كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربيّة


اِنْ لمْ تكنْ أَكمَلُ الأقمارِ أقمــــاري

لما مضى البدرُ في سيماءِ سمّاري

**

قولي عجائبُ وحيِ الشِعرِ اِنْ نطقا

وجْدي جميلُ الهِ الــــوجدِ اِنْ عشقا

وكلُّ عاشقةٍ يبقى الجمـــــــــالُ بها

ان عاشرتْني مدى الأزمــانِ مؤتلقا

**

اِنْ لمْ يكنْ ماءُ شمسي أجملَ الماءِ

لما تتيمَ ألفيْ عاشقاً بائــــــــــــي

**

بيتي بأرضِ فراتي واحدٌ أحدُ

لكنَّ بيتي بِدنيا الشِعـــرِ أبياتُ

وجَنَتي في سمــــاءِ اللهِ جَنّاتُ

ينوِّعُ الخَلقَ فيها واحــدٌ صمدُ

**

اِنْ لمْ يكنْ قمري أبهى البدورِ لما

تفتحتْ حولَهُ أَحلى الحقولِ سَمــا

**

ان لمْ تكنْ أكرمُ الأمواهِ في داري

لما سَعَتْ نحوَها  أسرابُ أطيارِ

**

أنا المقيمُ وسربُ الطيرِ يقصدُنـــي

وراصدٌ في قصيِّ النجمِ يرصدُني

فسدرَتي أصلُ كلِّ الكونِ توعدُني

ونخلتي أمُّ هذي الأرضِ ترفدُني

**

أحبَبْتُ حتى سعـــى جِنٌ لتقليدي

بَرْهنتُ حتى قضى اِنسٌ لتفنيدي

***

كريم الأسدي 

..........................

ملاحظة: زمان ومكان كتابة هذه المقاطع: في اليوم الرابع والعشرين من حزيران 2021، في برلين، وهي أجزاء من مشروع مثنويّات ورباعيّات عربيّة الذي سبق للشاعر كاتب هذه السطور ان نشر العديد من أقسامه، وشرح بعض أهدافه ومواضيعه وحيثياته ..

 

 

 

صادق السامرائيفاضَ نورٌ فَتوَلاّنا العَماءُ

وحِجابٌ يَتهاوى وضِياءُ

 

تاهَ نونٌ ثمَّ واوٌ ثمَّ راءُ

وتَعالت فتبنّاها السَناءُ

 

دينُ دُنيا دانَ ديْناً بهُـراءٍ

وبها الدينُ مِنْ ديْنٍ بَراءُ

 

بمَتاعٍ دامَتْ الدّنيا وفيْهــــا

لطِباع الخَلقِ مَشروعٌ هَباءُ

 

غَرَّتِ الدُنيا خَليْقا في هَواهــا

ومَضى يَسْعى ويحْدوهُ الفَناءُ

 

كلُّ نَفْسٍ دُونَ خَيْرٍ قدْ تَهاوَتْ

في جَحيْمٍ وتَجافتْهــــا السَّماءُ

 

عِشْ بصِدْقٍ أنْتَ في سِفْرٍ لحيْنٍ

وكذا الأسْفارُ مَعْناهـــــا الوفاءُ 

 

يا سبيلَ السوءِ يا نهْجَ ثَراها

مِنْ ترابٍ لتًرابٍ جـــاءَ داءُ

 

عقلُ خَلقٍ بنُفوسٍ مُنطـــواهُ

خابَ عَقلٌ ونُفوسٌ ما تَشاءُ

 

فاضَتِ الرّوحُ وطارَتْ بفَضاءٍ

وتَسامَتْ فتحدّاهـــــــــا العَلاءُ

 

حَمَلتْ فِعْلا جَميْلا مُسْتَهابا

وتَماهَتْ وإذا النَبعُ بَهــــاءُ

 

مِنْ تُقاها نَهلتْ نُورا وَضِيْئا

فتَواصى بنَواياها الدُّعــــاءُ

 

يا إلهي أيْنَ إيْمانٌ تَجلـــــى

خالقُ الأكْوانِ أبْداهُ الجّلاءُ!!

***

د. صادق السامرائي

9\11\2020

 

 

فتحي مهذبMikhail is the last of my slain sons

مع ترجمة للدكتور يوسف حنا فلسطين.


ميخائيل

أين أنت الآن؟

صرت ضريرا يا ميخائيل

مثل يعقوب النبي

موحشا مثل مقبرة في الشتاء

بيتنا جثة هامدة

دراجتك حزينة جدا

وعظامها ملآى بصفير النقرس.

أرنبك الصغير التهمته العزلة

مصباحك السحري في قفص العتمة

وحدي دفنت ظلك في الحديقة يا ميخائيل

ظلك ذو الأبهة والكاريزما

إخوتك رحلوا إلى الأبد

لكن في الليل يفتحون قلبي على مصراعيه

وينامون

مثل كتاكيت مذعورة

الحرب كسرت مفاصل الموسيقى

الجنود عالقون بحبال الشرايين

الرماد طويل القامة

حفارو القبور يملأون الساحة

الطائرات تغني في حفلات التأبين

لم يعبر سقف بيتنا لقلق واحد

لم أصد سمكة في الباص

وفي جنازة المعنى

سقطت غيمتي المنزلية من فروة رأسي

سقطت نجمة القطب بدمعتين من الماس.

قتلوا الموسيقى بضربة فأس

قطعوا شجرة اللبلاب

ليكتشفوا عورة النص

آه يا ميخائيل

نهر ضحكتك العذبة

على سرير الموت.

أين أنت يا ميخائيل

أين أنت يا ميخائيل

***

بقلم فتحي مهذب – تونس

.................................

Mikhail is the last of my slain sonsيوسف حنا

By Fathi Muhadub / Tunisia

From Arabic Dr. Yousef Hanna / Palestine

Mikhail

where are you now?

You are blind, Mikhail

Like Jacob the Prophet

lonely as a cemetery in winter

Our house is lifeless body

Your bike is so sad

And her bones filled with gout wheezing.

Your little rabbit was devoured by solitude

Your magic lamp in the cage of darkness

Alone, I buried your shadow in the garden, Mikhail!

Your pompous and charismatic shadow

Your brothers are gone forever

But at night they open my heart wide

And they sleep

Like frightened chicks

The war broke the knuckles of music

Soldiers stuck in ropes of arteries

ash is tall stature

Gravediggers overcrowd the arena

Airplanes sing at memorial ceremonies

Not a single worry crossed the roof of our house

I didn't catch a fish on the bus

And in the funeral of meaning

My home cloud fell off my scalp

The Polar Star fell with two tears of diamonds.

They killed the music with an axe

They cut down the ivy tree

To discover the text faultiness

Oh Mikhail

The river of your delightful laugh

on death bed.

Where are you Mikhail?

Where are you Mikhail?

***

 

 

الحسين بوخرطةفي يوم سوداوي الغيوم، كثر الحديث عن الدناصير في بلاد سماها مؤسسها إمارة أهل الكهف. احتار الأعرابي فواز الميزر أمام الأوصاف التي يرددها الناس في كل مكان. تعجب للصخب الذي انتشر في الإمارة كما تنتشر النار في الهشيم. محدثا نفسه، عصر الدناصير أكل الدهر عليه وشرب، فما هذا الهلع المستشري في كل مكان. نام نومة عميقة، تخللتها كوابيس متتالية عجت أنفاسه كربا وغليانا، ثم استيقظ مرتبكا يرتعش. وقف وقفة العربان الشجعان، لاح بنظره في فضاء أرض ممتد، مشرئبا أفقا مجاليا أوسع، اقشعر جسمه، فتهاوى في مكانه، بدون أن يتقدم ولو خطوة واحدة. لم ير حوله إلا دناصير بيئة عصر جديد، تمزق لحوم البشر وتهشم الرؤوس، كما يهشم الأطفال بشراهة قطع الشكلاطة.

لحقه صديقه سلام السرمدي بسرعة فائقة. بلل وجهه بماء مثلج، وقرب إلى أنفه قطعة بصل بعدما رفسها بأصابعه. استفاق فواز من إغفاءته وغثيانه، وهرع بصحبة رفيق دربه إلى نفق الاحتماء الذي شيده الأهالي في سفح الجبل. وهما يتابعان التطورات عن كتب مستعملين وسائل التواصل الحديثة، بلغ إلى علمهما أن قائد الدناصير أصدر رنينا غريبا. حلل المختصون رموزه بسرعة فائقة. تسمرت الدناصير في أمكنتها، واستلت آذانها نحو الأعلى، ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة، مركزين على تعليمات الزعيم، لتتوافد عليهم ترنيمات كهرومغناطيسية حاملة لأوامر صارمة. أصاخت له الأسماع. فهم الجميع أن دوام السيطرة على البشر مرتبط بتأمين الغذاء وعقلانية استهلاك اللحوم، وإرغام المخلوقات على التوالد بكثرة.

كاد سلام أن يستسلم للهلع الذي أصابه عندما علم أن حاشية زعيم الغزاة قد تم إخضاع أفرادها لتكوين جهنمي دقيق. تعجب لمستوى الانضباط والامتثال الحرفي لتعليمات القائد. الرسالة كانت واضحة وضوح الشمس. الكل يجب أن يتنازل عن شراهته في الأكل ووضع حد لاستنزاف الغذاء بسرعة. الكل يجب أن يشارك في بلورة الخطط وتنفيذها. التهام أجسام بني آدم والحيوانات يجب أن يخضع لقواعد مضبوطة. لا مناص من إرغام المخلوقات على التوالد لتوفير اللحوم لأمد طويل. في نفس الآن، ترقب ومراقبة بني البشر، الذين اعتبروا أنفسهم مركز الكون، تحول إلى عقيدة في المجتمع الديناصوري بكافة شرائحه العمرية. أعطيت التعليمات للجميع للتعبير سلوكا وممارسة أن الدناصير أولى من البشر في إعمار الأرض والاستفادة من خيراتها. لقد مكنتهم الطبيعة من العودة مجددا بعدما عبثت الجماهير بأسرار وجودها جاهلة أو متجاهلة إجبارية الحفاظ على متطلبات استمرارية النسق الطبيعي وقواعد وظائفه.

تنظمت جماهير الدناصير مكونة مجموعات ترابية، ترأس كل واحدة منها قائد جبار لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلبه. حافظ كل منهم على أسرار الزعامة، وطلب منهم الانتشار في حدود النفوذ الترابي المخصص لهم لتشخيص الأوضاع بالدقة المتناهية، وتفادي حدوث أي مفاجئة تذكر لا في التفكير ولا في التفعيل. فإضافة إلى إحصاء البشر والحيوانات واستخلاص المعطيات الديموغرافية للمجتمعات الترابية، صدرت الأوامر لتحديد أقوياء البشر جسمانيا وفكريا وعلميا، وإعطاء الأولوية لملاحقتهم، والقبض عليهم، وسجنهم في أقفاص حديدية، وانتظار التعليمات في شأن توقيت تقديمهم كوجبات غذائية لأعالي القوم. طلب منهم، من أجل تسريع تنفيذ هذه المهام، الاستعانة بالجهلة والانتهازيين والخونة من بني البشر في عملية الكشوفات وتنفيذ عمليات الاعتقال، بإغرائهم وإيهامهم بالعيش في سلام وطمأنينة إلى جانبهم.

أعطيت الانطلاقة في اليوم الأول لتنفيذ المهمة الصعبة الأولى، وأصدرت الأوامر لاعتقال الحيوانات الضخمة والقوية. استغرب فواز وسلام من حدة الدقة والذكاء في تنفيذ العمليات الهجومية. لم يتأخرا كثيرا في فهم خطط العدو ووسائله. شكلا فريقا من النبغاء للتفكير في خطة لإفشال جشع الدناصير ووحشيتهم. حددوا الأماكن السرية للاختباء، وكونوا بدورهم مجموعات ترابية للتفكير والتشخيص والترقب والمواجهة. تم تعيين جهاز قيادي أعلى بروافد مؤسساتية للمقاومة، والتواصل مع قيادات الأقطار الأخرى غربا وشرقا لتبادل الخطط والخبرات والتقنيات. سيطرت على النقاشات فكرة ابتكار السبل والدسائس لإفساد الدناصير، ونشوب الخلافات والصراعات المصلحية فيما بينهم.

منذ اليوم الأول من الصراع، تكثفت الاتصالات داخل وخارج الإمارة، اختلى فواز بسلام في جلسة تشاورية للحسم في خطة محكمة لبلوغ الأهداف المسطرة في زمن قياسي.

سلام: ليس أمامنا من سبيل سوى تخدير عقول الدناصير بمختلف أنواع النبيذ المعتق. علينا تخزين ألوف البراميل الممتلئة بمختلف أنواع وألوان الخمور والويسكي والكحول القوية تحت الأرض. نجاحنا سيبقى مرتبطا بتقوية نزوع الدناصير للهو والترفيه والمجون، وبمدى قدرتنا على زرع الخلافات وصراع المصالح بين فئاتهم العمرية.

فواز: للدناصير أجسام ضخمة، وتحديد الكميات المطلوبة لتخديرها وإسقاطها في مستنقع الإدمان يتطلب القيام بتجارب علمية دقيقة. علينا أن لا ننسى كذلك أن نباهة ويقظة قياداتهم عالية وحادة جدا. فنشوب الصراعات فيما بينهم، والرفع من حدتها لتتحول إلى اقتتال أو إبادات جماعية دائمة ليس بالأمر الهين.

سلام: فعلا، ما تقوله نعم الصواب. إذن علينا أن نفكر في كيفية استمرار إنتاج النبيذ بالكميات المطلوبة، وضمان ديمومة مخزون كاف لتنفيذ مراحل خطتنا في الأيام القادمة، وإغراء الدناصير بالموسيقى الساخبة لدفعها إلى المبالغة في شرب الكحول، والاستسلام للرقص وإدمان تنظيم حفلات الليالي الحمراء.

فواز: طيب، لكن أول خطوة أراها نافعة للغاية في عملنا هي تخدير أضخم ديناصور وتنويمه، واختطافه بسرية تامة، ووضعه رهن إشارة علمائنا للقيام بالتجارب العلمية عليه. ثاني خطوة، علينا توفير الحماية لعلمائنا ومفكرينا، وأن نوفر لهم الظروف الملائمة للاستمرار في إنجاز بحوثاتهم وتجاربهم.

سلام: على المستوي القريب والبعيد، علينا أن نضع أصبعنا علميا على مكمن الاختلال الطبيعي الذي عجل بعودة الدناصير إلى الأرض. فمناهضة المغتصبين ومساعيهم تستعجلنا لتشكيل قوة مجتمعية للضغط على الأمير ونظامه لتسريع وصول بلادنا إلى الزعامة العلمية، وتعميم إحياء العقل النقدي والفكري الحر وإذكاء وتنمية الوعي السياسي والمعرفي لدى عامة الجماهير.

استمر الصراع بمنطق الاستنزاف لثلاثة أيام متتالية. اكتشف العلماء أن أجسام فصيلة الدناصير الغزاة محمية بجلد لا يخترقه الرصاص، ولا يتأثر بالأشعة النووية ولا بالمواد الكيماوية المتوفرة. اقتنع سلام أن الصراع سيدوم لعقود أو قرون. والصراع في أيامه الأولى، كثرت عمليات الاختراق في صفوف الطرفين، وتم التشجيع على التوالد في صفوفهما. قدم البشر والحيوانات التضحيات الجسام، وتعجب زعيم الدناصير من كثرة العثور على جثث متعاونيه منتشرة في مختلف الوحدات الترابية.

عاشت الأرض منذ الأيام الأولى من الصراع نوع من تساكن إجباري، لكنه دامي وعنيف وأطرافه مسكونة بمنطق الإبادة وهدر الدماء والجشع في العيش. طمح الدناصير في تحقيق السيطرة على الطبيعة وإخضاع الإنسان المستخلف فيها. بذلت من أجل ذلك كل ما في وسعها لاعتقال كل العلماء وإرغامهم على تطوير العلوم والمواد لتخصيب الحيوانات والبشر لتأمين الغذاء عبر العصور. بدورهما، سلام وفواز، بعدما التحقا بحاشية الأمير، أبدعا في تنظيم المقاومة الشرسة، بدء باختراق الخونة ودسهم في صفوف الدناصير، ومرورا بإفساد أجيال الدناصير بالكحول والميل للمجون، ووصولا إلى تشجيع البحث العلمي لاكتشاف مواد أو فيروسات قاتلة للغزاة. استمر صراع وجودي وسط تخوفات من انبعاث قوى طبيعية جديدة تكون أكثر قسوة ووحشية من الدناصير.

 

الحسين بوخرطة

 

 

 

ناجي ظاهرعندما ولج حبيب وحبيبته حبيبة باب الكوفي شوب لفت نظرهما النادل بوقفته المنتظرة المترقّبة. همس حبيب لحبيبة متسائلًا عن سبب وقوف النادل ذاك. فما كان من حبيبة إلا أن ردت عليه هازةً كتفيها ومردفةً إنه قد يكون وحيدًا لأن حبيبته تركته وغادرته دون كلمة وداع واحدة.

اتخذ كلٌ من حبيب وحبيبة مجلسيهما واضعين ايديهما على الطاولة وكأنما كلٌ منهما يتحفز لملامسة يد الآخر. نسيا العالم حولهما وراحا يتبادلان النظرات كأنما هما يريان بعضهما بعضًا اولَ مرة.

بعد مضي حوالي الساعتين تقدّم النادل منهما وبيده تسعيرة الكوفي شوب، تناول الاثنان التسعيرة من يد النادل ووضعاها ببرود تحت ايديهما. بعد دقائق التفت الاثنان ان النادل ما زال ينتظر طلبهما، فقالا له بصوت كاد ان يكون واحدًا: فنجان قهوة من فضلك.

حمل النادي التسعيرة ومضي مبتعدًا عنهما، وعلى وجهه علامةُ استغراب فلماذا هما طلبا فنجانًا واحدًا ولم يطلبا فنجانين كما هو متوقع ومتواضع عليه؟.. قبل ان يصل مطبخ الكوفي شوب استرق النظر اليهما، فرآهما غائبين عن الوجدان وكأنما هما يعيشان في عالم آخر فتساءل عن طلبهما الغريب دون ان يحظى بأية إجابة، فتلك كانت المرة الاولى التي يواجه فيها مثل ذاك الطلب الغريب.. فنجان قهوة واحد لاثنين، " هل نحن على ابواب فترة اخرى غريبة في حياتنا؟"، تساءل وسط المزيد من استغرابه.

فكر في ان يخبر صاحب الكوفي عن ذاك السبب الغريب العجيب، فتوجّه إلى حيث يجلس الى طاولته الخاصة، فلم يجده هناك. قال بينه وبين نفسه " ربما كان قد ذهب اليها. الجميع يذهبون إلى محبوباتهم إلا أنا.. محبوبتي تهرب مني.. تتركني وحيدا وتغادر".

دخل إلى مطبخ الكوفي.. جال بنظره انحاء المطبخ باحثًا عن العامل المتخصص بغلي القهوة. لم يجده". ربما كان غادر في غفلة منّا كالعادة ليلتقي محبوبته هناك في السهول البعيدة" قال في نفسه، وأضاف" كلهم يذهبون إلى محبوباتهم إلا انا.. تهرب مني محبوبتي". بقدمين مترددتين توجّه إلى الغاز هناك في الجانب اليميني من المطبخ. أشعل النار ووضع القهوة عليها.

بعد دقائق سكب القهوةَ في فنجان كبير، وضعه على صينية وخرج حاملًا اياه وماضيًا باتجاه الجالسين هناك.. غائبين عن الوجدان. وضع الفنجان على الطاولة بينهما. عاد إلى مكانه حيث وقف عندما دخل حبيب وحبيبة الكوفي شوب. وراح يسترق النظر إليهما. فهل سيشرب احدهما القهوة تاركًا الآخر ينظر إليه ببلاهة؟.

لم يمض وقتٌ طويل حتى رأى ما لم يتوقعه. تناول الرجل وسط الاضواء الكابية فنجان القهوة من على الطاولة امامه وأدناه من فم حبيبته قبالته، فشربت منه، لتمدَّ يدها بعد ثوان قلائل إلى الفنجان ذاته وتدنيه من فم حبيبها قبالتها وليشرب بالتالي وسط نشوة لا تعادلُها اختٌ لها إلا في الفردوس الذي قرأ عنه في المدرسة إيام كان طفلًا صغيرًا يجلس إلى مقاعد الدراسة حالمًا بفردوس تجري من تحته الانهار خالدين فيها ابدا.

اجتاحَ النادلَ شعورٌ جارفٌ بالمحبة.. الآن بات كلُّ شيءٍ واضحًا له إنها حالةُ عشقٍ نادرة. الآن عليه أن يبحث عن محبوبته في كلّ مكان ليشرب معها من فنجان قهوة واحد. وانطلق راكضًا في الشارع المعتم تاركًا ضيفيه وحيدين.. وكأنما هما.. اصحاب الكوفي شوب.

 

أقصوصة: ناجي ظاهر

 

 

جواد غلومحتامَ أتوسّل إليك أيها النحس؟

أقبّل شُباكك المقدّس الساكن أبَدا 

علامَ أُمَسّدُ ضريحَك المُلطّخ بالحنّاء

خَفِّف وطأكَ على شغاف روحي

وقْعُـكَ مثل قذيفةٍ صامتة تتشظّى فيَّ

رواقُك مديدٌ عريض في مشفىً يأنس بالموت 

اعبث بي كما يحلو لك

لكنْ بتوئدة يا زائري الثقيل الظلّ

اعتصر حشاشة قلبي ؛ لكن بملمسٍ ناعم

أهطلْ مدامعي شلاّلاتِ حزنٍ

من صنفٍ عراقيٍّ فريد الطراز  

لا تتشفَّ بي ملِيّا

أمرغني في أطيانك وأوحالك

اطرد أيام سُعدي

قطِّعْ أوصالي إرباً إربا

مزِّقْني في منافيك

اضطهدني في وطنٍ عاقّ

خذْ كلّ نفائسي وما ملكت يدي

اجعلني قفراً،  نسيا منسيا

عجوزاً ناكداً لا يعبأ به أهلوه

وإيّاك إيّاك أن تقرب جناحيَّ

فهما طائري إلى من أحبّ

قوادمي وخوافِييّ يحملانني ...

صوب أجوائي التي أحبّها 

هما رِكابي الذي يسند قدميّ

حين أعتلي صهوتي

قاربي الذي يعبر بي

إلى ضفاف الذكريات الخضر

قِوامي الذي أبرز فيه منتصبا

أمام حاسدي وغريمي

لساني الشاتم موبقاتكم

الفاضح سوءاتكم وما حفلتْ أحقادكم

حروفي التي رصصتُها

إطلاقة قاتلة باتجاه شروركم

مدينتي صيّرتموها غابا مرعبا

شوّهتم ملامحها

أظلمتم إشراقتها

أرعبتم دروبها، مماشيها

أقحلتم اخضرارها

أفزعتم هدأتها

بترْتم رؤوسَ تماثيلها

غنمتم ثرواتها

عبثتم بملاعب صباها

أوسختم بَهيَّ طلعتها

أين أعلو وأنتم بلا رِفعة؟

أنّى أستريح ومهادُكم خسفٌ؟

كيف أهرب وتلصصكم خوفٌ

أنا الحيُّ المكفّن بالحتف

***

جواد غلوم

 

 

صليحة نعيجةكان بودي أن أطارد النور بأحلامه

فالسمر قد لا يحلو إلا مع العابرين كنزوة

صعالكة الطريق

الماكثين بالقلب ..لهنيهات

دراويش،

يرمون السلام و يختفون .

هؤلاء

شذرات من حكايات لا تأفل شموسها /أقمارها

كان بودي أن أطلق سراح الصخب الجاثم

سبع عجاف بدهاليز الروح حد التجلي

كان بودي أن أرسم زقاقا يشبه خرائط قلبي المكفهرة

من غيظ الماكثين به عنوة

كان بودي أن أقيم لهم جنازة مهيبة

أقبر بيدي ما تبقى من صور المدينة العتيقة

 والأرصفة العرجاء

كان بودي أن أمر على الحوانيت لأبتاع

عنبرا ومسكا و أكفانا

أودعهم على طريقتي

أقتلهم واحدًا واحدًا

أدفنهم واحدًا واحدًا

أبكى خلف جنائزهم

أحتفظ بمآثرهم

ككل من أقاموا /عبروا /غابوا

كان بودي أن أقيم لهم وليمة فاخرة

ودعوة أنيقة

ألح على حضورهم

لأرسم غيابهم بالكثير من الحفاوة

كغيمة ستمطر إن عاجلا أو آجلا

كرسم /كنحت /كمرثية عصماء للمرحلة

..كان بودي أن أتحرك

كراقصة باليه تفر من حزنها

كريشة

كرشة ملح

كحفنة سكر

ككمنجات ..

أناجى الدوار الذي يباغتني كل مساء

أعانق طيف سماء

يخالجنى إن روحا عديمة الضمير

تعبر جسور المدينة

وترمى مؤونتها للعنادل الحزينة

وعند كل حارة

عربية الحكايا

بربرية الحب

ترمى بأساطيرها  جوف البئر

أسفل الجسر

ترمى سخافات النسوة و هن يتحلقن حول صينية الكعك

ثمة سر أنوي البوح به

 ولا تقوى الكمنجات على عزفه

 بأوتار اللغة المذبوحة .

ثمة رصيف يرفض أن يراني

و باعة تعودوا على ابتسامتي الحزينة

تلك الطفولة ال...تحبو نحو مرابع الروح

تستحضر ندوب المرحلة

ونطاف الليلة المزهوة ببويضات أمي المغناج

أيتها الليلة التي شكلتني

تعودين

وتعود اللغة المتيمة بأحضان الفارس الوحيد

 الذى أُغرم بقلب الجوزاء ..

الزقاق الوحيد المنمق مند " 20يونيو "

الفراشات السعيدة بمقدم الربيع

تعجل بمرور ملحمة على فرا ش أمي

قد كان الزقاق باردا إلى أن أتيت

وكانت "القالمية "

عريقة النسل و النسب

عنيدة كأي مهرة جموح

تعبر بى الطريق لمشارف المدينة

وتمنحنى الحياة...!

قد كنتِ هناك

كنت أسطولا من الرفاق و الأحبة و الأهل

كنتِ الرعشة الأولى و الدهشة الأخيرة

كنتِ جفنى الذى لا ينام إلا على أسطرة المستقبل

كنتٍ مدينةً أرسقراطيةَ الملامح و الملاحم

كان بودي ألا تنتهي بطولاتك عند منعرج العمر

فقسوة التضاريس دون وصاياك

المحملة بالكثير من زاد النبلاء ..

..ها قد تقدم بك العمر أيها الشارع القديم

غادركِ الأحبة

وخانك الأصدقاء

ممن انتهت صلاحية مهامهم

جواسيس المرحلة

يقتحمون الأزقة المحافظة بالكثير من التطفل المذموم

على تفاصيل الأغنية

وسر البحة

وعمر اللكنة

كمن يراقص عدوا قبيل اغتياله ...

***

صليحة نعيجة

29 ماى2019

 

محمد الذهبيفقرٌ قديمٌ منذ أيام الطفولة

لا تبتئس يا أيها المحللُ القدير

فقرٌ قديمٌ منذ أيامِ الصرائفِ والمعاملِ والحفاةِ على الطريق

فقرٌ سأكشفهُ قريباً بالوثيقة

لم أكنْ وحدي أعاني من صداعْ

كانوا جميعاً يشتكونْ

وكذاك ناصية الطريقْ

هذا الصداع ُرفيقُ دربي

خطوتي الأولى على دربِ المدارسِ والهمومْ

في أي تحليلٍ جديد... فقرٌ قديمْ

فقرُ الصرائفِ والليالي البارداتْ

من أين يأتي البرد يا أُمي؟

فتضمني ... نم يا بنيَّ فبردُ هذا الليلُ لم يكُ بالكبيرْ

نذرٌ جديدٌ للإمام وسوفَ تشعرُ بالحنانْ

سيغادرُ البردُ اللعينْ

البردُ يا أمي سيقتلني فماذا تفعلينْ

وهناك في أعلى السواترِ والجيوشْ

البردُ يا أمي عدوٌ من حديدْ

تصطكُّ أسناني وأشعرُ بالمزيدْ

وكأنهُ فقرٌ جديدْ

الجوُّ باردُ يا رفاق ؟

لا إنهُ يومٌ جميلْ

لكنني أختضُّ كالسعفِ النحيلْ

يا أمُّ فقرُ دمي يزولْ وأعود أدفأُ ؟

سيزولُ .. لكنهُ يحتاجُ للحمِ الوثيرْ

وسنأكلُ الخضرةَ تعويضاً عن اللحمِ الذي لا نشتهيهْ

سأشتري لك ما تريدُ من الخضرْ

الرشادُ والريحانُ والخبازُ

أو ربما نجمعهُ من تلك الجزائرِ والكهوفْ

أيعودُ فقري في المشيبْ ؟

لا لنْ يعودْ

تتناولُ المرآةَ تدنيها اليَّ

وجهٌ به ترعى النجومْ

من قال وجهك أصفرٌ ؟

هذا الطبيبُ لا يراكَ كما أراكْ

لكنهُ قد عاد ثانيةً سيقتلني الصقيعْ

الكلُّ قال

ليس الطبيب

حتى المعلم قال ذلك

وأصدقائي في الصفوفْ

لا تبتئسْ المعدنوس يعالجُ الفقرَ الشديدْ

الآن يا أمي تمادى

فقرٌ قديمٌ كالجديدْ

لم نبرحِ الفقرَ القديمْ

احلامُكُم فينا غدتْ مثل الغيومْ

مازالَ بيتٌ من صقيعْ

ولم يزلْ فقرٌ على تلك الدروبْ

هي خطوةٍ للموتِ أقربُ ما تكون

لم يتسعْ حلمٌ لدينا

أحلامُنا حد الكفوفْ

***

محمد الذهبي

 

 

مصطفى معروفيقوافل تغسل أطرافها

تحت وقد الهجير

تسيل على القفر

تأكل منها الطريق حنين النياق

فلا نأمة

تستفز شتائل صمت المفازات

أو ثَمّ نسغٌ

يسوق إلى البيد وجها جميلا

به يرتع الخصبُ

يبحر فيه رواء المحيا

سراب..سراب

و ينسكب الجفن ماء

تشرده في المآقي ذكريات القبيلة

ماتت فوارسها

فلا عنترٌ

يشهر السيف عند الإغارة

أو حاتم

والحصان الوحيد لديه يقدمه للضيوف قِرىً.

قوافل تمشي..

وسوط الهجير يطِنُّ

ونافذة الشمس مفتوحة

ولا شيء ينذر أن المسافة لن تمطر النوقَ من لغبٍ

وتلقم فاهَ الحُداء السكوت

تسير القوافل

يحكمها سحر شيخ القبيلة

في عالم

ليس يؤمنُ بالسحر

يؤمن بالواقعِ

***

مصطفى معروفي

 

 

باسم الحسناويرباعيّاتُ الحسناوي (3)

أيّامَ كانَ الفجْرُ راهبَ صومَعَهْ

منْهُ دنوْتُ موارباً كــي أسْمَعَهْ

ما كانَ يتلو أيَّ شيءٍ ظاهــراً

بل كانَ يتلو شهقَتَيْنِ وأدمــعَهْ

وتلا كذلكَ خاشعاً أقمــــــارَهُ

متقصِّداً قمَرَ الفؤادِ ليطلعَـــهْ

في البدءِ مدَّ إليهِ كفَّ مصافــــحٍ

ومضى يهشِّمُ في النهايَةِ أخدعَهْ

2-

حبٌّ بغيـــــــر حبيبةٍ وقصيدةٌ

من دونِ شاعرِها وحزنٌ مبهَمُ

حزني أنا فرحٌ عظيمٌ في المآلاتِ

البعيدةِ بل أعــــــزُّ وأكــــــــــرَمُ

حزني أنا الدنيا بأجملِ ما بها

من روعةِ الأقمارِ حين تَبَسَّمُ

حزني مصاحفُ أنبياءٍ رائعينَ

دعو أناساً رائعينَ فأسلَموا

3-

أنا قد أراكَ بأعينٍ بلهاء حتى

وهي تبصرُ لا تراكَ فأنْحَني

وأسيرُ متَّكئاً على عكّازةِ

الأقمارِ في قلبي غداةَ دعوتَني

طمعاً بأنْ تغتابَ روحي دائماً

ما خنْتَني أبداً وأزْعُمُ خنْتَني

أنسيتَ أنَّكَ قلتَ لي في مرَّةٍ

ستكونُ وحيَ نبوَّةٍ ووعدتَني؟

4-

وجهي كتابُكَ أيها المبعوثُ

رحمةَ خالقٍ برأ القبائلَ والأمَمْ

إن يجهلوا الآياتِ لا تحقِدْ عليهم

سوفَ تكفيهم معاقرةُ النَّغَمْ

هذا الكتابُ عجيبةٌ آياتُهُ

تُتلى فيوجدُ كلُّ صبٍّ من عدَمْ

لما اجتزأتُ من السِّياقِ جوانحي

أيقنتُ أنَّ مآلَ عشقيَ للنَّدَمْ

5-

لا تبتئسْ إن قابلَتْكَ بصدِّها

لو أنتَ تعلمُ ما يجولُ بخلْدِها

رسمَتْكَ نهراً في بياضِ خيالِها

ومضَتْ لتغرقَ نفسَها من وجْدِها

أتظنُّ نفسَكَ شاعراً؟ كلُّ القصائدِ

أوحيَتْ في لحظةٍ من عنْدِها

إن كنتَ ممتنّاً لها فلتعتصِمْ

كعقيدةٍ تهبُ النجاةَ بنهْدِها

6-

أربى على الخمسينَ وهو متيَّمٌ

قُلْ بعْدَ هذا العُمْرِ كيفَ يُقوَّمُ؟

فيقالُ لا تعشَقْ كواعبَكَ اللواتي

هنَّ بالعَشَراتِ فيما نَعْلَمُ

إنْ ماتَ ذا جدثٌ منصَّةُ شاعرٍ

أوْ لم يمُتْ طافت عليهِ جهنَّمُ

هوَ يبصرُ العشّاقَ في دركاتِها

ويهنِّئُ العشّاقَ أنْ لم يندَموا

7-

صوفيَّةُ الكَلِماتِ ليسَ تهمُّنا

صوفيَّةُ القُبُلاتِ منْها أرْوَعُ

لا تَحْسَبي الماءَ الذي يجري هوَ

الأسْنى فأسْنى منهُ ضمَّ المنبَعُ

جمعَ الخَيالَ إلى الخَيالِ خَيالُنا

وإلى الخَيالِ مَآلُ ما قد يُجْمَعُ

قامت قيامتُنا أوانَ الشَّهْقَتَيْنِ

فسُجَّدٌ منّا ومنّا ركَّعُ

8-

لمّا أمامي صار طيفُكَ شاخصاً

أصْبَحْتُ كلِّي كي أراهُ عيونا

قبَّلتُهُ ما بين عَيْنَيْ صَدْرِهِ

ونفثتُ ثمَّةَ عشقيَ المجنونا

كلُّ اعتباراتِ الحياةِ سخيفةٌ

ما لم ألامسْ سرَّهُ المكنونا

نقداً دفعتُ التضحياتِ ولم يزل

ظلماً يسجِّلُها عليَّ ديونا

9-

أنا نجمةٌ في الأصلِ لكن كلَّما

أبصرتَني اقتنصَتْنيَ الأحْداقُ

أنا لا أريدُكَ أن تكونَ بناظري

نجماً فقد تَتَصادمُ الأذْواقُ

كُنْ أنتَ أرضاً هكذا برشاقةٍ

حولي تدورُ فملعبٌ وسباقُ

إنِّي أخافُ عليكَ غازيةَ النجومِ

فربَّما تتطايرُ الأعناقُ

10-

تفدي النِّساءُ العاشقاتُ بجرأةٍ

تلك النِّساءَ الذائباتِ من الخجَلْ

إنِّي مع المقتولِ كانَ تعاطفي

ثمَّ انثنيتُ فصرْتُ أمْدَحُ من قتَلْ

الظلمُ من شِيَمِ النِّساءِ وأعْجَبُ

الأشْياءِ ظلمٌ وهْوَ ظلْمٌ قد عَدَلْ

للنحْلِ لدْغٌ مؤلمٌ لكنَّهُ

بالرغْمِ من هذا يكافئُ بالعسَلْ

11-

رمسي ترصِّعُهُ القصائدُ ثمَّ

ماذا إنَّ رمسي في العراءِ كئيبُ

ما لي سوى الحصباءِ قطُّ حبيبةٌ

لكن أيُشْجِيها الغداةَ حبيبُ؟

لكأنَّني يومُ المخاضِ لمريَمٍ

وكأنَّ عمري للمسيحِ صَليبُ

أنا ليسَ في عُنُقي لحزنٍ بيعةٌ

فعلامَ قضَّ المَضْجَعَ التأنيبُ

12-

الطورُ لما جئتُهُ وكتبتَ لي

من كلِّ شيءٍ بالسَّنا ألواحي

أحسَسْتُهُ يرتجُّ من فرْطِ الجَوى

وسمعتُهُ نادى اغتبِقْ يا صاحِ

ما لم تكُ السكِّيرَ تَسْمَعُ فاقداً

للوعْيِ لم تظفَرْ برعْشَةِ راحِ

أوصيكَ أن تدَعَ الأنامَ وشأنَهم

وعليكَ أن تَنْسى كلامَ اللاحي

13-

كُتُبي، دواويني، أنا مزَّقتُها

ورمَيْتُ أسْفاري بنهْرِ فراتِ

ديني القديمُ نبذتُهُ بصَراحةٍ

وغدوْتُ قدِّيساً بغيرِ صلاةِ

أنا آخرُ الشُّعراءِ من نسْلِ امرئِ

القيسِ انقلبْتُ على غرامِ فتاتي

لا أنَّني من نَفْسِ حبِّي تائبٌ

بل كي أصونَ من الشَّتاتِ شتاتي

14-

في قَلْبِكِ الحبُّ الكبيرُ كأنَّهُ

بيدِ العتاةِ السارقينَ عراقُ

هل أنتِ مطرقةٌ من الخجَلِ الذي

في دفَّتيهِ قبلةٌ وعناقُ

خجَلُ الفتاةِ قصيدةٌ في نفسِها

فيها جناسٌ مدهشٌ وطباقُ

نحتاجُ في تأويلِها لمهارةٍ

في ضمِّها ودمٌ هناكَ يراقُ

15-

قتلت سيوفُكمو بني قومي وقومي

في عدادِ الأكرمينَ كرامُ

ويلي على نفسي التي تهواكمو

أزرى بها منكم جوىً وغرامُ

بالثأرِ قد فكَّرتُ لكن كلَّما

بالثأرِ قد فكَّرتُ ندَّ حسامُ

حتى الحسام بمن أحبُّ متيَّمٌ

فعليكَ من حدِّ الحسامِ سلامُ

16-

مهما تكن شعراً جميلاً رائعاً

لا شيء إلا أن أدبِّجَ مطلعَكْ

لا شكَّ أنتَ مقاطعٌ موزونةٌ

وأنا ألحِّنُ بالصبابةِ مقطعَكْ

أتقولُ لي إنَّ العناقَ يضرُّني

من قالَ إنِّي قد أتيتُ لأنفعَكْ

الموسرونَ يهمُّهم أن يربَحوا

ولغايةِ الخُسْرانِ ملْحَمَتي معَكْ

17-

ما خانَ أو قد خانَ وهو مصمِّمٌ

أن يرجعَ الحقَّ السَّليبَ وما كسَبْ

هوَ في الأمانةِ أوحديُّ زمانِهِ

وبظاهرِ الأشياءِ نفسُ أبي لهَبْ

كتبَ الوصيةَ أن تموتي بعدَهُ

لكن بكى فمحت يداهُ ما كتَبْ

هوَ يدركُ الأسْبابَ ضمنَ أصولِها

الأولى فلا تسَلي المسجّى ما السَّببْ

18-

متأمِّلاً جداً يقبِّل وجْنَتَيكِ

ويشتهي لو يختفي في قُبْلَتِكْ

يدري بأنَّكِ كَعْبةٌ وحجيجُها

فيطوفُ ملتاعَ الفؤادِ بكعبتِكْ

ليْسَت جهنَّمُ حين يدخلُها الفَتى

أبداً جهنَّمَ بل سليلة جنَّتِكْ

أنا أعظمُ الشعراءِ ذنباً بيدَ

أنِّي واثقٌ جداً بوافرِ رحمتِكْ

19-

حبِّي عراقيٌّ بكلِّ صفاتِهِ

فيفيضُ منحدراً بماءِ فراتِهِ

إن تَشْرَبي ماءَ الفراتِ تذكَّري

ما فيهِ من ألمٍ طوالَ حياتِهِ

هوَ يكبتُ الأوجاعَ مثلَ نخيلِهِ

إذ تبصرينَ الزهوَ في سَعَفاتِهِ

لكنَّها لا الزَّهْوَ تقصدُ بل تريدُ

النَّخْلَ أن ينسى أوانَ وفاتِهِ

20-

سئمَتْ عواطفُنا الرَّتابةَ في الهوى

فنريدُ حبّاً مبدعاً متجدِّدا

لا تمدَحي جمْراً بجوْفِ رمادِهِ

فالجمْرُ إنْ خَلَعَ الرَّمادَ توقَّدا

إنْ ترْغَبي أنْ تُصْبِحي صوفيَّةً

في الحبِّ فاتَّخذي خيالَكِ معْبَدا

ها قد أصابتْكِ الرَّصاصةُ في الفؤادِ

فلا تذمِّي كفَّ من قد سدَّدا

21-

حتى وأنتَ العابدُ المعبودُ

بالروحِ في حرمِ الجمالِ تجودُ

ولقد حمدتَ التضحياتِ وإنَّما

في الحمْدِ أنتَ الحامدُ المحمودُ

غابَ الغيابُ فكلُّ شيءٍ حاضرٌ

ما ثَمّ من عدمٍ فثَمَّ وجودُ

جسدانِ في جسدٍ وروحٌ واحدٌ

من أينَ ثَمَّ فواصلٌ وحدودُ؟

22-

إني خبيرٌ بالسيوفِ وحدِّها

ولأنتَ سيفٌ لستُ أجهلُ حدَّكْ

إنْ كانَ غمدُكَ حدَّ سيْفِ الآخرينَ

فهاتِ كفِّي في المعاركِ غِمْدَك

بكَ قد عرفتُ الإنتصارَ وإنَّما

أصبحْتُ مهزومَ الكتائبِ بعْدَكْ

حبِّي لكلِّ العالمينَ سجيَّةٌ

مرهونةٌ بكَ إذ أحبُّكَ وحْدَكْ

23-

عقلي وعاطفتي الحبيبُ كلاهما

فهما معاً في الحبِّ متَّحدانِ

عقلي يعانقُهُ وقلبي دائمُ

الخَفَقانِ والهَيَمانِ والهَيَجانِ

أثناءَ ضمِّي للحبيبِ أنا بلا

جسدٍ فأنّى تستقلُّ يدانِ؟

لم تبقَ إلا الروح قبل قيامةِ

الأمواتِ ترفلُ في نعيمِ جنانِ

***

باسم الحسناوي

 

 

علي الشوابكةوجهُ مادبا الأخير

ملامحُ بفيضٍ من طيبٍ وابتسام

ودموع حنينه

وزيتونا راح يعمّده المطر

(2)

وجهُك المادبيُّ

رونقُ الجوريّ

يسقيه الفجرُ تسبيح َالكلام

وروحك الممتدةُ على طول نايات الرعاة

ياسمين على شرفات الشآم

(3)

أرني وجهَكَ المادبيَّ

بينَ أعاصير الغياب

أذكرُهُ

وقد علا الندى جوريَهُ

رجِفاً

في طيّات الضباب

فكان بوصلة حزني

وحنيني

في خريف من إياب,,,,

(4)

ابتسام ُالشمس

بين تلابيب الضباب

وتفتحُ الجوريّ

في الندى

والنظرة ُالأنثى

معتقة ُالشراب

أوّاه من اختزال ِحكايا الأزل!!

اينهُ وجدي؟

هل تاهَ بين انثناءات دروب الأبد؟

ياوجه مادبا

تخللني

فإني محض الغياب,,,,

(5)

على همسك

تسير النواميس

وتدور الفلك

ومنه تخجل الرياح

فتعود أدراجها

وتهدأ فيّ الذئابُ

لو قليلا

(5)

ليس إلاّ الحَمَام

أسراباً تمتدُّ

من ابتسام وجهك المادبيّ

تلوّن زرقة السماء

وحين يبكي

نداه يلوّن الأرضَ

جوريّاً

وياسمين

(6)

ياديمةً مادبية الظلِّ

والطَّلِّ

هوينى

وإن كان الغيم شاردا

أنّى تشائين ترحّلي

تَوّهُ

بَلالُ همسك ِعلا حنطة َوجهي

ندىً باردا

جابهي

مواسم َالحنين

والنسائمّ

كيف ستجابهين تطرُّفي إليكِ؟

بيمن الله عودي

واروي يابس العودِ

(7)

(هاريني) مع (شلايا) الغيث

في(طلعة الدير) و(مربّعة السوق)

وصخب الأوّلين عائدا

يحملني الغمام ُ إليك

مازلت أبحث عن بدرك المادبي

وارته المدائن عن عيتيّ

عشرين بدرا

أرقبه في عيون الراحلين إلى مادبا

أبكيه في بقايا زهر اللوز

وفي بعض زيتونات الحي

وحين تلمع سنبلاتٌ للحصاد

متكئ على الغمام ومسترقٌ همسك العتيق

أهيجن أحمدَ عودٍكَ

وأن تبدد ظلمتي يابدراً أوغل في البعيد ....

(8)

بينك والغمام

بوحٌ

وطفولةٌ كانت تهرولُ خلفه

ها أمسكته

ورحتَ في غيبوبة من الضحكات

تلاشت في المدى

وعاد الغمام

هاجرت الشبابيكُ

عن مادبا العميقة

وهل يرى غير وضاءة ابتسامك

وهمسك الخجول إليها طريقا ؟

(9)

كيفَ أزاحمُ الطُّوَّاف َعلى الجوريّ!

كفى أنايَ

رشاؤه الممدود من عينيه إلى رأسي الفارغة

راح يملؤها ابتساما وابتساما

واسترقتُ النظر الطويل على بداوةٍ إليه

وكفاني من الجوريّ

قفزة قلبه

وتلويحة كفّه

آه!

نثّرَ الحناءَ على وجهي الجنوبيّ البعيد

فتبعثرتُ في الشارع المؤدي إلى تخوم الوهم

وابتلعَ حنطة وجهي ظلامُ الجبل ....

***

علي الشوابكة

 

 

محمد حمدليلة نديّةُ الملمس

بضّةُ الانامل

ترتدي قلادة القمر وأساور النجوم

تشبه إلى حد ما

امرأة حلمتُ بها ذات يوم عن طريق الخطأ !

جسدها مخضّب بالحناء والاساطير البابلية

غادرتْ حانقة على ما يبدو

خيال شاعر

تقطّعت به سُبل الكلمات

وأزقّة القوافي

اصبح قاب قوسين أو أدنى من حافّة التشظّي  العشوائي

فقد رؤوس اقلام قصائد زاده اليومي

وشراب تطلّعاته الذي مزج فيه

رحيق الروح

ونغمات القلب الشرقيّ

المفعم

بأجواء السحرة والدراويش

الراقصين

بثياب ملائكة حُفاة

يرتشفون نبيذ العشق الازلي الرقراق

من فم آلهة مكتنزة الشفاه

معسولة الرضاب...

***

محمد حمد

 

 

حسام عبد الحسينالف طعنة لا تهمني مع نحر الوريد

ابتسم لغابرة الوجوه المغبرة

لكن ألتفاتة عتب تحرقني

بسمة كرم تحييني

قبلة العشيقة سكرة موت

تقبيل خنصرها قوة امل

امل الولوج في الدنيا زائف

يد الدنيا ترقص على جسدي المنهك

تبحث عن ضالتها وتبتسم

حياتي مترفة لأنني مضطهد

الترف يستوطن بيتي العتيق

أصابع من سكاكين تشير لبيتي

انتظر طفلتي او ولدي في قداسة زوجتي

بحور العظمة في عقل زوجتي

وقفت تائها انظر لتراب قدمي ودخان "وطني"

"وطني" تحرر وانتصر على الظلام

لابد من محاسبة الظلام

لكن الظلام يحكم "وطني"!

غضبت زوجتي على مستقبل جنينها

سينقذه الرب الا انه لم ينقذ طفل الحسين؟

تاه عقلي ونظرت إلى الظلام

وعانقته ليعيش الجنين!.

***

 حسام عبد الحسين

 

عبد الجبار الحمديركب الحرمان على أكتافي عنوة... بعد أن شاركني كسرة خبر عفنة زهدت سد رمق، تلك التي خزنتها لأيام شدة وضيق، ثم أسال لعابه ومخاطه عليها بعدما تقيء في طريقي، مما زادهما لزوجة وكثرة تزحلق، ذاك بعد أن أسود لوني، وتهرأ صوتي من شرب قيح عبارات كنت أطلقها كعندليب، أُُحب لبس السواد أناقة وجبروت، خاصة متى كان لامعا، مثل ريش غراب، لم تعتريني الدهشة يومها، فقد أمسى الفساد توأما، بل هو كل ما أملك، أما الحرمان.. فما أن يراني حتى يتَقَلَد الصدارة، فقط لتلقي البؤس وشفقة الآخرين، لم أألف أن حياتي ستكون بمثل هذا الحال، فبعد رحيل منتصف عمر من زمني وقتها استلمت أول خطوة في بُعد زمن، مع استدارة قوية كبيرة، في انقلاب موازين، أُُسقِط الكثير ممن وقفوا يوما جلادين حول واحات الحرية، وسدوا روافد الأمل، ساعتها أعلنوا أن الإنسان أجمل ما خلق الله، أما أنا كغيري من المتلونين الجدد، كنت قد فقدت وعجزت في الحصول على متطلباتي بشكل طبيعي، تحفيت، لبست المسميات حذاء، أسير به على طرقات متشققة، ومن ثم أعود لأعمل على تعبيدها، تحت سقف زمني لا حدود له، حالي كالآخرين الذين فتقوا مشيمة الإنسانية، وامتصوا من حبلها السري مغذيات وطنية وهمية، ثم قطعوا الثدي الحقيقي، لجأوا إلى شرب الحليب المعلب، المستورد والمستحضر كيميائيا من الخارج، كان ذو نفاذ صلاحية بعيدة المدى، لنزع الإحساس بالمواطنة، مع فقدان الشعور بالولاء للأرض، هكذا غدوت اعزف وأغني على نفس أوتار الماضي معهم، أما الذي تغير!! فقط ألحان وكلمات منمقة، انضممت إلى غربان الزمن الجديد، والغريب!!! الكثير منهم تلونوا مع العلم أن الغربان لا تحمل الجينات الملونة، وهذا لم أدركه!! إلا بعد فوات الأوان، حين قَلّبت صوري علمت، أن من تغيرت معالم وجوههم وملابسهم قد عبروا الخطوط الوطنية، فانزلقوا حاملين معهم بطاقات عبور أخرى، بعضها احمر، والبعض الآخر ازرق، وهكذا...، حتى تلونوا معها، أما أنا فبقيت أنعق تغريدا لهم وبهم، وهم يصفقون بأطراف أصابع، رضيت أن أكون غراب البين، الذي يكاد يحمل أسماء من لم تطالهم نقوش حجرية، عشت في قارورة الأنفاق والنفاق، عاقرت، وصاهرت عنق الزجاجة، تلك التي ما أن تفرغ، حتى أمسك بأخرى، وأعمد على تجرعها رغم مرارتها، كنت في وقتي ذاك قد تآخيت مع عقارب ساعة وزمن، عمل بدوره فسن رؤوس سهام صدئة لإعادة صياغة، عنوانها بات محفورا في ضمير التأريخ، أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه يقطعك، هكذا لعبت دوري في كوكبة البهرج الخداع، فأطلقت الذباب باديا كالفراشات، تجذبه الرغبة في التجمع على بقايا رحيق عسل، بَيدَ أني لم استسغ الفكرة، كون رحيق العسل يجذب الكثير والغريب أيضا، كان العديد من أنواع الذباب الذي أخذ يعبث يمينا وشمالا، وقتها طرأت لي فكرة! وهي أن اعمل على التقسيم الذي لاشك سيفصل الأنواع عن بعضها البعض، كون كل نوع يأخذ حصته مما يرام، هكذا استشرى التوافق، وبات التآلف حليف الجميع، شُكلت الخلايا في مجمعات، لا يدخلها إلا من حمل الوعاء دبقاً في اقتناص فرص، أوكُل من يرمي بنرده كسبا لأغلبية جمع مراهنات، كنت حينها كقارع طبل في شهر بلا صيام، أدعو دائما الآخرين إلى سحور، ليتسنى للغربان من لملة قوت محرم، كانت الأيام قد حملت سهام الوقت نبالا، وعقفت الرياء قوسا تجهيزا لإطلاقها على صدور معوزة، فقدت الإيمان بمن لبسوا أخلاق الفروسية درعا لامعا، وتوسدوا أسلاك الحاكيات نعقا ببوح معاناة، وعجز من توفير البدائل، مرفق معها أملاً بمستقبل مشرق لهم، مظلم على غيرهم، كانت الجيوب تنتفخ أسرع من البطون حتى اتخمت، فعمدوا إلى مَعِدات بنوك خارجية وظفوا فيها النفاق أرصدة مجمدة، ذات صلاحية غير منتهية، كانوا قد منعوني من صنع ثقوب غربال كفتحات تهوية، لأني اختنقت ببراز نتانتهم وصنيعهم، فطفقت انشد الهواء بعيدا عن مستجدات لجان انبثقت لتكون نوافذ تبرير لتسليك أمور، إلا أن الوقت قد أزف، فلا عودة تنفع لغراب ينفخ بوقً ساعة نشور، هكذا بقيت وحرماني يقودني إلى هاوية سحيقة، بعد أن رمت بي الغربان، كون عزفي بات مملا وكوني صنعت فتحات غربال لدخول ضياء شمس وهواء نقي، في زمن تغرد الغربان فيه كالعندليب رغم قبح صوتها، ونتانة مبادئها في الحياة.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

 

سعد جاسم* الى د. سلام حربه: شاهداً - وشهيداً

نخبـكَ

صديقي البعيد

نخبكَ

أَيُّها القريب

من الوريدِ

الى الوريدْ

نخب حضورِكَ الفاجعِ

في مآتمِ الغياب

وفي عواصفِ الخراب

وفي حرائقِ القلوبِ

والضمائرِ والأُمهاتِ

**

نخبـكَ

هل يكفي

 بينابيعِ الدمع ؟

أَمْ يكفي

بنزيفِ دجلة المفجوعة

مثل أَرملةٍ جنوبية ؟

أَمْ أَنَّهُ لايكفي

 حتى بفراتٍ

من الدَمِ والنحيب ؟

**

نخبـكَ

من وحشةِ الغروب

الى نزيفِ القلوب

وحتى سطوعِ شمسِ

الحقيقةِ والخلاصِ

من وجوهِ فتيانِ

 تشرين البسلاء

ومن عيونِ صبايا

 بابل الجميلات

ومن اصابع الجنود

النازفة على السواتر

والبراري والملاجيء

والحدود المنهوبة

ومن قلوب الشهداء

المنسيين في الجبهات

والاهوار والقصبات

والصحارى والكهوف

والمقابر الجماعية

**

نخبـكَ

نخب الحياةِ التي أرهَقتْنا

نخب أُمهاتِنا الطاعناتِ

 في التجاعيدِ والسوادْ

نخب أَصدقائِنا الذين أصبحوا

مجرّدَ أَرقامٍ باهتةٍ

في ذاكرة البلادْ

***

سعد جاسم

2021-5-30

 

 

صالح الفهديمَنْ يَلْتَجِيءْ لِحِمَىْ مَــــوْلَاهُ قَدْ غَنِمَاْ 

وَمَنْ سَعَىْ لِسِوَى الْوَهَّابِ قَدْ حُرِمَاْ 

 

يُكَابِدُ الْمَـــرْءُ فِيْ شَتَّى مَعَايِشِهِ 

حَتَّىْ يَضِيْقَ بِـهَمٍّ يُوْرِثُ الْأَلَمَاْ 

 

يَكِدُّ مَا اسْتَطَاعَ جُهْداً فِيْ مَقَاصِدِهِ 

وَيَطْلُبُ الرِّزْقَ فِيْ دُنْيَاهُ مُعْتَزِمَاْ 

 

يَرْجُوْ مِــــــنَ اللهِ آمَالاً يُحَقِّقُهَاْ 

حَتَّى يَكَادَ بِتَحْقِيقِ الْمُنَىْ سَئِمَاْ 

 

فَمَاْ يُحِيْطُ بِعِلْمِ اللهِ حِيْنَ قَضَىْ 

أَمْــراً؛ فَيَحْسَبُهُ بِالْمَنْعِ مُنْتَقِمَاْ 

 

وَاللهُ أَعْظَمُ رُحْمَىْ أَنْ يَكُونَ لَهُ 

مِنْ نِقْمَةٍ لِسُؤَالِ الْعَبْدِ إِنْ حُرِمَاْ 

 

لَكِنَّهَـــــاْ حِكْمَةٌ للهِ يَحْجُبُهَـــــــــــاْ 

عَنْ عَبْدِهِ السَّائِلِ التَّوَّاقِ إِنْ حَكَمَاْ 

 

مَنْعُ الْإِلَهِ عَطَاءٌ لَيْتَ تُدْرِكُــــهُ 

بَصاَئِرٌ قَدَّرَتْ حِرْمَانَهَاْ كَرَمَاْ! 

 

أَمَــاْ تَرَىْ بَعْدَ أَمْرٍ لَمْ تَنَلْهُ وَقَدْ 

أَبْقَىْ فُؤَادَكَ مِنْ حِرْمَانِهِ سَقِمَاْ 

 

يُكَشِّفُ اللهُ سِرّاً تَسْتَرِيْــــــــــحُ لَهُ 

حَتَّىْ تَرَىْ مَنْعَ مَاْ تَسْعَىْ لهُ نِعَمَاْ! 

 

فَأَحْسِنِ الظَّنَّ بِالــــــرَّزَّاقِ أَنَّ لَهُ 

لَطَائِفاً؛ فَضْلُهَاْ بَيْنَ الْوَرَىْ قُسِمَاْ 

 

وَالْجَأْ إِلَيْهِ هُوَ الْمُغْنِيْ، وَأَيُّ غِنًى 

أَنْ كُنْتَ بِالْخَالِقِ الْمَنَّانِ مُعْتَصِمَاْ 

***

د. صالح الفهدي

 

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

إحساسٌ غريبٌ يدفعُني للتَّخلِّي عن عاداتيَ المحنَّطَة، يدفعُني إلى الهجرةِ عكسَ الطُّيورِ، حيث الشَّواطئِ الباردةِ، حالةٌ من الغموضِ، والعبثِ، والخيالِ، تظهرُ حولي شيئاً فشيئاً، أبدو كطفلٍ يتعثَّرُ بحذائِه، وهو يُمارسُ طقوسَ المشي لأوَّلِ مرَّةٍ .

إحساسٌ غريبٌ يحفرُ في عقلي، يجعلُني سريعُ المللِ، كأنِّي أنامُ على سريرِ القلقِ، يدفعُني أن أمحوَ ذاكرتي لأُولدَ من جديدٍ، وأنسجَ من كلِّ الفرصِ المُتاحةِ ذاكرةً جديدةً، لا يُساورها خوفٌ، أو يُقيمُ فيها عبثٌ، أو كذبٌ، أو ضجرٌ .

إحساسٌ غريبٌ يأخذُ بعقلي نحو بداياتٍ جديدةٍ، وأشياء أَحاولُ أن أنساها إلى الأبدِ، ما أصعبَ أن تبدأَ من جديدٍ ! ما أصعبَ أن تمسحَ الذِّكرياتِ الأولى ! وما أصعبَ أن تُقرِّرَ بلا مقدِّماتٍ التمرُّدَ على ما هو كائنٌ، وعلى ما كان !

إحساسٌ غريبٌ يُلحُّ عليَّ كامرأةٍ تشكُّ في زوجِها، يذهبُ بي نحو استنساخِ عقلٍ نظيفٍ، خالٍ من التَّجاربِ الفاشلةِ، والذِّكرياتِ المُؤلمةِ : عقلٍ لا يمحوني، ولا يخذِلُني، لا مكانَ فيه لاستعاراتٍ بصريَّةٍ، أو لغويَّةٍ، أو جسديَّةٍ، ولا مكانَ فيه لألوانٍ تنصُلُ كلَّما لفحَتْها شمسُ الظَّهيرةِ .

ليتَ لي ذلك العقلُ الذي يُعيدُ إليَّ الجهاتِ، يُخرجني من أوجاعي، وشقائي، من معاناتي، وأدوائي، كأنَّه شجرةٌ عذراءُ، جذورُها تسبرُ أعماقَ المعرفةِ، تنثرُ براعمَ الحبِّ في قلوبٍ، كأنَّها حقولٌ منسيَّةٌ، منفيَّةٌ، تسألُ عن أملٍ، يشقُّ فيها جداولَ النُّورِ .

إحساسٌ غريبٌ يُخرجِني من ذاتٍ، تقلَّبَتْ على نارِ الجوعِ كما الحطب، احترقتْ بماءِ الظَّمأِ، ووخزِ الألمِ، فتصدَّعَتْ كجدارٍ مسَّهُ زلزالٌ، وتحنَّطَتْ كجسدٍ، خرجتْ منه روحُ الحياةِ، وتصلَّبَتْ كصخرةِ سيزيف .

لم أعُدْ أقوى يا حبيبةُ أن أُمسِكَ بزِمامِ إرادتي، أن أفهمَ كينونتي، وأسرارَ وجودي، أمضيتُ عمري بين الشَّكِّ واليقينِ، أُحاربُ المُحتجَبَ واللامرئيَّ، واللامعقولَ، شهدتُ موتي قبلَ ولادتي، تواطأتُ على عقلي، وأفكاري، وُلِدتُ من ريحٍ ضعيفةٍ، حاولتُ أن أكونَ إعصاراً، فإذا بي نسيمٌ عليلٌ، يتبخَّرُ قبل أن تخرجَ الشَّمسُ من طورِ الضُّحى إلى طورِ الهجيرِ .

إحساسٌ غريبٌ يضعُني أمامَ مفترقِ المنطقِ، واللامنطقِ، يجعلُني مرَّةً تحت الشَّمسِ، ومرَّةً عاريا في مواسم البرد والصقيع، ومرّة يضعني في أعماقِ الجحيمِ .

إحساسٌ غريبٌ يأخذُني من قيدِ الواقعِ، إلى مُطلَقِ الخيالِ، كأنَّني أبحثُ عن الماءِ في جزرِ السَّراب .

إحساسٌ غريبٌ يدفعُني أن أهدُمَ ممالكَ الصَّمتِ، والجنونِ، ممالكَ العبثِ والعدمِ، واللامعقولِ .

إحساسٌ غريبٌ يدفعُني أن أصرُخَ في وجهِ أمسي، وحاضري، وغدِي، فالغدُ الذي أنتظرُهُ هو الابنُ الشَّرعيُّ لهذا الحاضرِ الذَّليل .

إحساسٌ غريبٌ يدفعُني أن أُعيدَ الوقتَ إلى الأمامِ، لأستشرِفَ مُستقبَلاً كأنَّه ماضٍ، شديد الغثيانِ، مالي أرى هذا الزَّمنَ بحرٌ راكِدٌ، لا موجَ ينبضُ فيه، ولا عاصفة تُحرِّكُ صمتَه الجبانَ؟

سأفتحُ كلَّ الأبوابِ المُغلَقةِ بالشَّمعِ الأحمرِ، سأفتحُ كلَّ الأبوابِ المُغلَقةِ برغمِ بسطارِ السُّلطةِ، سأفتحُ كلَّ العقولِ المُغلَقةِ بالشَّمعِ الأحمرِ، سأفتحُ كلَّ القلوبِ المُغلَقةِ بالشَّمعِ الأحمرِ، لن أستخدمَ مدفعاً، ولا صاروخاً، ولا سيفاً، ولا خنجراً، لا أحتاجُ يا حبيبةُ شيئاً، غيرَ عودِ ثقابٍ ناحلٍ، ضعيفٍ، يشتعلُ مرَّةً واحدةً، ليُذيبَ كلَّ الأبوابِ، والعقولِ، والقلوبِ الموصدةِ بالشَّمعِ الأحمرِ .

هامش: حين يسألونني عن فشلِ أيِّ ثورةٍ، كنتُ أسألُهم عن عودِ الثِّقاب .. عودُ ثقابٍ واحدٍ يكفي لتغييرِ العالم، وقهرِ هذا الظَّلامِ

 

 د. عاطف الدرابسة

 

 

سمية العبيديكنت قد التقيت بها - لسوء حظي - قبل عقود . سكنت داري في البدء رحبت بها كثيرا عاملتها مثل ابنائي . حاولت تدجينها تظاهرت بالطاعة والرضا وحين اطمأنت لرسوخ قدمها بدت تخرج رأسها كلما أقدمت على عمل من أعمالي تحشر نفسها ارتقت الى التأنيب ثم التدخل السافر وكنت ارفضه فقط بالقلب ذلك مجاملة من جهة ولأن لا حول لي من جهة اخرى . غير انه تحول الى نبش بقلبي وجرح لمشاعري استطعت ان اتحمله زمنا ثم وقف راس الافعى و بدأ العض كان السم يتوغل في جوفي قليلا قليلا حتى أوشك أن يقضي علي.. ذلك اني كنت أُسرع بجرح مكانه ومص السم ثم قذفه في مجرى الماء الثقيل نجوت فقد كنت شابة وقوية ظلت تقف بلا صوت كلما راق لها ذلك وتلدغني في أماكن مخبؤءة في الظل وفي الذاكرة حطمت شروطي وذبحت مقدساتي وغرزت في بعض مواد التخدير مع السم و بعض آيات نحسها .. توسلت لنفسي أن تصبر واستطعت أخيرا أن أزيح جؤجؤها الثقيل عن هيكلي الصابر فمضت بعيدا و واصلت طريقي بعد رحيلها عني قبل أن ارتكب معصية لا غفران لها . وبعد أن انهدت قدراتي وساورني الكبر وأخذ معه طاقتي وريعاني إذا بها تنبعث مرة أُخرى في حنايا بيتي ولضعفي هششتها مثل ذبابة سخرت مني وانشبت مقلتيها الشريرتين في كبدي وبدأت تنهشني زرعت أنيابها في حنجرتي وبدأت تنفث تنفث قدرا لا محسوبا ولا موزونا جمعت كل ما بقي لي من طاقة وحشدت لها كل جيوب الخوف والتحفز لأقضي عليها قبل أن تتشبث بحنجرتي الى الابد وما كاد راسها يبتعد لحظة عني حتى عاجلتها بمضربي الخشبي فانشق راسها وقبل أن يرتد نفسي الي وتنشرح قسمات وجهي انبرت من الرأس المفلوع خمس أفاع أشد خبثا وتلوتا تشظى الرأس المطحون مثل بطيخة حقل طازجة عن خمس أفاع حاصرنني كجرذ في مصيدة وبدأن ينهشن جلدي المقدد والمترهل أثر السنين بدأن بلحم عيوني وقرضن ابتسامتي من طرفيها وعبثن بفتحتي أنفي دخولا وخروجا الى النفس الأخير .

***

سمية العبيدي / بغداد

عبد الله الفيفي(إلى: تماضر الخنساء،

ووليم ييتس، وأحفادهما)


الحُـزْنُ أَشْعَـرُ في القُلُـوْبِ  مِنَ الفَـرَحْ

              فقِـفا بِهِ : طَلَلًا بَـكَى ، وجَـنًى جَـرَحْ

وادي (طُوَى)، (الخَنْساءُ) خَطَّتْ صَخْرَهُ

               بـابـًا، إلى لا بـابَ، بِـالدَّمْـعِ انْـفَـتَـحْ

اِخْـلَـعْ بِهِ نَعْـلَـيْـكَ، يا قَـلْبِي ، وعُـدْ

           نَعْلاكَ  مِنْ وَجْهِ ابْنِ (فِرْعَوْنَ) التَّـرَحْ!

                  ***

ماذا ستَـنْـسِـجُ  مِنْ رُؤَى بَــدْرٍ سَـبَـا

             لَيْلَـى السَّـماءِ  وبَـيْنَ نَهـدَيْهـا انْـذَبَحْ؟

ماذا ستَرْسُـمُ في شِـراعِ الشَّمْـسِ؟ أَمْ

               بالشَّمْسِ تَكْتُبُ لـ(اِبْنِ نُوْحٍ) مُقْتَرَحْ؟

أَتَصُوْغُ ما (يِـتْـسُ)(1) انتَـقاهُ بِعَـيْـنِـهِ،

               وكمِثْلِهِ تَسْقِـيْ لَـمَى القُـرَحِ القُـرَحْ؟

لا، إِنَّ (وِيْلِـيْ) في التَّخَلُّـفِ كاسْمِـهِ:

               شَـبَحٌ مِنَ التَّخْـرِيْـفِ يَـتْـبَـعُـهُ شَـبَحْ

لا، إِنَّ (وِيْلِـيْ) لـم يَـذُقْ، بِجَـلِـيْـدِهِ،

             عَيْـنَيْ حَبِيْـبَـتِكَ (النَّـوَارِ)، ولا طَمَحْ!

                     ***

أَبـَـدًا مُـقـامُـكَ بـــارِحٌ بِـحَـمامِــهِ،

             وحِـمامُ مـا نَـعَـقَ النَّـواعِـقُ مـا بَـرَحْ

هاجِـرْ عَنِ الأَوْطانِ، نَـسْـرًا قَـشْعَـمًا،

             للنَّـسْرِ في شَـرَفِ الشَّواهِـقِ مُـنْـتَـزَحْ

فـالعُـمْـرُ جِـدٌّ كُـلُّـهُ ، مُـذْ يَستَـهِــلُّ

            الطِّـفْلُ حتَّى في الثَّرَى يَثْوِيْ الـمَـرَحْ!

                    ***

مـا الحُــزْنُ  إلَّا  ذِلَّـــةٌ  وضَـراعَـــةٌ،

              لـم يُـوْرِ مِنْ مَـبْـنًى ولا مَـعْـنًى قَـدَحْ

فـإِذا بَـكَـيْـتَ على أَبِـيْـكَ بِـلَـحْـدِهِ،

                سَفَـحَ البُـكاءُ بِـكَ الحَـياةَ بِـما سَفَـحْ

أَنـْتَ الفَـقِـيْدُ، وليسَ مَنْ تَبْكِيْ. إِذَنْ،

               فـلـيَرْحَمِ اللهُ الفَـقِـيْدَ، على الأَصَـحْ!

                   ***

يَـعْـمَـى الـفَـتَى ، حتَّى تَـراهُ ولا يَـرَى

               أَلْـوانَ طَـيْـفٍ  سَـلَّـهـا قَـوْسـا قُـزَحْ

فـيهـا الحَـيـاةُ  مَـواسِـمٌ ومَـعـاهِــدٌ،

          لم يَغْـتَبِـقْ مِـنها المَـسَـاءُ  بِـما اصطَـبَحْ

ولَـرُبَّــما  كَــرِهَ  امْـرُؤٌ  دُنــيـا دَنَــتْ

              يَهْـجُـو بِـها ما كانَ بِالأَمْـسِ امْـتَـدَحْ

ولَـرُبَّـما عَـشِـقَ امْـرُؤٌ  دُنــيـا انْطَوَتْ

               شَـغِـفًا بِـما بِـالأَمْـسِ فـيها كَمْ قَـدَحْ!

                    ***

مِنْ ذا وذا جَـدِّدْ إِهابـَـكَ ، واكْـتَـحِلْ

               بَـرْدًا سَـلامـًا  طـالَـما جَـمْـرًا لَـفَــحْ

ما أَنـْـكَـدَ الإِنْـسـانَ في بَحْـرَيْـهِ : مِنْ

             ذِكْـرَى، ومِنْ لُـجِّ الخَـيالِ إذا شَطَـحْ!

لَـولاهُـما  مـا كــانَ إِنْـسـانـًا ، ولَــوْ

              لا العَـقْـلُ، كانَ مَصُوْنُـهُ كالـمُطَّرَحْ!

                   ***

شِعر: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

........................

(1)  الإشارة إلى الشاعر الإنجليزي (ويليام بتلر ييتس William Butler Yeats، -1939)، وقصيدته:

"The Cloak, The Boat, and The Shoes ".

وكان ييتس في طفولته ينادَى بـ(وِيْلي). وقد عُرِف بهَوَسٍ خرافيٍّ بعالم الجِنِّ، والسِّحر، والأشباح.

 

إلى روح لميعة عباس عمارة

في ثالث ليالي العزاء ...


 

مُسْتَسْلمٌ فرّ أو مسْتَقْتِلٌ بَطَلُ ...

      ذلّتْ لكِ الكلُّ مَن ظلّوا ومَن رحلوا...

يا عمَّةَ القوم يا مِخْضَرّةً  أبدًا

      ومُخْصِبٌ طلْعُها والكرْبُ والوَشَلُ...

امراةٌ، رَجُلٌ في قلبها، فلها

      بالموقف الحرّ فصلُ القول مرتَجَلُ...

هي امتدادٌ لأبي أقلامها... زينبٌ

           وفاطمٌ، وذُرى أسلافها الأوَلُ...

من قوم يَحيى نعم لكنّما أحمدٌ

                   وجعفرٌ وعليٌ كلُّهمْ أَهَلُ...

حُسّادُها من قديم الغلّ ما برحوا

           يستنقصونَ ولكنْ زعمُهم خَبَلُ

فَرَبّة الحُسن تُزري بِفِريَتِهمْ

                الجِيدُ ياقوتةٌ والبدر مكتملُ...

واللفظ مُخْتصرٌ والقصدُ مُعْتبرٌ

             تُلقي فتلْقَفُ بُهتانًا وما عمِلوا...

مِقْوالةٌ أجملُ الأقوالِ حِرفَتُها

            فما تفوه سوى ما طَعْمُهُ العسَلُ!

يا حُلْمَ حُبٍ نأى والمولعون به

      كلٌّ علا وهوى، راموا وما وصلوا...

إلّا أبا عُذْرِها الكفءَ الذي بسطتْ

           لهُ شرابَ الهوى ما شاء ينتهلُ...

يا لمعةَ (الطيب) الفقدُ يُشْعلُهُ!

            يا لمعةَ (الطيب) بغدادُ تَشْتعلُ...

في ثالث الموتِ والناياتُ تأسُرنُي

            أُهديكِ أغنيتي علَّ الصَبا يصِلُ!

              ***

لطيف القصاب