 نصوص أدبية

حكايات مختارة من إيسوب (4)

جمال ابو زيدترجمة: جمال أبو زيد

16- المرأةُ العجوز والطبيب


استدعتْ عجوزٌ كانت عيناها قد بدأتا تضعفان طبيباً لقاءَ أجرٍ متفقٍ عليه. ذهب إلى منزلها، وكان يعالجُ عينيها كلَّ مرّة ٍ بمَرْهَم. وفي كل جلسةٍ، وفيما كانت عيناها مغلقتيْن جرّاءَ العلاج، كان يسرق أثاثَ منزلها قطعةً في إثر قطعة. وحين نقلَ كلَّ شيءٍ، انتهى العلاج وطالبها بالأجر المُتفق عليه. رفضت العجوز أن تدفع له أجْرَهُ فأخذها إلى المحكمة. وصرَّحَتْ عندئذٍ بأنها كانت حقّاً قد وعَدَتْهُ بأجْرٍ إذا أعاد لها بصرَها، ولكنْ منذ أن بدأ برنامج الطبيب في العلاج، ساء وضعُها أكثر من ذي قبل، إذْ، كما قالت، " في السابق كان في مقدوري أن أرى الأثاثَ في البيت، أمّا الآن فلم يعد في وسعي أن أرى أيَّ شيءِ منه".

**

17- الحصان والحمار

كان لدى رجلٍ حصانٌ وحمار. ذات يومٍ، وفيما كانا على الطريق، قال الحمار للحصان:

"خذ عنّي بعضَ الحِمْلِ إذا كانت لديكَ قيمةٌ لحياتي".

أدار له الحصانُ الأذنَ الصمّاءَ، وسقط الحمارُ مُنْهَكاً من الإعياء ومات. وعندئذٍ نقلَ المالكُ الحِمْلَ إلى الحصان بالإضافة إلى جلد الحمار المسلوخ، فتنهّدَ الحصانُ وقال: " آه. لا أملَ لي. وا أسفاه! ماذا أصابني؟ لأنني لم أُرِدْ أن أحملَ حِمْلاً خفيفاً، ها أنذا أحملُ الحِمْلَ كلَّه وحتى الجلد أيضاً! ".

**

18- البستاني والكلب

سقط كلبُ البستاني في بئر. وبُغية إنقاذه، نزل البستانيُّ بنفسه إلى البئر. بَيْدَ أن الكلب، الذي ظنَّ أن البستانيَّ كان بصددِ دفعه إلى نقطة أعمق، استدار وعَضَّه. فصعد البستانيُّ إلى خارج البئر وهو يتألم من جرحه قائلاً: " الأمرُ سيّان بالنسبة إليّ. لماذا أضايق نفسي لأنقذ حيواناً يريد أن يهلك؟".

**

19- اللصوص والديك

 لم يجد بعضُ اللصوص، الذين اقتحموا بيتاً بُغية سرقته، شيئاً فيه باستثناء ديك ٍ صغير فأخذوه ومضوا به. وحين دنا أجلُهُ على أيديهم، توسّل إليهم أن يطلقوا سراحه مدافعاً عن نفسه بقوله إنه كان ذا عونٍ للرجال بإيقاظهم ليلاً للذهاب إلى أعمالهم، فقالوا له: "وهذا سبب آخر لقتلك، إذ بإيقاظك الرجال تمنعنا من السرقة".

**

20- الرجل الذي عَضَّهُ كلب

طاف رجلٌ، كان قد عضَّهُ كلبٌ، في كلِّ مكان بحثاً عمَّنْ يعالج جرحَه. أخبره أحدُهُم أنّ كلَّ ما يتحتّم عليه أن يفعله هو أن يمسح الدمَ عن جرحِهِ بكِسْرَة ِ خبزٍ ويرميها إلى الكلب الذي كان قد عضَّه، فأجاب الرجلُ المتأذّي قائلاً: " ولكنْ، لو فَعَلْتُ ذلك سيعضُّني كلُّ كلبٍ في المدينة". 

**

21- الكلبُ الذي أُكْرِمَتْ وفادتُهُ كضَيْفٍ

أو الرجلُ وكلبُه

أعدَّ رجلٌ عشاءً ليكرمَ وفادةَ صديقٍ للعائلة. ودعا كلْبُهُ كلباً آخرَ قائلاً له: " يا صديقي، تعالَ إلى البيت لتناول العشاء معي".

وصل ضيفُهُ يحدوهُ الحُبورُ وتوقف لإلقاء نظرة ٍ على كلِّ الطعام الممدودِ، مغمغماً في قرارة نفسه: " أوه. يا لها من لُقْيَة ٍ بالنسبة إليّ. سوف أُسْرفُ في الشراب وأعطي نفسي ما يُتْخِمُ بطني بحيث لن أشعرَ بالجوع طوالَ يوم غد".

وطوال الوقت الذي كان يُغمغمُ فيه بذلك كان ذيلُهُ يهتزّ وهو يُظهر ثقته بصديقه.

أمسكهُ الطاهي، وقد رأى ذيْلَهُ يتحرك ذات اليمين وذات اليسار، من قدمه وطوَّحَ به من النافذة. ذهب الكلبُ إلى البيت وهو يعوي. في طريقه قابل بعض الكلاب، وسأله أحدُها: " كيف كان عشاؤك؟".

أجاب الكلب: " لقد أسْرَفْتُ في الشراب حتى الثمالة. ولا أعرف حتى كيف خرجتُ من ذلك البيت".

***

..................... 

إيسوب ( 620 ق.م – 564) كاتب إغريقي ولد عبداً في القرن السادس قبل الميلاد في اليونان في جزيرة ساموز، ثم أعتقه سيده الأخير. انطلق بعد ذلك يجوب الآفاق وينشر أفكاره وحِكَمَهُ وقد ألّف مئات الحكايات الخرافية حتى صار أحدَ رُوّادِ هذا الفن. وهو شخصية مثيرة للجدل، ولا يُعرف عن حياته إلا القليل. فثمةّ من يشكك في وجوده أصلاً ويعتبره شخصية أسطورية اخترعها اليونانيون، الذين كان من عادتهم نسبة الأعمال الأدبية إلى مؤلف، فنسبوا تلك الحكايات إلى شخصية وهمية تدعى إيسوب.

بيد أننا في حقيقة الأمر نرى أنّ الجميع اتفقوا على أنَّ "حكايات إيسوب" عمل أدبي رائع، صيغ بأسلوب طريف وممتع. وتضع تلك الحكايات فلسفة للحياة والسياسة مليئة بالحِكَمِ والدلالات التي جاءت على ألسنة الحيوانات. تُعدُّ كلُّ حكاية منها ذات معنى خاص يستطيع القارئ الوصول إليه بسهولة. لاقت تلك الحكايات رواجاً كبيراً، واهتم بها كثير من الكُتّاب والنقاد والقرّاء والمترجمين على مَرّ القرون اهتماماً بالغاً. 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (16)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور جمال أبو زيد المحترم

عِنانُ اللغةِ مستقرٌّ بين يديكَ، والثقةُ والحِرَفِيَّةُ، اللتان أغْدَقَتْهما عليكَ الخبراتُ المتزايدة في هذا المضمار، مستقرّتان بين يديك أيضاً منذ اللحظة التي تمسك فيها بالقلم. وهو ما تنمُّ عنه ترجماتُكَ بجلاء.
لكَ ثنائي وتقديري

جوسلين خوري

جوسلين خوري
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة القديرة جوسلين خوري
سرّنِي وشرَّفني كثيرا مروركِ الكريم وتعليقك الجميل.
لك مني كل التقدير والإمتنان

جمال أبوزيد

جمال أبوزيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور جمال أبو زيد الفاضل

اختياراتُكَ لا يمكن أن تكون خَبْطَ عشواءَ أو كيفما اتفق، لأن ذائقتَكَ الأدبيّةَ تشهدُ بأن اختياراتكَ ناشئةٌ عن سابق إصرارٍ وتَرَصُّدٍ أدَبِيَّيْن.
وترجماتُكَ متألقة دائماً، لأن البئر اللغوية التي تغرف منها بِدَلْوِكَ للكتابة دائمةُ البريق، وكتاباتُكَ تشهدُ بذلك.

مع شكري وتقديري
د. سهى الحاج

سهى الحاج
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتورة والناقدة الكبيرة دكتورة سهى الحاج
هذه شهادة أعتز بها، فتعليقك وسام شرف يشجعني على الاستمرار على الدرب.
أشكركِ من أعماق قلبي على تعليقك الرّشيق وكلماتكِ المنمقة.

جمال أبوزيد

جمال أبوزيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والمترجم القدير
حكايات جميلة ومشوقة تشد القارئ برهافة ممتعة , وترجمتها الراقية والشفافة . هذه الحكايات الجميلة تحمل معاني بليغة في الحكمة والتبصير . وتبرز كيف تكون معالجة المشاكل مع من يستحق ومع من لا يستحق . الذي يملك الغش واللؤم والضغينة وانغلاق العقل والافق , بأن الامر ينقلب بالضد . قرأت صدفة احدى الحكايات يسوب التي ترجمتها أنت سابقاً , وجدت انك تملك براعة في الترجمة بحق وحقيقة
ودمت بخير وعافية .
ευχαριστω πολη
Με εκτιμηση

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ والناقد الكبير جمعة عبد الله
أشكرك جزيل الشكر على التعليق الرائع وعلى مرورك الكريم. دمت بخير وعافية

لك كل التقدير والاحترام

جمال أبوزيد
This comment was minimized by the moderator on the site

ترجمة ماتعة وممتعة لحكايات ملأى بالفطنة مُقَدَّمَة على طبقٍ من بيانٍ بليغٍ أخّاذ.
لك الشكرُ دكتور جمال وسلمت يداك.

وديع سالم

وديع سالم
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الكريم وديع سالم
أشكرك على المرور والتعليق. متعك الله بالصحة والعافية
لك كل التقدير والاحترام

جمال أبوزيد

جمال أبوزيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور الفاضل جمال أبو زيد المحترم

براعتُكَ في ترويض النصّ الأصلي بأنشوطتِكَ الأسلوبية البلاغية، وتدجينِه وإكسائه بغلالة عربية جمالية متميّزة، لا تخفى على عين المتابع الشغوف بالأدب، وتستحقّ التأمُّل والثناء.
مع تقديري واحترامي

مها الأسطة

مها الأسطة
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة الفاضلة مها الأسطة
أشكرك على التعليق الأنيق الذي يفصح عن ذوق رفيع ومعرفة بالأدب وفنونه.
مع فائق تقديري وإمتناني

جمال أبوزيد

جمال أبوزيد
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الدكتور جمال المحترم:

اختيارُكَ مُوَفَّقٌ مرَّتَيْن: الأولى حين اخترتَ ترجمة إيسوب، والثانية حين اخترتَ ما ستترجمُ من حكاياته.
لك الشكر والتقدير.

وائل أبو اللبن

وائل أبو اللبن
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الفاضل وائل أبو اللبن
أشكرك على المرور وعلى التعليق القيّم أخي الكريم وائل.
مع تقديري واحترامي
جمال أبوزيد

جمال أبوزيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور الفاضل جمال أبو زيد

دُمْتَ متألّقاً
ودام تألُّقُك وحضورُك.

جوسلين كلش

جوسلين كلش
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة الفاضلة جوسلين كلش
أشكركِ جزيل الشّكر على المرور والتعليق الجميل
مع تقديري واحترامي
جمال أبوزيد

جمال أبوزيد
This comment was minimized by the moderator on the site

قرأت فاستمتعت حقا : حِكَم بليغة بلبوس السرد ، تكشف عن كاتب حكيم خبر الحياة والنفس البشرية .. زاد من روعتها الترجمة الحاذقة التي كشفت هي الأخرى عن مترجم قدير .

شكرا أخي الأديب المترجم القدير د. جمال أبو زيد .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الفاضل يحي السماوي
أشكرك على المرور والتعليق الجميل. أرجو لك دوام الصحة والعافية.
لك مني كل التقدير والاحترام
جمال أبوزيد

جمال أبوزيد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5356 المصادف: 2021-05-05 02:01:52


Share on Myspace