عادل صالح الزبيديبقلم: جوزيف سيمون كوتر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

وماذا ستقول انت؟

تعال يا أخي!

دعنا نمثل أمام ربنا.

وحين نقف بين يديه

سوف أقول—

"الهي، انني لا اكره،

هم يكرهونني.

انني لا اجلد احدا،

هم يجلدونني.

انني لا اطمع بأية أرض،

هم يطمعون بأرضي.

انني لا ازدري اي شعب،

هم يزدرون شعبي."

وانت يا أخي، ماذا ستقول؟

***

...................

2649 جوزيف سيمون كوتر* جوزيف سيمون كوتر: (1861-1949) شاعر ومؤلف مسرحي اميركي من اصول مختلطة وصف بكونه اول شاعر اميركي افريقي ذا موهبة حقيقية ومن اوائل كتاب المسرح الملونين الذين نشرت اعمالهم. لم يتلق تعليما حقيقيا الا في عمر 22 عاما ليصبح بعد ذلك معلما وداعية لتعليم السود في اميركا. له اربع مجموعات شعرية هي: (سجعة) 1895؛ (روابط الصداقة) 1898؛ (اغنية بيضاء وواحدة سوداء) 1909؛ و(الأعمال الكاملة) 1938.

 

 

بقلم: بابلو نيرودا

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي - تونس


لقد حدث في ذلك العمر..

جاءَ الشعرُ يَطْلُبني. لا أعرف، لا أعرف من أين

انبجسَ، من الشّتاءِ أم من النّهرِ.

لا أعرف كيفَ، ولا مَتَى

لَا، لمْ تكن أصواتا ولم تكن

كلماتٍ، ولا الصّمت:

لشارعٍ، كان يناديني،

لأغصانِ اللّيلِ،

فجأةَ من بين الآخرين،

ومن بين النّيرانِ الوهّاجةِ

أو في العَوْدِ وَحيدًا،

بلا مَلامحَ، كانَ هناكَ

كان يَلْمَسُنِي.

لا أعرف ما أقول، ولا يعرفُ فمِي

التّسميةَ،

وعينايَ لا تُبصران،

وشيءٌ ما َيتخبّط في نفسِي،

حُمَّى أو أجنحةً تائهة،ً

أصنعُ نفسي ببطءٍ،

أفكُّ رمزَ

هذه الحُرقة،

وأكتب أ وّلَ سطرٍ مُبْهمٍ،

غامضٍ، بلا جسدٍ، مَحْض

غباوةٍ،

معرفةٍ خالصةٍ

بذاك الذي لا يَعرفُ شيئا

ثمّ رأيت فجأة

السّماء

مُفْتَصَّةَ

ومفتوحة،َ

كواكبَ،

مزارعَ تهتزّ،ُ

والظلُّ مَثْقُوبٌ، مثقلٌ

بالسّهامِ، بالنارِ والأزهارِ،

والليلُ يسيرُ ويلتهمُ، الكونَ.

وأنا مخلوق صغير،

قد جعلني الفراغُ الكبيرُ

رماديَّا

مزركشا بالنجوم

على غرارِ، على صورةِ

الّلغز،

أحسُّ نفسي جزءا خالصًا

من الهاوية،

أسيرُ مع النجومِ،

وقلبيَ يَنْحَلُّ مع الرّيح.

ذكرى الجزيرة السوداء.

***

 

بهجت عباسللشاعر الأميركي روبرت لي فروست (1874 – 1963)

ترجمة: بهجت عباس


طريقان تشعبّا في غابةٍ صفراءَ شاحبةٍ،

وأنا، وا أسفاه،  لم أستطع سلوكَهما معاً،

و كمسافر وحيد

وقفت طويلاً، أنظر إلى أحدهما إلى أبعدَ

ما استطعتُ لأعرفَ أين تعرّج في الأدغال ؛

 

وسلكتُ الآخرَ، كان واضحاً تماماً،

ولربّما كان أفضلَ مسلكاً،

حيث كان العشبُ أخضرَ ومحتفظاً بحيويّـته؛

ولو أنّ الأوّلَ كان مثـلَـه أيضاً

ولكنَّ السَّيـرَ عليهما أنهكهمـا معاً.

 

وكلاهما غُطِّيَ بأوراقٍ على حدّ سواء

ذاك الصباح، حيث لا خطوةٌ وطأتهما .

آه! أبقيتُ الأول ليوم آخَرَ !

عارفاً كيف يؤدّي طريق إلى طريق

شككت فيما لو عدتُ ُمرّة أخرى.

 

سوف أتحدّث بلهفة عن هذا هنا

في مكان ما وفي مرحلة من العمر:

طريقان تشعّبا في غابة، وأنا —

اتّخذتُ الطريقَ الذي لم يُسلَـكْ إلاّ قليلاً،

وهذا مـا صنع كلّ هذا الاختلاف .

***

........................

* يعني الشاعر هنا أن الطريق يمثّل الاختيار في الحياة، والاختيار واحد، فعلى الإنسان أن يختار الطريق الصحيح الذي يعرف أين يؤدّي به، ومن هنا عليه التفكير ملياً في الاختيار. يأخذ الشاعر الطريق الثاني الذي يشعر أنه طريق حيوي ومُـغـرٍ وأنَّ سالكيه ليسوا بكُـثـرٍ، ولكنّ هذا الطريق أخذه إلى سلسلة من طُرقٍ آخـريات . ومع هذا يفكر باتخاذ الطريق الأول في وقت آخر، ولكنه لا يستطع الرجوع إلى الوراء . فما اتخذ من قرار أصبح لصيقاً به، ولكنه سيخبر الآخرين عندما يتقدم في العمر عن تصميمه لاتخاذ ذلك الطريق بتنهدات لا يُعرَفُ إنْ كانتْ عن ارتياح أمْ حسراتٍ .

القصيدة في فيديو

https://twitter.com/drbugnah/status/1326991600921276416

...........................

 

The Road Not Taken,

by Robert Lee Frost

Two roads diverged in a yellow wood,

And sorry I could not travel both

And be one traveler, long I stood

And looked down one as far as I could

To where it bent in the undergrowth;

 

Then took the other, as just as fair

And having perhaps the better claim,

Because it was grassy and wanted wear;

Though as for that, the passing there

Had worn them really about the same,

 

And both that morning equally lay

In leaves no step had trodden black

Oh, I kept the first for another day!

Yet knowing how way leads on to way,

I doubted if I should ever come back.

 

I shall be telling this with a sigh

Somewhere ages and ages hence:

Two roads diverged in a wood, and I --

I took the one less traveled by,

And that has made all the difference.

 

 

 

2645 Main Yiyun Liبقلم: يي يون لي

ترجمة: صالح الرزوق


 

لاحظ الرجل الفتاة، أولا، وهي تتحرك بحذر من أمام متجر إلى الذي يليه، دون أن تأخذ ولو نظرة واحدة من نوافذ المعروضات. كانت ترتدي ثوبا أبيض، هو أقرب لمئزر، عليه نقوش نباتات وردية وبنفسجية، وذراعاها وكاحلاها الظاهران يضفيان عليها مظهرا بريئا يناسب صغار السن. كانت نحيلة وناعمة. وراقبها الرجل وهي تتخطى مقعده على الرصيف فوقف مباشرة. قال في ذهنه: أنت تذكرينني بزوجتي حينما كانت بعمرك. وارتطمت عصاه بحقيبتين على الأرض، تعودان لطالبين من الجامعة كانا بجواره على المقعد. نظرا إليه دون رضا قبل متابعة حوارهما الودي، وكانت شفتا الصبي تمسان صيوان أذن الفتاة. وحينما احتل المقعد المجاور لهما قبل دقائق، أبديا استياءهما من تطفله. لكنه لم يفكر بالمغادرة، فلديه كل الحق بالمقعد مثل هذين الشابين.

قال للفتاة الصغيرة: أنت تذكرينني بزوجتي حينما كانت بعمرك. وهذه ليست أول مرة يدخل بها في كلام مع امرأة صغيرة مثلها. ولكنه كان يعنيها تماما أكثر من المرات السابقة. فالطريقة التي ناورت بها في هذا الوقت المتأخر من المساء على طول الشارع - متنبهة، كما لو أنها تعتقد أنه يمكن لأي إنسان أو أي شيء أن يدهسها دون حتى أن ينتبه أنها موجودة -  وهكذا تذكر زوجته ليس وهي بعمر امرأة شابة حينما لاقاها لأول مرة ولكن أيضا وهي امرأة مسنة بعد مرور عدة سنوات قليلة على قرانهما. فقد كان يستغلها الأغراب  ويتخطون دورها بالطابور، وكان الزملاء يحصلون على ترقية هي من نصيبها أساسا، ثم تبع ذلك ثلاث إجهاضات، وورم في الكبد.

أضاف الرجل يقول: لكنها توفيت في النهاية قبل ستة شهور. ولم يكن لدينا أولاد.

نظرت البنت للرجل المسن، لم تقتنع أنه أرمل يغلبه الحزن. فهذه ليست أول مرة تتعرف فيها على رجال مسنين يدعون أنها تذكرهم بزوجات ميتات وبالحب الأول. لم تكن جافة مع أحد. حتى مع أستاذ الفيزياء الذي يقتنص كل الفرص الممكنة لملامسة أذرع وظهور طالباته، لم تطرف جفناها وتجفل كالبقيات. فاحتكاكات يديه لم تلحق بها الضرر، ولم تفاقم من معاناتها.

قال الرجل: هل جربت شاي الأقحوان؟. وأشار لما تعرضه نافذة الصيدلية حيث وقفت الفتاة. اعتادت زوجتي أن تقول إنه يعين على التخلص من السموم من نظام أي إنسان. تنهدت الفتاة بصوت ملحوظ. ستعلم كل صغيرة وكبيرة عن زوجته إن لم توقفه عند حده. وهي لا تعترض على إخبارها بذلك أو على مقارنتها بامرأة ميتة، ولكن عليها أن تعتني بحبيبها في هذه الأمسية بالذات. أومأت للرجل وتوجهت لباب الصيدلية، متمنية أن يغادر ويهتم بغيرها من بنات الشارع.

لكن الرجل تبعها إلى المتجر. كانت أضواء النيون تضيء المكان من السقف ومن تحت زجاج طاولات البيع. كانت هناك امرأتان بأواسط العمر، إحداهما تجلس وراء صندوق النقود والأخرى وراء منصة المعروضات بالجهة المقابلة من المتجر، وكانتا تتبادلان المعلومات عن عادات زوجيهما السيئة، وهما تشجعان وتوافقان بعضهما البعض كما لو أنهما تلعبان لعبة بينغ بونغ ألسنية. وكانت زبونة أخرى تصغي وتتأمل زوجا من الأقراط، لكنها انصرفت دون أن تشتري. وفكر الرجل بذهنه: يا لها من أمسية أخرى طويلة.

انتقلت الفتاة من طاولة لطاولة، وأبدت الاهتمام ببضائع مختلفة. لم تكن تعرف كيف توقف الرجل عن متابعتها، فهو لديه الحق بالوقوف في نفس المتجر الذي دخلت إليه، ولكن سريعا سيحل الليل وستغلق المرأة المخزن دون أن تسألها عن احتياجاتها. نظرت الفتاة للساعة المعلقة على الجدار ودب الذعر في قلبها. كل شيء كما خططت له، فالصيدلية ستفرغ من العيون المتلصصة في آخر عشر دقائق قبل الإغلاق وستتجنب الإحراج. ولم تشاهد توتر الرجل الوحيد.

قال الرجل للفتاة: هناك منصة لبيع الوانتون (*حساء خضار وسمك) على الرصيف المقابل وسأشتري لك طبقا منه. لا بد أن زوجته تحب حساء وانتون، وربما هي تجيد طهوه لأجله. فكرت الفتاة أنها كبرت بالعمر. ولم يتبق لديها عزاء تتمسك به. كانت بعمر اثنتين وعشرين سنة ووجدت أنه من الصعب عليها أن تتأقلم مع الأشياء التافهة المتوفرة في حياتها. في آخر عامين شاهدت أحداثا جسيمة لم تحسن الاستعداد لها، مثل الاحتجاجات التي تسببت بسيول من الدماء،ثم الاعتقال والتحقيق. ولا يمكن النظر لهذه المأساة على أنها حادث مؤسف شخصي ما لم تكن حينها متورطة بغرام شاب أبدى بطولة فائقة خلال الاضطرابات- ولم تكن وحدها من أعجب بجسارته أمام كاميرات الصحافيين الغربيين، ولكن بعد سنتين هي الوحيدة التي زارت شقة أبويه وشاركته السهر كل ليلة. لكن عليك أن لا ترفعي من سقف آمالك، هكذا قالت لها منذ البداية، غير أن الفتاة لم تكن مقتنعة أن التحقيق يمكنه إلحاق الهزيمة بروحه التي شاهدتها في الساحة. وقد ذهبت إلى منزل أبويه وتوسلت لهما أن يسمحا لها برؤيته. وأخيرا قبلوا وجودها بينهم. وأخبراها أن هذا الابن، المتهم رسميا بالجنون، لن يسمح له بالحصول على إذن للزواج.

ردت وأخبرت والديها أيضا: الزواج لمن لا يزال مؤمنا بالضرورة. وذهبت لتجالس الولد وتصغي لمونولوجاته الطويلة عن التاريخ والفلسفة وأذى الكائن البشري. ولاحظت تكرارا في ذلك لكنها لم تنبهه، ولم تسأله ماذا يرى في حضورها بجانبه في غرفة نومه. ربما اندمجت مع الأثاث، ولكن قطعة أثاث جيد قد تنقذ حياة إنسان من الهلاك بمعجزة. لمس وجهها وذراعيها أحيانا، بذهن شارد، كما لو أنه إنسان يفكر ويربت على هرة. وقد تركت لطافة يديه لديها الأمل بشفائه. عموما هو لم يكن يلقى المعاملة اللائقة خلال شهرين في المعتقل.  

قال الرجل المسن باندفاع غير مقصود: أدعوك لطبق حساء وانتون فقط. فقد أخجله رفض الفتاة الهادئ لعرضه. كانت زوجته تبتسم وتشكره لأنها تعلم أن الدعوة بلا نوايا خبيثة. وإذا كانت غير جاهزة لمشاركته، ترد بعذر قوي عوضا عن أن تتركه يقف وسط الشارع مثل أحمق. قال للفتاة: العالم ليس شريرا كما تحسبين. النساء اليافعات في هذه الأيام تعاملنه كأنه مسن وعديم المشاعر على شاكلة شجرة أوشكت على الهلاك. ولكنه لم يكن يحتمل أن يرى هذه الفتاة، الذي ذكرته بزوجته الراحلة للعالم الآخر، وكأنها مثل البقية. 

نظرت البنت للرجل. لم تضطرب من تصرفه المفاجئ. إنما لم يكن عليها أن تكون مسؤولة عن مشاعره، في نهاية المطاف، حتى لو أنه لم يخترع خبر زوجته.

اقتربت الفتاة من آلة النقود، وهناك وجدت في علبة زجاجية مغلقة أكياسا من الواقيات الذكرية. نظرت البنت  للصور المطبوعة على الأكياس والتي تمثل أجانب من الذكور والإناث وكانوا بشعر أشقر ونصف عراة. قالت: أريد واحدة من هذه يا رفيقة. وتمنت لو أنها لاحظت الرعشة التي انتابت صوتها.

قالت المرأة الواقفة خلف آلة النقود: هذه؟ نحن لا نبيع هنا “هذه”.

قالت البنت: أقصد الواقيات الذكرية.

أيها؟.

تلك الحزمة الوردية.

قالت المرأة: أي مقاس؟. فهي تأتي بثلاث مقاسات.

وضحكت المرأة الأخرى بصوت مسموع ملأ كل المتجر.

قالت البنت: المتوسط.

هل أنت متأكدة؟.

راقب الرجل بخجل وجه البنت ورقبتها المحروقة. وفكر: يا لها من امرأة صغيرة، وليس لديها ما يكفي من الخبرة لتعلم أن كل المتزوجين الذين لديهم عمل لائق يتلقون واقيات ذكرية شهريا ويوزعها مسؤول تحديد النسل في مقرات العمل. وتمنى لو تتحلى المرأتان باللياقة ولا تبيعان الواقيات الذكرية للبنت، وأراد أن ينبه بضرورة طلب وثيقة زواجها، ولكن قبل أن يفتح فمه، طلبت المرأة منها السعر المسجل ثم ألقت بالحزمة لها. فانزلقت على زجاج الطاولة ثم سقطت على الأرض.

قال الرجل: أيتها الشابة. هل تعلمين ماذا تفعلين بالضبط؟.

لاحظت الفتاة الرجل وهو يدوس بقدمه على صورة الزوجين العاريين. وقالت: من فضلك يا سيدي. لقد دفعت لقاء ذلك. وهي لي.

وفكر الرجل: إنها ليست مثل زوجتي. وتذكر أنه نفدت في أحد الشهور حصته من الواقيات الذكرية التي تلقاها من العمل، وتوسل لزوجته أن تطلب المزيد من ضابط تحديد النسل في وظيفتها، ولكنها صاحت قائلة إنها تفضل أن تموت على أن تطلبها من رجل. وفكر الرجل: وهو الآن مستعد للموت ليستعيدها مجددا، ولكن ما الفائدة من التمني؟. فالعناية الإلهية تركته بعدها، لأنه لو مات قبلها سيخدعها يوميا أناس من نوع النسوة الواقفات خلف طاولة البيع هنا.

قالت الفتاة: من فضلك الوقت تأخر.

لو أنها شخص آخر لاستعملت صوتا آمرا وطالبت الرجل بإعادة ما لها بقوة القانون، ولالتفتت للمرأتين الاثنتين، اللتين تستمتعان بالمشهد الذي ختم نهاية النوبة اليوم، ونبهتهن أن لا تتباهين بأنفسهن، لأنهن، في النهاية، مسنات ومتعبات وليس فيهن ما يثير الرغبة. والمرأتان ستصبان اللعنة على طيشها، وربما تحاولان التخلص منها دون أي اهتمام بكلماتها اللاسعة، وستمضيان بقية يومهما حانقتين ولن تتمكنا من هضم وجبة اليوم، وسيتحول الطعام إلى صخرة في معدتيهما حيث استقرت كلماتها السامة، وستنصرف بمتعة الانتصار، ولكن الحقيقة إنها ليست كذلك. إنها بنت جاءت لتشتري الواقيات الذكرية لأنها خططت أن تهب نفسها للصبي الذي تحبه. ومع أنها من النوع الذي لا يغشه كلام الأولاد، ومقتنعة أن حبها سيحميها ويغير من طباع حبيبها.

أبعد الكهل قدمه. كان بإمكانه أن يتابع إحراج البنت لكنه متعب. وربما من الأفضل أنه لم ينجب الأولاد. لا بد أن ينفطر قلب زوجته لو أن ابنتهما كانت مثل هذه التي أمامه.

انحنت البنت لتلتقط الواقيات الذكرية، وخطفت العلبة بقبضتها. في أحد الأيام حينما تتقدم بالعمر، ستعرض العلبة الزهرية أمام أولادها، فهي تذكار من أيام الصبا والتفاؤل. ولاحظت رعشة يدي الرجل المسن، كان على مبعدة ذراع فقط عنها، وانتبهت أن المرأتين تراقبان المشهد بسخرية، من مكانهما وراء طاولة المبيع. وتساءلت هل تفهمان مغزى الحب، وهل تقعان بالغرام رغم لأنه يفتك بالبشر.

***

........................

يي يون لي Yiyun Li - كاتبة صينية من بكين. تلقت تعليمها في ورشة الكتابة في أيوا. وحازت على جائزة فرانك أوكونور للقصة وجائزة همنغواي / فوكنر. وتعمل بالتدريس في جامعة كاليفورنيا - دافيز. من أهم مؤلفاتها رواية “ألف عام من الصلوات الخاشعة”. ورواية “المتشردون”. 

 

 

2642 أَي. دِي. هوببقلم: أَي. دِي. هوب

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


نقش مؤيد لحرب

"ايها الغريب اذهب واخبر الاسبارطيين

اننا متنا هنا طاعة لأوامرهم."

نقش وجد في موقع معركة ثرموبيلي

 

لا تتأخر ايها الغريب؛ لا تذرف دمعة؛

عد الى اولئك الذين ارسلونا الى هنا.

 

نحن الشباب الذين اختارونا

لحروب سببتها حماقاتهم.

 

اذهب وقل لأولئك الشيوخ

اننا اطعنا اوامرهم ومتنا.

***

...............

أَي. دِي. هوب (1907-2000) شاعر وناقد استرالي من مواليد نيو ساوث ويلز، تلقى تعليمه في جامعة سدني بأستراليا وجامعة اكسفورد البريطانية. نشر اول مجموعة شعرية له في عام 1955 تحت عنوان (جزر جوالة). نال شعر هوب جوائز عديدة ويعد واحدا من ابرز شعراء استراليا.

 

2637 crichtonبقلم: إيان كريشتون سميث

ترجمة: صالح الرزوق


كانت الساعة العاشرة ليلا والسيد بينغهام مشغول بالكلام مع المرآة. قال:”سيداتي وسادتي”. ثم  توقف، نظف حنجرته، قبل أن يتابع قائلا:”المدراء والزملاء. مرت أربعون عاما منذ أن دخلت مهنة التدريس - هل هذا ينفع ليكون بداية مناسبة يا عزيزتي؟”.

ردت زوجته  لورنا:”بداية جيدة يا عزيزي”.

قال زوجها بقلق واضح:”هل تعتقدين أن إضافة بعض الطرائف تحسنها. حينما تقاعد السيد كوري تلقوا كلمته باستحسان لأنه ضمنها بعض النكات والفكاهات. أنا سألقي كلمتي في إحدى حجرات قسم العلوم المحلية وسيشربون الشاي ويتناولون الفطائر. وسيكون ذلك بعد نهاية الحصص”.

قالت زوجته:”قليل من الفكاهات لا يضر. إنما أفضل أن يكون الاجاه العام جديا”.

رفع السيد بينغهام كتفيه. وجهز نفسه لمواجهة المرآة. وفي تلك اللحظة قرع جرس الباب.

قالت بتحسس:”من تراه يكون في هذا الوقت من الليل؟”.

“لا أعلم يا عزيزتي، هل أرد؟”.

“إن سمحت يا غاليتي”.

وضعت زوجته بأناة ما في يدها من حياكة وتوجهت للباب. وسمع السيد بينغهام صوت همهمة وبعد لحظات عادت زوجته لغرفة المعيشة مع رجل ربما يبلغ الخامسة والأربعين من عمره أو ما يقارب ذلك وله وجه مسكون بالشحوب، ولكن بدا عليه أنه متحمس وجاهز ومتنبه قليلا.

قال للسيد بينغهام:”أنت لا تعرفني. لكن اسمي هيني. وأعمل بالإعلان. وأكتب القليل من الطقطوقات مثل هذه:

حينما تغلب الكآبة على كلبك

قدم له دالتون. فهو الأفضل.

وكنت أحضر حصصك في فترة 1944 - 1945. وسمعت أنك تقاعدت وأتيت لأقدم لك المساعدة”.

قال السيد بينغهام وهو يبتعد عن المرآة:”آه؟”.

قالت زوجته:”أليس هذا شيئا طيبا من السيد هيني؟”.

وأضافت:”تفضل بالجلوس”. واحتل السيد هيني مقعده، وهو يجر بحرص ساقي بنطاله كي لا يتلفهما. ثم قال للسيد بينغهام:”شاهدتك مالكة البيت الذي أسكن فيه في البلدة. ولفترة طويلة اعتقدت أنك مزارع. لا بد أنها مخطئة باعتقادها. ربما بسبب وجهك المعافى والأحمر. أخبرتها أنك كنت أستاذي في اللغة الإنكليزية لعام كامل. والآن أنا في مجال الإعلانات. من أفضل الإعلانات المقفاة التي كتبتها ما يلي :

وجبة الكلاب دالتون تجعل كلبك

مطيعا ومرحا.

ولك الفضل فأنت من علمني تينيسون وبوب. وأتذكر كليهما بشكل جيد”.

قال السيد بينغهام:”الحقيقة أنني لا أتذكرك. لنقل لا شيء عندي ضدك شخصيا. الألوف من الأشخاص مروا من تحت يدي. وبعضهم يزورني بين حين وآخر. هل هذا صحيح يا عزيزتي؟”.

قالت السيدة بينغهام:”نعم. هذا يحصل دائما”.

قال السيد بينغهام:”ربما يمكنك تحضير كوب من القهوة يا عزيزتي”.

وعندما نهضت زوجته وذهبت إلى المطبخ، مال السيد هيني للأمام كثيرا وقال:”أتذكر أنه كان لك ولد. أين هو الآن؟”.

قال السيد بينغهام باعتزاز:”هو في إدارة التعليم. لقد أفلح بحياته”.

قال السيد هيني:”حينما كنت أحضر دروسك كنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة. وكانت مجموعة من الأولاد تسخر مني. لا أذكر إن أخبرتك سابقا أنني يهودي. أحد الأولاد كان اسمه كولين. أطول مني وشعره أقل سوادا”.

قال السيد بينغهام بحنق:”لا تحاول أن تلقي باللوم ضمنا على ابني. كان اسمه كولين لكنه لا يرتكب مثل هذه الحماقات. ولا يستعمل عضلاته ضد أحد”.

قال السيد هيني بدماثة:”حسنا. مر على ذلك وقت طويل. وبكل حال الماضي مر وانتهى. وللأسف الحاضر لا يسر ولا يبهج بنفس المقدار. كان كولين زعيم حلقة من الأولاد. وله عينان زرقاوان. في تلك الأيام كنت أعاني من تأتأة تزداد في وقت الشدة العصبية. آه. ها هي السيدة بينغهام ومعها القهوة. شكرا يا مدام”.

قال السيد بينغهام لزوجته:”أخبرني السيد هيني أنه حين كان في المدرسة تعرض له ولد اسمه كولين وبشعر أشقر”.

قال السيد هيني: “صحيح. ولكن كما قلت مضى على ذلك زمن طويل ومن الأفضل نسيانه. كنت صغيرا وضعيفا وأرتدي النظارة. أعتقد يا سيدة بينغهام أنك كنت تعلمين في تلك المدرسة يومذاك”.

قالت السيدة بينغهام:”سكر؟. نعم. كانت سنوات حرب ومعظم الرجال مشغولون. قمت بتدريس اللاتينية. لكن زوجي كان مختلفا”.

قال السيد هيني:”أمو. أماس. أمات. (*أحب. تحب. يحب). أتذكر أنني كنت أحضر حصتك أيضا”. وأضاف وهو يحرك القهوة دون تركيز:”لم أكن ولدا يلفت الانتباه. وربما لن تتذكريني. ولكن أتذكر القصيدة البليغة لبوب التي أثرت علي أيما تأثير. وهكذا يا سيد بينغهام حينما سمعت أنك تقاعدت أتيت بأسرع ما يمكن أن تحملني ساقاي دون تأخير. أنا متأكد أنك أبليت بمهنتك. وأنا اخترت مهنة مناسبة. وأنت يا سيدي دون أن تعلم وجهتني الوجهة الصحيحة للقيام بمهنتي”.

استرق السيد بينغهام نظرة اعتزاز من زوجته.

وقال السيد هيني:”أتذكر الحادثة عينها جيدا. وعليك أن تتذكر أنني كنت صبيا صغيرا ووحيدا ولست جيدا باللعب. فالوقوف بالعصا لا يعني أنك لاعب كريكيت. لم أكن مناسبا للعصا والكرة أبدا. وفوق ذلك كان الأولاد الكبار يحاصرونني ويضربونني كل صباح في غرفة المرجل قبل بداية الحصص. وكانت غرفة المرجل حارة جدا. كنت موهوبا قليلا في تلك الأيام. بالتأكيد ليس كثيرا. فقط القليل من الموهبة الشعرية. كتبت الشعر ولكن بشكل عام احتفظت به لنفسي.  وفي إحدى الأمسيات أذكر أنني أحضرت كتاباتي لأعرضها عليك يا سيد بينغهام. ولا أعلم إن كنت تذكر تلك الحادثة الصغيرة يا سيدي”.

قال السيد بينغهام:”كلا. لا يمكنني أن أقول إنني أتذكر”.

“كنت معجبا بك يا سيدي. فأنت رجل متحمس للشعر جدا ولا سيما تينيسون. ولذلك عرضت عليك أشعاري. لا زلت أذكر تلك الأمسية جيدا. كانت تمطر بغزارة وكانت الغرفة حقا كئيبة وطلبت من أحد الصبيان  أن يشعل النور. وأنت قلت: لنلق بعض الضوء على الموضوع يا هيوز. بوسعي تذكر هيوز بوضوح بمقدار ما يمكنني تذكر طرفاتك وتعليقاتك. وفي كل حال أشعل هيوز الضوء وكان يوما غائما، فالوقت ليس أيار لكن كانون الأول. والشمس الضعيفة بلون الجمر معلقة في السماء. وقرأت واحدة من قصائدي. وكما قلت لا يمكنني تذكرها الآن لكنها لم تكن موزونة. وقلت إنك ستبين لي الفرق بين الشعر الجيد والشعر السيء، بمقارنة تجربتي البسيطة مع شعر تينيسون الذي هو غالبا مقفى. وعندما غادرت الغرفة كنت محاطا بمجموعة من الأولاد يقودهم صبي أشقر بعينين زرقاوين يدعى كولين. والغاية من هذه الحكاية أنني اخترت مجال الدعاية والإعلان وقادني ذلك لتنمية قافيتي. لقد كانت إلهاما بالنسبة لي. إلهام من الله مباشرة. وأنه يجب أن أتقن القافية كما نصحتني. وهكذا ترى يا سيدي أنك مسؤول عن هذه المهنة التي أفلحت بها”.

 قال السيد بينغهام بسخط:”أنا لا أصدق كلامك يا سيدي”.

“ماذا لا تصدق يا سيدي”.

“ذلك لم يحصل مطلقا. ولا يمكنني تذكر أي شيء منه”.

رد ببساطة:“السيدة غروس مالكة العقار الذي أقطن فيه من شاهد الفقرة التي تخصك في الجريدة. وأخبرتها أنني يجب أن أتصل بك مباشرة. وإذا اعتقدت أنك مزارع فأنا مختلف معها. وأخبرتها أن ذلك الرجل لا يعرف أي شيء عن الأثر الذي تركه في طلابه. ولهذا السبب أنا هنا”.

ثم أضاف:”والآن كلمني عن ابنك يا سيدي. هل تزوج؟”.

“كولين؟”.

“هو بعينه يا سيدي”.

“نعم هو متزوج. لماذا تريد أن تعرف؟”.

“لا يوجد سبب يا سيدي. آه. شاهدت صورة على الخزانة بالألوان. وهي صورة لعريس وعروسه.

كيف لا نحيي تألق العروس

وبجانبها زوجها الطيب البشوش؟.

ما رأيك بهذه القافية. لا يوجد شيء أفضل من الزواج كي يستقر الرجل؟. مع ذلك يا إلهي أنا شخصيا لم أتزوج. أعتقد أنني لا أمتلك الثقة بالنفس لبناء مؤسسة هامة من هذا النوع. ومن فضلك. هل يمكنني أن أعرف اسم السيدة سعيد الحظ؟”.

قال السيد بينغهام بحدة:”اسمها نورا. نورا ماسون”.

قال السيد هيني بحماس:”حسنا. حسنا. إه. نورا؟. كلنا نتذكر من هي نورا. أليس كذلك؟. كانت سيدة مليحة وفاتنة. ولكن يوجد لكلامي تتمة. كل تلك الشيطنات الطفولية يجب أن نودعها في سلة مهملات الماضي. إه، نورا ماسون؟”. ابتسم ابتسامة ناصعة وتابع:”يسعدني أن ابنك اقترن بها”.

قال السيد بينغهام وهو يرفع من صوته:”حسنا”.

“أتمنى أن تبلغهما أمنياتي وتحياتي. من كل قلبي آمل ذلك. أخبرني هل لابنك كولين ندبة على جبينه بسبب ضربة على الرأس بكرة الكريكيت؟”.

قال السيد بينغهام:”وماذا لو له ندبة؟”.

“دليل للتأكيد يا سيدي. كما هو الوضع في التراجيديا الإغريقية. نفسي في هذه الأيام قصير يا سيدي. وكنت حسير النظر. وأستحق كل ما يجري لي. والآن يا سيدي. لننس ذلك، اسمح لي أن أقول إن غايتي الحقيقية بالقدوم إلى هنا أن أقدم لك هدية تذكارية مني شخصيا وليس بالنيابة عن الآخرين. فراتبي مريح جدا. وأفكر بشيء... يا إلهي تداركنا الوقت. تجاوزت الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا.  اسمع هذه القافية:

في الحادية عشرة ليلا

تبرز وتتشاحن أشباح ظلالا .

كنت أقول أفكر بتقديم شيء مثل...”.

قال السيد بينغهام بغضب:”حان الوقت لتنصرف يا سيدي. انصرف يا سيدي وخذ معك إيحاءاتك. لا أريد أن أسمع منك المزيد”.

قال السيد هيني بصوت مجروح:”عفوا”.

كرر:“قلت انصرف يا سيدي. شارف الوقت على منتصف الليل. فلتغادر من هنا”.

نهض السيد هيني على قدميه وقال:”ليكن. لو هذه هي حقيقة مشاعرك يا سيدي. رغبت فقط أن أبلغك تحياتي”.

قال السيد بينغهام:”لا نريد تهنئاتك. حصلنا على ما يكفي من الآخرين”.

“إذا أتمنى لكليكما ليلة طيبة وأنت على وجه الخصوص، يا سيد بينغهام، لأنه بعد أن غادرت المهنة تركت أثرا علينا ولوقت طويل”.

صاح السيد بينغهام:”اخرج يا سيدي”. وانتفخت شرايين جبينه.

تحرك السيد هيني ببطء نحو الباب، ويبدو أنه كان يرغب بالوقوف وإضافة كلام آخر، ثم بدل رأيه. وسمع من بقي في الغرفة صوت إغلاق الباب.

قال السيد بينغهام وهو يتنفس بصوت ثقيل:”علينا أن نذهب للفراش يا عزيزتي كما أعتقد”.

قالت زوجته:”طبعا يا عزيزي”. وأغلقت الباب وقالت:”هل بمقدورك إطفاء النور أم أفعل ذلك؟”.

قال السيد بينغهام:”يمكنك أن تطفئيه أنت يا عزيزتي”.

وبعد إطفاء النور همدا لبعض الوقت في الظلام يصيخان السمع لضجة ليلية خافتة كانت تأتي من السيد هيني بشكل صاخب ومقلق. 

قالت السيدة بينغهام جازمة:”لا يمكنني تذكره. ولا أعتقد أنه كان من طلاب المدرسة”.

قال السيد بينغهام وهو يتحرى الخطوط العامة لزوجته في عتمة شبه تامة:”أنت محقة يا عزيزتي. هذا صحيح يا عزيزتي”.

قالت السيدة بينغهام وهما يستلقيان في الفراش جنبا لجنب:”لدي ذاكرة حية وأنا متأكدة”.

سمع السيد بينغهام صوت البومة، كان صوتا طريا يخرج من حلق الطائر، فالتف حول نفسه، وسريعا ما غرق بالنوم. ثم أصاخت زوجته السمع لشخيره، وحدقت ببصرها المعدوم بالأشياء والأثاث المتراكم في غرفة النوم والذي جمعته بإصرار وحب خلال سنوات.

 ***

...........................

* إيان كريشتون سميث (Iain Crichton Smith  (1928 - 1998 روائي وشاعر إسكوتلاندي. كتب باللغتين الإنكليزية والغيلية. من أعماله “النهر الطويل” 1955، “أشواك وورود” 1961، “غزال فوق التلال” 1962.

 

 

2624 جين هيرشفيلدترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

 في اليوم الخامس

منع العلماء الذي كانوا يدرسون الأنهار

من الكلام

او من دراسة الأنهار.

 

قالوا للعلماء الذين كانوا يدرسون الهواء

ان لا يتكلموا عن الهواء،

والذين كانوا يعملون لصالح المزارعين

أسكتوا،

وكذلك الذين كانوا يعملون من اجل النحل.

بدأ شخص من أعماق متنزه (بادلاندز)

بإرسال حقائق.

 

قالوا للحقائق ان لا تتكلم

وأبعدوها.

وبسبب دهشتها لإبعادها، الحقائق صمتت.

 

الآن الأنهار فقط

تكلمت عن الأنهار،

والريح فقط تكلمت عن نحلها،

 

بينما واصلت البراعم الحقيقية غير المتوقفة

لأشجار الثمر تحركها نحو ثمرها.

 

تكلم الصمت بصوت عال عن الصمت،

وواصلت الأنهار الكلام

عن الأنهار، وعن الصخور والهواء.

 

مقيدة بالجاذبية، بلا أذنين ولا لسان،

والأنهار التي لم يتم فحصها واصلت الكلام.

 

سائقو الحافلات، عمال المتاجر،

كتاب الشيفرات، الميكانيكيون، المحاسبون،

تقنيو المختبرات، عازفو الفيولونسيل واصلوا الكلام.

 

تكلموا في اليوم الخامس

عن الصمت.

***

.....................

جين هيرشفيلد: شاعرة ومترجمة وكاتبة مقالات أميركية من مواليد مدينة نيويورك لعام 1953. تلقت تعليمها في جامعة برنستون. نشرت سبع مجموعات شعرية نالت او رشحت لجوائز مرموقة عديدة. عملت بالتدريس في جامعات عديدة وشاركت في برامج عديدة لتدريس الكتابة الإبداعية وفي مهرجانات ونشاطات كثيرة داخل وخارج الولايات المتحدة، وشغلت منصب مستشارة أكاديمية الشعراء الأميركيين خلال 2012-2017. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (عن الجاذبية والملائكة)1988؛ (قصر أكتوبر)1994؛ (حيوات القلب) 1997؛ (حصى وتجارب) 2004؛ و(تعال ايها اللص: قصائد) 2013.

قرأت الشاعرة هذه القصيدة خلال مسيرة مؤيدة للعلم في يوم الأرض، 22 نيسان 2017 وقد كتبتها في اليوم الخامس من رئاسة دونالد ترامب، وبعد ان تم ازالة البيانات الخاصة بالاحتباس الحراري من الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض ومنع العلماء المختصين من نشر أية معلومات بحثية دون موافقات رسمية. ولكن العلماء في متنزه بادلاندز الوطني في ساوث داكوتا قاموا في ذلك اليوم بنشر المعلومات على تويتر دون موافقة من الحكومة.

 

 

2619 ريبكا روث غولدترجمة صالح الرزوق


ما قالوه لاحقا، ما قالوه عوضا عن ذلك، تناسوه:

هناك تساؤلات، إن لم تسألها منذ البداية،

لن تسألها لاحقا، وهكذا لم يسألوها أبدا.

إليزابيث بوين، حرارة النهار

حصلت تيريزا والاس على منحة لعام كامل في بودابست، ووفرت لها فرصة لدعوة من تريد، من أي مكان في العالم، لزيارتها خلال إقامتها في هنغاريا. واختارت أن تدعو أكاديميا مشهورا، تعشق كتبه، لكنه اعتذر.  ثم تذكرت ياسين، الأكاديمي الأوزبكي الذي تلاقى طريقها مع طريقه قبل عقد من الزمان في عمان. ومع أنه قد لا يكون مهتما ببودابست، لم تجد ضررا في السؤال؟. فهما يشتركان بعاطفة حب المخطوطات. فتشت في شقتها عن رقمه ووجدت أخيرا قطعة من الورق سجل عليها اسمه ورقم هاتفه منذ سنوات. ولم يكن عليها عنوان بريد إلكتروني. وفي النهاية  طلبت رقمه في طشقند وهي مترددة. ورد شخص ما بلهجة روسية ثقيلة قائلا:”ألو؟”. وأمكنها أن تتأكد أن لسان المتكلم ليس اللغة الروسية.

قدمت نفسها وشرحت سبب المكالمة، وسألته إن كان يتذكرها. رد إنه لا ينساها مطلقا. وأسعدته دعوتها لزيارة بودابست، وتم الإعداد للفيزا عن طريق المعهد الذي رتب له الجو لإلقاء محاضرة.  في نفس الوقت، انتظرت تيريزا والاس قدومه دون أن تعلم ماذا ستكون النتيجة. فقد كانت تتوقع أي شيء، ما دام ذلك يحقق لها بعض التغيير. فقد انتهت من إلقاء محاضراتها في جامعة أيوا في غرفة فارغة تقريبا. كان من المقرر أن تتناول بالشرح “الديمقراطيات المقارنة”، ولكنها شردت عن الموضوع، وانتقلت لموضوع الجياد المنغولية، وانتهت بشعر العصور الوسطى. وربما لهذا السبب توقف معظم الطلاب عن الحضور والاستماع. وتساءلت بسرها: هل احتجاج هذا العدد الكبير من الطلاب سيقودها أخيرا لتفقد وظيفتها. ثم قررت أنه لا يسعها أن تهتم، وهي جاهزة للتخلي عن الجو الأكاديمي، لو لا التزام عدد محدود من الطلاب بمحاضراتها كما لو أنه طقس ديني، مهما ابتعدت عن الموضوع. وأوشكت أن تعترف أنها ترتكب خطأ فادحا بالدخول في مجال العلوم السياسية. كان عليها أن تختار شيئا أقرب للروح، شيئا يسمح لها بالإبداع، مثل الرسم أو التأليف. وامتنت لبعض طلاب العلوم السياسية الذين رحبوا بالابتعاد عن محاضرات لها طابع اقتصادي، وتركز على العلاقات الدولية،وأمن العالم بعد الحرب الباردة. وشكرها هؤلاء الحفنة من المؤمنين في نهاية الفصل الدراسي بعاصفة من التصفيق. لقد انتهى الفصل، وقاربت الحياة على اتخاذ منعطف جديد.

في صباح اليوم التالي، ركبت تيريزا الحافلة إلى مطار مدينة أيوا، فقد عزمت أن تسافر إلى شيكاغو، ومن هناك تتوجه فورا إلى بودابست. وحينما مرت الحافلة من قرب حقل ذرة وصوامع ممتلئة بالحبوب فكرت: قد تكون هذه آخر فرصة لها للاستمتاع بالطبيعة المباركة ذات اللون الذهبي والتي تمقتها و تحبها بنفس الوقت.  كانت قد قرأت باهتمام ويلا كاثير في أيام طفولتها وأغرمت بالصفحات المكتوبة عن وسط الغرب الأمريكي. لماذا هي ليست مثل كاثير ولا تعشق هذه التضاريس القاحلة؟.

كانت الرحلة طويلة وغير مسلية، بالإضافة  لما تخلل ذهنها من توتر نفسي مدمر. مرت الليلة وهي معلقة في السماء تقرأ عن تفاصيل صداقة جمعت بين جيرشوم شوليم ووالتر بنجامين. شد ما لفت انتباهها جهود شوليم لإبعاد بنجامين عن الماركسية والإلتزام بأصوله اليهودية. وذكر ذلك تيريزا بصداقاتها الشخصية، وكذلك علاقاتها الغرامية الفاشلة. وسألت نفسها: لماذا تبدو مرتاحة بين الغرباء، ومستاءة لدرجة المرض في علاقاتها. أين تبدأ الحدود بين الذات والآخر؟. ومتى نتوقف عن الكذب ونكون أنفسنا بكل صدق وصراحة؟.

وصلت قبل ياسين بثلاثة أيام، وأنفقت هذه الأيام الرمادية بعزلة سعيدة، وخلالها اكتشفت البلدة بانتظار وصوله، ورسمت في ذهنها فضاء بيتها المؤقت في بودابست قبل أن يشترك ياسين بوضع لمساته عليه. وفكرت: كيف سيكون الحال بعد مرور عقد كامل على لقائهما السابق. هل تغير؟. هل يعتقد أنها تغيرت؟. لا بد أنه سيلاحظ كل شيء حاولت إخفاءه عن نفسي طوال هذه الفترة.

في سنوات الفراق الماضية حصل على منحة، لإجراء بحث أساسي في ألمانيا ثم النمسا وفرنسا، أما هي فقد ضمنت وظيفة أكاديمية، ولكنها في مكان قريب من حقول الذرة والأبقار، وطالما حلمت بالابتعاد عنها. ولذلك كانت خارج المكان على نحو دائم. لم يكن العالم يهتم لها، ولا لأي إنسان من نوعها. وكانت الفاشية تتجمع في الأفق، وبالأخص في هنغاريا، حيث أن جوبيك، وهو حزب الرئيس الحالي فيكتور أوربان، حصد نجاحا مدويا. كان اللاجئون يردون على أعقابهم عند الحدود، وأصبح اليهود والرومان والمسلمون هدفا للاعتداءات.

وكانت، كل يوم منذ وصولها، تمر بالجسر المعلق فوق الدانوب. وكان من بناء مهندسين إنكليزيين عام 1849 ويرمز لاتحاد نصفي المدينة: بودا و بيست.  وغالبا ما كانت تمر منه مرتين، عند شروق الشمس ومغيبها. فالشقة في شارع راؤول ولينبيرغ في بيست. ولكن مقر عملها، جامعة أوروبا المركزية، فقد كان على الضفة المقابلة من الدانوب، ضفة بودا. وهذه هي آخر سنة لها في بودابست. وابتداء من أيلول سوف تنتقل إلى فيينا، وسيكون الطلاب والكلية في النمسا.

كبتت تيريزا مخاوفها من مستقبل هنغاريا وأوروبا وبقية العالم الملتهب، وركزت على تحضير نفسها لوصول ياسين يوم الجمعة. وهما، كلاهما، حسب أفضل ما تعلم، غير قادر على الإنجاب، ومولعان بالبحوث العلمية فقط. وقد هيأت نفسها لمنعطف جديد، في العمل والحياة. وهي تنتظر بأحر من الجمر ما قد تلهمها زيارته. وبدأت بانتظار مكالمته منذ الساعة 7 من صباح الجمعة. علما أنها أرسلت له عدة رسائل إلكترونية في الأيام السابقة، وطلبت منه أن يتصل حال وصوله، ولكن الهاتف كان خامدا ولم يرن. نظرت بالبوق الأسود، وتساءلت متى سيندلع منه صوت. وفي خاتمة المطاف بعد انتظار دام أربعة وخمسين دقيقة واثنتين وثلاثين ثانية (كانت تسجل الوقت على ساعة معصمها)، سمعت صوت الجرس.

قالت:”ألو؟”.

رد صوت يقول:”ألو”.

كان ياسين، يخاطبها بصوته الروسي الذي فضح هويته الأوزبكية. تبادلا بعض عبارات الترحيب ثم ران الصمت، فهي لم تتكلم بالروسية منذ سنوات، ولم تتدفق الكلمات على لسانها بسهولة كما كان الحال في عمان. ثم اقترحت أن يتقابلا وجها لوجه. فهو على كل حال تحتها بطابقين فقط. وقالت ببساطة “موجنو؟”. وتركت المعنى مفتوحا على عدة احتمالات. وترجمت لسان حالها كأنها تكلم نفسها قائلة:”هل بمقدوري أن أهبط إليك؟”.

رد بنفس المقدار من التأكيد:”موجنو” وحول سؤالها لجواب. ألقت البوق وجهزت نفسها للنزول.

وعندما وقعت عيناها عليه عند عتبة بابه، لاحظت أنه مألوف لها، ويمكن أن تتعرف عليه سواء لاقته في بودابست أو في حقول الذرة في أيوا. كان لونه أشد سمرة بالمقارنة مع الوقت السابق، وكان شعره خفيفا أكثر مما تتذكره قبل عقود، وقد نمت له لحية. ولكنه كان نفسه ياسين الخجول بنظاراته السميكة وابتسامته الصبيانية المرتسمة على وجهه. وأخبرها بلا تردد أنه لم تغمض له عين منذ أقلع من طشقند، وكان يحاول تعويض ما فاته من نوم، وهذا سبب تأخره بمكالمتها. والآن انتعش بما يكفي وهو جاهز لرؤية البلدة. واقترح يقول:”هل لديك خطة لاكتشاف المدينة؟. لطالما أرقتني فكرة مشاهدة الدانوب”.

كانت الساعة حوالي السابعة مساء، والشمس تتلكأ عند الأفق، وكان وهجها يسيل على الدانوب بلون محمر. أول موقف لهما كان على الجسر المعلق، فقد تمهلا قرب أسدين رماديين عملاقين وقفا على طرفيه، وكلاهما منحوت من الحجر المصقول. وفي الظلام، لاح الجسر كأنه معلق في الماء. وعندما وصلا نهاية الجسر، من ناحية بيست، اتجها إلى شارع 6 تشرين الأول. ولفت هذا الاسم انتباه ياسين، وقدر أنه اسم سوفييتي، لكنه لم يعرف معناه بالضبط. وشرحت له تيريزا أنه يشير لثورة اندلعت ضد السوفييت. ففي 6 تشرين الأول 1956 دفن الشيوعي المعادي للسوفييت لاسلو راجك علنا في مقبرة ضحايا  التطهير الستاليني. وهي حادثة وقعت قبل سنوات. وكان 6 تشرين الأول تمهيدا لـ 23 تشرين الأول 1956، وهو تاريخ قيام الثورة الهنغارية. همست تيريزا بهذه التفاصيل بنبرة حماسية، وكان قلق ياسين يتزايد كلما أدلت بكلمة إضافية. كانت ثقافته السوفييتية تلقي بظل من الشك على كل التاريخ المكتوب. التفت نحوها مع ابتسامة وقبض على يدها وقال “هل سنتناول البيتزا؟.ليس لدينا في أوزبكستان بيتزا جيدة”. كانت لهجته كأنه يقترح طعاما شرقيا عجيبا. عبرا الجسر مجددا نحو ضفة بودا. وصعدا على السلالم الحلزونية باتجاه مطعم إيطالي موجود في نهاية منطقة تبدو قديمة كأنها تعود لقرون مضت. وطلب بيتزا مع السلمون و فتة الجبنة. وهي طلبت بيتزا مع أرغولا وموتزاريلا وبروكولي.

سألها عن حياتها في أيوا. هل هي مثل بقية أمريكا؟. كان يريد أن يفهم، فقد زار الولايات المتحدة مرة واحدة، وبالتحديد سان فرانسيسكو في التسعينيات.

قالت له: ”أمريكا عدة بلاد في بلد واحد. الجنوب محطة المتعصبين. والشمال موطن ثقافة النخبة والثلوج الغزيرة. والغرب الأمريكي منطقة البيوت الطينية والصحراء. أما بالنسبة للغرب الأوسط، مسقط رأسي، فهو بلد ينطوي على ذاته، ويتكون من البراري التي تغطي الأفق ومن حقول الذرة والشعب الأبيض. شعب أبيض جدا. وأشعر بالتحسس منهم”. قالت ذلك مع ابتسامة لها معناها الخاص. وخامرها الاعتقاد أنها كانت تثرثر بكلام لا معنى له. وفي نفس الوقت، لم يكن بمقدورها أن تنفي أنها ممتنة لهذه المحاضرة عن بلد كانت تحسبه وطنها، ولكن تعتبر الآن أنه محاكاة مضحكة لما تبقى من روحه السابقة،  وهي تريد أن تنأى عنه بنفسها لكن على أن تؤكد سلطتها عليه كذلك. لقد أصبحت مهاجرة حقيقية، وهي مستعدة لملاقاة  مسقط رأسها مثل استعدادها للانفصال عنه.

سألها ياسين إن كانت تحب الحياة في الغرب الأوسط.

قالت: ”كلا. في أيوا أشعر كأنني غريبة في بيتي. وأخشى أن الأمر يزداد سوءا. أصبح الناس متعصبين وعنصريين كثيرا. ثم هي مكان بعيد عن الموضع الذي تقطن به العائلة الآن”.

“العائلة”. كرر ياسين الكلمة كأنه لم يفهم المعنى المقصود.

رددت:”نعم العائلة”.

نظر بعينيها طويلا وقال:”ما المقصود بعائلتك؟”.

“أنا وشقيقاتي وأمي”.

“يعني غير متزوجة؟”.

“لا. لا يوجد زوج”.

كانت تيريزا تتوقع، استنادا لخبرتها من عملها في أواسط آسيا، هذا السؤال عن الزوج. والسؤال التالي كان مألوفا بالمثل وهو: متى ستقرر إنجاب أطفال؟. في معظم المواقع التي غطتها بأبحاثها، كان هذا أول سؤال يأتي من لسان محدثها. وبرأيها كان يريد أن يتأكد بسؤاله هل هي مثل غيرها من النساء، وشارفت على فترة الإنجاب. كانت بالخامسة والثلاثين. والجميع يتوقع منها التهيؤ لتربية الأولاد. والأفضل صبي وبنت، وربما يكفي صبي - إلى جانب الزوج. أما المهنة فهي مجرد احتمال. وكما سمعت بروح أخوية وصداقية من نساء القرية الأوزبكيات المسنات حيث أجرت بحوثها: المرأة تحتاج لشيئين في حياتها، زوج وابن. وأي شيء آخر عبارة عن رفاهية.

رفع ياسين حاجبيه قليلا عندما سألها عن الزوج، وكان فضوله يبدو شخصيا، ولا يدل على شيء ثقافي. ومع أنها بالعادة ترد على أي سؤال عن حياتها الشخصية بصمت مهذب، ردت على ياسين دون تحفظ. وقالت إنها لا تحترم التدخل بحياتها الجنسية ومراقبة حياتها الخاصة، واستغربت أن المرأة تعتبر غير كاملة إن لم تقترن برجل.

ضحك ياسين بدماثة ورماها بنظرة خاطفة فهمت منها أشياء أعمق مما يمكن أن تنقلها الكلمات. وبعد نهاية الطعام، عبرا الجسر مجددا وتجولا في زقاق أندراسي، وهو السوق التجاري الأشهر في بودابست. أخرج ياسين علبة سجائر وبدأ بالتدخين. وتأثرت بالرائحة على نحو غريب، كأن أحدا يداعب راحة يدها. ومرا من نافورة وواجهات زجاجية، ومن صف إثر صف من المخازن تحمل أبوابها عبارات الترحيب بعدة لغات. ثم دارا من حول “دولاب الهواء” في ساحة إيرزيبيت، حتى أحاطت بهما في النهاية الكراسي والأشجار.

كان الوقت في أواخر الليل والحديقة مهجورة. وأزواج من العشاق يجلسون على المقاعد، متعانقين تحت مصابيح مرتعشة. قال لها:”تعالي نجلس”.

وقبض على يدها، كما فعل سابقا في هذا اليوم حينما عبرا من الجسر، وتوقعت أن يفلت يدها بعد أن يجلسا، ولكنه لم يفعل. وكانت قبضته الناعمة والمهذبة قوية أيضا وتذكر بالممرضات اللواتي تقدرن دقات قلب المريض. واستعادت تيريزا بذهنها سؤال ياسين عن عائلتها، وتساءلت مجددا لماذا يهتم. وكانت تلك هي أول وآخر مرة يتحرى عن ظروفها الخاصة. إنما حافظ على يده فوق يدها كما لو أنه من الطبيعي لرجل وامرأة التقيا منذ بضع ساعات أن يتماسكا بالأيدي. وكما لو أن يدها ملكه ويده ملكها.

وبعد العودة للشقة، في شارع راؤول والينبيرغ، دعاها للدخول إلى مكان إقامته. قال: ”أريد أن أعرض عليك ملفات المخطوطة التي عثرت عليها في مكتبة الدراسات الشرقية. وأود أيضا أن أقدم لك شايا ساخنا أحضرته من طشقند”.

ولم تتمكن من رفض عرضه. وبمجرد أن دخلا، باشر بتحضير الشاي. كان المعهد قد وضب له شقة ثمينة من طابقين تحتوي على غرفتي نوم وحمامين كاملين. كانت شقته أفضل من مسكنها الذي يبدو مثل مأوى إسبارطي.

فتح جهازه المحمول وبدأ يبحث بين الملفات. وأنفقا ثلاث ساعات على هذا الطراز، رأسه منكب على حاسوبه، وهو يقلب في الملفات الضوئية المتراكمة من جراء العمل الطويل لسنوات بالأرشفة. وفي نفس الوقت كان ينقل كميات تقدر بالغيغابايتات إلى قرص خارجي أحضره ليتبادل معها المعلومات. واستمرا بالجلوس منحنيين على الحاسوب، ويده في حضنها. ولكنها لم تسمح له بحرية التصرف، مع أنها كانت مسرورة من ذلك. وكانت تفكر بأن تلمسه بمثل طريقته، إنما لم تفضل أن تبدر منها حركة قد تندم عليها. كانت وحيدة لثلاث سنوات. وفكرت: لو مارسنا الغرام، قد تكون هذه هي آخر مرة لعدة سنوات قادمة.

وقررت أنه لا ضرورة لهذا الضرر الفادح، ولكن بدا اليوم الذي أنفقاه معا مثاليا ورقيقا، ويجب تكراره. وأرادت أن تحتفظ بذكرياته، وهذا يتطلب مقاربة حميمة خاصة. ورأت تأجيل التقارب قدر الإمكان، حتى إذا حان الوقت لالتحام الجسدين، سينطبع عميقا في ذاكرتها. لقد استمتعت بالتلامس الخفيف مع جسمه، ولكنها سدت الطريق على يده كي لا تتحرك لما بعد حضنها. وعندما بدأت أصابع ياسين تتحرك وتزحف نحو ركبتيها  وعلى ساقيها نهضت فورا وقالت:”حان الوقت لأذهب للسرير”.

“لماذا لا تنتظرين لفترة أطول؟. أود أن أقدم لك كوب شاي أوزبكي آخر”.

أعربت عن حاجتها للنوم. في الواقع لم تكن تشعر بالنعاس ولكن بالرغبة لخلق مساحة في ذاكرتها لما يمكن أن يجري، وقادها ذلك للعودة إلى حجرتها. أمضت تيريزا بقية الليل في سريرها وهي تفكر بياسين. ماذا يعني أن تعود لسريرها بعد أن تنام معه. وكيف سيكون شعورها بعد رحيله؟. وهل ستشعر بنفس الوحدة القاتلة إذا ما استلقت بالسرير بمفردها؟. وهل ستبدو ضفتا الدانوب كما كانتا قبل أن تلتحم به؟.

في اليوم اللاحق اتصلت به حالما فتحت عينيها. كانت أشعة الشمس تملأ الدانوب بالضوء. اقترح نزهة أخرى على الجسر. وتحولت هذه النزهات لطقس يومي. ووصلا لنفس الحديقة، وراء دولاب الهواء، حيث تسكعا معا بالأمس، وجلسا على كرسي بمقابلة النافورة الطويلة.  ومع أن الماء توقف عن التدفق، تابع الأولاد لعبهم. وبدآ بالحديث حول المخطوطات التي اكتشفها في مكتبة الاستشراق وسألها:”ربما عليك الاستقالة من عملك والانضمام لي في طشقند؟”.

جمدت من اللهفة. هل هو يطلب يدها؟. ونظرت إليه ولاحظت أنه يهزل معها. لكنه أضاف:”طبعا، لا أحد لديه عمل مثل عملك مستعد ليضحي به”.

وقبض على يدها بيده كما فعل مرارا. ولكن رفع اليوم يده من حضنها إلى وجنتها، ثم إلى شفتيها. وحينما استقرت أصابعه على شفتيها، كانت تفكر بالطريقة التي فكرت بها قبل وصوله في تلك الليلة. أغمضت عينيها، وتلامست شفاههما. كانت القبلة مهذبة ومنضبطة ولطيفة. وحينما همس بأذنها يقول:”هيا بنا للمنزل” كانت عاطفته قد اضطرمت كشعلة من نيران. وتحول خجله لرغبة، رغبة غمرت عالمها قليلا.

وسمعته يقول:”هذه نفس”.

لم تفهم. فسألته:”ماذا؟”.

قال:“لها عدة ترجمات. النفس الخالدة. الأنا. التنفس. ونفس في التصوف تعني أن تكون تحت تأثير الجانب الحيواني. سأشرح لك لاحقا”.

وباعتبار أن زيارته اقتصرت على نقاش حول المخطوطات المنسية، أدهشتها طريقته بممارسة الحب، فقد كانت عنيفة لحد ما ويصعب أن تنسجم مع القيم والتقاليد الإسلامية. فقد تخلص من ثيابها وبدأ مباشرة بممارسة الجنس الفموي، وكان عضوه منتصبا بشكل مباشر نحو فمها. ثم وضع الواقي الذكري بسرعة تدل أنه فعل ذلك من قبل عدة مرات. وفكرت أنها كانت تعتبره دون تجربة!. وهل أحضر الواقي الذكري معه لأنه يفكر بممارسة الجنس؟. وهل يحمله معه أينما ذهب؟. وبعد أن انتهيا، ارتاح كل منهما بين ذراعي الآخر. العيون مفتوحة على سعتها، وتنفذ من خلال طبقات الليل الأسود المظلم. ثم أشعل سيجارة من العلبة التي اقتناها في زقاق أندراسي في الليلة السابقة. وكان خلفه، على الجانب الآخر من السرير، كومة من الواقيات الذكرية بشكل هرم آيل للسقوط. وتخيلت أنها أصبحت زوجته كما تقتضي العادة. وفكرت بسرها: ولكن أنا غير جاهزة للزواج بعد.  فهي حتى الآن غير مهيأة للاعتناء بزوج أو لمتابعة شؤون والديها. والاستقلال والحرية هما أساس وجودها. وقررت أنه يناسبها علاقة طويلة الأمد.

وفكر ذهنها، كما تفعل بعد ممارسة الجنس، كيف ستكون ظروفها لو حصل الحمل. ثم تذكرت: قبل ثلاث سنوات عقمت نفسها. و منذئذ لم تمارس الجنس وتقريبا نسيت أنه ليس بمقدورها حمل الأطفال.

كان اسم العملية - إسور Essure- له معنى رمزي. ولفظه القريب من كلمة “الماحي erasure يعكس الهدف منه. إسور محا قدراتها البيولوجية لتكون أما. ولا يزال جسمها يتذكر الإجهاض الذي خضعت له في عمان، فقط قبل أن تلتقي بياسين. وبعد عدة سنوات، لا يزال يرسم ندوبا غائرة في ذاكرتها. هذا الإجهاض قادها لتقرر أن التعقيم ضروري، بغض النظر عن الكلفة، ودون أي اعتبار لما سيعقبه. وبعد التعقيم، تصالحت مع نفسها. أخيرا يمكنها أن تتأكد أنها لن تنجب طفلا لهذا العالم. وفكرت وهي تستلقي في السرير: قناة الرحم مربوطة، مجازيا وعمليا. وأنا لن أنجب ابنا.

كان ياسين يستند قربها على وسادة، بصمت، ويدخن سيجارة.

بالإضافة لحسم موضوع الإنجاب المقلق، جنبها إسور استعمال الواقيات الذكورية المانعة للإنجاب. والسبب الوحيد لاستعمال الواقي الذكري الآن هو الحماية من الأمراض. لكن ياسين مسلم، فكرت تيريزا بذلك. كما أنه خجول ومهذب. باختصار هو الحالة المعاكسة للذكورة. ولا شك أن الجنس صدفة بحياته؟. وقررت أن تطلعه على خبر عملية التعقيم.

قالت:”هل أخبرتك أنني لا أحمل. فقد أجريت عملية”.

“عملية؟ لماذا؟”.

“كي لا أنجب الأولاد”.

أعقب كلامها صمت مطبق. ثم كرر وراءها، مثلما كرر سابقا كلمة “عائلة”، بنبرة أكدت على اللفظ مع تجاهل المعنى “كي لا أنجب الأولاد”.

كان كل تكرارا منه يحمل في طياته سؤالا جديدا. فاستطردت تقول:”أنا أصلا أومن بالتبني. ماذا عنك؟. هل تريد أن يكون لك أولاد؟”.

تبع ذلك فاصل صمت طويل آخر. وأخيرا قال:”أولاد؟. أنا لدي أولاد”.

أصاب تيريزا الهلع والجمود . ولم تفهم معنى كلامه. كيف يمكنه أن ينجب الأولاد قبل أن يتزوج؟. هل توفيت زوجته؟. هل طلقها؟. ومرت عدة لحظات مع هذه الأفكار، حتى استعادت وعيها. فقالت:”إذا أنت متزوج”.

لم يرد.

رفعت صوتها وقالت:”وماذا عن زوجتك؟. كم عمرها؟”. لم تكن تريد أن تسمع الإجابة. ولكنه السؤال الوحيد المتحضر والمتعقل الذي جاء في ذهنها.

قال بهدوء: "ثلاثة وثلاثون”.

“هل تعمل؟”.

“لا”.

“هل تريدها”. ولم يخطر في رأسها غير هذا الكلام. ولكن السؤال الذي أرادت أن تسأله هو: إن كان يحب زوجته. وقد أرعبها التفكير بها. لم يكن لسانها جاهزا لمثل هذه الكلمات. في كل حال ستكون النتيجة محزنة. إن لم يكن يحبها فهذه مأساة. وإن كان يحبها لماذا هو معها في السرير في بودابيست؟.

أخيرا بعد سكون مطول رد يقول:”نعم”.

قضي الأمر. ولم يعد هناك مجال لمزيد من الكلام، سوى امتصاص الصدمة بعد تبادل أكاذيب صامتة. كانا على علاقة عميقة لكن دون أن يعرف أي منهما التفاصيل الأساسية عن حياة كل منهما. كانت هذه أول علاقة غرامية لها بلا زواج، وأول مرة تمارس الحب مع رجل متزوج.  ولم تكن تعلم أنه متزوج حينما فعلت. غادرا السرير. وأسرع هو ليرتدي ثيابه. فسألته:”هل أنت مسلم؟”.

قال:”نعم”.

أشارت لقضيبه غير المستور والمنتصب قليلا وسألت بسخرية:”كيف تفسر هذا إذا؟.هل هو تصرف إسلامي؟”. سارع لتغطيته بملاءة وقال:”حتى المؤمن يرتكب الأخطاء. أخبرتك سابقا عن النفس، هل تذكرين؟. شهواتنا تجبرنا على ارتكاب أفعال شيطانية”.

سألته:”إذا تعتقد أن ما فعلناه هو حرام. من جهتي أنا أعتقد أنه شيء صحي، وأن أكاذيبك هي الخطأ”.

لم يرد. انتظرت وأدركت أنه ليس لديه شيء يقوله. وعزمت أن تدخل بمماحكة قصيرة. وأن تلقي عليه محاضرة اعتادت عليها حينما لا يكون لديها شيء آخر. فقالت:”الزواج هو أكبر مصدر للظلم في العالم. وأعظم سبب للألم والشقاء”.

وبدأ ذهنها يفكر بالماضي: عاشت وهي بنت صغيرة في بيت يحكمه أب عنيف، ولاحقا حينما تزوجت، اقترنت بزوج ظالم. وهي ترغب بنسيان هذين الفصلين في حياتها، لكنهما يعودان بكامل ما فيهما من قسوة. وصعدت لذهنها فكرة ستردع ياسين وتصيبه بنفس الألم الذي سببه لها. فقالت:”لكم أكره منك هذا الرياء المزيف”.

نظر إليها بصمت وإمعان كما لو أنه غير قادر على إدراك ماذا تعني. لو أن اتهامها جرحه، لم يظهر وجهه ذلك. وفكرت ربما هذه أول مرة يسمع فيها بمثل هذه الكلمات. بعد ذلك سألته:”كيف سيكون شعورك إذا شاركت زوجتك السرير رجلا آخر كما فعلت أنت الآن”.

قال دون أن يعلو وجيب قلبه:”سأجن”. لا شك أنه يعتبرها إهانة لرجولته. وابتسمت تيريزا رغم حنقها منه وقالت:”هل ترى؟. هذا ما أقصده. هذا ما أسميه الرياء. هذا هو التعالي البطريركي. ببساطة أنت تنظر للرجال بمعايير لا تطبقها على النساء. وهذا شيء أسوأ من النفس”.

ابتعد عنها وأخذ سيجارة أخرى. ثم اقترب من طرف النافذة وأشعل طرفها. كان وجهه هادئا، وساكنا مثل الدانوب في ليلة من ليالي الشتاء. وبدأ ينفصل عنها. وخجل من ثورتها لكنه لم يهتم بذلك. وتبادلا النظرات  دون حركة، ولم يكن هناك ما يضيء قامتيهما غير القمر المعلق في الخارج. وكانت الغرفة مستسلمة للعتمة.

جلست تيريزا لعدة دقائق دون حركة، ثم نهضت إلى النافذة حيث كان يجلس ياسين. وأرادت أن تجلس بقربه. وامتلأت بعبير رائحته وبرغبة عارمة أن يلمسها. وكانت تريد أن تكرر ممارسة الحب. ونسيت غضبتها التي لم يمر عليها غير دقيقة. والنفاق الذي نفرت منه لم يكن يبدو الآن لها مثل دليل على فشل الأخلاق، بل أشبه بتناقض لا ينجو منه إنسان.

لماذا لم تخمن أنه متزوج؟. لماذا لم تستفسر؟. لقد اضطربت منه بسبب الرياء الذي يقوم عليه الزواج وليس بسبب الغش أو الخداع. ولماذا لا يمكنه أن ينام مع من يريد، مثلما هي تنام مع من تريد؟.

تحركت أصابعه على خديه غير الحليقين. ونظر لجهة جانبية. كانت تود أن تعنفه لأنه كذب عليها، ولأنه أخفى تفاصيل خاصة جدا من حياته الشخصية. وفي نفس الوقت، وبنفس المقدار من الحمية، أرادت أن تعانقه. متى ستحين الفرصة لتكرار ذلك، بالأخص مع إنسان تشاركه العشق للمخطوطات؟.

لكنه تراجع للخلف. وأدركت بألم بالغ أنه يريد أن يلغي هذه الذكريات التي تشكلت بينهما. وسمعته يقول وهو يشير للنافذة:”هل يمكننا الخروج بنزهة؟. قبل أن أختنق”.

كان القمر قد اختفى من مجال بصرها، وأصبح فوق وسط الجسر، ونور صناعي التمع على الدانوب. وذكرها ذلك بلمسات ياسين ليديها.

ردت بصوت بارد:”ليس الليلة. يجب أن آوي للفراش”.

هز رأسه، وهربت عيناه من نظرتها. وقال بهدوء:”نوما هنيئا”.

مر اليوم التالي دون جديد. نامت جيدا وعملت على مقال متأخر، وهو رتب محاضرته ليوم الإثنين. وحوالي الخامسة مساء، اتصل بها. واتفقا على اللقاء عند الأسد الحجري أمام مدخل الجسر. وما أن التقيا، اختفى التوتر الذي غطى على يومها كله. مرا بالجسر ذهابا ومجيئا. كان النهر يتعرج في المدينة، ويحرص على تقسيم وتوحيد بودا وبيست. وفي هذه المرة، لم يتماسكا بالأيدي. وفصل بينهما الفراغ مثل سور كهربائي يصدم كل من يحاول أن يتحداه.

سألته مجددا: “هل أنت مسلم؟”. وأدهشها استعداد الرجال لتحويل الإخلاص إلى دين مع أنهم لا يلتزمون به في حياتهم الخاصة.

ثم أضافت:”أعني هل أنت مؤمن؟”.

عندما رد بالإيجاب، سألته كيف يمكن بالنسبة لرجل متزوج ويعتبر نفسه مسلما أن ينام مع امرأة غير زوجته.

قال:”أوضحت لك مسبقا. النفس. ليس كل المسلمين يطبقون وصايا دينهم. نحن أحيانا، مثلكم، نتبع عواطفنا”.

أصابتها وعكة مؤلمة. لقد بحثت طوال ليلة أمس وفهمت أن النفس مرتبطة بسقوط الروح. وهي نوع من أنواع الأنانية. ووصلت أيضا لشيء آخر وتشتبه أن ياسين لا يعرفه: أن هذه الكلمة العربية مشتقة من كلمة عبرية هي نيفشي. وتعني التنفس.

قالت:”أراهن أنك لا تعرف أن نفس هي أول لحظة في الوعي”.

صحح لها قائلا:”كلا. النفس تعني الجانب المادي من الكائن، العاطفة الملتهبة”.

قالت:“إذا حينما مارست الحب معي كان ذلك بنفسك وليس قلبك؟”.

رد بالإيجاب بشكل باهت. ولم يشعر بالطمأنينة من جراء السؤال. فقد عاد له خجله الذي تذكرته من أيام مؤتمر عمان حيث جرى أول لقاء بينهما. ثم أضاف بنعومة:”لا أعتقد أنني فهمت معنى سؤالك”.

قالت:”بعكسك أنا أمارس الحب بقلبي وليس بنفسي. وأحترم الإسلام، غير أنني ضد معتقداتك. الجنس ليس شرا. فهو أنفاس الحياة. وهذه هي أنفاسي”.

لزم الصمت لعدة دقائق. ثم قال في خاتمة المطاف:”هل أنت جائعة؟”.

بلغا نهاية الجسر، والتمع الدانوب بالأشعة الفضية المتبقية من شمس الغروب. وملأت السحب السماء كأنها قطن منفوش. وباشر قارب نجاة مخطط باللون البرتقالي  يترنح على الأمواج الهادئة إلى الأعلى والأسفل. ومرت دقائق وسؤاله معلق في الهواء. كان الكلام قد أرهقها. ما الغاية من الكلمات إن كان استعمالها يتوقف على تبادل الأكاذيب؟.

في النهاية قال:”أنا جائع. ما رأيك بتناول البيتزا؟”.

بعد أن ودعت ياسين في تلك الليلة، وذهب كل منهما لشقته الخاصة، قررت أن تتخلى عن عملها في جامعة أيوا وتعمل بمهنة تجليد المؤلفات. وكانت تتملكها مشاعر غريبة: إنها ترغب بممارسة الحب، ليس مع كائن بشري آخر، ولكن بيديها ومع هذه المؤلفات.

 

.........................

ريبيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould  أكاديمية أمريكية تعمل أستاذة كرسي الحضارة الإسلامية في جامعة برمنغهام، بريطانيا. والقصة من مجموعتها الأولى "غرام الغرباء" 2021. والترجمة بإذن شخصي.

 

 

 

2615 تشن تشنترجمة: عادل صالح الزبيدي


الضياء الأول

احب ان اقول اننا غادرنا مع الضياء الأول

والرئيس ماو نفسه يطاردنا في سيارة شرطة،

وابي يتقاتل معه بالمفرقعات،

على الرغم من ان ماو قد مضى على موته اكثر من عقد،

ووالدتي تقول ان كل الذي فعله والدي

خلال الثورة الثقافية هو تدريس الرياضيات،

التي لم يكن مؤهلا لتدريسها،

والسباحة والتشمس في ارجاء جزيرة بيانو،

مكان لم اقرأ عنه قط في كتبي الدراسية الأميركية،

مكان يقول كل فرد في العائلة

انهم اخذوني اليه، وانني احببته.

فما الذي يحبه المرء ان لم يتذكر منه شيئأ؟

ان يكون قد نسي الوجوه التي قبّلها لأول مرة؟

يسألون ان كنت اتذكرهم، العمات، الأخوال،

واقول "اجل، اتذكر،" اقول "طبعا،" بدلا من "لا ابدا،"

لأنني حين رأيتهم آخر مرة كنت في الثالثة،

وصينُ سنواتي الثلاثة الأولى

تظاهرٌ الى حد كبير، بلدي الواسع الذي اخترعته،

حلمي قبل ان اعرف الكلمة "حلم"،

افلام والدي عن الفنون الحربية زائدا مذاق ملعقة شاي عن التاريخ.

احب ان اقول اننا غادرنا مع الضياء الأول

كنا مضطرين، كان أبواي قد اميط اللثام عن كونهما

الزوجان المشهوران بمكافحة الجريمة بالكونغ فو بالمقاطعات الجنوبية،

وكانت مافيا هونغ كونغ تطاردنا. احب ان اقول

ان شخصا شماليا وسيما وغامضا قدم لنا العون،

ظهر انه هو ايضا معلم كونغ فو.

لا احب ان اقول، لا اتذكر البكاء.

لا معانقة في المطار، باكيا. لا اتذكر

الشعور بالمرارة، تاركا الصين.

احب ان اقول اننا غادرنا مع الضياء الأول.

تسللنا مغامرين مغامرة ما سرية، بينما كان الآخرون

لا يزالون نياما، لا يزالون متدثرين،

تدفئهم  ذكرياتهم عنا.

ماذا اتذكر من البكاء؟ حين صفعتني امي

لأنني كنت "وسخا، مريضا، ضللته ابالسة الغرب، ابنا وسخا سيئا،"

بكيت، بعمر الثالثة عشر، الآن اكبر واشد ذكورية على البكاء.

حين قال ابي "اخرج، لا تعد ابدا،"

بكيت وهربت، رميت نفسي في الليل.

ثم عدت، مع الضياء الأول، لا اتذكر بالضبط

لماذا، او ماذا بعد ذلك بالضبط. تدعي ذكرى واحدة

ان امي انطلقت نحو الفجر الوردي البراق

لتفهم ماذا حصل، باسطة يديها نحوي،

واردت ان اقول "لا. لا تلمسيني."

تصر ذكرى أخرى على ان الباب الأمامية كانت قد تركت

بلا قفل، وتسللت منها، ووجدت غرفتي،

وسريري، الذي شعرت انه اصغر نوعا ما،

وخلدت الى النوم، لساعات قبل ان يبدو ان امي (اي شخص) قد لاحظت ذلك.

لست متأكدا ايهما الرواية الصحيحة، ولكن ما يبقى معي

هو المغادرة، البكاء، البلد الذي يتمزق.

لقد مضت خمس سنوات أخرى منذ ان رأت امي أخواتها،

وامها، التي اصابتها جلطة مؤخرا، والتي تعاني

من عدم تذكر من ولماذا.

تقول امي "يؤلمني عدم عودتي حالا لرؤيتها. لكن كثير جدا ما يحدث هنا."

تقول "هنا" وكأنها اصعب الكلمات الانكليزية واقلها قابلية للصفح.

ماذا ستقول امي لو كانت هي التي تكتب؟

كيف سيبدو صوتها؟ وهو ان اسأل حقا، ما تخميني الأفضل،

صوت امي الذي هو من اختراعي وترجمتي (من الصينية الى الانكليزية،

من الانكليزية الى الانكليزية)؟ قد تقول:

غادرنا مع الضياء الأول، كنا مضطرين، الرحلة كانت مبكرة،

في اوائل الربيع. "اذهب" حثتني والدتي قائلة،

"ماذا تفعل، ملوحا لي، باكيا؟ اصعد بتلك الطائرة قبل ان تغادر بدونك".

كان الوقت ربيعا واستطعت ان اشمه، على الرغم من زجاج ومعدن المطار المجدب—رائحة شعر امي المغسول توا، الأزهار المتفتحة توا في الحقول التي اجتزناها في رحلتنا بالسيارة،

كيف لم اعرف ان تلك الأزهار اصبحت قبل الآن ذكرى، كيف ظننت ان بامكاني ان اشمها، وانا اصعد على متن الطائرة،

النفق الغريب ممتلئ بعطرها، اسماؤها التي كنت اعرفها فيما مضى، وشعر امي الأسود الطويل—مستحيل جدا الآن.

لمَ لمْ أتأمل كم تختلف رائحة الربيع وشعور المرء خلاله عنهما في أماكن أخرى؟

الضياء الأول، الرائحة الأخيرة، البلد المفقود.

اول واعمق انفصال كان ينبغي ان يهيئني للآخرين جميعا.

***

........................

تشن تشن: شاعر صيني اميركي ولد في الصين في عام 1989 ونشأ في الولايات المتحدة. تلقى تعليمه في كلية هامبشير وجامعة سيراكوز ويواصل حاليا دراسته لنيل درجة الدكتوراه بجامعة تكساس.  اصدر مجموعته الأولى تحت عنوان (حين اكبر اريد ان اكون قائمة بمزيد من الاحتمالات) ادرجت في القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الوطني لعام 2017.

 

 

2609 سارا بروديترجمة صالح الرزوق

متى ولماذا بدأت التفكير بإنغريد شولتز؟. يا لها من عاهرة. هذا ما كنا نقوله عنها في صبانا في مخيم جيرونيمو. والآن أنا بالتاسعة عشر، وقوميسار ويمكنني أن أتجول حول البحيرة بقارب، والمخيمون معي على متنه بإرادتهم، وهم يضعون أيديهم في الماء، و يحملون منه كومة رقيقة من الزنابق.

كان الوقت في أواخر حزيران، وقد وقفت إنغريد مثل لقلق في برج الحراسة، وهي تنفخ بصفارتها. كانت تعشق الصفارة. ولا أعتقد أنه من الحكمة أن يقدم لها أحد منا صفارة. كانت تحت الضوء الساطع تدهشنا بجمالها، فملامحها واضحة، وشعرها طويل ونحاسي، ومن القارب كنت أنظر لها وهي تدعك سمانتها بقدمها العارية، وتتكلم بلغة العصافير.

قالت وهي تشهق بالصفارة: “أنت ترتكب الأخطاء الجميع هنا يقترفون الأخطاء”.

جدفت حتى الميناء، متجاهلا احتجاج تود دوناهيو ذو الوجه المتغضن وهوارد ميركل بوجهه المغزلي. توسل تيد يقول:”مرة أخرى من فضلك”. ولكن عوضا عن الإصغاء له قفزت لليابسة وأسرعت بخطواتي على عشب القصب الذي يغطي أطراف البحيرة، ميمما شطر إنغريد لمواجهتها. كل دفعة من الصافرة كانت تهز كياني. هذا استعمال أخرق للسلطات، جنون. شاهدت كتابا سميكا تحت كرسيها الخشبي. وتساءلت ماذا عساه يكون. اشتريت للمخيم في الصيف الماضي “هوبيت” وكم أحببته. كانوا يتناولن الطعام ست مرات باليوم. ومع أنهم خجولون فهم شجعان أيضا. هل يمكن أن أكون مقداما؟. سيحل موعد الغداء بغضون خمس عشرة دقيقة، وكنت أزمع أن أطلب منها أن تخرس قبل أن أفقد أعصابي. وكنت أريد أن أعرف لماذا تتصرف هكذا، وماذا تتوقع أن تجني، ومن تستهدف، وماذا تقرأ. ولكن أجبرني للعودة إلى الشاطئ وجود تود وهوارد في القارب.

قال تود:”اسمع يا سيمون”.

قلت له:”ماذا؟”.

“هل يمكننا قلب هذا والغطس تحته”.

“لماذا تتوقع أن أوافق؟”.

“لأنك إنسان رائع”.

انتفخت بالاعتزاز بالنفس. كنت أحب هذين الولدين. لهما أكواع وركب عظمية مستديرة، ولم يخطر بذهني أنه يمكن أن يلحقا الضرر بنفسيهما ويبتعدا بالقارب، فالبحيرة مقرفة، وربما ممرضة. ولعل هذا هو سبب الصفير المتكرر.

قلت:”نعم. اقلبه. ولكن لا تبتعد كثيرا. كي لا تجرح رأسك بالشاطئ”.

لقد أحرجاني. كانا يجدفان بشكل رديء. وما أن أصبحا على مسافة قصيرة من الشاطئ، بدآ بالاهتزاز، ثم انقلب القارب بغضون ثوان. وارتفعت صيحات البهجة ومعها صفرات إنغريد الثاقبة التي طارت من برج الحراسة، ووصلت البحيرة وهما يظهران برأسيهما فوق سطح الماء. وأسرعت بمواجهتي، وهي تلتقط نفسا عميقا ثم تنفخ بالصافرة مرة إضافية.

قالت:”ماذا تفعل بحق الجحيم؟هل أنت تتابعهما أم لا؟”.

قلت:”إنه حادث. هل يمكنك أن تتوقفي عن الصفير؟”.

قالت إنغريد للولدين:”اخرجا من الماء. كلاكما تورط في مشكلة كبيرة”.

صعد الولدان للشاطئ، وهما يضحكان، وأصبح قميصاهما داكنين بسبب ماء البحيرة، وقد تدليا حتى الركبتين.

قالت لهما إنغريد:”عودا لكوخيكما. سأخبر المدير بما حصل”.

قال تود بلهجة من يسأل:”لكنه حادث. أقسم أنه حادث”.

“سنرى ماذا سيقول جاك”.

لم يكن يردع هذين الولدين شيء. إيمانهما بي لا يتزعزع. تمخترا بأقدام حافية باتجاه الأكواخ. ورمقتني إنغريد وقالت:”أنت تعلم أنه من غير المفروض أن أكون هنا وحدي. نحن اثنان. ويفترض أن نكون كلانا حريصين” .

سألتها:”ماذا تقرأين؟”. وفكرت بالسؤال و بخرق القوانين، الأمر الذي جعلني فجأة عصبيا. وبدلت وضعية الوقوف، وهرشت مؤخرة رقبتي.

قالت:”الحرب والسلام”.

“غير معقول”.

“إنها فاتنة”.

“ما موضوعها؟”.

“عن الحرب والسلم. وفصول السلم هي الأفضل”.

“أخبريني بالمزيد”.

قطبت عينيها بكثير من الشك و قالت:”لماذا؟”.

“قلت إنها مذهلة. من لا يريد أن يستمتع؟”.

قالت:”أنت ثقيل. دائما غليظ. حسنا. هي عن شاب اسمه بيير، وهو البطل، تقريبا، وكل الشخصيات ستة أسماء”.

ونظرت لساعتها، والتفتت للبحيرة، وزعقت بالصافرة وصاحت:”على الجميع مغادرة البحيرة. هذا وقت الغداء. اذهبوا لصالة الطعام”.

واستدارت نحوي وقالت:”هيا تعال. سأخبرك بتفاصيل إضافية ونحن نتمشى”.

**

في مدينة سانت بطرسبورغ، عام 1805، ومع احتلال نابليون لغرب أوروبا بدأ الخوف يتحرك في روسيا، وهناك نقابل بير بيزوخوف، بطل الحكاية، وهو إنسان غريب اجتماعيا ولكنه ابن غير شرعي ومحبوب لكونت غني.

قلت:”حسنا. أشكرك. وصلت الفكرة”.

“ماذا تفضل أن تقرأ؟”.

“هوبيت. وهي عن أقزام خرافيين صغار القامة ومغامرون. وأراهن أنك تعتقدين أنها قصة شعبية”.

“هذا بالضبط ما أفكر به”.

“كيف تحصلين على هذا التأثير من الشمس”.

طرفت إنغريد بعينيها وقالت:”ماذا؟”.

كانت التلال وراء مخيم جيرونيمو مكسوة بغابات كثيفة، وتنتشر منها رائحة الصنوبر وهي جافة ومظللة.

كان الطقس، في يوسيمات في ذلك الصيف، حارا ودون رياح - والسماء معلقة فقط. أحببت بطء الأيام، ورائحة دخان نار المخيم، والإحساس بالغبار وهو يلوث القدمين، والهواء الرقيق والنظيف. كانت إنغريد منحوتة من عظام وزوايا حادة، ويبلغ طولها أكثر من خمسة أقدام بقليل، ووزنها أقل من مائة رطل، وأردت أن تقف على كتفي كما يفعل الببغاء.

قالت:”من باب ذكر الحقيقة فقط أعتقد أن الحرب والسلم مبالغ بسمعتها”.

“لماذا إذا تقرأينها؟”.

“لكن بوسعي أن أذكر إنهم يبالغون بتقديرها”.

بلغنا ملعب الرماية بالقوس، وهناك كانت ثلاثة أكوام من القش مرتبة بشكل أهداف على مسافات مختلفة من المنصة الخشبية. وأعلم أن إنغريد كانت جيدة برمي القوس. وهي جيدة بكرة البينغ بونغ كذلك. وفي إحدى المرات كانت بطلة مسابقات مخيم جيرونيمو حتى سلب التاج منها بيل تروب. كان صبيا مثل النمس مع قصور وراثي منحه زوجا إضافيا من جفني عينين ضفدعيتين براقتين. وأثار زوبعة حنقها استيلاء شخص ما على ما تدربت عليه بالبداهة، وطالبت برفع اللقب عنه، ودون تردد. ومع أن بيل يمكنه أن ينظر لفترات طويلة نظرة مركزة، وجدت أن نظرات إنغريد أشد فتكا، وصلابة، وإيلاما. بينما يبقى بيل مثل أحول وبليد. هل كان غريبا أن أتذكر كل هذا؟. ورغم ذلك لا أرى أنني كنت أعرفها.

قلت:”اسمك الأوسط هو سيدويك. ما هذا الاسم سيدويك؟”.

“هو اسم بكارة أمي. وما معنى اسمك المتوسط تيموثي؟”.

تثاءبت وتمططت وقلت:”اسم عادي. ولكن تعبت. هل تسمحين لهم بالنوم ليلا؟”.

“من؟”.

“المخيمون. هل يذهبون للسرير؟”.

نظرت لي وقالت:”طبعا أرسلهم لأسرتهم. وأنت؟”.

“هل ستخبرينني بالتفاصيل؟”.

زمت شفتيها وقالت:”ربما. ربما لا. كم تسمح لهم بالبقاء سهارى؟”.

“قدر ما يشاؤون. أجلس على الشرفة وأدخن وأسترق السمع”.

“تصغي لأبناء تسع سنوات؟”.

“أحب كلامهم”.

“فيه الكثير من العجائب. رعاة بقر. فضائيون. عساكر”.

قطبت إنغريد حاجبيها وسألت:”هل تعلم أنهم يأخذون تذكارات؟. العساكر. في فيتنام. يقتلون ولدا ويأخذون أصبعه أو شيئا آخر. مجرد ذكرى. سمعت ذلك”.

“ومن يهتم؟”.

“ما معنى من يهتم؟. هذه بربرية. هل لديك شك؟”.

“ماذا؟”.

كان هذا ما يسمى صيف العشاق، وقد انطلقت الفوضى العنصرية في عرض البلاد. وكان ريشارد سبيك، قاتل الممرضة، قد حكم عليه بالكرسي الكهربائي، وكانت الصين تجرب قنبلتها الذرية. ماذا يمكن أن يذهب بالاتجاه الصحيح؟. قرع جرس عبر المخيم معلنا نهاية وقت الغداء.

سألت:”حول ماذا تتكلم الفتيات في الليل؟”.

“لا شيء، لأنني أرسلهن للنوم”.

“وماذا عن الأيام التي كنت تخيمين فيها؟”.

“كنت أطلب منهن الصمت والذهاب للنوم”.

**

كانت متوترة وخشنة. جعلها الصغار إنسانة سادية. كان الأولاد في مقصورتي، يتابعون كل حركة أقوم بها، ومتنبهين بقدر ما يمكن للأولاد، وألمحوا أنني كنت مضطربا. وأصدروا صوت قبلات في الهواء، وسألوني متى موعد الزفاف. قلت لهم في إحدى الليالي:”لا ترفعوا من معنوياتكم كثيرا. إنها إنسانة تافهة”.

سأل رالف ولسون:”هل بمقدورنا أن نلعب لعبة المافيا؟”.

قلت:”بعد إطفاء النور”.

“منذ متى تهتم؟”.

كيف يمكنني أن أرفض؟. كان عددهم الإجمالي أحد عشر، واجتمعوا بحلقة على أرض الكوخ، وأغلقوا عيونهم. ووراء النوافذ، أشرقت النجوم مثل حليب مسكوب، ويمكن لمسه، وانصب ضوء القمر على البحيرة. واخترت تود ليأخذ دور المافيا، وأن يكون جون سوينسون الطبيب. أما رالف، وكان عدو تود في المخيم، فهو أول قتيل. ومع أن الهجوم لم يكن قويا، ويمكن توقعه بسهولة، اختار جون أن يعالج نفسه.

قلت له:”كان رالف بنزهة حينما هربت المافيا بطائرة. وألقوا من النافذة بنسا واحدا (*قرشا واحدا)، وسقط بسرعة كبيرة وأصابه على رأسه وقتله”.

لم تكن حكاية ممتعة، لكن الأولاد شهقوا من الضحك. وكنت أعلم أن هذا هو المقصود من الحب، وأنني سأنفق كل بقية عمري أفكر بهذه المشاعر؟. وفجأة بدا من المحتمل أن الأولاد الذين بعمري كانوا يلقون حتفهم الآن في الغابة، وتقلصت حنجرتي فورا. وبعد عدة جولات، نصحتهم بالعودة لأسرتهم، وهناك تابعوا الثرثرة، وكانوا في أكياس النوم يشبهون الديدان الملونة.

حياني تود بقوله:”أنت تحب هذا المكان”.

“من أحب؟”.

“ملكة إنكلترا”.

“اذهب للنوم”.

خرجت وجلست على كرسي خفيف على الشرفة، وشحذت سمعي لأتابع حوارهم. كانوا يتناقشون حول جزيرة غيليغان، للتنبؤ من من المبعدين سيربح المعركة الملكية. وتساءلت، وقلبي يدق في صدري، هل سيتجاوز عمري قريبا كل هذا، بل ربما تجاوزت هذه المرحلة فعلا.

**

أخبرتني إنغريد وهي تجلس في حضني إنها تحب الغابة في الليل. وقالت:”دائما أخشى أن أقع بين أيدي دب. ومع ذلك أحضر إلى هنا. كل الأولاد يشخرون. والرائحة كريهة في تلك الأكواخ. ما الغاية من المخيم إن لم تنم في العراء؟”.

“تنامين في الغابة؟”.

“لا يا غبي. أتنزه في الغابة. وأنام على الشرفة”.

فاحت منها رائحة العرق وكريمات الشمس. حركت يدها فوق صدري. وضغطت بوجهها على رقبتي، وأنا أجلس معتمدا على جذع شجرة خشن، متجمدا من العذاب بسببها و سببي. كيف حصل ذلك؟. جمعت أطراف شجاعتي لأدعوها لنزهة أخرى. وطلبت منها أن تخبرني المزيد عن الحرب والسلم، وتساءلت ماذا يجب أن أفعل بيدي. تسلل ضوء القمر من بين الأشجار، وجعل لون الأرض قاسية وألقى ظلا عليها.

سألتها:”لماذا لم نفعل ذلك من قبل؟”.

قالت:”لماذا تهتم؟. كما قلت الكتاب مبالغ بأهميته. الصغير بيتيا و..”.

“هل يمكن أن لا نطرق هذا الموضوع الآن؟”.

“أنت من سألني عنه”.

“أنا فقط --”.

“تريد أن تستلقي”.

وافقت. صعدت فوقي، ودست يدها تحت حزامي، وحكته. وبدأ قلبي يدق.

تابعت تقول:”عموما كان هو المفضل لدي. ولكنه مات في ذهني. كما قلت سابقا الفقرات التي تتناول السلام أفضل من الفقرات الخاصة بالحرب. كان بيتيا على صهوة فرس، و--”.

قاطعتها بصوت نقيق ضفدع:”إنغريد”.

قالت:”آه. حسنا. سأذكر التفاصيل لاحقا”. وسحبت يدها وجلست، وعقدت شعرها بمطاطة زرقاء حصلت عليها من استوديو مهني. وبالضوء الباهت دققت النظر بثدييها، انتصبت الحلمتان.. مالت لتقترب مني والتقت عيوننا. قالت:”توقف عن التحديق. وجهي هنا فوق.. أعلى بقليل”.

قلت:”مفهوم”. هل شعرت بالخوف؟. أفترض أنني شعرت بالخوف، أم ربما كنا نقترف خطيئة؟. هناك مئات الأساليب لألمسها، ولكن لم يسعنا أن نتحرك. تابعت باستسلام:”شاهدت وجهك كثيرا، ولكن لم أشاهد --”. حركت فمها على طول صدري، حتى معدتي، وقالت:”أنت لم تجرب ذلك من قبل”. وكانت تخبرني ولا تسألني، بمحاولة لتتحكم بي في كل الأحوال.

**

في تلك الأيام كنت أستطيع التعامل مع أي شجرة. وبدأت بالتلصص عليها من بين أوراق وأغصان السنديان الأسود. واختلاف الأشخاص يحدد طبيعة الأشياء. فالنزهة برفقة الأولاد، غير التزاحم بالمناكب مع إنغريد، ولكنها كانت تكرر نفسها أينما ذهبت، ومهما كانت اهتماماتها. كانت تقفز على الصخور في البحيرة، وتعض شفتها، وتركيزها الذهني يشبه التوتر. وكانت تقرأ بضوء الشمس، وتقلب صفحات الكتاب الذي لا تطيقه، دون أن تنظر للأعلى. وكنت أتعلق بغصن فوقها يوم انتهت منه. ألقته على العشب، واستلقت على ظهرها، وشاهدتني. صاحت:”أنت أيها القبيح. ماذا تفعل عندك؟”.

“مرحبا يا أنغريد”.

“هل تتلصص علي؟”.

“وما الجديد بذلك؟”.

في ختام الحرب والسلام، اقترن بيير من ناتاشا. وتزوج أيضا نيقولاي وماريا. قالت إنغريد بعد أن هبطت من الشجرة:”لا زلت مقهورة من الأولاد الذين حبسوا الحصان”.

تابعت بعد قليل:”عموما الخاتمة طويلة وتبدو لي مثل درس ومواعظ. هل تفهم ماذا أعني بكلامي؟”.

ونهرتها بسبب السؤال وقلت كاذبا:”طبعا أفهمك. وماذا جرى بعد ذلك”.

“كم مرة تلصصت علي؟”.

“لم يكن تجسسا. هي نظرات فقط. هل تبدو ناتاشا مثل ناتاشا في روكي وبول وينكل؟”.

“أنت صغير. نعم هكذا تبدو. ما الفرق بين التجسس والنظر؟”.

سألت نفسي هل استرقت النظر من أي شخص في حياتها. وهل هي مثل الشمس التي تضيء نفسها؟. كنت مهووسا بها، انحناءة كتفيها، والبعوضة حين تعض ساقها، وكنت مغرما بالنظر لخيالنا على سطح البحيرة، متأملا تعبير وجهي حين أراقبها. هل قرأت ذهني، وهو شيء سهل بالنسبة لها، ونادرا ما تفعل ذلك، ربما كانت تود أن تخبرني أنني لم أكن أنظر لها، وفي الحقيقة كنت أنظر لنفسي.

في تلك الليلة شاهد تود دناهيو كابوسا وانضم لي على شرفة الكوخ. وكنت أستعد للقاء إنغريد وشعرت بغصة من الغضب ولكن سرعان ما تلاشت حينما سمعت صوته يئن ويرتعش. قال:”كل من أعرفهم يحتضر. علينا أن نذهب إلى ماد هاتير في أرض الديناصورات على الأقل لعشر أيام للشفاء”.

قلت:”هذا ليس سيئا للغاية”.

قال:”آه. ولكنهم مريضون جدا. وجوههم طحلبية خضراء ويتقيأون. أنا الوحيد المتبقي على ما يرام، ومسؤول عن الرحلة، لكن زر التحكم يفشل دائما”.

ثم قطب وجهه وتأملني وسأل:”هل لديك سيجارة؟”.

“أنت صغير جدا”.

“هذا ما يقوله الجميع عن كل شيء”.

“هل ستذهب للنوم لو قدمت لك سيجارة؟”.

“آه....”.

سحبت سيجارة من علبة كاميلز وقدمتها له. ولكن المشكلة كانت بأعواد الكبريت. أشعل ستة أعواد قبل أن يحاول إشعال السيجارة وارتعش حينما بدل حركته أخيرا، فقد كانت النار تنطفئ بعد كل محاولة. أخذت منه السيجارة وأشعلتها. أخذ نفسا، وتلعثم، و انتفض بعينين دامعتين. وأعاد لي السيجارة.

سألني:”هل يجب أن تكون كبيرا لتحب السجائر؟”.

قلت:”ربما. هل أنا كبير بالعمر؟”.

“ربما”.

“هل يمكن أن تذهب للنوم الآن؟”.

“حسنا”.

انسحب للداخل. دخنت السيجارة، وسمحت للدخان أن يحتشد في رئتي ونفخته من أنفي. رميت رأسي نحو السماء، وارتحت للقمر الفضي، المنحني مثل ظهر قطة نائمة - وشكرت ربي على رفقة الأولاد.. فهم بعمر تسع سنوات وبعيون براقة وصادقة، كانوا يصفقون بصوت مرتفع كلما قفزت من أغصان الأشجار المرتفعة. وأعلم أنهم يحلمون الآن أن يكونوا ذات يوم مثلي، رجالا، يتحملون مسؤولية هذه الأمور.

سارة برودي Sara Brody كاتبة أمريكية مولودة في سان فرانسيسكو. تنقلت بين جنوب كاليفورنيا وفرنسا والكيبيك. حائزة على ماجستير باللغة الإنكليزية من جامعة ولاية سان فرانسيسكو. تكتب القصة والمسرح.

 

2600 وندي كوبترجمة: عادل صالح الزبيدي


الرجال اللعينون

الرجال اللعينون مثل الحافلات اللعينة

تنتظرينهم ما يقرب من عام

وما ان يقترب احدهم من موقف حافلتك

حتى يظهر اثنان او ثلاثة آخرون.

تنظرين اليهم وهم يرمّـشون بـمصابيحهم

يعرضون عليك توصيلة.

تحاولين ان تقرئي الوجهات المقصودة،

ليس لديك وقت كاف لاتخاذ القرار.

ان ارتكبت خطأ فليس ثمة تراجع.

ان قفزت مترجلة، فستقفين هناك وتحدقين

بينما تمر العربات وسيارات الأجرة والشاحنات

والدقائق والساعات والأيام.

***

............................

وندي كوب: شاعرة انكليزية من مواليد عام 1945 تلقت تعليمها في أكسفورد وعملت بعد تخرجها في التعليم الابتدائي لمدة خمسة عشر عاما، ثم محررة في مجلة (كونتاكت) التربوية اللندنية قبل أن تتفرغ كليا الى الكتابة ابتداء من عام 1986 عملت خلالها ناقدة تلفزيونية لصحيفة (ذي سبكتيتر) حتى عام 1990. منحت وندي كوب جائزة كولمونديلي لعام 1987 وجائزة مايكل برود للشعر الساخر لعام 1990. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (تحضير الكاكاو لكنغزلي آميس) 1986 (اهتمامات جادة) 1992، (لو لم أعرف) 2001 ، و(قيم عائلية) 2011، فضلا عن مجموعتين شعريتين للأطفال .

 

خيري حمدانترجمة: خيري حمدان


Разстоянието между мен и теб

المسافة ما بيني وبينك

تفاحتان، سحابةٌ رعدية

وحفنةٌ من الكلماتِ غير المُباحة.

المسافةُ ما بيني وبينك قفزتا غزال

وزقزقة زرياب،

ورائحةُ عشبٍ نديّ عندَ مطلعِ الفجر،

المسافةُ ما بيني وبينك سرٌ.

ريحٌ في مساءاتِ شجيراتِ صنوبر.

ضجيجُ البحرِ القابعِ في عمقِ المحار. صداع.

المسافةُ ما بيني وبينك لنا وحدنا.

لذا نحميها بعيدًا كيلا تؤذي الركبة،

كيلا تهزّ الأرجوحة بشدّة

ولنتعلّمَ الدرسَ

والمسافة تطول وتطول...

**

Аплодисменти

تصفيق

تصفّقُ قطعُ القرميد

تصرّ بسأمٍ عند العتبة.

لستَ بحاجةٍ لروحي،

لكن وعلى أيّة حالٍ، ما دمت مصرًا

خُذْها، واصنع منها سقفًا

من أفكارٍ هدّامة،

لأحلامِكَ أنتَ، المبتلّة بماءِ المطر،

للشرفِ المهدورِ في بيوتِ البغاء،

للوفاءِ بلا سببٍ ومبرّر،

للبدايةِ الإلهية تلكَ،

لأمَلَكِ الذي لم يرَ النور،

ولمكانٍ ما حيث الأبيض..

 

قطعُ القرميدِ تصفّقُ.

سئمة، تصرّ عند العتبة.

روحي تنهار كلّها،

لكن، خُذْها عندَ الضرورة..

**

Колело

دولاب

قدرَ الإمكان. أقلّ أو أكثر..

في عالم العمالقة، شخصٌ ضئيلُ البنية.

اليومَ أو غدًا. لا تنسَ الأمس.

تتأخّرُ ثانية عن العشاءِ السرّي!

أترغبُ أن أحوّلك ليقطين،

حتى ينبت الأميرُ من العدم؟

قطعاتُ الجيشِ لا تخلو من خائن.

قدرَ الإمكان. خبزٌ أم جبنة.

الاستعراضاتُ الشعبية ليست للفهم.

سماءٌ زرقاءَ صافية برسمِ الإيجار.

لكنّنا نجهل ذلك.

دخانٌ في مجرى الماءِ، غبارٌ في الهواء.

دورُ المهرّج الحزين في المسرح.

هل أملكُ الوقتَ وربّما ليس لديّ رغبة

أن أتصنّع، أن أتكلّف حدّ الغيبوبة.

الدوافعُ كثيرة ولا أسباب.

أين أبقى؟ لمَ أرحل؟

هناك سحرٌ لا يخلو من احتيال.

قدرَ الإمكانِ. ولا أكثر بعد الآن.

***

........................

ديانا يوسكولوفا: على الرغم من موهبتها الفذّة تقدّم ديانا نفسها غالبًا كامرأة تقليدية قادرة على ترتيب الحروف والكلمات. ولدت الشاعرة ديانا يوسكولوفا في العاصمة صوفيا عام 1972، لكنّها عاشت وترعرعت في العاصمة البحرية فارنا. درست علم النفس والاقتصاد وتعمل منذ 10 سنوات في مجال الصحافة والإعلام وتعمل كذلك محرّرة لدى بعض دور النشر. تحبّ السفر والتحدّيات والمغامرات وفي الوقت نفسه لا تهمل حياتها العائلية. أهمّ الأعمال التي صدرت لها، ديوان "مصادفة 2010"، "متاهة الطيور العمياء 2013"، " تصفيق 2018" كما صدر لها مجموعة قصصية بعنوان "ضجيج جانبي 2018". هذه أولى قصائدها المترجمة للغة العربية. ديانا تعدّ من الأصوات الجريئة المميزّة في عالم الشعر الحديث في بلغاريا.

   

قصة قصيرة بقلم : أدريين أودول

ترجمة: عبد الله هاشي


اعتاد عمر على السير بقطيع الغنم صوب الهضاب حيث تنتشر المراعي المعشبة المترامية على خاصرة مدينة تارودانت. تنقضي عليه خلف الخرفان ساعات النهار تمتلئ بكل ألوان السأم والبطء والضجر. أحيانا، تشاركه رفيقته فاطمة الزهراء متاعب الرعي وضنك المكوث على امتداد النهار في الحقول والشعاب الخالية.

كانا، معاً، يقضيان أوقاتهما ينشئان هنا وهناك مواقد صغيرة يطبخون على نيرانها كل شيء وأي شيء تقع عليه أياديهما : ما يتيسر من الفطر، ومن سيخ الجراد، ومن نبات العسقل الذي تملك البنت الصغيرة إلماماً بمكنون أسراره، وفي بعض المرات عصفوراً يسقطه عمر بضربة المقلاع. وبالقش كانا يستخرجان ألوانا من النغمات ومن النبرات الموسيقية؛ وبأعناق الأوراق الكبيرة وبالسيقان الغليظة للنباتات ينجحان في إطلاق صافرات متعددة الطبقات والاصداء .  كانا لا يشبعان من ممارسة لعبة الكعب، وكثيرا ما يهيمان في أشكال من الهذر ومن الثرثرة التي لا تنتهي لحد ما تنهدٌ بين جوانحهما الخلجات وتخور الانفاس .  كانت فاطمة الزهراء ذات ثلاثة عشر عاماً ؛  أما عمر فذو ثماني سنوات.

وإلى الجانب الأسفل من الهضبة النازلة في منحدر خفيف، ينحفر واد صغير تعبره طريق مرسومة بحوافر البهائم وبأقدام العابرين، متقلبة الاتجاهات، تقوم على جانبها شجرة تين طاعنة في القدم، قليلة الارتفاع، متشابكة الأغصان، تمارس ظلالها الكثيفة على الرعاة غواية تستهوي اليها الافئدة وتجتذب النفوس. لكن عمر وفاطمة الزهراء يحرصان شديد الحرص على عدم الاقتراب منها بسبب ما سمعا عنها من الحكايات التي تشتهر بها كشجرة تين ملعونة حاملة للشؤم، يتميز ظلها الآسر في مخيلتهما كمرتع غامض للمصائب والنحوس.

في اللحظات الأخيرة من ظهيرة ذلك اليوم الشديد القيظ، انتبهت فاطمة الزهراء الى أن عنزاتها الثلاث قد انفصلن عن خرفان عمر وسرحن عبر المساحة المعشوشبة تحت ظلال شجرة التين  السيئة الذكر.  فانطلقت على التوٌ تركض، مشمولة بسورة انفعال عنيفة، وهبطت مسرعة عبر الهضبة المنحدرة للحاقهن وطردهن بعيداً عن المكان. وعندما جفلت العنزات وابتعدن مذعورات، رجعت لسبب ما – لأي سبب يا ترى؟ - الى الشجرة، فاستلقت على عشبها النديٌ، واستسلمت لظلالها اللذيذة تنشد استرجاع الانفاس، أخذ قليل من الرحة، مداعبة أطياف حلم عابر، وربما، أيضاً، مجابهة القدر المحتوم بالازدراء وبالسخرية وبالتحدي. ناداها عمر بكل ما امتلأت به جوانحه من مشاعر اللهفة والذعر والقلق؛ غير أنها لم تكن تسمع نداءه.

ومن الجهة الأخرى، تناهت الى مسامع عمر ضوضاء متصاعدة لموكب من الفرسان قادم يحث السير مسرعاً على الطريق المرسوم في مجموعة من نحو نصف دزينة من الخيالة أحدث وصولهم زوبعة من الغبار بسطت رداءها المعفر على مجموع الفضاء. هرع عمر فاختبأ ما بين الأعشاب حتى لا تقع عليه أبصارهم، ومكث ينتظر مرورهم...  مروا به؛ ثم، فجأة، كروا راجعين على أعقابهم، وقصدوا شجرة التين. وإذا بقائد المجموعة يترجل عن حصانه متسربلا في برنسه الأبيض؛ يرمي باللجام لأحد مرافقيه،  ثم يتقدم قاصدا فاطمة الزهراء التي رفعت رأسها متطلعة اليهم من تحت الشجرة. لمح عمر الرجل وهو ينحني عليها؛ ورأى بأم عينيه أرفال برنسه الأبيض وهي تنتشر عليها في الهواء متموجة ومرتعشة لكأنها أجنحة الكواسر الهائجة.

اصطف بقية الفرسان في نصف دائرة من حول شجرة التين، فلم يتمكن عمر من رؤية أي شيء مما كان يجري. وانصرمت دقائق معدودات في سكون بهيم كأنها حقب طويلة من الدهر. وها هو الفارس المقدام يعود للظهور من جديد؛ وبحيوية الرجال، يثب وثبة رشيقة على ظهر حصانه.

استأنفت الزمرة الصغيرة من الفرسان طريقها بعدو سريع على وقع اللحظات الأخيرة من نهاية النهار.

بعد كل الزمن الهائل الذي قضاه عمر مختبئاٌ ما بين الأعشاب والاشواك يرتعد خوفاً من أن يعثروا عليه، يقوم من مكمنه، ويهرع راكضا صوب رفيقته.

وجد فاطمة الزهراء منطرحة على الأرض، شاحبة اللون، تنسدل على ملامحها،  بين أحضان البلبلة التي انتثرت على ثيابها، وسامة فريدة وجمال آسر. اقترب منها عمر وجثا الى جنبها. لمح على احدى ساقيها خيطاً رفيعا من الدم يكاد يجف. استعاد عمر بعضا من صفاء الذهن فشرع يتكلم بصوت خافت الى صديقته؛ حاول أن يحركها لكنها أصدرت أنيناً مخنوقاً وموجعاً دفع به الى النهوض والتقهقر؛ ثم لم يلبث أن أطلق ساقيه للريح طلباً للنجدة، وبحثاً عن المساعدة والعون.

وصل القرية يلهث من فرط ما جرى وركض وأسرع؛ وعلى باب بيت محجوبة، أم فاطمة الزهراء، راح يطرطق ويخبط بكلتا قبضتي يديه. فتحت المرأة باب الدار تعلو محياها ملامح غضب واستياء.

صاح عمر أمامها والدموع تنهمر على خديه : " فاطمة الزهراء. مستلقية تحت شجرة التين. إنها مريضة. أظن أنها ستموت ".

خطفت محجوبة لها وشاحاً تتغطى به، ونادت على بعض جاراتها، ثم انطلقن جميعا يسرعن الخطى صوب شجرة التين الملعونة. أما عمر، فقد انبطح على الأرض منهوك القوى، يكاد يفقد كل قدرة على التنفس.

بعد لحظة من الاستراحة، هب عائداً الى المراعي من أجل معاينة عودة النساء. كانت اثنتان منهن تحملان فاطمة الزهراء ملفوفة في الغطاء، معدومة الحراك؛ بينما لبثت الأخريان تسندان الأم المنتحبة والمبعثرة الملامح من البكاء والعويل. وتقدم عمر منهن قليلا ثم سأل بنبرة يكتنفها الاختناق : " هل ماتت ؟ "

" كلا. لم تمت. " صرخت فيه الأم بشراسة ارتعدت لها فرائصه.

كان الليل قد شرع يسدل ستائره على الكون. وجازف عمر بنظرة وجلة على الوادي الصغير، فتبدت أمام عينيه الكتلة المعتمة لشجرة التين كأنها كائن مخيف يتقرفص في حالة توثب وترقب؛ ومن ورائه على جبين السماء الطافحة بلحن الغسق تراقصت باقة من الأثلام المغراء كآخر ما تبقى من الفلول والدلائل التي زخر بها الغروب الباذخ الأسى في ذلك المساء.

سار الراعي الصغير بقطيعه الى الضيعة؛ ثم عاد للبحث عن عنزات فاطمة الزهراء، وأخذهن الى ملجئهن، ثم أوصد عليهن زريبتهن. ولقد كال للعنزات المشاكسات ألوانا من التعنيف والضرب الشديد بالعصا وفيض غزير من الشتائم : " يا أيتها الخبيثات الشريرات. يا أيتها الحقيرات الممقوتات. " أولسن هن الجانيات اللواتي تسببن في ذهاب فاطمة الزهراء صوب شجرة التين ؟

ولما تبين لعمر بأن مهماته قد أشرفت على نهايتها، اجتاحته مشاعر تصده عن الرغبة في الحصول عما استجد من أخبار صديقته؛ لذلك قرر أن يعود الى البيت. كانت أمه غائبة. تناول قدرا مليئا باللبن وشرب منه رأساً جرعات معدودات؛ والتهم بقايا عجة باردة من البيض؛ ثم خلد الى النوم ترتسم على شفتيه برطمات مسترسلة وتعابير تذمر وغضب.

في الغد، قضى يوما طويلا وثقيلا لا نهاية له. ضاعت في عينيه كل رغبة في اللهو واللعب. ولقد انطلقت على مقربة من قدميه تقريبا حجلة، فما خطر بباله أن يتناول المقلاع لإسقاطها.

ظل جالسا طيلة النهار يجرفه الحزن والألم. غفا قليلا، سرعان ما هب منتصبا من غفوته. ساعة قبل حلول الغروب، هاجت به العواطف والشجون، ونفذ منه الصبر، فكرٌ راجعاً بالقطيع الى الضيعة قبل الموعد المعتاد. وقصد منزل محجوبة للسؤال عن رفيقته. طرق الباب عدة طرقات مفعمة بالتهيب والحياء. فتحت له الأم، فأبصر حياله وجهاً قد خربته الدموع وعبثت به الخدوش. كانت فاطمة الزهراء مستلقية على المقعد المنجد ملفوفة في البطانية. دنا منها متمهلا ثم قال لها بصوت خافت : " هل تتألمين ؟ " لا من جواب.

" ماذا بك ؟ " سألها. حينئذ، أشاحت البنت عنه بوجهها دون أن تنبس بكلمة؛ ثم إنها أخرجت يدها من تحت البطانية وأشارت اليه بالانصراف. " انصرف. انصرف. " وارتد عمر  الى الوراء ،  متسائلا  :  "  لكن،  يا ترى، ما ذا بها  ؟  إنها لم تعد مثلما كانت. "

" معك الحق، يا ولدي عمر "؛ همست الأم محجوبة، ثم استطردت : " لم تعد مثلما كانت... وسوف لن تعود الى الأبد مثلما كانت. "

عندما رجع عمر الى البيت، وجد أمه بصدد القيام بتغييرات وترتيبات منزلية كبيرة و بادية الأهمية.

بادر الى الكلام يريد إخبارها قائلا :

- " هل تعلمين، يا أمي، بأن فاطمة الزهراء... ".

وردت عليه تقاطعه :

- " أجل، أجل أعرف؛ لا تعد الى الحديث مرة أخرى عن هذا؛ الأمر لا يعنينا. "

ثم إنه سألها في ذهول :

- " لكن، ما ذا تفعلين ؟.

- " إنك ترى ما ذا أفعل.  إنني أجمع أمتعتنا وحوائجنا؛  فغداً، في الصباح الباكر، سنرحل... سنذهب للإقامة بمدينة الرباط.

وكذلك كان؛ مع الانفاس الأولى من صباح اليوم الموالي، وبعد مسيرة طويلة على الاقدام محفوفة بندى الفجر، وصلا معا، عمر وأمه، الى مدينة تارودانت. وانهار عمر على احدى المقاعد  الخلفية  للحافلة التي ما عتمت ان انطلقت  تلتهم  المسافات الطويلة متمايلة، مترجحة ومهتزة.

ولقد مكث، قبل أن تخطفه يد النوم، يحاول أن يتذكر شيئا تركه وراءه ونسي أن يحمله معه. كان متأكدا من أنه نسي شيئا. ما ذا كان هذا الشيء الذي ضاع منه يا ترى ؟ تضاءلت ملامح الجواب على صفحة ذهنه، فخلد الى الرقاد بلا يقين.

لقد كانت طفولته هي التي سقطت عنه في غفلة من الرحيل. طفولته في تلك البوادي النائية هي التي آثرت أن تتوارى مبتعدة وراءه. طفولته التي ما انفكت تمتلئ بكل أصناف البؤس والشقاء والقسوة، لكنها، كانت طفولة سعيدة.

***

................................

- Adrienne Odoul : Le Figuier maudit. Coté Maroc ( nouvelles ) V. 2006. Collection de nouvelles. Editions MARSAM – Rabat. MAROC.

 

 

Los zapaticos de Rosa*

ترجمة: بسّام البزّاز

حذاء روسا الصغير*

شمسٌ ضاحية

وبحرٌ مزبد

ورملٌ ناعم،

وپيلار

تريد أن تخرج

بقبعتها الجديدة

قبّعة الريش الجديدة

*

- كم أنتِ رائعة، يا طفلتي!

يا أنتِ يا فتنة!

قال أبوها...

قبّلها.

- انطلقي، عصفورتي الحبيسة

وهاتِ لي

من رمل البحر الناعم حفنة.

*

- سأذهبُ معك، بُنَيّتي.

قالت الأم الطيبة.

- ولكن، لا تعفّري بالرمل حذاءكِ الورديَّ، پيلار!

*

سارت الاثنتان نحوَ الحديقة

عبرتا صفّ أشجار الغار

قطفت الأم قرنفلة

وقطفت ياسمينة پيلار.

*

راحت تلعب،

بالطوق والجردل والرفش؛

راحت تلعب پيلار،

كان الجردلُ بنفسجيا

وكان الطوقُ بلون النار.

*

تطلعوا إليهما وهما تمران

لا أحدَ يريد أن تذهبا

انفجرت الأم بالضحك

وأجهش العجوزُ بالبكاء.

*

يعبثُ الهواءُ بشعرها

وهي تروح وتؤوب

مسرورة... جذلى... طروبْ:

- "خبّريني، أمّاه!

هل تعرفين ما معنى الملكة؟"

*

فإن تأخرتا

وعادتا

من شاطئ البحر

ليلا

فسيرسل الأبُ العربة

لتأتي بهما:

بالأم وپيلار

*

ما أجملَ الشاطئ،

ما أجملَ البحر

يغصّ بالبشر؛

مربية فلوريندا الفرنسيّة،

بنظاراتها الشمسيّة.

*

وألبرتو،

عسكري الاستعراض،

بقبعته المثلثة على رأسه

وعصاه في يده،

يُنزل القارب إلى البحرْ.

*

ماجدالينا! ما أسوأ ما تفعلين

بالشرائط والخيوط،

وتدفنين

دميتكِ في الرمل

مبتورة الذراعين!

*

سيدات

جالسات

على الكراسي

يتحادثن مع السادة

كأنّهن زهور

وفوقهنّ ظُللٌ

وشمسيات.

*

لكنّ البحرَ بدا قاتما،

لمنظر هؤلاء، بدا حزينا

فالفرحُ هناك

في تلك الناحية

في الناحية الأخرى

من الشاطئ.

*

صوتُ الموج هناك- يقولون- أجمل،

والرمل– يقولون- أبيض وأنعم

هناك

حيث الفتياتُ الوحيدات.

*

تركض پيلار إلى أمّها:

- أمّاه، دعيني أذهب إلى الرمل...هناك

سأكون مطيعة...أعدكِ

وسأكون في مرمى بصرك، هناك!

*

- يا لكِ من طفلة مدللة!

كم تثيرين أعصابي!

هيا اذهبي، ولكن...

لا تبللي حذاءك الوردي.

*

بلغ زبدُ الموج قدميها

صرخت الاثنتان فرحتين؛

وذهبت صاحبة قبعة الريش

ملوّحة بالوداع

*

ذهبتْ!

أين؟

بعيدا!

حيث الماءُ ملحٌ أجاج

حيث الفقراء

والعجائز

والمسنّون!

*

ذهبت الطفلة لتلعب

انحسر الزبد الأبيض

مرّ وقتٌ،

ومرّ نسرٌ

محلقا فوق البحر.

*

وحين انزوت الشمسُ

خلفَ جبل الذهب

أقبلتْ من صوب الرمل

قبعة خرساء.

*

هيّا، هلّمي. عجّلي:

- ماذا دهاك پيلار؟

لماذا تسيرين هكذا؟

لماذا تعودين هكذا

محنيّة الرأس؟

*

وتعلمُ الأمُ جيدا

لماذا تُبطئ پيلار:

- والحذاء؟ پيلار؟

أين حذاؤك الوردي؟

*

" يا لكِ من مجنونة! أين هو؟

قولي لي أين هو، پيلار! – سيدتي،

قالت امرأة وهي تبكي:

"حذاؤها معي، ها هو!"

*

" ابنتي مريضة...

عليلة... سقيمة

تبكي وحيدة

في الحجرة المظلمة

فأتيتُ بها لتشمّ الهواء،

لترى الشمس،

ولِتنام.

*

" البارحة رأتْ في منامها

نفسها في السماء،

سمعتْ تراتيلَ وأناشيد.

خفتُ، ارتعبتُ

وأتيتُ بها إلى هنا، ونامت".

*

كأنّها تعانقني بذراعيها الصغيرتين؛

وأنا أنظر وأحدّق في قدميها الصغيرتين العاريتين.

*

وصل الزبدُ إلى جسمي.

ورفعتُ نظري ورأيتُ

هذه الطفلة قبالتي

وعلى رأسها

قبعة الريش".

*

- "طفلتكِ كالصورة! – قالت:

كأنّها من شمع؟

هل تريد أن تلعب؟ إن أرادت...

ولماذا هي حافية، من دون حذاء؟"

*

"يا إلهي! يداها تكويان

وقدماها باردتان!

خذي، خذي هذا حذائي الأثير

فلديّ في البيتِ منه الكثير!"

*

"لا أدري، سيدتي الفاتنة،

ما الذي جرى؛

حتّى رأيتِ الحذاءَ الورديّ

في قدمي ابنتي!

*

أخرجت الروسيةُ منديلها

وجففت الإنكليزية دمعتها

ورفعت المربية الفرنسيّة

النظاراتِ من عينيها

*

فتحت الأم ذراعيها،

ألقت پيلار بنفسها على صدرها،

وأخرجت البدلة البالية،

من دون زينة ولا شرائط.

*

تريد السيدة أن تعرف كلّ شيء

عن الطفلة السقيمة:

لا تريد أن ترى امرأة تبكي

من الفقر!

*

- نعم، پيلار، أعطيها إياه!

وهذا أيضا! شالك! خاتمكِ!"

وأعطتْها هي حقيبة يدها،

أعطتها القرنفلة

وطبعتْ على خدّها

قبلة.

*

عادتا إلى بيتهما ليلا

بيت الحديقة الكبيرة؛

أتت بهما العربة

ساكتتين، واجمتين

وپيلار تجلس في المقعد الأيمن.

*

وروتْ فراشة

إنّها رأت،

من مكانها على شجرة الورد،

حذاء وردياً

محفوظا في علبة كريستال

***

...........................

* النص الأصلي في:

https://www.poemas-del-alma.com/los-zapaticos-de-rosa.htm

* هذه قصيدة تصويريّة (مثّلت في أوپريت عام 1984) كتبها الشاعر الكوبي الكبير خوسيه مارتي José Martí (1853-1895)

لن نطيل الكلام عن المؤلف، وهو سياسي وثوري وشاعر كبير.

حسبنا أن نذكّر بأنّه زعيم حرب الاستقلال الكوبية التي انتهت عام 1898 باستقلال كوبا عن السيطرة الإسبانية.

من المفارقات أنّ الدولة الكوبية تتخذ من خوسيه مارتي ملهما ومعلما وبطلا (مطار هافانا الدولي اسمه مطار خوسيه مارتي)

وهو ما تفعله المعارضة الكوبية المسنودة بالأمريكان (إذاعة وتلفزيون خوسيه مارتي التي تبثّ من ميامي)

أمّا على المقلب الأدبي والشعري فخوسيه مارتي يعدّ أبا الحداثة الشعريّة في أدب أمريكا اللاتينيّة. يغلب على أشعاره الطابع الإنساني ويتسم بموسيقيّته ورومانسيّته.

***

لخوسيه مارتي قصائد كثيرة في "أدب الأطفال" بمعنى الأدب الذي يتخذ من عالم الأطفال مسرحا له.

في القصيدة التي نقدم ترجمة لها، والتي توصف بأنّها "درّة أشعاره"، يرسم خوسيه مارتي تلك العوالم الطفوليّة والإنسانية، ويصوّر التفاوت الذي يتميّز بالوفرة لدى الغني والندرة لدى الفقير. بالعافية لدى الأوّل والمرض لدى الثاني. بحياة القصور وحياة القبور. بشاطيء الأغنياء وشاطيء الفقراء. ثمّ يرجّح كفّة المشاعر الإنسانيّة ويضفي على لوحته بريق أمل من أجل بلوغ عالم تسود فيه مشاعر الخير والحب والجمال.

***

2578 جين هيرشفيلدترجمة: عادل صالح الزبيدي

كانت هذه يوما ما قصيدة حب

قبل ان تتصلب مفاصلها، ويتسارع نفـَسها،

قبل ان تجد نفسها جالسة،

مرتبكة وحائرة قليلا،

فوق وقاء سيارة مركونة،

بينما يمر الناس جنبها دون ان يديروا رؤوسهم.

 

تتذكر نفسها وهي ترتدي ملابسها كأنها تتهيأ لموعد استثنائي.

تتذكر اختيار هذا الحذاء،

هذا الوشاح او الرباط.

 

كانت فيما مضى تشرب الجعة في الفطور،

وتحرك قدميها

في نهر جنبا الى جنب مع قدمـَي آخر.

 

كانت فيما مضى تتظاهر بالخجل، ثم أصبحت  خجلة حقا،

مطأطئة رأسها حتى سقط الشعر الى الأمام،

فلا تعود العينان مرئيتين.

 

كانت تتكلم بشغف عن التاريخ، عن الفن.

كانت جميلة حينها، هذه القصيدة.

تحت ذقنها، لم تتهدل طية جلد.

خلف الركبتين، لا لبادة شحم صفراء.

ما كانت تعلمه في الصباح تبقى مؤمنة به في الليل.

ثقة غير مستحضرة كانت ترفع عينيها ووجنتيها.

 

الرغبة الشديدة لم تتضاءل.

لم تزل تفهم. حان الوقت لتتأمل قطة،

زراعة البنفسج الأفريقي او الصبار الزهري.

 

اجل، انها تقرر:

شجيرات صبار صغيرة عديدة، في زهريات زرقاء وحمراء الطلاء.

حين تجد نفسها

يقلقها الصمت المطبق وغير المألوف لحياتها الجديدة،

فسوف تلمسها—واحدة، ثم أخرى—

بإصبع واحد ممدود كأنه لهب صغير.

***

....................

جين هيرشفيلد: شاعرة ومترجمة وكاتبة مقالات أميركية من مواليد مدينة نيويورك لعام 1953. تلقت تعليمها في جامعة برنستون. نشرت سبع مجموعات شعرية نالت او رشحت لجوائز مرموقة عديدة. عملت بالتدريس في جامعات عديدة وشاركت في برامج عديدة لتدريس الكتابة الإبداعية وفي مهرجانات ونشاطات كثيرة داخل وخارج الولايات المتحدة، وشغلت منصب مستشارة أكاديمية الشعراء الأميركيين خلال 2012-2017. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (عن الجاذبية والملائكة)1988؛ (قصر أكتوبر)1994؛ (حيوات القلب) 1997؛ (حصى وتجارب) 2004؛ و(تعال ايها اللص: قصائد) 2013.

 

 

2566 scott minarترجمة: صالح الرزوق


بعد لقاء كامنسكي بإله الشعر

عاد إلينا أصم. روحه

احترقت بدائرة مغلقة، والنصف البرتقالي

سقط في النار.

قصائده هي الجسد

المسكوب. في معتزل

مثل الملائكة، عصف الجنون بشعره،

ونظاراته قطفت رأسه.

وأشباح العائلة ما انفكت عن ملاحقته.

في تريستي* شاهدت الدجاج

يسد الدروب

وامرأة عجوز لوحت لي بإشارة معاكسة.

والجسر صب الماء تحته

ليرى كم يمكنه أن يبتعد

قبل أن يسقط رأسه.

 

لو قابلت كامنسكي هناك،

بين عقدة من الشقوق الطويلة

سيكون منكبا على القراءة، يقرأ، يقرأ ...

يجر المجلدات من الرف وهو يرتعش،

كما لو أنه يفعلها بقوة عينيه،

ولا يعترف

هل هو سيء أم رديء

فأنت محتار. أمريكا بشاطئين

أحدهما لبرودسكي والآخر

لكامنسكي.

لكن الثاني أطول من رفوف المكتبة،

وها هو، راكعا على ركبتيه وكوعيه، يتلصص

على العناوين وطيات الأغلفة المتساقطة.

وحينما يقف تسرع الريح،

والكلمات تفقس

وتتدحرج منها كل تلك الأجساد.

***

................................

* سكوت ماينار Scott Minar شاعر أمريكي معاصر. والقصيدة من مجموعته الأخيرة “أكورديون الجليد”. صدرت عن دار ماموث في منتصف عام 2021. الترجمة بإذن منه.

* تريست Trieste مدينة في إيطاليا.

 

 

خيري حمدانترجمة: خيري حمدان


самоличност

انتماء

كم من الوقت هدرتُهُ عائدًا إلى الماضي

وحين وصلتُ أخيرًا إلى هناك

كانت مدينتي قد رحلت

مع كلّ عمرانها وأصبغة جدرانها

وأماكنها الغامضة وتاريخ مولدي.

في محطة الحافلات المركزية شاهدت امرأة

كنتُ قد قبّلتها سابقًا في تلك المدينة

لكنّها قالت لي في هذه البقعة:

"ستنطلقُ حافلتك من المسرب الثالث".

صعدتُ وسارت الحافلة ما بين الأحياء

في كلّ ركن رُفعت ملصقات

لشخصٍ ما لا أعرفُ عنه شيئًا

ما هي هويته يا تُرى؟

أيكون موضعَ اهتمامِ الكثيرين

خارج حدود المدينة! 

وعلى صندوقٍ فارغ في محيط المدينة

جلست بائعةُ هوى لوّحت الشمسُ بشرتَها

انشغلت بتقشير كعبيها.

مهما طرأ من أحداثٍ ومواقف

تبقى بعضُ الأمور ثابتة لا تتغيّر

ما يبعثُ على الأملِ

واليأسِ أيضًا

وهي فرصة مواتية للنسيان..

**

Задръж рестото

احتفظْ بالباقي

ذات مرّة وأنا أتجوّل ثملا حزينًا

في متنزّه المدينة

ذي الأراجيح الكثيرة الصدئة

نظرتُ إلى النجوم مضطجعًا

على مقعدٍ دائريّ باردٍ يرفضُ تدوير

النجوم لأجلي.

ثمّ مضيتُ وبيدي غصنُ صنوبر قصير

يصلحُ لتعديله مسدّسا أخّاذ

وضعته في الحزام تحت سترتي

عبرتُ فوق الجسر بمحاذاة

ثلّة من رجال الأمن.

صعدتُ إلى عربةِ أجرةٍ ومضيت،

حين بلغتُ وجهتي طالبني السائق بالأجرة

قلتُ له: لا أملك مالا.

صاح وغضب وعربد.

عندها ناولته مسدّسي وقلت له:

إذا كنتَ شجاعًا حقًا

أطلق النار واحتفظ بالباقي.

ثمّ غادرتُ العربةَ ومضيتُ في طريقي

والصمتُ يقضم ظهري..  

***

....................

ولد الأديب طوني تلالوف في مدينة شومن البلغارية عام 1970. أنهى دراسة التربية الاجتماعية في جامعة شومن وحصل على شهادة الدكتوراه في التربية الاجتماعية عام 2012. يعيش ويعمل في هذا الإقليم القريب من البحر الأسود. أهمّ الدواوين التي صدرت للأديب تلالوف "المخمورون 1996"، "هنا وعبر تسعة جبال 2013"، "كسرة من أيقونة 2021". القصائد المترجمة هي جزء من ديوانه الأخير. حاز على الجائزة الأولى للشعر في مسابقة الآداب الوطنية للطلاب عام 2002. الجائزة الأولى للقصة عام 2007 والعام 2015 وغيرها من الجوائز في مجال الشعر والآداب. يعمل محرّرًا للعديد من الإصدارات الشعرية والمختارات الأدبية، عضو في اتحاد الكتاب وتجمّع الأدباء في مدينة شومن.  

 

 

جمعة عبد الله( ΓΙΑΝΝΗΣ ΡΙΤΣΟΣ )

ترجمة : جمعة عبدالله


يا ولدي، لا أعرف أي قدر كتب عليك وعليَّ

مثل هذا الشؤوم، الذي أحرق صدري بالنار واشتعل

قبيل - قبيل رنين أجراس طلوع الفجر

تتطلع كالعادة الى النافذة المعتمة لبزوغ ضوء الصباح الباكر

وتنطلق مسرعاً كأنك ذاهب الى الاحتفال

في عينيك الداكنتين وفكك المشدود

وانت في جرأتك الحلوة، ثوراً وعندليباً

وأنا الفقيرة . التعيسة .  المجنونة . الكلبة

أسخن مربى التفاح بعيون قلقة

وأنت مليء بالانشراح والبهجة

جعلتني اتوهج فرحاً كالفتاة الرقيقة

ولكن لا أعرف من الذي دفعني أن أركض حافية القدمين

أردت ان اضع صدري ليحميك من الرصاص

لكن آآآآآآآخ . وصلت متأخرة في تلك اللحظة المشؤومة

شعرت،  ان عظام الوطن تكسرت في صدري

**

أنهض يا مهجتي، لقد تأخرنا والشمس اشرقت، هيا

طعامك الصحراوي  برد في الماعون

وقميص العمل الازرق معلقاً على الباب

ينتظر جلدك الرخامي المنهوك

الماء البارد ينتظر ان  ينعش  ظمأك

وغرفتك المطلية بالابيض تنتظر أنفاسك

وقطتنا ننتظر قدومك لتعلب بين قدميك

وشارعنا ينتظر طلعتك،  والشبابيك تنتظر قدوم صوتك العندليبي

ورفاقك ينتظرونك مثل كل مساء

يقولون ويقولون في الكلام الملتهب والمتوهج

كأنهم في بيتنا يجلبون النور الى الخلق

والامآسي تنتظر قدومك

وانا أنتظرك  صباحا ومساء

حبيبي . ليت الموت يأتي ليأخذني اليك .

***

.......................

النص اليوناني

Γιέ μου، ποιά Μοίρα στόγραφε και ποιά μου τόχε γράψει

τέτοιον καημό، τέτοια φωτιά στα στήθεια μου ν᾿ ανάψει;

Πουρνό – πουρνό μου ξύπνησες، μου πλύθηκες، μου ελούστης

πριχού σημάνει την αυγή μακριά ο καμπανοκρούστης.

Κοίταες μην έφεξε συχνά – πυκνά απ᾿ το παραθύρι

και βιαζόσουν σα νάτανε να πας σε πανηγύρι.

Είχες τα μάτια σκοτεινά، σφιγμένο το σαγόνι

κι ήσουν στην τόλμη σου γλυκός، ταύρος μαζί κι αηδόνι.

Και γω η φτωχιά κ᾿ η ανέμελη και γω η τρελλή κ᾿ η σκύλα،

σουψηνα το φασκόμηλο κι αχνή η ματιά μου εφίλα

Μια – μια τις χάρες σου، καλέ، και το λαμπρό σου θωρὶ

κι αγαλλόμουν και γέλαγα σαν τρυφερούλα κόρη.

Κι ουδέ κακόβαλα στιγμή κι οὐδ᾿ έτρεξα ξοπίσω

τα στήθια μου να βάλω μπρός τα βόλια να κρατήσω.

Κι έφτασ᾿ αργά κι، ὤ، που ποτές μην έφτανε τέτοια ώρα

κι، ὦ، κάλλιο να γκρεμίζονταν στο καύκαλό μου ἡ χώρα.

V

Σήκω، γλυκέ μου، αργήσαμε· ψηλώνει ο ήλιος· έλα،

και τὸ φαγάκι σου έρημο θα κρύωσε στην πιατέλα.

Η μπλε σου η μπλούζα της δουλειάς στην πόρτα κρεμασμένη

θα καρτεράει τη σάρκα σου τη μαρμαρογλυμμένη.

Θα καρτεράει το κρύο νερό το δροσερό σου στόμα،

θα καρτεράει τα χνώτα σου τ᾿ ασβεστωμένο δώμα.

Θα καρτεράει κ΄  η γάτα μας στα πόδια σου να παίξει

κι ὁ ήλιος αργός θα καρτερά στα μάτια σου να φέξει.

Θα καρτεράει κ΄ ἡ ρούγα μας τ΄  αδρό περπάτημά σου

κ᾿ οἱ γρίλιες οἱ μισάνοιχτες τ᾿ ἀηδονολάλημά σου.

Καὶ τὰ συντρόφια σου، καλέ، που τις βραδιές ερχόνταν

και λέαν και λέαν κι απ᾿  τα  ίδια τους τα λόγια εφλογιζόνταν

Και μπάζανε στο σπίτι μας το φώς، την πλάση ακέρια،

παιδί μου، θα σε καρτεράν  να κάνετε νυχτέρια.

Και γω θα καρτεράω σκυφτή βραδὶ και μεσημέρι

να ρθει ο καλός μου، ο θάνατος، κοντά σου να με φέρει.

 

بهجت عباسسفينة العبيد – للشاعر الألماني هاينريش هاينه (1797-1856)

Das Sklavenschiff- Heinrich Heine (1797-1856)

ترجمة د. بهجت عباس


1

يجلس سيّد الشحنة المميّزة مينهير فان كوك

في مقصورته حاسباً ؛

يحسِب مبلغَ الشحنة

والأرباحَ المحتملة.

Der Superkargo Mynheer van Koek

Sitzt rechnend in seiner Kajüte;

Er kalkuliert der Ladung Betrag

Und die probabeln Profite.

***

"المطّاطُ جـيِّد، الفـلفـلُ جـيِّـد،

ثلاثمائة كيس وبرميل :

عندي مسحوق الذهب والعاج –

البضاعة السَّـوداء أحسن.

»Der Gummi ist gut, der Pfeffer ist gut,

Dreihundert Säcke und Fässer;

Ich habe Goldstaub und Elfenbein -

Die schwarze Ware ist besser.

***

" حصلتُ على ستِّـمائةِ عبدٍ بالمقايضة

بثمن بخس عند نهر السَّنغال.

عضلاتهم صلبة، والألياف متراصّـة،

مثل أحسن حديد مصبوب.

Sechshundert Neger tauschte ich ein

Spottwohlfeil am Senegalflusse.

Das Fleisch ist hart, die Sehnen sind stramm,

Wie Eisen vom besten Gusse.

***

" أعطيتُ مقابل ذلك براندي،

لآلئَ من زجاج ومصنوعاتٍ من حديد،

والربح على هذا ثمانمئة بالمئة.

لو بـقِيَ نصفُهم على قيد الحياة.

Ich hab zum Tausche Branntewein,

Glasperlen und Stahlzeug gegeben;

Gewinne daran achthundert Prozent,

Bleibt mir die Hälfte am Leben.

***

" لو بـقِيَ لي ثلاثمئة عبد فقط

في ميناء ريو دي جانيرو،

هناك تدفع لي شركة كونزاليز بريرو

مائةَ دوكات على كلِّ رأس. "

Bleiben mir Neger dreihundert nur

Im Hafen von Rio-Janeiro,

Zahlt dort mir hundert Dukaten per Stück

Das Haus Gonzales Perreiro.«

***

بغتةً ُقُـطِعَ مينهير فان كوك

من أفكاره،

فقد دخل جرّاح السفينة،

دكتور فان دير سْـميسِّـن.

Da plötzlich wird Mynheer van Koek

Aus seinen Gedanken gerissen;

Der Schiffschirurgius tritt herein,

Der Doktor van der Smissen.

***

نحيفٌ كَـعودٍ يابسٍ،

أنفُـه مُغطّى بثـآلـيلَ حُـمْـرٍ.

"الآن، يا جرّاحَ البحر"، صاح فان كوك،

"كيف أحوالُ أعزّائـي السّـودِ ؟"

Das ist eine klapperdürre Figur,

Die Nase voll roter Warzen -

»Nun, Wasserfeldscherer«, ruft van Koek,

»Wie geht's meinen lieben Schwarzen?«

***

شكره الطبيبُ على هذا الاستفسار وقال :

" جئتُ لأبلغَ،

بأنّ الوفياتِ هذه الليلةَ

ازدادتْ بصورة واضحة.

Der Doktor dankt der Nachfrage und spricht:

»Ich bin zu melden gekommen,

Dass heute nacht die Sterblichkeit

Bedeutend zugenommen.

***

المعدَّل أنْ يموتَ إثنان يوميّـاً،

ولكن اليومَ مات سبعةٌ :

أربعةُ رجال، وثلاثُ نساء- أدخلتُ الخسارةَ

فوراً في السِّـجلِّ.

Im Durchschnitt starben tägich zwei,

Doch heute starben sieben,

Vier Männer, drei Frauen - Ich hab den Verlust

Sogleich in die Kladde geschrieben.

***

"فحصتُ الجثثَ بعناية،

لأنَّ هؤلاءَ الأوغادَ يتظاهرون

أحياناً بأنَّـهم أمـواتٌ ، ليجعلونـا

نـقـذفُـهمْ في الأمواج.

`` Ich inspizierte die Leichen genau;

Denn diese Schelme stellen

Sich manchmal tot, damit man sie

Hinabwirft in die Wellen.

***

" نزعتُ قيودَ الحديد عن الأموات،

وكما أعمل عادةً،

جعلتُ الجثثَ تُـقذَفُ في البحر

عند مطلع الفَجر.

`` Ich nahm den Toten die Eisen ab;

Und wie ich gewöhnlich tue,

Ich ließ die Leichen werfen ins Meer

Des Morgens in der Frühe.

***

" فانطلقتْ فوراً من المدّ

الكواسجُ، قطيعٌ بأكمله،

إنّـهم مُغـرمون جداً بلحوم السّـودِ،

إنّـهم متقـاعدون على حسابي.

 Es schossen alsbald hervor aus der Flut

Haifische, ganz Heere,

Sie lieben so sehr das Negerfleisch;

Das sind meine Pensionöre.

***

" تـتـبّعوا مسارَ سفينتـنا،

منذ أنْ غادرنا السّـواحلَ:

الوحوشُ تكتشفُ رائحةَ الجثث،

وتشـمّـُها بشهيّة جامحة.

 Sie folgten unseres Schiffes Spur,

Seit wir verlassen die Küste;

die Bestien wittern den Leichengeruch,

Mit schnuppendem Fraßgelüste.

***

" إنّه لغريب أنْ تُشاهدَ،

كيف ينقضّون على الموتى!

واحد يُمسك بالرأس، وأخرُ بالرِّجلِ،

وآخرون يزدردون الخِرقَ.

 Es ist possierlich anzusehen,

Wie sie nach den Toten schnappen!

Die faßt den Kopf, die faßt das Bein,

Die andern schlucken die Lappen.

***

" عندما يُبـتَـلعُ كلّ ُ شيء، يلعبون بمرح

حول ألواح السَّـفينة

ويُحـدِّقون فيَّ، كما لو أنَّهم يُريدون

أنْ يُعبِّـروا عن شكرهم لهذا الفطور."

 Ist alles verschlungen, dann tummeln sie sich

Vergnügt um des Schiffes Planken

Und glotzen mich an, als wollten sie

Sich für das Frühstück bedanken.´´

***

ولكنَّ فان كوك قاطعه مُتـنهِّـداً :

كيف أستطيع أن

أُخفِّفَ من الشَّـرِّ ؟ كيف أستطيع

أنْ أمنعَ تصاعدَ الوفَيات ؟

Doch seufzend fällt ihm in die Red

Van Koek: Wie kann ich linden

Das Übel? wie kann ich die Progression

Der Sterblichkeit verhindern?

***

أجاب الطبيب : " نتيجةَ أخطائهم هم

مات كثير من العبيد :

إنَّ روائحَ أنفاسِهم الكريهـةَ أفسدت الهواءَ

في عنبر السَّـفينة.

Der Doktor erwidert: ``durch eigne Schuld

Sind viele Schwarze gestorben;

Ihr schlechter Odem hat die Luft

Im Schiffsraum so sehr verdorben.

***

" وأيضاً مات كثير منهم من الاكتئاب،

لأنَّ الضجرَ أصابهم حتّى الموت:

فـقليل من هواء طلقٍ، موسيقى ورقصٍ

تدَعُهمْ يُـشـفَـوْنَ من الأمراض."

Auch starben viele durch Melancholie,

Dieweil sie sich tödlich langwelen;

Durch etwas Luft, Musik und Tanz

Läßt sich die Krankheit heilen.´´

***

عند هذا صاح فان كوك " إنّها لنصيحة جيدة!

يا عزيزي جرّاحَ البحر الغالي

الذي هو بحكمة أرسطو طاليس،

معلم ِالإسكندر.

Da ruft van Koek: ``Ein gutter Rat!

Mein teurer Wasserfeldscherer

Ist klug wie Aristoteles,

Des Alexabders Lehrer.

***

" إنَّ رئيسَ جمعية

منتجي الخُـزامى في دلفت

ذكيّ جداً، ولكـنْ لا

يملك نصفَ إدراكك."

 Der Präsident der Sozietät

Der Tulpenveredlung in Delfte

Ist sehr gescheit, doch hat er nicht

Von Eurem Verstande die Hälfte.

***

" موسيقى! موسيقى! على السـّود

أنْ يرقصوا هنا على سطح السفينة.

وكـلّ ُ من لا يستهويه القـفـز،

يجب أن تعالجه السِّـياط."

 Musik! Musik! Die Schwarzen sollen

Hier auf dem Verdecke tanzen.

Und wer sich beim Hopsen nicht amüsiert,

Den soll die Peische kuranzen.´´

11

عالياً من خيمة السَّـماء الزَّرقاء

تُحـدِّقُ آلافُ النّـُجوم إلى تحت،

متألّقة بشوق ٍ، كبيرةً وذكيّةً،

كعيون النِّساء الجميلات.

Hoch aus dem blauen Himmelszelt

Viel tausend Sterne schauen,

Sehnsüchtig glänzend, groß und klug,

Wie Augen von schönen Frauen.

***

تُحـدِّقُ إلى تحت في البحر،

المغطّى طولاً وعرضاً

بعطرٍ أ ُرجوانـيٍّ مُتـألق،

مدمدمةٌ أفواجُـه بانتشاء.

Sie blicken hinunter in das Meer,

Das weithin überzogen

Mit phosphorstrahlendem purpurduft;

Wollüstig girren die Wogen.

***

لا شراعَ يخفـق على سفينة العبيد،

فهو مَـطويّ كأنْ لم يُـشـرعْ،

ولكنَّ المصابيحَ تومض على السطح،

حيث موسيقى الرِّقص المُدهشة.

Kein Segel flatter am Sklavenschiff,

Es liegt wie abgetakelt;

Doch schimmern Laternen auf dem Verdeck,

Wo Tanzmusik spektakelt.

***

قائد الدفَّـة يعزف على الكمان،

الطَّباخُ الذي يلعب على النّاي،

يقرع الطَّبلَ غلامُ السّـفينة،

وينفخ الطبيبُ في البوق.

Die Fiedel streicht der Steuermann,

Der Koch, der spielt die Flöte,

Ein Schiffsjung schlägt dir Trommel dazu,

Der Doktor bläst die Trompete.

***

مئة من العبيد الأصحّاء، رجالاً ونساءً،

يهلّلون من الفرح، يقفزون ويدورون

في حلقات بجنون، وفي كلِّ قفزة

تـقـعـقعُ سلاسلُ القيود مع الموسيقى.

Wohl hundert Neger, Männer und Fraun,

Sie jauchzen und hopsen und kreisen

Wie toll herum; bei jedem Sprung

Taktmäßig klirren die Eisen.

***

أخذوا يدمَغون سطحَ السَّـفينة بفرح عارم،

ومِن السَّوداوات الجميلات

مَنْ تقبض برغبة عارمة على رفيقها العاري،

وفيما بين تـنبعثُ التأوهّـات.

Sie stampfen den Boden mit tobender Lust,

Und manche schwarze Schöne

Umschlingt wollüstig den nackten Genoß -

Dazwischen ächzende Töne.

***

رئيسَ الخدم كان السَّجان،

وبضرب السِّياط،

نشّط الراقصين الكسالى،

أنْ يندفعوا إلى المرح.

Der Büttel ist matre des plasiers,

Und hat mit Peitschenhieben

Die lässigen Tänzer stimuliert,

Zum Frohsinn angetrieben.

***

دي دل دن دي و شنيد در دنغ!

الصَّخبُ أغرى من الأعماق

وحوشَ عالَمِ الماء،

التي نامت متبلِّـدةَ الإحساس هناك.

Und Didelumdei und Schneddredeng!

Der Lärm lockt aus den Tiefen

Die Ungetüme der Wasserwelt,

Die dort blödsinnig schliefen.

***

مُـثـقَـلةً بالنوم سابحة إلى الأعلى،

تأتي الكواسج، مئات كثيرة،

تتطلع إلى السَّـفينة عالياً،

هي في حَيْـرة، هي مُـنذهلة،

Schaftrunken kommen geschwommen heran

Haifische, viele hundert;

sie glotzen nach dem Schiff hinauf,

Sie sind verdutzt, verwundert.

***

تلاحظ أنَّ ساعة الفطور

لم تَحِـنْ بعـد، وتتـثاءب،

فاغرة حَلاقـيمَـها على مداها؛

الفكوك مغروسة بأسنان منشارية.

Sie merken, dass die Frühstückstund

Noch nicht gekommen, und gähnen,

Aufsperrend den Rachen; die Kiefer sind

Bepflanzt mit Sägezähnen.

***

و دي دل دم داي و شنيد در دينغ-

ليس ثمة للرقص نهاية.

أخذت الكواسج تعَضّ من نفاد الصَّبر

ذيولَها.

Und Didelumdei und Schneddredeng -

Es nehmen kein Ende die Tänze.

Die Haifische beißen vor Ungeduld

Sich selber in die Schwänze.

***

أعتقد أنَّها لا تأبه للموسيقى،

كآخرين كُـثرٍ من أنواعها.

لا تـثـقْ بأيِّ وحش، لا يحبّ

الموسيقى! يقول شاعرُ الإنجليز الكبير.

Ich glaube, sie lieben nicht die Musik,

Wie viele von ihrem Gelichter.

Trau keiner Bestie, die nicht liebt

Musik! sagt Albions großer Dichter.

***

وشنيد در دينغ ودي دل دن دي-

ليس ثمة نهاية للرقص.

عند الصّاري الأمامي يقف مينهير فان كوك

يشبك يـديه مُصليّـاً:

Und Didelumdei und Schneddredeng -

Die Tänze nehmen kein Ende.

Am Fockmast steht Mynheer van Koek

Und faltet betend die Hände:

***

" إكراماً للمسيح أبقِ لي، آه مولاي،

على حياة السّـود الآثـمين!

إذا كانوا قد أغضبوك، أنت تعرف،

إنَّهم أغـبياءُ كالبقـر.

 Um Christi willen verschone, O Herr,

Das Leben der schwarzen Sünder!

Erzürnten sie dich, so weiß du ja,

Sie sind so dumm wie die Rinder.

***

" أبقِ لي على حياتِـهم إكراماً للمسيح،

الذي مات من أجْـلنا كُـلِّـنا!

فإذا لم يَـبـقَ لي ثلاثمئة منهم،

فإنَّ تجارتي ستـؤول إلى بَـوار."

 Verschone ihr Leben um Christi willn,

Der für uns alle gestorben!

Denn bleiben mir nicht dreihundert Stück,

So ist mein Geschäft verdorben.´´

***

 

2513 نعومي شهابترجمة: عادل صالح الزبيدي

 عزيزي اللقاح


أنقذنا، يا عزيزي اللقاح.

عاملنا بجدية.

كان لدينا خطط.

كنا ذوي مستقبل واعد.

أطفال في روضة أطفال.

أصوات عديدة، في جوقة.

أعطنا عالمنا ثانية!

أيتها القوارير الصغيرة اللامعة،

ادخلي مدننا وبلداتنا

مشرقة بنورك.

أعيدينا الى بعضنا.

كنا نحب حياتنا.

ربما لم نحمدها بما يكفي.

كنا نستطيع عبور الشوارع

مع أناس لم نعرفهم،

نضغط أزرار المصعد،

مبتسمين للغرباء،

واقفين في طابور كي نسدد.

كنا نحب الوقوف في طابور

أكثر مما نتظاهر.

انها وخزة سريعة في الذراع

لا تكاد تلحظها

انها الوقود في السيارة

تجعلنا نسير ثانية

انها الاستدارة في الطريق

المحادثة وجها لوجه

يوما ما قريبا؟

انها العناق. الى الأبد،

انها العناق!

ايها اللقاح، أرجوك اجعل الهواء نقيا!

كنا نذهب الى دروس اليوغا،

التنفس الجماعي العميق،

في غرف صغيرة في المدن

لم نكن نعيش فيها حتى!

كم كنا شجعانا.

ايها اللقاح، رجاء.

اعد إلينا حياتنا.

صدّق لقد كانت جميلة.

***

......................

نعومي شهاب ناي: شاعرة وروائية فلسطينية أميركية ولدت في فلسطين عام 1952 لأب فلسطيني وأم أميركية. بدأت النشر مبكرا وأصدرت كتيبين شعريين عامي 1977 و1978 تحت عنوان (اذرع موشومة) و(من العين الى الأذن)، الا ان أول مجموعة شعرية مكتملة صدرت لها كانت في عام 1980 تحت عنوان (طرق مختلفة للصلاة) توالت بعدها عدة مجموعات منها (القفاز الأصفر) 1986، (الحقيبة الحمراء) 1994، و وقود: قصائد) 1998، (نحلة العسل: قصائد وقطع نثرية قصيرة)؛ (تسع عشر تنويعا على الغزل: قصائد الشرق الأوسط) 2002؛ و(الصحفي الصغير: قصائد) 2019. نال شعر ناي جوائز عديدة وشغلت مناصب فخرية كثيرة.