 نصوص أدبية

عقيل العبود: وهكذا تعود أنانا!

عقيل العبودأصلي اليكِ، تحط عند مرافئ عينيكِ سفينتي المحطمة، أنظر الى البحر، أطوف بعيدا، اتطلع نحو السماء، أزرع العشق، وأرسم للورد آنية.

انقش قبلتي فوق جدران معبدك القديم، أختصر المسافات، أنثر الورد، وأصوغ لأرضك قلادة حبي.

هنالك مثل نبي الله نوح، يتبعني النداء، أمسك بقاربي، أبصر نحوي، لا أحد بجانبي الا امرأة طاعنة في السن تطوقني بالقبلات.

أخذنا معنا قمحًا، وزرعا وطيورا وحيوانات برية، وكذلك لسهرتنا أحضرنا شباك صيد، وخيمة، ومعدات، صرنا نحكي، أصواتنا ارتفعت مثل استغاثات يتبعها خوف، واستيقظت الآلهة من نومتها، أفاق أصحاب الكهف.

وتغيرت جميع مشاهد الحياة، تبدلت الألوان، والزغردات كما أرصفة العاشقين، اتخذت تلك الاجواء مثل العواصف أشكالًا اخرى؛ راحت التوصيفات، والمسميات، وجميع المشاهد تحتفي بألقابها الجديدة-صار الفقير غنيا، وغدا الضعيف قويا، وامسى الحاكم محكومًا، وهكذا.

تحول الانسان الى كائن آخر. تغيرت اصناف الناس جميعها، تحول المقتول الى شاهد دون حاجة منه الى شهود.

قررت انانا ان تعود بعرش محدث، عاد جميع الموتى الى الحياة، تنفست النباتات، والأوراق، والازهار، والشجيرات البرية، والطيور. 

أخاط القمر بدلة له مرصعة بالنجوم، اتخذ الفضاء من قصص الواقفين لغة للتشريع، تحولت الشكاوى الى هشيم تذروه الريح، لتذهب بعيدا صوب العاصفة.

لاحت النجوم علينا، بات الغروب يبعث في النفس بهجة لا حدود لها من الغبطة والانشراح.

اصطفت قافلة الأموات تباعا، بينما في ذات الوقت تهيأت صغار الآلهة لتدوين جميع الإفادات.

استعاد العراق بنخيله، وبنهربه، وبحيراته منصته القديمة، وراح يسطر الشعر على شاكلة أبيات، فيها من الرثاء ما يشد على البكاء.

استفاقت أنانا يوم صار للعراق مملكة جديدة، وتغيرت خارطة الاشياء.

***

عقيل العبود

ساندييغو/ كاليفورنيا

...............................

* إنانا: هي إلهة بلاد الرافدين القديمة المرتبطة بالحب والجمال والجنس والرغبة والخصوبة.

https://ar.m.wikipedia.org/wiki

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (9)

This comment was minimized by the moderator on the site

تفاؤل يزرع أملا بأن تخرج أرض الرافدين من ربقة آلهة الموت السفلى لتنبعث من جديد على يد آلهة الخصب والجمال انانا، ليعود تموز يملا الارض خصبا وحبا وجمالا.
توظيف لاساطير وادي الرافدين في نص مفعم بلغة مشرقة تذكرنا بالنصوص السومرية الخالدة.
مع تدفق روح الأمل الذي بات يهجر النفوس ويحيلها حطاما. فما احوجنا لهذه الروح وسط هذا الركام.
صباحكم ضوء وورد

عبد الستار نورعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

شاعرنا المبدع عبد الستار نور علي المحترم
تحية وسلاما:

شكرا لمداخلتكم القيمة. نعم هو شعور بالانتماء هذا الذي يدعونا لتوظيف الاسطورة، واشراكها في لغة النص، ليتها دائرة المشهد تستعيد جذور ارتباطها الانثروبولوجي الذي يمكن اعادة رسمة بطريقة هذا الفضاء الذي يدعونا جميعا لمحاكاة الواقع الميثولوجي على اساس خطوط التقاطع المتلازمة مع هذا النوع من الاستقراء.

ممنون جدا لهذه القراءة الدقيقة في فضاء النص، ورسم ابعاده الفنية بصورة نقدية متميزة.

هنا لا يسعني الا ان اعبر عن خالص احترامي وتقديري لما تفضلتم به مع دوام محبتي!

عقيل

عقيل العبود
This comment was minimized by the moderator on the site

نص جميل يوظف الاسطورة بعلم ودراية
وباسلوب رائع وراق
..............................................
الاديب المبدع الماهر عقيل العبود
دمت ودام ابداعك المتميز .

سالم الياس مدالو
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
نص ادبي مفتوح الافاق يتناول الارث الاسطوري لوادي الرافدين قديما , ولكن حين تبدلت الاحوال والمناخات الاسطورية نحو الاسوأ , حين استفاقت الالهة من نومتها . وارسلت أصحاب الكهوف المظلمة ان يكونوا عسس الحياة وحراسها الوحوش , وتبديل معالمهاوبندولها نحو الاسوأ مصيبة وفداحة . وهؤلاء اصحاب الكهف قلبوا الحياة ومعايرها عاليها سافلها , وتجمد الزمن اصبح نصير اعداء الحياة ( وتغيرت جميع مشاهد الحياة، تبدلت الألوان، والزغردات كما أرصفة العاشقين، اتخذت تلك الاجواء مثل العواصف أشكالًا اخرى؛ راحت التوصيفات، والمسميات، وجميع المشاهد تحتفي بألقابها الجديدة-صار الفقير غنيا، وغدا الضعيف قويا، وامسى الحاكم محكومًا، وهكذا.) لذلك قررت إينانا ان ترجع الى عالمها الاسطوري القديم. لان هذا العالم الجديد يطالب برأسها ودمها للقصاص والانتقام . والعراق يغوص في المراثي والبكاء .
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الأديب الأستاذ المبدع جمعة عبد الله المحترم
تحية وسلاما:
ستعود الحياة، وسترتدي الأشياء أثوابا جديدة؛ سستتنعم العصافير باعشاشها، وستحتفي السواقي بمائها الرقراق، سيكون كل شئ على ما يرام، ستذهب الغيوم بعيدًا، ويتغير لون السماء، سيهطل المطر بغزارة؛ وبذلك تنبت الأرض، وتخضر السنابل..

ممنون اخي الحبيب..شكرًا لنقاء حسك وذائقتك. دمت مبدعا متميزا!
عقيل

عقيل العبود
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع والأديب الاستاذ سالم الياس مدالو المحترم
تحية وسلاما:

شكرا لروعة انطباعك وحسك المرهف، شكرًا لهذا النوع من القراءات. فعلًا التوظيف التأويلي للأسطورة يكتنز في معالمه روعة جديدة، وصورا غزيرة..دمت مبدعًا وشاعرا متميزًا..احترامي وتقديري مع خالص المحبة!
عقيل

عقيل العبود
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع والأديب سالم الياس مدالو المحترم
تحية وسلاما:

شكرا لروعة انطباعك وحسك المرهف، شكرًا لهذا النوع من القراءات. فعلًا التوظيف التأويلي للأسطورة يكتنز في معالمه روعة جديدة، وصور غزيرة ما يمد الكاتب بمساحات تكاد ان تكون اكثر جمالا وروعة ..دمت مبدعًا وشاعرا متميزا مع خالص محبتي!
عقيل

عقيل العبود
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع عقيل العبود
تحية الود والاعتزاز

نص جميل ومبدع في توظيف الأسطورة وبعثها من جديد كي تلامس برمزيتها واقعنا الحالي وتدغدغ مشاعر الأمل الذي اصبح الشغل الشاغل لكل عراقي يبحث عن خلاص من حاضر بائس.
اللغة الشعرية في نصكم لغة تحاكي الحلم في صورها وايحاءاتها حتى كانها تقول ان تغيير الواقع في عراق الحاضر اصبح حلما ورغبات مثلما تحيل الأسطورة الواقع الى احلام ورغبات وامنيات.
دمت بكل خير وابداع..

عادل صالح الزبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الشاعر المترجم القدير عادل صالح الزبيدي المحترم
تحية وسلاما:
مسرور جدا ان التقيكم بعد غياب على صفحتي، وهذا شرف ووسام فخر اعتز به -شهادة مترجم متميز، وناقد، وشاعر، واستاذ مبدع، ما يجعلني اكثر حرصا في البحث عن سبل اخرى لتطوير النص الادبي مع مراعاة حرفية الاداء اللغوي، وانتقاء الموضوعات بطريقة تتماشى وحاجتنا الى التجديد. خالص محبتي مع التقدير!

عقيل العبود

عقيل العبود
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5443 المصادف: 2021-07-31 04:07:35


Share on Myspace