فينوس فايقمثل حبة تراب أرقد

تحت قساوة صخرة

وأعشق جبلاَ يشبه الله

في تقاسيمه الليلية

**

مثل أشعة شمس فانية

أرتشف الضياء

وأعصر الظلام

وأودِعُ سري

في كنفِ مساء بتوقيت قصيدة

**

مازال إيماني عميقاً

بأن العمر زقاق من الاحتراق

قبل ألف عام بتوقيت فجر

سرتُ فيه

ونزعتُ عني الأرق

وارتشفتُ آخر كؤوس الضحك

**

توشك عيناي على الرحيل

تكاد يداي تسقطان في الغياب

أكاد أموتُ مغرمة

هاجس الموت يعتصرني

و ...

مثل ريح عاتية

أكسرُ شباك هذه العتمة

وأعشقك حتى الفراق

**

أن اُصاب بالأنوثة

يعني،

أن أمزق عذرية الصوت،

وتقويمك الأحمق

وأحرقه حتى الغثيان

**

سأقشِّر عني عباءة القبيلة و

أتقيأ دساتيرك و

قوانينك وشرائعك كلها

سأمتهن تزوير التأريخ

لأكون جديرة بنعش

أستلقي فيه عارية منك

فأكون جديرة بنفسي

**

سأزوّر تأريخ هذه البلدة

سأغير اسمها

الذي لا يناسب

مزاج الطغاة

ولا هيبة القتلة

**

سأستعيرُ خضرة الأشجار

وأصبغ ناصيات الشوارع

بأنفاس الصبايا العذراوات

وأمزق لافتاتٍ

تُمجّدُ الطاغوت

ولمعان الأغلال في المعاصم

**

سأغلق فمي و

أصادرُ الهودج

ونحيب الغواني

كمرور نهر

بحقل عبّاد الشمس

سأقطعُ خاصرة الكلام

وأقتل الصمت في فمي

وأطلق سراحي

**

سأكتب تأريخاً حجرياً

يصف هذه البلدة بالخيانة

ينعتها بالتعنت والذل

......

........

فهل جربت يا سيدي

أن تُصاب يوماً بالصمم

أو تُصاب بالبكم

أو يحمّلوك

وزر خطيئة بين فخذيك؟

جرب يوماً أن تُصاب بالأنوثة

وتُهان باسم العفة و

يوارى جسدك خلف صدأ العقول

فيصادرون الأساور والحجل و

الخلخال والكحل و

المسك الذي يختبئ تحت أذنيك

جرب أن تكون أسير غشاء رقيق

يورثونك به "شرفاً" و

يصلبونك على جدار القبيلة

فتقرع الطبول و

ترتفع الأهازيج

ويذهبون للنوم

مرفوعي الرأس

ليدخلوا الجنة من أوسع أبوابها

**

سأزوّر تأريخ هذا البلد

وسأكتب عنواناً مقززاً

وديباجة مقرفة

وسأملأ صفحاته

بالنحيب والصراخ

سألوّن ما بين السطور بدمي الأحمر

وأنوثة حبلى

بسر مدفون

بين جدران هذا المعبد

**

سأزوّر تأريخ الرجل و

أفتح صدري وصوتي

موارباً لذكورتكم

موارباً لشرف القبيلة

**

سأزوِر اسم أبي و

أتمرد على ذكورة القبيلة

سأفض بكارة الكلام

وأفتح الباب على صوتي

فلم يعد كل هذا الزيف

يناسب خصري

ولا ثوب القبيلة يكفيني

فعباءة أمي

لا حاجة لي بها لتغطي عورتي

فكل العورات في العقول

كسموم صرنا نستطعمها كالحليب

سأمزق فستاني الطويل و

أمشي عارية بفكري

**

سأمتهن تزوير التأريخ

لأكون جديرة بنعش

أستلقي فيه عارية منك

فأكون جديرة بنفسي

***

فينوس فائق

...................

(*) من مجموعتي قيد الطباعة والنشر (أبعاد اللامسافة)

 

 

جاسم الخالديحمل طفولته وسلّة ذكرياته

يذرع البحر

طولا وعرضا

لا يعبأ بالرحلة

واضطراب الامواج

أضناه

عشق الماء

كثيرا ما يسمّيه أولاد محلته

(وليد) الماء

أحبَّ البحر

 تغذى منه

نام بين موجاته

ينتظر نفاد حياته

قضم البحرُ عمرَه

تركه وحيدا

يداعب ذكرياته

وما حملت يداه

من سلال

وصخب الموج

وغناء السفائن

ها أنت تسد بابك

 وتعلن موتي

تتنكرني

مثلما يتنكرني

الأهل والأصحاب

مثلما تغصُّ حنجرتي

بأغنية

"عندك يا ريس بحرية"

مثلما تخونني قواي

 ويعزُّ عليَّ العكاز

أغدو وحيدا

انتظر

فائضَ ما

تساقط من سلالك

تعصف بي السنين

دون انتظار

أيها الشيخ

هكذا

صرت تكنّيني

ستكبر

وتشيخ

مثل أي صقر

يخفق جناحاه

ولا يقوى على التحليق

يتلاشى صوتي

يخفت

يموت

وصوتك يملأ الفضاء

يضيق زمني

تتعطل قواي

تركلني بأمواجك

مثل مقامر

خسر رهانه

ولاذ بالعزلة.

***

د. جاسم الخالدي

 

 

ذكرى لعيبي قصصْتُ شريطَ أوجاعي

ولملمتُ في قبّعةِ صديقي

المهرّجِ الموجوعِ مثلي،

دموعَنا المتساقطةَ

قهقهْنا معاً

وكثيراً

عجلةُ الليلِ تحبو

نحنُ نسيرُ صوبَ خشبةِ

الأملِ

صديقي المهرّجُ

اختفى خلفَ أنفهِ الأحمرِ الكرويّ

ووجههِ المصطبغِ بمساحيقِ التجميلِ

فاضَ الدمعُ نهرَ دُمى

وأنا

تواريتُ خلفَ طوابعَ

 بريديةٍ قديمة

طوابعُ نسيَ أصحابُها

لصقَها على رسائلَ

معاديةٍ لمواجعِ القلوبِ

***

ذكرى لعيبي

ألمانيا2021

 

 

البشير عبيدحاملا في يدي زوايا الحروف

ودمي منساب على زقزقات النوارس

احتفي بالمساء المتألق بالبياض

وأختفي في عيون الشاردين

هي ذي البساتين الواسعة قائمة

في تفاصيل الانبعاث

والولد المهاجر إلى أقصى البقاع

يكفكف دمعي

سنبلة الشرق تترصد مباهج العشق

والقلم ها هنا

على قمة صدري يبعد ياقة الخراب

ويؤسس مملكة للقرنفل

القادمة من وراء الصحاري

حملت جثتها على جناح الحمام

والدماء التي غمرتها المياه

سكنت لترى بؤبؤ العين

والجسد الكرملي..

لامست عيناه عوسج الروح

للفتيان العطشى أن ينبتوا السنابل

في صقيع المدائن الساكنة

ولي أن أتصفح وجوه الصبايا

اللواتي انتحرن على عتبات الذاكرة

ولهم أن يعانقوا الورقات المهترئة

ولي أن أحاور الحمام اليتيم

دموع الأرصفة أذهلتني

وكان المكان الخرافي ساخرا

من نشاز الصراخ

وإن بدا هذا الفتى ماثلا للحداد

فبعض الشبيبة تمادى في الهذيان

في الغرف الحمر

طباشير وماء وحلوى

على الجذع الشمالي صوت ضئيل

وأجساد باهتة على الضفة

أوراق على المائدة مبعثرة

الحدائق مكتظة بالهدوء

والعذابات الفسيحة

يسألني شرطي المرور:

يداك تحالفتا ضد النعاس

وأهداب أحزانك تلاشت

قرب الساحات المضاءة بالهتاف

كيف إذن،  تمتد الأيادي

باتجاه الحرير

والمدائن حبلى بالضجيج السريع

الشاطئ أضيق بمساحات الفرح

والفتى لم يرَ ومضة النور

في المرآة

لم يشته قبلة على خد إحدى البنات

وجمرة حيفا التي منها انبثق الكلام

ترتمي في أحضان الغزاة

ها هم أطفالها قادمون

بيضا وحمرا وسمرا...

يجلس أصغرهم ماسكا دفترا للمديح الفصيح

تبتدئ الاناشيد وصفا لعسف

لن تستمر دقات قلبه

حينما ترتفع أصوات من كانوا

هنا على تلال الانكسار

على الغصن المكسور تلتهب جمرات

النهوض

حيث استوي البحر والزبد

الصوت والصدى

الروح وخلايا الجسد

فجأة يهمس الفتى باسما:

من هنا لن يمروا

ولن يرتشفوا القهوة كما اعتادوا

ولن يفروا

أوراق اللوتس تحاصرهم

وعيون اليمام تقاتلهم

لم لا يدخلون نسيج العنكبوت؟

ولم لا يخرجون من مرايانا؟

رماد، حمام، سماد، نملة

بالياقوت تتانق

لست حزينا وليس لي ماء ولا خبزا قديما

ولا مكان لي هنا في مناخات القلق

يمسكني الضابط الغامض

في الخامسة صبحا:

أأنت الولد المشاكس للياسمين؟

أما كفاك رجم البياض بالحصى

مازلت أبغي المزيد

ولنا موعد هذا المساء

وإنني العاشق سلفا للشمس والكلام

الشريد

قبيل انزوائي كنت أرى في المنام:

ولدا بلا ذاكرة

بلدا بلا قتلى

وامرأة بلا

جسد ظامئ

باقية مياه الخريف

وباق "شغب" القرى ..

صديقي الذي فاجأني بكاس النبيذ

هو الآن جالس حذو المروج

تداعت أمامي مرايا الجلوس

وخافت يداي من العسكري الوسيم

فجأة يسألني: كيف صات حيفا حضن اليتامى؟

وغبن المدائن

عروس من الثلج تهادت ورائي

وماء من الضوء سال خلف السحاب

أكان الفتى خرافي الملامح؟

أم خريفي الضحكات

دمي لا غبار عليه

ولا دخان على جثتي

من إذن،  من الفتيان الذين يجيئون

بلا مواعيد إلى البلفيدير

يريحني من سؤالي

***

الشاعر والكاتب: البشير عبيد / تونس

 

 

محمد المحسنإلى "الربيع العربي".. الضوء الذي باغت ظلمتي..


 مثلما قلت ذات أسى:

ها قد تعبت من الجري واللّهو

في حدقات السنين

هأ أنا الآن وحدي:

أصرخ من صمت البراري:

سلام على سوسنات

رمت عطرها في الحنايا

وعادت إلى أمّها الأرض.

ألف سلام على زهرة لوز تناستها الفصول

سلام على نرجس القلب..

حين يعيد البهاء لوجه فلسطين..

السلام على الراحلين إلى موطن السنبلة.

السلام على باقة الشهداء النّدية

وهي تُزفّ إلى غرغرات التراب

والسلام على آخرين حاصرهم السيل

..في منعطفات الذهول

**

هوذا الرصاص في نشوة الدّم والدمع..

يبحث عن قسمات قتيل..

يطارد على ضفة الجرح أبهى الصبايا

يطارد على شفرة النّاي طفلا شريدا..

يجرجر نجما يضيء في عتمات الدجى..

إلى كدر في الأفول..

ويعوي..ثم يمزّق تلو القتيل القتيل..

**

هي ذي بغداد تتحسّس كلّ المواجع..

تخبئ شوقها.. في تضاعيف السيول..

وترنو بصمت إلى نقطة في المدى..

حيث الهدى والتجلي..

هي ذي عروس المدائن

تلمّ الريش من أقصى الأماني..

تنسلّ من حلم الفرات..

يكسّرها الحنينُ وتطرّزها المرايا..

هو ذا دجلة يسرّح شعرها عند المساء..

يسلّمها لبياض الرّيح..

فيغمرها العويل..

**

بغداد:

سمعت بإسمك في أقاويل الرياح..

وظللتُ أبحث عنكِ في كتب العواصف..

في المصاحف..

في احتدام الموج..وانهمارات الفصول..

أنتِ تاج العارفين..وأنتٍ معجزة اليقين..

أنتِ الحمام يرتحل عبر ثنايا المدى..

أنتِ الحزن المبلّل بالندى..

أنتِ الهديل..

**

دمشق أيتها القادمة..من خلف الضَباب

من أساطير الحكايا..

أحتاج ذاكرة النوافذ المطلة على الخراب..

أحتاج خياما تدر ّصهيل الخيول..

أحتاج وجْدا ينبت على شجن القلب

ويغمره السحاب..

أحتاج حماما يحطّ على الرّمل..

يحرِس حزني ..

ويؤثثُ مدائنَ ترشح بالموت..

تنام في غيمة الرّوح..

ويبعثرها الصهيل..

***

محمد المحسن

 

 

عبد الستار نورعليلسْتُ ذاكَ المنهلَ الصافي، أنا

مِنْ مزاميرِ الرحيلْ

 

حمّلتني إرثَها الطاعنَ في السنِّ،

وسنّي

منْ سنانِ الرمحِ أيامَ (التشابيهِ)

وذا الزنديقُ منْ خلفِ الستارْ...

 

شبَّ طوقُ القلبِ حتى أسفرَتْ

عنْ وجوهِ القومِ أسفارُ القبيلْ

 

خارجٌ بينَ البراكينِ

وأقدامي ينابيعُ

وصوتي منْ سنينِ القهرِ

توّاقُ الصهيلْ

 

قبّلتني قِبلةُ الآفاقِ

أسرجْتُ سراجي

بين عينيَّ

ركبْتُ البحرَ

والصحراءَ

والواحاتِ

والسهلَ الخصيبْ

كانَ انجيلي تسابيحَ حروفي

سدرةَ الدارِ وحنّاءً وشمعةْ

دمعةً من عينِ أمي (ليلةَ العاشرِ)...

مِنْ ذاكَ الشهيدْ

ونديمي الليلُ،

أطرافُ النهارْ..

مِنْ رفاقِ الرحلةِ الأولى

فؤادي مِنْ ضياءِ البدرِ

في ليلةِ عرسٍ ورجولةْ

والمزاميرُ تغني:

املأِ الكأسَ وسامرْنا

أما تُصغي الى الخيّامِ

يا هذا الخفيفُ الظلّ

موّالَ الأصيلْ!

املأِ الكأسَ

فما الرحلةُ إلّا  مِنْ سُرى

ريحِ النخيلْ!

 

شربتْني الريحُ، ألقتني

على صوتِ الهديلْ

 

كانَ ليلاً شاهداً

كنتُ أغني:

يا ليالي الوصلِ في بغدادَ،

آهٍ.....

منْ مساميرَ تدقُّ القلبَ

فوق الحائطِ الباكي

وشكوايَ أناشيدُ الطفولةْ

رقيةٌ منْ فمِ أمي

ودعاءٌ من أبي

قُبةٌ من فيضِ ذاكَ النورِ

في دارِ (نزارٍ) شابَ

حتى ألقَتِ الرحلةُ مرساها

على وادي السلامْ،

يا سلامْ!

كمْ سلامٍ مرَّ فينا

كمْ سلامٍ غابَ عنا

كمْ سلامٍ شبَّ حتى حملَ الرايةَ

والعشقُ بريقٌ

في مزاميرِ الخليلْ...

 

كمْ خليلٍ راحَ في ليلٍ بهيم

كمْ خليلٍ هاجرَ الرايةَ

والرايةُ تروي

عن أخلّاء تراخوا

وأخلّاءَ تناسوا

وأخلّاءَ تهاووا

وأخلّاء اختفوا

وأخلّاءَ على العهدِ

معَ المجرى الطويلْ...

***

عبد الستار نورعلي

الخميس 30.9.2021

 

 

عادل الحنظلبينَ صبايَ وبيني

رحلةُ قاربْ

أرهَقَ رُبّانَهُ المُحيطْ

يُغالبُ الرِيحَ

ويَرسو على الصخرِ

حالماً في ثنايا الشواطئ

وفي انقيادِ السائرِ نحوَ الظنونْ

مُبحِراً في ضبابِ المسارْ

وانتهاكِ السنينْ

حَشَوتُ آلةَ التصويرْ

بألوانِ المَرافئ

وأروقةِ المدائنْ

بانتشاء السُكارىٰ الحالمينْ

واحتفاءِ العاشقينَ في أدخنةِ الحاناتْ

يسرقونَ الثواني بخِلسةِ هاربْ

وبأضواءِ الطُرُقاتْ

بسيقانِ الحسانِ وأردافِ الحرائرْ

بالشفاهْ

بالنائمين على المصاطبْ

بأذرعٍ تُرفعُ للوداعْ

وبالنخيلْ

صورٌ ...

صورٌ ...

صورْ

بَلَغَتْ بعدَ ألفِ حينْ

مَرفَأَها الأخيرْ

معي ..

تخبرني ..

تَقَطّعَ الشراعْ

ليسَ في الخرائطِ أمكِنَةٌ

لفاقدِ المَسيرْ

فعُدتُ أحرِثُ في آلةِ التصويرْ

أستَنطِقُ الصمتَ في العيونْ

لكنّها ..

توارتْ الأسماءْ

خلفَ جدرانِ الموانئ

والوجوهِ التي مَلَّها اللونْ

ذكرياتٌ .. ذكرياتْ

أراها في هروبِ الأزمنةْ

أفُقاَ شاحباً

يجثمُ فوقَ قاربي المُهترِئ

**

عادل الحنظل

 

 

عدنان الظاهرعَجِّلْ ...

لا يصبرُ جِنٌّ في دنِ الخمرِ

والنفسُ تُقلِّدُ أصواتِ الكاساتِ

طفحَ الكيلُ وشابتْ أسناني

نامَ الصاحي أنّتْ أصداغُ السكرانِ

لا كأسُ الراحِ ارتاحَ ولا هبَّ نسيمُ الإيضاحِ

فجرٌ غجريٌّ لا يأتي

يتدحرجُ خلفَ مدارجِ كاساتِ شميمِ التُفّاحِ

يُنبي أنَّ وراءَ الشَفقِ المتواري ما زالتْ أقداحُ

قنديلٌ وسِراجٌ مجلوٌّ وهّاجُ

لا يستأذنُ ريحاً أو راحا

قُلْ لي هل أسري

وأُقيمُ الحدَّ على ما في ليلِ الظُلمةِ من وجدِ

وأواصلُ جهدَ السيرِ إلى حيثُ البرزخُ لا يفتحُ بابا

لا ينفخُ في ناي البهجةِ وحيا

لا يوقدُ في دارٍ نارا

يُصغي للصوتِ النائي مخموراً محمولا

لا أَحفلُ ما قالَ النادلُ للواشي الغشّاشِ

مِن أني جزءٌ من ذيلِ شِهابٍ حلَّ فضلَّ طريقا

وبأني لا أسكنُ أعضائي إلاّ حلَاًّ وقتيا

وأجوبُ العالمَ نجماً مُتّقِداً دُريّا

قَمَراً مفقوءَ العينِ

لا شرقٌ يُغريني لا غربٌ يُخفيني

الآنَ سمِعتُ أذانَ أبي نؤاسِ

أعلنتُ الإنذارَ الأقصى أوقدتُ الشمعاتِ الحُمرا

جاءَ النادلُ بالعُدّةِ في حالةِ إنذارِ

ملأ الجوَّ بطقسِ عرائسِ جرّاتِ الخمرِ

***

دكتور عدنان الظاهر

 

 

محسن عبد المعطيأَوْتَارُ عِشْقِي دَنْدَنَتْ لَحْنَ اللِّقَا

           أَصْغَى ذِرَاعَاكِ  بِحِضْنٍ قَدْ بَدَا

ضَمَمْتُ أَوْتَاراً لِقَلْبٍ عَاشِقٍ

               وَعُودُهَا مُنَسَّقٌ عَذْبُ الْجَنَى

يَا غَادَتِي سِحْرُ الْعُيُونِ نَاطِقٌ

             وَالْقُبْلَةُ الشَّمَّاءُ تَسْرِي فِي اللَّهَا

قَوَامُكِ الْغَضُّ اسْتَبَى مَلَامِحِي

          أَبْحَرْتُ فِيهِ بِالضَّنَى حَتَّى انْحَنَى

لَاعَبْتُهُ بِفِطْرَتِي وَخِبْرَتِي

                 مُثَقَّفاً وَالْعُودُ مِنْهُ مَا الْتَوَى

ضَمَمْتُهَا رَيَّانَةً وَشَدْوُهَا

                  كَدَوْحَةٍ غَرَامُهَا فَاقَ الذَّكَا

جِنِّيَّةٌ حُورِيَّةٌ فِي عِشْقِهَا

            قَدْ نَبَّهَتْ قَلْبِي إِلَى أَحْلَى الْعُرَى

عَانَقْتُهَا دَلَّلْتُهَا غَنَّجْتُهَا

            فِي الدَارِ تُطْرِينَا تَبَارِيحُ الْقَصَا

فَسَلَّمَتْ لِي عُودَهَا وَرِيقَهَا

          أَسْعَدْتُهَا حَتَّى ارْتَدْتُ مَوْجَ الْمَطَا

              ***

شعر: أ. د. محسن عبد المعطي محمد عبد ربه

شاعر وروائي مصري

 

 

انمار رحمة اللهنعم.. بلا شك كنتُ أعلم أنني سأصلُ إلى نهايتي الأليمة. لأن قرار اعدامي قد صدر في الحلم الأخير، ولم يتبق سوى تنفيذه كما أخبرني السجّان وهو يضحك ساعتها. ولو أنني علمت أيها الأصدقاء أن الأحلام تلك كانت ستؤدي بي إلى حتفي لما نمتُ أصلاً.. ياله من حظ عاثر..؟!. الآخرون ينامون مرتاحين وأنا أواجه لحظتها مصيري المشؤوم. ولم يخالجني شكٌّ أن اسمي الذي اطلقه عليَّ والدي هو سبب نحسي. من يسمي ولده باسم "مسجون"؟!. قيل لدفع الحسد والعين، وأن حياة الانسان ستكون عكس اسمه كما هو متعارف عليه. الآن تأكد لي أنها ترهات، فأنا عشتُ مسجوناً منذ أن زارني أول حلم في حياتي. صحيح أن أحلامي السابقة كانت عبارة عن سجون بسيطة وسهلة، ولم تكن بهذا الشكل المريع الذي تورطت فيه مؤخراً. وكلما صحوت من كابوس قررت أن أغيّر اسمي، لأنني أعلم مادام هذا الاسم ملتصقاً بي، ويناديني به الناس، مسجون جاء مسجون راح، مسجون قام مسجون جلس، فلن تقوم لي قائمة ولن أهنأ بحياتي أبداً.. ولكن..!  أليس خيار السجن ربما أفضل من الإعدام؟!. لقد حدث هذا معي في أول حلم حلمته من هذا النوع، حين اقتادني في عالم المنام رجالُ أمن بعد أن تطاولت على (القائد العام للكوابيس المسلحة). كنتُ جالساً في مقهى عام وظهرت صورته في الشاشة، فضحكت وسخرت منه، فلم يلبث الجالسون في المقهى إلا واختفوا الواحد تلو الآخر وتشتتوا كما يتشتت البخار في الهواء. وذلك لأنهم غادروا الحلم بعد أن استيقظوا من نومهم، أما أنا لم أصحُ وبقيت عنيداً في حلمي، حتى جاء رجال الأمن وألقوا القبض عليّ. وبعد سؤال وجواب وتحقيقات وضرب وإهانة، دقَّ جرس الحلم ثم تبخّر المحقق والرجال والكراسي، والجلاد الذي كان خالعاً قمصيه ويجلدني لكي اعترف، كلهم تبخروا فقد أنتهى حلم تلك الليلة. وصحوت من النوم على فراشي، وأنا أشعر بآلام الضرب على رأسي وظهري حتى بعد يقظتي..

في ليلة أخرى أيها الأصدقاء، لم يخيّل لي أنني سأعودُ مجدداً إلى ذلك العالم. قلتُ في نفسي إنه مجرد كابوس عادي كحال الكوابيس التي تداهمنا أثناء النوم. ولكنني هذه المرة وجدتني مرمياً في زنزانة مع مساجين مثلي. يئنون من شدة التعذيب لاستخراج اعترافات أشهرها التآمر على حكومة القائد. وحين استفسرت منهم ظهر أنهم مثلي كانوا يحلمون، ورمى بهم القدر في هذا العالم الموحش. وكان سبب اجتماعنا هو النكوص في حرب كابوسية كان القائد قد شنّها. لقد كنّا جنوداً من عدة فصائل اجتمعنا في تلك الزنزانة، ولم نتمالك أنفسنا في ساحة الحرب ونحن نرى الجثث تتطاير هنا وهناك فحاولنا الهروب فأمسكوا بنا..  قبل أن يمسكوا بي مرت قذيفة دبابة معادية من فوق رأسي، اخترقت جدار الحلم محدثة فجوة عميقة. مددت رأسي من خلالها وحاولت الهروب، لكن أحد الضباط أمسك بي وأنا أحاول، وألقى بي في السجن بتهمة الفرار من المعركة. لقد كان ذلك الكابوس مليئاً بالبارود والنار والدخان ورائحة الجثث. وكنتُ حين يلفني الخوف من كل جانب أجلس القرفصاء، وأردد بيني وبين نفسي (إنه حلم .. مجرد حلم). لم أكن أنوي فقدان حياتي بالطبع، لا في الحرب ولا في سجون القائد، فالحياة عزيزة ولا يشعر بثمنها أحد إلا حين يعيش في كابوس رهيب، فهناك تتجلى صورة الحياة أمامه حين يكون كلّ مراده أن يصحو من منامه وحسب. وهذا ماكنت أتمناه حين ربطونا على أعمدة، وقرّر الضابط إعدامنا بتهمة الهروب من معركة القائد العام للكوابيس المسلحة. حين أغمضوا عينيّ بعصابة ولم أعد أرى بل أسمع فقط أصوات فرقة الإعدام، وأصوات أقسام البنادق التي سحبوها استعداداً لإطلاق رصاصاتهم نحونا. هناك حدثت معجزة حلمية كنتُ أنتظرها، فقد دقّ جرس الحلم وتبخرت العصابة من على عينيّ، ثم رأيت أفراد فرقة الإعدام وهم يتبخرون مع بنادقهم، والضابط الذي كان يقف إلى جانبهم، والعمود المربوط عليه، ومن كانوا معي من الجنود الحالمين. وصحوت من نومي صباحاً وقد كان أنفي مليئاً برائحة البارود والحرائق..

ثم جاءت الأخبار المفرحة أيها الأصدقاء في حلم آخر. فالأخبار الجيدة والمزيّفة أيضاً لا تأتي في الواقع وحسب بل حتى في الأحلام كما تعلمون. ففي حلم لاحق انتشر خبر موت القائد، فعمَّ التظاهرُ بالحزن والانكسار بين أهل المدينة، لكنني خرجتُ لوحدي في حلمي عارياً أرقص في الشارع ولم أستح، بعد أن خلعت الملابس الشاحبة التي كان قد فرضها القائد علينا سابقاً. وما هي إلا دقائق حتى أمسك بي رجال الأمن الذين خرجوا لا أعلم من أين. ثم اقتادوني من دون أن ينطقوا بكلمة ورموا بي في زنزانة!. ماذا يحدث ؟!. ألم يمت القائد وخلصنا منه؟!. هكذا ناديت بأعلى صوتي في وسط الزنزانة. وجاءني الجواب بعد دقائق على لسان (ابن القائد) ذاته، فقد خطب في التلفاز وسمعتُ خطابه عبر مكبرات الصوت في السجن قائلاً: (شعبنا الكابوسي العظيم.. أبي لم يمت ولن يموت.. هو بصحة جيدة وسأستلم مقاليد السلطة بشكل مؤقت.. سنحاسب الخونة)

وماهي إلا ثوان وإذا بجدران السجن قد اختفت وتحول المكان إلى محكمة. المنصة يجلس خلفها ابن القائد مرتدياً زي القضاة. والجمهور الذي كان يجلس على كراسي المحكمة كانوا نسخة مكررة منه. بل حتى السجّانين الذين يقفون على جانبي قفص الاتهام كانوا هو. وقف ابن القائد الذي كان يرتدي ملابس المدّعي العام، ووجه لي التهمة بالخيانة حين أعلنت فرحي بموت القائد العام للكوابيس. هتف الجمهور (خائن.. خائن). ضرب ابن القائد الذي كان يرتدي ملابس القاضي بالمطرقة واسكتهم، ثم أعلن الحكم بحقي.. الموت شنقاً.. ربما كانت ضحكاتي التي اطلقتها عالياً مستفزة لهم. فبعد صدور الحكم صحتُ ساخراً (إنه كابوس.. سينتهي وشيكاً ويدقُّ جرس الحلم وينتهي كل شيء). الغريب أنهم حين أنهيت عبارتي ضحكوا جميعاً ضحكة واحدة متناسقة ومتشابهة ثم انصرفوا!!. وعشتُ أصعب اللحظات أنا عالق في ذلك العالم. في كل لحظة أقول سينتهي كل شيء، ويدق الجرس ويتبخر السجّانون والسجن ولكن بلا جدوى!. لقد كانت هذه أمنيتي وأنا أسير إلى منصة الإعدام. أن أصحو من هذا الكابوس المقرف وأعود إلى فراشي وأمارس حياتي كما كنت، ولكن لم يحدث هذا.. ثمّ قرأ عليّ الجلاد الحكم الصادر بحقي وعلقوا في رقبتي الحبل. في تلك اللحظة حدث أخيراً ما كنت أصبو إليه.. إنه الجرس..!!. سمعتُ صوته بوضوح وكاد قلبي يقفز من صدري كما يقفز الأرنب. لقد أنتهى هذا الحلم وليس بيني وبين الصحو سوى لحظات. فاحتلت بدني سكينة وابتسمت، وللحظة فكرّت بشكل جدّي أن أغير اسمي نهائياً. حين أصحو من الحلم هذا مباشرة سأغيره بشكل كامل، حتى لو تطلب الأمر مني الهجرة إلى مدينة بعيدة لا يعرفون شيئاً عن اسمي القديم، وربما أعود بعد سنوات حين يتغير الناس الذين عرفوني بهذا الاسم من قبل، فيكونوا قد نسوني وأبناؤهم ولن ينادوني "مسجون" بعد هذا.. فرحت كثيراً وشعرت أن الحياة في انتظاري حين بدأ الكابوس بالتآكل، حيث رأيت جيداً السجّانين والجلّاد وهم يتبخرون، والجدران والسقف والخشبة التي كنتُ أقف عليها مربوط اليدين والحبل في عنقي. لقد تبخّر كلُّ شيء ماعدا الحبل الذي ضاق حول عنقي، والأصفاد الذي أُقفِلت بإحكام على معصميّ؟!. ماذا يحدث؟! هناك خطأ ما؟!. لماذا لا يتلاشى هذا الحبل اللعين؟!.. تهاويت إلى الأسفل معلقاً به بعد أن تلاشت الخشبة التي كنتُ واقفاً عليها، وصرت أرفسُ بساقيّ بقوة حيث لم أعد أقوى على التنفّس.. لقد كنتُ مرعوباً ولكنني لم أعرف أنني سأنجو من كل السجون التي خلفتها ورائي. سجون الواقع والكوابيس وحتى اسمي نجوت من لعنته ولم يعد مؤثراً. ولكم ضحكتُ على تقرير الطبيب الشرعي، حيث عثروا على جثتي في فراشي يومها، ولم يتوصل إلى معرفة سبب موتي وأنا نائم سوى أن "السيد مسجون" قد مات مختنقاً أثناء نومه.. هو لم يعرف لكنكم عرفتم بعد أن جاء دوري في سرد حكاية موتي أيها الأصدقاء.. صحيح هي حكاية غريبة، فأغلبكم قد مات في الواقع بحوادث حقيقية وطبيعية، ولكن صدقوني ليس هناك ماهو أغرب من أن يموت الإنسان بسبب أحلامه كما حدث معي..

***

أنمار رحمة الله

 

 

باسم الحسناويعلى أي حالٍّ أحبُّ العراقَ

وأشربُهُ مسكراً كالسُّلافِ

كتبتُ العراقَ قصيدةَ حبٍّ

بدايةَ عمري بكلِّ احترافِ

وها إنَّ منتصفَ العمرِ يأتــي

فقل كيفَ أقلبُ معنى القوافي

لأمنحَها مثلاً صورةَ القردِ

في غابةِ السَّنواتِ العجافِ

أنا أشعرُ الآنَ بالنصرِ والأمنِ

حدَّ ارتباكي وحدَّ ارتجـــــافي

2-

وقتٌ من التبرِ أم وقتٌ من الطِّينِ

أم انَّهُ العمـــــــرُ ميتاً دونَ تكفينِ

قد متُّ من قبلِ هـــــذا ألفَ قافلةٍ

من الزَّمانِ وشاءَ الموتُ تلحيني

فصـــرتُ أغنيةً ثكلى بلا ولدٍ

فكلُّ أولادِها وحيُ الشياطينِ

ويلي على زُغْبِ أشعاري فقد نفقت

ولــــــــم تعانِقْ جمالَ النسوةِ العينِ

أنعى النَّخيلَ مع العلمِ الأكيدِ بأن

نعتْهُ ذاكـــــــرةُ الزَّيتونِ والتينِ

3-

أتيتُ إليكَ لتغفــــــــــــرَ ذنبي

فقلتَ: بتلكَ الذنوبِ افتخارُكْ

وقلتُ: احترقتُ فأطفِئْ لهيبي

فقلتَ: نعيـــمُ الفراديسِ نارُكْ

وقلتُ: أنا ظامئٌ للمياهِ

أجبتَ: فتلكَ النجومُ جرارُكْ

وقلتُ: الهزيمةُ في الحربِ قد

آلمَتْني كثيراً فأينَ انتصارُكْ

فقلتَ: افتخِرْ بانكسارِكَ ما دامَ

عرشَ الإلهِ العظيمِ انكسارُكْ

4-

قلبي هو البيتُ والأحلامُ نافذةٌ

مكسورةٌ وخيالُ الشعرِ عائلتي

إن كنتَ تطلبُ مني أن أحبَّكَ لا

تهدِمْ بمعولِ هجرٍ بيتَ عاطفتي

أنا أريدُكَ في الدُّنيا سبيلَ هدىً

وأنتَ تملأُ بالخسرانِ آخرَتي

أنا الحضارةُ من يائي إلى ألفي

فكيفَ تزعمُ أني رمْلُ باديةِ

جِئْ بالصَّحارى وحاكِمْها أمامَ فمي

إذْ كلُّ عاصمةٍ بنتٌ لقافيتي

5-

الوجهُ في أنَّهُ صبٌّ ومفتخرُ

أنَّ الفتى جنَّةٌ في قلبها سقَرُ

عاشَ الصَّبابةَ مخموراً بعاطفةٍ

أقلُّ ما قيلَ عنها أنَّها شرَرُ

فما الغَرابةُ لو شوقٌ لفاتنةٍ

أزْرَتْ بلوْعَتِهِ أشْواقُهُ الأخَرُ

الحبُّ في قلبِهِ كونٌ على سعةٍ

فيهِ متى ذاقَ طعْمَ النّارِ ينشطرُ

وليسَ في أيِّ شطْرٍ منْهُ منقصةٌ

فالكلُّ كالحرْبِ لا يبقي ولا يذَرُ

6-

لماذا تقولونَ ماتَ الغرامُ

ولم تعدِ الذكرياتُ نساءا

فقد تعلمونَ بأنَّ الخيالَ

يحثُّ على القبَلِ الشعراءا

فإن لم تكن ثَمَّ إنسانةٌ

يحبّونها صمَّموها فضاءا

فإن ضاقتِ الأرضُ بالشعراءِ

لكونِ الدِّماءِ تريقُ الدِّماءا

فما بينَ شقِّ النهودِ بلادٌ

متى فتحوها غدَوا أنبياءا

7-

أطفْلَةً لم تزل أرضي أهدْهِدُها

أم لم أزل قمراً بالنّورِ أرفدُها

أم القصيدةُ قد أنهيتُها فإذا

هيَ الخجولةُ من أنِّي أردِّدُها

أقنعتُها بعدَما راحت تعنِّفُني

بأنَّني حينَ أشدو لستُ أقصدُها

أم الحبيبةُ صوفيُّ الشعورِ بها

هذا الفؤادُ الذي في الدَّيرِ يعبدُها

حتى إذا جاءَ وقتُ الحشرِ في سقَرٍ

ألقت بنفسي وصارت جمرةً يدُها

8-

عندي فؤادانِ حينَ الحبُّ يكتملُ

الأوَّلُ الكأسُ والثاني هوَ الغزلُ

الشعرُ أعظمُ منكوبٍ بعاطفتي

فما السبيلُ إلى أنثى ستنفعلُ

كلُّ النساءِ عشيقاتٌ لقافيتي

وإنَّ قافيتي في الحالِ تُرتَجَلُ

إني أغازلُ أنثى في فضاءِ دمي

وليسَ تفهمُ ما أعني فترتحلُ

ما قلتُ إني نقصتُ الآن في وجعي

إلا استفضتُ متى فاضت بيَ القُبَلُ

9-

أنا أحدٌ ولكنِّي جميعُ

يضيعُ الكلُّ لو أنِّي أضيعُ

وطبعاً حين أصرَعُ في نزالٍ

فشعبٌ كاملٌ بعدي صريعُ

لديَّ الشعبُ موسيقى وشعرٌ

وإلا فهوَ تفكيرٌ وضيعُ

ومن لم يستطع قتلَ المنايا

بكلِّ الفخرِ إني أستطيعُ

كفاني أنَّ موتي عبقريٌّ

وأنَّ منيَّتي شرفٌ رفيعُ

10-

بلا أيِّ شكٍّ أنتِ أمُّ قصيدتي

وأحفادُنا منها الدُّجى والكواكبُ

فإن طالَ عمرانا بضعفِ سنيِّهِ

فأحفادُنا حدَّ الضَّياعِ الغياهبُ

إذا كانَ قلبي كالشِّراعِ ممزَّقاً

على غرَقٍ أيُّ البحارِ أعاتبُ

وإن كنتُ لا أدري لأيِّ جهنَّمٍ

ستحشرُني الأشواقُ من ذا أصاحبُ

دعيني أوزِّعْ مضغةَ القلبِ هكذا

على الوحشِ إذ خيرُ الصحابِ الثعالبُ

***

باسم الحسناوي

 

 

صادق السامرائيسارِعُوا نَحْوَ مَسارِ القِوَةِ

بعُقـــــولٍ وكبيرِالهِمَّــــةِ

 

لا تَقلْ سَوْفَ وقدِّمْ مُنْجَــزاً

واجْعلِ الفِعْلَ إمامَ الخَطوَةِ

 

فكـــــــلامٌ دونَ فِعْلٍ طَبْعُنا

فاتْبَعِ القولَ بحُسْنِ الصُنْعَةِ

 

يا شَبابَ اليوْمِ يا أسَّ غَدٍ

توِّجُوهــــــا بمَقامِ العِزَةِ

 

فخْرُنا أنْتمْ وأنْتُمْ قَلبُهــــا

ومَنارُ الفِكْرِ عِندَ الوَثبَةِ

 

أمّــــةٌ تَحْيا بشَعْبٍ ثائِرٍ

يَتَحَدّى بانْتِهاجِ الثوْرَةِ

 

يا أُباةً لأَمامٍ أذْخِــــروا

شَيِّدوها برسالِ القُدْوَةِ

 

كلُّ شعْبٍ بشَبابٍ طالِــــــــعٍ

يُنْجِزُ الأهْدافَ حيْنَ الوَحْدَةِ

 

أمَلٌ يَحْيا وروحٌ أشْرَقَتْ

وتَسامَتْ فَوْقَ نارِ الفُرْقَةِ

 

وبها كُنّا وفيهـــــــا كُنْهُنا

فَصِراطُ الحَقِّ نورُ الأمَّةِ

 

أيُّها المَبْلوسُ إبْعِدْ يأسَهـــا

فلنا المَأمولُ نَبْضُ الرَغْبَةِ

 

أشْرَقَتْ ألْبابُ جيْلٍ وارْتَوَتْ

بنَبيْذٍ مِنْ كُــــــــرومِ الفِطنَةِ

 

وعلى الآفاقِ ألقَتْ سُؤلَها

وتواصَتْ بجَديْدِ النَهْضَةِ

 

أيْنَعَتْ أثْمارُ فيْضِ المُنْتَهى

واسْتَعانَتْ بعَطـــاءِ النُخْبَةِ

 

أمَــــــمُ الدُنيا تَنادَتْ واعْتَلتْ

عَضَّدَتْ كُلاً بطوْقِ العُصْبَةِ

 

ولهـــا التأريخُ صَرْحٌ شاهِدٌ

وانْطلاقٌ في رِحابِ الفِكْرةٍ

 

فأتَتْ فيهـــــا بَديْعاً فائِقاً

وتَبارَتْ بأصيْلِ الْحِرْفَةِ

 

ومَضَتْ نَحْوَ عَطاءٍ رائِعٍ

مُسْتَنيرٍ بضِيــــاءِ الشُعْلةِ

 

فأبانَتْ عنْ خَــريْدٍ جَوْهَرٍ

وتَعالتْ في فَضاءِ القُدْرَةِ

 

أيُّها الأفْذاذُ في أرْضِ المُنــى

أطْعِموها مِنْ رَحيْقِ الرَوْعَةِ

 

فجَمالُ النَفسِ فَضّاحُ الهَوى

وعيونُ القلبِ أصْلُ النَظرَةِ

 

وعلى الأغْصانِ شدْوٌ صادِحٌ

مِنْ تَرانيْمِ بَديْـــــــــعِ الحِكْمةِ

 

وَلَهٌ يَطغى وَوَجْـــــــــدٌ إرْتَوى

مِنْ عَبيْرِ الشَوْقِ قَبْلَ الضَوْعَةِ

 

ذابَتِ الراحُ بكأسِ المُحْتَوى

فانْتَشيْنا بعَبيْرِ النَسْمَــــــــةِ

 

وشَكى بَعْضٌ لبَعْضٍ هَمَّهُ

فاسْتَفَقْنا مِنْ غَطيْطِ الغَفْلةِ

 

فتَعالوا نَحْوَ فجْرٍ ساطِعٍ

يتغنّى بجَمــالِ الصوْرَةِ

 

يا شَباباً مُسْتَضيْئاً واعِداً

يَتَباهــى باعْتِزامِ النَجْدَةِ

 

إحْمِلوا رايَ مَسيْرٍ صاعدٍ

واعْلِنوا فَوْزاً مَجيْدَ الرِفْعَةِ

 

كُلّها الأجْيالُ فيْكمْ صَوْتُها

ومُناها بدَوامِ الصَــــرْخَةِ

 

أهْلها أنْتُمْ ومِنْكمْ نورُها

ولَكُمْ فيها سَديْدُ الرُؤْيَةِ

***

د. صادق السامرائي

11\11\21

 

 

مصطفى معروفيمغص البطن يصيب البحر

فيبقى يتلوى بالموج

إلى أن يأتي النورس

ويقدم أقراص النوم له

آنئذ تشرب عيناه النوم

وينسحب المغص العالي منه

وينعم بهدوء تعشقه السفن المضناة

ومن أرسلهم حر الشمس إلى الشاطئ.

**

أخرج من جعبته بضعَ قصائدَ

كي يرعب شبح الظلمِ

ويغرس في شفة الوطن البسمةْ،

يتفاجأ

أن قصائده

فتحت للريح الباب عليه

ومضت تُلْبسُه بدَلَ المجْدِ رداءَ التهمةْ.

**

ليت شعري ما منطق الدهــر لما

رفــع الـنذل لـلذرى الـشامـخاتِ

بـيـنـما أســقـط الـكـريم جـفـاءً

ورمــاه فــي سـلـة الـمهمــــلاتِ؟

**

نـقـودك فــي الـبنوك تـغـطّ نـوما

وقِـرْشُـكَ مـن ضـيوفك مـستريحُ

لــمـاذا هــكـــــذا كــدَّسْـتَ مـــالا

وأنـــت بـــــه لـقـبـــرِك لا تــروح؟

***

مصطفى معروفي

 

 

عامر هشام الصفاروقصص أخرى


 شارع تحت درجة 50 مئوي

ينهض جاسم مبكرا هذا الصباح البغدادي الذي أشرقت شمسه قبل قليل لتعكس أشعتها على سعفات نخلة في حديقة بيته البسيط في حي العامل ببغداد.. يرفض الكسل الذي ألّم به فجأة .. ينظر من خلل شباك غرفته الى شارع خلا من الناس ألاّ من بعض الكسبة الذين راحوا يسرعون لأعمالهم الحرة طلبا لرزق حلال. أغتسل وراح يرتب ملابس شرطي المرور التي أعتاد عليها منذ سنوات.. قميصه الأبيض غسله البارحة وعمل فيه المكواة على عجل.. رفع قبعته التي سيحتاجها وهو يتوسط شارعا مزدحما قرب ساحة الحي في هذا اليوم التموزي.. تذكر أنه شاهد صورة فوتغرافية بالأسود والأبيض يوما لشرطي المرور في ساحة من ساحات بغداد الخمسينيات وهو يقف تحت مظلة في الشارع ينظم المرور لسيارات فارهة قليلة في أعدادها تمرق ببطيء كما يبدو.. كانت أياما أخرى لزمن ذهب ولن يعود.. يكرر مع نفسه ذهب.. مع الريح.. الريح الصفراء.. يبتسم.. ولا ينسى أن يمر على شعرات رأسه القليلة بمشطه القديم الذي يتركه قرب مرآة مدورة في مدخل البيت.. .

الشمس بدأت تصّاعد في سماء حي العامل، وها هو يومه قد أنتصف.. حرارة الأسفلت أصبحت لا تطاق.. خبير الأنواء الجوية يقول بغداد هي أكثر مدينة في العالم حرارة اليوم.. ستكون درجة الحرارة 50 مئوي أو قد تزيد على ذلك.. لقد تعوّد جسمه على الحر.. والرطوبة ودخان السيارات التي تمرق قربه لتزيد في شعوره بالتعب.. يذهب لمحل أبو عمار القريب عليه.. يغسل وجهه في دقائق ليعود لنفس الساحة.. رافعا يده اليمنى مرة واليسرى مرات.. الكل يطيع أوامره اليوم.. لا مخالفات أبدا رغم الحر الذي لا يطاق.. لم يشأ أن يقارن أيامه الحاضرة بما مضى.. فهو لا يعرف لماذا أصبح الصيف أكثر حرارة من أي صيف آخر.. بعض الناس من المثقفين يقولون أنه تلوث البيئة.. ولكن جاسم لا يصدق ذلك.. ويظل همه أن لا يحدث أي حادث سيارة في حي العامل اليوم..

مر بخاطره كابوس الليلة الماضية عندما قال له ولده:

-بابا.. كنت تنظّم المرور في الشارع وأنت نائم.. !

-كيف يا ولد؟

-كانت يدك اليسرى مرفوعة مرة.. ومرة أخرى ترفع يدك اليمنى.. وتحاول أن تتكلم.. سمعتك تقول.. أمش.. دير بالك .. بالك..

ضحك جاسم .. وتذكر حمال الشورجة الذي كان يمشي في شوارع السوق الضيقة ويصيح بصوت عال: بالك.. بالك.. بالك..

مع نسمات هواء يود أن يظن أنها كانت عليلة، راح جاسم في مساء المدينة يراقب ولده ويسمعه وهو يلعب مع أولاد المحلة بكرة قدم جديدة أشتراها له قبل أيام.. فجأة أنطفأ الكهرباء .. وساد الساحة ظلام دامس..!

**

بيت الضفادع

أعطني فسحة من وقتك لأتحدث أليك أيها الطبيب.. هكذا قال لي السيد كامبل الرجل الثري المعروف في هذه المدينة التي يلّفها الضباب هذه الأيام.. كيف تريدني أن أبقى هنا لوحدي وأبنتي بعيدة عني في كندا.. لماذا لا أذهب أليها؟!.. أنا في السبعين من عمري وها أنت تعطيني كل شهر كيساً من الأدوية والعقاقير التي أتناولها كل يوم دون أن أنبس ببنت شفة.. ولكنني لا يمكن أن أتحمل هذا الذي يجري في المدينة.. كل يوم أشاهد تلفزيون البي بي سي يبث على مدار الساعة أخبار الموتى والأصابات بهذا الفايروس اللعين.. صورهم تملأ صفحات الجرائد.. فقدتُ العديد من أصدقائي الذين عرفتهم منذ أيام الشباب في كارفيلي.. حيث كنت أعمل في مناجم الفحم.. عملنا سوية.. تلوّنت وجوهنا سوية بسخام الفحم والحديد.. كنا نضحك.. نسعل.. نحتسي الخمرة في بار المدينة، ولكننا لم نكن نتوقع أن نموت لوحدنا في بيوت هي اليوم مثل بيوت الضفادع النتنة.. أتركني يا سيدي الطبيب.. أعطني السماح لي لألحق بأبنتي.. لا أريد اليوم أكثر من ذلك.

**

المرفأ

ها هو اليوم الرجل الستيني (عمره 65 عاما) يتأبط عددا قديما من مجلة العربي ويسير تحت أشعة الشمس الباهتة في مدينة كارديف الويلزية دون أن يتعب أو يمّل.. ها هو على عادته كما يقول.. ومنذ عشرين عاما حيث سكن المدينة بعد أن هاجر من أرض الوطن التي أصبحت بعيدة..

أسماعيل كان مدرّسا للغة العربية في المدرسة المتوسطة في منطقة الأعظمية ببغداد.. يكرّر مع نفسه اليوم أنه مربي للأجيال.. أجيال لا يدري أين أصبحت، وأين حلّ بها الدهر بعد كل هذا الزمن.

ها هي البحيرة الهادئة البريئة مثل وجه طفل جميل تبدو أمامه مرحبة.. تفرش ذراعيها كما الحبيبة عندما تلقى الحبيب بعد غياب.. يستذكر مكان جلوسه قرب حديقة الروز في بستان قريب على البحيرة.. كانت زوجته معه.. وكانا معا يستذكران أول قصة كتبها يوم كان ينشر في مجلة الأقلام العراقية.. كانت تحب أن تسمعه يقرأ لها. مرّ بزهرة التوليب الحمراء.. مسّد خدها الناعم.. داعبته.. ضحكت له.. أو تخيلها كذلك.. جذب نظره اليوم الشكل الجديد الزاهي الذي بدا عليه مرفأ البحيرة وهو يرمز لتاريخ مدينة الثقافة والجمال. لم يكن أذن وحيدا.. ها هو صدى صوتها.. زوجته يرّن في أذنه.. "هل تعلم أن هذا المرفأ قد أعيد طلاءه وتشكيله بعد أن منح رجل المال للبنائين ليرمّموا المرفأ حيث كانت شريكة حياته تحب أن تجلس أمامه.. مرفأ البحيرة هذا.. وترسم لوحة عمرها كما كانت تقول"..

تذكّر كل ذلك.. وهو لا زال ماشيا متأبطا مجلته. بعد قليل سيدّس رأسه في أوراقه، وسيبحث عن فكرة جديدة، لا يظن أنها ستتلاشى، كما ألوان قوس قزح تشكّل قبل دقائق، بعد نثيث مطر خفيف في مدينته التي يرى فيها فصول السنة في لحظات زمن عابرة.

***

عامر هشام الصفّار

 

 

علي الجنابيفنجانُ قهوةِ العصرِ بَلسَمٌ لإبنِ أدم، يَردُمُ ما في فكرهِ من رَهوةٍ، ويَهدمُ مافي ذكرهِ من سِهوة. وتَراهُ في أذنهِ يهتفُ:

“إرتشفْ لتتَداوى من غفلةٍ، ولتَستشفَّ من نَسوة”. وهو سَقَمٌ لبنتِ حواء وماحولِها من نُسوة، وتَحسبُ أنه يُصَيّرُ وجهَها جلدَ عَجْوَةٍ، ولربما عُجْوَة. وتراه في جبهتها يهتفُ: ” لا إرتشافَ! ولا تهاوٍ في ذي دَعوة، ولا إعترافَ في أنّهُ شرابُ الأسوة، وللنُسوة قدوة”.

وإذ كنتُ وسعيفاتُ نخلتي، والسحابُ، وعصبةٌ من عصافير في حديقة الدار في ندوة، وإذ بلغَ بنا التأمُّلُ في الندوة في جدِّهِ مبلغَ الذروة، إذ بصغيرتي قد أتت تلمِضُ بضفيرةٍ مجدولةٍ على كتفِها حُلوة، وتقبِضُ بِعَشْرِها فنجاناً ساخناً كيلا تترقرقَ القهوة. كانت خُطاها هوناً، بتُؤَدَةٍ وهويناً، وكأنّ هذي الخطوة تستنصرُ تهي الخطوة. الخطواتُ مُرتَجفاتٌ، الخطوةٌ إثرَ خطوة.

أنا نَقَضتُ ما إِسْتَأْثَرتُ بهِ من خَلوة، وفَضَضْتُ ما إِسْتَحضَرتُ فيهِ مِن نَدوة، وأَفَضْتُ الى أصابعَ أميرتي إذ تَتَلَّمسُ شفا العُدْوَةُ، والعُدْوَةُ هي سلسلةٌ من بَلاط أحَاطَ بعُشبِ حديقتي وإرضِها الرخوة.

دَنَتْ حُلوتي، ثمَّ دَلَّتْ بقدمِها الى العُشب، فَظَلَّتْ نظراتُها للصّحنِ خاضعةً لئلّا ترقصَ القهوة. فَزَلَّتْ أصابعُ ساقِها وضَلَّتْ عن شفا العُدْوَةُ، كانَ حالُها كحالِ كفيفِ بصرٍ يتوجسُ الهفوة.

ما إنفَكّت أميرتي تَتلمَّسُ حافةَ الهُوّة. مُعاناةٌ ماحقةٌ كيلا تنسكبَ القهوة، ومُقَاسَاةٌ ساحقةٌ لئلا تنقلبَ في الهُوّة. كأنّي بها حُمِّلَتْ فنجانُها جوراً وعُنوة، ولسانُ حالِها يتّشَكّى:

“بئسَ البناتُ وبئسَ الشيخُ شيخهمُ*تَبّاً لِذلِكَ مِنْ شيخٍ ومِنْ عَقِبِ!

 أفكلُّ هذا لأجلِ رشفةٍ من عَلْقَمَ القهوة! سُحقاً لها من حَنظَلِ النزوة، فما لأجلِ هذا كُتِبَ ميثاقُ العِشرةِ مع عالمِ النُسوة!

بيدَ أني ناظرٌ ومُتلذِّذُ بما حاقَ بها من مِحنةٍ ومن شَقوة.. وأخيراً هَبَطَت أميرتي..ويا لشدَّتِهِ من هبوطٍ على مدرجِ العشبِ، ويالها من شَقوة! هبوطٌ في أجواءٍ ملَبَّدةٍ ما بين لَهِيب قهوة ورهيب هفوة.

بيد أنَّ بهجةَ الأمرتكمن في أنَّ أميرتي جَنَحَتْ للصّبرِ، فنجحَتِ في الأمر، بلا شكوىً ولا كَبوة.

نَجَحَ سندباديَ الصغير فأرسى بمَركبهِ بلا صفيرٍ ولا صَهوة، ورَمَى بغنائمهِ أماميَ على طاولةٍ لي كأنها أنفُ رَبوة, ثمّ قَطَبَ حاجبيهِ بفخرٍ، وخَديِهِ بتصعيرٍ وحَظوة, ناظراً جزاءً غَدَقاً من جَيبي بلا مِنَّةٍ ولا رَشوة.

إِحْتَسَيتُ رشفةً، وقَبَّلْتُ خَدَّهُ، ولهيبُ الودِّ في كَبدي أشعَلَ النَخوة، فمَدَدْتُ يدي في جِيبي لأُخرِجَ الثّروة.

مَسَحَ قُبلتي بتَنَمّرٍ عن خدّيهِ بيديهِ ، ونظراتُهُ تنطقُ:

“إحسمْ الأمرَ يا رجل، يا إمامَ السهوةِ والركودِ والغفوة، ولا شفاءَ لك ولو جرعتَ ما في”سريلانكا”من شاي ومافي”البرازيل”من قهوة !”.

لم أشأ مُماطلةَ سندبادي، فيَذهَبُ من عينيهِ بريقُ الفخرِ بالنصرِ والنَّشوة. وذاكَ نصرٌ ما تحقَّقَ إلّا بعد سباتِ يديهِ في حرِّ قهوة، وثباتِ قدميهِ في صَرِّ هُوَّة.

وحثيثاً ناولتُهُ ديناراً، فإعوَّجَ طرباً لإجلهِ شَطرُ شفّةٍ في فيِهِ، وكادَ فاهُهُ يلفِظُ الرّغوة.

ولَمّا إبتغيتُ منهُ قُبلةً أخرى، أبصَرتُ على كَتِفِهِ سربَ نَملٍ مَغْمُومٍ، أعرفُهم إذ كانوا من الصَّفوة!

(وكانت تلكَ صفحةً قطعتُها من مسودة كتابي وعنوانه “حواري مع : صديقتي النملة”).

 

علي الجنابي – بغداد

    ‫

الى روح صديقي الحميم الفنان التشكيلي القدير

منصور البكري - أهدي هذه السطور 


 وحيدا

أجلس في الحديقة العامة

مرتديا ثياب الأسى

أجهش بالبكاء كطفل يتيم

يسيل الدمع من مقلتي ويجري

أحتسي كأس اللوعة والمرارة

الأشجار تذرف أوراقا صفراء

الأزهار تحدث عن شبابها وتحكي

والندى يبكي

والسنجاب لشجيرة الورد يروي

حكاية العشب الذي ما انفك يذوي

العصافير الحزينة تودع أعشاشها

والفراق يدق مسامير الألم في قلبي

لا أحد من المارة يدري

الى أين دمعي يجري

الى أين تسيل أحزاني

خلف الحدود القريبة

تلبس - برلين - معطفها الأسود

وتضع وشاح الحزن على رأسها

وفي الحجرة - المرسم - من بيتك

أسمع الآن أصداء حواراتنا

في الحي الشعبي المكتظ بالناس

Friedrichshain - Kreuzberg

أتذكر لقاءنا الأول عام 1985

يوم جئتك من- براغ - زائرا

كان للفطرة رسمها

كان للبداهة إسمها

وكان لبرلين حينها جدار يقسمها

أتذكر زياراتنا لدار ثقافات العالم

وأتذكر الأماسي الفنية وسهراتنا

أرى الآلوان المائية في عيون الأطفال

وأشم رائحة لوحاتك الزيتية المعلقة

من لي في - برلين - سواك

وقد سكب ليلها عتمته الأبدية

على ذلك الحي العتيق

وساح الظلام في شارع -  أوبلنر

Oppelner Str.

من يأخذ بيدي الآن ويدلني

على مقاهي حاراتها

على عازفة الناي الحزين وجاراتها

من لي يا - منصور -  سواك

وقد حال التراب بيننا

قلت لي : ستزورنا في الصيف

ستأتي مع أخيك - عماد - الى براغ

لكنك رحلت بعيدا

أبعد من المنفى وأبعد من العراق

وحلقت روحك الرهيفة في الآفاق

يوم نعاك إلي الناعي

تمنيت لو كنت أصما

وحين قرأت خبر رحيلك

وددت لو  أن عيني إكتحلت بالعمى

يا أيها الناعي قد جرحت

روحي والحشى

هل يدرك الناعي حقا من نعى؟

رحماك رباه

لقد تكالبت علي بلايا الدهر

وأوصدت الدنيا نوافذ فرحها

وأغلق الزمان أبواب الفرج

حرائق الخريف تشوي كبدي

والوجد لهيب شوق في فؤادي

رحل الأهل

وفي كل عام أفقد صديقا

أمسيت كأنني - لأبي الطيب - شقيقا

رماني الدهر بالأرزاء حتى "

فؤادي في غشاء من نبال

فصرت إذا أصابتني سهام

" * تكسرت النصال على النصال

وداعا أيها الغالي

وداعا أيها الأغلى

نم قرير العين يا صديقي

عسى الباري يجمعنا يوما

في فردوسه الأعلى

***

حسين السوداني

براغ في 15.11.2021 

.............................. 

* البيتين المحصورين بين هلالين لأبي الطيب المتنبي 

* رحل الأخ والصديق الحميم الفنان التشكيلي القدير  - منصور البكري - الى راحته الأبدية بعد معاناة ومشاكل صحية في القلب. كان - منصور - يبعث لي من المستشفى الذي يرقد فيه أعماله المنجزة بالألوان المائية على الورق. مكث في المستشفى حوالي 34 يوما ورسم حوالي أربعة وثلاثين عملا لوجوه ممثلين ومطربين وسياسيين ثوريين وبعد خروجه من المستشفى بأيام رحل عنا الى مثواه الأخير. رحل صديقي - منصور - بعد أكثر من أربعة عقود من الإبداع والعطاء المتواصل قضى قسما منها في العراق يرسم في المجلات الخاصة للأطفال. أما القسم الأعظم من حياته الإبداعية  فقضاه في المنافي - روما وبرلين - بعيدا عن الوطن. درس الرسم في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد في فترة السبعينات ثم هاجر لدراسة الفن التشكيلي في روما وبعدها برلين التي إستقر فيها وكانت أطروحته الأكاديمية لنيل الشهادة من أكاديمية الفنون في- برلين - هي رسم أحداث وشخصيات ملحمة جلجامش بلوحات زيتية كبيرة

السلام والرحمة والطمأنينة لروحه الطاهرة المرهفة والمبدعة والصبر والسلوان لذويه وأصدقائه

 

 

 

 

سلوى فرحمعطفك يتسلَّلُ في عِطري

وقلبِي يَسيلُ كماءٍ بينَ ضُلوعِي

أنفاسُكَ  دافِئَة..

كَمذاقاتِ  النَّعناع في صَباحِ النَّشوة

كَحنينِ الرَّذاذ...

أنثرُ ضَوئِي زهورًا لنَدى شَفتَيك

مطرٌ بَلَحِيٌّ يُعانق نافِذَتي

خيالاتٌ تُداعبُ الفضاء...

شلالاتٌ تراقصُ الصَّحوة

نُورٌ ونَار

والبحرُ يُصبحُ كُلَّ شيء

هل ترغبُ في اكتشافِ اللؤلؤِ

تَرفَّق بالموجِ يا سَيدي

يَدُلكَ صَوبَ شَواطئِي

لمْ تُحسِنْ قِراءَةَ ألواحِي المُقدَّسَة

واخطأتَ بحقِّ براعمِ المَطر

 

سأصلبُك تحتَ نَخلةٍ

زَرَعَها جلجامِش قَبلَ الرَّحيل

أخشـَى مِنْ إدمانِكَ على حَبَّاتِ البـَلح

لـَنْ أُقبـِّلَكَ حَتـى الشِّـتاءِ القـادم

***

سلوى فرح - كندا

 

 

ليس كلُّ النَّاس أنتَ ..

أنتَ كُلَّ شيء .. و الحياة

أناَ فيكَ كبضع قطرات مطر ..

و أنتَ كُلَّ أنفاسي التائهة .. فوق شرفة الهوى

الرُّوح معكَ شاردةٌ

في المدَى أغفو على شفتيكَ كنجمة هاربة

خلفَ ليل يعانقُ رداء فجر متمرِّد

بينَ زوايَا مسائي يتَّكئ قلبي على كتف القَمَر ..

تتراقص نبضاته على همسات أنفاسكَ ..

ليس كُلَّ الناس أنتَ ..

أنتَ كُلَّ الحروف و قصائدي ..

يبعثرُني شوقكَ ..

متناثرةٌ على أهدابٍ الشمس نظراتكَّ..

في ربوع أصابعكَ سيدي .. أغفو

كزهرة بوشاح الندى .. ينساب بهدوء

على عرش أمنياتي

تبقى أنتَ كُلَّ رجائي ..

***

واضح أمينة

 

 

ناجي ظاهرالاحتفال في ذروته او قريبًا منها، هيصة لم ترَ البلدةُ مثلها منذ عمر. المكان يعبق بشذى الحركة، هذا يروح وتلك تغدو، الجميع منهمكون كلٌ بذاته. يهيمن ظل مديرة المدرسة على الاماكن دون أن يراها أحد. كلهم يحبونها ويحترمونها، لدقتها ومبادراتها الخيرية. شعورٌ طاغ يجتاحني أنا المعلّم الضيف في المدرسة.. شعور يهمس في أذني أن الاحتفال أوشك على نهايته وأنه من الافضل والاكمل لي أن أنسحب قبل صمت النهاية. منذ وعيت على الاحتفالات اتخذت قرارًا بيني وبين نفسي هو ألا أنتظر حتى نهاية الحفل وأن أغادره وهو في الذروة بل ان رؤيتي هذه ابتدأت في التبلور مع مضي الوقت، فصرت أنتظر اللحظة العالية المرتفعة لاستعد للمغادرة، ولترك المحتفلين الثملين بأجواء الاحتفال يصلون معه إلى نهايته، فيخرجون يرافقهم احساس بالنهاية، يدفعهم للثرثرة الجوفاء او.. الصمت الرهيب.

أنسحب من ساحة البلدة أتعمّد ألا يراني أحد في محاولة مني لإغلاق باب التفسيرات الخاطئة، فأنا لم اغادر يا حضرة البيك لأن الاحتفال لم يعجبني، وإنما أنا اغادره لأنني امتلأت به ولا أريد أن أنتظر نهايته الصامتة. ليصلوا.. جميعهم.. إلى تلك النهاية أما أنا فإن لي شأنًا آخر. أسير في الطريق المؤدية إلى بيتي في راس الجبل. أمضى تلامس يدي الفَرِحة أغصان الاشجار المتكئة على الاسوار. ما أحلى بلدتي.. أما تلك الورود المجنونة فإنها تبهرني وتكاد تتربع على عرش قلبي.

أشعر بسيارة تتوقّف إلى جانبي، أرسل النظر إلى داخلها أرى زملائي معلمي المدرسة الرسميين، يدعوني نائب المديرة لأن أرافقهم، إلى احتفال تكريمي تقيمه مدرستُنا احتفالًا بنجاح الحفل، تعال لن تخسر شيئًا، البيت لن يهرب.. ثم انك واحد منا ولا يصح أن يتم التكريم بدونك. أرسل نظرة إلى بيتي في راس الجبل، فيدرك النائب رغبتي في العودة إليه، إلى مكتبتي، ذكرياتي وأشيائي الصغيرة هناك. يقول لي مرفقًا كلماته بابتسامة ودّية. تعال البيت لن يهرب.. يفتح لي باب السيارة.. أتخذ مقعدي بين بقية المسافرين. وتنطلق السيارة. تنطلق إلى مرتفعات الجبال.. ما هذه الاماكن وأين تقع.. إنني أراها أول مرة.. الله يستر.

ينزل الجميع من السيارة.. يلفت نظري أنهم جميعًا يرتدون القمصان البيضاء والبناطيل السوداء.. إلا أنا فإن ملابسي عادية.. عادية جدًا.. وصف أحد محبيّ ومحبي كتابتي حالتي فيها ب" المهرجلة"، ينتظم جميع المعلمين، في صف واحد، أقترب منهم اشعر أنني الشكل الشاذ بينهم، لا مكان لك يا كاتبنا المُحترم بين هؤلاء المنظمين المرتّبين. ابتعد عن صف المعلمين.. يبدأ الاحتفال.. أشعر بنفسي غريبًا.. يبدأ المغيبُ في الزحف إلى رؤوس الجبال تنازعني نفسي بالعودة إلى البيت.. أبتعد عن المحتفلين، أبحث عن طريق أعود عبرها إلى بيتي.. بيت ذكرياتي وأشيائي الحبيبات، أرسل نظرة إلى الجبال المحاذية الشاهقة، أنا لا استطيع أن اعبرها.. للعودة إلى بيتي.. مع هذا امضي في الطريق المُفضية إليها. قبل أن أصل إلى حافة الجبال القريبة.. اكتشف أنني إنما أتوقّف قريبًا من هُوةٍ يفصلهُا سور يشبه سور الصين العظيم. أجلس هناك وأفكر فيما عساي أفعل والمساء يقترب ولا احد يشعر بي وبرغبتي في العودة إلى بيتي .. عالمي الدافئ الحنون.. يمضي الوقت ثقيلًا بطيئًا، أشعر بوقع قدمين رقيقتين تدنوان مني حيث أجلس.. أشعر بأمل مشرق.. يقترب مني.. أرى طفلًا ذا عينين لامعتين براقتين تشبهان عيني عندما كنت طفلًا صغيرًا، الطفل يقترب مني.. أساله أين طريق العودة.. يبتسم .. لا أعرف.. قد تكون كل الطرق إلا هذا.. ويشير إلى الجبال المنتصبة السامقة قبالتنا. ما أن أشعر ببصيص أمل الطفولة يقترب مني حتى يبتعد.. يختفي الطفل من جاني.. أهتف أين ذهبت يا صغيري فتردّد الجبال البعيدة أين اختفيت يا صغيري.. لا صوت يُشبِهُ صوتي سوى صوت الجبال العالية. يلسعني بردُ المساء.. أغادر موقعي.. أبحث عن ذلك الطفل.. أرى كلَّ الناس.. إلا هو.. لا أراه، أين اختفيت يا طفلي الحبيب.. أنت فقط من سيعيدني إلى ذلك البيت.. البعيد القريب.. أمشي في الطريق وحيدًا.. أوجّه السؤالَ ذاته إلى كل مَن أراهم، من نساء ورجال.. شيوخ وعجائز، أكتشف أن أحدًا منهم لا يعرف طريق العودة، وأن لديه سؤالًا يُشبه سؤالي.. هم أيضًا يريدون العودة.. أين أنت أيها الطفل الغرير.. أين أنت أيها الامل المنير.. عد ألي.. أهمس في أذن نفسي..

المساحات تتحوّل إلى متاهاتٍ أعرف بداياتها ولا أرى نهايتها.. أعرف هذه الاشجار وتلك الحيطان.. لكن أين رأيتها لا أتذكر.. أتوقّف قريبًا من ثلاث نوافذ متقاربة.. أطل من النافذة القريبة الاولى.. أرى نائب المديرة.. يحرّك شفتيه.. ربما كان يتحدّث إليها.. لكنني لا اسمع ما يقول.. أفهم أنه يدعوني للدخول.. إلا أنني لا أجد الباب.. يبتسم النائب.. يتركني ويعود الى سيدته المديرة و.. إلى زملائه المعلمين.. القاعة تضج بالأفخاذ والطرب.. أما أنا في هذا الخلاء الرهيب.. فإنني الغريب الوحيد.. أنطلق في الساحات والشوارع أهرب من الحيطان العالية والاشجار المحدودبة على اسوارها.. أريد أن أرى أناسًا مثلي.. تقلّ الاطياف المارة قريبًا مني.. أستوقف عازفًا على آلة موسيقية قديمة.. أساله هل تعرف طريق العودة فتهمي من عُودة دمعة.. ليتني أعرف.. ها هو عمري قارب أعمار تلك الجبال (ويشير نحو الجبال البعيدة)، وأنا أبحث عن الطريق.

أتخذ مجلسي فوق رابية تطلّ على المكان. قلبي يقول لي إن ذلك الطفل لن يتركني وسوف يعيدني إلى ذاتي المشتاقة.. إلى هناك.. حيث البيت.. بيتي.. وحيث ورداتي المجنونات الحنونات.. أجلس وأنتظر.. أغمض عينيّ فأراه مُقبلًا .. أفتحمها فيغيب.. يتأكد لي مرةً تلو مرة أن ذلك الطفل في الطريق إلي وأنه سيصل إلى حيث أنتظره فوق تلك الرابية.. شعور غامر يجتاحني.. إني اراه.. يركض باتجاهي.. ووراءه يركض رتلُ المعلمين تتقدمهم مديرتنا.. يركضون جميعهم بلباسهم الابيض والاسود.. لكني.. لا أرى احدًا.. سوى ذلك الطفل الشقي.. طفلي أنا.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

انعام كمونةأتيـتُكَ ...

أتيتكَ مشـــــــــرِقة اللهفة

بعطرِ اِنسيابك

سلافةُ ذكرى مترفة الهمس

تجدلُ طوفان روحي غابات حنين

مخضرة التنهد

تجرفني جداول هيام

مغرورق العشق

فمنذ غمزات أجنحة اشتياقك ..

وأنا أترنح هيمنة مد بيم اليباب

اُحلق شعاب وجد بريعان أفولك

فأرسو رفيف توق

على رمل الانتظار

متى يسري بوح حلمي بين ثنايا وسن حواسك ...

لتتوسد ثمالة يقظتي عرش يديك..؟؟

وأنــــــــــــــــــــــــــــت ...

تسافر مع نوارس الغروب

تنادم طيف نسياني بمروج ذكراك..!!

تقارع مجداف اللقاء بأشرعة سندباد..!!

فأن ادمنت أحضانك رضاب الغياب

واستذوق أنفاسك نبيذ الرحيل..!!

هنــــــــــــــــاك رعشة ظل تناديك

من اعماق صدفة عذراء

يختلسها قمر عينيك شباك فتنة...

تصطادك رشفة هفوات ...

فزنابق عشقي عصية القطاف

على أنامل تمردك

فلا عتاب تَرَيث استكانة للفراق ...

ومناديل الوداع تتلوك ملحا للجراح ..!!

فكيف لقيظ موج يروي ذبول الضفاف..؟؟؟

ساراود وحي المناجاة بصيص أمس ..؟

وأزفر نسيم آهات ـــــــــــك ثلجا للوعتي..؟

فوجه النهار غادر ليالي النبض

وانطفأ فنار الوله

على حين خفقة..!!

***

إنعام كمونة