 نصوص أدبية

بدون فضائح

راضي المترفيلم يكن حدسا لكنها الصدفة المجردة التي دفعت امر الدورية للطلب من السائق التوقف أمام هذه البناية بعد الساعة العاشرة مساء بدقائق معدودة وعند ترجله من السيارة شاهد شخصا يقفز من شقة في الطابق الثاني وسقط قريبا منه وعند لحظة السقوط لم يتبادر إلى ذهن امر الدورية غير ان هذا الساقط من الأعلى لم يكن غير لص دخل الشقة في غياب ساكنيها ولما فتحوا بابها قفز منها للشارع لكي لا يمسك بالجرم المشهود . كلمه فلم يرد عليه سوى بتاوهات وتوجع وتجمع حولهم بعض المارة لكن الدورية حملته إلى داخل السيارة وذهبت به نحو المستشفى وفي الطريق اتصل امر الدورية بالجهات ذات العلاقة وزودهم بتقرير شفهي عن الحال فصدرت الأوامر بايصاله المستشفى والتحفظ عليه لحين وصول الحراسة .

تبين في المستشفى انه أصيب بكسر في ساقه وبعض الكدمات والرضوض البسيطة وسمح الطبيب المعالج باستجوابه لكنه امتنع عن الإدلاء بأية معلومات عن سبب قفزه من الشقة ولم يرد على التهمة التي وجهت له فظن المحقق انه لص شعر بدخول اهل الشقة فقفز منها حسب ما جاء في تقرير امر الدورية الشفهي بعدها قام المحقق بالاتصال بأمر الدورية والطلب منه الذهاب إلى الشقة المذكورة والاستفسار من صاحبها في حال تعرضها للسرقة ومن ثم الاتيان به إلى المستشفى للتعرف على المتهم .

. طرق امر الدورية باب الشقة ففتح له رجل ثلاثيني له بعض الوسامة والهدوء ورحب به وسأله عن سبب الزيارة فأخبره امر الدورية بقضية الرجل الراقد في المستشفى وقفزه من شقته وتهمة السرقة وطلب منه تفقد المحتويات وطلب منه الدخول ريثما يقوم بذلك وعند استقراره في غرفة الضيوف أخبره صاحب الشقة انه عاد للبيت قبل العاشرة بقليل وطرق الباب فلم تفتح زوجته الباب إلا بعد عشرين دقيقة ولما سألها عن سبب تأخرها اعتذرت بتعكر مزاجها . هنا شعر امر الدورية انه امسك بأول خيوط السر وان الأمر ليس سرقة فطلب منه التأكد من عدم وجود أشياء مسروقة والاتيان بزوجته وذهب وعاد سريعا مع زوجته وأخبر بعدم وجود مسروقات ومن دون إضاعة للوقت سأله امر الدورية : اين تقع غرفة نومك ؟ وطلب منه الذهاب معه إليها مع التأكيد على بقاء الزوجة في مكانها ولما دخلها وجد انها تطل على الشارع ولازال الشباك الذي قفز منه المتهم مفتوحا ولاحظ تناثر زجاجات خمر فارغة في المكان واعقاب اكثر من نوع من السجائر ثم طلب منه أن يصاحباه هو وزوجته إلى مركز الشرطة واتصل بالمحقق وطلب منه ترك المتهم تحت الحراسة والعودة إلى مركز الشرطة وانتظاره في غرفة التحقيق .

. في الطريق إلى مركز الشرطة دارت في رأس امر الدورية عشرات الأفكار واكثر من سيناريو لجريمة خيانة زوجية قد تكون معتادة وتنفذ كل يوم إلا أن عودة الزوج في وقت غير متوقع هو من أدى إلى كشفها وخوفا من الفضيحة رمى المتهم نفسه خارج غرفة النوم وربما بسبب كونه أخ أو صديق حميم للزوج المخدوع لكنه تظاهر بعدم الاكتراث وسال الزوجة بطريقة تبدو عفوية .. كم مضى على زواجكما ؟ فأخبرته أنهما تزوجا منذ سبعة سنوات وانتقلا إلى هذه الشقة في المجمع الذي خصصه البنك لموظفيه قبل خمسة سنوات وأنهما يعيشان حياة زوجية رتيبة إذ لم ينحبا أطفال وان زوجها كان كثير الارتياب بها لكنه لم يتعدى حدود ارتيابه من الكلام للفعل ولم تحاول الانفصال هي .

.دخلا على المحقق بصحبة امر الدورية فاجلسهما امامه متقاربين ورحب بهما واختلى بامر الدورية لعدة دقائق ثم عاد الى مكانه وامر بفتح المحضر وسال الزوج: اشرح لي بالتفصيل اين قضيت وقتك الذي كنت به خارج السكن ولا تنسى تفاصيل العودة وتاخرها في فتح الباب لك ؟

انا اعترف اني كثير الارتياب بزوجتي لكني لا ابني عليه أمرا واعتدت أثناء العمل وفي فترات خروجي منفردا الاتصال بها وسؤالها عن مكان تواجدها ثم بعد ذلك اطلب منها ان تصور نفسها في المكان وترسلها لي وينتهي الأمر علما انا وهي بلا اصدقاء أو معارف عدا صديق يعمل معي في نفس المصرف اعتاد زيارتي في البيت والسهر عندنا مرة لمشاهدة فيلم وأخرى نلعب الورق وغيرها للدردشة وأحيانا تأتي زوجته معه لكن في كل سهراتنا شبه اليومية تكون زوجتي معنا وفي هذا المساء اتصلت بها وسالتها عن مكان تواجدها فاخبرتني انها في السوق لشراء بعض اللوازم والاحتياجات فاكدت عليها ان لاتنسى شراء لوازم سهرتنا اليومية فطمانتني وكالمعتاد طلبت منها التقاط صورة وإرسالها لي ولما وصلتني الصورة وجدت أنها التقطتها في البيت فارتبت في ذلك وقررت الرجوع إلى الشقة وعند الباب بحثت عن مفتاحي الخاص فلم أجده فطرقت الباب لأكثر من مرة لكنها تأخرت لمدة عشرين دقيقة فزاد ارتيابي بها وحاولت البحث عن دليل إدانة وشغلت نفسها عني بدخول الحمام حتى طرقت الشرطة الباب وسالوني هل تعرضت شقتي للسرقة ؟ .

. التفت لها المحقق وسألها عن سبب ارتياب زوجها الدائم بها ؟ وهل لتصرفها علاقة بذلك أو أن لها ماض يدفعه للشك بها ؟ ثم قدم لها سجارة من احد النوعين الذي رآهما امر الدورية في غرفة النوم فاعتذرت بعدم تغيير نوع سجائرها وقالت:

منذ زواجنا وانا اعاني من بروده العاطفي وانغماسه بعمله وتقديمه على كل امر اخر إضافة إلى كوني بلا اصدقاء في هذا المجمع الكبير ولا عندي أقارب اتزاور معهم ولا عمل يشغلني ساعات الدوام فأصبح منهاجي الدائم الذهاب إلى السوق والتجوال وشراء الاحتياجات اليومية ومن ثم الطبخ وانتظاره على الغداء وهكذا سارت حياتنا بشكل نمطي إضافة على عدم رغبته في إنجاب أطفال حتى زارنا صديقه الوحيد إلى شقتنا ذات مساء وسهر معنا وكان لطيفا ودودا واستمرت زياراته لنا بشكل شبه يومي ندردش ونشاهد التلفاز أو نلعب الورق نحن الثلاثة وسهرات معدودة كانت زوجته تحضر معه

سألها المحقق :

. هل زاركم هذا الصديق يوما في غياب زوجك ؟

. نعم اكثر من مرة

. وماذا فعل في هذه الزيارات ؟

. كنا ندردش ونلعب الورق احيانا وندخن ونحتسي القهوة أو بعض الخمر حتى اعتدت على وجوده في حياتي

وعندما هم المحقق بسؤالها عن تواجده هذه الليلة وماذا فعل بها واتصال زوجها وارتيابه بعد إرسال صورتها في البيت وهي التي أخبرته أنها في السوق رن التلفون فرفع السماعة المحقق فاخبروه ان المتهم اختفى من المستشفى بطريقة غامضة ولازال البحث جاريا عنه فامتقع لون المحقق وانتبهت هي لذلك قبل غيرها لكنه عاد إلى ثباته وطلب منها ومن زوجها وامر الدورية الذهاب معه للمستشفى .

. عند وصولهم للمستشفى لم يجدوا للمتهم اثرا ولم يتم تدوين اسمه أو عنوانه أو حتى صورة له مما أسقط في يد المحقق من مواجهتها به او ترتيب لقاء للزوج بصديقه الخائن المفترض فعاد بهم إلى مركز الشرطة ووجه للزوجة السؤال التالي :

. وماذا فعلت في ساعات غياب زوجك اليوم ؟

. لا شيء تمددت على الأريكة في غرفة الضيوف ونمت وعندما طرق الباب لم يكن لي مزاج للنهوض وفتح الباب حتى اضطررت للنهوض وفتحه بعد تواصل الطرق عليه

. الم يزوركم صديقكم اليوم في ساعات غياب زوجك ؟

. لا واذا عندك شك في ذلك فاستدعه وتأكد منه بنفسك واذا كان زوجي شاكا بحضوره فليطلقني ان رغب بذلك .

. التفت المحقق للزوج فقال الزوج :

. نعم سأذهب معك للماذون لتثبيت الطلاق لكن بعد أن يغلق المحقق المحضر بدون فضائح .

***

قصة قصيرة

راضي المترفي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

سرد راقٍ وممتع من قلم رزين وجميل
طاب نهارك بالخيرات والمسرت أيها المترفي
احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

ست بشرى لعيبي
ممتن لهذا المرور الكريم والبصمة الجميلة .. راق لي استحسانك قصتني وافرحني رايك فيها
لك شكري واعتزازي

راضي المترفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5204 المصادف: 2020-12-04 03:48:30