 نصوص أدبية

نينوى أينَ أنتِ؟!

عبد الله سرمد الجميلغيرُ صوتِ الإسعافِ لا ليسَ يُسمَعْ

               في زمانٍ بهِ الرضيعُ يُروَّعْ

كم جدارٍ عليهِ عُلِّقَ نعيٌ

                   كانَ ظلّاً للملتقى فتصدَّعْ

إنّما عُمرُنا مسلسلُ موتٍ

                 كلّما كادَ ينتهي قيلَ: يُتبَعْ..

أيُّها الموتُ من تُراكَ؟ صديقاً؟

                     أم عدوّاً بزيِّ خِلٍّ تقنَّعْ؟

أم بلاداً قد أوهمَتْنا بأنّا

           في جنانٍ نعيشُ والأرضُ بلقَعْ؟

أم رئيساً قد ظلَّ يزعُمُ أنّا

             خيرُ ناسٍ ونحنُ أجدَعُ أسفَعْ؟!

لا تلوموا الجارَ الذي كانَ ذئباً

           بل فلوموا الرُّعيانَ للذئبِ تشفَعْ

فالبيوتُ التي ابتناها بنوها

                 وهْيَ قَشٌّ واللهِ لن تتزعزعْ

والبيوتُ التي ابتناها غريبٌ

               من حِجَارٍ يجيءُ يومٌ وتُنزَعْ

أوّلَ الأمرِ كنتُ أبكي كثيراً

              تُوشكُ العينُ أن تذوبَ بمدمعْ

آخِرَ الأمرِ صرتُ أُغضي وأمشي

                    فكثيرُ الجراحِ لا يتوجَّعْ

نينوى أين أنتِ؟ أسمعُ صوتاً:

           إنّني فيكَ، أغمض العينَ أَسطَعْ

كنتِ كأساً من ماءِ دجلةِ ملأى

                   فإذا اليومَ بالدماءِ ستُترَعْ

الجسورُ التي عبرنا عليها

              ها هيَ الآنَ بالمتاريسِ تُقطعْ

والمناراتُ إذ نَفيءُ إليها

             هدموها لذا السَّما تتضعضعْ

لسْتَ تُدعى عندَ الهوى مَوصِلِّيّاً

              لو بغيرِ الحدباءِ قد كنتَ تُولَعْ

لسْتَ منها إنْ لم تُغنِّ دلالاً

           وسُعاداً، من عودِ عثمانَ تخشعْ

الربيعانِ قبلَها لم يكونا

              وكُوى القلبِ من حَياها تُرقَّعْ

تتمشى الغيومُ فيها قطيعاً

                بعصا البرقِ والنسائمِ تُقشَعْ

ترتدي الليلَ نجمةً نجمةً، خلـْ..

               خالُها كالهلالِ للعُمْيِ شَعشعْ

ليسَ فيها الذي ذكرتُ ولكنْ

                    زاهدُ الحبِّ بالقليلِ يُمتَّعْ

                ***

د. عبد الله سرمد الجميل

شاعر وطبيب من العراق

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

لقد رثيت الموصل كما رثى ابن الرومي البصرة
وقد اخترتما بحر الخفيف في وصف ثقل المأساة
يقول ابن الرومي من ضمن ما يقول في قصيدته
ذادَ عن مقلتي لـــذيذ المنــام*** شغلها عنه بالدموع السجام ِ
أيُّ نوم ٍمن بعد ما حلّ بالبصـ ****ـرةِ من تلكمُ الهنات العظام ِ
إنَّ هذا من الأمـــورِ لأمـــــــرٌ *** *كادَ أنْ لا يقومُ في الأوهام ِ
لهف نفسي عليك أيّتها البصـــ ***ــرة ُلهفا كمثل لهبِ الضّرام ِ

وأقول معك لهفي على الموصل
التي خربتها داعش

علي حسين
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الدكتور والشاعر عبد الله سرمد الجميل

قصيدة مؤلمة حقاً، ولا يسعني أن أقول إلا ما قلته للشاعرة إنعام كمونة التي تناولت نفس الموضوع في قصيدتها المنشورة اليوم..

أما وقد "انتصر" الجلادون على الحجر، غير أنهم لم ولن يستطيعوا صرع التاريخ والخيال..نينوى لا تجهل إنها تعرضت لأعظم ما مر بها اليوم، ولكن الجهلة لا يعرفون ان الحلم أقوى من الحقيقة..


تقبل بالغ مودتي

ودمتَ بخير وعافية وعطاء مستمر

عامر كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر د. عبد الله سرمد الجميل... تحية طيبة وسلام. وامنيات بالعافية. نص جميل محمّل بالشجن والحنين لنينوى ام الربيعين والالوان والكرنفالات والزهور والاغاني النابضة بالترف والاُلفة والامان....نينوى هي الباقية وكلهم يرحلون... مازلت اتمنى ان تنطلق في قصيدة التفعيلة فلديك فيها اسلوب مميز ورمزية محببة ومحاولات جادة لتحفيز مخيلة المتلقي... دمت مبدعاً وشاعرا متألقاً.

احمد فاضل فرهود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5163 المصادف: 2020-10-24 02:41:31