 نصوص أدبية

الخوف

علي القاسميخلّفتُ صخبَ المدينة وأدرانَها ورائي وأتيتُ أنشدُ رحابةَ البحر وصفاءَه. فقد شعرتُ، عصر ذلك اليوم، وأنا أجوب شوارعها باحثاً عن عمل، بأنّ طرقاتها قد ضاقتْ، وأخذتْ بناياتها الشاهقة تُطبِق عليَّ من الجانبيْن. وأحسستُ بصعوبةٍ في التنفُّس وبشيءٍ ما في صدري، يسبّب لي أَلَماً مُمضّاً ينضاف إلى صداعي. اشرأَبَّ عنقي مُلتمساَ نسمة هواء، وامتدَّ نظري إلى الأعلى متوخّياً زرقة السماء، فلم ألمح إلا العمارات العالية، وهي تقترب بعضها من بعض، حتّى تكاد تلتقي مثل جانبي هرم شامخ. حاولتُ أن أتنفَّس عميقاً فتعسَّر عليَّ الأمر وتعذَّر، كما لو أنّ الهواء أمسى مادَّةً صلبةً ثقيلةً، لا يتَّسع لمرورها أنفي.

وقفتُ على قارعة الطريق، وأَجلْتُ بصري، فتبدَّتْ لي الدُّور تدور حولي، والأرض تمور تحت قدميّ. وسرعان ما أخذتْ حبّاتُ العَرق تتحدَّر على جبيني، ثمَّ تجتاح جسدي المحموم كلَّه. تلفّتُ حولي، فلم أَرَ في الشارع إلا سيّارات تتلاحق مسرعةً، وهي تُطلِق أبواقها المدوِّية، وتنفث دخاناً أسود من مخلَّفات وقودها. وتراءى لعيني ذلك الدخان، وهو يرتفع في الفضاء، فيلتقي دخاناً أسود آخر، تلفظه مداخن المصانع، ليتجمّعا في شكل غمامةٍ كبيرةٍ تخيِّم على المدينة برمَّتها، واضعةً حدّاً لحركة الهواء، وحاجبةً نور الشمس عن الأزقة اللزجة. وألفيتُ نفسي، بعد برهة، خارجاً من المدينة، مارّاً بشوارعها الخلفيّة العارية من الأشجار، وأحيائها التعيسة ذات المواخير القذرة السريّة، والروائح الكريهة المنبعثة من أكوام القمامة وفضلات الكلاب الضالة والأليفة، وأنا أُسرع الخطى مهرولاً صوب البحر.

جلستُ على ربوةٍ عاليةٍ تتوسّط حقلاً من الحقول المُطلّة على البحر. ورحت أنقّل بصري من خضرة الوهاد المحيطة بي، إلى زرقة ماء البحر المترامي حتّى الأفق، حيث انتشرت أشلاء الشمس الغاربة، وهي ترحل إلى عالم آخر، تشيّعها بعض الغيوم الداكنة. وراح فكري يتأمّل أحوال المدينة، وتتردّد فيه حكايات والدي وذكرياته عنها،  عندما كانت، إبّان طفولته، امتداداً لتلك الحقول المُزهرة والبساتين النضرة، لا يُسمَع فيها إلا تغريد الطيور ومزامير الرعاة. غير أنّ معاول التوسُّع الكاسح، اغتالت أشجارها، واجتثّت جذور نباتاتها من الأعماق بلا رحمة، فتلاشت الخضرة، واختفتِ العصافير، ولم تعُد الغيوم تسحُّ أمطارها فوقها، وإنّما تمرُّ مسرعةً ولا تتوقَّف عندها.

لم يكُن ثمّة ما يعكّر صفو ذلك المساء، فالنسيم رائق، والبحر ساجٍ، وأمواجه تنساب برقَّةٍ، لترتمي في أحضان رمال الشاطئ الناعمة. فراح بصري يتنزَّه في الأثير اللاحب، ويستحمُّ بارتياحٍ في زرقة الماء. وبتواطؤٍ مع البحر، سَرَتْ في أعماقي رويداً رويداً، أمواجٌ من الارتياح والهدوء، تتناغم مع هديره الخافت، ولفَّني المساءُ بنسماته المُنعِشات وآنستني غيماته العابرات، فشعرتُ شيئاً فشيئاً بالانتعاش، وغادرني دُواري.

في ذلك الفضاء المتَّسع الخالي، وأنا وحيدٌ على ربوتي العالية، النائية عن  المدينة، المرتفعة عن البحر، الغارقة في سكون المساء، لا أدري أيَّ إحساس غريب جعلني أَفزُّ وأدير رأسي بتوجُّسٍ إلى الخلف، مثلما يفزع جوادُ ويصهل وهو على بُعد عشرات الأميال من هَزَّةٍ أرضيةٍ داهمة. حدّقتُ في الفراغ. رسوم بنايات المدينة ما زالت قائمة، وإن بهتت ألوانها بفعل تحولات ضوء النهار، وضجيج مصانعها قد أَتت عليه المسافةُ الفاصلة بيني وبينها، وما عُدْتُ أتبيَّن على البعد سوى دُخانها المتصاعد دوماً. بيد أنّي أبصرتُ أربعةَ رجالٍ قادمين من المدينةِ يحثُّون السير في اتّجاه البحر. ظننتُهم أوَّلَ وهلةٍ خارجين في نزهةٍ على الشاطئ، فقد كان أوَّلهم يضع يديه وراءه. وبلا إرادة مني شُدَّت أهدابي إليهم، وتعقّبهم بصري بتلقائيَّة. وكلّما اقتربوا لاحت لي هيئتُهم متّضحة أكثر فأكثر. فتبيَّنتُ أنَّ الرجل الذي يسير في المقدِّمة، يرتدي ملابس مدنيّة ويداه مقيَّدتان إلى الخلف، والثلاثة الآخرون يحيطون به وهم يلبسون زيّاً موحَّداً خاكي اللون. ولفتَ انتباهي أنّ قامة الرجل المقيَّد اليديْن تميل إلى الخلف، وهو يسير بصورةٍ متقطّعةٍ، كأنَّ الثلاثة الآخرين يدفعونه دفعاً، ويرغمونه على مواصلة السير.

كانت وجوه هؤلاء حادّة التقاطيع، مُتسمّرة مُتصلِّبة إلى الأمام في اتِّجاه البحر؛ أمَّا الرجل الأوَّل الموثوق اليديْن، فقد كان يتلفَّتُ يمنةً ويسرةٌ، كما لو كان يبحث عن شخصٍ أو شيءٍ ما. وهكذا بانتْ لي أساريرُ وجهه: جبهةٌ ناصعةٌ، وعينان تشعّان نوراً، وملامح لم ينَلْ من طلاوتها العَنَتُ، ولم يحجب روعتَها المصابُ. وجهٌ مشرقٌ محبوب. وقلتُ في نفسي: هذا وجهٌ أعرفه، هذا وجهٌ ألفتُه منذ طفولتي، ولكنّي في تلك اللحظة لم أستطِع أن أتذكَّر اسمه. كنتُ ألقاه في القرية حيث نشأتُ، وأصادفه في المدرسة حيث تعلَّمتُ، وأشاهده في المدينة حيث اشتغلتُ. ولكنّي لم أَعُد أتذكَّر اسمه. كان وجهه الحنون يستهويني في صغري وما زلت أهواه في كبري، فوجهه قريبٌ من قلبي، حبيبٌ إلى روحي، له طعم التمر، وعذوبة الماء الفرات، وطالما حدّثت أطفالي عنه، فأحبّوه كما أحببته. ولكنّي لا أذكر اسمه. أسعفيني يا ذاكرتي المرهقة! انجديني باسم الرجل الأسير! ولكن، بعد أن أخفقتُ في تذكُّر اسمه، قلتُ في نفسي: "ليس المهم هو الاسم بل المُسمّى، وليس الأصل هو اللفظ بل الذات. ليَكُن اسمه ما يكون، فالرجل ذاته في محنةٍ اليوم". وظلّ سؤالٌ محيِّر يجلدني: "لماذا يقيّدون يدَي هذا الرجل؟ وإلى أين يقتادونه، يا تُرى؟"

وبعد هنيهةٍ، دنوا من الشاطئ وخاضت أرجلهم في الماء، وتقدَّموا خطواتٍ، ثمَّ أوقفوه أمامهم. حدّقوا في وجهه، والحقد ينقدح من عيونهم الخُزْر. وضعَ أحدهم يديه بعُنفٍ على فكَي الرجل، مُرغِما إياه على فتح فمه.وسحب الثاني شيئاً لم أتبينه من الفم الفاغر، واستلَّ الثالث خنجراً، فقطع ذلك الشيء ورمى به في الماء. ورأيتُ بعينيّ خيطاً أحمرَ يمتدُّ من بقعة الماء تلك حتّى الأفق، ليلتحم بأشلاء الشمس المبعثرة هناك، ويرتفع إلى عنان السماء كنافورةِ دم. ثمَّ أخذ الرجال الثلاثة يطأطئون رأسَ الرجل الأسير، دافعين به إلى الماء، في محاولةٍ ظاهرةٍ لإغراقه. أمّا هو، فقد كان يقاوم بصلابةٍ، رافعاً رأسه بين الفينة والفينة إلى السماء وإلى الخلف. وفي أثناء ذلك وقع نظره عليّ من بعيد، أو هكذا خُيّل إليّ.  خُيّل إليّ أنَّ عينَيْه تستنجدان بي، تحثّانني على أنْ أتحرَّك، أنْ أصرخ في وجوههم، أنْ أفعل شيئاً، أنْ أنادي على الفلاحين في الحقول القريبة، أن أستغيث بالعمال في مصانع المدينة، أن أفعل أيَّ شيءٍ لإنقاذه، لا بدافع الشفقة عليه، بل بما يحتِّمه عليّ الواجب الإنسانيّ، وما يمليه حبُّه عليَّ. بَيدَ أنّي بقيتُ جامداً في مكاني. فقد أخذ الخوف يتسرَّب إلى مسام جلدي ويتخلَّلها، فأشعرُ بارتعاشةٍ تسري في بدني، وتدبُّ منه إلى أوردتي وشراييني، فتسُود برودةٌ لاسعةٌ فيها، ويتجمَّد الدمُّ بداخلها، ويتصبَّب العرق من جبيني المحموم. لقد شلَّني الرعب المنبعث من نصالِ خناجرهم المسلولة، وأقعدني الخوف كسيحاً بلا حراك، فلم أعد أشعر بساقيّ. وانتابني الذهول وأنا غارق في طُوفان من الهواجس والوساوس. فكّرتُ في أنْ أجري نحوهم، أنْ أهجم عليهم، ولكنَّني لم أتحرَّك قطّ : لم أرفع رأسي، ولم أفتح فمي، ولم أمدّ يدي، ولم أحرّك قدمي. فقد خطر في مخيَّلتي أنَّ إقدامي على شيءٍ من ذلك، سيودي بحياتي حتماً، وأعود ـ إن عُدْتُ ـ هذا المساء إلى أطفالي محمولاً على نعشٍ بدلاً من أن أًحمل إليهم بشارةَ حصولي على  عمل. سأُمسي كَمَن خرج في البادية يصطاد طعاماً لأهله الذين يتضوّرون جوعاً فاصطاده الأسد. وبشيءٍ من المرارة والخجل، اعترفتُ في دخيلتي أنَّني لست قتاليّاً بطبعي. وأطلّتْ عليّ من كوى ذاكرتي المظلمة المنسية، صورتي في طفولتي ورفاقي التلاميذ يتبارون ويتصارعون، في حين كنت انتحي جانباً لأقرأ في كتاب.

إذن سأغضُّ طرفي، سأشيح بوجهي عن البحر، سأتظاهرُ بأنّني لم أَرَ شيئاً، سأقنع نفسي بأنّ ما شاهدته لا يعدو أن يكون ضرباً من الهلوسة أو نوعاً من زوغان البصر. ولكن ماذا سأروي لأبنائي بعد اليوم؟ هل أقول لهم إنّني فضَّلتُ سلامة العودة إليهم على المغامرة بحياتي من أجل إنقاذ مَن أحببتُه وأحبّوه، وما زلتُ أُحبّه ويحبّونه؟ هل أستطيع أن أُسوِّغ أمامهم تخاذلي وجبني؟ وحتّى إنْ أخفيتُ الحادث عنهم وغلَّفته بالصمت والكتمان، فهل يعني ذلك أنَّ ما وقع لم يقع؟ ليس في مقدورنا مسخ الحقائق بأفواهنا أو تحويرها بأقلامنا. حتّى إنْ لم يطَّلع امرؤ على خسَّتي وهزيمتي، فإنّني سأعيش رجلاً منكسراً في داخلي، مثل نخلة أصابت جذعَها طعنةُ فأسٍ قاصمة. سيلاحقني مشهدُ ذلك الرجل الأسير كظلّي، حيثما حللتُ وأنّى توجَّهتُ. سيؤرِّقني ضعفي وجبني، ولن أنسجم بعد اليوم مع ذاتي التي ستتآكل من الداخل وتنهار. إنّني بهزيمتي هذه سأنسف ما بقي من قناطر تصلني بنفسي، وسأدمِّر ما ظلّ من جسور تربطني مع أبناء بلدتي، ممَّن يثقون بي، ويشاركونني حبَّ ذلك الرجل.

وقلتُ في نفسي: "ما دمتُ أحبُّ هذا الرجل فلا بدَّ أن أفعل شيئاً لنجدته. يجب أن أتحرَّك الآن، قبل أن يبتروا أطرافه، ويقطّعوا أوصاله، ويقضوا عليه". ولكن… بدلاً من أن أتقدَّم إلى الأمام، وجدتُني مرتجفاً أجرُّ رجليَّ الكسيحتيْن إلى الوراء مبتعداً. وغاب عني وأنا في دوّامة الخوف أنَّني، أنا الآخر، أقترفُ جريمةً موصوفةً، جريمةَ الامتناعِ عن تقديم المساعدة إلى إنسانٍ يتعرَّض للخطر. **

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

......................

** كُتِبت القصة حوالي 1991، وصدرت في مجموعة " أوان الرحيل" التي نُشرت في القاهرة وبيروت والدار البيضاء في عدّة طبعات.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (14)

This comment was minimized by the moderator on the site

سلام عليك اخي وصديقي الاستاذ الدكتور علي القاسمي
ورحمة الله وبركاتُهُ

أمتعتني هذه القصة متعك الله في العافية ودوامها

تحياتي واحترامي لك مع التقدير

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز الشاعر الأديب الحاج عطا الحاج يوسف منصور
أشكرك جزيل الشكر على تشجيعك المتواصل لي بكلماتك الطيبة التي تترك أثرها الإيجابي في أعماق النفس.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب العلامة
لاشك ان النص السردي يستحق وقفة موسعة , في النقاش والتأمل والتحليل والتفسير , في هذه التحفة القصصية , التي تألقت بجناحي , فنية تقنيات فن القص المتطور في حداثته التقنية . وروعة ابراز مضامينه الفكرية , والرؤية في الايحاء والرمز الدال , المشبع بالرؤية الفكرية والفلسفية والحياتية , في مضامينها الانسانية البارزة والمشعة , في اسلوب الطرح , ومن مناقشة مجريات الواقع وفلسفته القائمة , في نهج اسلوبه , في العلاقة بين الانسان والواقع الفعلي , في مظاهره المكشوفة للعيان , والغوص في رؤيتها وتحليلها بمجهر الواقع القائم . لاشك ان الاديب يملك اسلوب فذ في السرد التشويقي والفذ في جاذبيته , في ابراز المعالم الرؤية الرمزية الدالة , في فك رموز الواقع ودلالاتها . الرؤية الفكرية للنص السردي , وجد افضل طريقة في اظهار وكشف عيوب الواقع وعثراته , على المعاناة الانسان الذي يعيش في دائرة حياتية ضيقة . ان النص هو من صميمية الواقع في تجاربه وسلوكه وافعاله . اي ان النص السردي موجه في سبيل اظهار عيوب الواقع الذي انحرف عن جادة العقل والصواب . لذلك اعتبر النص يحمل افكار ورؤية عميقة , في مطارحة منصات الواقع في معالمه البارزة للعيان. ومحاولة في التحليل السايكولوجي في علة الخوف , دوافعه وابعاده , على الوجدان , وتصيب العقل والذهن بالشلل في التفكير والفعل والحركة . اي انه يشل جهاز التفكير بالاحباط والانهزام المحبط والسلبي . لذلك القصة القصيرة حملت عنوان ( الخوف ) في تسليط الضوء الكاشف على ابعاده وخلفيته, السلبية بالاحباط والانهزام . رغم ان دواخله تغلي بالرفض والسخط , لكنه يقمعها بالصمت المتخاذل . لذلك يناقش في الطرح في دلالات التعبير الايحائية , في علة رؤية الخوف , الذي يخلق الاحباط والتهرب , وقبل مناقشة المنصات الفكرية والفلسفية والحياتية لنص القص السردي وحدثه . لابد من استعراض مكونات الرؤية الفكرية للمدينة وما تحمل المدينة , التي احتلت مكاناً بارزاً في النص , يمكن اجمالها باختصار شديد :
× المدينة :
1 - المدينة تسبب الصدع والقلق والوحشة الحياتية المنعزلة .
2 - مناخ المدينة موبؤ بالتلوث والفساد , الذي يخنق الانفاس
3 - حياة المدينة تعتمد على تركيبة متناقضة في افعالها , شحة الخضار وتزاحم البناء البنايات , جنونية سرعة السيارت , التي تطلق ابواقها بهستيرية مجنونة
4 - المدينة عدوة البيئة والانسان , بالدخان الاسود واكوم القمامة المنتشرة .
5 - المدينة عدوة الطبيعة , بقطع الاشجار , للبناء وتوسيع الشوارع
6 - المدينة عيش في العزلة الحياتية .
× السلطة الشمولية :
1 - التي تتحكم بها شريعة الغابة , في اسلوبها الهمجي والسادي في البطش . في اهدار حياة الانسان ببساطة متناهية , بل بالوحشية السادية والمازوخية . التي يمثلها ثلاث رجال يلبسون الخاكي ( الزي العسكري والمليشياوي ) يجرون رجلاً مقيد اليدين الى الخلف .
2 - رجال السلطة او المليشيا , ملامح متجهمة صارمة , تشع بالحقد والانتقام والعدوانية . بأنها بالضد تماماً لملامح الجمال والاشراق .
3 - ممارسة القتل الوحشي والسادي والتمثيل بجثث الضحايا . في قطع اللسان او الاطراف , او قطع الرؤوس , وغرق الضحايا , وتعتبر هذه ممارسات عادية في الوحشية السادية .
4 - الانسان مقموع تحت هذه السطوة الارهابية الباطشة , ومصاب بالانهزام والاحباط , وشل العقل بالتفكير , اي انه يتهرب بالصمت الذليل او الفعل المحبط, امام الجرائم التي تحدث امام عينيه ( هكذا خُيّل إليّ. خُيّل إليّ أنَّ عينَيْه تستنجدان بي، تحثّانني على أنْ أتحرَّك، أنْ أصرخ في وجوههم، أنْ أفعل شيئاً، أنْ أنادي على الفلاحين في الحقول القريبة، أن أستغيث بالعمال في مصانع المدينة، أن أفعل أيَّ شيءٍ لإنقاذه، لا بدافع الشفقة عليه، بل بما يحتِّمه عليّ الواجب الإنسانيّ، وما يمليه حبُّه عليَّ. بَيدَ أنّي بقيتُ جامداً في مكاني. فقد أخذ الخوف يتسرَّب إلى مسام جلدي ويتخلَّلها، فأشعرُ بارتعاشةٍ تسري في بدني، وتدبُّ منه إلى أوردتي وشراييني، فتسُود برودةٌ لاسعةٌ فيها، ويتجمَّد الدمُّ بداخلها، ويتصبَّب العرق من جبيني المحموم. لقد شلَّني الرعب المنبعث من نصالِ خناجرهم المسلولة، وأقعدني الخوف كسيحاً بلا حراك، ) .
6 - يشعر الانسان في هذا الحصار الخانق , يشعر بالمهانة وتأنيب الضمير ( حتّى إنْ لم يطَّلع امرؤ على خسَّتي وهزيمتي، فإنّني سأعيش رجلاً منكسراً في داخلي، مثل نخلة أصابت جذعَها طعنةُ فأسٍ قاصمة. سيلاحقني مشهدُ ذلك الرجل الأسير كظلّي، حيثما حللتُ وأنّى توجَّهتُ. سيؤرِّقني ضعفي وجبني، ولن أنسجم بعد اليوم مع ذاتي التي ستتآكل من الداخل وتنهار. إنّني بهزيمتي هذه سأنسف ما بقي من قناطر تصلني بنفسي، وسأدمِّر ما ظلّ من جسور تربطني مع أبناء بلدتي )
7 - وكذلك لا يمكن ان ننسى مصيبة اللامبالاة تجاه اللقوى الغاشمة , وفي تستبيح كل شيء في الانتهاك والاستلاب .
هذه ركائز النص السردي الاساسية , في رؤيتها التحليلية . اي اننا , امام نص فكري / فلسفي , بتقنية السرد البسيط والعميق , التي تخص موجودات الحياة والواقع , التي تعتمد على صميمية الواقع , افعاله وتجاربه . بما فيها التحليل السايكولوجي لدوافع وابعاد الخوف . او في تراجيدية الخوف وفعله الدرامي . ولكن ايضاً في اظهار السادية الوحشية . يضعنا الاديب , في هالة التصوير السينمائي , كأننا امام افلام الرعب والفزع ( اكشن ) , في تصوير عملية وحشية سادية تحدث بدم بارد , في هذا التصوير الهائل في مشاهد الرعب , ولكن ( اقول الله يساعد اعصابك كيف تحملت هذه الصياغة المرعبة بالتصوير ) ولكن لابد من رؤية هذا الضحية ورمزيته الدالة , بكل تأكيد ان رؤيته تشمل الاوسع من هذا الضحية , بل هو يمثل ضحية الوطن المستباح , المنتهك والمغتصب من السلطة الشمولية , لم يكن إلا الوطن ( وجهه الحنون يستهويني في صغري وما زلت أهواه في كبري، فوجهه قريبٌ من قلبي، حبيبٌ إلى روحي، له طعم التمر، وعذوبة الماء الفرات، وطالما حدّثت أطفالي عنه، فأحبّوه كما أحببته. ولكنّي لا أذكر اسمه. أسعفيني يا ذاكرتي المرهقة! ) هذا الواقع الذي نعيشه ونتجرع مراراته من السلطة الغاشمة , في استباحة الوطن بالانتهاك والجرائم , امام هذا التخاذل والانهزام في دواخلنا , بحيث اصبحت اوطاننا . كالمجرم الذي يطار ضحاياه , تحرم المواطن من حق الحياة والعيش . ولكن لو افترضنا افتراضاً , بأن الاديب تلاعب بالصياغة بشكل مختلف . بأن الرجل الذي شاهد تفاصيل الجريمة من علو الربوة . أن فعل العكس , بأنه صرخ بالمجرمين , او نزل بشجاعة في انقاذ الضحية . لو فعل الاديب ذلك , لكان تماماً يجهل الواقع , ويخالف في استنتاجاته في الرؤية الفكرية والفلسفية , لكان نص القص يحذو صوب الاسلوب اللاواقعي ربما الفنتازي , وهذا مخالف في ابداعه في النهج الواقعي , الذي دأب عليه بشكل فذ . ولكن السؤال الآخر , اين الزمان والمكان من حدث النص ؟ . ان اسلوبية الاديب تتعدى المحلية الضيقة والمحدودةجداً , الى الاوسع والاشمل , ولكنها لا تغيب عن مصائب بلدان الشرق الاوسط . مثلاً رواية ( الشرق المتوسط ) هي تعني كل بلدان الشرق الاوسط , بحيث كل قارئ من هذه البلدان , يستفزه عقله وذهنه , ويصرخ بملئ فمه , انها حقاً تحدث في بلادي بالضبط , هذا معنى الخروج من المحلية المحدودة والضيقة , الى الاعم والاشمل , في بلدان الشرق الاوسط .
ودمت بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

هل أستطيع أن أُسوِّغ أمامهم تخاذلي وجبني؟ وحتّى إنْ أخفيتُ الحادث عنهم وغلَّفته بالصمت والكتمان، فهل يعني ذلك أنَّ ما وقع لم يقع؟ ليس في مقدورنا مسخ الحقائق بأفواهنا أو تحويرها بأقلامنا. حتّى إنْ لم يطَّلع امرؤ على خسَّتي وهزيمتي، فإنّني سأعيش رجلاً منكسراً في داخلي، مثل نخلة أصابت جذعَها طعنةُ فأسٍ قاصمة. سيلاحقني مشهدُ ذلك الرجل الأسير كظلّي، حيثما حللتُ وأنّى توجَّهتُ. سيؤرِّقني ضعفي وجبني، ولن أنسجم بعد اليوم مع ذاتي التي ستتآكل من الداخل وتنهار.
ـــــــــــــ
تحليل نفسي بارع ومحاكمة نزيهة للذات بكل ما تمتلكه من مخاوف وطموحات وآمال وضعف وهذا في ظني هو دور الأدب الحديث : توفير المناخ الفني المناسب لطرح أسئلة الحياة والوجود المقلقة بل المرهِقة ، ولا أنسى تعبيراتك الشعرية الفذة كقولك مثلاً : حيث انتشرت أشلاء الشمس الغاربة،،
تهانٍ قلبية على صدور مجموعتك القصصية بعدة طبعات ولا غرو فأنت أديب مكين يشغله التجريب والإتيان بما هو جديد ومدهش
وطبت وطابت أيامك بعافية ومسرَّة

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز المفكر الناقد الأديب الأستاذ جمعة عبد الله،
اشكرك من القلب على هذه المقالة الضافية عن قصتي القصيرة.

وطبعاً أنا لا استطيع أن أبلغ شأوك السامق في التحليل النقدي، ولكن أود أن أجيبك على سؤالك الكريم: ( أقول الله يساعد أعصابك، كيف تحملتَ هذه الصياغة المرعبة بالتصوير؟) ، وهو سؤال يدل على امتلاكك أسرار الكتابة الإبداعية.

ذات يوم، كنتُ سألقي محاضرة في معهد الترجمة بجامعة عبد المالك السعدي بطنجة. وعندما دخلتُ القاعة الغاصة بطلاب المعهد، وقف أحد الأساتذة يقدمني للطلاب، بسبب غياب مدير المعهد ذلك اليوم. وقال هذا الأستاذ، واسمه الدكتور علي أزرياح، الذي لم ألتقِ به من قبل: إنه عندما كان يترجم لي قصة الخوف التي قرأها في مجلة الآداب اللبنانية إلى اللغة الإنجليزية، أصابه خوف شديد بحيث كانت أصابعه ترتجف هلعاً، ولم يستطع الكتابة لبعض الوقت.

وفي معرض شكري له قبل أن أبدأ محاضرتي، أخبرته بأنني، الآخر، كنت أرتجف خوفاً وأنا أكتب هذه القصة، وأصابتني الحمى مدة ثلاثة أيام.

وما حصل لي يعرفه بعض الممثلين الذين يتقمصون دورَهم أو يتقمص الدورُ أرواحَهم، بحيث يستمرون مدَّةً بالشعور والتصرُّف تماماً كشخصية صاحب ذلك الدور، حتى بعد انتهاء التمثيل أو التصوير.

أكرر شكري واحترامي.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الكريم الشاعر الأديب الأستاذ سامي العامري،

أشكرك من القلب على تشجيعك الدائم لي. ويكفيني فخراً أنك تقرأ لي قصصي وأنت شاعر مُثقف مُجيد.

بيد أن أخشى ما أخشاه، أننا نحن الذين نكتب ونعلّق على ما يُكتَب، ننتمي إلى جيل ما قبل الانقلابات العسكرية التي عملت على تجهيل أبناء وطننا، بحيث لم يعُد شباننا اليوم يكترثون للقراءة أو يستسيغونها.

ولفت انتباهي أنك ـ بحسك الشعري ـ وضعتَ يدك على بعض الصور المجازية التي كتبتُها دون وعي مني.

أكرر شكري ومودتي واحترامي.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

يطل علينا اليوم الأستاذ الدكتور علي القاسمي بقصة جديدة مبدعة، يبرز فيها التقابل السافر بين السلب بأقسى صوره والإيجاب بأهنئها. أما السلب فيتجلى في المدنية الحديثة بكل ما تحمله من فساد الأمكنة والأزمنة والأنظمة وبكل ما يمليه هذا الفساد المستشري من إحباط واستلاب واغتراب تفعل فعلها في نفسية الإنسان الحديث فلا يعود قادرا على النهوض بمعنى إنسانيته فضلا عن الارتقاء به، في أجواء كافكوية توحي بانمساخ الإنسان وتحوله عن بشريته. وأما الإيجاب المتمثل في وداعة ذكريات الماضي وهناء عيشه، فلا يكاد يجد له موضعا في معطيات الحاضر الوحشية التي تغتال الإنسان وتقتلعه من جذوره اقتلاعا. دمت أستاذنا الجليل مبدعا كبيرا.

د. كيان أحمد حازم
This comment was minimized by the moderator on the site

اخي وأستاذي الدكتور علي القاسمي مع خالص تحياتي لك لا زلت أعيش هلع الخوف حتى بعد انتهائي من قراءة القصه الرائعه فألتمسك عذراً ان خانني التعبير فالخوف الذي نعيشه منذ نعومة أظفارنا ولحد الآن والذي لا نستطيع ان نعٌبر عنه قد استطعت أنت بأسلوبك الرائع أن تعبٌر عنه وثق إنٌ الضحيه لا زال ينظر لنا ونحن نعيش الخوف والجبن

يوسف القاسمي اس
This comment was minimized by the moderator on the site

سرد مدهش يشد المتلقي بتتابع الأحداث المشوقة , وهو يربط بين تجهم الطبيعة ( ماء البحر المترامي , الشمس الغاربة التي ترحل إلى عالم آخر , والغيوم الداكنة ) وبين صخب المدينة (سيارات تتلاحق بسرعة وتنفث دخانا أسودا ...فيلتقي دخانا أسودا آخر تلفظه مداخن المصانع ويتجمعا في شكل غمامة ), وهو يعالج موضوعا إنسانيّا يضعه أمامنا وبذلك يجذبنا إلى ساحة السرد ويجعلنا مشاركين فاعلين . دام إبداعك أستاذنا الجليل العلّامة الدكتور علي القاسمي القدير.

بتول الربيعي.
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي العزيز المفكر المترجم الأديب الدكتور أحمد كيان حازم
شكراً لك على لطفك ووفائك، فقد طوقتني بكلماتك الكريمة.
وأشكرك كذلك على تحليلك الشمولي للقصة وتسليط الضوء على الربط الخفي بين أجزائها الذي قد لا يبدو جلياً للقارئ غير الناقد. ففساد البيئة في المدينة والظلم الذي ينصبّ على هذه البيئة، هو ذو علاقة وثيقة بفساد حكم الطاغية في البلاد والظلم الذي يحيق بسكانها.
أكرر جزيل شكري ومودتي واحترامي.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

شقيقي العزيز أبو أسامة يوسف القاسمي،
أشكرك على تعليقك النبيه الذي أشار إلى الخوف الذي يعيشه أبناؤنا طوال أعمارهم.

والمؤلم، يا أخي يوسف، أن أهل العراق منذ قديم الزمان وحتى اليوم يعيشون في خوف وحزن دائمين. وأحد الأسباب الرئيسة لذلك أن أرض العراق سهل خصب غني بالماء والكلأ والثروات، وهي محاطة بالصحاري والجبال الجرداء.وأهل تلك الصحاري والجبال يواصلون غزو العراق طمعاً بثرواته.

وفي العصر الحديث أخذت الدول الاستعمارية الكبرى تتكالب على ثروات العراق، وتفتعل الانقلابات العسكرية والحكومات العميلة التي تحكم بالنار والحديد، وتعمل على تجهيل الناس.

أما الفترات القصيرة التي تفوّق فيها العراق، مثل زمن السومريين والبابليين والآشورين والعباسيين، فكانت بفضل توافر قيادات حكيمة استثمرت في الإنسان نفسه عن طريق التعليم والبحث العلمي والمعرفة.
أكرر شكري ومحبتي .
أخوك علي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشكر الجزيل لصحيفة المثقف التي تقبل على نشر مثل هذه اللوامع الأدبية ..
حقا إن كتابة الأديب المبدع علي القاسمي جميلة وعميقة ومؤثرة. إنها قمة في الصدق والبهاء.
الدكتور علي القاسمي من الشخصيات التي يعز نظيرها.

دام الإشراق لأخي الحبيب ولمحبيه جميعا

د. الحسن الغشتول

د. الحسن الغشتول
This comment was minimized by the moderator on the site

مضمون جميل، يحمل بين حناياه رسائل عميقة. كما انه منفتح على قراءات متعددة. صخب المدينة المفزع، تناقضاتها الاجتماعية الصارخة؛ في المقابل هدوء القرية وسكونها، أخضرار حقولها المطلة على امتداد بحر تدثره زرقة السماء. وضعنا الكاتب أمام مشهدين متناقضين. البحث عن العمل في مدينة تنعدم فيها شروط الراحة، سواء الجسمية منها أو النفسية. ارتماء الكاتب في أحضان هدوء القرية، بعيدا عن ضوضاء المدينة، جعله ينعم بالهدوء والراحة. حدث غريب يمر أمامه، يفسد عليه هدوئه. جربمة بكل المقاييس في حق رجل لم يتذكر إسمه. رجل له مكانة في قلبه مذ كان طفلا. حب ترعرع ونما معه. حاول ان يفعل شيئا لانقاده، لكنه وجدا نفسه عاجزا عن الحركة. عجزه عن التحرك امام هذا الفعل الشنيع، جعله يحس بتأنيب الضمير.
الوطن الجريح حاضر وبقوة في وجدان الكاتب. يبدو ذلك جليا من خلال إبداعاته.
احترامي وتقديري. استمتعت بالقراءة.

بري الحسين
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي التربوي الأديب الأستاذ بري الحسين حظفه الله ورعاه،

أشكرك من القلب على هذه القراءة العميقة لقصة الخوف. ولفت انتبهاهي قولك إن النصَّ منفتح على قراءات متعددة. وهذ سرُّ القصة الجيدة، لأنها بذلك تضمن لنفسها حيوات كثيرة، فكل قراءة تمنحها حياة جديدة.

بيد أني لم أخطط لكتابة هذه القصة، بل فرضت نفسها عليَّ. فقد كنتُ مرهقاً وحزيناً بأخبار الوطن، ففكرتُ أن أذهب وأستريح في مقهى على شاطئ البحر بالرباط. وجلستُ هناك وأخذتُ أسرِّح نظري على سطح الماء أمامي. وفجأة رأيتُ ذ،لك المشهد: ثلاثة عسكريين مع الرجل المعتقل ..إلخ.
رحتُ أرتجف هلعاً، وأصابتني الحمى مدة يومين.

شكراً لتعليقك الكريم مع تمنياتي لك بالصحة والهناء والخير.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4718 المصادف: 2019-08-06 02:45:37


Share on Myspace