 نصوص أدبية

سأعود.. يا أُمّي!

علي القاسميالشمس تتثاءب، تتمطّى، تفتح عينيْها، تزيح دثار اللَّيل الداكن عنها، تُلقي أوَّل خيوطها الذهبيَّة على جبهة الفجر الفضيَّة. أزِفَ الموعد مع الرفاق. تناولتُ حقيبتي، علّقتها على كتفي، وضعتُ يدي على مزلاج الباب لأفتحه، صاحتْ أُمّي:

ـ هذا أنتَ، يا بُني؟ إنّني أُعِدُّ لك الفطور فلا تغادر قبل أن تأكل.

ـ سأعود، يا أمي، بعد قليل.

لحقتْ بي أُمّي؛ وعلى عتبة الباب، ضمّتني إلى صدرها، شممتُ أريج الحناء المنبعث من شَعرها. طبعتْ قبلةً على خدّي. لثمتُ يدها، وانفلتُ خارجاً إلى الدرب.

توجّهتُ إلى النهر لأعبر الجسر حيث الرفاق. داخلني شعور بأنَّني قد لا أرى شروق الشمس ثانية على هذا النهر. سرتُ مسرعاً في طرقات بلدتنا، القادسية، الواقعة على ضفة نهر الفرات وسط العراق. كانت عيناي تمسحان تراب الأزقّة، وتقبّلان عتبات الأبواب الموصدة في هذه البلدة التي لم أفارقها من قبل. الحرائقُ ما زالتْ مشتعلة هنا وهناك، يتصاعد منها دخانٌ أسودُ كثيف. لقد مرّتْ بنا دبابات الغزاة ومدرّعاتهم ومصفّحاتهم اللَّيلةَ الماضية. وفي ظلمة الليل، بُحّ الضجيج وماتت الضوضاء.

أخذتُ أعبر الجسر، لمحتُ الرفاق متجمّعين على الضفة الأُخرى تحت أشجار النخيل. لوَّحتُ لهم بيدي محيِّياً. لم يبقَ لي سوى خطواتٍ قليلةٍ لأعبر إلى الضفة الأخرى وألتحق بهم، عندما تناهى إلى سمعي أزيز رصاصة، ورأيتُ وهجها يتَّجه نحوي، يخترق جسدي، يمزّق أحشائي، ويستقرُّ في مهجتي. أسقطُ على حافة الجسر مضرَّجاً بدمائي. تسيل قطراتٌ قانيةٌ من دمي إلى نهر الفرات، وتختلط بمياهه الجارية، وتنسابُ خيطاً أحمرَ على صفحة الماء. ترتفع روحي من جسدي مثل يمامةٍ بيضاءَ، وترفرف فوق الجسر. أشاهد الرفاق يهرعون إلى جسدي، محاولين إسعافي. صرخاتهم تصمّ سمعي. ومن الأعالي خاطبتْهم روحي:

ـ " لا تذرفوا عليّ الدموع، يا رفاقي. سأعود إليكم قريباً. وسِّدوا جسدي لحداً على حافة النهر، لأنَّني لم أرتوِ تماماً من مائه الفرات، وانثروا عليَّ الورد الجوري.".

كلماتي ترتعش في النسيم، وتبقى معلَّقة في الهواء، فلا تبلغ الأرض.

تحلِّقُ روحي في الأعالي. أتَّجهُ مع الشمس غرباً. أُطلُّ من علٍ على صحار،ٍ ووهادٍ، ورمالٍ، وأنهارٍ، وحقولٍ خضراءَ، ومُدُنٍ عامرة بأهلها؛ يُخيَّلُ إليَّ أنني مررتُ بها من قبل، ربّما وأنا أمتطي صهوة جواد، أو في قافلةِ جِمال مسافرة. لا أدري كم مضى عليَّ من الوقت وروحي مُحلِّقة في الأعالي. لم يعُد الزمن يهمّني، أو أنّ سريان الزمن قد تجمَّد، فالوقت صباح دوماً، لأنّني كنتُ أسافر بسرعة الشمس، أو بالأحرى بسرعة دوران الأرض. أتوقّفُ أخيراً في فضاءٍ أزرقَ أخضر. تحتي نهرٌ يصبُّ في محيط. إنّه مصبُّ نهر أبي رقراق في المحيط الأطلسيّ في المغرب. يجذبني هدوء المكان وروعة المنظر، أهبط بسلامٍ في حديقةٍ بمحاذاة النهر. أجلس على مسطبة فيها، أيمّم وجهي شطرَ الشرق: مدينة سلا من ورائي، ومعالم مدينة الرباط أمامي.

أتلفَّتُ معجباً بجمال الطبيعة حولي. فجأةً، أشعر برعدةٍ في جميع حنايا روحي. فقد وقع بصري على شخصٍ يجلس على مسطبةٍ ليس بعيداً عني. هذا الشخص يُشبهني تماماً في كلِّ شيءٍ: ملامح وجهي، لون سحنتي، تصفيف شعري، بنية جسدي، الملابس التي أرتديها، ... حدّقتُ فيه مرَّةً تلو الأُخرى، فيما كان هو مستغرقاً في قراءة جريدته. نظرتُ إليه مراتٍ عديدةً، وفي كلِّ مرَّةٍ، يتأكَّد لي الشبه التام بيني وبينه، لدرجة تثير الذعر في أعماقي. أردتُ أن أقتربَ منه، وأتحدّث معه، ولكن الخوف شلَّني. حاولتُ أن أطمئنَ نفسي قليلاً قائلاً إن الله يخلق من الشبه أربعين.

شعرتُ برغبةٍ مُلِحّةٍ في التعرُّف عليه. أردتُ أن أسأله عن اسمه، وعمره، وعمله، وسكنه، وجميع ما يتعلق بحياته. فقد أحسستُ أنّ شؤونه تهمّني فهو شبيهي، بل شعرت أنّه نفسي. بَيدَ أنَّني تردَّدتُ في الإقدام على توجيه الكلام إليه، لئلا أُفسد عليه خلوته، أو أقطع عليه قراءته (كان والدي يصفني في صغري بالخجل وميلي إلى الانعزاليّة). في تلك اللحظة، طوى جريدته، ونهض من مقعده، خارجاً من الحديقة. لم أستطِع مقاومة غريزة حبِّ الاستطلاع التي انتفضت في أعماقي. فخطرتْ لي فكرة غريبة، هي أن أتبعه لأعرف شيئاً عنه، من غير أن أخاطبه. وعلى الرغم من كرهي المتأصَّل لرجال المخابرات الذين أذاقوني أمرَّ أيامي، قمتُ من مكاني، لأترسَّم خطواته، ولم يخطر ببالي أنَّ عملي ذاك في ترصُّد الرجل، يقع في دائرة التجسُّس.

سار ببطءٍ، واتّجه إلى مدينة الرباط القديمة (الوداية)، المطلَّة على مصبِّ نهر أبي رقراق في المحيط الأطلسي. مشى في دروبها، ثمَّ انتهى إلى زقاق، تبينتُ لدهشتي أنّه يُشبه زقاقنا في بلدتي القادسية وسط العراق، بجدرانه المطليّة باللَّون الأبيض، ومنازله المشيَّدة على الريازة العربيّة، وأبوابها الخشبية المزيَّنة بالمقرنصات، وأقواسها المرصَّعة بالزليج. إنّه يشبه زقاقنا هناك في القادسية، بل إنّه زقاقنا بعينه. هنا، أخذتُ أحثّ الخطى لأقترب من الرجل. رحتُ أتبعه كظلّه أو هو كظلّي. ثمَّ أقتربَ من منزلٍ تبيَّنتُ فيه دارنا، وتوقّف عند الباب. وعندما دنوتُ منه، أخذ جسده يتطابق مع جسدي ويندمج فيه عضواً عضواً، كما ينطبق الظلُّ على الأصل رويداً رويداً، بفعل تغيُّر المسار أو بسبب تعامد الشمس وقتَ الزوال، حتّى أصبحتْ يده القابضة على مطرقة باب الدار يدي. طرقَ أو طرقتُ الباب طرقتيْن متتاليتيْن، وبعد لحظةٍ طرقةً ثالثة، وهي العلامة المُتعارَف عليها بيننا نحن أبناء الدار.

فتحتْ أُمِّي الباب. تهلّل وجهها، وانبسطت أساريرها عندما رأتني، وهي تقول:

ـ عُدتَ، يا ولدي. نحن في انتظارك لتناول الفطور.

تبعتها وأنا أحملق في أرجاءِ الدار. هذه باحة الدار ذاتها. وها هم أخوتي متحلِّقين حول السفرة، في ظلِّ نخلتنا الباسقة. دلفتُ إلى غرفتي أوَّلاً. وجدتُ منضدتي كما تركتُها، وعليها دفتري الذي أدوّن فيه مذكِّراتي. كُتبي الأثيرة كما هي على الرفوف التي تعلو المنضدة: القرآن، نهج البلاغة، ديوان المتنبي، ألف ليلة وليلة، رحلات السندباد البحري. تساءلتُ في نفسي ما إذا كانت رحلتي هذا اليوم هي إحدى رحلات السندباد. لكنَّ السندباد انطلق من خليج البصرة إلى الشرق، أمّا أنا فرحلتُ مع الشمس إلى الغرب.

وعلى السُّفرة، قال لي أخي الصغير:

ـ قبل قليل سمعنا إطلاق نار على الجسر. جريتُ لأتبيَّن الأمر. ألفيتُ أنّ مسلَّحِين مجهولين أطلقوا النار على بعض الأهالي العابرين وأردوا أحدهم قتيلاً.

وقالت أمي:

ـ انتحبتْ روحي وحزنَ القلب.

وعلَّق أخي الكبير قائلاً:

ـ إنّهم ينحرون الناس الأبرياء، ويغتالون الفرح في عيون الأطفال، كلَّ يوم.

أمّا أنا فبقيتُ صامتاً، واجماً، في حيرةٍ من أمري.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (12)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب العلامة
اولاً اعتذر لتأخري في التعليق لهذه القصة المدهشة في مكونات خلقها وصياغتها , ويجب التوقف في ألية التحليلية لجوانب هذه القصة القصيرة , او الحدث السردي . آلية البنية الفنية , وصياغة الرؤية الايحائية في دلالتها الفكرية والفلسفية . ان جمالية السرد متعدد آليات والمكونات والتعاطي والطرح , لذلك سأترك الحديث في التعبير الدقيق وبليغ , عن ما يشهدة العراق من ثورة عظيمة , ثورة الشباب , او المارد العراقي الجبار , تحدى الموت والخوف والسلطة الانتقامية , في اسلوب القتل الجماعي . في تظاهرات الشباب في الساحات والجسور وجسر الجمهورية يشدهد الملحمة البطولية لهذا العراق العظيم , الذي انبعث به الروح من الرماد والدخان كالطير العنقاء , بواسطة الشباب الملهم بعظمة التحدي والصمود . في عنفوانها الجبار والعظيم الذي خلاق ملاحم بطولية . هذا يحتاج الى اسهاب طويل . ولكن انا بصدد آلية التحليل في البنية والبناء السردي بمكوناته المتنوعة . بهذه الجمالية الفذة في النص السردي او الحدث السردي . في بنية البنائية في بناء الزمكان . المتفاعل والمترابط والمتداخل . بصدد هذه الجمالية في التلاعب الفذة في الزمكان . يعني اختصار الازمنة في زمن واحد ( الحاضر . الماضي , مابعد الحاضر ) واختصرها بالفعل الجاري تواً في الزمن , واختصار الامكنة في صوب مكان واحد ( البيت , الجسر . المدينة القادسية في وسط العراق . المغرب / الرباط ) واختصارها بعد هذا التنقل الى المكان الاول . البيت . يعني هذا الترابط المتداخل بين الزمن والشخصية . بين المكان والشخصية . يعني خلق عالم الزمن المدهش في زمكان واحد , على خلفية الررؤية الفكرية والفلسفية الدالة بعمق الايحاء والتعبير . هذا التلاعب الجمالي المدهش في الزمن والحدث الواقعي . في تدعيم النظرية الفكرية والفلسفية , في مسألة الحياة والوجود , والمسألة المهمة , هي مسألة الحياة المتوازية .أو الوجود الموازي , واقول بثقة , ان الاديب العلامة يدخل صنف القصة القصيرة في طور تجريبي نوعي , في اسلوبية تعاطي الحدث او السرد . التي تعتمد على خلفية الرؤية الفكرية والفلسفية . بأن هي التي تقود الابداع الفني وليس العكس , وهذا قلما نجده في فن القصة القصيرة الحديثة , هذه القدرة الابداعية المتمكنة . سأحاول ان اوجز باختصار مضامينها :
× الحاضر : حدث واقعي في التظاهر والاحتجاج . واعتقد هذا الاختيار الملهم في الحدث الجسر مكان الرئيسي للقتل الوحشي او الرصاصات الغادرة , يعني بالضبط كما يحث في جسر الجمهورية في بغداد من قتل مروع ضد الشباب الذي تحدى الموت ( ـ " لا تذرفوا عليّ الدموع، يا رفاقي. سأعود إليكم قريباً. وسِّدوا جسدي لحداً على حافة النهر، لأنَّني لم أرتوِ تماماً من مائه الفرات، وانثروا عليَّ الورد الجوري.". ) .
× الاستباق : هو حدس وتنبؤ الام بحنانه الطاغي . بأنها تودع ابنها الوداع الاخير المؤلم , قبل ان تصيبه الرصاصة الطائشة في الجسر لتصرعه ( لحقتْ بي أُمّي؛ وعلى عتبة الباب، ضمّتني إلى صدرها، شممتُ أريج الحناء المنبعث من شَعرها. طبعتْ قبلةً على خدّي. لثمتُ يدها، وانفلتُ خارجاً إلى الدرب. ) .
× حركة الزمنية في الاسترجاع ( فلاش باك ) بعد الحدث المؤلم , يتذكر الماضي امام مفاجأة لم يتوقعها , ليعود الى حادثة الجسر وصرعه في رصاصة الغدر , وهو جالس في الرباط / المغرب . ويجلس مقابله شاب يقرأ جريد يشبهه تماماً , كأنما هو . ويحاول ان يحل اللغز الذي امامه , ولكن يتذكر وصية اباه في الصمت والخجل , يعني الخلفية الموروثة , منعته في حل اللغز . وضاعت عليه الفرصة . وما ضاعت علينا الفرص بسبب الخلفية العقلية الموروثة .
×× الامكنة : هذا الترابط والتداخلي العضوي في الامكنة تدور حول حلقة وترجع الى المكان الاول ( البيت . الجسر . مدينة القادسية في العراق . الرباط / المغرب . ثم العودة الى البيت المكان الاول ) يعني هذا الارتباط والترابط المتداخل . يدل على علاقة المكان بالشخصية . كما هو ايضاً علاقة الزمان بالشخصية , في هذا التداخل الحياتي والوجودي , على الرؤية الفكرية والفلسفية . هذه المسألة العويصة . لكن الاديب العلامة يدس هذه الرؤية في اسلوبه السردي الفذ . واعتقد انه يملك الريادة في الطرح والتحليل . في مسألة مهمة . هي في الحياة المتوازية , او الوجد الموازي . يعني يضعنا في حيرة ولغز . هذا الشاب العائد الى البيت . هل هو نفس الشاب الذي صرعته رصاصة غادرة ؟ أم انه الشبيه له في التماثل والتشابه ؟ , الشاب الذي كان يقرأ جريدة , وتفاجئ بوجوده وهو في الرباط / المغرب .
ـ قبل قليل سمعنا إطلاق نار على الجسر. جريتُ لأتبيَّن الأمر. ألفيتُ أنّ مسلَّحِين مجهولين أطلقوا النار على بعض الأهالي العابرين وأردوا أحدهم قتيلاً.

وقالت أمي:

ـ انتحبتْ روحي وحزنَ القلب.

وعلَّق أخي الكبير قائلاً:

ـ إنّهم ينحرون الناس الأبرياء، ويغتالون الفرح في عيون الأطفال، كلَّ يوم.

أمّا أنا فبقيتُ صامتاً، واجماً، في حيرةٍ من أمري.
هذا الصنف الادبي الجديد , يدخله في محاولات تجريبية , اعتبرها تطور نوعي في اسلوبية السرد في النص القصصي . ينتمي الى الابداع الخلاق والمبتكر للعلامة الاديب . لا ينتمي هذا الصنف الابداعي , الى ادب الخيال العلمي , او ما وراء الطبيعة أو ادب التخيل او النداهة . مثلاً رواية الكاتب خالد احمد توفيق , في رواية ( النداهة ) في التخيل والنداهة , ضمن الخيال العلمي . وهذه القصة لا تنتمي الى هذا الصنف . أو مثلاً رواية يوسف ادريس ( النداهة ) ايضاً واقعية الحدث , فلاح بسيط يتخيل , او يتوهم بأنه يسمع اصوات تنادية , يسمعها و دون الاخرين , يعني الادب التخيل او النداهة . وهذه القصة لا تنتمي الى هذا الصنف , ادب التخيل . لذلك ان الاديب له منهجية اسلوبية خاصة في طرح هذه الرؤية قد تكون جديدة , في اسلوبية السرد القص . كما اشتغل عليها في ابداع في مجموعته القصصة ( حياة سابقة ) لذلك اعتقد ان العلامة الاديب يدخل السرد القص في تطور نوعي . في ادخال هذا الصنف الادبي . في الحياة المتوازية , او الوجود الموزي . واعتقد انه رائداً في هذا الصنف وتجريبه
ودمت بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز المفكّر الأديب الأستاذ جمعة عبد الله،
شكراً جزيلاً على تعليقك المذهل على قصتي القصيرة. وهو تعليق لا يكتبه إلا مَن تجمّعت له حصيلة فكرية وازنة كمّا وكيفاً.
أشاركك الحزن والأسى على أبنائنا الشباب العراقيين الذين يطالبون بالكرامة الإنسانية وحقوقهم المشروعة، فيسقطون شهداء برصاص الغدر والجهل والفساد. ولكن، كما قلتُ في كتابي " معجم الاستشهادات":

" عندما يتعرّض الوظن لمحنة، لا نملك ـ نحن الذين نتعاطى بذر الحَرفِ وجني الألم ـ سوى باقة كلمات نضعها على ضريح مَن جاد بروحه في سبيل الوطن."

أرجو أن تتقبل مني أسمى عبارات الشكر والمودة والاحترام.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

أتذكر قصة من قصص علي القاسمي وهي بعنوان "التخاطر"، حين يعمد القاص إلى تقنية التخاطر (télépathie)، وهي التقنية التي تمكن القاص من رؤية ما يقع وراء نطاق البصر، وغيرها من الحواس الأخرى، حيث تنتفي الحدود بين الأزمنة والأمكنة، وبين الشخصيات المستحضرة. هذا ما نجده في هذه قصة "سأعود يا أمي" التي تسعف القاسمي تقنية التخاطر لتمثل ما يجري في عراق اليوم، وتمثيله قصصيا، حيث نلاحظ تعددا للأمكنة، فمنها الواقعي الذي يشير إلى العراق اليوم في زمن الثورة، ومنها الأمكنة المستوحاة من زمن الطفولة، ومنها أمكنة الاغتراب والمنفى بالرباط، كما أن الأزمنة هي الأخرى ترتد إلى أزمنة في العراق حينما تغادر الشخصية منزلها لتلقى حفتها بعد ذلك، وأخرى في المغرب حينما ظهر السارد ومضاعفه فجأة في أحد شوارع الرباط لا العراق..
فما لفت انتباهنا في هذه القصة بالذات إلى جانب أسلوب التخاطر، هو صيغة الشخصية التي يمكن أن نطلق عليها الشخصية القصصية المضاعفة (double)، حيث نجد أن هناك شخصيتين تنصهران في شخصية واحدة، وهذا الانصهار أو يمكن أن نسميه أيضا الانشطار مرده إلى توازي أحداث الماضي، مع ما هو موجود في العراق الحاضر على صعيد قيام الثورة التي تتشابه ما بين الزمنين، لذلك تكون الشخصية أمام حدث في الماضي شاهدة عليه وفاعلة فيه، وأخرى في الحاضر ربما متأثرة بالمشهد الثوري لكنها لا تستطيع أن تساهم في الثورة؛ وأضعف الإيمان هنا هو أن تستحضر الشخصية نفسها في زمن آخر كانت فيه فاعلة، مقابل هذا الزمن الحاضر الذي باتت فيه منفعلة بما يجري في العراق الذي تعتبره دائما في القلب...
بارك الله لنا في أديبنا الرائع القاص والأكاديمي علي القاسمي، ودمت متألقا كعادتك...

د. عبد المالك أشهبون
This comment was minimized by the moderator on the site

قصة جميلة أنيقة ومثيرة
إحالة الازمة والامكنة والشخص على اشبهها وكانها عملية تناسخ تعيد الروح إلى زمانها ومكانها وجسدها
ذاك حلم الدكتور علي قاسمي
حلم معانقة امه وبيته وإخوانه وبلدته ورفاقه
حلم العودة إلى الذات
العودة إلى الطفولة الحنين الي ذلك الماضي
ليست الرباط وسلا وابو رقراق والاوداية سوى صور بديلة تعويضية في خيال ووجدان القصاص للقادسية والفرات والعراق والاهل
رغم الفرق هي اشبه بمقولة درويش
احن الي خبز امي وقهوة امي....
عد عريقا مجيدا أيها العراق

مالكة العاصمي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الحبيب المفكر الأديب الدكتور عبد المالك أشهبون
أشكرك شكراً جزيلاً على تعليقك الكريم الذي تتوافر فيه أركان النقد الأكاديمي.
وأتفق معك في أن القصة تقع في مجال علم النفس الموازي الذي خصّصتُ له مجموعة قصصية كاملة هي " حياة سابقة". فهل حياتي في المغرب هي نسخة من حياتي في العراق.
أشعر بأنني محظوظ لأن الحياتين طيبتان. ولا يؤرقني سوى هموم أهلنا في العراق الذي هيمنت عليه طبقة سياسية فاسدة تتشبث بالسلطة على الرغم من المظاهرات المتواصلة منذ ثلاثة عشر عاماً، فتقابلها السلطة بالرصاص الحي فيستشهد المئات في كل مرة ويصاب آلاف من الشباب.
أكرر شكري ومودتي.
أخوك: علي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذتنا الجليلة الشاعرة المناضلة الرائدة مليكة العاصمي.
أشكرك على تعليقك الوديع كحمامة، المموسق كقصيدة.
وأجمل ما فيه، وأنت الباحثة الناقدة، أنك ربطت الناتج بالمُنتِِج، أعني القصة بكاتبها، وحالته النفسية عندما كتب النص. في وقت تُهمِل هذا الجانب كثيرٌ من المدارس النقدية الحديثة، وتصرُّ على النص ولا شيء غير النص.
ولهذا جاء تعليقك الكريم نابضا بالإحساس، دافئاً بالمشاعر الإنسانية، يرفل بالمحبة والحلم والأمل.
فشكراً لك من أعماق الروح، سيدتي الكريمة .
معزّكم: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

مساء الخير
لله درك استاذ القاسمي .. مفارقة غريبة مشحونة بالحنين ومطرزة بكلمات تعكس الصورة الأدبية ....اردت قارىء يحتار في مفهوم النص و يبحث فيه عن دات الكاتب البطل ....... حيرة الموت الدي يكمن في الهجرة و حيرة الحياة التي يرويها حنين العودة ...الحنين الى الوطن في رمزية الام.....
لغيت مسافة عمر بأكمله لتدكر الرحيل و العودة ....الغاية و الهدف ....او ربما تركت روحك هناك ورحلت وعشت غريبا عن نفسك ...التي ظلت تاخد شخصية المراقب ....

قارئة حائرة
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي القارئة الحائرة المحيِّرة،
أشكرك شكراً مستحقاً على هذا التحليل العميق لفعل الكتابة، بكلمات قليلة موحية، تجمع بين الموت والحياة في فسحة صغيرة محدودة، بلغة شعرية شاعرية، وبصنعة عجيبة.
ويظل القارئ محتاراً متسائلاً: مَن هذه الكاتبة التي تملك خلطة سحرية مدهشة، ولكنها تبخل باسمها ولا تروم الظهور؟!
أكرر عبارات شكري وإعجابي واحترامي.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

لكم استادي المقتدر جزيل الشكر على منحي فرصة التعبير في عمودك الادبي بين أدباء كبار ...تحياتي

القارئة الحائرة
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي ،
لا شكر على واجب.
من حقك التعليق على قصتي، ومن واجبي الاطلاع على التعليق، وشكر صاحبه والثناء عليه أو مناقشته. وهذا ما فعلتُه.
ولهذا تُسمى هذه المواقع بالتفاعلية، لآنها تسمح بالتحاور بين الكاتب والقارئ؛ وفي التفاعل بينهما منفعةٌ لكليهما.
مع أطيب التمنيات.
علي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

أقصوصة قصيرة جدا من وحي قصة كاتبنا الكبير الدكتور علي القاسمي:
وقعت بين يدي قصة للدكتور علي القاسمي أخذت كعادتي أقرؤها بشغف، بل ألتهم كلماتها، فأسرتني بمفارقاتها وازدواج شخصيتها وأزمنتها وأمكنتها وأحداثها، وكنت أسابق الزمن وأتنقل بين السطور مسرعا عجلا خشية أن يدهمني الوقت فينقطع الإنترنت، فالقطع المبرمج يشمل كل شيء في بلادي: الحياة، والماء، والكهرباء، والإنترنت. فبدأت أجمع أفكاري المشتتة وألملم كلماتي المبعثرة لأصوغ تعليقا يليق بقصة كبيرنا، وما إن شرعت أدون بعض خواطري حتى انقطع الإنترنت، فاسترجعت وحوقلت، وتلبثت عدة أيام لأكتب هذا التعليق القصير جدا!!!!

د. كيان أحمد حازم
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي الأديب المترجم المتألق الدكتور كيان أحمد حازم
أشكرك من القلب على وفائك ومودتك وحرصك على كتابة كلماتك التشجيعية الجميلة. وأنا أتألم غاية الألم للإجراءات الظالمة التي تتخذها حكومة العراق لوضع حد للمظاهرات السلمية التي يقوم بها الشباب العاطل عن العمل، للمطالبة بحقوقه المشروعة في التشغيل والخدمات ووقف الفساد والطائفية والمحاصصة. وعندما يقطعون الإنترنت عن الشعب، فإنهم لا يحلون المشكلة بل تخسر خزينة الدولة مليارات الدنانير كل يوم.
الإجراءات الصحيحة لوقف المظاهرات هي: دعوة الشباب العاطل عن العمل بالتوجه إلى مكاتب وزارة الشغل والشؤون الاجتماعية في العاصمة والمحافظات، لتعينه حالاً مع ثلاثة رواتب شهرية مقدماً، وتوفير المبالغ اللازمة لتشغيلهم من تعديل نظام الرواتب والمخصصات الإضافية المبالغ فيها التي تتمتع بها الطبقة الحاكمة، ومن وقف الاختلاسات والرشاوي وسرقة أموال الأمة، واستعادة الأموال المنهوبة . ولو أعلنوا هذه الإجراءات صادقين حقاً لانشغل الشباب بإجراءات التوظيف وتوقفت المظاهرات ومعها قتل العراقيين المتواصل منذ ثلاثة عشر عاماً، وهي ظاهرة لم تعرفها المظاهرات الأخرى في جميع دول العالم في هذه الفترة من الصين إلى الجزائر مروراً بلبنان.
أكرر تحياتي ومحبتي واحترامي لك مفكرّنا الصاعد الدكتور كيان.
محبكم: علي القاسمي

علي القاسمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4808 المصادف: 2019-11-04 04:04:55


Share on Myspace