 نصوص أدبية

عَرقِ الحَشائِش

عبد اللطيف رعريبِعَرقِ الحَشائِش أرَمِّمُ خُدوشَ الحُضُورِ...


على جَبهتِي خُدُوش

طفُولتِي

لا تشْبهنِي طبعًا

ولا تُشْبهُ مَن يُشبِهنِي....

بيَاتٌ جنبَ الصّحُون,

وعَرَباتُ بائِعِ الثمُورِ, وقذَرات بامتِيازٍ ...

**

كُنْتُ أغتسِلُ بدَمعِي

وأغْزلُ مواويلَ الحِكْمةِ بقَلبٍ حَزينٍ..

أعُدُّ اللُّقيمَاتِ حِين الوِفاضُ يغْرقُ فِي اللاشَئ

فأسْتكِينُ لِمَغصِي,

علَى رتَابةِ سيِجارَة شقرَاءَ, لزبُونٍ اسْتثنائِي لا يكُفُّ عِن الكلامِ

**

كنْتُ شَبيهًا بالرّيح, لا أرِحَمُ الأورَاقَ الضَّعِيفةِ ..

أضَاجِعُ أنثاي مهمَا تشَكَّلتْ أطيَافُها

وأشْكُو تفَاهتِي

لمُجسَّمات تحْملُ قبُورَها فَوقَ أيادٍ مَبتُورَةَ الأصَابعِ ..

أدُوسُها بِنظرِي

حتّى لا يستَفيقَ حَولي زِلزَال كاتْرينا  اللَّعِينِ,

فيُمزقُ حجابَ براءتي

بموجةٍ عاتِية...

**

كنتُ شقيًّا وأنا  أتهيئُ للرَّحيلِ

في زَمنِ الرسُل والأنبياءِ...

شَريدًا بين حِيطانِ شيّدها ابن رُشد برَماد كتبه

لِمُغازلةِ  ثمالتهِ الأخيرة

عِلمًا أن انتِحَارهُ استِفاقةً لنهجِ العَقل.

**

كُنتُ بِكاملِ اللّهفةِ

إلى اصْطيادِ اللَّاوعي

لكن شَيئًا مَا يخبرُ الأفقَ بِقدُومي حَافيا

فأمُوتُ دومًا

خارجَ المدينةِ مَع الحَمقى ..

أحيانًا...

وفِي ألفتِي يًنامُ حِاكِم الأطيافِ بِدُون عُيونهِ

فَيستَحَالُ عليَّ التَّشرُدُ...

والتَّمرُد ُ....

والتَّفرُدُ ...

لَكن قَرقَباتَ أسْنانِي بَديل للِعذابِ

**

كنتُ أضعُ زادِي في جُيوبِ العاصِفةِ

وأضْحكُ فِي وجهِ جدِي

ليظن أن ساعتي قريبة

لانتهي من شُرودِي وَمن شرٍّ المُجازفاتِ

فكلَّما ثارَ غَضَبي أقبِّل جُدرانَ العِشقِ

وألطم حذاءي بوجه الأرض

وأسميه كما أشاء ..

عَجُوز أجْرب..

ملكُ البُخلاءِ...

مُياوم بنصْف ريالٍ...

بهْدلة أخِرِ ألازْمانِ

**

كانت أقفالي ترْتوي بصَدأ الرَّصيفِ ,

تكْفينِي حِينَها

خَبط عَشْواء علَى سَتائرِي لِكشفِ نوَايَاه

وأشْيائِي بِدُونِ معْنى ..

أمَامَ خَواءِ صَدره.ِ..

وتاريخي الطفُولي بَسيطٌ لأبْسَطِ الغَاياتِ

لَكنْ بَسْمتِي ظَلَّت مُؤجَّلة

حتَّى نهَايةِ فنْجانِ السُّم الذِّي أعَدَّه لِي....

**

كُنتُ  ظِلاً لظِلِّي

حِينَ تخْتفِي الشّمسُ بلَمسةِ الرّب..

كُنتُ أعرّي الغِيابَ مِن عُقمِهِ...

كنْتُ أمَازحُ خطَواتِي لنَصِلَ قلْبَ الشّجَرةِ ..

كنت أسَاوي بين الوترِ,

وثِقْل الصَّخرة ,

وأنْهِي لَحنِي بِصَرخةٍ صَامتة

لآحَادِي ظِلَّ الله

كَيْ أرَى مِحرَابَ العِشْقِ فارِغًا

إلاّ مِن ورْدة

الجُلونارِ

**

كَانتْ بِيدِي كُلَّ التّذَاكر لأرْضِ الجُنونِ

وَكانَ قارَبِي بَطيئاً مُتَهالِكًا فِي الدِّماءِ ..

وهَذا الجَناحُ الخَشَبِي لا يَلِينُ فِي وجْهِ الرِّيحِ

والقَمِيصُ المُطرَزُ بِعِطْرِ المَوتِ

التَصقَ بِمجْدافِ المَتاهَةِ...

وها أنا أدَاوِي خُدُوشِي كَمَا عَهِدتكُم

بِعَرقِ الحَشائِشِ

لأرَمِّم سَقفَ الحُضُورِ ....

***

عبد اللطيف رعري/فرنسا

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

كُنتُ بِكاملِ اللّهفةِ

إلى اصْطيادِ اللَّاوعي

لكن شَيئًا مَا يخبرُ الأفقَ بِقدُومي حَافيا

فأمُوتُ دومًا

خارجَ المدينةِ مَع الحَمقى ..
------------
جميل جداً هذا النص
ليس عرق الحشائش فقط.. بل عرق الكلمة الموجزة والواعية بما يدور في فلكها
أحسنت وأبدعت
احترامي واعتزازي

ذكرى لعيبي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك ذكرى فالجميل هو مرورك البهي وتعليقك الراءع لك عشق القصيدة

عاللطيف رعري
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
صياغة شعرية متمكنة من ادواتها وتقنيات الصياغة الشعرية , ورؤيتها وتفاعلها على خدوش الزمن في رحلة العمر ومحطاته المتنوعة في مراحلها المتعددة والمتقلبة . لاشك ان كل واحد منا يملك خدوش في رحلة العمر واسفاره . وقد برعت في تسليط الضوء في الانثيالات وارهاصات ( كنت ) على هذه الخدوش التي تلاحق الفرد كظله لتسكب وعاء قريحتها في قعر الاناء . في محراب الحياة والعشق . ولكن الروعة لم تسقط الذات في هاوية الخدوش , بل يحاول ان يرمم بها سقف الحضور . يعني دلالة المعنى بأنه خرج من الامواج العاتية والعاصفة , بأقل من الخدوش في حشائش الحياة والوجود . يعني لم يخرج بخفي حنين وانما ترك في محراب العشق وردة .
كُنتُ ظِلاً لظِلِّي

حِينَ تخْتفِي الشّمسُ بلَمسةِ الرّب..

كُنتُ أعرّي الغِيابَ مِن عُقمِهِ...

كنْتُ أمَازحُ خطَواتِي لنَصِلَ قلْبَ الشّجَرةِ ..

كنت أسَاوي بين الوترِ,

وثِقْل الصَّخرة ,

وأنْهِي لَحنِي بِصَرخةٍ صَامتة

لآحَادِي ظِلَّ الله

كَيْ أرَى مِحرَابَ العِشْقِ فارِغًا

إلاّ مِن ورْدة

الجُلونارِ
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك استاذ عبد الله على تفاعلك الراءع وقراءتك الجميلة والتي شملت كل شيء

عبد اللطيف رعري
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5251 المصادف: 2021-01-20 03:19:53