 نصوص أدبية

الحسين بوخرطة: عودة الدناصير

الحسين بوخرطةفي يوم سوداوي الغيوم، كثر الحديث عن الدناصير في بلاد سماها مؤسسها إمارة أهل الكهف. احتار الأعرابي فواز الميزر أمام الأوصاف التي يرددها الناس في كل مكان. تعجب للصخب الذي انتشر في الإمارة كما تنتشر النار في الهشيم. محدثا نفسه، عصر الدناصير أكل الدهر عليه وشرب، فما هذا الهلع المستشري في كل مكان. نام نومة عميقة، تخللتها كوابيس متتالية عجت أنفاسه كربا وغليانا، ثم استيقظ مرتبكا يرتعش. وقف وقفة العربان الشجعان، لاح بنظره في فضاء أرض ممتد، مشرئبا أفقا مجاليا أوسع، اقشعر جسمه، فتهاوى في مكانه، بدون أن يتقدم ولو خطوة واحدة. لم ير حوله إلا دناصير بيئة عصر جديد، تمزق لحوم البشر وتهشم الرؤوس، كما يهشم الأطفال بشراهة قطع الشكلاطة.

لحقه صديقه سلام السرمدي بسرعة فائقة. بلل وجهه بماء مثلج، وقرب إلى أنفه قطعة بصل بعدما رفسها بأصابعه. استفاق فواز من إغفاءته وغثيانه، وهرع بصحبة رفيق دربه إلى نفق الاحتماء الذي شيده الأهالي في سفح الجبل. وهما يتابعان التطورات عن كتب مستعملين وسائل التواصل الحديثة، بلغ إلى علمهما أن قائد الدناصير أصدر رنينا غريبا. حلل المختصون رموزه بسرعة فائقة. تسمرت الدناصير في أمكنتها، واستلت آذانها نحو الأعلى، ولم ينبس أحد منهم ببنت شفة، مركزين على تعليمات الزعيم، لتتوافد عليهم ترنيمات كهرومغناطيسية حاملة لأوامر صارمة. أصاخت له الأسماع. فهم الجميع أن دوام السيطرة على البشر مرتبط بتأمين الغذاء وعقلانية استهلاك اللحوم، وإرغام المخلوقات على التوالد بكثرة.

كاد سلام أن يستسلم للهلع الذي أصابه عندما علم أن حاشية زعيم الغزاة قد تم إخضاع أفرادها لتكوين جهنمي دقيق. تعجب لمستوى الانضباط والامتثال الحرفي لتعليمات القائد. الرسالة كانت واضحة وضوح الشمس. الكل يجب أن يتنازل عن شراهته في الأكل ووضع حد لاستنزاف الغذاء بسرعة. الكل يجب أن يشارك في بلورة الخطط وتنفيذها. التهام أجسام بني آدم والحيوانات يجب أن يخضع لقواعد مضبوطة. لا مناص من إرغام المخلوقات على التوالد لتوفير اللحوم لأمد طويل. في نفس الآن، ترقب ومراقبة بني البشر، الذين اعتبروا أنفسهم مركز الكون، تحول إلى عقيدة في المجتمع الديناصوري بكافة شرائحه العمرية. أعطيت التعليمات للجميع للتعبير سلوكا وممارسة أن الدناصير أولى من البشر في إعمار الأرض والاستفادة من خيراتها. لقد مكنتهم الطبيعة من العودة مجددا بعدما عبثت الجماهير بأسرار وجودها جاهلة أو متجاهلة إجبارية الحفاظ على متطلبات استمرارية النسق الطبيعي وقواعد وظائفه.

تنظمت جماهير الدناصير مكونة مجموعات ترابية، ترأس كل واحدة منها قائد جبار لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلبه. حافظ كل منهم على أسرار الزعامة، وطلب منهم الانتشار في حدود النفوذ الترابي المخصص لهم لتشخيص الأوضاع بالدقة المتناهية، وتفادي حدوث أي مفاجئة تذكر لا في التفكير ولا في التفعيل. فإضافة إلى إحصاء البشر والحيوانات واستخلاص المعطيات الديموغرافية للمجتمعات الترابية، صدرت الأوامر لتحديد أقوياء البشر جسمانيا وفكريا وعلميا، وإعطاء الأولوية لملاحقتهم، والقبض عليهم، وسجنهم في أقفاص حديدية، وانتظار التعليمات في شأن توقيت تقديمهم كوجبات غذائية لأعالي القوم. طلب منهم، من أجل تسريع تنفيذ هذه المهام، الاستعانة بالجهلة والانتهازيين والخونة من بني البشر في عملية الكشوفات وتنفيذ عمليات الاعتقال، بإغرائهم وإيهامهم بالعيش في سلام وطمأنينة إلى جانبهم.

أعطيت الانطلاقة في اليوم الأول لتنفيذ المهمة الصعبة الأولى، وأصدرت الأوامر لاعتقال الحيوانات الضخمة والقوية. استغرب فواز وسلام من حدة الدقة والذكاء في تنفيذ العمليات الهجومية. لم يتأخرا كثيرا في فهم خطط العدو ووسائله. شكلا فريقا من النبغاء للتفكير في خطة لإفشال جشع الدناصير ووحشيتهم. حددوا الأماكن السرية للاختباء، وكونوا بدورهم مجموعات ترابية للتفكير والتشخيص والترقب والمواجهة. تم تعيين جهاز قيادي أعلى بروافد مؤسساتية للمقاومة، والتواصل مع قيادات الأقطار الأخرى غربا وشرقا لتبادل الخطط والخبرات والتقنيات. سيطرت على النقاشات فكرة ابتكار السبل والدسائس لإفساد الدناصير، ونشوب الخلافات والصراعات المصلحية فيما بينهم.

منذ اليوم الأول من الصراع، تكثفت الاتصالات داخل وخارج الإمارة، اختلى فواز بسلام في جلسة تشاورية للحسم في خطة محكمة لبلوغ الأهداف المسطرة في زمن قياسي.

سلام: ليس أمامنا من سبيل سوى تخدير عقول الدناصير بمختلف أنواع النبيذ المعتق. علينا تخزين ألوف البراميل الممتلئة بمختلف أنواع وألوان الخمور والويسكي والكحول القوية تحت الأرض. نجاحنا سيبقى مرتبطا بتقوية نزوع الدناصير للهو والترفيه والمجون، وبمدى قدرتنا على زرع الخلافات وصراع المصالح بين فئاتهم العمرية.

فواز: للدناصير أجسام ضخمة، وتحديد الكميات المطلوبة لتخديرها وإسقاطها في مستنقع الإدمان يتطلب القيام بتجارب علمية دقيقة. علينا أن لا ننسى كذلك أن نباهة ويقظة قياداتهم عالية وحادة جدا. فنشوب الصراعات فيما بينهم، والرفع من حدتها لتتحول إلى اقتتال أو إبادات جماعية دائمة ليس بالأمر الهين.

سلام: فعلا، ما تقوله نعم الصواب. إذن علينا أن نفكر في كيفية استمرار إنتاج النبيذ بالكميات المطلوبة، وضمان ديمومة مخزون كاف لتنفيذ مراحل خطتنا في الأيام القادمة، وإغراء الدناصير بالموسيقى الساخبة لدفعها إلى المبالغة في شرب الكحول، والاستسلام للرقص وإدمان تنظيم حفلات الليالي الحمراء.

فواز: طيب، لكن أول خطوة أراها نافعة للغاية في عملنا هي تخدير أضخم ديناصور وتنويمه، واختطافه بسرية تامة، ووضعه رهن إشارة علمائنا للقيام بالتجارب العلمية عليه. ثاني خطوة، علينا توفير الحماية لعلمائنا ومفكرينا، وأن نوفر لهم الظروف الملائمة للاستمرار في إنجاز بحوثاتهم وتجاربهم.

سلام: على المستوي القريب والبعيد، علينا أن نضع أصبعنا علميا على مكمن الاختلال الطبيعي الذي عجل بعودة الدناصير إلى الأرض. فمناهضة المغتصبين ومساعيهم تستعجلنا لتشكيل قوة مجتمعية للضغط على الأمير ونظامه لتسريع وصول بلادنا إلى الزعامة العلمية، وتعميم إحياء العقل النقدي والفكري الحر وإذكاء وتنمية الوعي السياسي والمعرفي لدى عامة الجماهير.

استمر الصراع بمنطق الاستنزاف لثلاثة أيام متتالية. اكتشف العلماء أن أجسام فصيلة الدناصير الغزاة محمية بجلد لا يخترقه الرصاص، ولا يتأثر بالأشعة النووية ولا بالمواد الكيماوية المتوفرة. اقتنع سلام أن الصراع سيدوم لعقود أو قرون. والصراع في أيامه الأولى، كثرت عمليات الاختراق في صفوف الطرفين، وتم التشجيع على التوالد في صفوفهما. قدم البشر والحيوانات التضحيات الجسام، وتعجب زعيم الدناصير من كثرة العثور على جثث متعاونيه منتشرة في مختلف الوحدات الترابية.

عاشت الأرض منذ الأيام الأولى من الصراع نوع من تساكن إجباري، لكنه دامي وعنيف وأطرافه مسكونة بمنطق الإبادة وهدر الدماء والجشع في العيش. طمح الدناصير في تحقيق السيطرة على الطبيعة وإخضاع الإنسان المستخلف فيها. بذلت من أجل ذلك كل ما في وسعها لاعتقال كل العلماء وإرغامهم على تطوير العلوم والمواد لتخصيب الحيوانات والبشر لتأمين الغذاء عبر العصور. بدورهما، سلام وفواز، بعدما التحقا بحاشية الأمير، أبدعا في تنظيم المقاومة الشرسة، بدء باختراق الخونة ودسهم في صفوف الدناصير، ومرورا بإفساد أجيال الدناصير بالكحول والميل للمجون، ووصولا إلى تشجيع البحث العلمي لاكتشاف مواد أو فيروسات قاتلة للغزاة. استمر صراع وجودي وسط تخوفات من انبعاث قوى طبيعية جديدة تكون أكثر قسوة ووحشية من الدناصير.

 

الحسين بوخرطة

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

القاص الأستاذ الحسين بوخرطة
أطيب التحايا
نص قصصي درامي جديد في توجهه وكُتِب بفنية عالية ولغة بارعة في بساطتها المقصودة
ولا شك أن الديناصورات هنا في واحد من معانيها هم الساسة العرب وأما البشر والحيوانات فهم مختلف فئات المجتمع العربي ودمتَ في جمال وعافية

سامي العامري
This comment was minimized by the moderator on the site

أشكركم على اهتمامكم ومروركم سيدي سامي العامري.
أعزكم الله وأكرمكم.
معزكم الحسين بوخرطة

الحسين بوخرطة
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
سرد عميق في خلفيته الفكرية العميقة , وفي الحدث الذي يرسم اطار صور الواقع الجديد , لذلك لا اعتبره حلم بكوابيسه . وانما يصور حقيقة واقع اليوم في عصرنا الحديث , حيث اصبحت الدناصير هي التي تتحكم بخناق الحياة والبشر . اصبحت هذه الدناصير الهة البشر في عصرنا الحديث , عصر الدناصير .
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

حياك الله ورعاك أستاذي جمعة عبد الله على حضوركم الوازن والقيم.

الحسين بوخرطة
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الكاتب القاص الأديب الأستاذ الحسين بوخرطة حفظه الله ورعاه،
تحية لك بمناسبة هذه القصة الجميلة الدالة التي تحمل طابع أسلوبك وتعبق بالحكمة، مبنى ومعنى ومغزى.
في الأدب الأمريكي، لا يعتبرون قصصي، أدباً ، لأن معظمها قريب من السيرة. والأدب القصصي لديهم Fiction هو المضمخ بالخيال، مثل قصتك هذه. ولهذا تجد كثيراً من أفلام هوليوود تستند إلى روايات من هذا النوع.
فهنيئا لك ولنا بقلم القاص المبدع الحسين بوخرطة، دام كاتباً معطاءً.
أخوك: علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

أعتز وأفتخر بشهادتكم القيمة. وأنتم سيدي علي ينبوع يفور إنسانية وحبا وفكرا وأدبا ومعرفة، ينبوع تمتح منه الأجيال بحضوركم المباشر وغير المباشر القوي التوجيهي والتأطيري والمنهجي السامي قيمة.
أنا أفور فرحا وحبا وعطاء منذ إن تعرفت عليكم كأخ لم تلده لي أمي.
حفظكم الله ورعاكم.
أخوكم ومعزكم الحسين بوخرطة

الحسين بوخرطة
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5407 المصادف: 2021-06-25 01:56:53


Share on Myspace