 نصوص أدبية

ناجي ظاهر: اصحاب الكوفي شوب

ناجي ظاهرعندما ولج حبيب وحبيبته حبيبة باب الكوفي شوب لفت نظرهما النادل بوقفته المنتظرة المترقّبة. همس حبيب لحبيبة متسائلًا عن سبب وقوف النادل ذاك. فما كان من حبيبة إلا أن ردت عليه هازةً كتفيها ومردفةً إنه قد يكون وحيدًا لأن حبيبته تركته وغادرته دون كلمة وداع واحدة.

اتخذ كلٌ من حبيب وحبيبة مجلسيهما واضعين ايديهما على الطاولة وكأنما كلٌ منهما يتحفز لملامسة يد الآخر. نسيا العالم حولهما وراحا يتبادلان النظرات كأنما هما يريان بعضهما بعضًا اولَ مرة.

بعد مضي حوالي الساعتين تقدّم النادل منهما وبيده تسعيرة الكوفي شوب، تناول الاثنان التسعيرة من يد النادل ووضعاها ببرود تحت ايديهما. بعد دقائق التفت الاثنان ان النادل ما زال ينتظر طلبهما، فقالا له بصوت كاد ان يكون واحدًا: فنجان قهوة من فضلك.

حمل النادي التسعيرة ومضي مبتعدًا عنهما، وعلى وجهه علامةُ استغراب فلماذا هما طلبا فنجانًا واحدًا ولم يطلبا فنجانين كما هو متوقع ومتواضع عليه؟.. قبل ان يصل مطبخ الكوفي شوب استرق النظر اليهما، فرآهما غائبين عن الوجدان وكأنما هما يعيشان في عالم آخر فتساءل عن طلبهما الغريب دون ان يحظى بأية إجابة، فتلك كانت المرة الاولى التي يواجه فيها مثل ذاك الطلب الغريب.. فنجان قهوة واحد لاثنين، " هل نحن على ابواب فترة اخرى غريبة في حياتنا؟"، تساءل وسط المزيد من استغرابه.

فكر في ان يخبر صاحب الكوفي عن ذاك السبب الغريب العجيب، فتوجّه إلى حيث يجلس الى طاولته الخاصة، فلم يجده هناك. قال بينه وبين نفسه " ربما كان قد ذهب اليها. الجميع يذهبون إلى محبوباتهم إلا أنا.. محبوبتي تهرب مني.. تتركني وحيدا وتغادر".

دخل إلى مطبخ الكوفي.. جال بنظره انحاء المطبخ باحثًا عن العامل المتخصص بغلي القهوة. لم يجده". ربما كان غادر في غفلة منّا كالعادة ليلتقي محبوبته هناك في السهول البعيدة" قال في نفسه، وأضاف" كلهم يذهبون إلى محبوباتهم إلا انا.. تهرب مني محبوبتي". بقدمين مترددتين توجّه إلى الغاز هناك في الجانب اليميني من المطبخ. أشعل النار ووضع القهوة عليها.

بعد دقائق سكب القهوةَ في فنجان كبير، وضعه على صينية وخرج حاملًا اياه وماضيًا باتجاه الجالسين هناك.. غائبين عن الوجدان. وضع الفنجان على الطاولة بينهما. عاد إلى مكانه حيث وقف عندما دخل حبيب وحبيبة الكوفي شوب. وراح يسترق النظر إليهما. فهل سيشرب احدهما القهوة تاركًا الآخر ينظر إليه ببلاهة؟.

لم يمض وقتٌ طويل حتى رأى ما لم يتوقعه. تناول الرجل وسط الاضواء الكابية فنجان القهوة من على الطاولة امامه وأدناه من فم حبيبته قبالته، فشربت منه، لتمدَّ يدها بعد ثوان قلائل إلى الفنجان ذاته وتدنيه من فم حبيبها قبالتها وليشرب بالتالي وسط نشوة لا تعادلُها اختٌ لها إلا في الفردوس الذي قرأ عنه في المدرسة إيام كان طفلًا صغيرًا يجلس إلى مقاعد الدراسة حالمًا بفردوس تجري من تحته الانهار خالدين فيها ابدا.

اجتاحَ النادلَ شعورٌ جارفٌ بالمحبة.. الآن بات كلُّ شيءٍ واضحًا له إنها حالةُ عشقٍ نادرة. الآن عليه أن يبحث عن محبوبته في كلّ مكان ليشرب معها من فنجان قهوة واحد. وانطلق راكضًا في الشارع المعتم تاركًا ضيفيه وحيدين.. وكأنما هما.. اصحاب الكوفي شوب.

 

أقصوصة: ناجي ظاهر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5407 المصادف: 2021-06-25 01:55:50


Share on Myspace