ شهر قطاف الكروم - مختوماً بظلٍ بنفسجيٍّ على قفاه الذي لوَّحتهُ الشمس، أغنيةً لم تستطع كل عناقيد الكروم ترديدها سويةً. جسدكِ

بيدرٌ مهيّأٌ فوق تل فسيح - أحدَ عشَرَ حصاناً أبيض يدرس عرانيس الكتاب المقدس؛ قشٌ ذهبي

مرايا صغيرة شَبكت في شَعرِكِ، وتألقت الأنهار الثلاثة، على شواطئها أبقارٌ سوداء كبيرة، تحني رؤوسها المكللة بالألماس، لتشرب الماء وتبكي. جسدُكِ لا يُختَصَر.

لا يُوصف. لكني أريدُ وصفه -

لكي أجعله أكثر قرباً من جسدي، حتى أحتويه، ويحتويني.

 

 

جمعة عبد اللهالشاعر اودسيوس آيليتس

Οδυσσεα Ελυτης

 ترجمة: جمعة عبدالله


حب

الارخبيل

في أول عنفوانه

في نوارس أحلامه

في أعلى سارية يمسكها البحار

ويدندن بأغنية

 

الحب

أغنيته

في آفاق رحلاته

في صدى حنينه

على صخرة مبللة تنتظره خطيبته

قارب

 

الحب

قاربه

لا مبالاة  في الذوبان

بين ذراعي الامل

في اخف موجة تهتز صخور الجزيرة

بالقادم .

***

 

.............................

النص اليوناني:

Το τραγούδι του Αρχιπελάγους (Έρωτας) – Οδυσσέας Ελύτης

 

Ο έρωτας

Το αρχιπέλαγος

Κι η πρώρα των αφρών του

Κι οι γλάροι των ονείρων του

Στο πιο ψηλό κατάρτι του ο ναύτης ανεμίζει

Ένα τραγούδι.

 

Ο έρωτας

Το τραγούδι του

Κι οι ορίζοντες του ταξιδιού του

Κι η ηχώ της νοσταλγίας του

Στον πιο βρεμένο βράχο της η αρραβωνιαστικιά προσμένει

Ένα καράβι.

 

Ο έρωτας

Το καράβι του

Κι η αμεριμνησία των μελτεμιών του

Κι ο φλόκος της ελπίδας του

Στον πιο ελαφρό κυματισμό του ένα νησί λικνίζει

Τον ερχομό.

 

رابط أغنية القصيدة:

https://youtu.be/ubbScrsPnN0

الشاعر اوديسوس أيليتس (1911 - 1996) يعتبر من كبار شعراء العصر الحديث في اليونان. حصل على جائزة نوبل للاداب عام 1979 . وله الكثير من الدواوين الشعرية

 

1947 نظيرة اسماعيل كريم(ومضات)

للشاعر الكوردي الايراني نبي أحمدي

ترجمة : الراحلة (نظيرة اسماعيل كريم)

بواسطة: عبد الستار نورعلي


 الانسانُ يجب أن يفهم الكثيرَ من الامورِ: نفسَه، اللهَ، والبشرْ …

في بعض الاحيان لابُدَّ أن يفهمَ الصخرْ،

الأشياءَ التي يعرفها والتي لا يعرفها !

وأنا لا أفهمُ إلا عينيكِ لا غيرَهما .

2

يتصرف بأسلوبك انتِ أيضاً الصخرْ،

فإنكِ المرآةُ الناقلةُ التي لا بديل لها لسمات المطرْ

ضائعة ، في متاهات هذا القلب الذي

يعاني دون أي مبرر من التلعثم بإسمكِ .

أنيريني بسلام وصباح من الماضي،

فإنّ قليلاً من الشكّ اثارني لأعشقكِ

أنا في مسار نسيم خمارك، في صباح القرية وفي مساء الحياء والكبرياء اصبحتُ شاعراً .

أحسّ بفضول الاستيلاء على عطر شعرك من قبضة العنق والقلادةِ .

أنتِ نشوة تصوراتي النضرة من أجل كسب قبلاتك التي

وصلت الى أوج ازدهارها في مرآة الدمعِ، ياظبية.

3

سأعبر هذه المرة ليس من الدنيا وليس من غربة هذا الغروب انما سأعبر منك أنتِ.

4

ليس هناك حاجة الى نبوءة أداموس

إنْ لم تكوني هنا

فإنها نهاية الدنيا … !

5

إعلمْ، أيُّها المطرُ الزلال،

أنّك ستعود مرة اخرى

إلى حضن هذه الغيمة السوداء ِ

6

من بين الأوهام العنيدة ،

أتذكّرُ عينيكِ انت ِ فقط ،

في الفصل الأكثر تفتحاً للبراعم عند اختلاس النظر!

........................

النصّ الفارسي:

آدم بايد از خيلي چيز ها سر در بياورد از خودش خدا انسان….

گاهي بايد سَر از سنگ در آورَد سر از چيزهايي كه مي شناسد و نمي شناسد !

من تنها سر از چشم هاي ِ تو در مي آورَم

2

گم شده يي ، در هزار توي ِ اين دل كه بي دليل به لكنت نام تو دچار است.

روشن ام كن به سلام وصبحي باستاني،

كه در گَه واره ي گمان عاشق ِ تو بر انگيخته شدم

كه در مسير ِ وزِش ِ سربند ِ تو در صبح قريه در گرگ و ميش شرم و شِكوه شاعر شدم.

حس ِ كنجكاو ِ بادم در ربودن ِ عطر گيسوي تو از چنگ ِ گلوگاه و گردن بند.

خلسه ي خيالي تازه نفس ام براي ِ تاراج ِ بوسه هاي به رَس رسيده ي ِ تو در آيينه ي اشك ِ آهو

3

در مي گذرم اين بار نه از دنيا نه ازغربت ِ اين غروب ِ غريب در مي گذرم از تو.

4

نيازي به پيش گويي ِ آداموس نيست

توكه نباشي

آخر ِ دنياست…!

5

مي دانم اي باران ِ زلال

دوباره

به آغوش ِ اين ابر ِ سياه

باز خواهي گشت

6

از خلال خيالات سمج،

تنها چشمهای تورا به یاد می اورم،

در شکوفه آورترین فصل در بزنگاه نگاه!

..................

* (نبي أحمدي) شاعر كوردي إيراني، ولد في مدينة آبدانان / إيلام عام 1970 .  والذين لهم اهتمام بالشعر في ايران خلال العقود الاخيرة لابدّ أنهم سمعوا باسم (نبي احمدي) واطلعوا على أشعاره فأثارت اهتمامهم ومتابعتهم.

بدأ كتابة الشعر خلال عقد التسعينات من القرن الماضي، وطغى على شعره باب الغزل طغياناً جليّاً. وقد عاش (نبي أحمدي) في مسقط رأسه بمدينة (آبدانان) سنيناً طوالاً من أجل الارتقاء بمستوى أشعاره، والبقاء الى جانب الشاعر الآبداناني الشهير (محمد بيراني)، فبذل جهوداً حثيثة في هذا المجال، حتى أنه كان أحياناً يدعو الشعراء والفنانين الى منزل والده للحوار في الشعر والفن وتبادل الرأي. كان يتحمل عبءً مادياً ثقيلاً من جيبه الخاص بهذا الشأن. نشر مجموعته الشعرية تحت عنوان (على عتبة الشمس) وتحتوى على 43 قصيدة في مجال الغزل، وقد أشارت الدراسات والبحوث حول شعره الى أنه وردت كلمة (العشق) اكثر من 36 مرة في الديوان، وكلمة (العاشق) ثماني مرات. ويبدو أنّ نبي أحمدي اهتم بشعر الغزل أكثر من أيّ بابٍ آخر من أبواب الشعر، مما يعني أنَ الغزل مازال محتفظاً بلقبه (عروس الشعر الكلاسيكي الايراني) الى وقتنا الحاضر .

(نظيرة اسماعيل كريم)

هامش

* الراحلة (نظيرة اسماعيل كريم): هي ابنة شقيقتي الكبرى، كانت شاعرة وقاصةً بالعربية والكوردية، تتقن اللغات الفارسية والكردية والانجليزية الى جانب العربية، ومترجمة منها واليها جميعاً. تخرّجتْ من كلية العلوم/ قسم الجيولوجيا/ جامعة بغداد بدرجة امتياز. عملتْ مدرسةً في كلية الهندسة/قسم جيولوجيا النفط/جامعة بغداد في سبعينات القرن المنصرم. كانت ناشطةً مدنيةً في مجال حقوق الإنسان، رئيسة (منظمة الكورد الفيليين للدفاع عن حقوق الإنسان). لها مؤلفات وبحوث في المجالات الأدبية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية باللغات العربية والكوردية والفارسية والانجليزية. حازت على جوائز تكريمية عديدة. انتقلت الى رحمة الله تعالى صباح الأحد 25.10.2020 إثر اصابتها بالكورونا في مستشفى (آسو) بالسليمانية.

ـ عبد الستار نورعلي ـ

 

رضوان ضاوي'Mohammed und die Katze'

بقلم: لودفيش أوغس

ترجمة عن الألمانية: رضوان ضاوي


جلس النبي سراً ،

مع أصدقائه في الغرفة،

وتكلّم عن الإنسانية والرحمة،

بحديث يشرح الصدر بعميق:

 "من ترك قلباً باكيًا؛

لن يدخل في نعمة الله،

ولن يرحمه الله في الجنّة". 

جلسوا في هدوء طائعين،

فقد علّمّ كلّ واحد منهم،

وفقط جاء مستمع واحد إلى هناك،

حينها احتضن الحيوانَ بنفسه،

فنام أثناء خطبته،

كانت قطّة محمد المفضّلة،

عندما تتملّقه،

على طرف ثوبه؛

تنام، والربّ  يربّت عليها.

سيترك الغرفة إلى المسجد من أجل الصلاة،

فالآن يمكن سماع الآذان بصوت عالٍ

لكن النبيّ لا يعجبه قطّ،

أن يُقلِق نوم صديقته

لذلك اضطرّ لقطع جزء من رداءه،

ثم ذهب للصلاة؛

وأدرك صحابته

تجلّي رحمة النبي.

***

 

.....................

* قصيدة: محمد والقطّ  'Mohammed und die Katze'

* الشاعر: لودفيش أوغس ريتر فون فرنكل هوخفاغت، Ludwig August Ritter von Frankl- Hochwart

 ولد سنة 1810 وتوفي سنة 1894 في فيينا، وهو طبيب وصحفي وشاعر نمساوي.

** ترجمة عن اللغة الألمانية: الدكتور رضوان ضاوي

باحث في الدراسات المقارنة ومترجم. الرباط/ المغرب.

 

 

صالح الرزوقبقلم: ريبيكا روث غولد

 ترجمة: صالح الرزوق


 لفتت يداه انتباهها أكثر من أي شيء آخر. كانتا طويلتين ورقيقتين مثل جسمه. والمدهش علاوة على الشكل كيف استعملهما. فقد شد على يدها بقوة ودون مراوغة في أول لقاء، كما لو أن هذا شيئ طبيعي وليس انتهاكا للثقانون في جمهورية إيران الإسلامية. وربما فاجأها تصرفه، ولم يكن لديها فرصة للتهرب من ذلك. فقد تركت يدها معلقة في قبضته حتى قرر أن يفلتها. مع أنه في اليوم السابق فقط اعتقلت السلطات شاعرا، ساعة عودته من السفر، لأنه مد يده وصافح امرأة. وكم ودت أن تحذره وتقول له: عليك أن لا تقدم على هذه الحماقة. لربما أودعوك السجن لهذا السبب. ثم اختارت الصمت. فهو بالتأكيد يعلم ما يفعل. هكذا قالت لنفسها، ثم من هي لتملي عليه سلوكه في بلاده؟. بعد ذلك لاحظت أنه ترك يديه طليقتين ولم يضعهما في جيبيه. وكذلك لم يسبلهما. وفضل أن تكونا حرتين في نهاية ذراعيه كأي سباح محترف يعرف كيف يضرب الماء ويشق طريقه، ولكن ليس على اليابسة. وكانت الخطوط على راحتيه طويلة تبدأ من معصمه حتى سبابته. ولو طلبت من قارئ الحظ - الذي تكلمت معه في ضريح حافظ في شيراز - أن يقرأ حظه سيتنبأ له بحياة طويلة، يتخللها الزواج السعيد وإنجاب الأبناء. ثم كانت يداه مثل شيء مستقل ومنفصل. وتخيلت أنهما يمكن أن تقدما لها الدفء في الليالي الباردة، وتخففا من آلام ظهرها. كذلك يمكنها أن تطبع عليهما قبلاتها وهو يحضنها. وفي نهاية تلك الليلة الساحرة في طهران، وقبيل الوداع، غامرت وسألته لماذا صافحها. لم يرد عليها. لكنه همس قائلا كأنه يتكلم مع الريح :”أحلم بصناعة معجزة بهاتين اليدين. مثلا أن أكون صانع عطور. وأصنع عطرا مسحورا يساعد على تبديل الأحوال الجامدة في إيران”. لم يكن جوابا مباشرا، لكنه فتح لها نافذة مبهمة على مشارف روحه.

ولتعرف عنه المزيد اتفقت معه على اللقاء في تبليسي. وهناك في جمهورية جورجيا حضنت يديه دون تهيب. وتبادلت معه الكلام بحرية مطلقة - عن السياسة وعن الأمور الشخصية التي لا يجب المساس بها طالما أنت في أراضي الجمهورية الإسلامية. كانت جورجيا شيء آخر. تستطيع أن تتماسك فيها مع امرأة بيديك، علنا، دون أي خرق للقانون. وفكرت: شيء غريب. كيف يمكن للقانون أن يتداخل مع الأخلاق. وأضافت: الأخلاق ثابتة لكن القانون متغير، ومعه تتغير نظرتنا للمسموح والممنوع. لكن أليس شيئا غريبا أن تكون العاطفة والتعبير عن الحب جريمة.

وعندما وضعت يديها على جسمه شعرت بأجزاء منه تسقط وتستسلم لها. ولكن بحدود. وحينما مارسا الحب كانت ترسم بيديها قوس ظهره. كانت تريد أن تحاكي بحركاتها كلمات الحب التي تغازله بها. وأن تلم شمل أجزاء الذاكرة المكسورة والحزينة.

اللقاء التالي كان في أبو ظبي. وهناك لاحظت أن حركات يديه تختلف. وزاد إحساسها بهما. وأرادت أن ترى ماذا ستفعلان بجسدها الخامل. في تبليسي هي من أمسك بزمام المبادرة.أما في أبو ظبي انتظرت منه أن يفعل شيئا. أن يمد يده و يلمسها. أن يعتدي بأصابعه على برودها وموقفها السلبي. كما فعل في إيران. حينما اقترب منها بالعلن. ربما كان يريد إيقاظ القانون النائم. ولكن هذا ما حصل. وسألت نفسها: هل أخطأت في قراءة أسباب تهوره. هل كان يمثّل، ولم يكن يضحي في سبيلها، وغايته استفزاز الدولة والتعبير عن امتعاضه وتمرده، أو امتحان قدرات الحكومة على ضبط النفس؟. أو ربما فعل ذلك احتراما لواجب الضيافة الذي يفترض مصافحة الضيوف كما تعلم. لكن لو الغاية هي حسن الاستقبال والضيافة لماذا لم يفعل ذلك الآن. فالواجب مهمة دائمة !. هل كان للقائه السابق معها معنى استثنائي لم تنتبه له؟. ثم أي قانون يمكن أن يدفعه لمد يده في طهران والاحتفاظ بها باردة وجامدة في أبو ظبي؟.

في لقائها الثاني معه في أبو ظبي. وكانا بمفردهما. لاحظت أن يديه مقيدتان لو قارنتهما مع حاله في طهران وتبليسي. كأنهما من عالم آخر، وعلى جسم آخر، أو في مجرة غريبة. وقررت أن تنتظر حتى يحين الوداع لتسأله لماذا هو بهذه الحال النفسية، ولماذا يتردد في الاقتراب منها. ولكن لحظة الوداع ازدحمت الصالة كما هو الحال دائما. وأصبح صف الانتظار طويلا للغاية مع اقتراب ساعة الصعود للطائرة. كان التوقيت حوالي 5:30 أو أنه 5:35 وكان النهار يبزغ ولكنك تعتقد أنه يوم القيامة. وأعلن مكبر الصوت: رجاء على كل المسافرين إلى طهران التوجه إلى البوابة 6D. وهنا حانت فرصة الكلام - وتوجب عليها أنتصافحه. ومدت يديها نحوه. ولكن كانت يداه مدفونتين عميقا في جيبيه. أعمق من المعتاد. فأجلت الكلام. اليدان أساسا هما موضوع الكلام، وهكذا لم تناقشه بالأمر. ولم تسأل: متى يمكن لهما أن يتماسكا بالأيدي مجددا؟. ثم طلب منها أن تراقب أمتعته ليذهب إلى الحمام. ولدى عودته كان وقت الصعود قد أزف. ولم تجد فرصة للوداع، ولا الوقت اللازم للتحية كما فعلا في طهران وتبليسي. ولم يكن أمامها أي فرصة لتضع يديها في يديه، ولتطبع شكل أصابعه في ذاكرتها، ولترفع أطراف أنامله إلى شفتيها من أجل قبلة، ثم لتخبره أنها بحاجة ليديه في حياتها - مثل حاجتها لكل شيء آخر. لكل قطرة من روحه. ثم فكرت: ربما الزحام أفضل مبرر لتأجيل هذا الكلام المحرج. ولعل الصمت هو الخيار الأفضل. ولم تعلم ماذا يجب أن تقول في الوقت الضيق المتبقي لهما. وهكذا أغلقت عينيها وتخيلت أصابعه تربت على شعر رأسها. وعندما فتحت عينيها كان قد رحل.

 ***

 

...................

ربيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould: أستاذة الحضارة والفلسفة الإسلامية في جامعة برمنغهام. تترجم من الفارسية والروسية. وتكتب القصة والشعر.

* الترجمة عن سيرين بوكس - بالاتفاق مع الكاتبة.

* ترجمة: د. صالح الرزوق

 

 

جميل حسين الساعديللشاعر البيرواني قيصر باييخو

ترجمها عن الإسبانية : جميل حسين الساعدي

سأموتُ في باريس عند هطول المطر.

في يومٍ أنا أتذكّرهُ بالفعل.

سأموتُ في باريس، ولٍم لا؟

ربّما في يومِ خميس ، مثلَ هذا اليوم، في الخريف.

       

سيكون يوم خميس،

لأنّ في هذا اليوم، وهو الخميس ــ حيثُ أكتبُ هذا ــ تؤلمني عظامي

ولم يحدث ابدا لي من قبل بأن أعود هكذا إلى طريقي لأقطعه كله

وأرى نفسي وحيدا .

 

مات قيصر باييخو ،

 رغم أنّـه لم يفعلَ لهم شيئا :

ضربوهُ كلهم بعصا وبشدّة

 

وأيضاً بنهاية حبل

تشهدُ على ذلك أيام الخميس

وعظام الكتف، الوحدة،

المطر والطرق...

***

 

........................

نبذة مختصرة جدا عن الشاعر قيصر باييخو:

بالإسبانية: César Vallejo

 ولد في بلدة تشوكو في جبال الأنديز في البيرو عام 1892، وتوفي في العاصمة الفرنسية باريس عام 1938. ويعتبر باييخو واحداً من أعظم شعراء اللغة الإسبانية في كل العصور، وأكثرهم صعوبة وتعقيداً على الإطلاق. ولكنه يبقى على الرغم من ذلك أحد أوسع الشعراء شعبية .

( نقلا عن ويكيبيديا ـ الموسوعة الحرة)

.......................

النص باللغة الإسبانية

 

Negra Sobre Una Piedra Blanca”:

Me moriré en París con aguacero,

un día del cual tengo ya el recuerdo.

Me moriré en París — y no me corro —

tal vez un jueves, como es hoy, de otoño.

Jueves será, porque hoy, jueves, que proso

estos versos, los húmeros me he puesto

a la mala y, jamás como hoy, me he vuelto,

con todo mi camino, a verme solo.

César Vallejo ha muerto, le pegaban

todos sin que él les haga nada;

le daban duro con un palo y duro

también con una soga; son testigos

los días jueves y los huesos húmeros,

la soledad, la lluvia, los caminos…

 

 

جمعة عبد اللهللشاعر يانس ريتسوس

ترجمة: جمعة عبدالله


حلم الطفل هو السلام

حلم الام  هو السلام

كلمات الحب تحت الاشجار هي السلام

الأب حين يعود في المساء في ابتسامة منشرحة في عينيه

محملاً بزنبيل مليء بالفواكه

وقطرات العرق على جبينه

كأنها  قطرات باردة من جرة على شرفة النافذة

هو السلام

السلام حين يضمد جروح العالم

في حفر القنابل نزرع اشجاراً

في القلوب المحروقة بالنيران، نزرع براعم الامل

عندها ينام الموتى على جنبهم مرتاحين دون شكوى

بأن دمائهم لم  تذهب عبثاً

هو السلام

السلام هو رائحة الطعام في المساء

عندما تتوقف السيارة في الطريق، لا يعني الخوف

عندما يطرق الباب، يعني تحية صديق

عندما تفتح النافذة كل ساعة، يعني سماء

تتكلل العيون بافراح الاعياد . حين تدق الاجراس البعيدة الملونة للسلام

السلام هو كوب الحليب الساخن

وكتاب أمام الطفل عند الاستيقاظ

عندها تتمايل اعواد القمح وتهمس لبعضها البعض

النور . . النور

النور الذي يتألق في تيجان الافق

هو السلام

حين تتحول السجون الى مكتبات

حين ذاك تزغرد الاغاني وتتنقل  من عتبة الى عتبة في المساء

عندها يخرج القمر من سحابة الغيم

مثلما يخرج العامل من محل الحلاقة في الحي

بشوش الوجه ليحتفل بعطلة نهاية الاسبوع

هو السلام

اليوم الذي مضى  ليس خسارة ً

يكون الجذر الذي يرفع اشجار الفرح في المساء

عندها يكون يوماً مريحاً، ونوماً لطيفاً

نشعر بأن الشمس في عجلة في شد رباطها

لطرد الحزن من زوايا الزمن

السلام في اكوام القمح التي تحصد في سهول الصيف

في  ابجدية الخير على ركبتي الفجر

عندما تقول يا أخي .... عندما تقول غداً سوف نبني

نبني ونغني

هو السلام

عندها سيكون للموت مساحات صغيرة في القلب

حين تشير  المواقد بأصابعها المسار نحو  السعادة

نشم عطر القرنفل في ساعة الاصيل

يستنشقها الشاعر البروليتاري . يغني وينشد للسلام

ويصافح الناس بالسلام

السلام هو الخبز الساخن على مائدة العالم

هو أبتسامة  الام

لا شيء غير السلام

في المحاريث التي تحفر عميقاً في كل أخاديد الارض

تكتب أسماً واحداً

السلام .... لا شيء غير السلام

فوق حروف القصيدة

في القطار الذي يتجه الى الغد

محملاً بالقمح والازهار

هو السلام

أخوتي :

مدوا أياديكم لنصافح السلام .

***

 

..........................

ملاحظة: حرصت على تدوين المفردة (زنبيل) كما جاءت في نص القصيدة، وهي تحمل نفس المعنى واللفظ في اليوناني والعربي . ولم اكتب مفردة السلة

وهذا رابط الفيدو بصوت الشاعر مع موسيقى الموسيقار ميكس ثيدروداكيس

https://youtu.be/CEh-R9eWwoE

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجريّة: عامر كامل السامرائي


حين لا تكونين هنا، لا أدري أين أنا. الدار تفرغ.

تريد الستائر أن تفرَّ من النافذة.

على المنضدة مفاتيح، وعلى الأرض حقائب

نُسِيتْ مفتوحة لرحلاتٍ قديمة، بملابس ٍ غريبة -

لوازمٌ لفرقة مسرحيّة: كانت لامعة، ثم اختفت

فذاتِ ليلةٍ انتحرت نجمة الفرقة الجميلة على خشبة المسرح.

حين تكونين بعيدة، هناك في الشارع جنود يركضون. ونساء تصرخ.

حمالو النقالات يأتون، يتوقفون. فِرَقُ الإنقاذ بزيّ أبيض، يُلملِمون الجرحى من على الإسفلت، ويحملونني أنا أيضاً.

يأخذونني إلى مستشفى بلا أسرة. أُغمض عيني، مثل طفل محاط بالأبيض المُميت.

ممرضة تبقى في الحديقة، قرب النافورة، تنحني لتجمع زهوراً بيضاء، رُبَما نفضتها الرِّيحُ عن شجرة سَنط.

ثُمَ فجأة - يُفتحُ البابُ، فتدخلينَ ومعكِ سلَّة: فتفوح منها رائحة الكمثرى الناضجة.

"أنائمٌ أنتَ؟" يسألُني صوتكِ. " أنمتَ وحدكَ؟ ألمْ تنتظرْني؟"

أفتحُ عيني، ها هو الدار، وها أنا هنا.

والكرسيِّان الأحمران، وعلبة كبريت على المنضدة.

آه، الضوء الأبيض الناصع. آه، الحب-الحب، دمٌ أحمر!

***

 

..........................

نبذة عن حياة الشاعر:

تجدونها في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: يانيس ريتسوس

 

فوزية موسى غانمللشاعر الأمريكي : البرتو ريوس

ترجمة: فوزية موسى غانم


يعطي النهر رحلته

 للنهر الأخر.

 

نحن نعطي لان شخصا ما أعطانا.

 

نحن نعطي لان شخصا ما لا يعطينا.

نحن نعطي لان العطاء يغيرنا.

 

نحن نعطي لان العطاء باستطاعته أن يغيرنا.

قد نكون أفضل فيه،                                               

وقد يجرحنا-

 

للعطاء عدة وجوه : يكون عالي وهادئ،

كبير، صغير، ماس في مسامير الخشب.

 

قصته قديمة،  حبكتها ممزقة والأوراق كذلك،

ولكننا على كل حال نقرأ هذا الكتاب مرارا وتكرارا:

 

العطاء هو الأول وفي كل مرة يد ليد،

لك لي، ولي لك.

 

أعطيتني  أنت الأزرق، وأنا أعطيتك الأصفر.

ونحن معا نكون الأخضر ببساطة، أعطيتني أنت

أنا أعطيتك ما لم تملكه،

وما يجب أن أعطيه- معا صنعنا

 

شيئا أعظم من الاختلاف

***

 

..........................

البرتو ريوس (1952): أكاديمي وكاتب أمريكي، ومؤلف لعشرة كتب في الشعر وثلاث مجموعات من  القصص القصيرة ومذكرة آب  في سنة 2013. وحصل على لقب أول شاعر في ولاية أريزونا، وظل البرتو حامل اللقب  حتى عام 2015. 

رابط القصيدة بصوت الشاعر

https://poets.org/poem/when-giving-all-we-have

 

 

 

سوران محمدمجموعة قصائد قصيرة لـ «بروتيغان»

- مهداة الی المثقف الواعي جمعة عبدالله -

ترجمة: سوران محمد


١

-٣٠ سنتاً أجرة راكبان، حبا-

فكرت فيك كثيرا

الی أن ركبت الحافلة

ودفعت الأجرة ٣٠ سنتا

طلبت من السائق تذكرة نفرين

قبل ان أكتشف

أنني کنت

وحيدا.

٢

- ملاصق مع النسيان مثل مفصل الباب-

ملاصق مع النسيان

مثل مفصل الباب،

أغلقت ببطء خارج

النظر،

وهي المرأة التي أحببتها،

قد نامت مرات عديدة أثناء مداعبتي

كغزال ميكانيكي،

وأنا آلمت صمتا معدنيا

في أحلامها

٣

- مسارات الغزلان –

جميل حين توءنن

عالية

ثم تصمت كذبا

مثل مسارات الغزلان

علی الثلج المتساقط حديثا

بجنب الشخص الذي تحبه

هذا هو كل شيء.

٤

- أشعر بالفزع هي لا-

أشعر بالفزع،

هي لا تحبني

وأنا أتجول

مثل ماكينة الخياطة

انتهت من حياكة البراز

لرأس علبة القمامة.

 

٥

- طريق مسدود -

تحدثت اليها بتحية حارة

لكنها تحدثت أفضل مني

بقولها الوداع

٦

- خشب -

سنشيب في الظلام كالخشب

ونشاهد أشباحنا حينما يتغيرون

ملابسهم

كالالواح والطاولات

لغرض ما، يمكن أن يوصف هذا

بالخشب .

***

 

..............................

من هو الشاعر والروائي ريتشارد غاري بروتيغان؟

* ولد الشاعر في 30 يناير 1935 في مدينة تاكوما، واشنطن، الولايات المتحدة.. بدأ مشواره‌ الادبي في أواسط الخمسينيات للقرن الماضي، كان متأثرا بكتاب كالـ: جاك كيروك، تشارلز بوكوفسكي، إرنست همينغوي، كارلوس وليم كارلوس، له‌ العديد من المؤلفات مابين الشعر والقصة والرواية، من اهم رواياته (صيد سمك سلمون المرقط في أمريكا) 1967.

وقد تميز بأسلوبه الخاص والنادر في الكتابة، حيث كان يمتزج بين الفكاهة والجد لرسم واقع خيالي أو بالاحرى كي ينسى بهذه الطريقة مأسي حياته الشخصية و ينتقد الواقع الاليم في نفس الوقت.

كان للبؤس والحرمان و التهميش حضورا دائما في حياته و داخل نتاجاته الادبية، ففي عام 1956 على سبيل المثال قام بكسر زجاجة شباك لمركز للشرطة كي يسجنونه‌ حيث سيكون بوسعه الحصول على الاكل اللازم في السجن، لكنه سرعان ما خاب ظنه عندما تم تحويله الى المستشفى النفسي لتلقي علاج الشيزوفرينيا والبارانوي – العلاج بالصدمات الكهربائية آنذاك-

انتهى مشواره الادبي عندما انتحر في بولنيسا، كاليفورنيا في 16 سبتمبر 1984 عن عمر ناهز ٤٩ عاما..

* أما بالنسبة لأسلوب کتابة قصائده فهي وليدة اللحظة، حيث تمتاز أكثر القصائد بالقصر والاختصار، لكن يستعمل مضامينها الساخرة كوسيلة للتعامل مع مجريات الامور و ما يدور في محيط الشاعر، خاصة أثناء تداوله مواضيع حساسة و مهمة، فهو لم يكن يأخذ في الحسبان أي قيود يمنعه من كتابة ما يشاء، لذا نراه احيانا يقفز على المعنى و يعبر عن ما في داخله بشكل اعتباطي ..

صحيح اننا كقراء لم نتعود على هذا الاسلوب، لكنه عالميا يحظى بشعبية واسعة خاصة من الجيل الصاعد، و له سمعة لا نظير لها مقارنة بكتاب جيله بسبب اسلوبه المتميزة في الكتابة، في حين يعتبر بعض النقاد اعماله بالشطحات و يرونه انه لا يلتزم في نصوصه بأي قيود أدبية و لغوية و يستعمل مصطلحات غريبة وصور عجيبة نوعا ما..

ولم أجد وصفا أدق لأسلوبه في الكتابة غير الذي کتبت عنه في  جريدة الحياة ذات مرة: (أن قصائد بروتيغان هي من بين النصوص الأكثر ابتكاراً في الأدب الأميركي الحديث، سواء بالدعابة المسيَّرة داخلها أو باستعاراتها الغريبة أو بالتلاعب الفريد في صياغتها. ولا عجب في ذلك، فبروتيغان كان يعتبر الشعر أرضية مثالية لإعادة ابتكار الذات. وهذا ما يفسّر الأشكال المتنوّعة التي تحضر فيها هذه النصوص: قصائد هايكو عرجاء، سونيتات مخرَّبة عمداً، عناوين صحف، إعلانات ذات فائدة عامة، أفكار تتداعى بطريقة آلية، نشرات جوية سورّيالية، شذرات سير ذاتية، مزامير، أوراق نعي، شتائم، قصائد تقتصر على عنوانها أو يتجاوز هذا الأخير بحجمه نصّها، من دون أن ننسى التجليات على طريقة جايمس جويس أو النكات الماركسية أو اليوميات المقطّعة).

 

 

عادل صالح الزبيديالشاعرة: لندا باستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


الإيمان

الى آيرا

بختم العلم

الذي يزين

جبهتك،

مثل ختم الموافقة

على إدارة شؤون المنزل الجيدة القديمة،

اصدق ما تقوله لي

عن الخلايا والجزيئات،

رغم إنني لا أراها.

 

ورغم أن اللغة التي تتكلمها

مليئة بالأرقام والرموز،

التي لن افهمها أبدا؛

رغم أن ربطة عنقك مائلة

وشعرك أشعث، مع ذلك اصدق

ما تقوله عن حجم الكون،

الذي لا يتمدد ولا يتقلص،

نسيت قبل الآن أيهما.

 

لذا فان أخبرتني غدا

انك أخطأت في الحساب قليلا،

إن الرب خلق العالم فعلا

في 6 أيام قصيرة، ثم استراح في السابع،

وان حواء هي التي وضعتنا

في كل هذه المشاكل، فسوف أصدقك.

كنت سأصدقك

مثلما كنت أصدقك دائما من قبل.

***

 

..........................

لندا باستن: شاعرة أميركية من مواليد نيويورك لعام 1932. شغلت منصب شاعرة ولاية ميريلاند للسنوات 1991-1995. نشرت ما يربو على 107 كتب بين مجموعة شعرية ومجموعة أغاني راب ومقالات وحازت على العديد من الجوائز. من بين عناوين مجموعاتها: (دائرة تامة للشمس) 1971؛ (في الطريق الى حديقة الحيوان: قصائد) 1975؛ (مراحل الحزن الخمس) 1978؛ (بانتظار حياتي) 1981؛ (أبطال متنكرون) 1991؛ (ملكة بلد مطير 2006 )؛ و(الضوء المسافر) 2011.

 

 

جمعة عبد اللهللشاعر يانس ريتسوس

هذا المقطع الاول من قصيدة طويلة تشكل ديوان شعري بنفس الاسم

ترجمة: جمعة عبد الله


(ليلة ربيعية في غرفة كبيرة في بيت قديم. أمرأة عجوز لم تشغل الضوء، وانما يدخل ضوء القمر من خلال النافذتين. نسيت ان اذكر بأن المرأة العجوز، المرتدية الثياب السوداء، أصدرت مجموعتين أو ثلاثة من الشعر ذات الاهتمام الديني. المرأة العجوز ذات الثياب السوداء، تتحدث الى الشاب)

دعني أذهب معك.

ياله من القمر الليلة. القمر لطيف لم يظهر شعري الابيض، وانما ضوئه سيعيده مجدداً الى اللون الذهبي

أنت لا تفهم ذلك.

دعني أذهب معك

عندما يكون هناك القمر، تنمو ظلاله داخل البيت. تتسلل ايادٍ خفية تسحب الستائر

واصبع خفي يكتب على غبار البيانو. كلمات منسية، لا احب سماعها. أهدأ

دعني أذهب معك

الى ساحة المدينة في منعطف الشارع، تجد المدينة الاسمنتية. مبللة، مبيضة بضوء القمر. تهب عليها نسائم الريح. غير مبالية بذلك

واثقة مثل الميتافيزيقية.

تستطيع ان تعتقد أنك موجوداً، او غير موجود، أو لم تكن موجوداً على الاطلاق، لا وقت للهراء

دعني أذهب معك

نجلس قليلاً على شرفة التل، تهب علينا الرياح الربيعية

نستطيع ان نتخيل بأننا سنطير في الهواء.

كثير من الاحيان اشعر بذلك، اسمع حفيف ضجيج ثوبي، يتحول الى جناحين قويين، يخفقان بقوة في الهواء ويرتفعان في الاعالي، عندها تشعر بجسمك. رقبتك. اضلاعك. لحمك. عضلاتك تشتد بقوة في الفضاء الازرق وتعلو. عندها لا يهم اذا ذهبت و أو عدت.

ولا يهم لون شعري الابيض. ليس ذلك حزني. حزني ان لا يتحول قلبي الى اللون الابيض،

أعرف كل راهب يمشي بالحب

وحيداً في المجد والموت

أعرف ذلك. جربته لكن لم أفلح

دعني اذهب معك

هذا البيت العتيق يثير أشجاني، يطردني بعيداً

أعني أنه قديم جداً. متهالك تتساقط مساميره، تتقشر حيطانه وتسقط في فراغ الصمت

مثل ما تسقط قبعة المتوفي تعلق في حظيرة مظلمة

مثل القفاز الصوفي تتهرى خيوطه

مثل شريط ضوء القمر يسقط على الكرسي المنزوع الاحشاء.

كان فيما مضى مريحاً، لا تنظر الى صورته الحالية بعدم التصديق والشك

كان يمكن ان تجلس عليه لساعات طويلة، تغمض عينيك وتروح تحلم بعشوائية

شاطئ رملي. مبلل. مصقول بلمعان ضوء القمر.

أكثر لمعاناً من اشيائي القديمة، التي اعطيها كل شهر الى الملمع في الزاوية.

أو قطعة قماش قارب الصيد تتوارى في البعيد تجر انفاسها.

أو قطعة القماش المثلثة مثل المنديل المطوي على الجانبين

لا يمكن ان امسك شيئاً مغلقاً

المناديل تذكرني بلحظات الوداع، المشغوفة فيها في التلويح

لا شيء من بذور زهرة ( الخاموميلي )÷ التي اجمعها من الحقول عند الغروب

اربطها بأربع عقد مثل قبعة العمال الكلس

أغسل عيوني بها، حتى احافظ على بصري. لم اضع النظارات ابداً.

أنا مشغوفة بالمناديل اطويها الى اربع. الى ثمانية. الى ستة عشر، حتى تظل أصابعي مشغولة. تذكرني عندما كنت اعد نغمات الموسيقى، عندما كنت أذهب الى المعهد الموسيقي، بثوب ازرق وياقة بيضاء

مع ضفيرتين ذهبيتين.

× زهرة ( الخاموميلي ) هي زهرة خضراء في لب ابيض، وهي احدى الانواع الشاي المشهورة جداً في اليونان، اكثر من شاي النعناع، او شاي الجبل، او الشاي الاسود المشهور في الشرق، أو اي نوع اخر . هذا نوع من الشاي يقطع زهرته الخضراء في الماء المغلي ويشرب بنكهة رائحة الورد دون اضافة سكر، وايضاً عندما يبرد الماء يستخدم لغسل العيون من الدمبل وخاصة عند كبار السن.

 

.................................

* وفي ارابط أدناه، قراءة القصيدة بصوت الشاعر يانس ريتسوس.

https://youtu.be/V6d-_G6ugBA

 

 

 

سالم الياس مدالوقصيدة لوليم شكسبير

ترجمة : سالم  الياس مدالو

فوق التل

وفوق الوديان

وبين الشجيرات والحانات

وقرب المتنزهات

وفوق الوتد الشاحب

وعبر المد والجزر والطوفان

ومن خلال النار

اهيم على وجهياسرع من كرة القمر

كي اقدم خدمتي

للملكة الخرافية العادلة

كي تبلل محجريها

باللون الاخضر

وازهار الحقل الغريبة

ببقعها الياقوتية

تبدو كالجنيات  الجميلات

وفي هذا المظهر

العجيب و الغريب

تكمن روائحها الخاصة

فما علي الا الذهاب

والبحث عن بعض

قطرات الندى

كي ارصع بلالئها

اذنات ازهار الحقل

الغريبة والعجيبة تلك

***

 

عامر كامل السامرائيللشاعر اليوناني: يانيس ريتسوس

ترجمها عن المجريّة: عامر كامل السامرائي


 

دائماً كلَّ صباح ٍ أنا أكثرُ منكِ تعباً،

وربما، أكثرُ سعادةً، تنهضين بهدوء -

ملاءآتُ السرير تَحفُّ قليلاً، وتمضينَ حافيةً.

فأُكمل نومي في الدفء الذي تركهُ جسدكِ العاري فوق السرير.

بالوهدة التي شكَّلها جسدكِ،

غارقاً في عتمةٍ ضاربة إلى البياض، أسمعُ كيف تغتسلين،

وكيف تعدين القهوة، وكيف تنتظرينني.

أسمعُ، كيف تقفين فوقي، حائرة. ابتسامتكِ

تنتظرني بكل كياني، تُنَمّلُ أظافري. أنامُ.

شِباكُ عنكبوت بيضاء تتأرجح لامعةً، بسكون.

بطانيةٌ حمراءُ

تتدلى على الحبلِ. الأحمرُ يُثْقِلُ على جفني.

نساءٌ عارياتٌ في النّهرِ. رجالٌ عراةٌ على الشجر.

خيولٌ بخطواتٍ مُهيبة (ليستْ حزينة) تتجوَّلُ في المياهِ الضَّحلة لساحلِ البحرِ، أحنى أحدها عنقه فكاد أنفه الأسود يلامس الماء.

فتاةٌ تنتحبُ.

صبيٌّ ينقش بمديتهِ الرقم 99 على شجرة ِتوت،

ثم يضيف 9 أخرى. أنام بعمق أكثر، داخل الوهدة أكثر.

عصفورٌ يجثم على لبدة أسدٍ أبيض. تصو، تصو، يزقزق عالياً.

العالم لحمٌ ونورٌ ونطفةٌ غزيرة، نهاراً سعيداً، نهاراً سعيداً، أيها الحب!

***

 

......................

نبذة عن حياة الشاعر :

تجدونها في ويكيبيديا، الموسوعة الحرة: يانيس ريتسوس

 

 

 

صالح الرزوقبقلم: جومبا لاهيري

ترجمة صالح الرزوق


 

كل يوم سبت تأتي عائلة جديدة لتقيم. بعض العائلات تصل من أمكنة نائية في الصباح الباكر، وتكون جاهزة للعطلة. وبعض العائلات لا تظهر قبل غروب الشمس، وتكون بمزاج متعكر، وربما قد ضلت طريقها لبعض الوقت. من اليسير أن تضيع بين هذه التلال: فالطرقات غير مزودة بإشارات مرور كافية. واليوم بعد أن قدموا أنفسهم، رافقتهم بجولة في أرجاء المكان. كانت أمي معتادة على واجب الترحيب. ولكنها كانت تمضي العطلة الصيفية في بلدة مجاورة لتقديم يد المساعدة لسيد عجوز يمضي عطلته أيضا، ولذلك اضطررت لأداء هذا الواجب. وكالعادة كانوا أربعة: أم وأب وابنتان. وتبعوني عن كثب، بعيون مفتوحة على وسعها، وهم يوسعون خطواتهم بسعادة وغبطة. ووقفنا لحظة على الشرفة الظليلة التي تشرف على المرج، تحت سقف معلق خفف من الإضاءة. وكان هناك مقعدان بمساند وكنبة مغطاة بقماشة بيضاء، ومقاعد واسعة للحمام الشمسي، وطاولة خشبية كبيرة تتسع لاستضافة عشر أشخاص. فتحت الباب الزجاجي الجرار ورافقتهم إلى الداخل: كانت غرفة المعيشة المهندمة مزودة بكنبتين مريحتين في المقدمة، ومطبخ كامل التجهيزات، وغرفتي نوم.

وحينما كان الوالد يفرغ سيارته من الأشياء، اختفت البنتان في غرفتهما، وربما كانتا بعمر يبلغ حوالي سبع وتسع سنوات، وأغلقتا وراءهما الباب. بعد ذلك أخبرت الأم أين يمكن أن تجد المناشف والأغطية الصوفية في حال زادت برودة الجو ليلا. وبينت لها أين هو مخبأ سم الفئران. واقترحت أن تقتل الذباب قبل أن تأوي للسرير، وإلا بدأ الطنين في الفجر قبل شروق الشمس. وبينت لها كيف تذهب إلى مركز التسوق، وكيف تستعمل الغسالة الموجودة وراء البيت، وأن تنشر الغسيل فقط في الجزء الثاني من حديقة والدي. وأضفت أنه للنزلاء كامل الحرية بقطاف الخس والبندورة. فقد كان هناك الكثير من البندورة هذا العام، ولكن معظمه يتلف بسبب المطر في تموز.

وتظاهرت أنني لا أسترق النظر وأنني أحترم خصوصياتهم. كنت أقوم بالعمل المنزلي وأسقي الحديقة، ولكن لم أتمكن من الامتناع عن ملاحظة سعادتهم وغبطتهم. وسمعت أصوات البنتين وهما تعدوان فوق المرج. وعلمت اسميهما. وبما أن النزلاء تركوا الباب الجرار مفتوحا كنت أسمع ما يقوله الأبوان وهما يستقران في البيت. حينما باشرا بفك أحزمة الحقائب وقررا نوع طعام الغداء.

لم يكن البيت الذي تعيش فيه عائلتي بعيدا إلا ببضع ياردات، وهو خلف حاجز نباتي طويل يشكل ما يشبه ستارة. ولسنوات عديدة كان بيتنا مجرد غرفة واحدة نستعملها للطهي والنوم حيث نأوي ثلاثتنا معا. ولاحقا بعد سنتين عندما بلغت الثالثة عشرة، بدأت والدتي تعمل بخدمة السيد العجوز، وبعد أن وفرت ما يكفي من النقود استأذن والداي، من الشخص الذي يمتلك العقار، إضافة غرفة لي.

كان والدي هو الحارس. يعتني بالبيت، ويقطع الخشب، ويتابع شؤون الحقل والكروم. وكان يسهر على الجياد، وهي موضع محبة وعطف مالك العقار.

وكان المالك يعيش في الخارج، ولكنه ليس أجنبيا مثلنا. ويزور عقاره بين الفينة والفينة. وهو بلا عائلة. وفي النهار يمتطي جواده ويقوده بنزهة. وفي المساء يجلس قرب الموقد و يقرأ. ثم يغادر مجددا. ولا يوجد كثيرون يكترون بيته باستثناء فترة الصيف. فالشتاء هنا قارس البرودة، وفي الربيع تهطل الأمطار بغزارة. واعتاد الوالد أن يقودني، كل صباح، بالسيارة إلى المدرسة طوال الفترة التي تبدأ من أيلول وتنتهي بحزيران. وهناك يغمرني الشعور بالغربة وأنني لست في موضعي. لم أكن أندمج مع الأخريات بسهولة، فقد كنت أبدو بمظهر لا يشبه سواي.

ولكن كانت البنتان في هذه العائلة متشابهتين. ويمكن أن تلاحظ مباشرة أنهما أختان. وكانتا ترتديان بذتي سباحة متماثلتين للاستجمام على الشاطئ لاحقا. والشاطئ يبعد عن البيت حوالي خمسة عشر ميلا. وكانت الأم تبدو مثل بنت صغيرة أيضا. فهي صغيرة الحجم ونحيفة، وتترك شعرها الطويل منسدلا بحرية، ولها كتفان رقيقان، وتسير حافية القدمين على العشب حتى لو نصحها الوالد أن لا تفعل قائلا (وهو محق) لربما هناك قنافذ وزنابير وأفاع.

1874 Jhumpa Lahiriبعد عدة ساعات قليلة فقط كان يبدو كأنهم يقطنان هناك منذ عهود. فالأشياء التي أحضروها لأسبوع عطلة في الريف توزعت فوق كل المكان: كتب وحاسوب محمول ودمى وقبعات وأقلام ملونة ورزمة من الأوراق وأحذية صيفية وستارة واقية من الشمس. وفي وقت الغداء سمعت صوت الشوكات وهي تضرب الأطباق. ولاحظت كيف يضع أحدهم بين فترة وفترة كأسه على الطاولة. وانتبهت لخيط الهدوء الذي يتخلل حوارهم، وعبير وصوت إبريق القهوة، ودخان السجائر. وبعد الغداء، طلب الأب من إحدى البنتين أن تحضر له نظارته. وأنفق وقتا طويلا ينظر في خريطة الطرقات، وسجل قائمة بأسماء البلدات المجاورة والمواقع الأثرية والأطلال التي يجب زيارتها. ولكن الأم لم تكن مهتمة. وقالت إن هذا هو أسبوع العطلة الوحيد في العام ولا يجب أن يقاطعه واجبات ومواعيد. ولاحقا، توجه الأب إلى البحر مع ابنتيه، وسألني وهو يغادر كم يستغرق الوقت للوصل إلى هناك، وأي الشواطئ هي الأجمل. وسألني عن النشرة الجوية لهذا الأسبوع وأحوال الطقس، وأخبرته أننا نتوقع موجة حارة. وانتظرت الأم في البيت، وارتدت بذة السباحة في كل الأحوال لتستمتع بقليل من الشمس. واستلقت على أحد الكراسي الطويلة. وافترضت أنها ستنام القيلولة، ولكن حينما ذهبت لنشر الغسيل شاهدتها تدون شيئا. كانت تكتب بيدها في دفتر ملاحظات صغير وضعته على فخذيها. وكانت بين الفينة والفينة ترفع رأسها وتنظر باهتمام للمشهد الطبيعي الذي يحيط بنا. وحدقت بعدد من النباتات الخضراء في المروج وبالتلال والغابة البعيدة وباللون الأزرق المشع للسماء والقش الأصفر والسور الباهت الذي فقد لونه وجدار الحجر القصير الذي يرسم حدود العقار. كانت تتأمل كل شيء أراه يوميا هنا. وتساءلت ماذا عساها ترى فيه غير الذي أراه. وحينما باشرت الشمس بالغروب، ارتدوا البلوزات والسراويل الطويلة ليحموا أنفسهم من البعوض. كان شعر الأب والبنتين مبتلا بسبب الحمام الدافئ الذي حصلوا عليه بعد العودة من الشاطئ. وأخبرت البنتان أمهمها عن تفاصيل الرحلة: الرمل الملتهب الحارق، والمياه الدافئة، والموجات اللطيفة المخيبة للأمل. وذهبت كل العائلة بنزهة قصيرة. ومروا بطريقهم على الجياد والحمير والخنازير البرية السجينة في حظيرتها. وتابعوا لرؤية قطيع الخراف التي تمر من أمام البيت يوميا في هذا التوقيت تقريبا، وتسد لعدة دقائق طريق السيارات في الشوارع المغبرة.و تابع الأب التقاط الصور بهاتفه المحمول، وعرف البنتين على أشجار النخيل الصغيرة وأشجار التين والزيتون. وقال إن الثمار التي تقطف مباشرة من الشجرة يكون طعمها مختلفا لأنها تكون مشبعة برائحة الشمس والفضاء.

وفتح الأبوان زجاجة نبيذ عند الشرفة. وتذوقا بعض الجبنة والعسل المحلي. وأبديا إعجابهما بالمشاهد الطبيعية التي تحترق بالشمس واستغربا من الغيوم الكبيرة والمتوهجة، ومن لونها الرماني في تشرين الأول.

ثم خيم المساء. وسمعوا صوت نقيق الضفادع وصفير الصراصير وهزيم الرياح. ورغم النسمات قرروا تناول الطعام في الخارج، لينعموا بمنظر النور المتأخر. وتناولت أنا ووالدي الطعام في الداخل بصمت مطبق. وكان لا يرفع عينيه عن الطعام حين يأكل. وبغياب والدتي، لم ينعقد أي حوار بيننا خلال العشاء، فهي من يبادر للكلام خلال وجبة الطعام. لم تكن الوالدة تحتمل هذا المكان. ومثل والدي، جاءت من مكان بعيد بالمقارنة مع الذين يستجمون في أوقات العطلة هنا. كانت تكره الحياة في الريف في وسط مكان مجهول. وكانت تقول الناس هنا غير مريحين، وهم منغلقون على أنفسهم. ولم تكن تتوقف عن التذمر. ولم أكن أحب الإصغاء لها، مع أنه ربما هي على حق. أحيانا، إذا أسرفت بالشكوى، ينام الوالد في السيارة وليس على السرير معها.

وبعد العشاء، تجولت البنتان حول المرج، وطاردتا اليراعات. ولعبتا بكشافات النور. وجلس الأبوان على الشرفة لتأمل السماء المرقطة بالنجوم والظلام العميق. ورشفت الأم بعض المياه الدافئة بالليمون، واستمتع الأب بالقليل من شراب الكرابا. وقالا إن البقاء هنا هو كل ما يريدان، فالهواء مختلف، وينظف سريرة الإنسان ويطهرها. وأضافا: من الممتع أن تعيش هكذا بعيدا عن الزحام.

و في الصباح الباكر، ذهبت إلى قن الدجاج لجمع البيض. كانت دافئة وشاحبة ومتسخة. وضعت عددا منها في طبق وأتيت بها للنزلاء من أجل الإفطار. وبالعادة لا أجد أحدا في ذلك الوقت وأدع البيض على طاولة الشرفة. ولكن لاحظت من خلال الباب الجرار أن البنتين مستيقظتان. وشاهدت أكياسا من البسكويت المحلى على الكنبة مع فتات وكانت علبة حبوب الحليب مقلوبة على طاولة القهوة. كانت البنتان تحاولان طرد الذباب الذي يطن في البيت صباحا. الكبيرة حملت منشة ذباب. وأختها الصغيرة الغاضبة تشكو لأن عليها أن تنتظر لتستعمل المنشة. وكانت تقول: إنها تريد أن تلاحقها أيضا. قالت لها:“عليك أن ترفعي صوتك. أنا مشغولة جدا هنا”.

وضعت البيض بمكانه وعدت أدراجي لبيتنا. ثم قرعت بابهم وقدمت للبنتين منشتنا. وأسعد ذلك الاثنتين. ولم أوضح لهما أن قتل الذباب يكون أفضل قبل النوم. كان من الواضح أنهما تستمتعان بوقتهما وأبواهما يغطان بالنوم، رغم الذباب المزعج وصخبهما. فهذا لم يقطع رقادهما.

وبعد يومين أصبح الروتين مألوفا. في وقت متأخر من الصباح يذهب الأب إلى مقهى في البلدة، ويشتري الحليب والصحيفة، ويشرب فنجان قهوته الثاني. ويمر على السوق المحلي إن دعت الضرورة. ولدى عودته، يذهب للجري بين التلال رغم الرطوبة. وفي إحدى المرات عاد وهو يرتعش بعد أن اشتبك مع كلب للرعاة سد طريقه في الممرات، ولكن لم يحصل شيء خطير في خاتمة المطاف. أما الأم فكانت تفعل مثلي: تكنس الأرض وتطهو وتغسل الأطباق. وفي أحد الأيام نشرت الغسيل. واختلطت ثيابنا وجفت على حبل واحد. وأخبرت زوجها وهي تعلق سلة الغسيل على ذراعها أن ذلك من دواعي سرورها. وبما أنهم يعيشون في المدينة، وفي شقة مزدحمة، لم يكن بمقدورها نشر الغسيل في مكان مفتوح كما هو الحال لدينا. وبعد الغداء، رافق الوالد بنتيه إلى الشاطئ وانتظرت الأم وحدها في البيت. وتمددت ودخنت سيجارة وهي تكتب في دفتر ملاحظاتها بشيء من التركيز.وفي يوم ما بعد عودة البنتين من الشاطئ لعبتا حوالي أربع ساعات وحاولتا إلقاء القبض على النطاطات التي تقفز بين الأعشاب. ووضعتا عددا منها في إناء زجاجي مع قطع من البندورة المسروقة من صحن سلطة الوالدين. واستأنستا هذه النطاطات، ومنحتاها أسماء. وفي اليوم التالي ماتت النطاطات، واختنقت في الإناء، وبكت البنتان عليها. وقامتا بدفنها تحت شجرة نخيل وألقتا الزهور البرية على الحفرة. وفي يوم آخر اكتشف الأب أن أحد الصنادل الصيفية التي تركها في الخارج اختفى. قلت له: ربما نشلها الثعلب. فقد كان هناك ثعلب يحوم حولنا. وأخبرت والدي، وكان يعرف عادات ومخابئ كل الحيوانات المحلية. وأمكنه أن يجد الحذاء، مع كرة وكيس تسوق خلفته العائلة السابقة وراءها. وأدركت أن النزلاء أحبوا هذه السهوب الريفية الساكنة والمستقرة، فقد اهتموا بكل التفاصيل، وساعدهم ذلك على شحذ وتنقية أفكارهم، واختيار طريقة للاستجمام والراحة وتوجيه أحلامهم. وحينما قطفت البنتان التوت ولوثت الثوبين الجميلين اللذين تأنقتا بهما، لم تغضب أمهما، وإنما ضحكت، وطلبت من الأب التقاط صورة تذكارية. ثم ألقت بالثوبين في الغسالة.

ولكن سألت نفسي ماذا يعرفون عن العزلة والحصار هنا. وماذا يعرفون عن الأيام التي تكرر نفسها في كوخنا البائس؟. والليالي التي تهب بها الرياح العاتية حتى تبدو الأرض كأنها تهتز، أو حينما يمنعني صوت المطر من النوم؟. والشهور التي تمر ونحن بين التلال، والجياد والحشرات والطيور التي تخفق بأجنحتها فوق الحقول؟. هل سيعجبهم الصمت المريع الذي يخيم علينا طوال فصل الشتاء؟.

وفي إحدى الليالي وصل المزيد من السيارات. فقد دعا الأبوان بعض الأصدقاء مع أولادهم، وكانوا يلعبون حول المرج. وذكر اثنان أن المواصلات القادمة من المدينة قليلة. وقام البالغون بجولة حول البيت، وبنزهة في الحديقة عند المغيب. وكانت الطاولة جاهزة على الشرفة. وكنت أسمع في هذه الليلة كل شيء أثناء الطعام. الضحكات والثرثرة العالية. وروت العائلة كل ما صادفها من مصاعب في الريف: النطاطات التي تقتات بالبندورة، والجنازة تحت شجرة النخيل، وكلب الرعاة. والثعلب الذي أخذ معه الصندل. وقالت الأم إن الحياة في الطبيعة بهذا الشكل يفيد البنتين. وفي اللحظة التاليةجاءت الكعكة ومعها الشموع، وأدركت أنه عيد ميلاد الأب، فقد بلغ خمسة وأربعين عاما. واشترك الجميع بأغنية وقطعوا الكعكة. واشتركت أنا ووالدي بالتهام بعض العنب الناضج. وكنت على وشك تنظيف الطاولة حينما سمعت دقات على الباب. وشاهدت البنتين بأنفاس مقطوعة بسبب السرعة. ثم قدمتا لي طبقا عليه قطعتا كعك: واحدة لي والأخرى للوالد. وغابتا قبل أن أجد الفرصة لشكرهما. تناولنا الكعك بينما النزلاء يتكلمون عن السياسة والنزهات والحياة في المدينة. وسأل أحدهم الأم من أين حصلت على الكعك. قالت من خباز منطقتنا. وأضافت إن أحدا من الزوار الآخرين أحضر الكعك. وذكرت اسم الخباز، والزاوية التي يوجد فيها.

وأفلت والدي شوكته وخفض رأسه. وكانت عيناه مضطربتين حينما نظر لي. ونهض بعصبية وغادر الغرفة ليدخن سيجارة، دون أن ينتبه له أحد.

كنا نعيش في المدينة أيضا. وكان والدي يبيع الزهور في تلك الزاوية. وكانت الوالدة تساعده. وكانا ينفقان أيامهما متجاورين كل منهما على منصة صغيرة وتسر النظر، ويرتبان الباقات التي سيحملها المارة معهم إلى بيوتهم لتزيين الطاولات والشرفات. وباعتبار أنهما غريبان في هذا البلد تعلما أسماء الزهور: الوردة، وعباد الشمس، والقرنفل، والأقحوان. وكانا يحتفظان بسوق الزهور منقوعة بالماء، داخل صف من الدلاء. وفي أحد الليالي ظهر ثلاثة رجال، وكان والدي وحيدا، فقد كانت أمي حاملا بي في ذلك الوقت، وكانت في البيت، لأنه لم يكن يرغب لها أن تعمل ليلا. وكان الوقت متأخرا، وبقية المتاجر في تلك الزاوية كلها مغلقة، وكان الوالد على وشك أن ينصرف. طلب منه أحد الرجال أن ينتظر ويعرض ما لديه من زهور، مدعيا أنه على وشك أن يلتقي مع صديقته بموعد. وأراد باقة رائعة. ووافق والدي على تجهيز باقة له، مع أن الرجال كانوا فظين، وثملين قليلا. وحينما قدم له والدي الباقة قال الرجل إنها رديئة وطلب منه باقة أكبر. أضاف لها الوالد عددا كبيرا من الزهور حتى شعر الرجل بالرضا. ولف الباقة بالورق، ثم ربطها بشريط ملون، وأحكم العقدة. وطلب منه ثمنها. أخرج الرجل بعض النقود من محفظته، ولكنها كانت قليلة. وعندما رفض الوالد تسليم الباقة قال له الرجل إنه أحمق، حتى أنه لا يعرف كيف يرتب باقة جميلة لفتاة جميلة. ثم بدأ يضربه هو وزميلاه حتى غص فم والدي بالدم، وتكسرت أسنانه الأمامية. واستغاث والدي بصوت مرتفع، ولكن في تلك الساعة لم يسمعه أحد. وطلب منه الرجال أن يعود أدراجه إلى بلده من حيث أتى، وأخذوا الباقة وتركوه ملقى على الأرض. وتوجه والدي إلى غرفة الإسعاف، ولم يكن بمقدوره تناول الطعام لحوالي سنة كاملة. وبعد ولادتي، وحينما شاهدني لأول مرة، لم يتمكن من نطق حرف واحد. ومنذئذ، يكافح ليستعيد نطقه. كان يتلعثم بالكلمات، كما لو أنه رجل عجوز. وكان يخجل من أن يبتسم، بسبب أسنانه المفقودة. وكنت أنا والوالدة نقدر وضعه، ولكن لم يقدر حالته الآخرون. فقد اعتقدوا أنه لا يحسن اللغة باعتبار أنه أجنبي. وأحيانا يعتقدون أنه أبكم. وعندما كبرت أشجار التفاح الأحمر والأجاص في الحديقة ونضجت، بدأنا نقطعها لشرائح رقيقة، وشفافة تقريبا، لنتمكن من الاحتفاظ بها. وقد أخبره أحد مواطنيه عن عملنا الحالي وعن مكانه المقرر. ولكنه لم يكن خبيرا بالأرياف: فقد عاش كل حياته في المدن. إنما كان بمقدوره أن يعيش ويعمل هنا دون أن يضطر لفتح فمه. كذلك لا يوجد خشية من هجوم محتمل. وفضل الحياة بين الحيوانات والاعتناء بالأرض. واعتاد على هذه المنطقة البرية التي تقدم له الحماية. وعندما يتكلم معي، وهو يقودني للمدرسة، يكرر الموضوع نفسه: إنه لم يسعه أن يحقق أي شيء في حياته. وكل ما يريده مني أن أتعلم وأنتهي من الدراسة، ثم أسافر بعيدا عن هنا.

في اليوم التالي، في وقت متأخر من الصباح، بدأ الوالد بتحميل السيارة. وشاهدت النزلاء الأربعة بجلود مدبوغة من الشمس ومتلاصقين. ولم يكونوا قد استعدوا للمغادرة. وأثناء الفطور قالوا إنهم يودون العودة إلينا في العام القادم. وتقريبا كل النزلاء يقولون الشيء ذاته قبل أن ينصرفوا. والقليل منهم من يصدق، ولكن معظمهم يكتفي بمرة واحدة. وقبل أن يغادروا، عرضت الوالدة علي الأشياء المودعة في الثلاجة والتي لا تريد إعادتها معها إلى المدينة. وأخبرتني أنها أصبحت متيمة بهذا البيت. وأنها ستحن إليه. ولكن ربما حينما تضغط عليها أعصابها ويغمرها العمل بالتعب ستفكر بهذا المكان: الهواء العليل، والتلال، والغيوم المتوهجة عند الغروب.

تمنيت للعائلة رحلة آمنة وودعتهم. ووقفت هناك أنتظر حتى غابت السيارة عن بصري. ثم شرعت بتجهيز البيت لعائلة جديدة من المفترض أن تصل في الغد. رتبت الأسرة. ووضبت الغرفة التي عبثت بها البنتان. وكنست الذباب الذي تلقى ضرباتهما. وكانوا قد نسوا، أو تركوا عمدا، أشياء لا يحتاجون لها، وأنا أحتفظ بها حتى الآن. صور رسمتها البنتان، ومحارات التقطتاها من الشاطئ، وآخر قطرة من دهن الاغتسال المعطر. وقائمة التسوق التي كتبتها الأم بخط باهت وحروف ناعمة، على ورق أكتب عليه كل شيء عنا.

***

 

..............................

جومبا لاهيري Jhumpa Lahiri : كاتبة أمريكية تكتب باللغة الإيطالية والإنكليزية. حازت على البوليتزر بأول مجموعة قصص لها وهي بعنوان “مفسر الآلام”. لها أيضا رواية “تشابه الأسماء” ، “الأرض الملعونة”، “المنخفضات”، وغيرها....

 

احمد الزاهر الكحلقصيدة للشاعر الصديق إملوان

ترجمة: أحمد الزاهر لكحل 

يخيم ليل مقيت أجدل


 يلف مدينتي الثكلى...

بذراعيه الأخطبوطيتين..

على جنبات مدينتي ينتشر

ذباب غريب، متلفعا جبة وعمامة

 يسف البهي والاجمل،

يئد الحلم في رحم الغمامة،

يتكلس الليل الكريه..

لكن تنقره ريح عصيه،

 مترقبا ومتلهفا

أركن إلى مشارف أبواب...

متأكلة مهترئة..

تحرسها صراصير الازمنة الغابرة،

 فأسخر من مرافئ الغياب..

أتحسر على ماضي الماسوخي،

جلدته الأيام العاتيه،

ومراكب هجرتها مجاذيف

 أعجاز أمان خاوية،

 في مدينتي لا تسمع إلا أراجيف..

الفئران وقهقهات الجنادب..

أين هي إذن أحلامي،

 التي وعدني بها القدر ذات لقاء،

 حينما تحدثنا عن أسرار الفرح و الخراب؟

 لا شيء يجيء إلي ليبعث في اليقين،

 سوى صدى بوم جرباء تلوك الخواء،

 وفحيح فراغ يفترس ذنبه،

في قاع وطن آسن،

 كيف لي يا صاحبي..

أن أعانق البهاء..

في كل هذا الحطام والهباء؟

***

Grito de un alma”

Poema de: Seddik Imalouane

Traducción al español: Ahmed Zahir Lakhal

 

Una horrible y densa oscuridad 

envuelve mi desconsolada ciudad

con sus brazos de pulpo.

En las afueras de mi ciudad se están extendiendo

moscas extrañas, llevando faldas y turbantes,

sorbiendo  lo más bello,

sofocando el sueño en el vientre de la nube,

La noche odiosa calcifica,

Pero, el fuerte viento lo picotea

con mucha inquietud y ansiedad…

Refugio a  unas puertas

desgastadas,

custodiadas por cucarachas de antaño,

 Me burlo de los puertos de la ausencia.

Me arrepiento de mi pasado masoquista,

desollado por los viejos tiempos,

y pateras abandonadas por los  remos de

 racimos de seguridad vacíos.

 En mi ciudad, solo puedes escuchar tonterías

de ratones y carcajadas de saltamontes.

Entonces, ¿Dónde están mis sueños

 que el destino me había prometido en algún encuentro

 cuando hablamos de los secretos de la alegría y la desolación?

 Nada me viene a darme certeza

 salvo el ululato de un mochuelo sarnoso que está masticando nada,

 y el silbido del vacío que está devorando su cola,

 al fondo de una patria estancada.

 Amigo: ¿Cómo puedo abrazar la belleza

con todos estos escombros y desechos?