زهرا نصريترجمة قصيدة يحيى السماوي ( ياسيدي الحسين) الى الفارسية

ترجمة: زهرا نصري


(يا سيدي الحسين)

سرورم  حسین

1- عُصِمْتَ فَلَیْسَ تقربُکَ الظنونُ   کأنّکَ للهُدی والدّینِ: دِیْنُ

پناه داده شده¬ای و نزدیکی¬ات به خدا وهم و گمان نیست گویا برای هدایت و ادای دِین آمده¬ای.

2- فیا مَنْ «حاؤُهُ» حَقٌّ وحِلمٌ    ویا مَنْ «سِیْنُهُ» مُنْجٍ سَفینُ

ای کسیکه «حاء» او حق و بردباری است و ای کسیکه «سین» او کشتی نجات است.

3- ویا مَنْ «یاؤُهُ» یُسْرٌ ویَمٌّ     ویا مَنْ «نونُهُ» نورٌ مبینُ

و ای کسیکه «یای» او آسانی و دریاست و ای که «نون» او نور تابان است.

4- ویا ابْنَ (الدُّرِّ والذَّهَبِ المُصَفّی)   ومَنْ أوصی ببیعتِهِ «الأمینُ»

ای پسر مروارید و طلای ناب و ای کسیکه «پیامبر(ص)» سفارش به بیعت با او نمود.

5-  ویا مَنْ حُبُّهُ تقویً ورِبحٌ      ویا مَنْ بُغضُهُ خُسْرٌ مُشینُ

ای کسیکه عشق او تقوا و تجارتی سودمند است و ای کسیکه کینه¬اش زیانی ننگین است.

6- ویا مَنْ أعْجَزَ الدُّنیا ببَذلٍ      غداةَ اسْتُهدِفَ «الحبلُ المتینُ»

ای کسیکه با بخشش، دنیا را ناتوان ساختی، بامدادان به ریسمانت چنگ زده می¬شود.

7- ویا ابْنَ الأطهَرَینِ: أباً وأمّاً         وتخشی نورَ غُرَّتِهِ الدُّجونُ

ای فرزند پدر و مادری پاک سرشت و ای که تاریکی¬ها از نور پیشانی¬اش می¬ترسند.

8- ویا مَنْ لن یکون لهُ شبیهٌ  علی الأرضینِ ما مرَّتْ سنونُ

ای کسیکه در زمین بی¬همتاست تا هنگامیکه سالها سپری می¬شوند.

9- حَباهُ اللّهُ دون الخلقِ أمراً   یدومُ الدّهرَ  مادامَ الیقینُ

پیش از آنکه خداوند به کسی امر کند به او عطا نمود تا هنگامیکه یقین وجود دارد و روزگار باقی است.

10- هو الشمسانِ لکنْ لا غروبٌ     لنورِهِما وما لهما قرینُ

حسین همچون دو خورشید است که نورشان خاموش نمی¬شود و همانندی ندارند.

11- ویا مَنْ لا یُرَدُّ له دعاءٌ     ویسْترجي شفاعتَهُ المکینُ

ای کسیکه دعایش مستجاب می¬شود و شفاعت محکمش پذیرفته می¬شود.

12- إذا ذُکِرَ الحسینُ أصاخَ کونٌ      وجلجلَ في تهجّدِهِ السکونُ

اگر نام «حسین» آورده شود، هستی به خروش درآمده و آرامش در شب زنده¬داری¬اش به غرش در می¬آید.

13- فدیً لترابِ نعلکَ یا إمامي:      أنا .. وأبي وأمي ... والبنونُ

ای پیشوای من، من، پدر، مادر و پسرانم فدای خاک نعل تو باشیم.

14-أخفتَ الموتَ حتی خرَّ ذُعراً      فأنتَ الحيُّ والموتُ الدَّفینُ

مرگ را ترساندی تا اینکه هراسان فروافتاد و تو زنده¬ای و مرگ پنهان است.

15- جهادُکَ آخِرُ الآیاتِ خُطّتْ       بنور العرشِ سُورَتُها«حُسَینُ»

ای «حسین»، جهادت آخرین نشانه¬هایی است که با هیبت نور عرش گرفته شده  است.

16- فأنتَ لکلِّ ذي عزمٍ حسامٌ         وأنت لکلِّ مذعورٍ حُصونُ

تو برای هر همت کننده¬ای شمشیری و برای هر ترسیده¬ای دژ مستحکمی.

17- أبا الأحرارِ هلّا قمْتَ فینا؟        فقدْ عَمَّ البلاءُ ... ولا مُعینُ

ای پدر آزادگان، آیا نزد ما اقامت می¬کنی؟ بلا بسیار است و پناهگاهی نیست.

18- ولا «حُرٌّ ریاحيٌّ» بقومي        ولا العبّاسُ والقدّیسُ «جُونُ»

در میان قومم، نه «حرّ ریاحی» هست ... نه «عباس» نه «جون بن حوی» پاک سرشت.

19- تأسَدَتِ الأرانبُ... فالرَّزایا       حُبالی والنوائبُ والمنونُ

خرگوش¬ها جسور شده¬اند... و مصیبت¬ها، بلاها و مرگ ریسمان شده¬اند.

20- تقنَّعتِ الوجوهُ فلیس ندري        أشوکٌ حولنا؟ أم یاسمینُ؟

چهره¬ها نقاب زده¬اند و نمی¬دانیم آیا اطرافمان خار است یا یاسمن؟

21- «یزیدٌ» بات هذا العصرَ جمعاً  یُناصِرُهُ المُهَتَّکُ واللعینُ

در این روزگار، همه «یزید» هستند و اشخاص بی¬حرمت و نفرین¬شده به یاری¬اش می¬شتابند.

22- وفینا ألف «حرملةٍ» و «شمرٍ» تفخَّخَ فیهمُ الحقدُ الدَّفینُ

در میان ما هزاران «حرمله» و «شمر» هست که در میان آن¬ها کینة پنهان تنیده شده است.

23- وفینا من «آبي جهلٍ» عشیرٌ     ولـ «ابْن زیادَ» من جذرٍ غصونُ

در میان ما قبیلة «ابو جهل» است و نسل «ابن زیاد».

24- وفینا آکلو الأکبادِ غصّتْ          بهم دارُ الخلافةِ لا السّجونُ

در میان ما جگرخورها حاکم گشته¬اند و خلافت از آنِ آنهاست نه زندان¬ها.

25- حُسینیون إنْ نطقوا ... وأمّا      فعالُهمُ فأبعدُ ما تکونُ

پیروان اگر سخن به میان آورند ... لکن رفتارشان دورتر از اخلاق و رفتار «حسین (ع)» است.

***

زهرا  نصري

باحثة إيرانية، تستعد لمناقشة أطروحتها لشهادة الدكتوراه في جامعة أراك حاليا .

 

 

2734 بيط نامبقلم: بيك نام نيونغ

ترجمة: صالح الرزوق

كانت المحكمة العليا تأوي بين جبال على مشارف المدينة. وصف من أشجار الشوح الطويلة تحرس الطريق حتى بوابات المحكمة. وبعد البوابات تستقبل الزوار باحة هادئة ومترامية الأطراف. وهذه الباحة، المحاطة بأشجار المخروطيات، توفر للزوار كفايتهم من الهواء المنعش، وهم يتأملون السلالم الطويلة والعريضة التي تقودهم لقاعة المحكمة. أما النوافذ الكبيرة، والأعمدة ذات الرؤوس، والأبواب المرتفعة، فتمنح المدخل مهابة واضحة. ومع أن المحكمة العليا تعالج قضايا جنائية ومدنية، فإن الواجهة العميقة للمبنى تعطي الانطباع  بالأهمية والمهابة والترفع. لا يعرف العديد من سكان المدينة موضع المحكمة العليا ولم يسمعوا بوجودها أصلا. وأولئك الملتزمين بالقانون أو الذين يعيشون في كنف عائلة محترمة، لا يوجد لديهم أي سبب ليأتوا إليها.

حلت الكآبة على القاضي جونغ جن وو وهو ينظر لطلب طلاق موجود أمامه على الطاولة. كان مثل أي صياد يحاول فك عقدة سنارة الصيد، لكنه امتعض من عبء التعامل مع بؤس عائلة لا يعرفها.

احتفظت امرأة في الثلاثينيات برأسها منكسا أمامه لتتجنب نظرة القاضي جونغ جن وو. وكان يأتيه عبير عطرها الخفيف وذكي الرائحة، المناسب لثوبها الرقيق والحديث والذي كشف عن رقبة بيضاء ملتفة. كانت سكرتيرة القاضي جونغ جن وو قد تعبت من طرد المرأة بحجة أنه غير موجود وهو مشغول برحلة عمل و سينظر بطلبها حالما يعود بعد بضعة أيام، ولكن المرأة انتظرت في ممرات المحكمة لعدة ساعات كما لو أن قدميها مسمرتان بالأرض. ولم يبق أمام القاضي جونغ جين وو مفر من أن يستدعيها لمكتبه.

ارتجفت المرأة وبدأت تبكي. وانتظر جونغ جين وو حتى تتمالك نفسها قبل أن يقدم لها استمارة طلاق.

الاسم: شي صن هيي.

العمر: 33.

العنوان: منطقة جانغ أن، # 19.

المهنة:

عند رؤية “المهنة”، شعرت صن هيي بقلبها يخفق باليأس، ولم يبق لديها قوة لتتابع، وألقت قلمها جانبا.  ولاحظ القاضي جونغ جن وو اضطراب المرأة، وقرر أن يستكمل كتابة الاستمارة بنفسه. كان يعرف مهنتها جيدا. فهي مطربة محترفة، وقائدة فرقة ميزو سوبرانو في شركة فنون المقاطعة. وكان يزور المسرح، مرة كل عدة شهور، ليستمع لغنائها. كان لدى صن هيي قوة لجذب الجمهور لعالمها الموسيقي لما امتلكته من صوت ملائكي. وكانت تتلقى التهاني وباقات  الزهور كل أمسية - تلك هي حياة الشهرة لمن هو على شاكلة صن هيي.  في كل حال اليوم أحضرت معها مشاكل زواجها لقاعة المحكمة، شيء لا يمكن لمحبيها أن يتوقعوه أبدا. وفكر القاضي جونغ جن وو: لماذا ترغب بالطلاق؟. هل هي وزوجها لا ينعمان بحياة جنسية طيبة؟. أو لعل زوجها عاجز. لا، لا يمكن ذلك. فهي لديها ابن.

رأى القاضي جونغ جن وو، في طريق عودته إلى البيت في إحدى الأمسيات، صن هيي وابنها المتجهين لمنطقة جانغ أن، وهو مجمع سكني من بيوت بطابق واحد، ولم يكن موضعه بعيدا عن شقته.

لا بد أن زوجها متورط بعلاقة غرامية مع امرأة غيرها. وأمل جونغ جن وو أنه ليس غراما جادا. أو ربما المشكلة  خلاف لم يمكن حله مع أهل زوجها. وخامره الأمل أنه كان جدلا عقيما حملها لسلالم هذه المحكمة. العديد من المتزوجين حديثا، ممن كانت لديهم أحلام مخملية عن الزواج والعائلة في زمن الشباب، دخلوا من أبواب هذه المحكمة وليس لديهم غير مشاكل تافهة، متوهمين أنها تراجيديات لا يمكن تحملها.  لكن بدأ القاضي جونغ جن وو يفهم بالتدريج أن صن هيي لم تأتي إليه بموضوع صغير. كانت هيئة صن هيي كلها - عيناها الفارغتان، ملامحها المنهارة، وروحها المتهدمة، ووضعها العصبي - ينم عن هم عميق تراكم لعدد متواصل من السنوات. سحبت صن هيي منديلها لتمسح معالم يأسها وقلقها. وبيديها الناعمتين، أبعدت الشعر المنسدل على وجهها وحاولت أن تتماسك أمامه. وسمحت بخروج تنهيدة بسيطة ونظرت إليه نظرة ملؤها الاعتذار وطلب المغفرة.

قالت:”مهنتي هي...”.

“أعرفها مسبقا. أخبريني من فضلك باسم زوجك”.

“اسمه لي سوك شون”.

“عمره؟”.

“هو في الخامسة والثلاثين”.

“مهنته؟”.

قالت:”يعمل في مصنع جانغ آن للآلات. وهو المشرف على المخرطة”. وارتعش صوت هيي من النحيب، ومع ذلك، لم يخامره الشك أنه صوت المطربة الرقيقة. بعد أن دون المعلومة على الاستمارة، سألها:”لديك ابن، هل أنا محق؟”.

بكت صن هيي مجددا وقالت:”ابن؟ ابني. آه يا عزيزي...”. وآلم قلبها التفكير بمصير ابنها البائس. كان جونغ جن وو يعلم جيدا بعد سنوات من التجارب أن النساء اللواتي تطلبن الطلاق عموما تجدن صعوبة بالغة في مناقشة موضوع أبنائهن. والزوجان المطلقان، غالبا يتجاوزان ويهملان ويهجران الابن حينما يتفاقم القلق والحنق واليأس من شريك الحياة. ولكن كلما وقفت امرأة أمام القاضي، تستيقظ غريزتها الأمومية. الأم تكافح من أجل الحضانة وتخاف بنفس الوقت على مصير ابنها البريء. ولكن هناك نساء لا تنظرن للطفل على أنه ضحية بلا ذنب، وتكون الأولوية للطلاق دون أي اهتمام بالمصير البائس الذي ينتظره الابن. وأمل جونغ جن وو أن لا تكون صن هيي من هذا النوع من الأمهات.

سأل بصوت ناعم:”كم يبلغ عمر ابنك؟”.

“سبع سنوات”.

“إذا له الأولوية”.

“في الحقيقة ولدته بوقت مبكر، لذلك سينتهي من الروضة في هذا الخريف”.

توقفت صن هيي عن النحيب و بدأت ترتب شهرها المبعثر بيدها.  وتوقف صوتها عن الارتعاش، وبدا أنها هدأت.

سألها:”متى تزوجت؟”.

سألته صن هيي مع تقطيبة خفيفة:”هل هذه نقطة هامة؟”.

“الزواج عقد قانوني. وعليه لا بد من معرفة تاريخه”.

تلعثمت صن هيي تقول:”أعتقد... في 10 أيار... 1974”.

التفتت صن هيي  برأسها  بعيدا، ونظرت لزاوية الطاولة. وأيقظ هذا التاريخ دون شك العديد من الذكريات الطيبة، ولكنها مختلفة تماما عن ما تشعر به الآن. وحاولت جهدها أن لا تفكر بالأيام التي رحلت. وعندما أوشك جونغ جن وو أن يسجل التاريخ، نظر للتقويم المعلق على الجدار وراء صن هيي. وفكر بسره: تاريخ اليوم هو 24 نيسان، وفي غضون أسابيع قليلة، سيكون قد مر على زواج هذه المرأة عشر سنوات.

قال لها:”حسنا يا رفيقة صن هيي. هل بمقدورك أن تبرري لي طلب هذا الطلاق؟”.

وأصاب سؤال القاضي صن هيي بالصمم. فقد كان من الواضح لها لماذا يأتي شخص إلى المحكمة ويسجل طلب طلاق. وأعاد القاضي صياغة سؤاله قائلا:”لماذا تفكرين بالطلاق من زوجك؟. بتعبير آخر ما هو الدافع وراء طلب الطلاق؟”. وأشار جونغ جن وو للاستمارة بقلمه وأضاف بهدوء:”هنا في هذه الوثيقة القانونية، يوجد فقرة تدعى: ملخص طلب الطلاق”.

وتابعت صن هيي الكلام بصوت جازم:”كما ترى، أنا وسك شون لسنا على علاقة حسنة. وكانت هذه أحوالنا منذ سنوات”. وارتعش صوتها وهي تضيف:”حاولت جهدي أن أتمسك بالصبر، ولكن نفدت حيلتي”. وكان على ما يبدو أنها أوشكت على متابعة النحيب.

سألها جونغ جن وو:”كيف حصل أنك لست على ما يرام مع زوجك؟”.

لم ترد صن هيي.

قال القاضي بمحاولة للتفاهم معها:”لا يمكنني إقناع المحكمة أن تدرج النظر بطلاق دون سبب مشروع”.

فجأة انفجر غضب لا يمكن التحكم به داخل صن هيي، ورفعت صوتها تقول:”لا يمكنني أن أعيش معه أبدا!. ببساطة انقطعت كل السبل!. ولا توجد حكمة من الاستمرار. طباعنا مختلفة تماما”.

كان القاضي جونغ جن وو معتادا على هذه الفورات العصبية بعد سنوات من طلبات الطلاق والنظر بها. استغرق لحظة قبل أن يتابع. ثم قال:”ما هي طباع زوجك؟”.

“معدوم الإحساس و أبكم كأنه صخرة صماء”.

أكد لها جونغ جن وو:”قلة الإحساس ليست أخلاقا طيبة. ولكن رجل قليل الكلام من الصفات الحسنة”.

وجادلت صن هيي تقول:”لو أنه رجل قليل الكلام لتمكنت من التأقلم معه. لكنه لا يعرف كيف يدخل بحوار مقنع دون أن يشتمني خلاله. إما يعاملني بصمت أو يتذمر من أتفه الأمور”.

وبدلت صن هيي تعابيرها مباشرة لتكسب عطف جونغ جن وو. وقالت:”أيها الرفيق القاضي، أناشدك أن تساعدني. كنت أعيش حياة محرومة من الحب مع سوك شون لعدد من السنوات. ويحرجني أن أبدو كذلك بعيون الآخرين. وكنت أنوي القدوم للمحكمة قبل فترة، لكن ابني، كما ترى ..”.

صب القاضي جونغ جن وو كوبا من الماء لصن هيي وقال:” رفيقة صن هيي، من فضلك اشرحي لي ظروفك بأسلوب هادئ ومتزن”.

“كما ترى، أسلوب حياتنا لا يحكمه إيقاع واحد”.

“ماذا يعني إيقاع واحد؟”.

“مثل الموسيقا. الزواج يشبه ألحان الموسيقا”.

أصغى جونغ جن وو باهتمام. وركزت صن هيي نظرها بعينيه وقالت:”فقط فكر بالموضوع أيها الرفيق القاضي. هل يمكن للطبلة والفلوت أن يكونا صوتا واحدا؟. أليس من المستهجن أن تجمع في رباعية صوت المذكر والمؤنث؟”.

“هذا في الموسيقا من ناحية فنية..”.

وقاطعته صن هيي بقولها:” لا يوجد حياة دون فن. والزواج فن. وحينما لا تكون الأمور على ما يرام. تتحول لفظاعة. سوك شون يمقتني ولا يعاملني معاملة كائن بشري. علاوة على ذلك هو ينتقد طريقة اختياري للثياب!. وإذا حضر زملائي من المسرح لبيتنا، إما نغلق الباب و نذهب لغرفة أخرى أو يغادر فقط لأنهم لا يرغبون أن يقتربوا منه. أيها الرفيق القاضي، كيف يمكنني أن أعيش مع رجل من هذا الطراز؟”.

لم يمكن جونغ جن وو أن يستوعب ردها، لذلك قال:”لا يمكن لزوجك أن يفعل ذلك مع امرأة لطيفة مثلك دون سبب وجيه. فما هو السبب برأيك؟”.

خفضت صن هيي نظرها وتمسكت بزاوية من ثوبها. قالت:”لا أعلم حقا. ليس لأنني لا أحبه. حاولت جهدي أن أحترمه وأستوعبه”.

لم يقتنع القاضي جونغ جن وو. واقترب أن يفقد أعصابه. فأصر:”كيف من الممكن أن تحبي زوجك وتعيشي حياة زوجية محرومة من الحب في وقت واحد؟”.

فتحت صن هيي عينيها على وسعهما ونظرت بالقاضي نظرة عميقة. وصدمتها نظرة القاضي الباردة وسؤاله المباشر. وفقدت عيناها بريقهما وغلبها الحنق. وردت:”كنت مخلصة لزوجي!. وقفت بجانبه وضحيت من أجل نجاحه بالعمل في مشروع واحد استغرق منه خمس سنوات كاملة. وكنت صبورة معه.  ولم أهتم إن لم ينفق راتبه على البيت ولم يساعد بالشؤون المنزلية. تحملت كل ذلك - الإهانة، والعنف الجسدي - وعشت معه كل تلك السنوات. لقد بذلت كل ما باستطاعتي لينجح زواجنا”.

وصمتت صن هيي لدقيقة من الوقت لتلتقط أنفاسها وأضافت:”لا. لا. لم يعد بمقدوري تحمل المزيد. لا يمكنني تحمل ذلك!. أنا مغنية. وأحب الغناء، وأحب جمهوري. ولن أضحي بأحلامي، ولا بمستقبلي، فقط من أجل مزاج زوجي”.

“ولماذا لم يكن زوجك ينفق على البيت؟”.

أدرك القاضي جونغ جن وو من خبرته الطويلة أن المصاعب المالية قد تودي بالزوجين لطلب الطلاق. ولكنه أمسك نفسه من القفز لنتيجة دون مزيد من التفكير، وسألها هذا السؤال فقط ليفهم الحقيقة وراء قضية الطلاق وأسبابها. امتعضت صن هيي وأبدت حنقها من زوجها قائلة:”ارتكب أخطاء مهنية وأفسد عمله، وكلف ذلك المصنع ثروة. وانتابه الشعور بالذنب، وحاول أن يعوض عن أخطائه بغرامة من راتبه. وهو لا يزال يدفع لقاء تلك القطع التي أفسدها”.

وحاولت صن هيي أن تستند بأصابعها على طرف الطاولة. واحتقنت الدموع في زوايا عينيها، ولكن استمرت نظرتها ثابتة ومستقرة.

“حسنا يا رفيقة صن هيي. الآن، لماذا لم يرافقك زوجك اليوم؟”.

“قال سوك شون إنه من المهين أن يحضر للمحكمة. وقال إنه ليس لديه الوقت ليتكلم عن مشاكله العائلية. ولكن أنا موقنة أنه موافق على فكرة الطلاق”.

سجل جونغ جن وو ملخص وجهة نظر صن هيي حول طلب الطلاق، ولكنه كان يعلم أن هذا جانب واحد من المسألة.

نظرت صن هيي للاستمارة الرسمية وأمسكت أنفاسها بشيء من التفاؤل. وبعد تنهيدة قصيرة، سألت بلباقة:”متى تعتقد أن جلسة الاستماع لطلب الطلاق ستنعقد؟”.

رفع جونغ جن وو نظره عن الاستمارة وقال:”الطلاق ليس تمثيلية. ويمكنك الظهور بها على المسرح والانصراف كيفما اتفق. يجب أن اقابل زوجك وأستمع لوجهة نظره، ثم يجب أن أستشير اللجنة الشعبية وإدارة مصنعه، وبعد ذلك..”.

قاطعته صن هيي بقولها:”أنت غير مقتنع بما قلته؟”.

توجب على جونغ جن وو أن يدخل بثقله لحسم هذا الموضوع. قال:”القانون لا يقر بدعوى طلاق استنادا على ادعاء طرف واحد. المداولة تقوم على أساس العدل والموضوعية”.

تمسكت صن هيي بطرف ثوبها كما لو أنها ارتكبت فعلا شائنا، وبعد دقيقة، نهضت من كرسيها. وقالت:”أيها الرفيق القاضي. اسمح لي بالطلاق من زوجي. أتوسل إليك. فقد بينت لك موقفي بكل أمانة، لكن يبدو أنك لا تفهمني”.

كانت هذه لهجة متوقعة و شائعة من طالبي الطلاق. أغلق جونغ جن وو ملف القضية، وبصوت هادئ قال:”يا رفيقة صن هيي. من فضلك تماسكي قليلا. قضايا الطلاق تأخذ وقتا طويلا. عودي إلى بيتك و تابعي ما كنت مشغولة به. الطلاق شيء، وابنك الذي هو بحاجة لك شيء آخر”.

مسحت صن هيي الدموع من رموش عينيها الطويلة لمرة أخيرة، وانحنت باحترام للقاضي جونغ جن وو، وغادرت مكتبه. وأغلقت الباب وراءها بهدوء، وابتعد صوت رنات كعبها العالي على امتداد الممر. واستعاد المكتب نظامه. ودخل نور الشمس الدافئ من النوافذ المرتفعة، ولكن جونغ جن وو لم يشعر بالطمأنينة. فقد ألقت تفاصيل حياة صن هيي الكئيبة ومشاكلها العائلية ظلا قاتما على قلبه. انتقل لجوار النافذة ليتابع بعينيه صن هيي وهي تغادر المحكمة. وقاطع جونغ جن وو ذراعيه على صدره وذرع الغرفة بخطواته للأمام والخلف في عرض مكتبه. وأنت ألواح الخشب في الأرض تحت كل خطوة. وكل أنة كانت مثل وتد يغرس في قلبه. عاد ليتربع على كرسيه، وهنا رن جرس الهاتف.

قال: “القاضي جونغ جن وو يتكلم”.

وسمع من الطرف الآخر صوتا متماسكا وعميقا يقول: ”معك شي ريم من مجلس هيئة التكنولوجيا الصناعية للمقاطعة. أين ذهب كبير القضاة؟ كنت أحاول الاتصال به، لكنه لا يرد”.

رد جونغ جن وو:”هو في بيونغ يانغ برحلة رسمية”.

ولسبب ما اعتقد أن الاسم شي ريم مألوف له.

“هل سيعود عاجلا؟”.

“لا يبدو أنه سيعود قبل الأربعاء”.

“نعم..”. رد شي ريم بخيبة أمل ثم تنهد. وشعر جونغ جن وو بالإزعاج الذي يثقل على الرجل لذلك  سأله:” هل بوسعي أن أسأل ماذا تريد؟”.

“حسنا. كما تعلم... أنا رئيس مجلس الهئية”.

” حقا، وماذا يعني؟”.

“لا شيء. لكن أريد أن أستفسر هل تصادف وسجل أحد دعوى طلاق؟”.

“نعم. كثيرون”.

“هل بينهم شي صن هيي؟”.

رد جونغ جن وو بمزيد من الانتباه:”نعم”.

“أيها الرفيق القاضي. لا أعلم كيف أقول هذا، لكن...”.

“حسنا. أنا كلي آذان صاغية”.

“حسنا. هل قررت كيف ستتصرف بقضيتها؟. سوف توافق على الطلاق، صحيح؟”.

صدمت جونغ جن وو هذه الأسئلة لأنها كانت بنبرة أوامر.

قال:”أيها الرفيق رئيس المجلس، أنا لا أعرف ما هو نوع العلاقة التي تربطك بشي صن هيي، ولكن يبدو أنك مهتم للغاية بموضوع قانوني. نصيحتي لك أن لا تتدخل بمشاكل عالئة غريبة عنك ولا سيما في مجال القانون”.

لم تصدر استجابة من الطرف الآخر من الخط. وتابع جونغ جن وو:”لا يمكنني البت بقرار استنادا على ادعاء شي صن هيي. لا بد من الاستماع إلى لي سوك شون أيضا للوصول لحل نهائي. وهذا، طبعا، سيستغرق بعض الوقت”.

قال شي ريم:”أفهمك أيها الرفيق القاضي. هل يناسبك أن أزورك في مكتبك في وقت ما غدا أو بعد غد؟”.

“تفضل بأي وقت”. ومع هذه العبارة أغلق جونغ جن وو الهاتف. وخيم عليه القلق الناجم من الفضول الذي أبداه رئيس الهيئة في الهاتف. كان أول انطباع لجونغ جن وو عن شي ريم غير إيجابي بكل تأكيد. كان مندفعا جدا بخصوص قضية الطلاق وتطورها، وكان يبدو كأنه معتاد على استعمال منصبه لحل بعض المسائل بطريقته. وفي هذه الحالة، يبدو أن لشي ريم علاقة شخصية بحيثيات طلاق صون هيي. وتبين له ذلك على وجه الخصوص عندما طالب بتحويلها لكبير القضاة. مرت على جونغ جن وو عدة شخصيات من النوع الأخرق. كانوا يعتقدون أن استعمال سلطتهم السياسية أو شبكة معارفهم يمكن أن تؤثر على سير القانون والنظام باتجاه يخدم مصلحتهم. وأمل أن يكون هذا الشخص الذي كلمه للتو ليس من هذه الزمرة، لكن لم يبرأ من الشك.  فكر جونغ جن وو بتلك النوعيات من البشر الذين ينظرون للمبادئ باستخفاف، ورجح أنهم مزعجون وضارون أكثر من قضايا الطلاق. جر جونغ جن وو قدميه باتجاه الكنبة وسقط عليها. أغلق عينيه وحاول أن يركن للراحة. ولكن ذلك الاسم المألوف ومض في ذهنه.

شي ريم. وذكره ذلك الاسم المزعج بحالة فظيعة.  أين و متى سمعت بهذا الاسم من قبل؟. يا له من اسم عجيب.. آه، صحيح!.

تذكر جونغ جن وو. شي ريم!. كان طويل القامة ووسيم الهيأة. يعمل مدير مبيعات في معمل الأدوات الكهربائية الثقيلة. وتقدم بطلب طلاق بدعوى تورط زوجته بعلاقة محرمة، ولكن بعد أن ثبت أن الادعاء كاذب، بدل السبب إلى الاختلافات المستعصية. وتكفل بالطلاق القاضي جونغ جن وو ذاته. جرى ذلك قبل ست سنوات...

كان يوجد عدد قليل من الأشخاص في قاعة المحكمة في ذلك اليوم. وكانت مقاعد المشاهدين تقريبا خالية، باستثناء المقاعد التي يشغلها أعضاء العائلة. لم يكن يوجد كثير من المهتمين بالاستماع لطلاق زوجين. على المنصة، جلس جونغ جن وو بين قاضيين آخرين. وكان هناك الادعاء، وجلس قرب الكاتب. وفي أول صف جلس شي ريم برأس مرفوع، وهو ينظر بعزم وثقة للقضاة ولعلم الدولة المعلق فوقهم تماما. وكانت له نظرة ملؤها التحدي تتنكب في عينيه. ولم يجد أثرا لليأس أو الشفقة على وجهه. وبقربه جلست زوجته ورأسها منكس، وتنتظر بعصبية قرار المحكمة. كان هذا اليوم هو آخر يوم لهما يجلسان فيه معا.

سجل شي ريم طلب الطلاق بتهمة علاقة مزعومة بين زوجته ومديرها. وفكر جونغ جن وو بسره وهو ينظر للزوجين: ما هي الجريمة في العودة للمنزل برفقة مدير الانتاج لمرة أو اثنتين؟. طريقهما واحد. أليس هما رفيقين وبوسعهما الكلام حول المشاكل الشخصية أو مشاكل المعمل؟.

مر جونغ جن وو بآخرين على شاكلة شي ريم. واستنتج أن شي ريم كان يطالب بطلاق مخطئة ليس لأ زوجته عادت للمنزل برفقة مديرها ولكن لسبب آخر. الحقيقة أن شي ريم، وهو خبير تقني وله مستقبل واعد، لم يجرؤ أن يظهر بالعلن وبرفقته ثمرة يقطين قروية مثل زوجته.  كان شي ريم يقلل من شأنها لهذا السبب. فقد انتقد كل شيء في شخصيتها وضخم كل المعايب والنقائص. ورماها بالإهانات مثل قوله “أنت غبية وتسخنين البيرة للضيوف”، “أنت قصيرة ودميمة”، “ليس لديك مهارات اجتماعية”، “أنت معوقة عقليا”. حتى أنه اعتدى عليها جسديا، وترك بصمات غضبه على جسمها.

وأصدر جونغ جن وو تعليماته بالتحقيق في العنف المنزلي الذي ارتكبه شي ريم، ولكن إدارة معمل شي ريم تدخلت وأجبرت جونغ جن وو على إلغاء تعليماته. ولا زال جونغ جن وو تحت الشعور بالمرارة من هذا الحادث واقتنع أنه يجب عدم الموافقة على التماس الطلاق. ورغب بمعاقبة شي ريم بسبب شخصيته العنيفة والعنيدة. ولكنه كان يدرك أن المحكمة لن توافق على حبس شخص دون دليل. ورمى شي ريم بنظرة غاضبة ثم نظر لزوجته.

ولم يكن لدى زوجة شي ريم أي جرأة لتنظر نحو أفراد العائلة الجالسين على المقاعد. كان الزوج يدرس في المدينة، أما هي كانت تزرع الغراس في الجبال وتعمل في شركة الغابات. في الصيف، كان جسمها يحترق من الشمس بسبب الحرارة اللاهبة. في الشتاء، كان جلدها يتشقق من البرد والريح القاسية. ويغمر المطر كل جسمها، وترتجف من الثلج، ولكن أصبح ذلك روتينا بالنسبة لها. لقد كانت تكافح في حياتها. وعندما تلقت راتبها المتواضع، كانت تدخر مقدارا صغيرا لنفسها ولأولادها وترسل المتبقي لزوجها في المدينة. وبالعكس من بقية النساء العاملات، لم تكن تشتري مواد التجميل أو الثياب المناسبة لتقلب الفصول والظروف الجوية المختلفة. وأقنعت نفسها، أنها لا تحتاج لأكثر من بذة رسمية واحدة، ولا سيما بسبب طبيعة عملها. كان الدافع الوحيد لزوجها أن ينتهي من الجامعة ويصبح خبيرا ماهرا. كانت تنام وهي تأمل بالعثور على مأوى في المدينة قرب مكان عمله ليعيشوا حياة عائلية مريحة. وبظل هذه الأحلام تابعت زراعة الأشجار، وتربية ابنتها وابنها بجهدها وتعبها. مع ذلك كانت أحلامها البسيطة تنكسر عندما تواجه الواقع المزري وموقف زوجها غير المبالي. لم يكن شي ريم هو الإنسان الذي أغرمت به وكافحت من أجله. ولم تسمع منه كلمة غرام واحدة. ولا حتى أية لمسة عاطفية. وعندما تزور المدينة قادمة من القرية، لم يكن يشتري لها أي ثوب لتحسين هيئتها ولتصبح مثل سكان المدن. ولم يعبر عن حبه لها، ولم يفتح لها باب قلبه. وإذا فتح لها قلبه ظاهريا، يبدو مثل خزانة فارغة يعصف فيها نسمات خامدة. وشعرت أن زوجها لا يعتبر أنها زوجته، ولكن مجرد مدبرة منزل أو مربية أطفال. مع ذلك كانت تطمئن نفسها أنه مشغول جدا، وعمله يتطلب منه المتابعة. ثم بلغت النهاية المحتومة حينما وصلتها أوراق الطلاق. واتهمها فيها بارتكاب الزنى وتوقع منها أن تحترم نفسها وتوافق على الانفصال. وعندما نجحت بإنكار التهمة، بدل الأسباب إلى خلافات مستعصية كي يأخذ القانون مساره.

خلال الاستماع أعلنت مطالبها بصراحة. وذكرت بهدوء أنه لا يمكنها أن تعيش مع زوجها، ثم انخرطت بالبكاء. لم تكن تتوقع الحب من هذا الزوج - لقد يئست من ذلك منذ فترة بعيدة. وأرادت ببساطة أن يحترمها وينظر لها كإنسانة، ولكن حتى هذا بدا ميؤوسا منه. لم تنتظر منه غير الاعتداء والتمادي، إهانة لا يمكن احتمالها بعد الآن.

وأشفق القاضي جونغ جن وو على الزوجة بعد أن أدرك ما فعلت في سبيل راحة شي ريم  وولديهما. ووافق على الطلاق لسبب إنساني واحد، وهو حقها بالحماية من الشعور بالاغتراب. كان من المؤكد له أنها ضحية لهذا الزواج. كانت عيناها في محجريهما الداكنين تبدوان تقريبا فارغتين من البكاء والنحيب المستمر. فقد بكت بدموع الندم الحارقة، دموع سوء حظ حياتها البائسة. اليوم كل شيء مختلف. لا توجد دموع تدل على الضعف أو الهزيمة، هذه هي دموع العزم الأكيد من أجل مستقبلها. كانت إنسانة تقف صامدة بوجه الظرف السيء، ومثل زنبقة برية ستخرج من ركام الغابة الميتة.

وقرر جونغ جنغ وو أن يحترم حقها المدني ويدافع عنها بكل قدراته القانونية. وشعر أن واجبه القانوني يفرض عليه حماية حقوق هذه المرأة من سلوك زوجها المهين، والذي اعتدى على كرامتها. طلق جونغ جن وو الزوجين. ولكن آلم ذلك قلبه، فهو يعلم أنه يحطم عائلة، وحدة أساسية من بنية المجتمع. ماذا عن أبناء الزوجين؟. لم يتمكن جونغ جن وو من تحرير نفسه من الذنب الثقيل الناجم عن نقل خبر الطلاق للولدين.

قبل يومين من المحاكمة، استدعى الولدين إلى مكتبه. وقدم لهما جونغ جن وو كرسيين، لكن الولدين لم يفترقا وجلسا على كرسي واحد. كانت البنت بعمر عشرة سنوات، والصبي بعمر سبع سنوات. وكلاهما يدرس في نفس المدرسة الابتدائية. ولم يرغب جونغ جن وو أن يهدر الكثير من الوقت، لذلك فعل ما بوسعه ليكون كلامه وجيزا.

قال جونغ جن وو:”أمكما وأبوكما يا أولاد سيفترقان، ولكما الحق باختيار أي بيت تفضلان ؟”.

لمصلحة الولدين ولرعاية ميولهما، كان جونغ جن وو يعلم أن الأفضلية للأم. ولكنه وفر لهما فرصة اتخاذ قرار. لم يرد الولدان على سؤال القاضي الذي سيحدد مصيرهما. لم يتخيل الولدان أن العلاقة بين أبويهما وصلت لهذه الدرجة المؤسفة.

بعد فترة تكلمت البنت ودموعها تسقط كالمطر:”أنا... أنا أريد أن أعيش مع أمي”.

ورد الصبي بخوف بالغ:”وأنا أيضا!. مع أمي. لا أريد أن أترك أختي”.

كانت قد مرت ست سنوات على ذلك الحادث. نهض القاضي جونغ جن وو من الكنبة. وحاول أن لا يتذكر تلك اللحظة التي تعصر قلبه. ولكن صورة الولدين الخائفين لم تفارق ذاكرته. والقرار الذي اتخذه في المحكمة كان يقضي أن تعيش البنت مع أمها، والابن مع أبيه. كان من الأفضل لكليهما أن يكونا بحضن الأم، ولكن لم يكن جونغ جن وو مستعدا لمضاعفة أعبائها، فهي الآن بحكم أم غير متزوجة. وفكر جونغ جن وو بمستقبل الابن، و اقتنع أن الصبي بحاجة لنموذج ذكوري يقتدي به. لهذا السبب عزل الأخ عن الأخت.

لم يكن جونغ جن وو يعلم ماذا حصل لتلك العائلة بعد جلسة الاستماع. لكنه سمع أن شي ريم اقترن بزوجة شابة، وتابعت زوجته السابقة الحياة مع ابنتها دون أن تكرر تجربة الزواج. وقال جونغ جن وو لنفسه: لا بد أن الابنة بلغت السادسة عشرة والابن في الثالثة عشرة.  ولم يقابل جونغ جن وو تلك العائلة مع أنهم يعيشون بنفس المدينة. ومن فترة قريبة، صادف الزوجة السابقة، ولكنها تهربت منه. ولم يجد مناسبة للكلام معها. وفكر إن لم يطلب الزوجان إعادة ترتيب شأن الحضانة، لا يوجد سبب للقاضي أو القانون أن يتدخل في حياتهما الشخصية. وحتى لو تقدما بطلب، لن يمكنه معالجة القضية بسبب التراكم الذي يعاني منه.

لم ينس القاضي جونغ جن وو أبدا كل حالات الطلاق التي نظر بها في الماضي. فقد تركت انطباعا مؤلما لديه لأنه لم يكن ينظر بحالات رسمية فقط ولكنها شؤون تخص حياة الناس. كل حالة تتطلب قرارا وسببا وجيها لاتخاذ النتيجة المناسبة، لكن قلب الإنسان، ضعيف وهش ورقيق أمام الطلاق، فهو يتطلب التعاطف والتشجيع من نظام العدالة.

وفكر جونغ جن وو يقول: شي ريم، رئيس مجلس هيئة التكنولوجيا الصناعية في المقاطعة. هل هذا من كلمني حقا؟. هل سيأتي ليقابلني بعد الذكريات الكئيبة التي تعود لست سنوات مضت؟. هل هو نفسه شي ريم الذي حكمت له بالطلاق؟. لا، شي ريم الذي نظرت بطلاقه قبل ست سنوات كان مديرا في معمل الكهربائيات الثقيلة.

وهز جونغ جن وو رأسه باستنكار. لا بد أنه شخص آخر. من يمكنه أن يمر بطلاق من ذلك النوع ويعود للمحكمة كأن شيئا لم يحصل؟. لكن إن عرفته، لن تستغرب. هل له علاقة بشي صن هيي؟. كلاهما له نفس اسم العائلة. لا، على الأرجح هو شخص آخر.

وحاول جونغ جن وو أن يمحو من رأسه الأفكار غير السارة والمتكلفة عن شي ريم، وهو يذرع الغرفة للأمام والخلف. وكان الخشب الصلب يئز تحت خطواته بصوت أعلى من أي وقت مضى.

بيك نام نيونغ Peak Nam Nyong روائي وقاص من كوريا الشمالية. متزوج وله 3 أولاد. توفيت زوجته عام 2003. من أهم أعماله رواية “الصديق/ 1988”. وهذه الفقرات هي الفصل الأول منها.

***

  

بهجت عباسموت مؤجّل: قصيدة بثلاث لغات،

للشاعر العراقي يحيى السّماوي 

ترجمها إلى الإنجليزية والألمانية

الدكتور بهجت عباس


 موت  مؤجّل

أمضَيتُ نصفَ العمرِ

مُبتَدَءاً ..

أُفَتِّشُ في المنافي عن خَبَر

هـيّـأتُ قـصـدي لـلـقـصـيـدةِ

غـيـرَ أنَّ الأبـجـديـةَ غـادرتْ قـلـمـي ..

وهـيّـأتُ الـحـقـيـبـةَ لـلـسـفَـرْ

*

Deferred Death

Poet – Yahia Al-Samawy

Translator – Bahjat abbas

 

I spent one half of my life as

a subject..

looking in the exile for a predicate.

I prepared my intention for a poem

But the alphabet has left my pen ..

And I prepared my bag for the trip.

*

Deutsch

Aufgeschobener Tod

Dichter: Yahia Al-Samawy

Ubersetzer: Bahjat Abbas

 

Ich habe eine Hälfte meines Lebens verbracht

Als Anfänger..

Nach einem Prädikat im Exil zu suchen.

Ich habe meine Absicht für ein Gedicht vorbereitet,

Aber das Alphabet hat meinen Stift verlassen ..

Und ich habe meine Tasche für die Reise vorbereitet.

*

أوروكُ بـعـدَ ربـيـعِ " إيـنـانـا " خـريـفٌ (*)

فـالـضـفـافُ الـى جـفـافٍ

والـغـيـومُ بـلا مَـطَـرْ

*

Uruk after "Inanna’s" spring is Autumn* .

The shores are dry

and the clouds are rainless.

*

Uruk nach dem "Inannas" Frühling ist Herbst (*)

Die Ufer sind trocken

Und die Wolken sind regenlos.

*

وأنـا الـظـمـيءُ الـسـومـريُّ الـصَّـبُّ ..

والـمـوتُ الـمـؤجَّـلُ ..

والـقـتـيـلُ الـمُـنـتَـظَـرْ

*

And I'm the thirsty longing Sumerian,..

And the deferred death,

And the expected slain.

*

Und ich bin der durstige, sehnsüchtige Sumerer..

Und der aufgeschobene Tod

Und das erwartete Todesopfer.

*

أمـضَـيـتُ نـصـفَ الـعـمـرِ مُـبـتَـدَءاً

أُفَـتِّـشُ فـي الـمـنـافـي عـن خَـبَـرْ

*

I spent one half of my life as a subject

Looking for a predicate in exile.

*

Ich habe eine Hälfte meines halbes als Anfänger verbracht..

Nach einem Prädikat im Exil zu suchen.

*

لِأُتِـمَّ مـعـنـى جُـمـلـتـي الـعـذراءِ

فـي بـحـثـي عـن الـفـردوسِ

والـخـوفِ الـمـوبَّـدِ مـن سَـقَـرْ

*

To complete the meaning of my blank sentence

In my search for paradise

And the eternal fear of hell

*

Um die Bedeutung meines leeren Satzes zu vervollständigen

auf meiner Suche nach dem Paradies

Und nach der ewigen Angst vor der Hölle

*

كـيـفَ الـهـروبُ ؟

يـدي مُـكَـبَّـلــةٌ ..

وإصْـبـاحـي بـلا شــمـسٍ

وليلي لا قـمَـرْ

*

How is the escape?

My hand is tied..

And my morning is sunless

And my night without moon

*

Wie ist die Flucht?

Meine Hand ist gebunden..

Und mein Morgen ist sonnenlos

Und meine Nacht ohne Mond

 

*

والـدربُ وعـثـاءٌ**

وســاقـيَ مـن حَـجَـرْ !

*

And the road is very hard

And my leg is of stone!

*

Und der Weg ist sehr hart

Und mein Bein ist aus Stein!

 

*

بـيـنـي وأوروكَ الـذي بـيـنَ الـفـراشـةِ والـزهـورِ

وبـيـنَ فـاخـتـةِ الـسـمـاوةِ والـشـجَـرْ

Between me and Uruk is between the butterfly and the flowers

And between the pigeons of Al - Samawah And trees

*

Zwischen mir und Uruk ist zwischen dem Schmetterling und den Blumen Und zwischen der Taube von Al - Samawah und Bäumen

*

فـأنـا وأوروكُ:

الـوفـاءُ مـن الـسَّـمَـوْألِ

والـوُضُـوءُ مـن الـصـلاةِ

و " ميمُ " آصِـرةِ الـمـروءةِ مـن " مُـضَـرْ "

*

I and Uruk:

Faithfulness of Al-Samawal  (Honest man before Islam)

And the ablution from prayer

And “M”,  the bond of chivalry from “Mudhar.” - Tribe

*

Ich und Uruk:

Treue von Al-Samawal -   (Ehrlicher Mann vor dem Islam)

Und die Waschung aus dem Gebet

Und „M“, das ritterliche Band von „Mudhar“. –( Stamm)

*

وأنـا وإيـنـانـا:

الـهـديـلُ مـن الحَـمـامـةِ ..

والـتـبـتُّـلُ مـن تـسـابـيـحِ الـسَّـحَـرْ

*

Me and Inanna:

Coo of a dove

And the celibacy of the Twilight’s Glorification

*

Ich und Inanna:

Gurren einer Taube

Und das Zölibat der Verherrlichung des Zwielichts

*

وأنـا وإيـنـانـا كـمـا شـرقٌ وغـربٌ:

حُـلـمُـنـا ريـشٌ

ويـقـظـتُـنـا وَبَـرْ

*

And me and Inanna are like east and west:

Our dream is feathers

And our awakening is fur.

*

Und ich und Inanna sind wie Ost und West: \

Unser Traum ist Federn

Und unser Erwachen ist Pelz.

*

لـكـنَّ " إنـلـيـلَ " الـجـديـدَ أقـامَ مـا بـيـنـي وأوروكَ: (***)

الـذي بـيـنَ الـغـزالـةِ والـسـهـامِ

وبـيـن أنـكـيـدو وخـمـبـابـا

فـعَـزَّ الـمُـسْـتَـقَـرْ

*

But the new "Enlil" has settled in Between me and Uruk: (**)

What between the deer and the arrows

And between Enkido and Khimbaba,

So, residence was scarce.

Aber der neue "Enlil" hat sich zwischen mir und Uruk eingelebt: (**)

Was zwischen dem Reh und den Pfeilen

Und zwischen Enkido und Khimbaba,

Wohnen war also Mangelware.

*

أطـلِـقْ سَــراحَـكَ مـنـكَ

أنـتَ أسـيـرُ نـفـسِـكَ ـ قـلـتُ لـيْ ـ

فـاخـتـرْ لـخـيـمـتِـكَ الـقـصِـيَّ مـن الـبـلادِ ..

الأرضُ واسـعـةٌ ..

فَـدَعْـكَ مـن الـوقـوفِ عـلـى تِـلالِ اللامَـفَـرْ

*

Free yourself from you,

You are a prisoner of yourself- I told myself-

Choose for your tent the furthest from the country ..

The earth is wide.

Let yourself not standing on the hills of unavoidableness.

*

Befreie dich von dir,

Du bist ein Gefangener deiner selbst- sagte ich mir-

Wähle für dein Zelt das am weitesten vom Land entfernte ..

Die Erde ist breit.

Lasse dich nicht auf den Hügeln der Unvermeidlichkeit stehen.

*

فـأجَـبْـتُـنـي:

مـا عـدتُ أمـلـكُ أمـرَ نـفـسـي ..

مـنـذُ أدْمَـنـتُ ارتـشـافَ رحـيـقِ إيـنـانـا

غـدوتُ لِـخِـدرِهـا الـمـائـيِّ عـبـداً يُـؤتَـمَـرْ

*

I answered myself:

I have no control over myself ..

Since I was addicted sipping nectar from Inanna,

I became an obeying slave to her watery narcotic.

*

Ich habe mir selbst geantwortet:

Ich habe keine Kontrolle über mich..

Da ich süchtig war, Nektar von Inanna zu schlürfen,

Ich wurde ein gehorsamer Sklave ihres wässrigen Betäubungsmittels.

*

جَـرَّبـتُ يـومـاً أنْ أُسـامـرَ غـيـرَهـا

فـاغـتـاظَ مـن عـيـنـيَّ قـلـبـي

واشـتـكـى أُنـسـي ولـذّاتـي الـسَّـمَـرْ

*

One day I tried to talk to someone else

My heart got angry with my eyes

And my amicabilities complained and my pleasures of the night entertainment.

*

Eines Tages habe ich versucht, mit jemand anderem zu sprechen

Mein Herz wurde wütend auf meine Augen

Und meine Freundlichkeit beschwerte sich und meine Freuden der Nachtunterhaltung.

*

مَـرَّ الـربـيـعُ ولـيـس مـن عُـشـبٍ ..

وَمَـرَّ غـدي عـلـيَّ ..

ولـم يـمُـرْ أمـسـي !

وهـا أنـذا شِــتـاءٌ مُـثـكَـلٌ بـالـدِّفءِ

أنـفـخُ فـي رمـادِ الـعـشـقِ

أسـتـجـديـهِ ثـوبـاً مـن شَـرَرْ

*

Spring has passed and there is no grass ..

My Tomorrow has passed..

But my Yesterday didn’t pass!

I am so a winter without warm

I blow in the ashes of love

Begging it a cloth of sparks.

*

Der Frühling ist vorbei und es gibt kein Gras ..

Mein Morgen ist vergangen..

Aber mein Gestern verging nicht!

Ich bin so ein Winter ohne Wärme

Ich blase in die Asche der Liebe

Um ein Hemd aus Funken zu betteln.

* * *

..................

(*) إينانا: إلهة الجمال والحُب والجنس والخصوبة في ملحمة كلكامش .

(**) وعثاء : شدّة المشقّة.

(**) إنليل: رئيس الآلهة في ملحمة كلكامش.

 (*) Inanna: the goddess of beauty, love, sex and fertility in the epic of Gilgamesh.

(***) Enlil: the head of the gods in the epic of Gilgamesh.

 (*) Inanna: die Göttin der Schönheit, Liebe, Sex und Fruchtbarkeit im Epos von Gilgamesch.

(***) Enlil: das Haupt der Götter im Epos von Gilgamesch.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: شاندور تشوري

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


لماذا أكتب شعراً

إذا كان بإمكاني أن أكون معكِ؟

أليس إلا،

لأُشذب الوقت،

وأن أسهب في القول؟

بل أُؤثر الإمساك بالشمس،

مثل كرة الكردحة *

فأهوي بغابات الأفق

واكدسها لأجلك كومة.

 

لماذا أكتب شعراً

إذا كان بإمكاني أن أكون معكِ؟

نهداكِ أجمل من أندى التشبيهات غرابة،

وفمكِ مثل قافية عارية.

انه الصيف،

كفك يَحرق مثل عدسة مكبِّرة،

ويغلي رمل ساحل البحيرة

حالما يلامسه بطنك.

 

طيور تسير نحوك

وقطارات.

للحظة، للحظة واحدة، إذا ما أكتنفك الدخان،

فستعريك عيني بلهفة -

لا أدري، لمَ أتوق لرؤياك طيلة الوقت؟

فلو كنت قصباً: لتقت إلى القصب

ولو أرضاً: فللأرض.

 

لماذا أكتب شعراً

إذا كان بإمكاني أن أكون معكِ؟

فالكلمات تضحى فارغة،

كما تقفر المنتجعات في الخريف،

تُفنى، مثلما الناس،

لكن إذا لمَستُكِ

فستبقى اللمسة خالدة:

لا تريد أن تصبح لما هو مُقبل

ولا لِما مضى -

 

لماذا أكتب شعراً

إذا كان بإمكاني أن أكون لكِ وحدكِ؟

قدماكِ،

يداكِ

أنفاسكِ!

***

.........................

* كرة الكردحة هي كرة البولينج  (المُترجم)

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر شاندور تشوري، في الثالث من فبراير من عام 1930. كان شاعراً وصحفياً وكاتب مقالات سياسية.

أكمل دراسته في الإعدادية البروتستانتية التصحيحية عام 1950، التحق بعدها بمعهد ألتا، لكنه ترك الدراسة بسب المرض. عمل في العديد من المجلات والجرائد مثل الجريدة الأدبية خلال الفترة ما بين 1953 و 1954، ومن 1955 إلى 1956 كان محرراً لقسم الشعر في دورية "الصوت الجديد".

 ظهرت قصائده الأولى في عام 1953، مما أثار ضجة كبيرة وانتقاداً لعصر الرئيس راكوتسي. وسرعان ما لاحظت السلطات أن الشاعر لم يكن من أنصارها. ففي كتاباته كان ينتقد تأثير الديكتاتورية على شخصية الإنسان ومصيره خصوصاً على السكان في الريف. كان تحت المراقبة، بل استمرت مراقبته في بعض الأحيان لسنوات. لم يحصل على جوائز. عاش في بودابست، حيث كان يلتقي بأصدقائه، وبالأخص المخرج السينمائي المشهور ميكلوش يانتشو، والشاعر أوتو أوربان، وجورج كونراد، و فيرينس كوشا.

توفي الشاعر عن عمر يناهز 86 عامًا بعد صراع طويل مع المرض في 12 سبتمبر 2016.

 

وعد الله ايلياترجمة قصيدة (موت مؤجَّل) للشاعر العراقي يحيى السماوي الى اللغة الفرنسية

ترجمة: وعد الله إيليا


Mort differée

J'ai passé la moitié de ma vie

A commencer ..

A chercher des nouvelles en exil

J'ai préparé mon intention pour un poème

Mais l'alphabet a quitté

Mon stylo ..

Et j'ai préparé mon sac pour le voyage

*

Uruk après le printemps" Inanna"

Automne (*)

Les bergers sont sèches

Et les nuages sont sans pluie

*

Et je suis le sumérien assoiffé,

Le versant ..

Et la mort differée,

Le meurtrier attendu

*

J'ai passé la moitié de ma vie

A commencer ..

A chercher des nouvelles en exil

*

Pour compléter la signification de ma phrase vierge

Dans ma recherche du paradis

Et la peur éternelle de l'enfer

*

Comment s'évader ?

Ma main est mouillée ..

Et mon matin est sans soleil,

Ma nuit sans lune

*

Et le chemin est dur (* *)

Et ma jambe est en pierre !

*

Entre moi et Uruk qui est entre

Le papillon et les fleurs

Et entre les pigeons et Al _ Samawah

Et des arbres

*

Moi et Uruk :

Le loyalisme d'Al_ Samawah

Et l'ablution de la prière

Et " M ",(le lien de la virilité des acides )

*

Moi et Inanna :

Roucoulant d'une colombe

Et le célibat des hymnes de la magie

*

Et moi et Inanna sommes àl'est et à l'ouest :

Notre rêve est plumes

Et notre éveil est laine

*

Mais le nouvel" Enlil " s'est installé

Entre moi et Uruk :(***)

Qui est entre le cerf et les flèches

Et entre Enkido et Humbaba ,

Il a renforcé l'écurie

*

Libère_toi ,

Tu es ta propre prisonnière _ je me l'a dit _

Choisis pour ta tente la plus éloignée

Du pays ..

La terre est large ..

Oublies debout sur les collines

De l'infini

*

Tu m'a répondu :

Je n'ai aucun contrôle sur moi_ même ..

Depuis que j'étais acro à siroter le nectar

D'Inanna,

Je suis devenu esclave de sa narcolepsie

Aqueuse

*

Un jour, j'ai essayé de parler à quelqu'un d'autre

Mais mon cœur s'est mis en colère à cause de mes yeux

Et s'est plaint de ma convivialité et mes plaisirs

De la nuit

*

Le printemps est passé et il n'y a pas d'herbe

..

Mon avenir est passé ..

Mais mon passé n'a pas passé !

Je suis un hiver plein de chaleur

Je souffle sur les cendres de l'amour

Mendiant une robe du mal

* * *

(*) Inanna : la déesse de la beauté, de l'amour, du sexe et de la fertilité dans l'épopée de Gilgamesh.

(**) Fatigue : sensation désagréable de difficulté.

(***) Enlil : la tête des dieux dans l'épopée de Gilgamesh.

Yahya Al_ Samawi

Traduction : Waadallh Iliya

...........................

(موتٌ مؤجّل)

يحى السماوي

أمضَيتُ نصفَ العمرِ

مُبتَدَءاً ..

أُفَتِّشُ في المنافي عن خَبَر

هـيّـأتُ قـصـدي لـلـقـصـيـدةِ

غـيـرَ أنَّ الأبـجـديـةَ غـادرتْ قـلـمـي ..

وهـيّـأتُ الـحـقـيـبـةَ لـلـسـفَـرْ

*

أوروكُ بـعـدَ ربـيـعِ " إيـنـانـا " خـريـفٌ (*)

فـالـضـفـافُ الـى جـفـافٍ

والـغـيـومُ بـلا مَـطَـرْ

*

وأنـا الـظـمـيءُ الـسـومـريُّ الـصَّـبُّ ..

والـمـوتُ الـمـؤجَّـلُ ..

والـقـتـيـلُ الـمُـنـتَـظَـرْ

*

أمـضَـيـتُ نـصـفَ الـعـمـرِ مُـبـتَـدَءاً

أُفَـتِّـشُ فـي الـمـنـافـي عـن خَـبَـرْ

*

لِأُتِـمَّ مـعـنـى جُـمـلـتـي الـعـذراءِ

فـي بـحـثـي عـن الـفـردوسِ

والـخـوفِ الـمـوبَّـدِ مـن سَـقَـرْ

*

كـيـفَ الـهـروبُ ؟

يـدي مُـكَـبَّـلــةٌ ..

وإصْـبـاحـي بـلا شــمـسٍ

ولـيـلـيَ لا قـمَـرْ

*

والـدربُ وعـثـاءٌ (**)

وســاقـيَ مـن حَـجَـرْ !

*

بـيـنـي وأوروكَ الـذي بـيـنَ الـفـراشـةِ والـزهـورِ

وبـيـنَ فـاخـتـةِ الـسـمـاوةِ والـشـجَـرْ

*

فـأنـا وأوروكُ:

الـوفـاءُ مـن الـسَّـمَـوْألِ

والـوُضُـوءُ مـن الـصـلاةِ

و " ميمُ " آصِـرةِ الـمـروءةِ مـن " مُـضَـرْ "

*

وأنـا وإيـنـانـا:

الـهـديـلُ مـن الحَـمـامـةِ ..

والـتـبـتُّـلُ مـن تـسـابـيـحِ الـسَّـحَـرْ

*

وأنـا وإيـنـانـا كـمـا شـرقٌ وغـربٌ:

حُـلـمُـنـا ريـشٌ

ويـقـظـتُـنـا وَبَـرْ

*

لـكـنَّ " إنـلـيـلَ " الـجـديـدَ أقـامَ مـا بـيـنـي وأوروكَ: (***)

الـذي بـيـنَ الـغـزالـةِ والـسـهـامِ

وبـيـن أنـكـيـدو وخـمـبـابـا

فـعَـزَّ الـمُـسْـتَـقَـرْ

*

أطـلِـقْ سَــراحَـكَ مـنـكَ

أنـتَ أسـيـرُ نـفـسِـكَ ـ قـلـتُ لـيْ ـ

فـاخـتـرْ لـخـيـمـتِـكَ الـقـصِـيَّ مـن الـبـلادِ ..

الأرضُ واسـعـةٌ ..

فَـدَعْـكَ مـن الـوقـوفِ عـلـى تِـلالِ اللامَـفَـرْ

*

فـأجَـبْـتُـنـي:

مـا عـدتُ أمـلـكُ أمـرَ نـفـسـي ..

مـنـذُ أدْمَـنـتُ ارتـشـافَ رحـيـقِ إيـنـانـا

غـدوتُ لِـخِـدرِهـا الـمـائـيِّ عـبـداً يُـؤتَـمَـرْ

*

جَـرَّبـتُ يـومـاً أنْ أُسـامـرَ غـيـرَهـا

فـاغـتـاظَ مـن عـيـنـيَّ قـلـبـي

واشـتـكـى أُنـسـي ولـذّاتـي الـسَّـمَـرْ

*

مَـرَّ الـربـيـعُ ولـيـس مـن عُـشـبٍ ..

وَمَـرَّ غـدي عـلـيَّ ..

ولـم يـمُـرْ أمـسـي !

وهـا أنـذا شِــتـاءٌ مُـثـكَـلٌ بـالـدِّفءِ

أنـفـخُ فـي رمـادِ الـعـشـقِ

أسـتـجـديـهِ ثـوبـاً مـن شَـرَرْ

* * *

..................

(*) إينانا: إلهة الجمال والحُب والجنس والخصوبة في ملحمة كلكامش .

(**) وعثاء : شدّة المشقّة.

(***) إنليل: رئيس الآلهة في ملحمة كلكامش.

يحيى السماوي

...................

 

 

2706 ديريك ماهنبقلم: ديريك ماهن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


كل شيء سيكون على ما يرام

كيف لي ان لا أكون سعيدا

وأنا أتأمل الغيوم تنحسر بعيدا عن النافذة

وارى مدا عاليا تنعكس صورته على السقف؟

سيكون هناك موت، سيكون هناك موت،

ولكن لا حاجة للخوض في ذلك.

تنساب القصائد من اليد دون ان يطلب منها احد ذلك

والمصدر الخفي هو القلب المؤرق.

تشرق الشمس رغم كل شيء

والمدن البعيدة جميلة ومشرقة.

استلقي هنا في فورة من نور الشمس

ارقب النهار يبزغ والغيوم تحلق.

كل شيء سيكون على ما يرام.

***

..................... 

* ديريك ماهن (1941-2020) شاعر ايرلندي من مواليد بل فاست في ايرلندا الشمالية. تلقى تعليمه في كلية ترينيتي في دبلن ثم في السوربون بباريس. نشر عدة مجموعات شعرية وترجمات لشعراء فرنسيين وحاز شعره على جوائز عديدة. يعد واحدا من ابرز شعراء ايرلندا المعاصرين.

 

 

عبد الوهاب البراهميبقلم: جاك بريفار

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي

أوه ، حبّذا لو تذكرين

أياما سعيدة حينما كنّا أصدقاء،

في ذاك الزمن، كانت الحياة أجمل،

و الشمس أشدّ حرّا من اليوم.

تُجمع الأوراق اليابسة بالمجرفة،

ترين أنا لم أنس

تُجمع الأوراق اليابسة بالمجرفة،

وكذا الذكريات والندّم،

وتحملها ريح الشمال

في ليل النسيان البارد.

ترين، أنا لم أنس،

الأغنية التي أسمعتنيها...

 

كانت أغنية ، تشبهنا،

أنت التي تحبّينني، أنا الذي أحبّك.

كنّا نعيش، الاثنان معا،

أنت التي تحبّينني، أنا الذي أحبّك.

والحياة تفرّق بين المحبيّن،

بكلّ لطف، دون صخب.

ويمحو البحر من على الرّمل

خطوات عشّاق تفارقوا.

تُجمع الأوراق اليابسة بالمجرفة،

وكذا الذكريات والندم،

لكنّ حبّي الصّامت والوفيّ

يبتسم دوما ويشكر الحياة

سأحبّك كثيرا، لقد كنت جدّ جميلة،

كيف توّدين لو أنساك؟

في ذاك الزمن، كانت الحياة أجمل

والشمس أشدّ حرّا من اليوم

كنتِ أرقّ أصدقائي

لكن لا أملك غير النّدم

والأغنية التي بها تترنّمين

أنا دوما، دوما سأسمعها !

جاك بريفار

***

"شمس الليل"

Jacques Prévert (1900-1977)

Soleil de nuit

................

الزمن الضائـــــــــع

أمام باب المصنع

وقف العامل فجأة

استوقفه الطقس الجميل

فالتفت

ونظر إلى الشمس

قرصا شديد الاحمرار جدّ مكوّر

مبتسما في سماء صافية

غمز بعينيه

كما اعتاد

قولي لي رفيقتي الشمس

ألا ترين من الغباء

أن نهب يوما كهذا

لصاحب المصنع؟

 

جاك بريفار

"  كلمات"

...................

Les feuilles mortes

Oh, je voudrais tant que tu te souviennes,

Des jours heureux quand nous étions amis,

Dans ce temps là, la vie était plus belle,

Et le soleil plus brûlant qu'aujourd'hui.

Les feuilles mortes se ramassent à la pelle,

Tu vois je n'ai pas oublié.

Les feuilles mortes se ramassent à la pelle,

Les souvenirs et les regrets aussi,

Et le vent du nord les emporte,

Dans la nuit froide de l'oubli.

Tu vois, je n'ai pas oublié,

La chanson que tu me chantais...

 

C'est une chanson, qui nous ressemble,

Toi qui m'aimais, moi qui t'aimais.

Nous vivions, tous les deux ensemble,

Toi qui m'aimais, moi qui t'aimais.

Et la vie sépare ceux qui s'aiment,

Tout doucement, sans faire de bruit.

Et la mer efface sur le sable,

Les pas des amants désunis.

Nous vivions, tous les deux ensemble,

Toi qui m'aimais, moi qui t'aimais.

Et la vie sépare ceux qui s'aiment,

Tout doucement, sans faire de bruit.

Et la mer efface sur le sable,

Les pas des amants désunis...

 

Les feuilles mortes se ramassent à la pelle,

Les souvenirs et les regrets aussi

Mais mon amour silencieux et fidèle

Sourit toujours et remercie la vie

Je t'aimais tant, tu étais si jolie,

Comment veux-tu que je t'oublie ?

En ce temps-là, la vie était plus belle

Et le soleil plus brûlant qu'aujourd'hui

Tu étais ma plus douce amie

Mais je n'ai que faire des regrets

Et la chanson que tu chantais

Toujours, toujours je l'entendrai !

Jacques Prévert (1900-1977)

Soleil de nuit

***

Le temps perdu

Devant la porte de l'usine

le travailleur soudain s'arrête

le beau temps l'a tiré par la veste

et comme il se retourne

et regarde le soleil

tout rouge tout rond

souriant dans son ciel de plomb

il cligne de l'œil

familièrement

Dis donc camarade Soleil

tu ne trouves pas

que c'est plutôt con

de donner une journée pareille

à un patron ?

Jacques Prévert (1900-1977)

Paroles

 

جمعة عبد اللهللشاعر اليوناني يانيس ريتسوس

مقطعان من قصيدة طويلة بعنوان ؛ اتفاقية السلام عام 1938

ترجمة : جمعة عبدالله


أغمضت عيني

كي أحدق في بؤرة الضوء

أعمى

أحرقت الشعلة

كي أتنفس

في الليالي

أتنصت لعروش الصمت

نفثت إبتسامة

لم أكن أعرف الندم

بكيت

على شفافية يدي

من شفافية الفرح

لم أكن أرغب بذلك

ليس غباءً أو حلماً

هو أبعد من ذلك

حين يتزحلق الحلم الى الهشيم

وأنت جئت

**

أنظري يا عزيزتي

أنهم يتطلعون ألينا

يدي الفقيرة

مثل طفلين يتيمين

يبكون ليلا .. بطونهم خاوية

من الخبز

ينامون وهم يرتجفون

من الثلج

يرتعشون من البرد

لكنهم لم يتوسلوا

يمسكون

زهرة الصمت

ويلعبون في الطرقات المتصدعة

عزيزتي

أنظري كيف هم مرتبكون

ويدي مظلمة في الليل

كيف أقدر أن أفتح

باب النور

لا أعرف ذلك

ولا العتمة وتألقها

أقف في الخارج ببرودة الجبان

أنظر الى النوافذ العالية

في تألق أضواء الثريا

الكريستال

واقول في داخلي تحرك وابتعد

الى ليلتك المعهودة

ودع الآخر يحل مكانك

أقف مكتوف اليدين

خارج بابكِ

لا تتصلي بي بعد

لنمدد هذه الساعات المملة

الزائدة

في عالمين

يتناوبان

بتلك الأصوات العميقة

وزنها

على خيط فضي

وقطرة ندى

تنانيرها تتأرجح

في زهرة الليل

 هنا ستبقى

وهناك ستسقط

عزيزتي

لا أعرف ماذا يعدون لنا

تحت أنظار الالهة

وراء الاعتلال الضوئي

***

جمعة عبدالله

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: شاندور تشوري

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرّائي


أتْركُهُ بلطفٍ يتجعد،

هذا الوجه،

إذ لم تَشْججه شظايا،

ولم تحْطِمهُ لكمات،

وما وطأته أرجل عناكب فَجّة.

 

دعه ينظر من يريد أن ينظر،

لذاكرة أوراق الكستناء

تُبلى في صمت،

ولهذه المدينة التي،

لفظتني، احتضنتني، خدعتني، طَوَّفتني.

 

عيناي على وجوه التماثيل،

مازالتا تهاجران إلى أبراجها

ثم من السماء تعودان لتريا نيراناً هامدةً

في قلعة المَلِك المُقْفِرة،

وحشداً من الدماء حول مجلس الأمة.

 

دع من يريد أن ينظر، أن ينظر لهذا

أطنان من عظام الصدغ

تتهادى نحو الظلام اليومي،

حتى قبل أن تضيء المصابيح -كقناديل تذكارية.

 

كان من الممكن هنا أن أكون آبقاً، تافهاً،

شاهد عيان على العالم

لكني اضحيت رفيق الكلمات،

والعواصف الثلجية، والغيث المتلعثم

الذي حتى بعنق ملتوي

سيظل يحْلُم بحلمه الذي لا يقايض:

يتأمل هذا القرن المعتل

والحرية الواهية.

 

 

هنالك سنين قادمة، ربما لا تزال هنالك سنين قادمة،

ولمن يريد أن يراني

فليراني كما سـأبدو، واهناً وقوياً،

اخرجُ من تحت خيمة السماء إلى الأبد.

مصونة هي التجاعيد على وجهي

كما تصان قصائد الشعراء

ولتغز العالم من بعدي!

وعسى أن تتوقف المدينة المتغطرسة ذات يوم،

في إخفاء حزنها الذي تنكر.

***

.....................

نبذة عن حياة الشاعر:

ولد الشاعر شاندور تشوري، في الثالث من فبراير من عام 1930. كان شاعراً وصحفياً وكاتب مقالات سياسية.

أكمل دراسته في الإعدادية البروتستانتية التصحيحية عام 1950، التحق بعدها بمعهد ألتا، لكنه ترك الدراسة بسب المرض. عمل في العديد من المجلات والجرائد مثل الجريدة الأدبية خلال الفترة ما بين 1953 و 1954، ومن 1955 إلى 1956 كان محرراً لقسم الشعر في دورية "الصوت الجديد".

 ظهرت قصائده الأولى في عام 1953، مما أثار ضجة كبيرة وانتقاداً لعصر الرئيس راكوتسي. وسرعان ما لاحظت السلطات أن الشاعر لم يكن من أنصارها. ففي كتاباته كان ينتقد تأثير الديكتاتورية على شخصية الإنسان ومصيره خصوصاً على السكان في الريف. كان تحت المراقبة، بل استمرت مراقبته في بعض الأحيان لسنوات. لم يحصل على جوائز. عاش في بودابست، حيث كان يلتقي بأصدقائه، وبالأخص المخرج السينمائي المشهور ميكلوش يانتشو، والشاعر أوتو أوربان، وجورج كونراد، و فيرينس كوشا.

توفي الشاعر عن عمر يناهز 86 عاماً بعد صراع طويل مع المرض في 12 سبتمبر 2016.

 

 

عادل صالح الزبيديبقلم: براين بيلستن

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

إنْ (نسخة كلية إيتن)

(اعادة صياغة لقصيدة رديارد كبلنغ الشهيرة بالعنوان نفسه)


إن استطعت الاحتفاظ بمنصبك

في الوقت الذي يتدمر كل ما حولك بسبب افعالك؛

إن يربكك العقل والفطرة السليمة

ولا تملك من النزاهة شيئا؛

إن استطعت الكذب ولا تشعر بالتعب من الكذب،

وتتظاهر بأنك تعمل للصالح العام،

لكنك بعد ذلك تترك الشعب يموت

وتقول بحزن انك عملت كل ما بوسعك:

إن استطعت ان تحلم—بأي شيء اقل من السلطة؛

إن استطعت ان تفكر—بأي انسان غير نفسك؛

إن استطعت ان تصدق بأن افضل اوقات هذا البلد

هو حين تستطيع القلة المختارة من حيازة المزيد من الثروة؛

إن استطعت ان تسخر من القانون بالخداع والتهديد

ولا يهمك ان اعتبروك صادقا،

او تنكرت بازدراء لكل خطأ فاضح ترتكبه

ولا يهمك كم عدد الذين يمكن ان تخدعهم:

إن استطعت اثارة الكراهية والخوف والعنف

كي تخلق انقساما يخدم اهدافك؛

وتقابل صرخات الاستنجاد بالصمت،

ثم تضحك حول ذلك مع اصدقائك:

إن استطعت ان تدفع بهذا البلد الى اقصى ما يمكنه الاحتمال

او الى حد تكون فيه قد حققت متعتك،

فهذه الأرض وكل ما فيها ملكك،

ومثلما كنت تتمنى، يا بني، ستصبح عضو برلمان.

***

..............................

عرف الشاعر براين بيلستن خلال السنوات القليلة الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك وغيرهما بوصفه صوتا شعريا متميزا حتى أطلق عليه لقب (أمير شعراء تويتر) على الرغم من كونه شخصية يلفها الغموض ولا يعرف عنه الا النزر اليسير. ظهرت له أول مجموعة شعرية مطبوعة بعنوان (استقللتَ الحافلة الأخيرة الى الديار) في عام 2016 ورواية بعنوان (يوميات احدهم) في العام الحالي. يواظب بيلستن على نشر قصائده على مواقع التواصل على نحو شبه يومي.

 

 

2658 تشارلز سيميكبقلم: تشارلز سيميك

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 الفقر

حين نظرت الى فقري:

جزمتي وبطن زوجتي،

الفأر الممدد في المصيدة

ووجه ابني وهو نائم،

علمت انه لم يعد بامكان اي شيء ان يؤذيني.

يمكنني ان انطلق نحو الليل

دونما امل

دونما توجيه.

 

لم يعد بامكان اي شيء ان يؤذيني.

اعلم انني احيا.

 

انه هدية

لم اعد اخشى ان

افتحها.

***

.....................

تشارلز سيميك: شاعر ومترجم وكاتب مقالات أميركي من أصل صربي ولد عام 1938 في مدينة بلغراد بيوغوسلافيا السابقة. عاش سنين الكارثة التي حلت بأوربا خلال الحرب العالمية الثانية وهاجر بعدها في سني مراهقته إلى أميركا ليصبح واحدا من أبرز شعرائها المعاصرين. نشأ في شيكاغو وتلقى تعليمه في جامعة نيويورك ويعمل حاليا أستاذا للأدب الأميركي والكتابة الإبداعية في جامعة نيوهامبشير، ومحررا لمجلة (باريس ريفيو) بالاشتراك مع الكاتبة والشاعرة ميغان أورورك. نشر سيميك أولى قصائده عام 1959 ولكنه بدأ مسيرته الأدبية مع أول مجموعة ظهرت له عام 1967 بعنوان (ما يقوله العشب) وسرعان ما جذب المزيد من الاهتمام النقدي وخصوصا عند نشره قصائد له بالانكليزية وترجمات شعرية لشعراء يوغسلاف. نال شعره جوائز عديدة منها جائزة البوليتزر لعام 1990 عن ديوانه (العالم لا ينتهي: قصائد نثر) وجائزة والاس ستيفنز عام 2007. وانتخب لمنصب شاعر الولايات المتحدة عام 2007. من عناوين مجموعاته الشعرية: ( تعرية الصمت) 1971، (مدرسة لأفكار سوداء) 1978، (أغاني بلوز لا تنتهي) 1986، (أرق الفنادق) 1992، (عرس في الجحيم) 1994، (اصطحاب القطة السوداء) 1996، (نزهة ليلية) 2001، و(ستون قصيدة) 2008.

 

2656 winterson

بقلم: جانيت ونترسون

ترجمة: صالح الرزوق


في ذلك اليوم شاهدنا ثلاثة يهود يرتدون المعاطف السود الطويلة والقبعات السوداء، ويقفون على سلالم قصيرة متماثلة، وينظرون بقمع آلة إنتاج المعكرونة. هبط أحدهم من سلمه الصغير وذهب إلى مقدمة الآلة حيث كانت المعكرونة تخرج بشكل خيوط برتقالية. حمل بيده شريطين ورفعهما عاليا، فتدليا على معطفه، وظهر كأنه يحمل ميدالية لها شريط. اشتروا الآلة. وحملها الصبي الإيطالي الذي يرتدي قميصا رقيقا، وأودعها بالشاحنة.

وقد اشترى اليهود الآلة ليتمكنوا من إنتاج المعكرونة بشكل حلقات وليبيعوها في المخزن. وكان لديهم متجر لبيع الأطعمة الحلال ودائما أغطية نوافذه نصف مغلقة. أما الأرض فقد تم للتو تمهيدها بألواح الخشب ولذلك لم تكن تلمع، أما طاولة المبيع فقد كانت في صدر المكان ومرتفعة. وكانوا يعملون وهم يرتدون قبعاتهم ومعاطفهم. ويلفون الأطعمة بورق مضاد للدهون. ويكررون ذلك يوميا باستثناء يوم السبت. وحينما وصلت الآلة باشروا بإنتاج المعكرونة، ووضعوا فوق طاولة المبيع الصواني الخشبية، ومدوا على الصواني الورق المضاد للدهون. ثم صفوا حلقات المعكرونة وكانت بألوان يحبونها، ولا سيما البرتقالي، فهم لم ينسوا لون الأشرطة التي شاهدوها أول مرة. وكان المتجر معتما ولكن تنيره المعكرونة بألوانها، وبنفس الوقت كانت الآلة تغني في كل أرجائه وهي تدور.

بالفعل نحن نكون سعداء في الأيام المشرقة. وهذا يحصل لأن الشمس التي تسطع على الجفون تشجع في الجسم الاستقلاب الكيميائي. أيضا الشمس تحول المآقي لخرم إبرة و تقلل من تسلل النور. وحينما تصعب الرؤية تزداد فرصة الوقوع بالغرام. ولا شيء مثل الحب في الصيف، أقول ذلك مع أنني مترددة في الاعتراف بهذه الحقيقة. مع ذلك لدي حكاية سأخبركم بها. وها هي.

في المتجر حيث وقف اليهود كالأحجار الراسخة، مثلما وقف شادراش وميشش وأبدنيغو في الفرن الملتهب، كانت هناك امرأة أحبت أن تشتري أربعة أونصات.

وتدلت في حقيبتها المعكرونة التي سقطت من الميزان بخيوط ملتهبة. وكنت وراءها، قادمة من الشوارع الحارة إلى هذه العتمة الباردة التي تهب على وجهك كأنك مقبلة على الدخول في كنيسة. ماذا ستفعل المرأة بهذه اللفافات الصغيرة المصفوفة على واجهة الزجاج؟.

قبل أن تدفع لهم عدت ما لديها. وطلبت منهم إن كانت الكمية أقل من ستة عشرة أن يضيفوا المزيد، وإن كانت أكثر من ستة عشرة أن يستعيدوا الفرق.

بعد المتجر تابعتها. في البداية بخطوات محسوبة، ومع زيادة هوسي بها، بدأت أتبعها بدوائر أكبر، من المتجر وحتى البيت، فقد دخلت معها في الحديقة العامة ثم تخطينا المستشفى. وفقدت إحساسي بالوقت والمكان وأحيانا كان يبدو لي أنني أسير في صحراء أو غابة ومع ذلك لم أمتنع عن متابعتها. وأحيانا كنا نعبر بمتاهة بدائية من الممرات وفي لحظات غيرها كنا نمشي على طريق ممهد.

الآن أتكلم بضمير الجماعة. لم تكن منتبهة لوجودي خلفها. وللتوضيح احتفظت بمسافة أمان، ولزمت الجانب الآخر من الطريق. ولأنها لم تكن تلاحظني اقتربت منها بما فيه الكفاية لأرى أنها صبغت شعرها، ولكن بلون متموج. وفي أحد الأيام كان يتدلى من تنورتها خيط فقطعته دون أن ألفت نظرها. وبعد فترة بدأت أسير بجوارها. وتوازت خطواتنا دون صعوبة. ومع ذلك لم تترك عندي أي انطباع أنها تلاحظ وجودي. 

فتشت في قسم الكتب النافدة في مكتبة تتاجر بالكتب المستعملة، وأنفقت كل الوقت الإضافي في مكتبة عامة. وتعلمت الفلك ودرست الرياضيات وتمعنت برسوم ليوناردو دافنشي لأفسر لنفسي طريقة عمل طاحونة الماء. وفقدت الصبر لإخبارها بما اكتشفت، وشرعت بانتظارها أمام باب بيتها. وفي خاتمة المطاف قرعت الباب في السابعة صباحا تماما، وفي صبيحة كل الأيام التالية. وكانت دائما جاهزة. وفي الشتاء كانت تحمل مشعلا.

وبعد شهور كنا ننفق طوال يومنا معا. جهزت الشطائر للغداء. ولم تستفسر عن نوع الوجبة ولكن لاحظت أنها تتخلص من الشطائر المحشوة بالسردين.

قالت القديسة تيريزا من أفيلا:”ليس لدي اعتراض على الحب. ويمكن أن تؤثر بي بسمكة سردين”.

وهكذا أنا مع من يفاجئني بدماثته.

في حياة القديسين أبحث عن التطرف. وبالنسبة لهم ليس من المستغرب أن تنفق ليليك على قمة جبل أو أن تنسى طعامك. بالنسبة لهم، الرؤيا والملاحظات اليومية تتلازم. زد على ذلك ليس لديهم أخلاق عادية، ويفضلون الشدة على الراحة. ورغم انزوائهم، يرحبون بالحياة غير المتوقعة، مثل حواجز القضبان الحديدية السود التي تستضيف الهندباء البرية الزاحفة. ويعلمون أنه لا يوجد حب بلا مكابدة.

وحينما أخبرتها بذلك وسواه، التفتت لي وقالت:”منذ ستة عشر عاما كنت أعيش في بلد حار مع زوجي وكان شخصية هامة. وكان لدينا خدم وثلاثة أولاد. وكان هناك شاب يعمل لدينا.  وكنت أتأمل جسمه من النافذة. في البيت عشنا حياة نظيفة، دائما نغتسل ونرش التالكوم لكبت رائحة العرق. ولم يكن شيء يقلقنا لا الليالي الثقيلة ولا حر النهار. وكنا نتأنق بملبسنا. 

’ذات ليلة، حينما كانت الألواح تهتز بسبب الأنواء مر بنا، وكنا نجلس ونقضم القليل من البسكويت ونشرب الشاي، وألقى إلينا سلتين من الليمون على الأرض. وكان مرهقا حتى أن محتويات السلتين اندلقت على الأرض ثم ركع على ركبتيه قرب قدمي زوجي. نظرت للأسفل وشاهدت جوارب زوجي السود داخل حذائه الأسود. ركل ليمونة بأصبع قدمه. تسللت تحت الطاولة وجمعت ما بمقدوري. وكنت قادرة على شم رائحة الشاب، فقد فاحت منه رائحة النهار والشمس. صالب زوجي ساقيه وسمعته يقول:”لا ضرورة لذلك يا جين”.

’ لاحقا، حينما أطفأنا المصابيح، وذهبت لغرفتي وتوجه ستيفن إلى غرفته، كان إبطاي متعرقين ووجهي متوهجا كأنني شربت حتى الثمالة.

’وعلمت أنه سيأتي. تخليت عن مئزري الليلي أربع أو خمس مرات، وأنا أفكر كيف يجب أن أحييه. لكن لم يكن الأمر مهما. لا آنذاك ولا بعد ذلك. ولا في أي وقت خلال الشهرين التاليين. وانتفخ قلبي. كان لي قلب حوت. أوعية قلب الحوت عريضة جدا ويمكن لأي طفل أن يزحف داخلها. واكتشفت أنني حامل.

،في الليلة التي أخبرته بالخبر، أنبأني أنه سيغادر. وطلب مني مرافقته فنظرت للشرفة وللمصابيح وكان باب ستيفن موصدا ولكن كان باب الأولاد مواربا. نظرت لجسمه. وقلت له إنه يتوجب علي أن أنتظر هنا فوضع رأسه على بطني وشرع بالبكاء.

’وفي اليوم الذي غادر به استلقيت في غرفتي وحينما سمعت صوت طائرته يهدر فوق البيت، ربطت رأسي بمنشفة. فتح ستيفن الباب وسألني:”هل ستبقين هنا؟”.

’أخبرته أنني باقية. فقال:”لا تقولي ذلك مجددا أبدا”.

’وفعلت كما طلب. لم أكرر ذلك ولا سواه’.

مشينا بصمت. وتابعنا المشي في ساعات النهار حتى وصلنا عندما خيم الليل وشاهدنا قلعة يحميها خندق. ورأينا أسودا تحرس البوابة.

قالت:”سأدخل الآن”.

نظرت من داخل غمامة أفكاري للأعلى ورأيت بيتا عاديا تتقدمه حديقة جميلة فيها زوج من الهررة الأليفة التي تغسل مخالبها. أين القصة وأين الحقيقة؟. هل يمكن لامرأة لم تتكلم لمدة ستة عشر عاما، باستثناء ما يلزم لطلب أربعة أونصات من الطعام، أن تدخل الآن إلى هذا البيت المزدحم بكل شيء؟. أليس من المحتمل أن تختفي في المملكة السحرية وتتركني على الطرف الآخر من المياه، وحنجرتي مسدودة بمشاعر تقاوم الكلمات؟.

تبعتها وسرت وراءها فوق الخندق ورأيت صورتينا المطبوعتين على المياه. ورغبت أن أمد يدي للأسفل وأحمل صورتها بيدي، وأسكبها لتسيل على جسمي حتى يصيبنا البلل. وتمنيت لو يمكنني السباحة في داخلها. عبرنا الخندق. أطعمتني الملفوف المسلوق. سمعت أنه علاج لالتهاب المفاصل. ولم تنطق بكلمة ونحن نأكل.  وبعد ذلك أشعلت شمعة وقادتني للأعلى. وأدهشني أن أشاهد شبكة واقية من البعوض في إنكلترا. 

الوقت ليست مستقرا. والوقت على الأقل حكايات. وأي شخص يمكنه السقوط بالنوم ليخسر أجيالا من الحالمين. الليلة التي أنفقتها معها  شغلت كل حياتي والآن أنا أعيش ملتصقة بنفسي مثل ملف. ليس هذا لأنني بلا اهتمام. والحقيقة أنني مؤخرا كررت رسومات ليوناردو وبنيت لنفسي طاحونة ماء رائعة. أن أكون معها هو ما يسمح لي أن أحقق ذاتي. ولا يوجد ذل ولا عبء في أن تعيش حياة طبيعية. والآن أعلم بالعديد من القصص ومجموعة من الأشياء الغريبة، التي أتساءل عمن قد يريدها، لأنني شخصيا لن أكون عادلة معها. قلب الحوت بارتفاع قامة رجل...

تركتها في الفجر. كان الشارع هادئا، وليس هناك غير هرة، والطنين الكهربائي لشاحنة الحليب. تابعت النظر للخلف نحو الشمعة الموجودة في النافذة حتى ابتعدت عنها وتحولت لنقطة باهتة مثل نجم يذوي. حينما بلغت البيت كانت النجوم باهتة في سماء مبكرة. وهناك الشكل المتراجع للقمر ولا شيء عدا ذلك.

يوميا كنت أدخل المتجر الذي يعمل فيه اليهود واقفين مثل صخور وأشتري الأشياء التي تسعدني. كنت أستغرق وقتا بذلك، الوقت الذي يقاس بأربعة أونصات. ولكنها لم تأتي أبدا.

انتظرت أمام بيتها لعدة سنوات حتى ظهرت لوحة “معروض للبيع”، وأخبرني الجيران أن جارتهم اختفت. شعرت بالسعادة، لأنني علمت أنها تتسكع في العالم، وأنه ذات يوم، في يوم ما قد نلتقي.

متى يحصل ذلك، فكل الحكايات المتضمنة في هذه الحكاية، يمكن استبعادها، والتخلص منها، ولكن حتى ذلك الحين، مثل حياة القديسين، يوجد مضمون أعمق وأوسع مما يمكننا أن نكشف عنه.

الحياة ذاتها تلتف مثل مخطوطة وتأخذ معها الوقت والمكان.

وكل الحكايات تنتهي هنا.

جانيت ونترسون  Jeanette Winterson روائية بريطانية. مواليد 1959. اشتهرت بأول رواية لها بعنوان “البرتقال ليس الفاكهة الوحيدة”، وهي رواية قريبة من السيرة الذاتية عن بنت مراهقة تتمرد على التقاليد. ناقشت في بقية أعمالها مشكلة التقاطب الجنوسي والهوية الجنسية. ولاحقا تابعت مسائل عامة مثل السلوك البشري والتكنولوجيا. حصلت على جائزة وايت بريد للرواية. وهي عضو في الجمعية الملكية للأدباء. من أهم أعمالها: الإبحار للمبتدئين 1985، الحب 1987، مكتوب على الجسد 1992، بيت الأحلام 1998، كتاب السلطة 2000، فرانكستاين - قصة حب 2019....    

 

عادل صالح الزبيديبقلم: جوزيف سيمون كوتر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

وماذا ستقول انت؟

تعال يا أخي!

دعنا نمثل أمام ربنا.

وحين نقف بين يديه

سوف أقول—

"الهي، انني لا اكره،

هم يكرهونني.

انني لا اجلد احدا،

هم يجلدونني.

انني لا اطمع بأية أرض،

هم يطمعون بأرضي.

انني لا ازدري اي شعب،

هم يزدرون شعبي."

وانت يا أخي، ماذا ستقول؟

***

...................

2649 جوزيف سيمون كوتر* جوزيف سيمون كوتر: (1861-1949) شاعر ومؤلف مسرحي اميركي من اصول مختلطة وصف بكونه اول شاعر اميركي افريقي ذا موهبة حقيقية ومن اوائل كتاب المسرح الملونين الذين نشرت اعمالهم. لم يتلق تعليما حقيقيا الا في عمر 22 عاما ليصبح بعد ذلك معلما وداعية لتعليم السود في اميركا. له اربع مجموعات شعرية هي: (سجعة) 1895؛ (روابط الصداقة) 1898؛ (اغنية بيضاء وواحدة سوداء) 1909؛ و(الأعمال الكاملة) 1938.

 

 

بقلم: بابلو نيرودا

ترجمة: عبد الوهاب البراهمي - تونس


لقد حدث في ذلك العمر..

جاءَ الشعرُ يَطْلُبني. لا أعرف، لا أعرف من أين

انبجسَ، من الشّتاءِ أم من النّهرِ.

لا أعرف كيفَ، ولا مَتَى

لَا، لمْ تكن أصواتا ولم تكن

كلماتٍ، ولا الصّمت:

لشارعٍ، كان يناديني،

لأغصانِ اللّيلِ،

فجأةَ من بين الآخرين،

ومن بين النّيرانِ الوهّاجةِ

أو في العَوْدِ وَحيدًا،

بلا مَلامحَ، كانَ هناكَ

كان يَلْمَسُنِي.

لا أعرف ما أقول، ولا يعرفُ فمِي

التّسميةَ،

وعينايَ لا تُبصران،

وشيءٌ ما َيتخبّط في نفسِي،

حُمَّى أو أجنحةً تائهة،ً

أصنعُ نفسي ببطءٍ،

أفكُّ رمزَ

هذه الحُرقة،

وأكتب أ وّلَ سطرٍ مُبْهمٍ،

غامضٍ، بلا جسدٍ، مَحْض

غباوةٍ،

معرفةٍ خالصةٍ

بذاك الذي لا يَعرفُ شيئا

ثمّ رأيت فجأة

السّماء

مُفْتَصَّةَ

ومفتوحة،َ

كواكبَ،

مزارعَ تهتزّ،ُ

والظلُّ مَثْقُوبٌ، مثقلٌ

بالسّهامِ، بالنارِ والأزهارِ،

والليلُ يسيرُ ويلتهمُ، الكونَ.

وأنا مخلوق صغير،

قد جعلني الفراغُ الكبيرُ

رماديَّا

مزركشا بالنجوم

على غرارِ، على صورةِ

الّلغز،

أحسُّ نفسي جزءا خالصًا

من الهاوية،

أسيرُ مع النجومِ،

وقلبيَ يَنْحَلُّ مع الرّيح.

ذكرى الجزيرة السوداء.

***

 

بهجت عباسللشاعر الأميركي روبرت لي فروست (1874 – 1963)

ترجمة: بهجت عباس


طريقان تشعبّا في غابةٍ صفراءَ شاحبةٍ،

وأنا، وا أسفاه،  لم أستطع سلوكَهما معاً،

و كمسافر وحيد

وقفت طويلاً، أنظر إلى أحدهما إلى أبعدَ

ما استطعتُ لأعرفَ أين تعرّج في الأدغال ؛

 

وسلكتُ الآخرَ، كان واضحاً تماماً،

ولربّما كان أفضلَ مسلكاً،

حيث كان العشبُ أخضرَ ومحتفظاً بحيويّـته؛

ولو أنّ الأوّلَ كان مثـلَـه أيضاً

ولكنَّ السَّيـرَ عليهما أنهكهمـا معاً.

 

وكلاهما غُطِّيَ بأوراقٍ على حدّ سواء

ذاك الصباح، حيث لا خطوةٌ وطأتهما .

آه! أبقيتُ الأول ليوم آخَرَ !

عارفاً كيف يؤدّي طريق إلى طريق

شككت فيما لو عدتُ ُمرّة أخرى.

 

سوف أتحدّث بلهفة عن هذا هنا

في مكان ما وفي مرحلة من العمر:

طريقان تشعّبا في غابة، وأنا —

اتّخذتُ الطريقَ الذي لم يُسلَـكْ إلاّ قليلاً،

وهذا مـا صنع كلّ هذا الاختلاف .

***

........................

* يعني الشاعر هنا أن الطريق يمثّل الاختيار في الحياة، والاختيار واحد، فعلى الإنسان أن يختار الطريق الصحيح الذي يعرف أين يؤدّي به، ومن هنا عليه التفكير ملياً في الاختيار. يأخذ الشاعر الطريق الثاني الذي يشعر أنه طريق حيوي ومُـغـرٍ وأنَّ سالكيه ليسوا بكُـثـرٍ، ولكنّ هذا الطريق أخذه إلى سلسلة من طُرقٍ آخـريات . ومع هذا يفكر باتخاذ الطريق الأول في وقت آخر، ولكنه لا يستطع الرجوع إلى الوراء . فما اتخذ من قرار أصبح لصيقاً به، ولكنه سيخبر الآخرين عندما يتقدم في العمر عن تصميمه لاتخاذ ذلك الطريق بتنهدات لا يُعرَفُ إنْ كانتْ عن ارتياح أمْ حسراتٍ .

القصيدة في فيديو

https://twitter.com/drbugnah/status/1326991600921276416

...........................

 

The Road Not Taken,

by Robert Lee Frost

Two roads diverged in a yellow wood,

And sorry I could not travel both

And be one traveler, long I stood

And looked down one as far as I could

To where it bent in the undergrowth;

 

Then took the other, as just as fair

And having perhaps the better claim,

Because it was grassy and wanted wear;

Though as for that, the passing there

Had worn them really about the same,

 

And both that morning equally lay

In leaves no step had trodden black

Oh, I kept the first for another day!

Yet knowing how way leads on to way,

I doubted if I should ever come back.

 

I shall be telling this with a sigh

Somewhere ages and ages hence:

Two roads diverged in a wood, and I --

I took the one less traveled by,

And that has made all the difference.

 

 

 

2645 Main Yiyun Liبقلم: يي يون لي

ترجمة: صالح الرزوق


 

لاحظ الرجل الفتاة، أولا، وهي تتحرك بحذر من أمام متجر إلى الذي يليه، دون أن تأخذ ولو نظرة واحدة من نوافذ المعروضات. كانت ترتدي ثوبا أبيض، هو أقرب لمئزر، عليه نقوش نباتات وردية وبنفسجية، وذراعاها وكاحلاها الظاهران يضفيان عليها مظهرا بريئا يناسب صغار السن. كانت نحيلة وناعمة. وراقبها الرجل وهي تتخطى مقعده على الرصيف فوقف مباشرة. قال في ذهنه: أنت تذكرينني بزوجتي حينما كانت بعمرك. وارتطمت عصاه بحقيبتين على الأرض، تعودان لطالبين من الجامعة كانا بجواره على المقعد. نظرا إليه دون رضا قبل متابعة حوارهما الودي، وكانت شفتا الصبي تمسان صيوان أذن الفتاة. وحينما احتل المقعد المجاور لهما قبل دقائق، أبديا استياءهما من تطفله. لكنه لم يفكر بالمغادرة، فلديه كل الحق بالمقعد مثل هذين الشابين.

قال للفتاة الصغيرة: أنت تذكرينني بزوجتي حينما كانت بعمرك. وهذه ليست أول مرة يدخل بها في كلام مع امرأة صغيرة مثلها. ولكنه كان يعنيها تماما أكثر من المرات السابقة. فالطريقة التي ناورت بها في هذا الوقت المتأخر من المساء على طول الشارع - متنبهة، كما لو أنها تعتقد أنه يمكن لأي إنسان أو أي شيء أن يدهسها دون حتى أن ينتبه أنها موجودة -  وهكذا تذكر زوجته ليس وهي بعمر امرأة شابة حينما لاقاها لأول مرة ولكن أيضا وهي امرأة مسنة بعد مرور عدة سنوات قليلة على قرانهما. فقد كان يستغلها الأغراب  ويتخطون دورها بالطابور، وكان الزملاء يحصلون على ترقية هي من نصيبها أساسا، ثم تبع ذلك ثلاث إجهاضات، وورم في الكبد.

أضاف الرجل يقول: لكنها توفيت في النهاية قبل ستة شهور. ولم يكن لدينا أولاد.

نظرت البنت للرجل المسن، لم تقتنع أنه أرمل يغلبه الحزن. فهذه ليست أول مرة تتعرف فيها على رجال مسنين يدعون أنها تذكرهم بزوجات ميتات وبالحب الأول. لم تكن جافة مع أحد. حتى مع أستاذ الفيزياء الذي يقتنص كل الفرص الممكنة لملامسة أذرع وظهور طالباته، لم تطرف جفناها وتجفل كالبقيات. فاحتكاكات يديه لم تلحق بها الضرر، ولم تفاقم من معاناتها.

قال الرجل: هل جربت شاي الأقحوان؟. وأشار لما تعرضه نافذة الصيدلية حيث وقفت الفتاة. اعتادت زوجتي أن تقول إنه يعين على التخلص من السموم من نظام أي إنسان. تنهدت الفتاة بصوت ملحوظ. ستعلم كل صغيرة وكبيرة عن زوجته إن لم توقفه عند حده. وهي لا تعترض على إخبارها بذلك أو على مقارنتها بامرأة ميتة، ولكن عليها أن تعتني بحبيبها في هذه الأمسية بالذات. أومأت للرجل وتوجهت لباب الصيدلية، متمنية أن يغادر ويهتم بغيرها من بنات الشارع.

لكن الرجل تبعها إلى المتجر. كانت أضواء النيون تضيء المكان من السقف ومن تحت زجاج طاولات البيع. كانت هناك امرأتان بأواسط العمر، إحداهما تجلس وراء صندوق النقود والأخرى وراء منصة المعروضات بالجهة المقابلة من المتجر، وكانتا تتبادلان المعلومات عن عادات زوجيهما السيئة، وهما تشجعان وتوافقان بعضهما البعض كما لو أنهما تلعبان لعبة بينغ بونغ ألسنية. وكانت زبونة أخرى تصغي وتتأمل زوجا من الأقراط، لكنها انصرفت دون أن تشتري. وفكر الرجل بذهنه: يا لها من أمسية أخرى طويلة.

انتقلت الفتاة من طاولة لطاولة، وأبدت الاهتمام ببضائع مختلفة. لم تكن تعرف كيف توقف الرجل عن متابعتها، فهو لديه الحق بالوقوف في نفس المتجر الذي دخلت إليه، ولكن سريعا سيحل الليل وستغلق المرأة المخزن دون أن تسألها عن احتياجاتها. نظرت الفتاة للساعة المعلقة على الجدار ودب الذعر في قلبها. كل شيء كما خططت له، فالصيدلية ستفرغ من العيون المتلصصة في آخر عشر دقائق قبل الإغلاق وستتجنب الإحراج. ولم تشاهد توتر الرجل الوحيد.

قال الرجل للفتاة: هناك منصة لبيع الوانتون (*حساء خضار وسمك) على الرصيف المقابل وسأشتري لك طبقا منه. لا بد أن زوجته تحب حساء وانتون، وربما هي تجيد طهوه لأجله. فكرت الفتاة أنها كبرت بالعمر. ولم يتبق لديها عزاء تتمسك به. كانت بعمر اثنتين وعشرين سنة ووجدت أنه من الصعب عليها أن تتأقلم مع الأشياء التافهة المتوفرة في حياتها. في آخر عامين شاهدت أحداثا جسيمة لم تحسن الاستعداد لها، مثل الاحتجاجات التي تسببت بسيول من الدماء،ثم الاعتقال والتحقيق. ولا يمكن النظر لهذه المأساة على أنها حادث مؤسف شخصي ما لم تكن حينها متورطة بغرام شاب أبدى بطولة فائقة خلال الاضطرابات- ولم تكن وحدها من أعجب بجسارته أمام كاميرات الصحافيين الغربيين، ولكن بعد سنتين هي الوحيدة التي زارت شقة أبويه وشاركته السهر كل ليلة. لكن عليك أن لا ترفعي من سقف آمالك، هكذا قالت لها منذ البداية، غير أن الفتاة لم تكن مقتنعة أن التحقيق يمكنه إلحاق الهزيمة بروحه التي شاهدتها في الساحة. وقد ذهبت إلى منزل أبويه وتوسلت لهما أن يسمحا لها برؤيته. وأخيرا قبلوا وجودها بينهم. وأخبراها أن هذا الابن، المتهم رسميا بالجنون، لن يسمح له بالحصول على إذن للزواج.

ردت وأخبرت والديها أيضا: الزواج لمن لا يزال مؤمنا بالضرورة. وذهبت لتجالس الولد وتصغي لمونولوجاته الطويلة عن التاريخ والفلسفة وأذى الكائن البشري. ولاحظت تكرارا في ذلك لكنها لم تنبهه، ولم تسأله ماذا يرى في حضورها بجانبه في غرفة نومه. ربما اندمجت مع الأثاث، ولكن قطعة أثاث جيد قد تنقذ حياة إنسان من الهلاك بمعجزة. لمس وجهها وذراعيها أحيانا، بذهن شارد، كما لو أنه إنسان يفكر ويربت على هرة. وقد تركت لطافة يديه لديها الأمل بشفائه. عموما هو لم يكن يلقى المعاملة اللائقة خلال شهرين في المعتقل.  

قال الرجل المسن باندفاع غير مقصود: أدعوك لطبق حساء وانتون فقط. فقد أخجله رفض الفتاة الهادئ لعرضه. كانت زوجته تبتسم وتشكره لأنها تعلم أن الدعوة بلا نوايا خبيثة. وإذا كانت غير جاهزة لمشاركته، ترد بعذر قوي عوضا عن أن تتركه يقف وسط الشارع مثل أحمق. قال للفتاة: العالم ليس شريرا كما تحسبين. النساء اليافعات في هذه الأيام تعاملنه كأنه مسن وعديم المشاعر على شاكلة شجرة أوشكت على الهلاك. ولكنه لم يكن يحتمل أن يرى هذه الفتاة، الذي ذكرته بزوجته الراحلة للعالم الآخر، وكأنها مثل البقية. 

نظرت البنت للرجل. لم تضطرب من تصرفه المفاجئ. إنما لم يكن عليها أن تكون مسؤولة عن مشاعره، في نهاية المطاف، حتى لو أنه لم يخترع خبر زوجته.

اقتربت الفتاة من آلة النقود، وهناك وجدت في علبة زجاجية مغلقة أكياسا من الواقيات الذكرية. نظرت البنت  للصور المطبوعة على الأكياس والتي تمثل أجانب من الذكور والإناث وكانوا بشعر أشقر ونصف عراة. قالت: أريد واحدة من هذه يا رفيقة. وتمنت لو أنها لاحظت الرعشة التي انتابت صوتها.

قالت المرأة الواقفة خلف آلة النقود: هذه؟ نحن لا نبيع هنا “هذه”.

قالت البنت: أقصد الواقيات الذكرية.

أيها؟.

تلك الحزمة الوردية.

قالت المرأة: أي مقاس؟. فهي تأتي بثلاث مقاسات.

وضحكت المرأة الأخرى بصوت مسموع ملأ كل المتجر.

قالت البنت: المتوسط.

هل أنت متأكدة؟.

راقب الرجل بخجل وجه البنت ورقبتها المحروقة. وفكر: يا لها من امرأة صغيرة، وليس لديها ما يكفي من الخبرة لتعلم أن كل المتزوجين الذين لديهم عمل لائق يتلقون واقيات ذكرية شهريا ويوزعها مسؤول تحديد النسل في مقرات العمل. وتمنى لو تتحلى المرأتان باللياقة ولا تبيعان الواقيات الذكرية للبنت، وأراد أن ينبه بضرورة طلب وثيقة زواجها، ولكن قبل أن يفتح فمه، طلبت المرأة منها السعر المسجل ثم ألقت بالحزمة لها. فانزلقت على زجاج الطاولة ثم سقطت على الأرض.

قال الرجل: أيتها الشابة. هل تعلمين ماذا تفعلين بالضبط؟.

لاحظت الفتاة الرجل وهو يدوس بقدمه على صورة الزوجين العاريين. وقالت: من فضلك يا سيدي. لقد دفعت لقاء ذلك. وهي لي.

وفكر الرجل: إنها ليست مثل زوجتي. وتذكر أنه نفدت في أحد الشهور حصته من الواقيات الذكرية التي تلقاها من العمل، وتوسل لزوجته أن تطلب المزيد من ضابط تحديد النسل في وظيفتها، ولكنها صاحت قائلة إنها تفضل أن تموت على أن تطلبها من رجل. وفكر الرجل: وهو الآن مستعد للموت ليستعيدها مجددا، ولكن ما الفائدة من التمني؟. فالعناية الإلهية تركته بعدها، لأنه لو مات قبلها سيخدعها يوميا أناس من نوع النسوة الواقفات خلف طاولة البيع هنا.

قالت الفتاة: من فضلك الوقت تأخر.

لو أنها شخص آخر لاستعملت صوتا آمرا وطالبت الرجل بإعادة ما لها بقوة القانون، ولالتفتت للمرأتين الاثنتين، اللتين تستمتعان بالمشهد الذي ختم نهاية النوبة اليوم، ونبهتهن أن لا تتباهين بأنفسهن، لأنهن، في النهاية، مسنات ومتعبات وليس فيهن ما يثير الرغبة. والمرأتان ستصبان اللعنة على طيشها، وربما تحاولان التخلص منها دون أي اهتمام بكلماتها اللاسعة، وستمضيان بقية يومهما حانقتين ولن تتمكنا من هضم وجبة اليوم، وسيتحول الطعام إلى صخرة في معدتيهما حيث استقرت كلماتها السامة، وستنصرف بمتعة الانتصار، ولكن الحقيقة إنها ليست كذلك. إنها بنت جاءت لتشتري الواقيات الذكرية لأنها خططت أن تهب نفسها للصبي الذي تحبه. ومع أنها من النوع الذي لا يغشه كلام الأولاد، ومقتنعة أن حبها سيحميها ويغير من طباع حبيبها.

أبعد الكهل قدمه. كان بإمكانه أن يتابع إحراج البنت لكنه متعب. وربما من الأفضل أنه لم ينجب الأولاد. لا بد أن ينفطر قلب زوجته لو أن ابنتهما كانت مثل هذه التي أمامه.

انحنت البنت لتلتقط الواقيات الذكرية، وخطفت العلبة بقبضتها. في أحد الأيام حينما تتقدم بالعمر، ستعرض العلبة الزهرية أمام أولادها، فهي تذكار من أيام الصبا والتفاؤل. ولاحظت رعشة يدي الرجل المسن، كان على مبعدة ذراع فقط عنها، وانتبهت أن المرأتين تراقبان المشهد بسخرية، من مكانهما وراء طاولة المبيع. وتساءلت هل تفهمان مغزى الحب، وهل تقعان بالغرام رغم لأنه يفتك بالبشر.

***

........................

يي يون لي Yiyun Li - كاتبة صينية من بكين. تلقت تعليمها في ورشة الكتابة في أيوا. وحازت على جائزة فرانك أوكونور للقصة وجائزة همنغواي / فوكنر. وتعمل بالتدريس في جامعة كاليفورنيا - دافيز. من أهم مؤلفاتها رواية “ألف عام من الصلوات الخاشعة”. ورواية “المتشردون”. 

 

 

2642 أَي. دِي. هوببقلم: أَي. دِي. هوب

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


نقش مؤيد لحرب

"ايها الغريب اذهب واخبر الاسبارطيين

اننا متنا هنا طاعة لأوامرهم."

نقش وجد في موقع معركة ثرموبيلي

 

لا تتأخر ايها الغريب؛ لا تذرف دمعة؛

عد الى اولئك الذين ارسلونا الى هنا.

 

نحن الشباب الذين اختارونا

لحروب سببتها حماقاتهم.

 

اذهب وقل لأولئك الشيوخ

اننا اطعنا اوامرهم ومتنا.

***

...............

أَي. دِي. هوب (1907-2000) شاعر وناقد استرالي من مواليد نيو ساوث ويلز، تلقى تعليمه في جامعة سدني بأستراليا وجامعة اكسفورد البريطانية. نشر اول مجموعة شعرية له في عام 1955 تحت عنوان (جزر جوالة). نال شعر هوب جوائز عديدة ويعد واحدا من ابرز شعراء استراليا.

 

2637 crichtonبقلم: إيان كريشتون سميث

ترجمة: صالح الرزوق


كانت الساعة العاشرة ليلا والسيد بينغهام مشغول بالكلام مع المرآة. قال:”سيداتي وسادتي”. ثم  توقف، نظف حنجرته، قبل أن يتابع قائلا:”المدراء والزملاء. مرت أربعون عاما منذ أن دخلت مهنة التدريس - هل هذا ينفع ليكون بداية مناسبة يا عزيزتي؟”.

ردت زوجته  لورنا:”بداية جيدة يا عزيزي”.

قال زوجها بقلق واضح:”هل تعتقدين أن إضافة بعض الطرائف تحسنها. حينما تقاعد السيد كوري تلقوا كلمته باستحسان لأنه ضمنها بعض النكات والفكاهات. أنا سألقي كلمتي في إحدى حجرات قسم العلوم المحلية وسيشربون الشاي ويتناولون الفطائر. وسيكون ذلك بعد نهاية الحصص”.

قالت زوجته:”قليل من الفكاهات لا يضر. إنما أفضل أن يكون الاجاه العام جديا”.

رفع السيد بينغهام كتفيه. وجهز نفسه لمواجهة المرآة. وفي تلك اللحظة قرع جرس الباب.

قالت بتحسس:”من تراه يكون في هذا الوقت من الليل؟”.

“لا أعلم يا عزيزتي، هل أرد؟”.

“إن سمحت يا غاليتي”.

وضعت زوجته بأناة ما في يدها من حياكة وتوجهت للباب. وسمع السيد بينغهام صوت همهمة وبعد لحظات عادت زوجته لغرفة المعيشة مع رجل ربما يبلغ الخامسة والأربعين من عمره أو ما يقارب ذلك وله وجه مسكون بالشحوب، ولكن بدا عليه أنه متحمس وجاهز ومتنبه قليلا.

قال للسيد بينغهام:”أنت لا تعرفني. لكن اسمي هيني. وأعمل بالإعلان. وأكتب القليل من الطقطوقات مثل هذه:

حينما تغلب الكآبة على كلبك

قدم له دالتون. فهو الأفضل.

وكنت أحضر حصصك في فترة 1944 - 1945. وسمعت أنك تقاعدت وأتيت لأقدم لك المساعدة”.

قال السيد بينغهام وهو يبتعد عن المرآة:”آه؟”.

قالت زوجته:”أليس هذا شيئا طيبا من السيد هيني؟”.

وأضافت:”تفضل بالجلوس”. واحتل السيد هيني مقعده، وهو يجر بحرص ساقي بنطاله كي لا يتلفهما. ثم قال للسيد بينغهام:”شاهدتك مالكة البيت الذي أسكن فيه في البلدة. ولفترة طويلة اعتقدت أنك مزارع. لا بد أنها مخطئة باعتقادها. ربما بسبب وجهك المعافى والأحمر. أخبرتها أنك كنت أستاذي في اللغة الإنكليزية لعام كامل. والآن أنا في مجال الإعلانات. من أفضل الإعلانات المقفاة التي كتبتها ما يلي :

وجبة الكلاب دالتون تجعل كلبك

مطيعا ومرحا.

ولك الفضل فأنت من علمني تينيسون وبوب. وأتذكر كليهما بشكل جيد”.

قال السيد بينغهام:”الحقيقة أنني لا أتذكرك. لنقل لا شيء عندي ضدك شخصيا. الألوف من الأشخاص مروا من تحت يدي. وبعضهم يزورني بين حين وآخر. هل هذا صحيح يا عزيزتي؟”.

قالت السيدة بينغهام:”نعم. هذا يحصل دائما”.

قال السيد بينغهام:”ربما يمكنك تحضير كوب من القهوة يا عزيزتي”.

وعندما نهضت زوجته وذهبت إلى المطبخ، مال السيد هيني للأمام كثيرا وقال:”أتذكر أنه كان لك ولد. أين هو الآن؟”.

قال السيد بينغهام باعتزاز:”هو في إدارة التعليم. لقد أفلح بحياته”.

قال السيد هيني:”حينما كنت أحضر دروسك كنت في الحادية عشرة أو الثانية عشرة. وكانت مجموعة من الأولاد تسخر مني. لا أذكر إن أخبرتك سابقا أنني يهودي. أحد الأولاد كان اسمه كولين. أطول مني وشعره أقل سوادا”.

قال السيد بينغهام بحنق:”لا تحاول أن تلقي باللوم ضمنا على ابني. كان اسمه كولين لكنه لا يرتكب مثل هذه الحماقات. ولا يستعمل عضلاته ضد أحد”.

قال السيد هيني بدماثة:”حسنا. مر على ذلك وقت طويل. وبكل حال الماضي مر وانتهى. وللأسف الحاضر لا يسر ولا يبهج بنفس المقدار. كان كولين زعيم حلقة من الأولاد. وله عينان زرقاوان. في تلك الأيام كنت أعاني من تأتأة تزداد في وقت الشدة العصبية. آه. ها هي السيدة بينغهام ومعها القهوة. شكرا يا مدام”.

قال السيد بينغهام لزوجته:”أخبرني السيد هيني أنه حين كان في المدرسة تعرض له ولد اسمه كولين وبشعر أشقر”.

قال السيد هيني: “صحيح. ولكن كما قلت مضى على ذلك زمن طويل ومن الأفضل نسيانه. كنت صغيرا وضعيفا وأرتدي النظارة. أعتقد يا سيدة بينغهام أنك كنت تعلمين في تلك المدرسة يومذاك”.

قالت السيدة بينغهام:”سكر؟. نعم. كانت سنوات حرب ومعظم الرجال مشغولون. قمت بتدريس اللاتينية. لكن زوجي كان مختلفا”.

قال السيد هيني:”أمو. أماس. أمات. (*أحب. تحب. يحب). أتذكر أنني كنت أحضر حصتك أيضا”. وأضاف وهو يحرك القهوة دون تركيز:”لم أكن ولدا يلفت الانتباه. وربما لن تتذكريني. ولكن أتذكر القصيدة البليغة لبوب التي أثرت علي أيما تأثير. وهكذا يا سيد بينغهام حينما سمعت أنك تقاعدت أتيت بأسرع ما يمكن أن تحملني ساقاي دون تأخير. أنا متأكد أنك أبليت بمهنتك. وأنا اخترت مهنة مناسبة. وأنت يا سيدي دون أن تعلم وجهتني الوجهة الصحيحة للقيام بمهنتي”.

استرق السيد بينغهام نظرة اعتزاز من زوجته.

وقال السيد هيني:”أتذكر الحادثة عينها جيدا. وعليك أن تتذكر أنني كنت صبيا صغيرا ووحيدا ولست جيدا باللعب. فالوقوف بالعصا لا يعني أنك لاعب كريكيت. لم أكن مناسبا للعصا والكرة أبدا. وفوق ذلك كان الأولاد الكبار يحاصرونني ويضربونني كل صباح في غرفة المرجل قبل بداية الحصص. وكانت غرفة المرجل حارة جدا. كنت موهوبا قليلا في تلك الأيام. بالتأكيد ليس كثيرا. فقط القليل من الموهبة الشعرية. كتبت الشعر ولكن بشكل عام احتفظت به لنفسي.  وفي إحدى الأمسيات أذكر أنني أحضرت كتاباتي لأعرضها عليك يا سيد بينغهام. ولا أعلم إن كنت تذكر تلك الحادثة الصغيرة يا سيدي”.

قال السيد بينغهام:”كلا. لا يمكنني أن أقول إنني أتذكر”.

“كنت معجبا بك يا سيدي. فأنت رجل متحمس للشعر جدا ولا سيما تينيسون. ولذلك عرضت عليك أشعاري. لا زلت أذكر تلك الأمسية جيدا. كانت تمطر بغزارة وكانت الغرفة حقا كئيبة وطلبت من أحد الصبيان  أن يشعل النور. وأنت قلت: لنلق بعض الضوء على الموضوع يا هيوز. بوسعي تذكر هيوز بوضوح بمقدار ما يمكنني تذكر طرفاتك وتعليقاتك. وفي كل حال أشعل هيوز الضوء وكان يوما غائما، فالوقت ليس أيار لكن كانون الأول. والشمس الضعيفة بلون الجمر معلقة في السماء. وقرأت واحدة من قصائدي. وكما قلت لا يمكنني تذكرها الآن لكنها لم تكن موزونة. وقلت إنك ستبين لي الفرق بين الشعر الجيد والشعر السيء، بمقارنة تجربتي البسيطة مع شعر تينيسون الذي هو غالبا مقفى. وعندما غادرت الغرفة كنت محاطا بمجموعة من الأولاد يقودهم صبي أشقر بعينين زرقاوين يدعى كولين. والغاية من هذه الحكاية أنني اخترت مجال الدعاية والإعلان وقادني ذلك لتنمية قافيتي. لقد كانت إلهاما بالنسبة لي. إلهام من الله مباشرة. وأنه يجب أن أتقن القافية كما نصحتني. وهكذا ترى يا سيدي أنك مسؤول عن هذه المهنة التي أفلحت بها”.

 قال السيد بينغهام بسخط:”أنا لا أصدق كلامك يا سيدي”.

“ماذا لا تصدق يا سيدي”.

“ذلك لم يحصل مطلقا. ولا يمكنني تذكر أي شيء منه”.

رد ببساطة:“السيدة غروس مالكة العقار الذي أقطن فيه من شاهد الفقرة التي تخصك في الجريدة. وأخبرتها أنني يجب أن أتصل بك مباشرة. وإذا اعتقدت أنك مزارع فأنا مختلف معها. وأخبرتها أن ذلك الرجل لا يعرف أي شيء عن الأثر الذي تركه في طلابه. ولهذا السبب أنا هنا”.

ثم أضاف:”والآن كلمني عن ابنك يا سيدي. هل تزوج؟”.

“كولين؟”.

“هو بعينه يا سيدي”.

“نعم هو متزوج. لماذا تريد أن تعرف؟”.

“لا يوجد سبب يا سيدي. آه. شاهدت صورة على الخزانة بالألوان. وهي صورة لعريس وعروسه.

كيف لا نحيي تألق العروس

وبجانبها زوجها الطيب البشوش؟.

ما رأيك بهذه القافية. لا يوجد شيء أفضل من الزواج كي يستقر الرجل؟. مع ذلك يا إلهي أنا شخصيا لم أتزوج. أعتقد أنني لا أمتلك الثقة بالنفس لبناء مؤسسة هامة من هذا النوع. ومن فضلك. هل يمكنني أن أعرف اسم السيدة سعيد الحظ؟”.

قال السيد بينغهام بحدة:”اسمها نورا. نورا ماسون”.

قال السيد هيني بحماس:”حسنا. حسنا. إه. نورا؟. كلنا نتذكر من هي نورا. أليس كذلك؟. كانت سيدة مليحة وفاتنة. ولكن يوجد لكلامي تتمة. كل تلك الشيطنات الطفولية يجب أن نودعها في سلة مهملات الماضي. إه، نورا ماسون؟”. ابتسم ابتسامة ناصعة وتابع:”يسعدني أن ابنك اقترن بها”.

قال السيد بينغهام وهو يرفع من صوته:”حسنا”.

“أتمنى أن تبلغهما أمنياتي وتحياتي. من كل قلبي آمل ذلك. أخبرني هل لابنك كولين ندبة على جبينه بسبب ضربة على الرأس بكرة الكريكيت؟”.

قال السيد بينغهام:”وماذا لو له ندبة؟”.

“دليل للتأكيد يا سيدي. كما هو الوضع في التراجيديا الإغريقية. نفسي في هذه الأيام قصير يا سيدي. وكنت حسير النظر. وأستحق كل ما يجري لي. والآن يا سيدي. لننس ذلك، اسمح لي أن أقول إن غايتي الحقيقية بالقدوم إلى هنا أن أقدم لك هدية تذكارية مني شخصيا وليس بالنيابة عن الآخرين. فراتبي مريح جدا. وأفكر بشيء... يا إلهي تداركنا الوقت. تجاوزت الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا.  اسمع هذه القافية:

في الحادية عشرة ليلا

تبرز وتتشاحن أشباح ظلالا .

كنت أقول أفكر بتقديم شيء مثل...”.

قال السيد بينغهام بغضب:”حان الوقت لتنصرف يا سيدي. انصرف يا سيدي وخذ معك إيحاءاتك. لا أريد أن أسمع منك المزيد”.

قال السيد هيني بصوت مجروح:”عفوا”.

كرر:“قلت انصرف يا سيدي. شارف الوقت على منتصف الليل. فلتغادر من هنا”.

نهض السيد هيني على قدميه وقال:”ليكن. لو هذه هي حقيقة مشاعرك يا سيدي. رغبت فقط أن أبلغك تحياتي”.

قال السيد بينغهام:”لا نريد تهنئاتك. حصلنا على ما يكفي من الآخرين”.

“إذا أتمنى لكليكما ليلة طيبة وأنت على وجه الخصوص، يا سيد بينغهام، لأنه بعد أن غادرت المهنة تركت أثرا علينا ولوقت طويل”.

صاح السيد بينغهام:”اخرج يا سيدي”. وانتفخت شرايين جبينه.

تحرك السيد هيني ببطء نحو الباب، ويبدو أنه كان يرغب بالوقوف وإضافة كلام آخر، ثم بدل رأيه. وسمع من بقي في الغرفة صوت إغلاق الباب.

قال السيد بينغهام وهو يتنفس بصوت ثقيل:”علينا أن نذهب للفراش يا عزيزتي كما أعتقد”.

قالت زوجته:”طبعا يا عزيزي”. وأغلقت الباب وقالت:”هل بمقدورك إطفاء النور أم أفعل ذلك؟”.

قال السيد بينغهام:”يمكنك أن تطفئيه أنت يا عزيزتي”.

وبعد إطفاء النور همدا لبعض الوقت في الظلام يصيخان السمع لضجة ليلية خافتة كانت تأتي من السيد هيني بشكل صاخب ومقلق. 

قالت السيدة بينغهام جازمة:”لا يمكنني تذكره. ولا أعتقد أنه كان من طلاب المدرسة”.

قال السيد بينغهام وهو يتحرى الخطوط العامة لزوجته في عتمة شبه تامة:”أنت محقة يا عزيزتي. هذا صحيح يا عزيزتي”.

قالت السيدة بينغهام وهما يستلقيان في الفراش جنبا لجنب:”لدي ذاكرة حية وأنا متأكدة”.

سمع السيد بينغهام صوت البومة، كان صوتا طريا يخرج من حلق الطائر، فالتف حول نفسه، وسريعا ما غرق بالنوم. ثم أصاخت زوجته السمع لشخيره، وحدقت ببصرها المعدوم بالأشياء والأثاث المتراكم في غرفة النوم والذي جمعته بإصرار وحب خلال سنوات.

 ***

...........................

* إيان كريشتون سميث (Iain Crichton Smith  (1928 - 1998 روائي وشاعر إسكوتلاندي. كتب باللغتين الإنكليزية والغيلية. من أعماله “النهر الطويل” 1955، “أشواك وورود” 1961، “غزال فوق التلال” 1962.

 

 

2624 جين هيرشفيلدترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

 في اليوم الخامس

منع العلماء الذي كانوا يدرسون الأنهار

من الكلام

او من دراسة الأنهار.

 

قالوا للعلماء الذين كانوا يدرسون الهواء

ان لا يتكلموا عن الهواء،

والذين كانوا يعملون لصالح المزارعين

أسكتوا،

وكذلك الذين كانوا يعملون من اجل النحل.

بدأ شخص من أعماق متنزه (بادلاندز)

بإرسال حقائق.

 

قالوا للحقائق ان لا تتكلم

وأبعدوها.

وبسبب دهشتها لإبعادها، الحقائق صمتت.

 

الآن الأنهار فقط

تكلمت عن الأنهار،

والريح فقط تكلمت عن نحلها،

 

بينما واصلت البراعم الحقيقية غير المتوقفة

لأشجار الثمر تحركها نحو ثمرها.

 

تكلم الصمت بصوت عال عن الصمت،

وواصلت الأنهار الكلام

عن الأنهار، وعن الصخور والهواء.

 

مقيدة بالجاذبية، بلا أذنين ولا لسان،

والأنهار التي لم يتم فحصها واصلت الكلام.

 

سائقو الحافلات، عمال المتاجر،

كتاب الشيفرات، الميكانيكيون، المحاسبون،

تقنيو المختبرات، عازفو الفيولونسيل واصلوا الكلام.

 

تكلموا في اليوم الخامس

عن الصمت.

***

.....................

جين هيرشفيلد: شاعرة ومترجمة وكاتبة مقالات أميركية من مواليد مدينة نيويورك لعام 1953. تلقت تعليمها في جامعة برنستون. نشرت سبع مجموعات شعرية نالت او رشحت لجوائز مرموقة عديدة. عملت بالتدريس في جامعات عديدة وشاركت في برامج عديدة لتدريس الكتابة الإبداعية وفي مهرجانات ونشاطات كثيرة داخل وخارج الولايات المتحدة، وشغلت منصب مستشارة أكاديمية الشعراء الأميركيين خلال 2012-2017. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (عن الجاذبية والملائكة)1988؛ (قصر أكتوبر)1994؛ (حيوات القلب) 1997؛ (حصى وتجارب) 2004؛ و(تعال ايها اللص: قصائد) 2013.

قرأت الشاعرة هذه القصيدة خلال مسيرة مؤيدة للعلم في يوم الأرض، 22 نيسان 2017 وقد كتبتها في اليوم الخامس من رئاسة دونالد ترامب، وبعد ان تم ازالة البيانات الخاصة بالاحتباس الحراري من الموقع الإلكتروني للبيت الأبيض ومنع العلماء المختصين من نشر أية معلومات بحثية دون موافقات رسمية. ولكن العلماء في متنزه بادلاندز الوطني في ساوث داكوتا قاموا في ذلك اليوم بنشر المعلومات على تويتر دون موافقة من الحكومة.

 

 

2619 ريبكا روث غولدترجمة صالح الرزوق


ما قالوه لاحقا، ما قالوه عوضا عن ذلك، تناسوه:

هناك تساؤلات، إن لم تسألها منذ البداية،

لن تسألها لاحقا، وهكذا لم يسألوها أبدا.

إليزابيث بوين، حرارة النهار

حصلت تيريزا والاس على منحة لعام كامل في بودابست، ووفرت لها فرصة لدعوة من تريد، من أي مكان في العالم، لزيارتها خلال إقامتها في هنغاريا. واختارت أن تدعو أكاديميا مشهورا، تعشق كتبه، لكنه اعتذر.  ثم تذكرت ياسين، الأكاديمي الأوزبكي الذي تلاقى طريقها مع طريقه قبل عقد من الزمان في عمان. ومع أنه قد لا يكون مهتما ببودابست، لم تجد ضررا في السؤال؟. فهما يشتركان بعاطفة حب المخطوطات. فتشت في شقتها عن رقمه ووجدت أخيرا قطعة من الورق سجل عليها اسمه ورقم هاتفه منذ سنوات. ولم يكن عليها عنوان بريد إلكتروني. وفي النهاية  طلبت رقمه في طشقند وهي مترددة. ورد شخص ما بلهجة روسية ثقيلة قائلا:”ألو؟”. وأمكنها أن تتأكد أن لسان المتكلم ليس اللغة الروسية.

قدمت نفسها وشرحت سبب المكالمة، وسألته إن كان يتذكرها. رد إنه لا ينساها مطلقا. وأسعدته دعوتها لزيارة بودابست، وتم الإعداد للفيزا عن طريق المعهد الذي رتب له الجو لإلقاء محاضرة.  في نفس الوقت، انتظرت تيريزا والاس قدومه دون أن تعلم ماذا ستكون النتيجة. فقد كانت تتوقع أي شيء، ما دام ذلك يحقق لها بعض التغيير. فقد انتهت من إلقاء محاضراتها في جامعة أيوا في غرفة فارغة تقريبا. كان من المقرر أن تتناول بالشرح “الديمقراطيات المقارنة”، ولكنها شردت عن الموضوع، وانتقلت لموضوع الجياد المنغولية، وانتهت بشعر العصور الوسطى. وربما لهذا السبب توقف معظم الطلاب عن الحضور والاستماع. وتساءلت بسرها: هل احتجاج هذا العدد الكبير من الطلاب سيقودها أخيرا لتفقد وظيفتها. ثم قررت أنه لا يسعها أن تهتم، وهي جاهزة للتخلي عن الجو الأكاديمي، لو لا التزام عدد محدود من الطلاب بمحاضراتها كما لو أنه طقس ديني، مهما ابتعدت عن الموضوع. وأوشكت أن تعترف أنها ترتكب خطأ فادحا بالدخول في مجال العلوم السياسية. كان عليها أن تختار شيئا أقرب للروح، شيئا يسمح لها بالإبداع، مثل الرسم أو التأليف. وامتنت لبعض طلاب العلوم السياسية الذين رحبوا بالابتعاد عن محاضرات لها طابع اقتصادي، وتركز على العلاقات الدولية،وأمن العالم بعد الحرب الباردة. وشكرها هؤلاء الحفنة من المؤمنين في نهاية الفصل الدراسي بعاصفة من التصفيق. لقد انتهى الفصل، وقاربت الحياة على اتخاذ منعطف جديد.

في صباح اليوم التالي، ركبت تيريزا الحافلة إلى مطار مدينة أيوا، فقد عزمت أن تسافر إلى شيكاغو، ومن هناك تتوجه فورا إلى بودابست. وحينما مرت الحافلة من قرب حقل ذرة وصوامع ممتلئة بالحبوب فكرت: قد تكون هذه آخر فرصة لها للاستمتاع بالطبيعة المباركة ذات اللون الذهبي والتي تمقتها و تحبها بنفس الوقت.  كانت قد قرأت باهتمام ويلا كاثير في أيام طفولتها وأغرمت بالصفحات المكتوبة عن وسط الغرب الأمريكي. لماذا هي ليست مثل كاثير ولا تعشق هذه التضاريس القاحلة؟.

كانت الرحلة طويلة وغير مسلية، بالإضافة  لما تخلل ذهنها من توتر نفسي مدمر. مرت الليلة وهي معلقة في السماء تقرأ عن تفاصيل صداقة جمعت بين جيرشوم شوليم ووالتر بنجامين. شد ما لفت انتباهها جهود شوليم لإبعاد بنجامين عن الماركسية والإلتزام بأصوله اليهودية. وذكر ذلك تيريزا بصداقاتها الشخصية، وكذلك علاقاتها الغرامية الفاشلة. وسألت نفسها: لماذا تبدو مرتاحة بين الغرباء، ومستاءة لدرجة المرض في علاقاتها. أين تبدأ الحدود بين الذات والآخر؟. ومتى نتوقف عن الكذب ونكون أنفسنا بكل صدق وصراحة؟.

وصلت قبل ياسين بثلاثة أيام، وأنفقت هذه الأيام الرمادية بعزلة سعيدة، وخلالها اكتشفت البلدة بانتظار وصوله، ورسمت في ذهنها فضاء بيتها المؤقت في بودابست قبل أن يشترك ياسين بوضع لمساته عليه. وفكرت: كيف سيكون الحال بعد مرور عقد كامل على لقائهما السابق. هل تغير؟. هل يعتقد أنها تغيرت؟. لا بد أنه سيلاحظ كل شيء حاولت إخفاءه عن نفسي طوال هذه الفترة.

في سنوات الفراق الماضية حصل على منحة، لإجراء بحث أساسي في ألمانيا ثم النمسا وفرنسا، أما هي فقد ضمنت وظيفة أكاديمية، ولكنها في مكان قريب من حقول الذرة والأبقار، وطالما حلمت بالابتعاد عنها. ولذلك كانت خارج المكان على نحو دائم. لم يكن العالم يهتم لها، ولا لأي إنسان من نوعها. وكانت الفاشية تتجمع في الأفق، وبالأخص في هنغاريا، حيث أن جوبيك، وهو حزب الرئيس الحالي فيكتور أوربان، حصد نجاحا مدويا. كان اللاجئون يردون على أعقابهم عند الحدود، وأصبح اليهود والرومان والمسلمون هدفا للاعتداءات.

وكانت، كل يوم منذ وصولها، تمر بالجسر المعلق فوق الدانوب. وكان من بناء مهندسين إنكليزيين عام 1849 ويرمز لاتحاد نصفي المدينة: بودا و بيست.  وغالبا ما كانت تمر منه مرتين، عند شروق الشمس ومغيبها. فالشقة في شارع راؤول ولينبيرغ في بيست. ولكن مقر عملها، جامعة أوروبا المركزية، فقد كان على الضفة المقابلة من الدانوب، ضفة بودا. وهذه هي آخر سنة لها في بودابست. وابتداء من أيلول سوف تنتقل إلى فيينا، وسيكون الطلاب والكلية في النمسا.

كبتت تيريزا مخاوفها من مستقبل هنغاريا وأوروبا وبقية العالم الملتهب، وركزت على تحضير نفسها لوصول ياسين يوم الجمعة. وهما، كلاهما، حسب أفضل ما تعلم، غير قادر على الإنجاب، ومولعان بالبحوث العلمية فقط. وقد هيأت نفسها لمنعطف جديد، في العمل والحياة. وهي تنتظر بأحر من الجمر ما قد تلهمها زيارته. وبدأت بانتظار مكالمته منذ الساعة 7 من صباح الجمعة. علما أنها أرسلت له عدة رسائل إلكترونية في الأيام السابقة، وطلبت منه أن يتصل حال وصوله، ولكن الهاتف كان خامدا ولم يرن. نظرت بالبوق الأسود، وتساءلت متى سيندلع منه صوت. وفي خاتمة المطاف بعد انتظار دام أربعة وخمسين دقيقة واثنتين وثلاثين ثانية (كانت تسجل الوقت على ساعة معصمها)، سمعت صوت الجرس.

قالت:”ألو؟”.

رد صوت يقول:”ألو”.

كان ياسين، يخاطبها بصوته الروسي الذي فضح هويته الأوزبكية. تبادلا بعض عبارات الترحيب ثم ران الصمت، فهي لم تتكلم بالروسية منذ سنوات، ولم تتدفق الكلمات على لسانها بسهولة كما كان الحال في عمان. ثم اقترحت أن يتقابلا وجها لوجه. فهو على كل حال تحتها بطابقين فقط. وقالت ببساطة “موجنو؟”. وتركت المعنى مفتوحا على عدة احتمالات. وترجمت لسان حالها كأنها تكلم نفسها قائلة:”هل بمقدوري أن أهبط إليك؟”.

رد بنفس المقدار من التأكيد:”موجنو” وحول سؤالها لجواب. ألقت البوق وجهزت نفسها للنزول.

وعندما وقعت عيناها عليه عند عتبة بابه، لاحظت أنه مألوف لها، ويمكن أن تتعرف عليه سواء لاقته في بودابست أو في حقول الذرة في أيوا. كان لونه أشد سمرة بالمقارنة مع الوقت السابق، وكان شعره خفيفا أكثر مما تتذكره قبل عقود، وقد نمت له لحية. ولكنه كان نفسه ياسين الخجول بنظاراته السميكة وابتسامته الصبيانية المرتسمة على وجهه. وأخبرها بلا تردد أنه لم تغمض له عين منذ أقلع من طشقند، وكان يحاول تعويض ما فاته من نوم، وهذا سبب تأخره بمكالمتها. والآن انتعش بما يكفي وهو جاهز لرؤية البلدة. واقترح يقول:”هل لديك خطة لاكتشاف المدينة؟. لطالما أرقتني فكرة مشاهدة الدانوب”.

كانت الساعة حوالي السابعة مساء، والشمس تتلكأ عند الأفق، وكان وهجها يسيل على الدانوب بلون محمر. أول موقف لهما كان على الجسر المعلق، فقد تمهلا قرب أسدين رماديين عملاقين وقفا على طرفيه، وكلاهما منحوت من الحجر المصقول. وفي الظلام، لاح الجسر كأنه معلق في الماء. وعندما وصلا نهاية الجسر، من ناحية بيست، اتجها إلى شارع 6 تشرين الأول. ولفت هذا الاسم انتباه ياسين، وقدر أنه اسم سوفييتي، لكنه لم يعرف معناه بالضبط. وشرحت له تيريزا أنه يشير لثورة اندلعت ضد السوفييت. ففي 6 تشرين الأول 1956 دفن الشيوعي المعادي للسوفييت لاسلو راجك علنا في مقبرة ضحايا  التطهير الستاليني. وهي حادثة وقعت قبل سنوات. وكان 6 تشرين الأول تمهيدا لـ 23 تشرين الأول 1956، وهو تاريخ قيام الثورة الهنغارية. همست تيريزا بهذه التفاصيل بنبرة حماسية، وكان قلق ياسين يتزايد كلما أدلت بكلمة إضافية. كانت ثقافته السوفييتية تلقي بظل من الشك على كل التاريخ المكتوب. التفت نحوها مع ابتسامة وقبض على يدها وقال “هل سنتناول البيتزا؟.ليس لدينا في أوزبكستان بيتزا جيدة”. كانت لهجته كأنه يقترح طعاما شرقيا عجيبا. عبرا الجسر مجددا نحو ضفة بودا. وصعدا على السلالم الحلزونية باتجاه مطعم إيطالي موجود في نهاية منطقة تبدو قديمة كأنها تعود لقرون مضت. وطلب بيتزا مع السلمون و فتة الجبنة. وهي طلبت بيتزا مع أرغولا وموتزاريلا وبروكولي.

سألها عن حياتها في أيوا. هل هي مثل بقية أمريكا؟. كان يريد أن يفهم، فقد زار الولايات المتحدة مرة واحدة، وبالتحديد سان فرانسيسكو في التسعينيات.

قالت له: ”أمريكا عدة بلاد في بلد واحد. الجنوب محطة المتعصبين. والشمال موطن ثقافة النخبة والثلوج الغزيرة. والغرب الأمريكي منطقة البيوت الطينية والصحراء. أما بالنسبة للغرب الأوسط، مسقط رأسي، فهو بلد ينطوي على ذاته، ويتكون من البراري التي تغطي الأفق ومن حقول الذرة والشعب الأبيض. شعب أبيض جدا. وأشعر بالتحسس منهم”. قالت ذلك مع ابتسامة لها معناها الخاص. وخامرها الاعتقاد أنها كانت تثرثر بكلام لا معنى له. وفي نفس الوقت، لم يكن بمقدورها أن تنفي أنها ممتنة لهذه المحاضرة عن بلد كانت تحسبه وطنها، ولكن تعتبر الآن أنه محاكاة مضحكة لما تبقى من روحه السابقة،  وهي تريد أن تنأى عنه بنفسها لكن على أن تؤكد سلطتها عليه كذلك. لقد أصبحت مهاجرة حقيقية، وهي مستعدة لملاقاة  مسقط رأسها مثل استعدادها للانفصال عنه.

سألها ياسين إن كانت تحب الحياة في الغرب الأوسط.

قالت: ”كلا. في أيوا أشعر كأنني غريبة في بيتي. وأخشى أن الأمر يزداد سوءا. أصبح الناس متعصبين وعنصريين كثيرا. ثم هي مكان بعيد عن الموضع الذي تقطن به العائلة الآن”.

“العائلة”. كرر ياسين الكلمة كأنه لم يفهم المعنى المقصود.

رددت:”نعم العائلة”.

نظر بعينيها طويلا وقال:”ما المقصود بعائلتك؟”.

“أنا وشقيقاتي وأمي”.

“يعني غير متزوجة؟”.

“لا. لا يوجد زوج”.

كانت تيريزا تتوقع، استنادا لخبرتها من عملها في أواسط آسيا، هذا السؤال عن الزوج. والسؤال التالي كان مألوفا بالمثل وهو: متى ستقرر إنجاب أطفال؟. في معظم المواقع التي غطتها بأبحاثها، كان هذا أول سؤال يأتي من لسان محدثها. وبرأيها كان يريد أن يتأكد بسؤاله هل هي مثل غيرها من النساء، وشارفت على فترة الإنجاب. كانت بالخامسة والثلاثين. والجميع يتوقع منها التهيؤ لتربية الأولاد. والأفضل صبي وبنت، وربما يكفي صبي - إلى جانب الزوج. أما المهنة فهي مجرد احتمال. وكما سمعت بروح أخوية وصداقية من نساء القرية الأوزبكيات المسنات حيث أجرت بحوثها: المرأة تحتاج لشيئين في حياتها، زوج وابن. وأي شيء آخر عبارة عن رفاهية.

رفع ياسين حاجبيه قليلا عندما سألها عن الزوج، وكان فضوله يبدو شخصيا، ولا يدل على شيء ثقافي. ومع أنها بالعادة ترد على أي سؤال عن حياتها الشخصية بصمت مهذب، ردت على ياسين دون تحفظ. وقالت إنها لا تحترم التدخل بحياتها الجنسية ومراقبة حياتها الخاصة، واستغربت أن المرأة تعتبر غير كاملة إن لم تقترن برجل.

ضحك ياسين بدماثة ورماها بنظرة خاطفة فهمت منها أشياء أعمق مما يمكن أن تنقلها الكلمات. وبعد نهاية الطعام، عبرا الجسر مجددا وتجولا في زقاق أندراسي، وهو السوق التجاري الأشهر في بودابست. أخرج ياسين علبة سجائر وبدأ بالتدخين. وتأثرت بالرائحة على نحو غريب، كأن أحدا يداعب راحة يدها. ومرا من نافورة وواجهات زجاجية، ومن صف إثر صف من المخازن تحمل أبوابها عبارات الترحيب بعدة لغات. ثم دارا من حول “دولاب الهواء” في ساحة إيرزيبيت، حتى أحاطت بهما في النهاية الكراسي والأشجار.

كان الوقت في أواخر الليل والحديقة مهجورة. وأزواج من العشاق يجلسون على المقاعد، متعانقين تحت مصابيح مرتعشة. قال لها:”تعالي نجلس”.

وقبض على يدها، كما فعل سابقا في هذا اليوم حينما عبرا من الجسر، وتوقعت أن يفلت يدها بعد أن يجلسا، ولكنه لم يفعل. وكانت قبضته الناعمة والمهذبة قوية أيضا وتذكر بالممرضات اللواتي تقدرن دقات قلب المريض. واستعادت تيريزا بذهنها سؤال ياسين عن عائلتها، وتساءلت مجددا لماذا يهتم. وكانت تلك هي أول وآخر مرة يتحرى عن ظروفها الخاصة. إنما حافظ على يده فوق يدها كما لو أنه من الطبيعي لرجل وامرأة التقيا منذ بضع ساعات أن يتماسكا بالأيدي. وكما لو أن يدها ملكه ويده ملكها.

وبعد العودة للشقة، في شارع راؤول والينبيرغ، دعاها للدخول إلى مكان إقامته. قال: ”أريد أن أعرض عليك ملفات المخطوطة التي عثرت عليها في مكتبة الدراسات الشرقية. وأود أيضا أن أقدم لك شايا ساخنا أحضرته من طشقند”.

ولم تتمكن من رفض عرضه. وبمجرد أن دخلا، باشر بتحضير الشاي. كان المعهد قد وضب له شقة ثمينة من طابقين تحتوي على غرفتي نوم وحمامين كاملين. كانت شقته أفضل من مسكنها الذي يبدو مثل مأوى إسبارطي.

فتح جهازه المحمول وبدأ يبحث بين الملفات. وأنفقا ثلاث ساعات على هذا الطراز، رأسه منكب على حاسوبه، وهو يقلب في الملفات الضوئية المتراكمة من جراء العمل الطويل لسنوات بالأرشفة. وفي نفس الوقت كان ينقل كميات تقدر بالغيغابايتات إلى قرص خارجي أحضره ليتبادل معها المعلومات. واستمرا بالجلوس منحنيين على الحاسوب، ويده في حضنها. ولكنها لم تسمح له بحرية التصرف، مع أنها كانت مسرورة من ذلك. وكانت تفكر بأن تلمسه بمثل طريقته، إنما لم تفضل أن تبدر منها حركة قد تندم عليها. كانت وحيدة لثلاث سنوات. وفكرت: لو مارسنا الغرام، قد تكون هذه هي آخر مرة لعدة سنوات قادمة.

وقررت أنه لا ضرورة لهذا الضرر الفادح، ولكن بدا اليوم الذي أنفقاه معا مثاليا ورقيقا، ويجب تكراره. وأرادت أن تحتفظ بذكرياته، وهذا يتطلب مقاربة حميمة خاصة. ورأت تأجيل التقارب قدر الإمكان، حتى إذا حان الوقت لالتحام الجسدين، سينطبع عميقا في ذاكرتها. لقد استمتعت بالتلامس الخفيف مع جسمه، ولكنها سدت الطريق على يده كي لا تتحرك لما بعد حضنها. وعندما بدأت أصابع ياسين تتحرك وتزحف نحو ركبتيها  وعلى ساقيها نهضت فورا وقالت:”حان الوقت لأذهب للسرير”.

“لماذا لا تنتظرين لفترة أطول؟. أود أن أقدم لك كوب شاي أوزبكي آخر”.

أعربت عن حاجتها للنوم. في الواقع لم تكن تشعر بالنعاس ولكن بالرغبة لخلق مساحة في ذاكرتها لما يمكن أن يجري، وقادها ذلك للعودة إلى حجرتها. أمضت تيريزا بقية الليل في سريرها وهي تفكر بياسين. ماذا يعني أن تعود لسريرها بعد أن تنام معه. وكيف سيكون شعورها بعد رحيله؟. وهل ستشعر بنفس الوحدة القاتلة إذا ما استلقت بالسرير بمفردها؟. وهل ستبدو ضفتا الدانوب كما كانتا قبل أن تلتحم به؟.

في اليوم اللاحق اتصلت به حالما فتحت عينيها. كانت أشعة الشمس تملأ الدانوب بالضوء. اقترح نزهة أخرى على الجسر. وتحولت هذه النزهات لطقس يومي. ووصلا لنفس الحديقة، وراء دولاب الهواء، حيث تسكعا معا بالأمس، وجلسا على كرسي بمقابلة النافورة الطويلة.  ومع أن الماء توقف عن التدفق، تابع الأولاد لعبهم. وبدآ بالحديث حول المخطوطات التي اكتشفها في مكتبة الاستشراق وسألها:”ربما عليك الاستقالة من عملك والانضمام لي في طشقند؟”.

جمدت من اللهفة. هل هو يطلب يدها؟. ونظرت إليه ولاحظت أنه يهزل معها. لكنه أضاف:”طبعا، لا أحد لديه عمل مثل عملك مستعد ليضحي به”.

وقبض على يدها بيده كما فعل مرارا. ولكن رفع اليوم يده من حضنها إلى وجنتها، ثم إلى شفتيها. وحينما استقرت أصابعه على شفتيها، كانت تفكر بالطريقة التي فكرت بها قبل وصوله في تلك الليلة. أغمضت عينيها، وتلامست شفاههما. كانت القبلة مهذبة ومنضبطة ولطيفة. وحينما همس بأذنها يقول:”هيا بنا للمنزل” كانت عاطفته قد اضطرمت كشعلة من نيران. وتحول خجله لرغبة، رغبة غمرت عالمها قليلا.

وسمعته يقول:”هذه نفس”.

لم تفهم. فسألته:”ماذا؟”.

قال:“لها عدة ترجمات. النفس الخالدة. الأنا. التنفس. ونفس في التصوف تعني أن تكون تحت تأثير الجانب الحيواني. سأشرح لك لاحقا”.

وباعتبار أن زيارته اقتصرت على نقاش حول المخطوطات المنسية، أدهشتها طريقته بممارسة الحب، فقد كانت عنيفة لحد ما ويصعب أن تنسجم مع القيم والتقاليد الإسلامية. فقد تخلص من ثيابها وبدأ مباشرة بممارسة الجنس الفموي، وكان عضوه منتصبا بشكل مباشر نحو فمها. ثم وضع الواقي الذكري بسرعة تدل أنه فعل ذلك من قبل عدة مرات. وفكرت أنها كانت تعتبره دون تجربة!. وهل أحضر الواقي الذكري معه لأنه يفكر بممارسة الجنس؟. وهل يحمله معه أينما ذهب؟. وبعد أن انتهيا، ارتاح كل منهما بين ذراعي الآخر. العيون مفتوحة على سعتها، وتنفذ من خلال طبقات الليل الأسود المظلم. ثم أشعل سيجارة من العلبة التي اقتناها في زقاق أندراسي في الليلة السابقة. وكان خلفه، على الجانب الآخر من السرير، كومة من الواقيات الذكرية بشكل هرم آيل للسقوط. وتخيلت أنها أصبحت زوجته كما تقتضي العادة. وفكرت بسرها: ولكن أنا غير جاهزة للزواج بعد.  فهي حتى الآن غير مهيأة للاعتناء بزوج أو لمتابعة شؤون والديها. والاستقلال والحرية هما أساس وجودها. وقررت أنه يناسبها علاقة طويلة الأمد.

وفكر ذهنها، كما تفعل بعد ممارسة الجنس، كيف ستكون ظروفها لو حصل الحمل. ثم تذكرت: قبل ثلاث سنوات عقمت نفسها. و منذئذ لم تمارس الجنس وتقريبا نسيت أنه ليس بمقدورها حمل الأطفال.

كان اسم العملية - إسور Essure- له معنى رمزي. ولفظه القريب من كلمة “الماحي erasure يعكس الهدف منه. إسور محا قدراتها البيولوجية لتكون أما. ولا يزال جسمها يتذكر الإجهاض الذي خضعت له في عمان، فقط قبل أن تلتقي بياسين. وبعد عدة سنوات، لا يزال يرسم ندوبا غائرة في ذاكرتها. هذا الإجهاض قادها لتقرر أن التعقيم ضروري، بغض النظر عن الكلفة، ودون أي اعتبار لما سيعقبه. وبعد التعقيم، تصالحت مع نفسها. أخيرا يمكنها أن تتأكد أنها لن تنجب طفلا لهذا العالم. وفكرت وهي تستلقي في السرير: قناة الرحم مربوطة، مجازيا وعمليا. وأنا لن أنجب ابنا.

كان ياسين يستند قربها على وسادة، بصمت، ويدخن سيجارة.

بالإضافة لحسم موضوع الإنجاب المقلق، جنبها إسور استعمال الواقيات الذكورية المانعة للإنجاب. والسبب الوحيد لاستعمال الواقي الذكري الآن هو الحماية من الأمراض. لكن ياسين مسلم، فكرت تيريزا بذلك. كما أنه خجول ومهذب. باختصار هو الحالة المعاكسة للذكورة. ولا شك أن الجنس صدفة بحياته؟. وقررت أن تطلعه على خبر عملية التعقيم.

قالت:”هل أخبرتك أنني لا أحمل. فقد أجريت عملية”.

“عملية؟ لماذا؟”.

“كي لا أنجب الأولاد”.

أعقب كلامها صمت مطبق. ثم كرر وراءها، مثلما كرر سابقا كلمة “عائلة”، بنبرة أكدت على اللفظ مع تجاهل المعنى “كي لا أنجب الأولاد”.

كان كل تكرارا منه يحمل في طياته سؤالا جديدا. فاستطردت تقول:”أنا أصلا أومن بالتبني. ماذا عنك؟. هل تريد أن يكون لك أولاد؟”.

تبع ذلك فاصل صمت طويل آخر. وأخيرا قال:”أولاد؟. أنا لدي أولاد”.

أصاب تيريزا الهلع والجمود . ولم تفهم معنى كلامه. كيف يمكنه أن ينجب الأولاد قبل أن يتزوج؟. هل توفيت زوجته؟. هل طلقها؟. ومرت عدة لحظات مع هذه الأفكار، حتى استعادت وعيها. فقالت:”إذا أنت متزوج”.

لم يرد.

رفعت صوتها وقالت:”وماذا عن زوجتك؟. كم عمرها؟”. لم تكن تريد أن تسمع الإجابة. ولكنه السؤال الوحيد المتحضر والمتعقل الذي جاء في ذهنها.

قال بهدوء: "ثلاثة وثلاثون”.

“هل تعمل؟”.

“لا”.

“هل تريدها”. ولم يخطر في رأسها غير هذا الكلام. ولكن السؤال الذي أرادت أن تسأله هو: إن كان يحب زوجته. وقد أرعبها التفكير بها. لم يكن لسانها جاهزا لمثل هذه الكلمات. في كل حال ستكون النتيجة محزنة. إن لم يكن يحبها فهذه مأساة. وإن كان يحبها لماذا هو معها في السرير في بودابيست؟.

أخيرا بعد سكون مطول رد يقول:”نعم”.

قضي الأمر. ولم يعد هناك مجال لمزيد من الكلام، سوى امتصاص الصدمة بعد تبادل أكاذيب صامتة. كانا على علاقة عميقة لكن دون أن يعرف أي منهما التفاصيل الأساسية عن حياة كل منهما. كانت هذه أول علاقة غرامية لها بلا زواج، وأول مرة تمارس الحب مع رجل متزوج.  ولم تكن تعلم أنه متزوج حينما فعلت. غادرا السرير. وأسرع هو ليرتدي ثيابه. فسألته:”هل أنت مسلم؟”.

قال:”نعم”.

أشارت لقضيبه غير المستور والمنتصب قليلا وسألت بسخرية:”كيف تفسر هذا إذا؟.هل هو تصرف إسلامي؟”. سارع لتغطيته بملاءة وقال:”حتى المؤمن يرتكب الأخطاء. أخبرتك سابقا عن النفس، هل تذكرين؟. شهواتنا تجبرنا على ارتكاب أفعال شيطانية”.

سألته:”إذا تعتقد أن ما فعلناه هو حرام. من جهتي أنا أعتقد أنه شيء صحي، وأن أكاذيبك هي الخطأ”.

لم يرد. انتظرت وأدركت أنه ليس لديه شيء يقوله. وعزمت أن تدخل بمماحكة قصيرة. وأن تلقي عليه محاضرة اعتادت عليها حينما لا يكون لديها شيء آخر. فقالت:”الزواج هو أكبر مصدر للظلم في العالم. وأعظم سبب للألم والشقاء”.

وبدأ ذهنها يفكر بالماضي: عاشت وهي بنت صغيرة في بيت يحكمه أب عنيف، ولاحقا حينما تزوجت، اقترنت بزوج ظالم. وهي ترغب بنسيان هذين الفصلين في حياتها، لكنهما يعودان بكامل ما فيهما من قسوة. وصعدت لذهنها فكرة ستردع ياسين وتصيبه بنفس الألم الذي سببه لها. فقالت:”لكم أكره منك هذا الرياء المزيف”.

نظر إليها بصمت وإمعان كما لو أنه غير قادر على إدراك ماذا تعني. لو أن اتهامها جرحه، لم يظهر وجهه ذلك. وفكرت ربما هذه أول مرة يسمع فيها بمثل هذه الكلمات. بعد ذلك سألته:”كيف سيكون شعورك إذا شاركت زوجتك السرير رجلا آخر كما فعلت أنت الآن”.

قال دون أن يعلو وجيب قلبه:”سأجن”. لا شك أنه يعتبرها إهانة لرجولته. وابتسمت تيريزا رغم حنقها منه وقالت:”هل ترى؟. هذا ما أقصده. هذا ما أسميه الرياء. هذا هو التعالي البطريركي. ببساطة أنت تنظر للرجال بمعايير لا تطبقها على النساء. وهذا شيء أسوأ من النفس”.

ابتعد عنها وأخذ سيجارة أخرى. ثم اقترب من طرف النافذة وأشعل طرفها. كان وجهه هادئا، وساكنا مثل الدانوب في ليلة من ليالي الشتاء. وبدأ ينفصل عنها. وخجل من ثورتها لكنه لم يهتم بذلك. وتبادلا النظرات  دون حركة، ولم يكن هناك ما يضيء قامتيهما غير القمر المعلق في الخارج. وكانت الغرفة مستسلمة للعتمة.

جلست تيريزا لعدة دقائق دون حركة، ثم نهضت إلى النافذة حيث كان يجلس ياسين. وأرادت أن تجلس بقربه. وامتلأت بعبير رائحته وبرغبة عارمة أن يلمسها. وكانت تريد أن تكرر ممارسة الحب. ونسيت غضبتها التي لم يمر عليها غير دقيقة. والنفاق الذي نفرت منه لم يكن يبدو الآن لها مثل دليل على فشل الأخلاق، بل أشبه بتناقض لا ينجو منه إنسان.

لماذا لم تخمن أنه متزوج؟. لماذا لم تستفسر؟. لقد اضطربت منه بسبب الرياء الذي يقوم عليه الزواج وليس بسبب الغش أو الخداع. ولماذا لا يمكنه أن ينام مع من يريد، مثلما هي تنام مع من تريد؟.

تحركت أصابعه على خديه غير الحليقين. ونظر لجهة جانبية. كانت تود أن تعنفه لأنه كذب عليها، ولأنه أخفى تفاصيل خاصة جدا من حياته الشخصية. وفي نفس الوقت، وبنفس المقدار من الحمية، أرادت أن تعانقه. متى ستحين الفرصة لتكرار ذلك، بالأخص مع إنسان تشاركه العشق للمخطوطات؟.

لكنه تراجع للخلف. وأدركت بألم بالغ أنه يريد أن يلغي هذه الذكريات التي تشكلت بينهما. وسمعته يقول وهو يشير للنافذة:”هل يمكننا الخروج بنزهة؟. قبل أن أختنق”.

كان القمر قد اختفى من مجال بصرها، وأصبح فوق وسط الجسر، ونور صناعي التمع على الدانوب. وذكرها ذلك بلمسات ياسين ليديها.

ردت بصوت بارد:”ليس الليلة. يجب أن آوي للفراش”.

هز رأسه، وهربت عيناه من نظرتها. وقال بهدوء:”نوما هنيئا”.

مر اليوم التالي دون جديد. نامت جيدا وعملت على مقال متأخر، وهو رتب محاضرته ليوم الإثنين. وحوالي الخامسة مساء، اتصل بها. واتفقا على اللقاء عند الأسد الحجري أمام مدخل الجسر. وما أن التقيا، اختفى التوتر الذي غطى على يومها كله. مرا بالجسر ذهابا ومجيئا. كان النهر يتعرج في المدينة، ويحرص على تقسيم وتوحيد بودا وبيست. وفي هذه المرة، لم يتماسكا بالأيدي. وفصل بينهما الفراغ مثل سور كهربائي يصدم كل من يحاول أن يتحداه.

سألته مجددا: “هل أنت مسلم؟”. وأدهشها استعداد الرجال لتحويل الإخلاص إلى دين مع أنهم لا يلتزمون به في حياتهم الخاصة.

ثم أضافت:”أعني هل أنت مؤمن؟”.

عندما رد بالإيجاب، سألته كيف يمكن بالنسبة لرجل متزوج ويعتبر نفسه مسلما أن ينام مع امرأة غير زوجته.

قال:”أوضحت لك مسبقا. النفس. ليس كل المسلمين يطبقون وصايا دينهم. نحن أحيانا، مثلكم، نتبع عواطفنا”.

أصابتها وعكة مؤلمة. لقد بحثت طوال ليلة أمس وفهمت أن النفس مرتبطة بسقوط الروح. وهي نوع من أنواع الأنانية. ووصلت أيضا لشيء آخر وتشتبه أن ياسين لا يعرفه: أن هذه الكلمة العربية مشتقة من كلمة عبرية هي نيفشي. وتعني التنفس.

قالت:”أراهن أنك لا تعرف أن نفس هي أول لحظة في الوعي”.

صحح لها قائلا:”كلا. النفس تعني الجانب المادي من الكائن، العاطفة الملتهبة”.

قالت:“إذا حينما مارست الحب معي كان ذلك بنفسك وليس قلبك؟”.

رد بالإيجاب بشكل باهت. ولم يشعر بالطمأنينة من جراء السؤال. فقد عاد له خجله الذي تذكرته من أيام مؤتمر عمان حيث جرى أول لقاء بينهما. ثم أضاف بنعومة:”لا أعتقد أنني فهمت معنى سؤالك”.

قالت:”بعكسك أنا أمارس الحب بقلبي وليس بنفسي. وأحترم الإسلام، غير أنني ضد معتقداتك. الجنس ليس شرا. فهو أنفاس الحياة. وهذه هي أنفاسي”.

لزم الصمت لعدة دقائق. ثم قال في خاتمة المطاف:”هل أنت جائعة؟”.

بلغا نهاية الجسر، والتمع الدانوب بالأشعة الفضية المتبقية من شمس الغروب. وملأت السحب السماء كأنها قطن منفوش. وباشر قارب نجاة مخطط باللون البرتقالي  يترنح على الأمواج الهادئة إلى الأعلى والأسفل. ومرت دقائق وسؤاله معلق في الهواء. كان الكلام قد أرهقها. ما الغاية من الكلمات إن كان استعمالها يتوقف على تبادل الأكاذيب؟.

في النهاية قال:”أنا جائع. ما رأيك بتناول البيتزا؟”.

بعد أن ودعت ياسين في تلك الليلة، وذهب كل منهما لشقته الخاصة، قررت أن تتخلى عن عملها في جامعة أيوا وتعمل بمهنة تجليد المؤلفات. وكانت تتملكها مشاعر غريبة: إنها ترغب بممارسة الحب، ليس مع كائن بشري آخر، ولكن بيديها ومع هذه المؤلفات.

 

.........................

ريبيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould  أكاديمية أمريكية تعمل أستاذة كرسي الحضارة الإسلامية في جامعة برمنغهام، بريطانيا. والقصة من مجموعتها الأولى "غرام الغرباء" 2021. والترجمة بإذن شخصي.